الصوم مظهر من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية
أ. د. عبدالله بن محمد الطيار
الصوم مظهرٌ عملي من مظاهر وَحدة المسلمين، وتساويهم غنيِّهم وفقيرهم، حاكمهم ومحكومهم، كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم، فكلهم صائمٌ لربه، مُستغفر لذنبه، يُمسكون عن الطعام في وقت واحد، ويفطرون جميعًا في وقت واحد، ويتساوون طيلة نهارهم في الجوع والحرمان، كما يتساوون في الشعائر الأخرى المرتبطة بالصيام.
فالصوم يحقق في مجتمع الصائمين نوعًا من وحدة الهدف، ووحدة الشعور، ووحدة الضمير، ووحدة المصير.
تقوم الأمة جمعاء في موسم معين من العام، وفي قدر معدود من الأيام، وعلى نسق واحد بين جميع الأنام، إنه حلقة اتصال بين شعوب قوية، بين شعوب الأمة الإسلامية جمعاء، مهما تناءت الديار وشط المزار، تصهرها في بَوتقة واحدة، وتضعها أمام تجربة واحدة لها آثارٌ واحدة، ومظهر جماعي واحد، وبذلك تأتلف قلوبهم ومشاعرهم، فتغدو قلبًا واحدًا يتَّجه في الحياة وجهة واحدة، وهذا هو المثل الأعلى للوحدة بين شعوب هذه الأمة، بل المثل الأعلى لكل وحدة في الحياة؛ لأنها وحدة تنبع من الضمير وتصنع المستقبل والمصير، وتنبعث من الباطن؛ لتُحدث آثارها في الظاهر، وتحقِّق قول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]، إن هذه الوحدة التي يحقِّقها الصوم وحدة مبدأ؛ لأنها ثمرة عبادة جادة، ووحدة ضمير؛ لأنها تنبع من أعمال الوجدان عن صميم النفس الإنسانية، ووحدة مصير؛ لأنها تقود الأمة كلها إلى مصير واحد تنتهي إليه وتنصب فيه، وهو التقوى التي جعلها الله ثمرة الصيام، ووحدة شعور؛ لأنها تجمع مشاعر الأمة وإحساسها على هدف واحد، وتضعها على طريق واحد، ووحدة عقيدة؛ لأنها تنبع عن إيمان ويقين، وتترعرع في جو التقوى والعبادة[1].
وهي في مظهرها الرائع تعطي صورة صادقة عن الوحدة الكبرى التي يتساوى فيها أبناءُ الأمة مهما اختلف الأجناس والألوان والأوطان، وإذا أردت مصداقَ ذلك، فأدِرْ بصرك ذات مرة وأنت تفطر في حرم الله الآمن في بيته العتيق، لترى مئات الآلاف وهي تفطر جميعًا في ثانية واحدة، إن لم أقل في أقل من الثانية، فهل ترى مظهرًا للوحدة أوضحَ من هذا المظهر، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
[1] انظر: هكذا نصوم، ص 161 وما بعدها.