استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-27-2026, 10:25 PM   #337

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 109 الى صـــ 120
الحلقة (337)






وقال الثوري: يتصدق بأكثره. وقال أبو حنيفة: ما يجب أن يتصدق بأقل من الثلث (١).
وقال ابن التين: مشهور مذهب مالك: أنه يؤكل من كل هدي إلا أربعة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذره للمساكين، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله، فإن نذر بدنة ولم يعلقها بالمساكين بقول أو نية جاز الأكل على الأصح، وقيل: إن أهدي الفساد لا يؤكل منه، وفروعه عندهم كثيرة (٢).

----------
(١) انظر: «الأصل» (٤٣٤)، «بدائع الصنائع» ٢/ ٦١٥.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٣، «المنتقى» ٢/ ٣١٨.



١٢٥ - باب الذَّبْحِ قَبْلَ الحَلْقِ
١٧٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ». [انظر: ٨٤ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ٣/ ٥٥٩]

١٧٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ «لَا حَرَجَ». وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنِي ابْنُ خُثَيْمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٨٤ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ٣/ ٥٥٩]
وَقَالَ عَفَّانُ -أُرَاهُ- عَنْ وُهَيْبٍ: حَدَّثَنَا ابن خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ حَمِّاد: عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ، وَعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٧٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ. قَالَ: «لَا حَرَجَ». [انظر: ٨٤ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ٣/ ٥٥٩]

١٧٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ بِالبَطْحَاءِ. فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟». قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ: «أَحْسَنْتَ، انْطَلِقْ فَطُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ». ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ، فَفَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ، فَكُنْتُ أُفْتِى بِهِ النَّاسَ،


حَتَّى خِلَافَةِ عُمَرَ - رضي الله عنه -، فَذَكَرْتُهُ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ. [انظر: ١٥٥٩ - مسلم: ١٢٢١ - فتح: ٣/ ٥٥٩]
ذكر فيه حديث عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ».
وعنه (١) أيضًا: قَالَ رَجُلٌ لرسول الله - ﷺ -: زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: «لَا حَرَجَ».
عَنْ عِكْرِمَةَ (٢)، عَنه: سُئِلَ رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ فقَالَ: «لَا حَرَجَ».
ثم أخرجه من حديث عطاء من طريقين معلقين عنه ومن (٣) حديث سعيد بن جبير عنه.
ثم قال: وَقَالَ حَمَّادٌ: عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النبِيِّ - ﷺ -.
وذكر فيه أيضًا حديث أبي موسى قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ بِالبَطْحَاءِ. فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. إلى قول عمر: وَإِنْ نَأخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَهُ.
الشرح:
حديث ابن عباس أخرجه مسلم بلفظ: أن النبي - ﷺ - قيل له في الذبح

-----------
(١) فوقها في الأصل: مسند متصل.
(٢) فوقها في الأصل: مسند.
(٣) في هامش الأصل: معلق آخر عن شيخه عفان، والصحيح أنه محمول على المذاكرة وهي (…).



والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: «لا حرج» (١).
وسلف في كتاب العلم في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس فأومأ بيده: لا حرج، في الموضعين (٢)، وذكر في هذِه الطريق: الذبح قبل الرمي، والحلق قبل الذبح.
وقوله: (وَنَحْوِهِ) جاء مبينًا في رواية عبد العزيز بن رفيع: أن النبي - ﷺ - قيل له في الحلق والذبح، إلى آخر ما سلف.
والتعليق الأول وهو تعليق عبد الرحيم الرازي أخرجه الإسماعيلي، عن ابن زاطيا، ثَنَا الحسن بن حمَّاد، ثَنَا عبد الرحيم بن سليمان، به بلفظ: يا رسول الله: طفتُ بالبيت قبل أن أرمي؟ قال: «لا حرج».
وأخبرنيه القاسم: ثَنَا أبو كريب، ثَنَا عبد الرحيم.
والثاني تعليق سعيد بن جبير أسنده الإسماعيلي أيضًا عن القاسم: ثَنَا الحسن بن محمد والصاغاني قالا: ثَنَا عفان، ثَنَا وهيب به بلفظ: حلقتُ ولم أنحر؟ قال: «لا حرج فانحر» وجاءه رجل فقال: ذبحت ولم أرم؟ قال: «ارم ولا حرج».
وزعم خلف في «أطرافه» أن البخاري رواه في الحج فقال: ثَنَا عفان. وطريق قيس رواها النسائي عن أحمد بن سليمان، ثَنَا عفان، عن حماد بن سلمة، عن قيس به بلفظ: حلقت قبل أن أذبح؟ ذبحت قبل أن أرمي؟ طفت قبل أن أذبح؟ قال في الكل: «لا حرج» (٣).
وطريق عباد رواها الإسماعيلي عن القاسم، ثَنَا محمد بن إسحاق،

-------
(١) مسلم (١٣٠٧) كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر.
(٢) سلف برقم (٨٤).
(٣) «السنن الكبرى» ٥/ ٤٤٦ (٤٠١٠٥) كتاب: الحج، باب: الذبح قبل الرمي.



أنا يحيى بن إسحاق، ثَنَا حماد بن سلمة: رمى قبل أن يحلق عكسه ذبح قبل أن يحلق فقال: «افعل ولا حرج».
وتعليق جابر من أفراده، وأخرجاه من حديث (عبيد الله) (١) بن عمرو بن العاصي (٢) والأربعة (٣).
وقد ذكره في باب: الفتيا على الدابة (٤)، وحديث أبي موسى أخرجه مسلم مطوَّلًا (٥)، وأخرجه الترمذي من حديث علي (٦)، وأبو داود من

-----------
(١) كذا في الأصل، والصواب: عبد الله، كما سيأتي في تخريج الحديث.
(٢) سلف برقم (٨٣) كتاب: العلم، باب: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، وسيأتي في مواضع أُخر، ورواه مسلم (١٣٠٦) كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي. عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٣) أبو داود (٢٠١٤) كتاب: المناسك، باب: فيمن قدم شيئًا قبل شيء في حجه، الترمذي (٩١٦) كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن حلق قبل أن يذبح، أو منسكًا قبل نسك، النسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧ (٤١٠٦ - ٤١٠٩)، ابن ماجه (٣٠٥١). عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٤) سلف برقم (٨٣).
(٥) مسلم (١٢٢١). كتاب: الحج، باب: في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام.
(٦) الترمذي (٨٨٥) كتاب: الحج، باب: ما جاء أن عرفة كلها موقف.
ورواه أحمد ١/ ٧٢، ٧٥ - ٧٦، ٨١، ١٥٧، وأبو يعلى ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥ (٣١٢)، ١/ ٤١٣ - ٤١٤ (٢٨٤) والبيهقي ٥/ ١٢٢ من طريق عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، الحديث مطولًا. ورواه أبو داود (١٩٢٢) كتاب: المناسك، باب: الدفعة من عرفة، (١٩٣٥) باب: الصلاة بجمع، وابن الجارود ٢/ ٩٧ (٤٧١) من الطريق السابق، لكنه مختصرًا.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٧٨، ١٦٩١).
وقد وقع في متن الحديث: وأردف أسامة بن زيد وجعل يشير بيده على هينته، والناس يضربون يمينًا وشمالًا يلتفت إليهم ويقول: يا أيها الناس .. الحديث. =



حديث أسامة بن شَريِك (١).
إذا تقرر ذَلِكَ: فسنة الحاج أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر، ثم ينحر، ثم يحلق رأسه، ثم يطوف طواف الإفاضة، كذا فعله المبين عن الله، وهو مقتضى قول عمر في حديث أبي موسى: أنه - عليه السلام - لم يحل حَتَّى يبلغ الهدي محله يريد أنه لم يحلق حَتَّى نحر الهدي، وهذا معنى الترجمة، فمن قدم شيئًا من ذَلِكَ عن رتبته فللعلماء فيه أقوال: ذهب عطاء، وطاوس، ومجاهد: إلى أنه إن قدَّم نسكًا قبل نسك أنه لا حرج عليه (٢)، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٣).
وقال ابن عباس: من قدَّم من حجه شيئًا أو أخَّره فعليه دم (٤)، وهو قول النخعي، والحسن (٥)، وقتادة، واختلفوا إذا حلق قبل أن يذبح، فقال مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق،

-----------
= هكذا عند الترمذي، ووقع عند أبي داود في الحديث الأول (١٩٢٢): ثم أردف أسامة فجعل يعنق على ناقته، والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا، لا يلتفت إليهم ويقول .. الحديث.
قال الألباني: معلقًا إسناده حسن، لكن قوله: لا يلتفت … شاذ، والمحفوظ: يلتفت … وهي رواية الترمذي. اهـ.
(١) أبو داود (١٢١٥) كتاب: المناسك، باب: فيمن قدم شيئًا قبل شيء في حجه.
ورواه ابن خزيمة ٤/ ٢٣٧ (٣٤٣٦)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٢/ ٢٣٦، والدارقطني ٢/ ٢٥١، وابن حزم في «حجة الوداع» (١٨٧)، والبيهقي ٥/ ١٤٦، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٥٩) وقال: لكن قوله: سعيت قبل أن أطوف -في متن الحديث- شاذ.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٥ (١٤٩٥٣) في الرجل يحلق قبل أن يذبح.
(٣) انظر: «البيان» ٤/ ٣٤٢، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٣٧.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٥ (١٤٩٥٤).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٥ (١٤٩٥٦).



