زكاة الأوراق النقدية والعملات الإلكترونية
أ. د. حلمي عبدالحكيم الفقي
تعارف الناس في مختلف أصقاع الأرض ردحًا طويلًا من الزمن على الذهب والفضة نقودًا للتبادل، ومعيارًا للقيم، ومخزنًا للثروة، ولاقت قبولًا عامًا بين الناس في الوفاء بالالتزامات، وتدريجيًا حلت النقود الورقية محل الذهب والفضة في مختلف أنواع التعاملات بين الناس قاطبة في كل ربوع العالم، المسلمين وغير المسلمين، ولهذا كان للنقود الورقية كل أحكام الذهب والفضة في الشريعة الإسلامية، فيجري فيها الربا، وتجب فيها الزكاة، وتخضع لأحكام الصرف في الفقه الإسلامي، ويصح جعلها رأس مال في عقد السلم، وذلك بإجماع العلماء، إلا ما شذ من آراء لا اعتبار لها ولا وزن، ولا تؤثر في انعقاد إجماع علماء الشريعة على وجوب الزكاة في النقود الورقية، وهذا الإجماع وهذا الحكم يجري على كل ما اعتبره الناس نقودًا، فلو حلت النقود الإلكترونية، أو العملات الرقمية محل النقود الورقية في التعامل بين الناس كان لها حكم الأوراق النقدية، وجرى عليها ما جرى على الذهب والفضة من أحكام.
أدلة وجوب الزكاة في النقود الورقية:
دلت آيات القرآن الكريم، والأحاديث النبوية، وإجماع علماء الأمة، على وجوب الزكاة في النقود الورقية.
فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة: 34، 35].
قال أهل التفسير: نبهت الآيتان بهذا الوعيد الشديد على أن في الذهب والفضة حقًّا لله تعالى إجمالًا، وفي قوله تعالى: "ولا ينفقونها" إيماء إلى أن المراد بالذهب والفضة نقودهما، لأنها هي المُعدَّة للإنفاق، والآلة المباشرة له، ويؤكد ذلك قوله تعالى: "ولا ينفقونها" بدل "ولا ينفقونهما" لأن الضمير عائد عليهما باعتبارهما دراهم ودنانير، أي باعتبارهما نقودًا ورقية أو إلكترونية أو رقمية، فالزكاة واجبة في كل ما اعتبره الإنسان نقودًا.
ومن السنة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صُفِّحت له صفائح من نار، فأُحمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار))؛ [رواه البخاري ومسلم].
فقد نص هذا الحديث الشريف على الذهب والفضة لأنهما نقود هذا الزمان، فكل ما اعتبره الإنسان نقودًا، فالزكاة واجبة فيه بنص القرآن والسنة، وإجماع الأمة.
وقد استقر رأي أساتذة الاقتصاد على أن النقود هي كل ما يستعمل مقياسًا للقيم، وواسطة للتبادل، وأداة للادخار، فأي شيء يؤدي هذه الوظيفة يعد نقودًا، ما دام يلقي قبولًا عامًّا لدى الناس في الوفاء بالالتزامات، وقد قرر ذلك قديمًا شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى حين قال: "وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبيعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق بالمقصود به، بل الغرض أن يكون معيارًا لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها، بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا أي نقودًا".
وقبل حوالي ألف وأربعمائة سنة سبق الإمام مالك إلى تقرير هذه الحقيقة، فقال في المدونة: "ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون سكة وعين، لكرهت أن تباع بالذهب والورق نسيئة"؛ أي لكان للجلود حكم النقود، وجرى فيها الأحكام المقررة للنقود في الشريعة الإسلامية، وقد استقرت أعراف البشر في القرون الأخيرة على اعتبار النقود الورقية، أو أوراق البنكنوت، نقودًا لها كل وظائف النقود، وقبل حوالي عقد ونصف، أو يزيد قليلًا، بدأت العملات الإلكترونية في الظهور، وحتى الآن لم تحل محل العملات الورقية بشكل كبير، وإن كان لها مساحة في التعامل بين الناس ليست قليلة، وتلقي قبولًا يتزايد يومًا بعد يوم، فلهذا تجب فيها الزكاة كما تجب في النقود الورقية.
مقدار الواجب في النقود الورقية:
يجب فيها ربع العشر، أي 2.5%، مرة واحدة كل عام، إذا توافرت فيها شروط وجوب الزكاة، والتي منها بلوغ النصاب، والنصاب هو حد الغنى الذي تجب عنده الزكاة.
نصاب النقود الورقية:
ونصاب النقود الورقية هو نصاب الذهب والفضة، ونصاب الذهب عشرون دينارًا، وهي تساوي 85 جرامًا تقريبًا، ونصاب الفضة خمس أواقٍ، وتساوي 595 جرامًا تقريبًا.
يتبع