استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة > قسم الفرق والنحل
قسم الفرق والنحل القضايا الفكرية والعقائدية في الاسلام والرد على الشبهات.
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-05-2026, 04:08 PM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي قصة شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس يوم القيامة والمسائل المستنبطة منها

      

قصة شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس يوم القيامة والمسائل المستنبطة منها



عبدالستار المرسومي



قصة شفاعة نبيِّ الله محمد صلى الله عليه وسلم للناس يوم القيامة قصة عظيمة، جاء فيها الكثير من العبر، الشفاعة التي يأمل كلُّ مسلمٍ أن تناله، الشفاعة التي ستنقذ أعدادًا عظيمة من المسلمين من النار وتدخلهم الجنَّة، ويحدث كلُّ ذلك بعد أن يأذن الله جل جلاله، يروي هذه القصة لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، فهو يقول صلى الله عليه وسلم: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ[1]، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِن الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ. فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ. فَيَأْتُونَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ عليه السلام: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَن الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ.


فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عليه السلام: إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ. فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى. فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُؤمَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ. فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى عليه السلام: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ. فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ. فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ، أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِن الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِن الْأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَحِمْيَرَ[2] أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى[3]))[4].


وفي حديث آخر يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا رَبِّي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، قُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ. فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا، ثُمَّ أَشْفَعْ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ))[5].


المسائل المستنبطة من القصة
المسألة الأولى: خصَّ الله جل جلاله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بعطاءات لم يُعْطِها لأحد من قبله صلى الله عليه وسلم، والشفاعة واحدة منها، وهي ليست العطاء الوحيد ولكنها الأهم والأشهر، وإنما هناك عطاءات خاصة أخرى، وقد اجتمعت هذه العطاءات الخاصة به صلى الله عليه وسلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً))[6].

المسألة الثانية: الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو خير الناس؛ لأنه من الرسل، والرسل اصطفاهم الله جل جلاله على البشر، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [الحج: 75]، وهو صلى الله عليه وسلم خير الرسل؛ لأنه من أولي العزم من الرسل، قال تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف: 35]، وهو خير أولي العزم من الرسل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الشفاعة: ((وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ عليه السلام))[7]، فمن أجل ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في مطلع هذه القصة: ((أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))، وقال صلى الله عليه وسلم في موضع آخر: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ))[8]، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم أمام المرسلين؛ حيث جمع الله جل جلاله له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، فصَلَّى بهم صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: ((ثُمَّ انْطَلَقْنا حتى أتَيْنَا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ بالنَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ إمامًا، ثُمَّ عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ الدُّنْيا))[9].

المسألة الثالثة: يوم القيامة يوم شديد وعسير وطويل، مقداره خمسون ألف سنة، قال تعالى: ﴿ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: 4]، وفيه يغضب الله جلَّ جلاله غضبًا شديدًا لم يغضب قبله مثله، ولا يجرؤ أحدٌ أن يكلِّم الله جل جلاله، لا ملك مُقرَّب ولا نبي مرسل، والناس في ضنك وشدة، فيفكرون في أن يستشفعوا بأحد من خلق الله جل جلاله، ومن الطبيعي أنهم يفكرون بمن هم عند الله جل جلاله بمكانة، وهم أنبياؤه ورسُلُه عليهم السلام.

المسألة الرابعة: بدأ الناس يستشفعون بآدم عليه السلام، ثم بأولي العزم من الرسل لمنزلتهم عند الله جل جلاله، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، وذكروهم بمناقبهم وما خصَّهم الله جلَّ جلاله به، ولكن حتى هؤلاء لم يستطيعوا أن يقدموا شيئًا في هذا اليوم العصيب والعسير، وأجمعوا على قول واحد هو: ((إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ))، فهم أمام هذا الغضب الإلهي لن يستطيعوا أن يقولوا أي كلمة في ذلك المقام.

المسألة الخامسة: الأنبياء عليهم السلام الذين طالبهم الناس بأن يشفعوا لهم عند الله جل جلاله لم ينبروا لهذا الطلب بسبب غضب الله جل جلاله أولًا، ولأنهم أخطأوا يومًا، فإنَّ الحياء من الله جل جلاله يمنعهم أيضًا من ذلك، فهم يعلمون أنهم ما كان لهم أن يحصل منهم الخطأ؛ لأنهم ليسوا كباقي البشر، فآدم عليه السلام ذكرهم بأنه عصى الله في قضية الشجرة التي نهاهُ الله جل جلاله عنها، مع العلم أن عصيانه لم يكن تعمُّدًا وإنما نسيانًا، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا [طه: 115]، وأما إبراهيم عليه السلام فذكَّرهم بأنه قد كذب ثلاث كذبات على الرغم أن هذه الكذبات كُنَّ في ذات الله جل جلاله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِي عليه السلام قَطُّ إِلَّا ثَلاثَ كَذَبَاتٍ؛ ثِنْتَيْنِ في ذَاتِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: ﴿ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات: 89]، وَقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا [الأنبياء: 63]، وَوَاحِدَةً فِي شَأْنِ سَارَةَ فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارةُ وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: "إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الإِسْلامِ، فَإِنِّي لا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ مُسْلِمًا غَيْرِي وَغَيْرَكِ"))[10]، وأما موسى عليه السلام فذكَّرهم بأنه قتل نفسًا لم يؤمر بقتلها، وهو إنما قتلها خطأً وليس عمدًا.

المسألة السادسة: عندما وصل الأمر لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم وطلب الناس منه صلى الله عليه وسلم أن يشفعَ لهم عند الله جل جلاله، لم يرفض ولم يتردَّد بل كان صلى الله عليه وسلم لها وأهلها، فهو صلى الله عليه وسلم الذي سبق وأن قال: ((لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا))[11].