وأبو ثور، وداود، وابن جرير: لا شيء عليه، وهو نص الحديث، ونقله ابن عبد البر، عن الجمهور ومنهم: عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة (١).
وقال النخعي، وأبو حنيفة، وابن الماجشون: عليه دم، وقال أبو حنيفة: وإن كان قارنًا فدمان، والمراد بالمحل قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حَتَّى يبلغ الهدي محله﴾ المراد: الذي يقع فيه النحر فإذا بلغ محله جاز أن يحلق قبل الذبح. وقال زفر: إن كان قارنًا فعليه دمان لتقدم الحلاق، وعنه ثلاثة دماء، دم للقران ودمان للحلق قبل النحر.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء عليه. واحتجا بقوله - عليه السلام -: «لا حرج» (٢). وقول أبي حنيفة وزفر مخالف للحديث فلا وجه له.
واختلفوا فيمن طاف للزيارة قبل أن يرمي، فقال الشافعي: إن ذَلِكَ يجزئه ويرمي على نص الحديث (٣).
وروى ابن عبد الحكم، عن مالك: أنه يرمي ثم يحلق رأسه ثم يعيد الطواف؛ فإن رجع إلى بلده فعليه دم ويجزئه طوافه (٤).
وهذا خلاف نص ابن عباس، وأظن مالكًا لم يبلغه الحديث، وتابع ابن القاسم مالكًا في إعادة الطواف وخالف أصبغ فقال: يعيده استحبابًا.

------------
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٣٢٣، «المنتقى» ٣/ ٣٠، «الأم» ٢/ ١٨٢، «المجموع»
٤/ ١٩٠، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٣٨، «المستوعب» ٤/ ٢٤٦.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٥٨، «تبيين الحقائق» ٢/ ٦٢، «النوادر والزيادات» ٢/ ٤١٣.
(٣) «الأم» ٢/ ١٨٢.
(٤) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٣٢٢.



وفيه: ردٌّ لما كرهه مالك أن يسمي طواف الإفاضة طواف الزيارة؛ لأن الرجل قال لرسول الله - ﷺ -: زرت قبل أن أرمي فلم ينكر عليه (١).
واختلفوا فيمن أفاض قبل أن يحلق بعد الرمي، فقال ابن عمر: يرجع فيحلق أو يقصر ثم يرجع إلى البيت فيفيض (٢). وقالت طائفة: تجزئه الإفاضة ويحلق أو يقصر ولا شيء عليه. هذا قول عطاء، ومالك، والشافعي، وسائر الفقهاء (٣)، وقال مالك في «الموطأ»: أحب إليَّ أن يهريق دمًا لحديث ابن عباس (٤)، وأما إذا ذبح قبل أن يرمي فقال مالك وجماعة من العلماء: لا شيء عليه؛ ولأن ذَلِكَ نص في الحديث والهدي قد بلغ محله وذلك يوم النحر كما لو نحر المعتمر بمكة هديًا ساقه قبل أن يطوف لعمرته:
واختلفوا إذا قدم الحلق على الرمي، فقال مالك، وأبو حنيفة: عليه الفدية؛ لأنه حرام أن يمس من شعره شيئًا أو يلبس أو يمس طيبًا حَتَّى يرمي جمرة العقبة (٥).
وقد حكم الشارع على من حلق رأسه قبل محله من ضرورة بالفدية فكيف من غير ضرورة، وجوزه الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور،

------------
(١) قال القرافي: «وكره مالك تسميته طواف الزيارة، وقولهم: زرنا قبر النبي - عليه السلام - تعظيمًا له - عليه السلام -؛ لأن العادة أن الزائر متفضل على المزور، ولا يحسن أن يقال: زرنا السلطان، لما فيه من إيهام المكافأة والمماثلة»، «الذخيرة» ٣/ ٢٧٠.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٥٣٩ (١٣٩٩) كتاب: المناسك، باب: التقصير.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٣٦، «المبسوط» ٤/ ٤٢، «المجموع» ٨/ ١٩٠، «الفروع» ٣/ ٥١٤.
(٤) «الموطأ» ١/ ٥٣٩ (١٤٠٠).
(٥) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٥٨، «تبيين الحقائق» ٢/ ٦٢، «الاستذكار» ١٣/ ٣٢٢، «المنتقى» ٣/ ٣٠.



وداود، والطبري، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة (١)، واحتجوا بقوله - عليه السلام - في التقديم والتأخير: «لا حرج» وسيأتي الكلام في رمي جمرة العقبة بعدما أمسى قريبًا (٢).
وتأول الكوفيون في وجوب الدم فيمن قدم شيئًا من نسكه أن معنى «لا حرج» لا إثم؛ لأنه كان يعلمهم، وكانوا لا علم لهم بمناسكهم. فأخبر أن لا حرج بجهلهم لا لغير ذَلِكَ؛ لأنهم كانوا أعرابًا لا على أنه أباح لهم التقديم والتأخير في العمد.
وهذا ابن عباس يوجب على من قدم من نسكه شيئًا أو آخره الدم، وهو أحد رواة الحديث فلم يكن معنى ذَلِكَ عنده على الإباحة. لكن قال أبو عمر: لا يصح عنه (٣).
وذهب عطاء إلى أن معنى قوله: «لَا حَرَجَ» على العموم لا شيء على فاعل ذَلِكَ من إثم ولا فدية؛ بيانه أنه لم يسقط الحرج عنه إلا وقد أجزأه فعله، ولو لم يكن عنده مجزئًا لأمره بالإعادة أو بفدية، ولم يقل له: لا حرج؛ لأن الفدية إنما تلزم للحرج الذي يأتيه، (فعلم بذلك) (٤) أنه من قدم شيئًا من نسكه فدخل وقته قبل شيء منه أو آخره أنه لا يلزمه شيء، فإن ظن ظان أن في قول الرجل لرسول الله - ﷺ -: (نحرتُ قبل أن أرمي، ولم أشعر)، دلالة على أنه لا يجوز ذَلِكَ للعامد، وأن عليه القضاء إن كان مما يقضى، أو الفدية إن كان مما لا يقضى فقد وهم؛ لأن الجاهل والناسي لا يضع عنهما جهله ونسيانه حكم المتعمد في موضع مناسك الحج غير مواضعها، وإنما يضع الإثم؛
(١) انظر: «البيان» ٤/ ٣٤٣، «المجموع» ٨/ ١٩٤، «المغني» ٥/ ٣٢٠، «الفروع» ٣/ ٥١٥.
(٢) سيأتي برقم (١٧٣٤ - ١٧٣٥).
(٣) «التمهيد» ٧/ ٢٧٧.
(٤) في (ج): يعلم ذلك.



وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنَّ جاهلًا من الحاج لو جهل ما عليه فلم يرم الجمرات حَتَّى انقضت أيام الرمي، أو أن ناسيًا نسي ذَلِكَ حَتَّى مضت أيامه أن حكمه في الفدية كالعامد، وكذلك تارك الوقوف جاهلًا أو ناسيًا حَتَّى انقضى وقته، وكذا جميع أعمال الحج سواء في اللازم الفدية والجاهل والعامد والناسي، وإن اختلفت أحوالهم في الإثم فكذلك مقدم شيء من ذَلِكَ ومؤخره، الجاهل والعامد فيه سواء؛ لأنه قال: «لا حرج» ولم يفصل بجوابه بينهم.
تنبيهات:
أحدها: وقع في كلام ابن التين أنه إذا قدم الحلق على الرمي افتدى قولًا واحدًا (١)، وعلله بأنه محرم حلق لم يتحلل من نسكه، قال: وإن كان في حديث مسلم أنه قال: «لَا حَرَجَ» (٢) فيحتمل أن معناه لا إثم، والخلاف ثابت في مذهبه. قال ابن الحاجب: فلو قدم الحلق على الرمي فالفدية على الأصح، وإلا فلا فدية على الأصح (٣). ولنا وجه أنه يمتنع تقديمه على الرمي والطواف معًا بناء على أنه استباحة محظور.
ثانيها: العامد كالناسي في هذا عندنا (٤)، وبه قال القاضي أبو الحسن من المالكية: يجوز تقديم الحلق على النحر (٥).

-----------
(١) انظر: «التمهيد» ٩/ ٢٦٧.
(٢) «صحيح مسلم» (١٣٠٧) كتاب الحج، باب: من حلق قبل النحر.
(٣) «مختصر ابن الحاجب» ١٠٦.
(٤) للإمام الشافعي رحمه الله تفصيل في ذلك انظره: «الإم» ٢/ ١٤٠، واختار المزني أن العامد كالناسي. «البيان» ٤/ ١٩٧.
(٥) انظر: «المنتقى» ٣/ ٢٨.



قال ابن التين: والظاهر من مذهبنا المنع. قال الداودي ومالك: يرى على من حلق قبل الرمي أو أخَّر رميه حَتَّى غابت الشمس، ولا يرى فيما سوى ذَلِكَ مما ذكر، قال: ولم يبلغه ما ها هنا، وتعقبه ابن التين قال: وله في الرمي بعد الغروب قولان في الدم.
ثالثها: قول أبي موسى: (ثم أتيت امرأة من نساء بني قيس فَفَلَتْ رأسي)، يعني: من أخواته أو بنات إخوته؛ لأنه ابن قيس، ويحتمل أن يريد أنها من أزواجهم إلا أن قوله: (فَفَلَتْ رَأسِي) يقتضي أنها من
محارمه (ومحِله) بكسر الحاء كما في القرآن؛ لأنه من حل يحل ولو أراد حيث يحل لكان محَله بالفتح.
رابعها: فيه: الرمي راكبًا، وبه قال الشافعي ومالك، قال: وفي غير يوم النحر ماشيًا (١)، وأنه سأل إبراهيم بن الجراح: ما تقول في رميها؟ فقال: ماشيًا، فقال: أخطأت، فقال: راكبًا، فقال: أخطأت، فقال: كل رمي بعده رمي يرميها ماشيًا، وكل رمي ليس بعده رمي يرميها راكبًا (٢).
وعن أبي حنيفة: يرميها كلها راكبًا وماشيًا (٣).
ووقع في «المحلى» لابن حزم، عن أبي يوسف أنه قال قبل موته بأقل من ساعة: رمي الجمرتين الأخيرتين راكبًا أفضل (ورمي جمرة العقبة ماشيًا أفضل المنقول عنه عليه [السلام] ثم اعترض فقال:

------------
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢١٠، «المنتقى» ٣/ ٤٨، «الأم» ٢/ ١٨٠.
(٢) في «المبسوط» القول محكي عن إبراهيم الجراح قال: (دخلت على أبي يوسف رحمه الله تعالى في مرضه الذي مات فيه ففتح عينيه وقال: الرمي راكبًا أفضل أم ماشيًا؟ ..). «المبسوط» ٤/ ٢٣، وانظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٥٨.
(٣) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٤٦٣.



