![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#277 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (7) سورة براءة . من صـ 318 الى صــ 332 الحلقة (277) وقال قتادة في الآية هذا إذا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش أمرهم الله أن يغزو بنبيه صلى الله عليه وسلم وتقيم طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفقه في الدين وتنطلق طائفة تدعو قومها وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم وقال الضحاك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل الأعذار وكان إذا قام وأسرى السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه وكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن وتلاه نبي الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه القاعدين معه فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين وهو قوله "وما كان المؤمنون لينفروا كافة" يقول إذا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم "فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة" يعني بذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا ونبي الله صلى الله عليه وسلم قاعد , ولكن إذا قعد نبي الله فسرت السرايا وقعد معه معظم الناس . وقال علي بن أبي طلحة أيضا عن ابن عباس في الآية قوله "وما كان المؤمنون لينفروا كافة" إنها ليست في الجهاد ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر بالسنين أجدبت بلادهم وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون فضيقوا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجهدوهم فأنزل الله تعالى يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين فردهم رسول الله إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم فذلك قوله "ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم" الآية وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم ويقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ما تأمرنا أن نفعله ؟ وأخبرنا بما نأمر به عشائرنا إذا قدمنا عليهم قال : فيأمرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بطاعة الله وطاعة رسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة وكانوا إذا أتوا قومهم قالوا إن من أسلم فهو منا وينذرونهم حتى إن الرجل ليفارق أباه وأمه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم وينذرهم قومهم فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة , وقال عكرمة لما نزلت هذه الآية "إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما" "وما كان لأهل المدينة" الآية قال المنافقون هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه وقد كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم فأنزل الله عز وجل "وما كان المؤمنون لينفروا كافة" الآية ونزلت "والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد" وقال الحسن البصري في الآية : ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين والنصرة وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم . يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (123) يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع أمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولا فأولا الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام ولهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال المشركين في جزيرة العرب فلما فرغ منهم وفتح الله عليه مكة والمدينة والطائف واليمن واليمامة وهجر وخيبر وحضرموت وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب ودخل الناس من سائر أحياء العرب في دين الله أفواجا شرع في قتال أهل الكتاب فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزيرة العرب وأولى الناس بالدعوة إلى الإسلام لأنهم أهل الكتاب فبلغ تبوك ثم رجع لأجل جهد الناس وجدب البلاد وضيق الحال وذلك سنة تسع من هجرته عليه السلام . ثم اشتغل في السنة العاشرة بحجة الوداع ثم عاجلته المنية صلوات الله وسلامه عليه بعد حجته بأحد وثمانين يوما فاختاره الله لما عنده وقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل فثبته الله تعالى به فوطد القواعد وثبت الدعائم ورد شارد الدين وهو راغم ورد أهل الردة إلى الإسلام وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغاة وبين الحق لمن جهله . وأدى عن الرسول ما حمله ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان وإلى الفرس عبدة النيران ففتح الله ببركة سفارته البلاد وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد وأنفق كنوزهما في سبيل الله كما أخبر بذلك رسول الله وكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده وولي عهده الفاروق الأواب شهيد المحراب أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين وقمع الطغاة والمنافقين واستولى على الممالك شرقا وغربا . وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا . ففرقها على الوجه الشرعي والسبيل المرضي . ثم لما مات شهيدا , وقد عاش حميدا أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه شهيد الدار فكسى الإسلام رياسة حلة سابغة وامتدت الدعوة في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة الله البالغة . فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها وعلت كلمة الله وظهر دينه وبلغت الملة الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار امتثالا لقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" وقوله تعالى "وليجدوا فيكم غلظة" أي وليجد الكفار منكم غلظة عليهم في قتالكم لهم فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا لأخيه المؤمن غليظا على عدوه الكافر كقوله تعالى "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين" فقوله تعالى "محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم" وقال تعالى "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم" وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أنا الضحوك القتال" يعني أنه ضحوك في وجه وليه قتال لهامة عدوه وقوله "واعلموا أن الله مع المتقين" أي قاتلوا الكفار وتوكلوا على الله واعلموا أن الله معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى لم يزالوا ظاهرين على عدوهم , ولم تزل الفتوحات كثيرة ولم تزل الأعداء في سفال وخسار ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في أطراف البلاد وتقدموا إليها فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام فأخذوا من الأطراف بلدانا كثيرة ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام ولله الأمر من قبل ومن بعد ; فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر الله وتوكل على الله فتح الله عليه من البلاد واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية الله والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم . وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون يقول تعالى "وإذا ما أنزلت سورة" فمن المنافقين "من يقول أيكم زادته هذه" إيمانا "أي يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه السورة إيمانا قال الله تعالى" فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون "وهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء ." بل قد حكى غير واحد الإجماع على ذلك . وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون وقد بسطت الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخاري رحمه الله "وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم" أي زادتهم شكا إلى شكهم وريبا إلى ريبهم كما قال تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء" الآية وقوله "قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد" وهذا من جملة شقائهم أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم كما أن سيئ المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالا ونقصا . أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون (126) أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون يقول تعالى أولا يرى هؤلاء المنافقون "أنهم يفتنون" أي يختبرون "في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون" أي لا يتوبون من ذنوبهم السالفة ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم قال مجاهد : يختبرون بالسنة والجوع . وقال قتادة : بالغزو في السنة مرة أو مرتين . وقال شريك عن جابر عن الجعفي عن أبي الضحى عن حذيفة في قوله "أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين" قال كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين فيضل بها فئام من الناس كثير رواه ابن جرير وفي الحديث عن أنس : لا يزداد الأمر إلا شدة ولا يزداد الناس إلا شحا وما من عام إلا والذي بعده شر منه . سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم . وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون (127) وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون وقوله "وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون" هذا أيضا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم "نظر بعضهم إلى بعض" أي تلفتوا "هل يراكم من أحد ثم انصرفوا" أي تولوا عن الحق وانصرفوا عنه وهذا حالهم في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه كقوله تعالى "فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة" وقوله تعالى "فمال الذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال عزين" أي مال هؤلاء القوم يتفللون عنك يمينا وشمالا هروبا من الحق وذهابا إلى الباطل وقوله "ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم" كقوله "فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون" أي لا يفهمون عن الله خطابه ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه بل هم في شغل عنه ونفور منه فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه . لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (128) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم" يقول تعالى ممتنا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولا من أنفسهم أي من جنسهم وعلى لغتهم كما قال إبراهيم عليه السلام "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم" وقال تعالى "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم" وقال تعالى "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" أي منكم وبلغتكم كما قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى : إن الله بعث فينا رسولا منا نعرف نسبه وصفته ومدخله ومخرجه وصدقه وأمانته وذكر الحديث . وقال سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله تعالى "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" قال لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية وقال صلى الله عليه وسلم "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح" وقد وصل هذا من وجه آخر كما قال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي . حدثنا ابن أحمد يوسف بن هارون بن زياد حدثنا ابن أبي عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد قال : أشهد على أبي لحدثني عن أبيه عن جده عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني من سفاح الجاهلية شيء" وقوله تعالى "عزيز عليه ما عنتم" أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنه قال "بعثت بالحنيفية السمحة" وفي الصحيح "إن الدين يسر" وشريعته كلها سهلة سمحة كاملة يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه "حريص عليكم" أي على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم وقال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان بن عيينة عن قطن عن أبي الطفيل عن أبي ذر قال : تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكر لنا منه علما قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم" وقال الإمام أحمد : حدثنا قطن حدثنا المسعودي عن الحسن بن سعيد عن عبدة الهذلي عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله لم يحرم حرمة إلا وقد علم أنه سيطلعها منكم مطلع ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو الذباب" وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه ملكان فيما يرى النائم فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه . فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال : إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة ولم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال : أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أتتبعوني ؟ فقالوا نعم قال فانطلق بهم فأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم : ألم ألقكم على تلك الحال فجعلتم لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني ؟ فقالوا بلى فقال : فإن بين أيديكم رياضا هي أعشب من هذه وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني فقالت طائفة بلى صدق والله لنتبعنه وقالت طائفة قد رضينا بهذا نقيم عليه . وقال البزار حدثنا سلمة بن شبيب وأحمد بن منصور قالا : حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينه في شيء قال عكرمة : أراه قال في دم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ثم قال "أحسنت إليك ؟" قال الأعرابي لا ولا أجملت فغضب بعض المسلمين وهموا أن يقوموا إليه فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أن كفوا فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ إلى منزله دعا الأعرابي إلى البيت فقال "إنما جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت" فزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا وقال "أحسنت إليك ؟" فقال الأعرابي نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا . قال النبي صلى الله عليه وسلم "إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب عن صدورهم" فقال نعم . فلما جاء الأعرابي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنه قد رضي كذلك يا أعرابي ؟" فقال الأعرابي : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا ." فقال لهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها وأنا أعلم بها فتوجه إليها وأخذ لها من قشام الأرض ودعاها حتى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار "رواه البزار ثم قال لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه" قلت "وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان والله أعلم وقوله" بالمؤمنين رءوف رحيم "كقوله" واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون وتوكل على العزيز "الرحيم" . فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم وهكذا أمره تعالى في هذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى "فإن تولوا" أي تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة "فقل حسبي الله لا إله إلا هو" أي الله كافي لا إله إلا هو عليه توكلت كما قال تعالى "رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا" "وهو رب العرش العظيم" أي هو مالك كل شيء وخالقه لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورون بقدرة الله تعالى وعلمه محيط بكل شيء وقدره نافذ في كل شيء وهو على كل شيء وكيل قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن أبي حدثنا بشر بن عمر حدثنا شعبة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما عن أبي بن كعب قال : آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" إلى آخر السورة وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا روح حدثنا عبد المؤمن حدثنا عمر بن شقيق حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله عنهم أنهم جمعوا القرآن في مصاحف في خلافة أبي بكر رضي الله عنه فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة "ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم" الآية فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم أبي بن كعب إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأني بعدها آيتين "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" إلى آخر السورة قال هذا آخر ما نزل من القرآن فختم بما فتح به بالله الذي لا إله إلا هو وهو قول الله تعالى "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" وهذا غريب أيضا وقال أحمد : حدثنا علي بن بحر حدثنا علي بن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن الزبير رضي الله عنه قال أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة "لقد جاءكم رسول من أنفسكم" إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب فقال من معك على هذا ؟ قال لا أدري والله إني لأشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووعيتها وحفظتها فقال عمر : وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها فوضعوها في آخر براءة وقد تقدم الكلام أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق رضي الله عنهما بجمع القرآن فأمر زيد بن ثابت فجمعه وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون ذلك . وفي الصحيح أن زيدا قال فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة وقد قدمنا أن جماعة من الصحابة تذكروا ذلك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها والله أعلم . وقد روى أبو داود عن يزيد بن محمد عن عبد الرزاق بن عمر - وقال كان من ثقات المسلمين من المتعبدين - عن مدرك بن سعد قال يزيد شيخ ثقة عن يونس بن ميسرة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال : "من قال إذا أصبح وإذا أمسى حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات إلا كفاه الله ما أهمه" وقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبد الرزاق عن عمر هذا من رواية أبى زرعة الدمشقي عنه عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أم الدرداء سمعت أبا الدرداء يقول "ما من عبد يقول حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات صادقا كان بها أو كاذبا إلا كفاه الله ما أهمه" وهذه زيادة غريبة ثم رواه في ترجمة عبد الرزاق أبي محمد عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرزاق عن جده عبد الرزاق بن عمر بسنده فرفعه فذكر مثله بالزيادة وهذا منكر والله أعلم . آخر تفسير سورة براءة ولله الحمد والمنة . الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) الر تلك آيات الكتاب الحكيم أما الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم الكلام عليها في أوائل سورة البقرة وقال أبو الضحى عن ابن عباس في قوله تعالى "الر" أي أنا الله أرى . وكذلك قال الضحاك وغيره "تلك آيات الكتاب الحكيم" أي هذه آيات القرآن المحكم المبين وقال مجاهد "الر تلك آيات الكتاب الحكيم" وقال الحسن التوراة والزبور وقال قتادة "تلك آيات الكتاب" قال الكتب التي كانت قبل القرآن. وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه . أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين (2) أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لساحر مبين وقوله "أكان للناس عجبا" الآية . يقول تعالى منكرا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر كما أخبر تعالى عن القرون الماضين من قولهم "أبشر يهدوننا" وقال هود وصالح لقومهما "أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم" وقال تعالى مخبرا عن كفار قريش أنهم قالوا "أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب" وقال الضحاك عن ابن عباس لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد قال فأنزل الله عز وجل "أكان للناس عجبا" الآية . وقوله "أن لهم قدم صدق عند ربهم" اختلفوا فيه فقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق" يقول سبقت لهم السعادة في الذكر الأول وقال العوفي عن ابن عباس "أن لهم قدم صدق عند ربهم" يقول أجرا حسنا بما قدموا وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهذا كقوله تعالى "لينذر بأسا شديدا" الآية . وقال مجاهد "أن لهم قدم صدق عند ربهم" قال الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم قال : ومحمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم وكذا قال زيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقال قتادة سلف صدق عند ربهم واختار ابن جرير قول مجاهد أن الأعمال الصالحة التي قدموها كما يقال له قدم في الإسلام كقول حسان : لنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع وقول ذي الرمة : لكم قدم لا ينكر الناس أنها ... مع الحسب العادي طمت على البحر وقوله تعالى "قال الكافرون إن هذا لساحر مبين" أي مع أنا بعثنا إليهم رسولا منهم رجلا من جنسهم بشيرا ونذيرا "قال الكافرون إن هذا لساحر مبين" أي ظاهر ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#278 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (7) سورة براءة . من صـ 333 الى صــ 347 الحلقة (278) وهم الكاذبون في ذلك . إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون يخبر تعالى أنه رب العالم جميعه وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام قيل كهذه الأيام وقيل كل يوم كألف سنة مما تعدون كما سيأتي بيانه ثم استوى على العرش والعرش أعظم المخلوقات وسقفها قال ابن أبي حاتم : حدثنا حجاج بن حمزة حدثنا أبو أسامة حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال : سمعت سعدا الطائي يقول : العرش ياقوتة حمراء وقال وهب بن منبه خلقه الله من نوره وهذا غريب وقوله "يدبر الأمر" أي يدبر أمر الخلائق "لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض" ولا يشغله شأن عن شأن ولا تغلطه المسائل ولا يتبرم بإلحاح الملحين ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال والبحار والعمران والقفار "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" الآية "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين" وقال الدراوردي عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة أنه قال حين نزلت هذه الآية "إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض" الآية لقيهم ركب عظيم لا يرون إلا أنهم من العرب فقالوا لهم من أنتم ؟ قالوا من الجن خرجنا من المدينة أخرجتنا هذه الآية رواه ابن أبي حاتم وقوله "ما من شفيع إلا من بعد إذنه" كقوله تعالى "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" وقوله تعالى "وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى" وقوله "ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له" وقوله "ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون" أي أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له "أفلا تذكرون" أي أيها المشركون في أمركم تعبدون مع الله إلها غيره وأنتم تعلمون أنه المتفرد بالخلق كقوله تعالى "ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله" وقوله "قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم سيقولون الله قل أفلا تتقون" وكذا الآية التي قبلها والتي بعدها . إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون (4) إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون يخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة لا يترك منهم أحدا حتى يعيده كما بدأه ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده "وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه" "ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط" أي بالعدل والجزاء الأوفى "والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون" أي بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العذاب من سموم وحميم وظل من يحموم "هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج" "هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن" هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء وجعل شعاع القمر نورا هذا فن وهذا فن آخر ففاوت بينهما لئلا يشتبها وجعل سلطان الشمس بالنهار وسلطان القمر بالليل وقدر القمر منازل فأول ما يبدو صغيرا ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى في تمام شهر كقوله تعالى "والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" وقوله تعالى "والشمس والقمر حسبانا" الآية وقوله في هذه الآية الكريمة "وقدره" أي القمر "منازل لتعلموا عدد السنين والحساب" فبالشمس تعرف الأيام وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام "ما خلق الله ذلك إلا بالحق" أي لم يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة كقوله تعالى "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار" وقال تعالى "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم" وقوله "نفصل الآيات" أي نبين الحجج والأدلة "لقوم يعلمون" . إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون (6) إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون "إن في اختلاف الليل والنهار" أي تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا وإذا ذهب هذا جاء هذا لا يتأخر عنه شيئا كقوله تعالى "يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا" وقال "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر" الآية . وقال تعالى "فالق الإصباح وجعل الليل سكنا" الآية وقوله "وما خلق الله في السموات والأرض" أي من الآيات الدالة على عظمته تعالى كما قال "وكأين من آية في السموات والأرض" الآية وقوله "قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون" وقال "أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض" وقال "إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب" أي العقول : وقال ههنا "لآيات لقوم يتقون" أي عقاب الله وسخطه وعذابه . إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون (7) إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون يخبر الله تعالى عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقائه شيئا ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها نفوسهم. قال الحسن : والله ما زينوها ولا رفعوها حتى رضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها والشرعية فلا يأتمرون بها . أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون فإن مأواهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم هذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين وامتثلوا ما أمروا به فعملوا الصالحات بأنه سيهديهم بإيمانهم يحتمل أن تكون الباء ههنا سببية فتقديره أي بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم حتى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنة . ويحتمل أن تكون للاستعانة كما قال مجاهد في قوله "يهديهم ربهم بإيمانهم" قال يكون لهم نورا يمشون به ; وقال ابن جريج في الآية يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة إذا قام من قبره يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت ؟ فيقول أنا عملك فيجعل له نوره من بين يديه حتى يدخله الجنة فذلك قوله تعالى "يهديهم ربهم بإيمانهم" والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيلزم صاحبه ويلاده حتى يقذفه في النار وروي نحوه عن قتادة مرسلا فالله أعلم . دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (10) دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين "دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين" أي هذا حال أهل الجنة. قال ابن جريج أخبر أن قوله "دعواهم فيها سبحانك اللهم" قال إذا مر بهم الطير يشتهونه قالوا سبحانك اللهم وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما يشتهونه فيسلم عليهم فيردون عليه فذلك قوله "وتحيتهم فيها سلام" قال فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم فذلك قوله "وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين" وقال مقاتل بن حيان : إذا أراد أهل الجنة أن يدعوا بالطعام قال أحدهم "سبحانك اللهم" قال فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم مع كل خادم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى قال فيأكل منهن كلهن وقال سفيان الثوري : إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء قال "سبحانك اللهم" وهذه الآية فيها شبه من قوله "تحيتهم يوم يلقونه سلام" الآية . وقوله "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما" وقوله "سلام قولا من رب رحيم" وقوله "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم" الآية وقوله "وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين" هذا فيه دلالة على أنه تعالى هو المحمود أبدا المعبود على طول المدى ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره وفي ابتداء كتابه وعند ابتداء تنزيله حيث يقول تعالى "الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب" "الحمد لله الذي خلق السموات والأرض" إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها وأنه المحمود في الأولى والآخرة في الحياة الدنيا وفي الآخرة في جميع الأحوال ولهذا جاء في الحديث "إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس" وإنما يكون ذلك كذلك لما يرون من تزايد نعم الله عليهم فتكرر وتعاد وتزداد فليس لها انقضاء ولا أمد فلا إله إلا هو ولا رب سواه . ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم وأنه يعلم منهم عدم القصد بالشر إلى إرادة ذلك فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفا ورحمة كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والنماء ولهذا قال "ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم" الآية أي لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك لأهلكهم ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك كما جاء في الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا محمد بن معمر حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو جزرة عن عبادة بن الوليد حدثنا جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تدعوا على أنفسكم لا تدعوا على أولادكم لا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم" ورواه أبو داود من حديث حاتم بن إسماعيل به . وقال البزار وتفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري لم يشاركه أحد فيه وهذا كقوله تعالى "ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير" الآية . وقال مجاهد في تفسير هذه الآية "ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير" الآية هو قول الإنسان لولده أو ماله إذا غضب عليه : اللهم لا تبارك فيه والعنه. فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم . وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر "وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض" أي كثير وهما في معنى واحد وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها وأكثر الدعاء عند ذلك فدعا الله في كشفها ورفعها عنه في حال اضطجاعه وقعوده وقيامه وفي جميع أحواله فإذا فرج الله شدته وكشف كربته أعرض ونأى بجانبه وذهب كأنه ما كان به من ذلك شيء "مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه" ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته فقال "كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون" فأما من رزقه الله الهداية والسداد والتوفيق والرشاد فإنه مستثنى من ذلك كقوله تعالى "إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات" وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجبا لأمر المؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له : إن أصابته ضراء فصبر كان خيرا له وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" . ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين (13) ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين أخبر تعالى عما حل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات والحجج الواضحات . ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14) ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم وأرسل إليهم رسولا لينظر طاعتهم له واتباعهم رسوله وفي صحيح مسلم من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء" وقال ابن جرير : حدثني المثنى حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة بهذا أنبأنا حماد عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عوف بن مالك قال لأبي بكر : رأيت فيما يرى النائم كأن سببا دلي من السماء فانتشط رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعيد فانتشط أبو بكر ثم ذرع الناس حول المنبر ففضل عمر بثلاثة أذرع حول المنبر فقال عمر : دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها فلما استخلف عمر قال : يا عوف رؤياك ؟ قال وهل لك في رؤياي من حاجة أولم تنتهرني ؟ قال ويحك إني كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه فقص عليه الرؤيا حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع قال : أما إحداهن فإنه كان خليفة وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم وأما الثالثة فإنه شهيد . قال : فقال يقول الله تعالى "ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون" فقد استخلفت يا ابن أم عمر فانظر كيف تعمل ؟ وأما قوله فإني لا أخاف في الله لومة لائم فيما شاء الله وأما قوله شهيد فأنى لعمر الشهادة والناس مطيفون به؟ . وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (15) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين المعرضين عنه أنهم إذا قرأ عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الله وحجته الواضحة قالوا له ائت بقرآن غير هذا أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو بدله إلى وضع آخر قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم "قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي" أي ليس هذا إلي إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله "إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم" . قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون ثم قال محتجا عليهم في صحة ما جاءهم به. "قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به" أي هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته والدليل على أني لست أتقوله من عندي ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني الله عز وجل لا تنتقدون علي شيئا تغمصوني به ولهذا قال : "فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون" أي أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي صلى الله عليه وسلم قال هرقل لأبي سفيان هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال أبو سفيان فقلت لا وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين ومع هذا اعترف بالحق "والفضل ما شهدت به الأعداء" فقال له هرقل : فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة : بعث الله فينا رسولا نعرف صدقه ونسبه وأمانته وقد كانت مدة مقامه عليه السلام بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة وعن سعيد بن المسيب ثلاثا وأربعين سنة والصحيح المشهور الأول . فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون (17) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون يقول تعالى لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجراما "ممن افترى على الله كذبا" وتقول على الله وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك فليس أحد أكبر جرما ولا أعظم ظلما من هذا ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء ؟ فإنه من قال هذه المقالة صادقا أو كاذبا فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس ; فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى وبين نصف الليل في حندس الظلماء فمن شيم كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وكذب مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي قال عبد الله بن سلام لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس فكنت فيمن انجفل فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب قال فكان أول ما سمعته يقول "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلون الجنة بسلام" ولما قدم وفد ضمام بن ثعلبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قومه بني سعد بن بكر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال له : من رفع هذه السماء ؟ قال "الله" قال ومن نصب هذه الجبال ؟ قال "الله" قال ومن سطح هذه الأرض ؟ قال "الله" قال : فبالذي رفع هذه السماء ونصب هذه الجبال وسطح هذه الأرض آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ قال "الل2?هم نعم" ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام ويحلفه عند كل واحدة هذه اليمين ويحلف له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : صدقت والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص فاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا وقد أيقن بصدقه صلوات الله وسلامه عليه بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه وقال حسان بن ثابت : لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر وأما مسيلمة فمن شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة بأقواله الركيكة التي ليست بفصيحة وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة وكم من فرق بين قوله تعالى "الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم" إلى آخرها وبين قول مسيلمة قبحه الله ولعنه : يا ضفدع بنت ضفدعين نقي كما تنقين لا الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين . وقوله قبحه الله : لقد أنعم الله على الحبلى إذ أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشى . وقوله خلده الله في نار جهنم وقد فعل : الفيل وما أدراك ما الفيل له خرطوم طويل وقوله أبعده الله عن رحمته : والعاجنات عجنا والخابزات خبزا واللاقمات لقما إهالة وسمنا إن قريشا قوم يعتدون . إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات التي يأنف الصبيان أن يلفظوا بها إلا على وجه السخرية والاستهزاء ولهذا أرغم الله أنفه وشرب يوم الحديقة حتفه ومزق شمله ولعنه صحبه وأهله . وقدموا على الصديق تائبين وجاءوا في دين الله راغبين فسألهم الصديق خليفة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنه أن يقرءوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة لعنه الله فسألوه أن يعفيهم من ذلك فأبى عليهم إلا أن يقرءوا شيئا منه ليسمعه من لم يسمعه من الناس فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم فقرءوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه فلما فرغوا قال لهم الصديق رضي الله عنه ويحكم أين كان يذهب بعقولكم ؟ والله إن هذا لم يخرج من إل وذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة وكان صديقا له في الجاهلية وكان عمرو لم يسلم بعد فقال له مسيلمة ويحك يا عمرو ماذا أنزل على صاحبكم يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المدة ؟ فقال : لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة فقال : وما هي فقال "والعصر إن الإنسان لفي خسر" إلى آخر السورة ففكر مسيلمة ساعة ثم قال وأنا قد أنزل علي مثله فقال وما هو ؟ فقال : يا وبر يا وبر إنما أنت أذنان وصدر وسائرك حقر فقر . كيف ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب . فإذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه حال محمد صلى الله عليه وسلم وصدقه وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه فكيف بأولي البصائر والنهى وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجا ولهذا قال الله تعالى "فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله" وقال في هذه الآية الكريمة "ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون" وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل وقامت عليه الحجج لا أحد أظلم منه كما جاء في الحديث "أعتى الناس على الله رجل قتل نبيا أو قتله نبي" . ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (18) ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون ينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئا ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ولا يكون هذا أبدا ولهذا قال تعالى "قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض" وقال ابن جرير : معناه أتخبرون الله بما لا يكون في السموات ولا في الأرض ؟ ثم نزه نفسه الكريمة عن شركهم وكفرهم فقال "سبحانه وتعالى عما يشركون" . وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون (19) وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث للناس كائن بعد أن لم يكن وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام . قال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة "ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة" وقوله "ولولا كلمة سبقت من ربك" الآية أي لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه وأنه قد أجل الخلق إلى أجل معدود لقضى بينهم فيما اختلفوا فيه فأسعد المؤمنين وأعنت الكافرين. ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين أي ويقول هؤلاء الكفرة المكذبون المعاندون : لولا أنزل على محمد آية من ربه يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة أو أن يحول لهم الصفا ذهبا أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارا أو نحو ذلك مما الله عليه قادر ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله كما قال تعالى : "تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا" وكقوله "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون" الآية . يقول تعالى : إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما سألوا فإن آمنوا وإلا عاجلتهم بالعقوبة . ولهذا لما خير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين إعطائهم ما سألوا فإن آمنوا وإلا عذبوا وبين إنظارهم اختار إنظارهم كما حلم عنهم غير مرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولهذا قال تعالى إرشادا لنبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى الجواب عما سألوا "فقل إنما الغيب لله" أي الأمر كله لله وهو يعلم العواقب في الأمور "فانتظروا إني معكم من المنتظرين" أي إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله في وفيكم . هذا مع أنهم قد شاهدوا من آياته صلى الله عليه وسلم أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إلى القمر ليلة إبداره فانشق اثنتين فرقة من وراء الجبل وفرقة من دونه . ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#279 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (7) سورة يونس . من صـ 348 الى صــ 362 الحلقة (279) وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشادا وتثبيتا لأجابهم ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادا وتعنتا فتركهم فيما رابهم وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد كقوله تعالى "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية" الآية وقوله تعالى "ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله" الآية ولما فيهم من المكابرة كقوله تعالى "ولو فتحنا عليهم بابا من السماء" الآية وقوله تعالى "وإن يروا كسفا من السماء ساقطا" الآية وقال تعالى "ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين" فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا إلى ما سألوه لأنه لا فائدة في جوابهم لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم ولهذا قال "فانتظروا إني معكم من المنتظرين" . وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21) وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة والخصب بعد الجدب والمطر بعد القحط ونحو ذلك "إذا لهم مكر في آياتنا" قال مجاهد استهزاء وتكذيب كقوله "وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما" الآية وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح على أثر سماء كانت من الليل أي مطر ثم قال "هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة ؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال "قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب" وقوله "قل الله أسرع مكرا" أي أشد استدراجا وإمهالا حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه ثم يعرضون على عالم الغيب والشهادة فيجازيه على الجليل والحقير والنقير والقطمير. هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين ثم أخبر تعالى أنه "هو الذي يسيركم في البر والبحر" أي يحفظكم ويكلؤكم بحراسته "حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها" أي بسرعة سيرهم رافقين فبينما هم كذلك إذ "جاءتها" أي تلك السفن "ريح عاصف" أي شديدة "وجاءهم الموج من كل مكان" أي اغتلم البحر عليهم "وظنوا أنهم أحيط بهم" أي هلكوا "دعوا الله مخلصين له الدين" أي لا يدعون معه صنما ولا وثنا بل يفردونه بالدعاء والابتهال كقوله تعالى "وإذا" مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا "وقال ههنا" دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه "أي هذه الحال" لنكونن من الشاكرين "أي لا نشرك بك أحدا ولنفردنك بالعبادة هناك كما أفردناك بالدعاء ." فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23) فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم ههنا قال تعالى "فلما أنجاهم" أي من تلك الورطة "إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق" أي كأن لم يكن من ذلك شيء "كأن لم يدعنا إلى ضر مسه" ثم قال تعالى "يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم" أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم ولا تضرون به أحدا غيركم كما جاء في الحديث "ما من ذنب أجدر من أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" وقوله "متاع الحياة الدنيا" أي إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة "ثم إلينا مرجعكم" أي مصيركم ومآلكم "فننبئكم" أي فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه . إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ضرب تبارك وتعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بماء أنزل من السماء مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام من أب وقضب وغير ذلك "حتى إذا أخذت الأرض زخرفها" أي زينتها الفانية "وازينت" أي حسنت بما خرج في رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان "وظن أهلها" الذين زرعوها وغرسوها "أنهم قادرون عليها" أي على جذاذها وحصادها فبينما هم كذلك إذ جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها ولهذا قال تعالى "أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا" أي يابسا بعد الخضرة والنضارة "كأن لم تغن بالأمس" أي كأنها ما كانت حينا قبل ذلك وقال قتادة : كأن لم تغن كأن لم تنعم وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن . ولهذا جاء في الحديث "يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة فيقال له هل رأيت خيرا قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول لا ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له هل رأيت بؤسا قط ؟ فيقول لا" وقال تعالى إخبارا عن المهلكين "فأصبحوا في دراهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها" ثم قال تعالى "كذلك نفصل الآيات" أي نبين الحجج والأدلة "لقوم يتفكرون" فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا من أهلها سريعا مع اغترارهم بها وتمكنهم وثقتهم بمواعيدها وتفلتها عنهم فإن من طبعها الهرب ممن طلبها والطلب لمن هرب منها وقد ضرب الله تعالى مثل الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز فقال في سورة الكهف "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا" وكذا في سورة الزمر والحديد يضرب الله بذلك مثل الحياة الدنيا . وقال ابن جرير : حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : سمعت مروان يعني ابن الحكم يقرأ على المنبر : "وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكهم إلا بذنوب أهلها" قال : قد قرأتها وليست في المصحف فقال عباس بن عبد الله بن عباس : هكذا يقرؤها ابن عباس فأرسلوا إلى ابن عباس فقال : هكذا أقرأني أبي بن كعب وهذه قراءة غريبة وكأنها زيدت للتفسير . والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (25) والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها رغب في الجنة ودعا إليها وسماها دار السلام أي من الآفات والنقائص والنكبات فقال "والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" قال أيوب عن أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "قيل لي لتنم عينك وليعقل قلبك ولتسمع أذنك فنامت عيني وعقل قلبي وسمعت" أذني ثم قيل لي مثلي ومثل ما جئت كمثل سيد بنى دارا ثم صنع مأدبة وأرسل داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد والله السيد والدار الإسلام والمأدبة الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم "وهذا حديث مرسل وقد جاء متصلا من حديث الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلي الله عليه وسلم يوما فقال" إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا فقال : اسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه فالله الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل منها "رواه ابن جرير وقال قتادة : حدثني خليد العصري عن أبي الدرداء مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين : يا أيها الناس هلموا إلى ربكم إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى "قال وأنزل في قوله يا أيها الناس هلموا إلى ربكم" والله يدعو إلى دار السلام "الآية ." رواه ابن أبي حاتم وابن جرير . للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون (26) للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون يخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح : الحسنى في الدار الآخرة كقوله تعالى "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" وقوله "وزيادة" هي تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضا ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم وما أخفاه لهم من قرة أعين وأفضل من ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه الكريم فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف وقد وردت فيه أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد : حدثنا عفان أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة" وقال "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو ألم يثقل موازيننا ؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار ؟ - قال - فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم" وهكذا رواه مسلم وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به وقال ابن جرير : حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : أخبرني شبيب عن أبان بن أبي تميمة الهجيمي أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي يا أهل الجنة - بصوت" يسمع أولهم وآخرهم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة فالحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن عز وجل "رواه أيضا ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر الهذلي عن أبي تميمة الهجيمي به وقال ابن جرير أيضا : حدثنا ابن حميد حدثنا إبراهيم بن المختار عن ابن جرير عن عطاء عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله" للذين أحسنوا الحسنى وزيادة "قال" النظر إلى وجه الرحمن عز وجل "وقال أيضا : حدثنا ابن" عبد الرحيم حدثنا عمر بن أبي سلمة سمعت زهيرا عمن سمع أبا العالية حدثنا أبي بن كعب أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل " للذين أحسنوا الحسنى وزيادة "قال" الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل " ورواه ابن أبي حاتم أيضا من حديث زهير به . وقوله تعالى "ولا يرهق وجوههم قتر" أي قتام وسواد في عرصات المحشر كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة "ولا ذلة" أي هوان وصغار أي لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا في الظاهر بل هم كما قال تعالى في حقهم "فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا" أي نضرة في وجوههم وسرورا في قلوبهم جعلنا الله منهم بفضله ورحمته آمين . والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (27) والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون لما أخبر تعالى عن حال السعداء الذين يضاعف لهم الحسنات ويزدادون على ذلك عطف بذكر حال الأشقياء فذكر تعالى عدله فيهم وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها لا يزيدهم على ذلك "وترهقهم" أي تعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها كما قال "وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل" الآية وقال تعالى "ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رءوسهم" الآيات. وقوله "ما لهم من الله من عاصم" أي مانع ولا واق يقيهم العذاب كقوله تعالى "يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر" وقوله "كأنما أغشيت وجوههم" الآية إخبار عن سواد وجوههم في الدار الآخرة كقوله تعالى "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون" وقوله تعالى "وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة ووجوه يومئذ عليها غبرة" الآية . ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون "ويوم نحشرهم" أي أهل الأرض كلهم من جن وإنس وبر وفاجر كقوله "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا" "ثم نقول للذين أشركوا" الآية أي الزموا أنتم وهم مكانا معينا امتازوا فيه عن مقام المؤمنين كقوله تعالى "وامتازوا اليوم أيها المجرمون" وقوله "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون" وفي الآية الأخرى "يومئذ يصدعون" أي يصيرون صدعين وهذا يكون إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء ولهذا قيل ذلك يستشفع المؤمنون إلى الله تعالى أن يأتي لفصل القضاء ويريحنا من مقامنا هذا وفي الحديث الآخر "نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس" وقال الله تعالى في الآية الكريمة إخبارا عما يأمر به المشركين وأوثانهم يوم القيامة "مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم" الآية أنهم أنكروا عبادتهم وتبرءوا منهم كقوله "كلا سيكفرون بعبادتهم" الآية وقوله "إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا" وقوله "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر" الناس كانوا لهم أعداء "الآية وقوله في هذه الآية إخبارا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم ." فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين أي ما كنا نشعر بها ولا نعلم بها وإنما كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم والله شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا ولا أمرناكم بها ولا رضينا منكم بذلك وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئا ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده بل تبرأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه وقد تركوا عبادة الحي القيوم السميع البصير القادر على كل شيء العليم بكل شيء وقد أرسل رسله وأنزل كتبه آمرا بعبادته وحده لا شريك له ناهيا عن عبادة ما سواه كما قال تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة" وقال تعالى "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" وقال "واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون" والمشركون أنواع وأقسام قد ذكرهم الله في كتابه وبين أحوالهم وأقوالهم ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد . هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30) هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون أي في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس وتعلم ما سلف من عملها من خير وشر كقوله تعالى "يوم تبلى السرائر" وقال تعالى "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" وقال تعالى "ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" وقد قرأ بعضهم "هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت" وفسرها بعضهم بالقراءة وفسرها بعضهم بمعنى تتبع ما قدمت من خير وشر وفسرها بعضهم بحديث "لتتبع كل أمة ما كانت تعبد فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس ويتبع من كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت" الحديث وقوله "وردوا إلى الله مولاهم الحق" أي ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل ففصلها وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار "وضل عنهم" أي ذهب عن المشركين "ما كانوا يفترون" أي ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه . قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31) قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانيته وإلاهيته فقال تعالى "قل من يرزقكم من السماء والأرض" أي من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر فيشق الأرض شقا بقدرته ومشيئته فيخرج منها "حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا" أإله مع الله ؟ فسيقولون الله "أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه" وقوله "أمن يملك السمع والأبصار" أي الذي وهبكم هذه القوة السامعة والقوة الباصرة ولو شاء لذهب بها ولسلبكم إياها كقوله تعالى "قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار" الآية وقال "قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم" الآية وقوله "ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي" أي بقدرته العظيمة ومنته العميمة ; وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك وأن الآية عامة لذلك كله وقوله "ومن يدبر الأمر" أي من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون "يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن" فالملك كله العلوي والسفلي وما فيهما من ملائكة وإنس وجان فقيرون إليه عبيد له خاضعون لديه "فسيقولون الله" أي وهم يعلمون ذلك ويعترفون به "فقل أفلا تتقون" أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم . فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (32) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون الآية أي فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة "فماذا بعد الحق إلا الضلال" أي فكل معبود سواه باطل لا إله إلا هو واحد لا شريك له "فأنى تصرفون" أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء . كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33) كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون وقوله "كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا" الآية أي كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم وعبادتهم مع الله غيره مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده الذي بعث رسله بتوحيده فلهذا حقت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار كقوله "قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين" . قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره وعبدوا من الأصنام والأنداد "قل هل من" شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده "أي من بدأ خلق هذه السموات والأرض ثم ينشئ ما فيهما من الخلائق ويفرق أجرام السموات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما ثم يعيد الخلق خلقا جديدا" قل الله "هو الذي يفعل هذا ويستقل به وحده لا شريك له" فأنى تؤفكون "أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل ." قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف "قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق" أي أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال وإنما يهدي الحيارى والضلال ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد الله الذي لا إله إلا هو "أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى" أي أفيتبع العبد الذي يهدي إلى الحق ويبصر بعد العمى أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا أن يهدى لعماه وبكمه كما قال تعالى إخبارا عن إبراهيم أنه قال "يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا" وقال لقومه "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" إلى غير ذلك من الآيات وقوله "فما لكم كيف تحكمون" أي ما بالكم أن يذهب بعقولكم كيف سويتم بين الله وبين خلقه وعدلتم هذا بهذا وعبدتم هذا وهذا ؟ وهلا أفردتم الرب جل جلاله المالك الحاكم الهادي من الضلالة بالعبادة وحده وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة ؟ . وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون (36) وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون ثم بين تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلا ولا برهانا وإنما هو ظن منهم أي توهم وتخيل وذلك لا يغني عنهم شيئا "إن الله عليم بما يفعلون" تهديد لهم ووعيد شديد لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء . وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (37) وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#280 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (7) سورة يونس . من صـ 363 الى صــ 377 الحلقة (280) هذا بيان لإعجاز القرآن وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته واشتماله على المعاني العزيزة الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة لا يكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وأقواله فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين ولهذا قال تعالى "وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله" أي مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله ولا يشبه هذا كلام البشر "ولكن تصديق الذي بين يديه" أي من الكتب المتقدمة ومهيمنا عليه ومبينا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل وقوله "وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" أي وبيان الأحكام والحلال والحرام بيانا شافيا كافيا حقا لا مرية فيه من الله رب العالمين كما تقدم في حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم أي خبر عما سلف وعما سيأتي وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه. أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين وقوله "أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين" أي إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله وقلتم كذبا مبينا إن هذا من عند محمد فمحمد بشر مثلكم وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن فأتوا أنتم بسورة مثله أي من جنس هذا القرآن واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان ; وهذا هو المقام الثالث في التحدي فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد فليعارضوه بنظير ما جاء به وحده وليستعينوا بمن شاءوا وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك ولا سبيل لهم إليه فقال تعالى "قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا" ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال في أول سورة هود "أم يقولون افتراه قل فأتوا" بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين "ثم تنازل إلى سورة فقال في هذه السورة" أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين "وكذا في سورة البقرة وهي مدنية تحداهم بسورة منه وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدا فقال" فإن لم تفعلوا فاتقوا النار "الآية هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته فكانوا أعلم الناس به وأفهمهم له وأتبعهم له وأشهرهم له انقيادا كما عرف السحرة لعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى عليه السلام لا يصدر إلا عن مؤيد مسدد مرسل من الله وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله وكذلك عيسى عليه السلام بعث في زمان علماء الطب ومعالجة المرضى فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ومثل هذا لا مدخل للعلاج والدواء فيه فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله." ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا" . بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (39) بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين وقوله "بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولم يأتهم تأويله" يقول بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه "ولما يأتهم تأويله" أي ولم يحصلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلا وسفها "كذلك كذب الذين من قبلهم" أي من الأمم السالفة "فانظر كيف كان عاقبة الظالمين" أي فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلما وعلوا وكفرا وعنادا وجهلا فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم . ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين وقوله "ومنهم من يؤمن به" الآية أي ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أرسلت به "ومنهم من لا يؤمن به" بل يموت على ذلك ويبعث عليه "وربك أعلم بالمفسدين" أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه ; ومن يستحق الضلالة فيضله وهو العادل الذي لا يجور بل يعطي كلا ما يستحقه تبارك وتعالى وتقدس وتنزه لا إله إلا هو . وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (41) وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وإن كذبك هؤلاء المشركون فتبرأ منهم ومن عملهم "فقل لي عملي ولكم عملكم" كقوله تعالى "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون" إلى آخرها ; وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين "إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله" الآية . ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون وقوله "ومنهم من يستمعون إليك" أي يسمعون كلامك الحسن والقرآن العظيم والأحاديث الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان وفي هذا كفاية عظيمة ; ولكن ليس ذلك إليك ولا إليهم فإنك لا تقدر على إسماع الأصم وهو الأطرش فكذلك لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاء الله . ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون "ومنهم من ينظر إليك" أي ينظرون إليك وإلى ما أعطاك الله من التؤدة والسمت الحسن والخلق العظيم والدلالة الظاهرة على نبوءتك لأولي البصائر والنهى وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الاحتقار "وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا" الآية ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدا شيئا وإن كان قد هدى به من هدى وبصر به من العمى وفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا وأضل به عن الإيمان آخرين فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه وحكمته وعدله . إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44) إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ولهذا قال تعالى "إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون" وفي الحديث عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا - إلى أن قال في آخره - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" رواه مسلم بطوله . ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين يقول تعالى مذكرا للناس قيام الساعة وحصرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة "ويوم يحشرهم" الآية كقوله "كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار" وكقوله "كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها" وقال تعالى "يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما" وقال تعالى "ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة" الآيتين وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة كقوله "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون" وقوله "يتعارفون بينهم" أي يعرف الأبناء والآباء والقرابات بعضهم لبعض كما كانوا في الدنيا ولكن كل مشغول بنفسه "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم" الآية وقال تعالى "ولا يسأل حميم حميما" الآيات ; وقوله "قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين" كقوله تعالى "ويل للمكذبين" لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ولا خسارة أعظم من خسارة من فرق بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة . وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون يقول تعالى مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وسلم "وإما نرينك بعض الذي نعدهم" أي ننتقم منهم في حياتك لتقر عينك منهم "أو نتوفينك فإلينا مرجعهم" أي مصيرهم ومنقلبهم والله شهيد على أفعالهم بعدك وقد قال الطبراني : حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا داود بن الجارود عن أبي السليل عن حذيفة بن أسيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة أولها وآخرها" فقال رجل : يا رسول الله عرض عليك من خلق فكيف من لم يخلق ؟ فقال "صوروا لي في الطين حتى إني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه" ورواه عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة عن عقبة بن مكرم عن يونس بن بكير عن زياد بن المنذر عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد به نحوه . ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47) ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون وقوله "ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم" قال مجاهد يعني يوم القيامة "قضي بينهم بالقسط" الآية كقوله تعالى "وأشرقت الأرض بنور ربها" الآية ; فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها وكتاب أعمالها من خير وشر موضوع شاهد عليهم وحفظتهم من الملائكة شهود أيضا أمة بعد أمة وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق إلا أنها أول الأمم يوم القيامة يفصل بينهم ويقضى لهم كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق" فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف رسولها صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين . ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين يقو تعالى مخبرا عن كفر هؤلاء المشركين في استعجالهم العذاب وسؤالهم عن وقته قبل التعين مما لا فائدة لهم فيه كقوله "يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق" أي كائنة لا محالة وواقعة وإن لم يعلموا وقتها عينا ولهذا أرشد تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى جوابهم . قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فقال "قل لا أملك لنفس ضرا ولا نفعا" الآية أي لا أقول إلا ما علمني ولا أقدر على شيء مما استأثر به إلا أن يطلعني الله عليه فأنا عبده ورسوله إليكم وقد أخبرتكم بمجيء الساعة وأنها كائنة ولم يطلعني على وقتها ولكن "لكل أمة أجل" أي لكل قرن مدة من العمر مقدرة فإذا انقضى أجلهم "فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" كقوله "ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها" الآية ثم أخبر أن عذاب الله سيأتيهم بغتة . قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون فقال "قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا" أي ليلا أو نهارا "ماذا يستعجل منه المجرمون" أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون "أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون" يعني أنهم إذا جاءهم العذاب قالوا "ربنا أبصرنا وسمعنا" الآية وقال تعالى "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون" . ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52) ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون "ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد" أي يوم القيامة يقال لهم هذا تبكيتا وتقريعا كقوله "يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون" ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين يقول تعالى ويستخبرونك "أحق هو" أي الميعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام ترابا "قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين" أي ليس صيرورتكم ترابا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم ف "- إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن" فيكون "وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ" وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم "وفي التغابن" زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير "." ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبا "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط" أي بالحق "وهم لا يظلمون" . ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض وأن وعده حق كائن لا محالة . هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56) هو يحيي ويميت وإليه ترجعون وأنه يحيي ويميت وإليه مرجعهم ; وأنه القادر على ذلك العليم بما تفرق من الأجسام وتمزق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار . يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة يقول تعالى ممتنا على خلقه بما أنزله من القرآن العظيم على رسوله الكريم "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم" أي زاجر عن الفواحش "وشفاء لما في الصدور" أي من الشبه والشكوك وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس وهدى ورحمة أي يحصل به الهداية والرحمة من الله تعالى ; وإنما ذلك للمؤمنين به والمصدقين الموقنين بما فيه كقوله تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا" وقوله "قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء" الآية . قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون وقوله تعالى "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا" أي بهذا الذي جاءهم من الله من الهدى ودين الحق فليفرحوا فإنه أولى ما يفرحون به "هو خير مما يجمعون" أي من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة كما قال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية وذكر بسنده عن بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو : سمعت أيفع بن عبد الله الكلاعي يقول لما قدم خراج العراق إلى عمر رضي الله عنه خرج عمر ومولى له فجعل عمر يعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك فجعل عمر يقول : الحمد لله تعالى ويقول مولاه هذا والله من فضل الله ورحمته فقال عمر : كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى "قل بفضل الله وبرحمته" الآية وهذا مما يجمعون وقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني فرواه عن أبي زرعة الدمشقي عن حيوة بن شريح عن بقية فذكره . قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون (59) قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم : نزلت إنكارا على المشركين فيما كانوا يحلون ويحرمون من البحائر والسوائب والوصايا كقوله تعالى "وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا" الآيات وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي إسحق سمعت أبا الأحوص وهو عوف بن مالك بن نضلة يحدث عن أبيه قال : أتيت رسول الله صلي الله عليه وسلم وأنا رث الهيئة فقال "هل لك مال ؟" قلت نعم . قال "من أي المال" ؟ قال قلت من كل المال من الإبل والرقيق والخيل والغنم فقال "إذا آتاك الله مالا فلير عليك - وقال - هل تنتج إبلك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها فتقول هذه بحر وتشق جلودها وتقول هذه صرم وتحرمها عليك وعلى أهلك" قال نعم قال "فإن ما آتاك الله لك حل ساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحد من موساك" وذكر تمام الحديث ثم رواه عن سفيان بن عيينة عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو عن عمه أبي الأحوص وعن بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن أبي الأحوص به وهذا حديث جيد قوي الإسناد وقد أنكر الله تعالى على من حرم ما أحل الله أو أحل ما حرم بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها ولا دليل عليها ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة. وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60) وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون "وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة" أي ما ظنهم أن يصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة وقوله "إن الله لذو فضل على الناس" قال ابن جرير في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا "قلت" ويحتمل أن يكون المراد لذو فضل على الناس فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع في الدنيا ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو دينهم "ولكن أكثرهم لا يشكرون" بل يحرمون ما أنعم الله به عليهم ويضيقون على أنفسهم فيجعلون بعضا حلالا وبعضا حراما . وهذا قد وقع فيه المشركون فيما شرعوه لأنفسهم وأهل الكتاب فيما ابتدعوه في دينهم . وقال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية : حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا رباح حدثنا عبد الله بن سليمان حدثنا موسى بن الصباح في قوله عز وجل "إن الله لذو فضل على الناس" قال إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله عز وجل فيقومون بين يدي الله عز وجل ثلاثة أصناف فيؤتى برجل من الصنف الأول فيقول : عبدي لماذا عملت ؟ فيقول يا رب خلقت الجنة وأشجارها وثمارها وأنهارها وحورها ونعيمها وما أعددت لأهل طاعتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليها - قال - فيقول الله تعالى عبدي إنما عملت للجنة هذه الجنة فادخلها ومن فضلي عليك قد أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي فيدخل ومن معه الجنة - قال - ثم يؤتى برجل من الصنف الثاني فيقول عبدي لماذا عملت ؟ فيقول يا رب خلقت نارا وخلقت أغلالها وسعيرها وسمومها ويحمومها وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفا منها فيقول عبدي إنما عملت ذلك خوفا من ناري فإني قد أعتقتك من النار ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي فيدخل ومن معه الجنة . ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث فيقول عبدي لماذا عملت ؟ فيقول رب حبا لك وشوقا إليك وعزتك لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقا إليك وحبا لك فيقول تبارك وتعالى : عبدي إنما عملت حبا لي وشوقا إلي فيتجلى له الرب جل جلاله ويقول ها أنا ذا فانظر إلي ثم يقول من فضلي عليك أن أعتقك من النار وأبيحك جنتي وأزيرك ملائكتي وأسلم عليك بنفسي فيدخل هو ومن معه الجنة. وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (61) وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين يخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق في كل ساعة وأوان ولحظة وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقال ذرة في حقارتها وصغرها في السموات ولا في الأرض ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين كقوله "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين" فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات وكذلك الدواب السارحة في قوله "وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم" الآية وقال تعالى "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها" الآية وإذا كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء فكيف علمه بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة كما قال تعالى "وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين" تقوم وتقلبك في الساجدين "ولهذا قال تعالى" وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه "أي إذ تأخذون في ذلك الشيء نحن مشاهدون لكم راءون سامعون ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل عن الإحسان" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "" ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون يخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم ربهم فكل من كان تقيا كان لله وليا ف "لا خوف عليهم" أي فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة "ولا هم يحزنون" على ما وراءهم في الدنيا وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس وغير واحد من السلف أولياء الله الذين إذا رءوا ذكر الله وقد ورد هذا في حديث مرفوع كما قال البزار حدثنا علي بن حرب الرازي حدثنا محمد بن سعيد بن سابق حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري وهو القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رجل يا رسول الله من أولياء الله ؟ قال "الذين إذا رءوا ذكر الله" ثم قال البزار وقد روي عن سعيد مرسلا وقال ابن جرير حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا أبو فضيل حدثنا أبي عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن عمرو بن جرير البجلي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من عباد الله عبادا يغبطهم الأنبياء والشهداء" قيل من هم يا رسول الله لعلنا نحبهم ؟ قال "هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس" ثم قرأ "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون" "ثم رواه أيضا أبو داود من حديث جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله وهذا أيضا إسناد جيد إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمر بن الخطاب والله أعلم وفي حديث الإمام أحمد عن أبي النضر عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يأتي من أفناء الناس ونوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة تحابوا في الله وتصافوا في الله يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها يفزع الناس ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون "والحديث مطول" ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#281 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (7) سورة يونس . من صـ 378 الى صــ 391 الحلقة (281) وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن الأعمش عن ذكوان بن أبي صالح عن رجل عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم . الذين آمنوا وكانوا يتقون (63) الذين آمنوا وكانوا يتقون في قوله "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" قال "الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" وقال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن أبي الدرداء في قوله "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" قال سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية فقال : لقد سألت عن شيء ما سمعت أحدا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له بشراه في الحياة الدنيا وبشراه في الآخرة الجنة" ثم رواه ابن جرير عن سفيان عن ابن المنكدر عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر أنه سأل أبا الدرداء عن هذه الآية فذكر نحو ما تقدم ثم قال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح قال : سمعت أبا الدرداء سئل عن هذه الآية "الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى" فذكر نحوه سواء وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا أبان حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" فقال "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي - أو قال أحد قبلك - تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له" وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير به ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير فذكره ورواه علي بن المبارك عن يحيى عن أبي سلمة قال : نبئنا عن عبادة بن الصامت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فذكره وقال ابن جرير حدثني أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي عن حميد بن عبد الله المزني قال : أتى رجل عبادة بن الصامت فقال آية في كتاب الله أسألك عنها قول الله تعالى "لهم البشرى في الحياة الدنيا" فقال عبادة ما سألني عنها أحد قبلك سألت عنها نبي الله فقال مثل ذلك "ما سألني عنها أحد قبلك الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن في المنام أو ترى له" ثم رواه من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان عن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" فقد عرفنا بشرى الآخرة الجنة فما بشرى الدنيا ؟ قال "الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له ; وهي جزء من أربعة وأربعين جزءا أو سبعين جزءا من النبوة" وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا بهز حدثنا حماد حدثنا أبو عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أنه قال يا رسول الله الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تلك عاجل بشرى المؤمن" رواه مسلم وقال أحمد أيضا حدثنا حسن يعني الأشيب حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لهم البشرى في الحياة الدنيا" - قال - الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من تسعة وأربعين جزءا من النبوة فمن رأى ذلك فليخبر بها ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليكبر ولا يخبر بها أحدا "." لم يخرجوه وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن عبد الرحمن بن جبر عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لهم البشرى في الحياة الدنيا" الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة "وقال أيضا ابن جرير حدثني محمد بن أبي حاتم المؤدب حدثنا عمار بن محمد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم" لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة "- قال -" في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وهي في الآخرة الجنة "ثم رواه عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه قال : الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي من المبشرات هكذا رواه من هذه الطريق موقوفا وقال أيضا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر حدثنا هشام عن ابن سيرين عن" أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له" وقال ابن جرير حدثني أحمد بن حماد الدولابي حدثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت عن أم كرز الكعبية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات" وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير ويحيى بن أبي كثير وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم أنهم فسروا ذلك بالرؤيا الصالحة وقيل المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة كقوله تعالى "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم" وفي حديث البراء رضي الله عنه أن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب فقالوا اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى "لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون" - وقال تعالى "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى" نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم "وقوله" لا تبديل لكلمات الله "أي هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ذلك هو الفوز العظيم" . لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (64) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم في قوله "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" قال "الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" وقال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن أبي الدرداء في قوله "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" قال سأل رجل أبا الدرداء عن هذه الآية فقال : لقد سألت عن شيء ما سمعت أحدا سأل عنه بعد رجل سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له بشراه في الحياة الدنيا وبشراه في الآخرة الجنة" ثم رواه ابن جرير عن سفيان عن ابن المنكدر عن عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر أنه سأل أبا الدرداء عن هذه الآية فذكر نحو ما تقدم ثم قال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح قال : سمعت أبا الدرداء سئل عن هذه الآية "الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى" فذكر نحوه سواء وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا أبان حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن عبادة بن الصامت أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" فقال "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي - أو قال أحد قبلك - تلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له" وكذا رواه أبو داود الطيالسي عن عمران القطان عن يحيى بن أبي كثير به ورواه الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير فذكره ورواه علي بن المبارك عن يحيى عن أبي سلمة قال : نبئنا عن عبادة بن الصامت سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فذكره وقال ابن جرير حدثني أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عمر بن عمرو بن عبد الأحموسي عن حميد بن عبد الله المزني قال : أتى رجل عبادة بن الصامت فقال آية في كتاب الله أسألك عنها قول الله تعالى "لهم البشرى في الحياة الدنيا" فقال عبادة ما سألني عنها أحد قبلك سألت عنها نبي الله فقال مثل ذلك "ما سألني عنها أحد قبلك الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن في المنام أو ترى له" ثم رواه من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد بن صفوان عن عبادة بن الصامت أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" فقد عرفنا بشرى الآخرة الجنة فما بشرى الدنيا ؟ قال "الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له ; وهي جزء من أربعة وأربعين جزءا أو سبعين جزءا من النبوة" وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا بهز حدثنا حماد حدثنا أبو عمران عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر أنه قال يا رسول الله الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه ويثنون عليه به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تلك عاجل بشرى المؤمن" رواه مسلم وقال أحمد أيضا حدثنا حسن يعني الأشيب حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لهم البشرى في الحياة الدنيا" - قال - الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من تسعة وأربعين جزءا من النبوة فمن رأى ذلك فليخبر بها ومن رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه فلينفث عن يساره ثلاثا وليكبر ولا يخبر بها أحدا "." لم يخرجوه وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن عبد الرحمن بن جبر عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لهم البشرى في الحياة الدنيا" الرؤيا الصالحة يبشرها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة "." وقال أيضا ابن جرير حدثني محمد بن أبي حاتم المؤدب حدثنا عمار بن محمد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة" - قال - "في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له وهي في الآخرة الجنة" ثم رواه عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه قال : الرؤيا الحسنة بشرى من الله وهي من المبشرات هكذا رواه من هذه الطريق موقوفا وقال أيضا حدثنا أبو كريب حدثنا أبو بكر حدثنا هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له" وقال ابن جرير حدثني أحمد بن حماد الدولابي حدثنا سفيان عن عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عن سباع بن ثابت عن أم كرز الكعبية سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول "ذهبت النبوة وبقيت المبشرات" وهكذا روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير ويحيى بن أبي كثير وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وغيرهم أنهم فسروا ذلك بالرؤيا الصالحة وقيل المراد بذلك بشرى الملائكة للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة كقوله تعالى "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم" وفي حديث البراء رضي الله عنه أن المؤمن إذا حضره الموت جاءه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب فقالوا اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى روح وريحان ورب غير غضبان فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء وأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى "لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون" - وقال تعالى " يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم "وقوله" لا تبديل لكلمات الله "أي هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ذلك هو الفوز العظيم" ." ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65) ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم "ولا يحزنك" قول هؤلاء المشركين واستعن بالله عليهم وتوكل عليه فإن العزة لله جميعا أي جميعها له ولرسوله وللمؤمنين "هو السميع العليم" أي السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم. ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وأن المشركين يعبدون الأصنام وهي لا تملك شيئا لا ضرا ولا نفعا ولا دليل لهم على عبادتها بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم . هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه أي يستريحون من نصبهم وكلهم وحركاتهم "والنهار مبصرا" أي مضيئا لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم "إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون" أي يسمعون هذه الحجج والأدلة فيعتبرون بها ويستدلون على عظمة خالقها ومقدرها ومسيرها . قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون يقول تعالى منكرا على من ادعى أن له "ولدا سبحانه هو الغني" أي تقدس عن ذلك هو الغني عن كل ما سواه وكل شيء فقير إليه "له ما في السموات وما في الأرض" أي فكيف يكون له ولد مما خلق وكل شيء مملوك له عبد له "إن عندكم من سلطان بهذا" أي ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان أتقولون على الله ما لا تعلمون "إنكار ووعيد أكيد وتهديد شديد كقوله تعالى" وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا "." قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون ثم توعد تعالى الكاذبين عليه المفترين ممن زعم أن له ولدا بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلا ثم يضطرهم إلى عذاب غليظ . متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70) متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون "متاع في الدنيا" أي مدة قريبة "ثم إلينا مرجعهم" أي يوم القيامة "ثم نذيقهم العذاب الشديد" أي الموجع المؤلم "بما كانوا يكفرون" أي بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله فيما ادعوه من الإفك والزور. واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون (71) واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه "واتل عليهم" أي أخبرهم واقصص عليهم أي على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك "نبأ نوح" أي خبره مع قومه الذين كذبوه كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك "إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم" أي عظم عليكم "مقامي" أي فيكم بين أظهركم "وتذكيري" إياكم "بآيات الله" أي بحججه وبراهينه "فعلى الله توكلت" أي فإني لا أبالي ولا أكف عنكم سواء عظم عليكم أو لا "فأجمعوا أمركم وشركاءكم" أي فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن "ثم لا يكن أمركم عليكم غمة" أي ولا تجعلوا أمركم عليكم ملتبسا بل افصلوا حالكم معي فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلي "ولا تنظروني" أي ولا تؤخروني ساعة واحدة أي مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أباليكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء كما قال هود لقومه "إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظروني إني توكلت على الله ربي وربكم" الآية . فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين "فإن توليتم" أي كذبتم وأدبرتم عن الطاعة "فما سألتكم من أجر" أي لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا "إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين" أي وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام لله عز وجل والإسلام هو دين الأنبياء جميعا من أولهم إلى آخرهم وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم كما قال تعالى "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا" قال ابن عباس سبيلا وسنة فهذا نوح يقول "وأمرت أن أكون من المسلمين" وقال تعالى عن إبراهيم الخليل "إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون" وقال يوسف "رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين" وقال موسى "يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين" وقال السحرة "ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين" وقالت بلقيس "رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب" العالمين "." وقال تعالى "إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا" وقال تعالى "وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأنا مسلمون" وقال خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين" أي من هذه الأمة ولهذا قال في الحديث الثابت عنه "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات وديننا واحد" . أي وهو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت شرائعنا وذلك معنى قوله أولاد علات وهم الإخوة من أمهات شتى والأب واحد . فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين وقوله تعالى "فكذبوه فنجيناه ومن معه" أي على دينه "في الفلك" وهي السفينة "وجعلناهم خلائف" أي في الأرض "وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين" أي يا محمد كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين . ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين يقول تعالى ثم بعثنا من بعد نوح رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات أي بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به "فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل" أي فما كانت الأمم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم بسبب تكذيبهم إياهم أو ما أرسلوا إليهم كقوله تعالى "ونقلب أفئدتهم وأبصارهم" الآية . وقوله "كذلك نطبع على قلوب المعتدين" أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن بعدهم ويختم على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم والمراد أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل وأنجى من آمن بهم وذلك من بعد نوح عليه السلام فإن الناس كانوا من قبله من زمان آدم عليه السلام على الإسلام إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام فبعث الله إليهم نوحا عليه السلام ولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. قال ابن عباس : كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام وقال تعالى "وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح" الآية وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا سيد الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين فإنه إذا كان قد أصاب من كذب بتلك الرسل ما ذكره الله تعالى من العذاب والنكال فما ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك ؟ . ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين يقول تعالى "ثم بعثنا" من بعد تلك الرسل "موسى وهارون إلى فرعون وملئه" أي قومه "بآياتنا" أي حججنا وبراهيننا "فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين" أي استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له وكانوا قوما مجرمين . فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين "فلما جاءهم الحق من" عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين "كأنهم قبحهم الله أقسموا على ذلك وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان كما قال تعالى" وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا "الآية ." قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون "قال" لهم "موسى" منكرا عليهم "أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون" . قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين "قالوا أجئتنا لتلفتنا" أي تثنينا "عما وجدنا عليه آباءنا" أي الدين الذي كانوا عليه "وتكون لكما" أي لك ولهارون "الكبرياء" أي العظمة والرياسة "في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين" . وكثيرا ما يذكر الله تعالى قصة موسى عليه السلام مع فرعون في كتابه العزيز لأنها من أعجب القصص فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر فسخره القدر أن ربي هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد ثم ترعرع وعقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم ورزقه النبوة والرسالة والتكليم وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه هذا ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان فجاءه برسالة الله تعالى وليس له وزير سوى أخيه هارون عليه السلام فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية والنفس الخبيثة الأبية ولوى رأسه وتولى بركنه وادعى ما ليس له وتجهم على الله وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل والله تعالى يحفظ رسوله موسى عليه السلام وأخاه هارون ويحوطهما بعنايته ويحرسهما بعينه التي لا تنام ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يد موسى شيئا بعد شيء ومرة بعد مرة مما يبهر العقول ويدهش الألباب مما لا يقوم له شيء ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله "وما تأتيهم من آية إلا هي أكبر من أختها" وصمم فرعون وملؤه قبحهم الله على التكذيب بذلك كله والجحد والعناد والمكابرة حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" . وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم (79) وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم ذكر الله سبحانه قصة السحرة مع موسى عليه السلام في سورة الأعراف وقد تقدم الكلام عليها هناك وفي هذه السورة وفي سورة طه وفي الشعراء وذلك أن فرعون لعنه الله أراد أن يبهرج على الناس ويعارض ما جاء به موسى عليه السلام من الحق المبين بزخارف السحرة والمشعوذين فانعكس عليه النظام ولم يحصل له من ذلك المرام وظهرت البراهين الإلهية في ذلك المحفل العام "وألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون" فظن فرعون أنه يستنصر بالسحار على رسول الله صلى الله عليه وسلم عالم الأسرار فخاب وخسر الجنة واستوجب النار "وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم" . فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) فلما جاء السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون وإنما قال لهم ذلك لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل "قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى قال بل ألقوا" فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ باطلهم . ولهذا لما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم "فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى" . فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (81) فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين فعند ذلك قال موسى لما ألقوا "ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون" وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عمار بن الحارث حدثنا عبد الرحمن يعني الدشتكي أخبرنا أبو جعفر الرازي عن ليث وهو ابن أبي سليم قال : بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور الآية التي من سورة يونس "فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ." ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون (82) ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون "ويحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون" والآية الأخرى "فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون" إلى آخر أربع آيات وقوله "إن ما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى" . فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83) فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية وهم الشباب على وجل وخوف منه ومن ملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر لأن فرعون لعنه الله كان جبارا عنيدا مسرفا في التمرد والعتو وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفا شديدا . قال العوفي عن ابن عباس "فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم" قال فإن الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون يسير منهم امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه" يقول بني إسرائيل وعن ابن عباس والضحاك وقتادة الذرية القليل وقال مجاهد في قوله إلا ذرية من قومه قال هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم ; واختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية أنها من بني إسرائيل لا من قوم فرعون لعود الضمير على أقرب المذكورين وفي هذا نظر لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب وأنهم من بني إسرائيل فالمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى عليه السلام واستبشروا به وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبهم المتقدمة وأن الله تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه ولهذا لما بلغ هذا فرعون حذر كل الحذر فلم يجد عنه شيئا ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشد الأذى , و "قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون" وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل "على خوف من فرعون وملئهم" أي وأشراف قومهم أن يفتنهم ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإيمان سوى قارون فإنه كان من قوم موسى فبغى عليهم لكنه كان طاويا إلى فرعون متصلا به متعلقا بحباله ; ومن قال إن الضمير في قوله وملئهم عائد إلى فرعون وعظم الملك من أجل اتباعه أو بحذف آل فرعون وإقامة المضاف إليه مقامه فقد أبعد وإن كان ابن جرير قد حكاه عن بعض النحاة . ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى . وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم يقول تعالى مخبرا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل "يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين" أي فإن الله كاف من توكل عليه "أليس الله بكاف عبده" "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل كقوله تعالى "فاعبده وتوكل عليه" "قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا" "رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا" وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة "إياك نعبد وإياك نستعين" وقد امتثل بنو إسرائيل ذلك . ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير سورة الأعراف تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 4 | 02-11-2026 06:05 PM |
| مقتطفات الفوائد من تفسير ابن كثير | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 11-04-2025 08:15 PM |
| تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم كتاب الكتروني رائع للحاسب | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 3 | 04-13-2025 09:49 PM |
| للتحميل أكبر كتاب تفسير على الشبكة : الحاوِي في تفسير القرآن الكريم (840 مجلداً ) | الزرنخي | ملتقى الكتب الإسلامية | 7 | 07-01-2024 06:15 PM |
| تفسير القرآن العظيم الشيخ فهد الشتوي رحمه الله ... | السليماني | قسم تفسير القرآن الكريم | 2 | 05-08-2024 12:38 PM |
|
|