القرآن الكريم هو حبلُ الله المتين، والذكر الحكيم والصراط المستقيم، من عَمِل به أُجِر، ومن حَكَم به عَدَل، ومن دعا إليه هُدِيَ إلى الصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 57]، فالقرآن الكريم ليس كتابًا لتُزيَّن به الرُّفوف، ولا كلمات تُتلى في المآتم أو المناسبات، بل هو حياةٌ للقلوب، ونورٌ يضيء العقول، ودستورٌ يُوجِّه السلوك.
أيها الشاب وأيتها الفتاة، في رمضان - حيث تَصفو الأرواح، وتلين القلوب - يعود الشباب ليجدوا في القرآن صديقًا حقيقيًّا، يُحدًّثهم بلا مَللٍ، ويَهديهم بلا مصلحة، ويؤنسهم بلا مقابل؛ قال الله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ [البقرة: 185]، فهو شهرٌ مبارك كرَّمه الله بنزول القرآن الذي يحيي القلوب، ولذا كان جبريل عليه السلام يُدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في كل رمضان، وفي العام الذي توفي فيه، دارَسه مرتين، إشارة إلى عِظَم الختام وتمام البلاغ.
أيها الشباب، قراءة القرآن في رمضان ليست علاقة تلاوةٍ فقط، بل صُحبة، ومناجاة، ومراجعة للنفس؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم عن قراءته: "مَنْ قرأَ حرفًا من كتابِ اللهِ فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها، لا أقولُ: لم حرفٌ، ولَكِن ألِفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ"؛ رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: "اقْرَؤُوا القُرْآنَ فإنَّه يَأْتي يَومَ القِيامَةِ شَفِيعًا لأَصْحابِهِ"؛ رواه مسلم، تأمَّل: شفيعًا لأصحابه؛ أي: الذين صاحَبوه، وقرؤوه في ليلهم ونهارهم، فصار لهم كالصديق الذي لا يُفارقهم.
أيها الشاب، وأيتها الفتاة، لو علِمتم كيف غيَّر القرآن حياةَ مَن قبلكم، لَما ترَكتم مصحفكم لحظة واحدة، فقد كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يَختم القرآن في ليلة، ويقول: لو طهُرت قلوبنا ما شبِعت من كلام الله، وكان سعيد بن جبير إذا دخل رمضان أغلَق بيته عن الناس وقال: أتفرَّغ لقراءة كتاب ربي، وكان الشافعي يختم في رمضان ستين ختمة؛ ليُعلِّمنا أن القرآن ليس كتاب تلاوة فحسبُ، بل رفيقُ حياة، فالسلف رحمهم الله لم يكونوا يقرؤون للبركة فقط، بل ليزدادوا قربًا ومعرفةً، وخشيةً لله؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ [الأنفال: 2].
أيها الشاب المبارك، إليك خُطوات عملية ليُصبح القرآن الكريم صديقًا لك:
* اجعَل لك وردًا ثابتًا، نصف صفحة يوميًّا خيرٌ من انقطاعٍ بعد الحماس؛ قال صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدْومُها وإن قَلَّ"؛ رواه البخاري.
* اربِط القراءة بالنية، لا تقرأ فقط لأجل الْخَتمة، بل لتزداد قربًا من الله، وطُمأنينة في قلبك، اجعلها جلسة لقاءٍ مع الله، لا مجرد عادة.
* اقرأ مع التدبر لا مع السرعة، توقَّف عند آية أثَّرت فيك، واكتُبها في مُفكِّرتك، وطبِّق معناها في يومك، وتذكَّر: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [النساء: 82].
* استعِن بصُحبة قرآنية، كوِّن لنفسك مجموعةً صغيرة تقرؤون معًا، وتتنافسون في الحفظ أو التدبر؛ قال صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمَعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ يتلونَ كتابَ اللَّهِ، ويتدارسونَهُ فيما بينَهم، إلَّا نزلَت عليهِم السَّكينةُ، وغشِيَتهُمُ الرَّحمةُ، وحفَّتهُمُ الملائكَةُ، وذكرَهُمُ اللَّهُ فيمَن عندَهُ"؛ رواه مسلم.
* رتِّل القرآن بصوتك، واقرَأ بصوتٍ مسموع؛ حتى تسمَع نفسك وتخشَع، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليسَ مِنَّا مَن لَمْ يَتَغَنَّ بالقُرْآنِ"؛ رواه البخاري.
* اربِط القرآن بحياتك اليومية، اجعَل كل موقفٍ تَمُرُّ به له آيةٌ تذكِّرك بالله، فإذا حزِنت فاقرَأ: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5، 6]، وإذا فرِحت فقُل: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53].
* احْمِل مُصحفك في جَيْبك أو في هاتفك، واجعَل له مكانًا وزمانًا في يومك، لا يُزاحمه تطبيقٌ تافهٌ، أو مقطعٌ عابرٌ.
أخي المبارك، مَن يصاحب القرآن سيجد فيه صديقًا يُسكِّنه حين يَضيق صدرُه، وهادٍ حين تَشتبه عليه الطرق، ونورًا حين يَكثُر الظلام مِن حوله؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: مَن أحبَّ القرآن أحبَّ الله، فأيُّ صداقةٍ أعظمُ من أن تكون صديقًا لكتاب الله؛ لذا اجعَل رمضان نقطةَ البدء لا الختام، وابدَأ مع القرآن مِن الآن، ولو بآيةٍ واحدة، لكن اجعلها آيةً تغيِّر فيكم شيئًا، كنْ من أهل القرآن الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّ للَّهِ أَهْلينَ منَ النَّاسِ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هُم؟ قالَ: هم أَهْلُ القرآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وخاصَّتُهُ"؛ رواه ابن ماجه.