تقسيم بلا برهان، بل فيها كلها راكبًا أفضل) (١) اقتداءً برسول الله - ﷺ - (٢).
قلت: قد صحح الترمذي من حديث ابن عمر أنه كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا، ويخبر أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذَلِكَ ثم قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، وكان بعضهم يركب يوم النحر ويمشي في الأيام التي بعده، قال: وكأن من قال هذا إنما أراد اتباع رسول الله - ﷺ - في فعله؛ لأنه إنما روي عنه: أنه ركب يوم النحر حيث ذهب يرمي الجمار، ولا رمي يوم النحر إلا جمرة العقبة (٣).
خامسها: قام الإجماع على أنه - عليه السلام - حلق رأسه يوم النحر، وقد حكاه أيضًا ابن عبد البر (٤)، ولا يرد عليه قول معاوية: قصرت عنه (٥).

----------
(١) ساقطة من (ج).
(٢) «المحلى» ٧/ ١٨٨ - ١٨٩.
وما روي عن أبي يوسف، ذكره السرخسي في «المبسوط» ٤/ ٢٣. قال في «الهداية»: الأصل أن كل رمي بعده يقف بعده؛ لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت، ولهذا لا يقف بعد جمرة العقبة في يوم النحر أيضًا.
(٣) «سنن الترمذي» (٩٠٠) كتاب الحج، باب: ما جاء في رمي الجمار راكبًا وماشيًا.
ورواه أبو داود (١٩٦٩) كتاب: المناسك، باب: في رمي الجمار، والدارقطني ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥، والبيهقي ٥/ ١٣١، وكذا رواه أحمد ٢/ ١١٤ بلفظ: أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبًا وسائر ذلك ماشيًا وتخبرهم أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك. وصححه الألباني في «صحيح أبو داود» (١٧١٨)، و«الصحيحة» (٢٠٧٢).
(٤) «التمهيد» ٧/ ٢٦٦.
(٥) سيأتي برقم (١٧٣٠) ورواه مسلم (١٢٤٦) كتاب: الحج، باب: التقصير في العمرة.



سادسها: ذكر ابن المنذر عن الشافعي، أن من حلق قبل الرمي فعليه دمٌ، وذكر أنه حفظه عن الشافعي، وهو خطأ عنه كما نبه عليه ابن عبد البر قال: ولا أعلم خلافًا فيمن نحر قبل أن يرمي أنه لا شيء عليه (١).
-----------
(١) «الاستذكار» ١٣/ ٣٢٤.


١٢٦ - باب مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَحَلَقَ
١٧٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ - رضي الله عنهم - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ». [انظر: ١٥٦٦ - مسلم: ١٢٢٩ - فتح: ٣/ ٥٦٠]
ذكر فيه حديث حفصة أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
وحديث نافع: كَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّتِهِ.
حديث حفصة أخرجه مسلم أيضًا، وليس فيه الحلق (١)، نعم ثبت أنه حلق بعد ذَلِكَ، وحديث نافع هذا ثابت هنا في بعض النسخ، وفي «شرح ابن بطال» أيضًا (٢)، وفي بعضها الباب في الباب بعده (٣)، وقد سلف التلبيد في باب: من أهلَّ ملبدًا، وحقيقته: أن يجعل الصمغ في الغاسول ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام؛ ليمنعه ذَلِكَ من الشعث.
وجمهور العلماء على أن من لبد رأسه وجب عليه الحلاق كما فعل رسول الله - ﷺ -، وبذلك أمر الناس عمر بن الخطاب، وابن عمر (٤)، وهو

-------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٢٩) كتاب الحج، باب: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٠٠.
(٣) في هامش الأصل: وكذا في نسختي.
(٤) روى مالك في «الموطأ» ١/ ٥٤٠ - ٥٤١ (١٤٠٣ - ١٤٠٤) كتاب: المناسك، باب: التكبير، والبغوي في «مسند ابن الجعد» (٢٦٣٣)، والبيهقي ٥/ ١٣٥ من طريق ابن عمر وابن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: من لبد رأسه أو ضفره =



قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وكذلك لو ضفَّر رأسه، أو عقصه كان حكمه حكم التلبيد؛ لأنَّ الذي فعل يشبه التلبيد الذي أوجب الشارع فيه الحلاق (١).
وفي «كامل ابن عدي» في حديث ابن عمر مرفوعًا: «من لبد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحلق» (٢). وقال أبو حنيفة: من لبد رأسه أو ضفَّره فإن قصر ولم يحلق أجزأه (٣).
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: من لبد أو عقص أو ضفَّر فإن كان نوى الحلق فليحلق وإن لم ينوه فإن شاء حلق، وإن شاء قصر (٤)، وفعل النبي - ﷺ - أولى.

---------
= فعليه الحلق.
وروى البيهقي ٥/ ١٣٥ من طريق سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: من لبد أو ضفر أو عقصَ فليحلق.
وروى البيهقي ٥/ ١٣٥ من طريق عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا: من لبد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحلاق.
قال البيهقي: عبد الله بن نافع ليس بالقوي والصحيح أنه من قول عمر وابن عمر رضي الله عنهما، وقال أيضًا: الصحيح عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر من قوله، وعن نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله.
وروى أيضًا ٥/ ١٣٥ من طريق عبد الله بن نافع، عن عاصم بن عمر العمري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا به.
وقال: عاصم بن عمر ضعيف، ولا يثبت هذا مرفوعًا.
وسيأتي عند المصنف -رحمه الله- ذكر هذا الحديث المرفوع.
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ١٢٠، «البيان» ٤/ ٣٤٢، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٣٨.
(٢) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٥/ ٢٧٢ ترجمة عبد الله بن نافع مولى ابن عمر (٩٨٤).
(٣) انظر: «البناية» ٤/ ١٣٦.
(٤) رواه البيهقي ٥/ ١٣٥.



وادعى الداودي: أن الحديث قال على أن من لبد رأسه فعليه الحلاق، وسيأتي في كتاب اللباس -إن شاء الله تعالى- قول عمر: من ضفَّر فليحلق ولا تشبهوا بالتلبيد، ومعناه -إن شاء الله- ما نقلناه عن الجمهور منهم الشافعي تبعنا فيه ابن بطال (١)، وهو قول قديم له، والجديد أنه لا يجب عليه (٢)، وهما لقوله في أن التقليد والإشعار هل يتنزل منزلة قوله: جعلتها أضحية.
-------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٠٠ - ٤٠١.
(٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٧/ ٣٢١ - ٣٢٢، «البيان» ٤/ ٣٤٢.



١٢٧ - باب الحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلَالِ
١٧٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ حَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّتِهِ. [١٧٢٩، ٤٤١٠، ٤٤١١ - مسلم: ١٣٠٤ - فتح: ٣/ ٥٦١]

١٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وَالمُقَصِّرِينَ». وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: «رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ». مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ: وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ». [مسلم: ١٣٠١ - فتح: ٣/ ٥٦١]

١٧٢٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ. قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: «وَلِلْمُقَصِّرِينَ». [مسلم: ١٣٠٢ - فتح: ٣/ ٥٦١]

١٧٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ حَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ. [انظر: ١٧٢٦ - مسلم: ١٣٠٤ - فتح: ٣/ ٥٦١]

١٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ - رضي الله عنهم - قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِشْقَصٍ. [مسلم: ١٢٤٦ - فتح: ٣/ ٥٦١]
ذكر فيه عن (نافع) (١): كَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي حَجّتِهِ.

---------
(١) فوقها في الأصل: مسند متصل.


وعن مالك عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَالمُقَصِّرِينَ».
وَقَالَ اللَّيْثُ (١): حَدَّثَنِي نَافِعُ: «رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ». مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ (٢)، حَدَّثَنِي نَافِعٌ: وَقَالَ فِي الرَّابعَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ».
وعن أبي زُرْعَةَ (٣)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» إلى أن قال: قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: «وللْمُقَصِّرِينَ».
وعن (جُوَيْرِةَ) (٤) بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ: حَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ.
وعن ابن (٥) عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِشْقَصٍ.
الشرح:
حديث ابن عمر أخرجه مسلم (٦) وكذا حديثه الثاني (٧) والثالث (٨)، وفي حديث فلما كانت الرابعة قال: «والمقصرين» (٩)، وفي رواية له: قالها في الثالثة.

---------
(١) فوقها في الأصل: معلق.
(٢) فوقها في الأصل: معلق.
(٣) فوقها في الأصل: مسند.
(٤) في (ج): جويرية ولعل الصحيح ما أثبتناه، وفوقها في الأصل: مسند.
(٥) فوقها في الأصل: مسند.
(٦) مسلم (١٣٠٤) كتاب: الحج، باب: تفضيل الحلق على التقصير.
(٧) مسلم (١٣٠١).
(٨) مسلم (١٣٠٢).
(٩) مسلم (١٣٠١/ ٣١٩).