كما إنه صلى الله عليه وسلم يعلم كيف يطلب من الله جل جلاله وكيف ينال رضاه، وبيَّن ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: ((فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي))؛ إذًا هو التذلُّل والخضوع والانكسار الذي يُستحصل بالسجود الطويل بين يدي الله جل جلاله، ثم الإكثار من المحامد والثناء على الله جل جلاله قبل الدعاء، وهذا الذي فعله صلى الله عليه وسلم بين يدي الله جل جلاله ففُتِحت له صلى الله عليه وسلم المغاليق، وأُعطي صلى الله عليه وسلم ما لم يُعْطَ غيره.

المسألة السابعة: قَبِلَ الله جل جلاله شفاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في أمته في ذلك المشهد المهيب، وهو صلى الله عليه وسلم سبق وأن وعد بها في الدنيا، فإنه صلى الله عليه وسلم كان قد قال: ((أَتَدرونَ ما خَيَّرَني ربِّيَ اللَّيلةَ"؟ قُلنا: اللَّهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ صلى الله عليه وسلم: "فإنَّهُ خَيَّرَني بينَ أن يدخلَ نصفُ أُمَّتي الجنَّةَ، وبينَ الشَّفاعةِ، فاختَرتُ الشَّفاعةَ"، قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ، ادعُ اللَّهَ أن يجعلَنا مِن أهْلِها، قالَ صلى الله عليه وسلم: "هيَ لِكُلِّ مُسلمٍ"))[12].

المسألة الثامنة: بالشفاعة أعطى اللهُ جل جلاله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يُدخل كل أمته الجنة، فمنهم من لا حساب عليهم فيدخلون من الباب الأيمن من الجنة وهو باب خاص بهم، وهؤلاء عددهم سبعون ألف مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ))[13]، والبقية من أمة محمد صلى الله عليه وسلم شركاء مع الناس فيما تبقَّى من أبواب الجنة، وإن عدد أبواب الجنة ثمانية كما هو ثابت في سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم.

المسألة التاسعة: إنَّ السجودَ من أعظم أعمال البدن التعبُّدية، وأقرب ما يكون العبد من ربِّه عند سجوده، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ))[14]، وقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة فعمل بها على أرض الواقع في أهم حدث يقرر مصير المسلمين، وذلك من أجل أن ينال صلى الله عليه وسلم رضا الله جل جلاله في الموضع الذي يحبه الله جل جلاله، وكان الله جل جلاله قد دلَّ رسوله صلى الله عليه وسلم على فضل السجود في قوله تعالى: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الحجر: 98].


وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثُّ الناس على السجود كثرته وطوله، فقد قال رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الأَسْلَمِيُّ: (كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لِي: «سَلْ». فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ؟». قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»)[15].

المسألة العاشرة: إن شفاعة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ستطالُ المسلمين كلهم، فيخرجهم الله جل جلاله بهذه الشفاعة من النار ويدخلهم الجنة، باستثناء من صنَّفه القرآن أنه من الخالدين من النار، وهو عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ))، ومن الخالدين في النار؛ المسلمون الذين يرتدُّون عن الإسلام ويكفرون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ [آل عمران: 86 - 88].

[1] يُسْمِعهم الداعي وينفذهم البصر، معناه: (أنهم مجتمعون مهتمُّون بما هم فيه لا يخفى منهم أحد، بحيث إن دعاهم داعٍ سمعوه، وإن نظر إليهم ناظر أدركهم، ويحتمل أن يكون الداعي هو الذي يدعوهم إلى العرض والحساب).

[2] حِمْـيَر: قبيلة مشهورة في اليمن، والمقصود هي صنعاء التي كانت القبيلة تسكنها.

[3] بُصرى: مدينة في الشام قريبة من دمشق.

[4] صحيح البخاري 4712.

[5] صحيح مسلم 7410.

[6] صحيح البخاري 335.

[7] صحيح مسلم 1941.

[8] صحيح مسلم 6079.

[9] جامع البيان في تأويل القرآن، ابن جرير الطبري، ج17، ص 332.

[10] صحيح مسلم 6294.

[11] صحيح مسلم 512.

[12] سنن ابن ماجه 4317.

[13] صحيح البخاري 6472.

[14] صحيح مسلم 1111.

[15] صحيح مسلم 1122.




اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* أبرز أسباب تزايد الطلاق في العالم العربي
* أزواج استغلاليون!
* لماذا يهرب الأزواج من البيوت؟
* أثر الذكاء الاجتماعي على العلاقة الزوجية
* هندسة العدالة الإلهية.. رؤية بيانية في «مثقال ذرة»
* نفي الشاعرية عن الرسول ﷺ وتأسيس مفهوم الإبانة القرآنية
* لماذا نحفظ القرآن؟

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
للناس, محمد, منها, المستنبطة, الله, النبي, القيامة, حول, صلى, شفاعة, عليه, والمسائل, وسلم, قصة
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
قصة أويس القرني رحمه الله والمسائل المستنبطة منها ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 1 04-29-2026 06:43 PM
قصة غزوة أُحُدٍ والمسائل المستنبطة منها ابو الوليد المسلم قسم السيرة النبوية 0 03-23-2026 10:49 PM
الشفاعة الكبرى ومقام النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ابو الوليد المسلم ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 1 03-07-2026 11:38 PM
شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هل تريد أن تنالها ؟ الاميرة ملتقى الحوار الإسلامي العام 5 03-12-2024 11:04 PM
شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم من هم أهلها؟ أسامة خضر قسم فضيلة الشيخ فؤاد ابو سعيد حفظه الله 2 04-25-2015 07:15 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009