وتعليق الليث وعبيد الله أسندهما مسلم كما ذكرناه، الأول من حديث قتيبة وغيره عنه (١)، والثاني من حديث عبد الوهاب عنه (٢)، ورواه القعنبي من حديث عبد الله العمري المكبر، أخرجه الكجي في «سننه»، عن القعنبي عنه. وقال أبو قرة: سمعت عبد الله بن عمر بن حفص، ومالك بن أنس يذكران عن نافع، فذكره، وكذا رواه ابن وهب في «مسنده» عنهما.
وقال الطرقي: مداره على نافع، رواه خلق عنه منهم مالك، ولم يتابع الليث على الجمع بين اللفظتين، وفي أفراد مسلم، عن أم الحصين دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة (٣)، ولم يخرج البخاري، عن أم الحصين في هذا ولا في غيره شيئًا.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٤)، وشيخ البخاري فيه عياش بن الوليد -بالمثناة والشين المعجمة- وقيده ابن السكن: بسين مهملة وباء موحدة، والصواب الأول كما نبه عليه الجياني (٥).
وحديث ابن عباس، عن معاوية أخرجه مسلم بلفظ: عن طاوس قال: قال ابن عباس: قال لي معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله - ﷺ - عند المروة بمشقص؟ (٦).
قلت: لا أعلم هذِه إلا حجة عليك، ثم الأحاديث كلها دالة على أن

-------------
(١) مسلم (١٣٠١/ ٣١٦، ٣١٩).
(٢) مسلم (١٣٠١/ ٣١٩).
(٣) مسلم (١٣٠٣).
(٤) مسلم (١٣٠٢).
(٥) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٢، ٥٣٣.
(٦) مسلم (١٢٤٦) كتاب: الحج، باب: التقصير في العمرة.



هذِه الواقعة كانت في حجة الوداع، وهو الصحيح، وحديث أم الحصين السالف يؤيده، فإنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذَلِكَ في حجة الوداع كما أخرجه مسلم، وعند القاضي عياض يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق، ويحتمل أنه قاله في الموضعين (١)، وهو الأشبه؛ لأن جماعة من الصحابة توقفت (٢) في الحلق فيهما.
وقال ابن بطال: هذا قاله - ﷺ - يوم الحديبية فيما رواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة (٣)، كما ستعلمه إن شاء الله في بابه، وأنه - عليه السلام - أمرهم أن ينحروا ويحلقوا فما قام رجل، فقالها ثلاثًا، فدخل على أم سلمة فقال لها: «أما ترين الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه» فاعتذرت وقالت: ادع حالقك فاذبح واحلق؛ فان الناس إذا رأوك فعلتُ ذَلِكَ فعلوا، فخرج وفعل ذَلِكَ، فقام الناس فنحروا وحلق بعض وقصر بعض، فدعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة.
وذكر ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون. فقال - عليه السلام -: «اللهم ارحم المحلقين ثلاثًا» قيل: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم في الترحم؟ قال: «لأنهم لم يشكوا». وهذا في ابن ماجه (٤)، وورد في

------------
(١) «إكمال المعلم» ٤/ ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٢) في (ج): عن.
(٣) رواه ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» ٣/ ٣٥٦، وانظر: «سيرة ابن هشام» ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٤) ابن ماجه (٣٠٤٥) كتاب: المناسك، باب: الحلق، و«سيرة ابن هشام» ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩، وكذا رواه أحمد ١/ ٣٥٣، والفاكهي في «أخبار مكة» ٥/ ٧٢ (٢٨٦٢)، وأبو يعلى ٥/ ١٠٦ (٢٧١٨)، والطحاوي «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦، والطبراني ١١/ ٩٣ (١١١٥٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥ وجادة. =




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* معلومات مهمة حول زبدة الفول السوداني
* السعرات الحرارية في الكربوهيدرات
* السعرات الحرارية في الحلويات
* السعرات الحرارية في الوجبات الخفيفة الشائعة
* فوائد سكر النبات وطرق استخدامه
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين
* شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2026, 10:27 PM   #338

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 129 الى صـــ 140
الحلقة (338)






بعض الأجزاء من حديث أبي سعيد (١): أن أهل المدينة حلقوا إلا عثمان وأبا قتادة، فاستغفر رسول الله - ﷺ - للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة (٢).
وما أحسن قول بعض أهل الطريق في ذَلِكَ يكفي المقصر اسمه، لا جرم كان الحلق أفضل بالإجماع، ولأنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل، والمقصر مبقٍ للزينة مناف لكونه أشعث أغبر، فأكد الحض عليه وهو ترك الزينة، ثم جعل للمقصر نصيبًا وهو الربع؛ لئلا يخيَّب أحدًا من أمته من صالح دعائه، ولما كانت العرب تعودت توفير الشعر، وكان الحلق فيهم قليلًا، وكانوا يرونه ضربًا من الشهرة فمالوا إلى التقصير، فدعا لمن امتثل أمره بالحلق.
ثم اختلف العلماء هل الحلاق واجب على الحاج والمعتمر أم لا: فقال مالك والشافعي في أصح قوليه وأحمد، ونقل عن أبي حنيفة: هو نسك يجب على الحاج والمعتمر، وهو أفضل من التقصير، ويجب على

------------
= وقال البوصيري في «زوائده» ص ٤٠٢: إسناده صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٤٧٠) و«الإرواء» ٥/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
(١) في هامش الأصل: وفي «مسند أحمد» من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - وأصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية غير عثمان وأبى قتادة، فاستغفر رسول الله - ﷺ - للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة، ورواه أيضًا أحمد من طريق آخر من حديثه عنه وله أيضًا عن أبي سعيد أن النبي - ﷺ - أحرم وأصحابه عام الحديبية غير عثمان وأبي قتادة فاستغفر للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٢٠ والطيالسي في «مسنده» ٣/ ٦٧٢ (٢٣٣٨) وابن سعد في «الطبقات» ٢/ ١٠٤، وأبو يعلى ٢/ ٤٥٣ (١٢٦٣)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ٣٣٤، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٧ - ٨.
قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٦٢: فيه أبو إبراهيم الأنصاري جهله أبو حاتم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
- قلت: قال ابن حجر في «التقريب» (٧٩٢٢) أبو إبراهيم الأنصاري مقبول.



من فاته الحج أو أُحصر بعدوٍ أو مرض (١)، وهو قول جماعة من الفقهاء إلا في المحصر فإنهم اختلفوا: هل هو من النسك؟
فقال أبو حنيفة: ليس على المحصر تقصير ولا حلق (٢)، وهذا خلاف أمر الشارع أصحابه بالحديبية حين صد عن البيت بالحلاق وهم محصورون، فلا وجه لقوله وحاصل ما للشافعي وأصحابه في الحلق خمسة آراء: ركن، واجب، سنة، مباح، ركن في العمرة، واجب في الحج (٣)، كما أوضحناها في كتب الفروع.
وقال غيره: من جعله نسكًا أوجب على تاركه الدم، ومن جعله من باب الإحلال؛ لأنه ممنوع منه، بالإحرام فلا شيء على تاركه.
ودعاء الشارع للمحلقين ثلاث دليل على أنه نسك، فلا وجه لإسقاطه عن المحصر، ولم يدع لهم على شيء من فعل المباحات مثل اللباس والطيب، ودعاؤه لا ينفك عن الإجابة، وقد صح عنه - ﷺ - أن لمن حلق رأسه بكل شعرة سقطت من رأسه نورًا يوم القيامة.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٤) وهو صريح في كونه نسكًا يثاب عليه، وكذا قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ خصهمامن بين المباحات، ولم يقل لابسين متطيبين فعلم أنه نسك وليس له حكم

------------
(١) انظر: «الأصل» (٢/ ٤٣٠)، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤٠، «المجموع» ٨/ ١٨٥، «المستوعب» ٤/ ٢٤٥.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤٠.
(٣) انظر: «البيان» ٤/ ٣٤٢، «المجموع» ٨/ ١٩١.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٢٠٦ (١٨٨٧) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة. ورواه أيضًا عبد الرزاق ٥/ ١٥ (٨٨٣٠)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٠٨٢)، والطبراني ١٢/ ٤٢٥ (١٣٥٦٦)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٢٩٤ - ٢٩٥. قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥: رواه البزار ورجاله موثقون.



اللباس وغيره.
وقام الإجماع: على أن النساء لا يحلقن وأن سنتهن التقصير؛ لأن حلق رأسها مثلة، فإن حلقت كره، وقيل: حرم (١).
وفي الترمذي من حديث علي: أنه - عليه السلام - نهى أن تحلق المرأة رأسها، وذكر أن فيه اضطرابًا (٢)، ثم روى من حديث عائشة مرفوعًا مثله ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم (٣).
وفي»سنن أبي داود، من حديث ابن عباس مرفوعًا: «إنما على النساء التقصير» (٤).

---------
(١) «الإجماع» (٥٥)، «المجموع» ٨/ ١٩٢.
(٢) الترمذي (٩١٤) كتاب: الحج، باب: ما جاء في كراهية الحلق للنساء.
ورواه النسائي في «المجتبى» ١٣٠/ ٨ كتاب: الزينة، النهي عن حلق المرأة رأسها، وفي «الكبرى» ٥/ ٤٠٧ (٩٢٩٧) من طريق أبي داود الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تحلق المرأة رأسها.
ورواه الترمذي (٩١٥) من الطريق السابق، لكنه عن خلاس بن عمرو مرسلًا، لم يذكر فيه عن علي.
قال الدارقطني في «العلل» ٣/ ١٩٥: المرسل أصح. وقال الحافظ في «الدراية» ٢/ ٣٢: رواته موثقون، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٦٧٨).
(٣) ذكره الترمذي بعد حديث (٩١٥) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة أن النبي - ﷺ - نهى .. الحديث، ورواه ابن عدي في «الكامل» ٨/ ١٠٥ من طريق معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت .. الحديث.
وانظر: «الضعيفة» (٦٧٨).
(٤) أبو داود (١٩٨٤) كتاب: المناسك، باب: الحلق والتقصير.
ورواه البيهقي ٥/ ١٠٤ كتاب: الحج، باب: ليس على النساء حلق ولكن يقصرن. =

----------

= من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريح قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - .. الحديث.
ورواه أبو داود (١٩٨٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٦، والدارمي ٢/ ١٢١٢ (١٩٤٦) كتاب: المناسك، باب: من قال: ليس على النساء حلق، والدارقطني ٢/ ٢٧١، والبيهقي ٥/ ١٠٤ من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريح، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - .. الحديث.
ورواه الطبراني ١٢/ ٢٥٠ (١٣٠١٨)، والدارقطني ٢/ ٢٧١، والبيهقي ٥/ ١٠٤ من طريق أبي بكر بن عياش، عن يعقوب بن عطاء، عن صفيه بنت شيبة، عن أم عثمان، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: .. الحديث.
وقواه البخاري في «تاريخه»، وصححه أبو حاتم في «العلل» ١/ ٢٨١ (٨٣٤)، وأورده عبد الحق في «الأحكام» ٢/ ٣٠٤ وسكت عليه مصححًا له؛ لذا تعقبه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٧ فقال: هو حديث ضعيف منقطع؛ أما ضعفه فبأن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف لها حال، أما انقطاعه فلقول ابن جريح -في طريق محمد بن بكر-: بلغني عن صفية.
وطريق أبي داود الثاني أيضًا منقطع؛ لأن أبا داود قال: حدثنا رجل ثقة -يكنى أبا يعقوب- فإنا ما لم نعرف الذي به حتى يوضع فيه النظر، فهو بمثابه من لم يذكر، ولم ينفع كونه يكنى أبا يعقوب، فقد عرفنا نحن أنه مكنى، وإنسان، فما ذلك بنافع، ومن لج في هذا، لن يلج في أنه مجهول، فلا يكون الحديث من أجله صحيحًا. اهـ. بتصرف.
وقال أيضًا في: ٤/ ٢٩٠: هو حديث لا يصح.
قلت: وبالرغم من أن الحديث قد ضعفه ابن القطان كما سلف، إلا أن المصححين له أكثر، فصححه البخاري، وأبو حاتم -كما سلف- وكذا حسنه النووي في «المجموع» ٨/ ١٨٣، وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٢٦٧: سكت عليه أبو داود، ولم يضعفه فهو حجة على قاعدته، وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٢٦١: إسناده حسن. وصححه الألباني في «صحيح أبو داود» =




تنبيهات: أحدها: يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج، ليقع الحلق في أكمل العبادتين، ذكره النووي في «شرحه» لمسلم (١) وأطلق ذَلِكَ، لكن الشافعي فصل في «الإملاء» فقال: إن أمكن أن يرد شعره يوم النحر حلق وإلا قصر (٢). وقال ابن التين نقلًا عن أبي محمد: ومن حل من عمرته في أشهر الحج فالحلاق له أفضل، إلا أن تفوت أيام الحج ويريد أن يحج فليقصر لمكان حلاقه في الحج، قال: ووجهه تخصيص أفضل النسكين بالحلاق.
ثانيها: المِشقص، بكسر الميم: النصل الطويل وليس بالعريض. قاله أبو عبيد (٣).
وقال ابن فارس وغيره: هو سهم فيه نصل عريض (٤).
وقال أبو عمر: هو الطويل غير العريض. وقال أبو حنيفة الدينوري: هو كل نصل فيه عَير، وكل ناتئ في وسطه. حديد فهو عَير، ومنه عَير الكتف والورقة.

--------
= (١٧٣٢) وقال: أحد إسناديه صحيح. وانظر: «البدر المنير» ٦/ ٢٦٧ - ٢٦٩، و«الصحيحة» (٦٠٥).
قلت: في الباب من حديث عثمان رواه البزار في «البحر الزخار» ٢/ ٩٢ (٤٤٧) من طريق روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه، عن وهب بن عمير قال: سمعت عثمان يقول: نهى رسول الله - ﷺ - أن تحلق المرأة رأسها.
قال البزار: وهب بن عمير لا نعلم روى إلا هذا الحديث، ولا نعلم حدث عنه إلا عطاء بن أبي ميمونة، وروح، فليس بالقوي، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٦٣: فيه روح بن عطاء وهو ضعيف، وقال الحافظ في «الدرايه» ٢/ ٣٢: إسناده ضعيف، وكذا ضعفه المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ٣/ ٥٦٦.
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٧/ ٣٢١.
(٣) «غريب الحديث» ١/ ٣٤٩.
(٤) «مجمل اللغة» ٢/ ٥٠٩.



وهذا الحديث (١) قد يحتج به من يقول: إنه - عليه السلام - كان في حجة الوداع متمتعًا؛ لأن المتمتع يقصر عند الفراغ من السعي، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث أن التقصير كان بالمروة (٢)، وهذا لا يصح أن يكون في حجة الوداع أصلًا؛ لأنه - عليه السلام - حلق رأسه فيها لا يختلف فيه، ثم قيل: إن هذا كان في بعض عُمَرهِ ولا يصح أن يكون في الحديبية؛ لأن الأصح أن معاوية أسلم يوم الفتح (٣)، فيشبه أن يكون في عمرة الجعرانة (٤) (٥).
قال الشيخ أبو الحسن -فيما حكاه ابن التين-: لعل فعل معاوية كان في عمرة الجعرانة التي اعتمر منصرفه من حنين، ومعناه: أنه أخذ من شعره به، وزعم ابن حزم أنه - عليه السلام - كان قد بقي في رأسه في حجة الوداع بعض شعر بعد الحلاقة، فأخذها معاوية بمشقص فقال:

-------------
(١) تحتها في الأصل: يعني حديث معاوية.
(٢) رواه مسلم (١٢٤٦) كتاب: الحج، باب: التقصير في العمرة.
(٣) قال ابن الأثير في «أسد الغابة» ٥/ ٢٠٩ (٤٩٧٧): أسلم معاوية هو وأبوه وأخوه يزيد وأمه هند في الفتح، وكان معاوية يقول: إنه أسلم عام القضية، وانظر «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٥/ ٢٤٩٦ (٢٦٥٤)، و«الاستيعاب» ٣/ ٤٧٠ (٢٤٦٤)، و«تهذيب الكمال» ٢٨/ ١٧٦ (٦٠٥٤).
قلت: وكان فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان، انظر: «السيرة النبوية» ٤/ ٣.
(٤) ورد بهامش الأصل: قال النووي في «شرح مسلم»: وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي - ﷺ - في عمرة الجعرانة.
(٥) جاء في «السيرة النبوية» لابن هشام ٤/ ١٤٨: لما فرغ الرسول - ﷺ - من قسمة غنائم غزوة حنين في الجعرانة أهل معتمرًا منها، فأدى العمرة، وانصرف بعد ذلك راجعًا إلى المدينة بعد أن ولى على مكة عتاب بن أسيد، وكان رجوعه للمدينة لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة ٨ هـ.
انظر: «السيرة النبوبة» ٤/ ١٤٨.



قصرت عن رسول الله - ﷺ - لهذا (١). قال القزاز: العريض أولى أن يقصر به، ولا معنى في التقصير لطوله، وفي الحديث أنه كوى أسعد بن زرارة بمشقص (٢). فهذا يجوز أن يراد به السهم الذي ليس بعريض؛ لأنه أوفق للكيّ. وقال الداودي: المشقص: السكين، قال: وإنما ترك الحلاق ليحلق في الحج، وهو خلاف ما سلف أنه كان في عمرة الجعرانة.
قلت: ومعلوم أنه لم يتمتع في حجة الوداع، فهذا التأويل بعيد، ولعله قصر عن نفسه بأمره - عليه السلام -.
ثالثها: قال محمد، عن مالك: من الشأن في الحاج أن يغسل رأسه بالخطمي والغاسول حين يريد أن يحلق، (وقال: لا بأس أن يتنور ويقص أظفاره، ويأخذ من شاربه ولحيته قبل أن يحلق، قال ابن القاسم: وأكره للمعتمر أن يغسل رأسه قبل أن يحلق) (٣) ويقتل شيئًا من الدواب، أو يلبس قميصًا قبل تمام السعي (٤).
رابعها: ست مناسك في الحلق: أن لا يشارط عليه، وأن يستقبل القبلة، وأن يبدأ بالجانب الأيمن، وأن يكبر ويدعو، وأن يدفن شعره.
قال عطاء: ويصلي عقبه ركعتين، ويبلغ به إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين (٥)؛ لأنهما منتهى نبات الشعر؛ ليكون مستوعبًا لجميع رأسه. وعند الكرماني، عن أبي حنيفة: يبدأ بيمين الحالق ويسار
المحلوق. وعند الشافعي: يبدأ بيمين المحلوق (٦). والصحيح عن

-------------
(١) «حجة الوداع» ص: ٤٤٢ - ٤٤٣.
(٢) رواه الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٤١٧.
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٠٩، «المنتقى» ٣/ ٢٩.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٤ (١٤٥٦٥) كتاب: الحج، باب: في الحلق أين هو.
(٦) انظر: «البناية» ٤/ ١٣٩.



أبي حنيفة ما ذكر أولًا وهو السنة.
خامسها: أقل الحلق ثلاث شعرات؛ لأنه أقل مسمى الجمع.
وقام الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب، وقيل: يكفي عندنا شعرة (١). وحكى الأبهري وغيره، عن مالك: أنه لا يجزئ حلق بعض الرأس دون استيعابه (٢). قال ابن التين: ويدل له أنه - عليه السلام - حلق رأسه وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). وعبارة ابن الحاجب: ولا يتم نسك الحلق إلا بجميع الرأس، والتقصير مغن، وسنة في الرجل أن يجز من قرب أصوله، وأقله أن يأخذ من جميع الشعر فإن اقتصر على بعضه فكالعدم، فإن لم يمكن لتصميغ أو يسارة أو عدم تعين الحلق، وقال في المرأة: تأخذ قدر الأنملة أو فوقها أو دونها قليلًا، والنورة تجزئ، هذا آخر كلامه (٤). وروي عن ابن عمر: قدر الأنملة (٥)، وعن عائشة: قدر التطريف.

---------
(١) ورد بهامش الأصل: قال الإمام النووي رحمه الله: (وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات حلقًا، أو تقصيرًا من شعر الرأس فتجزئ الثلاث بلا خلاف عندنا، ولا يجزئ أقل منها، هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب في جميع الطرق، وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجهًا أنه تجزئ شعرة واحدة، وهو غلط، قال إمام الحرمين: قد ذكرنا وجهًا بعيدًا في الشعرة الواحدة أنه إذا أزالها المحرم في غير وقتها لزمه فدية كاملة لحلق الرأس، قال: وذلك الوجه هنا فتجزئ الشعرة، ولكنه مزيف غير معدود من المذهب، والله أعلم.
«المجموع» ٨/ ١٨٥.
(٢) انظر: «المنتقى» ٣/ ٢٩.
(٣) رواه مسلم (١٢٩٧) كتاب: الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة … بنحوه.
(٤) «مختصر ابن الحاجب» ص ١٠٧.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٣ (١٢٩٠٧) كتاب: الحج، باب: المحرمة كم تأخذ من شعرها.



قال مالك: ولا بد أن يعم طويله وقصيره والمسح في الوضوء، وقال: فإن لبدت رأسها فليس عليها إلا التقصير (١). قال (ابن التين، ولعل ذلك بعد أن تمشطه؛ لتتوصل إلى تقصير جميعه، وعند أبي حنيفة: الواجب مقدار الربع، قال ابن المنذر) (٢): وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ إلا أنه يروى عن الحسن: أنه كان يوجب الحلق في أول حجة حجها، وهذا غير جيد، قال تعالى: ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧] (٣).
سادسها: عندنا يدخل وقت الحلق بنصف ليلة النحر، ولا آخر لوقته، وعند المالكية: يدخل من طلوع الفجر (٤)، والحلق بمنى يوم النحر أفضل، قالوا: ولو أخَّره حَتَّى بلغ بلده حلق وأهدى (٥)، فلو وطئ قبل الحلق فعليه هدي بخلاف الصيد على المشهور عندهم، وعند ابن الجهم: لا يحلق القارن حَتَّى يفيض.
وقال ابن قدامة: يجوز تأخيره إلى آخر أيام النحر، فإن أخَّره عن
ذَلِكَ ففيه روايتان: لا دم عليه، وبه قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور، ويشبه مذهب الشافعي؛ لأن الله بيَّن أول وقته بقوله: ﴿تحلقوا رؤوسكم﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، ولم يبين آخره فمتى أتى به أجزأه. وعن أحمد: عليه دم بتأخيره. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه نسك أخره عن محله، ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير والساهي والعامد،

------------
(١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٢٩.
(٢) ساقط من (ج).
(٣) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٥٦).
(٤) انظر «المنتقى» ٣/ ٣٠، «المجموع» ٨/ ١٩١.
(٥) انظر: «مختصر ابن الحاجب» ص ١٠٧.



وقال مالك والثوري وإسحق وأبو حنيفة ومحمد: من تركه حَتَّى حلَّ فعليه دم؛ لأنه نسك، فيأتي به في إحرام الحج كسائر مناسكه (١).
سابعها: في رواية ابن عمر: «ارحم»، وفي رواية أبي هريرة: «اغفر» فلعله دعا مرة بهذا، ومرة بهذا، وهذا أولى من قول ابن التين إما أن يكون قال: مرة: «اغفر»، ومرة: «ارحم»، أو وهم في أحدهما، أو رواها الراوي بالمعنى.
فائدة:
روى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه ضحى بالمدينة وحلق رأسه، وكان الحسن يحلق رأسه يوم النحر بالبصرة (٢).
وقال ابن عون قلت لمحمد: كانوا يستحبون أن يأخذ الرجل من شعره يوم النحر. قال: نعم.

--------
(١) «المغني» ٥/ ٣٠٦. وانظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤١، «المنتقى» ٣/ ٣٠، «المجموع» ٨/ ١٩٢، «المستوعب» ٤/ ٢٤٧.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٢٧ - ٢٣٨ (١٣٨٨٨، ١٣٨٩١) كتاب: الحج، حلق الرأس بغير منى يوم النحر.



١٢٨ - باب تَقْصِيرِ المُتَمَتِّعِ بَعْدَ العُمْرَةِ
١٧٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا. [انظر: ١٥٤٥ - فتح: ٣/ ٥٦٧]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا.
وهو من أفراده كذلك، وليس فيه أكثر من أن الحلاقة والتقصير لازم للمعتمر، كما يلزم الحاج لأمر النبي - ﷺ - المتمتعين عند الإحلال به، وتأمل التنبيه الأول من الباب قبله هنا.


١٢٩ - باب الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ
وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - الزِّيَارَةَ إِلَى اللَّيْلِ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي حَسَّانَ (م، والأربعة)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَزُورُ البَيْتَ أَيَّامَ مِنًى.

١٧٣٢ - وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنًى. يَعْنِي يَوْمَ النَّحْرِ. وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ. [مسلم: ١٣٠٨ - فتح: ٣/ ٥٦٧]

١٧٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: «حَابِسَتُنَا هِىَ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: «اخْرُجُوا». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٦٧]
وَيُذْكَرُ عَنِ القَاسِمِ وَعُرْوَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَفَاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْم: حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنًى. يَعْنِي: يَوْمَ النَّحْرِ. وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ.
ثم ذكر حديث الأَعْرَجِ أخبرني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - فَأفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: «حَابِسَتُنَا هِيَ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: «اخْرُجُوا».


وَيُذْكَرُ عَنِ القَاسِمِ وَعُرْوَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَفَاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ.
الشرح:
تعليق أبي الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي- أسنده الأربعة من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزبير عنها (١) خلا ابن ماجه، فمن حديث الثوري، عن محمد بن طارق، عن طاوس وأبي الزبير عنهما (٢)، وكذا ذكره أبو الشيخ الأصبهاني في جزء جمع فيه ما رواه أبو الزبير، عن غير جابر (٣). قال الترمذي: (حديث حسن) (٤).
قال ابن القطان: وإنما لم يصححه؛ لعنعنة أبي الزبير، وليس هو من رواية الليث عنه (٥).

---------
(١) رواه أبو داود (٢٠٠٠) كتاب: المناسك، باب: الإفاضة في الحج، الترمذي (٩٢٠) كتاب: الحج، باب: ما جاء في طواف الزيارة بالليل، النسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٦٠ (٤١٦٩) كتاب: الحج، الوقت الذي يفيض فيه إلى البيت يوم النحر.
ومن هذا الطريق أيضًا رواه أحمد ١/ ٢٨٨، ٣٠٩، ٦/ ٢١٥، والبيهقي ٥/ ١٤٤ كتاب: الحج، باب: الإفاضة للطواف.
(٢) ابن ماجه (٣٠٥٩) كتاب: المناسك، باب: زيارة البيت، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧، والحافظ في «التغليق» ٣/ ٩٨.
(٣) تحتها في الأصل: يعني: حديث سفيان، عن أبي الزبير.
(٤) «أحاديث أبي الزبير عن غير جابر» (٣٥).
(٥) «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٤٥٧. وقال ابن حزم: هذا حديث معلول؛ لأن أبا الزبير مدلس فما لم يقل فيه: حدثنا وأخبرنا وسمعت، فهو غير مقطوع على أنه مسند، فلسنا نحتج بحديثه إلا بما كان فيه بيان أنه سمعه، وهذا الحديث ليس فيه ذكر سماع من أبي الزبير إياه عن عائشة وابن عباس، فسقط الاشتغال به ا. هـ. «حجة الوداع» ص: ٢٩٥ - ٢٩٦. وقال ابن القيم: هذا الحديث وهم، فإن المعلوم من فعله - ﷺ - أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهارًا بعد الزوال ا. هـ. «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٤٢٨، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٤٢)، وقال في «ضعيف ابن ماجه» (٦٥٤): شاذ.



قال البيهقي (١): وقد سمع أبو الزبير من ابن عباس، وفي سماعه من عائشة نظر. قاله البخاري، وهذا في «علل الترمذي»: أنه سأله عن هذا الحديث نفسه فقال ذَلِكَ (٢).
قال البيهقي: وقد روينا عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: حججنا مع رسول الله - ﷺ - فأفضنا يوم النحر (٣)، الحديث الذي في البخاري، وقد أُوّل الحديث السالف على أن المراد آخر طواف نسائه، نعم في البيهقي، عن القاسم، عن عائشة أنه - عليه السلام - زاره مع نسائه ليلًا (٤). فيُحمل على الإعادة، وأن ذَلِكَ وقع مرتين: مرة ليلًا، ومرة نهارًا، وكذا جمع بذلك ابن حبان في «صحيحه» (٥).
وأما تعليق أبي حسان فأخرجه البيهقي من حديث ابن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابًا، قال: سمعته من أبي بكر ولم يقرأه، قال: فكان فيه: عن قتادة، عن أبي حسَّان، عن ابن عباس أن نبي الله - ﷺ - كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى، قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه (٦).
وروى الثوري في «جامعه» عن طاوس أن النبي - ﷺ - كان يفيض كل ليلة. يعني: ليالي منى (٧).

-----------
(١) «سنن البيهقي» ٥/ ١٤٤.
(٢) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٣٨٨ (١٣٨).
(٣) «سنن البيهقي» ٥/ ١٤٤.
(٤) السابق.
(٥) «صحيح ابن حبان» ٩/ ١٩٧.
(٦) «سنن البيهقي» ٥/ ١٤٦.
(٧) ذكره البيهقي ٥/ ١٤٦.



ورواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس (١).
وأبو حسَّان (٢) اسمه مسلم بن عبد الله الأعرج الأجرد بصري ثقة.
وأما أثر ابن عمر فأخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى، قال نافع: وكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي - ﷺ - فعله (٣).
وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم أيضًا (٤)، وفي بعض طرق البخاري: حاضت ليلة النحر، وذاك من أفراده (٥).
وقال ابن التين: الذي في أكثر الأحاديث السالفة والآتية أنها أفاضت ليلة النفر وهي أحاديث مسندة، وهذا قال فيه: ويذكر عن القاسم وسالم والأسود: أفاضت يوم النحر، ولم يسنده، وهو عجيب، فقد أسنده قبله وفيه: أفاضت يوم النحر.
والذي في الأحاديث كلها أنها أفاضت يوم النحر؛ ففي مسلم عن عائشة: حاضت صفية بعدما أفاضت، فقلت: يا رسول الله، إنها قد

--------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٧٦ (١٤٢٨) كتاب: الحج، من رخص في زيارته كل يوم وليله.
(٢) فوقها في الأصل: (مسلم والأربعة) ومقابلها في الحاشية: قال ابن قيم الجوزية عقب تعليق أبي حسان: والكلام عليه بنحو من كلام شيخنا وهو وهم؛ فإن النبي - ﷺ - لم يرجع إلى مكة بعد أن طاف للإفاضة ورجع إلى منى إلى حين الوداع. والله أعلم. انتهى.
(٣) مسلم (١٣٠٨) كتاب: الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.
(٤) مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام.
(٥) سيأتي برقم (١٧٧١) باب: من الإدلاج من المحصب، وفيه حاضت صفية ليلة النفر.



كانت أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة (١). وكذا في عدة طرق، والغريب رواية حيضها ليلة النحر. وطواف الإفاضة هو الركن المعول عليه في الحج من بين الأطوفة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ بالإجماع (٢). ألا ترى أنه - عليه السلام - لَمَّا توهم أن صفية لم تطف يوم النحر قال: «أحابستنا هي؟» فلما أُخبر أنها قد طافته. قال: «فلا إذًا» (٣) وإنه مجزئها عن غيره. واستحب جميع العلماء فعله يوم النحر ثم يرجع إلى مبيت منى ورمي أيام التشريق (٤).
وذكر عبد الرزاق، عن سعيد بن جبير أنه كان إذا طاف يوم النحر لم يزد على سبع واحد، وعن طاوس مثله، وعن الحكم قال: أصحاب عبد الله لا يزيدون يوم النحر على سبع واحد. قال الحجاج: فسألت عطاء قال: طف (كم) (٥) شئت، والمستحب عندنا أن يكون طوافه قبل الظهر. وحكى القاضي أبو الطيب وجهًا أنه بعده، ثم اختار وجهًا ثالثًا أنه إن كان في الصيف أفاض أول النهار، وإن كان في الشتاء أفاض آخره (٦).

--------
(١) مسلم (١٢١١/ ٣٨٢)، بعد حديث (١٣٢٨) كتاب: الحج، باب: وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض.
(٢) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٥٥)، «الإقناع» ٢/ ٨٤٥.
(٣) سيأتي برقم (١٧٥٧) باب: إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، ورواه مسلم (١٢١١/ ٣٨٤).
(٤) انظر: «الأصل» ٢/ ٣٩٢، «البناية» ٤/ ١٤٣، «النوادر والزيادات» ٢/ ٤١٤، «الذخيرة» ٣/ ٢٧٠، «البيان» ٤/ ٣٤٥، «المجموع» ٨/ ١٩٧، «المستوعب» ٤/ ٢٤٩، «الشرح الكبير» ٩/ ٢٢٥.
(٥) في (ج): كيف.
(٦) انظر «حلية العلماء» ٣/ ٢٩٧، «المجموع» ٨/ ١٩٨.



ولا خلاف بين الفقهاء: أن من أخره عن يوم النحر وطافه في أيام التشريق أنه مؤدٍّ لفرضه ولا شيء عليه، كما ذكر ابن بطال (١)، واختلفوا فيما إذا أخّره حَتَّى مضت أيام التشريق قال عطاء: لا شيء عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وأبي ثور (٢). وقال مالك: إن عجله فهو أفضل، وإن آخره حتى مضت أيام التشريق وانصرف من منى إلى مكة فلا بأس، وإن أخّره بعدما انصرف من منى أيامًا وتطاول ذَلِكَ فعليه دم (٣).
واختلفوا إذا أخّره حَتَّى رجع إلى بلده، فقال عطاء والأربعة والثوري وإسحاق وأبو ثور: يرجع فيطوف لا يجزئه غيره، وروي عن عطاء قول ثان وهو: أن يأتي عامًا قابلًا بحج، أو بعمرة، وعن مالك: أن طواف الدخول يجزئه عنه كمن نسيه إذا رجع إلى بلده وعليه دم، وعنه أنه لا يجزئه عنه، وإنما يجزئ عنه كل عمل يعمله الحاج يوم النحر وبعده في حجته، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ووجهه: أن الله تعالى فرضه بعد قضاء التفث، وذلك يوم النحر بعد الوقوف، فإذا طاف تطوعًا أجزأه عن فرضه؛ لأنه جاء بطواف في وقته، وكما ينوب طواف الوداع عنه، وكذا التطوع إذا لم يعتقده طواف الإفاضة؛ لأن كل عمل يكون في الحج ينوي به التطوع ولم يكمل فرض الحج فالفرض أولى به من النية التي نويت، كالداخل في صلاة بإحرام نواه لها، ثم صلى منها صدرًا، ثم ظن أنه قد فرغ منها،
فصلى ما بقي عليه أنه تطوع عنده فهو (للفرض) (٤) الذي ابتدأه ولا تضره

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٠٤، ٤٠٥.
(٢) انظر: «المجموع» ٨/ ٢٠٢.
(٣) «المدونة» ١/ ٣١٧.
(٤) في (ج): كالفرض.



نيته إذ لم يقطع الصلاة عمدًا، ذكره ابن شعبان من المالكية (١).
ولا شك أن الله تعالى خص الحج بما لم يخص به غيره من الفرائض، وذلك قوله: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] الآية فمن فرض الحج في حرمه وشهوره، فليس له أن ينتقل عما فرضته نيته إلى غيره حَتَّى يتمه؛ لأن العمل على النية الأولى حَتَّى يكملها وهو فرضه، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ألا ترى أن من وطئ بعد الجمرة قبل الطواف أن منهم من قال: يحج قابلًا. ومنهم من قال: إن أحرم بعمرة وأهدى أجزأه ذَلِكَ، وهم: ابن عباس، وعكرمة، وطاوس، وربيعة، وفسّره ابن عباس فقال: إنما بقي من أمره أربعة أميال فيحرم من التنعيم أربعة أميال فيكون طواف مكان طواف وهذا طواف عمرة يجزئه عن طواف فريضة، وكذلك القارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد بعمرته وحجته للسنة الثابتة عن عائشة، وابن عمر عن النبي - ﷺ -، والعمرة تطوع على قول جماعة من العلماء.
وقال الرافعي: لا ينبغي له أن يخرج من مكة حَتَّى يطوف، فإن طاف للوداع وخرج وقع عن الزيارة، وإن خرج ولم يطف أصلًا لم يحل له النساء، وإن طال الزمان. وقضية قولهم: لا يتأقت آخر الطواف أنه لا يصير قضاء، لكن في «التتمة» أنه إذا تأخر عن أيام التشريق صار قضاء، وحكى بعض المتأخرين: أنه لا يجوز له أن يخرج من مكة حَتَّى يطوف، وقال الماوردي: إنه يكون مسيئًا بتأخيره بغير عذر عن يوم النحر (٢)، قال غيره: وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة

----------
(١) انظر: «الأصل» ١/ ٤٠١ - ٤٠٢، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٤٥ - ١٤٦، «المدونة» ١/ ٣١٧، «المجموع» ٨/ ٢٠٢، «المغني» ٥/ ٣٤٥.
(٢) «الحاوي» كتاب الحج ٢/ ٧٤٣.



وخروجه من مكة بلا طواف أشد كراهة (١).
فائدة:
ثبت في «صحيح مسلم» من حديث ابن عمر: أنه - عليه السلام - صلى الظهر يوم النحر بمنى كما سلف (٢)، وثبت فيه أيضًا من حديث جابر: أنه صلى الظهر بمكة (٣).
قال ابن حزم: وكذا قالته عائشة فاستشكل الجمع بينهما، ونسب أحدهما إلى الوهم. قال ابن حزم: إلا أن الأغلب عندنا أنه صلى الظهر بمكة؛ لوجوه ذكرها قال: ولم يبق من حجة الوداع شيء لم يبن لي وجهه غير الجمع بينهما، ومن تلك الوجوه: اتفاق عائشة وجابر على ذَلِكَ؛ ولأن حجة الوداع كانت في شهر آذار، وهو وقت تساوي الليل والنهار، وقد دفع - عليه السلام - من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها، وفعل أعمالًا لا تسع صلاته الظهر بمنى (٤).
وقال القرطبي: حديث جابر أصح، ويعضده حديث أنس: أنه صلى العصر يوم النحر بالأبطح، وإنما صلى الظهر بمنى يوم التروية، كما قال أنس (٥).
وفي حديث ابن عمر (٦) وهم من بعض الرواة (٧).

---------
(١) «المجموع» ٨/ ١٩٨.
(٢) مسلم (١٣٠٨) كتاب: الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.
(٣) مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) باب: حجة النبي - ﷺ - مطولًا.
(٤) «حجة الوداع» ٢٩٦.
(٥) سيأتي برقم (١٧٦٣) كتاب: الحج، باب: من صلى العصر يوم النفر بالأبطح، ورواه مسلم (١٣٠٩) باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.
(٦) رواه مسلم (١٣٠٨) باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.
(٧) «المفهم» ٣/ ٤١١.



وقال غيره من المتأخرين: يحتمل أن يكون أعادها بمنى؛ لبيان الجواز، كما صلى بأصحابه في بطن نخل مرتين (١).
فائدة أخرى:
في قولها: (فأراد منها ما يريد الرجل من أهله) فيه أنه لا بأس بالإعلام بذلك، وإنما المكروه أن يغشاها حيث يسمع أو يرى.

----------
(١) سلف برقم (٩٤٢) كتاب: صلاة الخوف، باب: صلاة الخوف، ورواه مسلم (٨٣٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف. من حديث ابن عمر.
قال النووي في «شرح مسلم» ٩/ ١٩٣: ثبت في الصحيحين في صلاته - ﷺ - ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف …




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* معلومات مهمة حول زبدة الفول السوداني
* السعرات الحرارية في الكربوهيدرات
* السعرات الحرارية في الحلويات
* السعرات الحرارية في الوجبات الخفيفة الشائعة
* فوائد سكر النبات وطرق استخدامه
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين
* شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2026, 10:29 PM   #339

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 149 الى صـــ 160
الحلقة (339)




١٣٠ - باب إِذَا رَمَى بَعْدَ مَا أَمْسَى أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا
١٧٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». [انظر: ٨٤ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ٣/ ٥٦٨]

١٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ». فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ». وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». [انظر: ٨٤ - فتح: ٣/ ٥٦٨]
ذكر فيه حديث ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
وحديثه أيضًا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ». فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ». قَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
وقد سلفت طرقه قريبًا في باب: الذبح قبل الحلق (١)، وقد قام الإجماع على أن الاختيار في رمي جمرة العقبة يوم النحر من طلوع الشمس إلى زوالها، وأنه إن رمى قبل غروب يومه أجزأه عنه إلا مالك فإنه يستحب له أن يهريق دمًا يجيء به من الحل (٢).
واختلفوا فيمن رمى ليلًا، أو من الغد فقال مالك: عليه دم، وهو

-------------
(١) سلف برقم (١٧٢١).
(٢) انظر: «التمهيد» ٧/ ٢٦٨، «المغني» ٥/ ٢٩٥.



قول عطاء والثوري وإسحاق (١)، وقال مالك في «الموطأ»: من نسي جمرة من الجمار أيام التشريق حَتَّى يُمسي، يرميها أية ساعة شاء من ليل أو نهار ما دام بمنى، كما يصلي الصلاة آية ساعة ذكرها من ليل أو نهار، ولم يذكر دمًا (٢). وذكر عنه ابن القاسم: أنه كان يرى مرة عليه الدم، ومرة لا، قال: وقد تأخرت صفية امرأة ابن عمر على ابنة أخيها حَتَّى أتت منًى بعدما (غابت) (٣) الشمس فرمت، ولم يبلغنا أنّ ابن عمر أمرها بشيء (٤). وقال أبو حنيفة: إن رماها ليلًا فلا شيء عليه، وإن أخرها إلى الغد فعليه دم، وقالا صاحباه والشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه، وإن أخرها إلى الغد. وقال الثوري: إن أخرها عامدًا إلى الليل فعليه دم. وقال أبو حنيفة وإسحاق فيما حكاه ابن قدامة: أنه إذا أخرها إلى الليل لا يرميها حَتَّى تزول الشمس من الغد (٥). وعن الشافعي والصاحبين وابن المنذر: يرمي ليلًا لقوله: «وَلَا حَرَجَ» (٦) وقال ابن عمر: إن فاته الرمي حَتَّى تغيب الشمس فلا يرمِ حَتَّى تزول الشمس من الغد، واحتجوا بحديث الباب: «لَا حَرَجَ» للذي قال: (رميت بعدما أمسيت) وأيضًا فإنه - عليه السلام - رخّص لرعاء الإبل في مثله، يرعون نهارًا ويرمون ليلًا (٧)، وما كان ليرخص
-------------
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) «الموطأ» ١/ ٥٤٦ (١٤٢٤) كتاب: المناسك، باب: الجمار.
(٣) في (ج): غربت.
(٤) «الموطأ» ١/ ٥٤٤ (١٤١٧).
(٥) «المغني» ٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٦) السابق.
(٧) رواه بهذا اللفظ ابن خزيمة ٤/ ٣١٩ (٢٩٧٥) كتاب: المناسك، باب: الرخصة للرعاء في رمي الجمار بالليل. من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه عاصم بن عدي: أن رسول الله - ﷺ - رخص للرعاء أن يرموا يومًا، وأن يجمعوا للرمي. =



لهم فيما لا يجوز، وحجة مالك: أنه - عليه السلام - وقّت لها وقتًا وهو يوم النحر فمن رمى بعد غروبه فقد رمى بعد وقتها، ومن فعل في الحج شيئًا بعد وقته فعليه دم، وقد أسلفنا الاختلاف في رمي جمرة العقبة قبل طلوع الفجر، أو الشمس من يوم النحر لأهل العذر وغيرهم في باب: من قدم ضعفة أهله بالليل، فراجعه (١).
وقوله: («ارمِ وَلَا حَرَجَ») إنما كان بالنهار؛ لأن السؤال كان يوم النحر، ولا يكون اليوم إلا قبل المغيب، كذا قاله ابن قدامة (٢)، ونقل ابن دحية في «المولد» عن بعض المتكلمين: أن اليوم يجمع النهار والليل.
وأما قول البخاري: (ناسيًا أو جاهلًا)، فإن العلماء لم يفرقوا بين العامد والجاهل في أمور الحج، وقد سلف الاختلاف فيمن حلق قبل الذبح في باب: الذبح قبل الحلق، فراجعه.
والمراد هنا بالمساء: ما بعد الزوال؛ لأنه لغة العرب يسمون ما بعده مساء وعشاء ورواحًا، روى مالك، عن ربيعة، عن القاسم بن محمد أنه قال: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي (٣)، وإنما يريد تأخيرها إلى ربع القامة، ويتمكن الوقت في شدة الحر وهو وقت الإبراد الذي أمر به الشارع.

------------
= ولهذا الحديث طرق أخرى وألفاظ كثيرة، انظرها في «البدر المنير» ٦/ ٢٧٤ - ٢٨٠ فقد جمع مصنفه -رحمه الله- طرقه وألفاظه، بما لا تجده في مكان آخر، بل قل أن تجد مثله، فلينظر، وانظر أيضًا: «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣، و«الإرواء» (١٠٨٠).
(١) سلف برقم (١٦٧٦).
(٢) «المغني» ٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٣) «الموطأ» ١/ ٨ (١٢) باب: وقوت الصلاة.



١٣١ - باب الفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الجَمْرَةِ
١٧٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ٣/ ٥٦٩]

١٧٣٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا. ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». لَهُنَّ كُلِّهِنَّ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ٣/ ٥٦٩]

١٧٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى نَاقَتِهِ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ٣/ ٥٦٩]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنه - ﷺ - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، وذكر فيه الحلق قبل الذبح. قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». والنحر قبل الرمي فقَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ».
وحديثه أيضًا: أنه شَهِدَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ


فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا. ثُمَّ قَامَ آخَرُ بمثله حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». لَهُنَّ كُلِّهِنَّ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيءٍ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
وحديثه أيضًا: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى نَاقَتِهِ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
يعني: أنه تابع صالحًا، وهذِه المتابعة أخرجها مسلم في «صحيحه» من حديث عبد الرزاق عنه (١)، وفائدة طريق صالح التصريح بسماع ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة، وقد تقدم هذا التبويب في كتاب العلم (٢)، وأن معناه أنه يجوز أن يسأل العالم وإن كان مشتغلًا بطاعة الله، وقد أجاب السائل وقال له: «لا حرج» وكل ذَلِكَ طاعة لله تعالى، وكان ذَلِكَ عند الجمرة كما سلف هناك، وإليه أشار هنا عند الجمرة، وكان وقوفه ليعلّم الناس دينهم، ويجيبهم عن مسائلهم.
واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في حديثه أنه كان على دابة، ولا في حديثنا، وفي حديث بندار، عن يحيى وعبد الرحمن: جلس في حجة الوداع فقام رجل .. الحديث.
وفي حديث ابن جريج، عن ابن شهاب: بينما: هو يخطب يوم النحر؛ فإن قال فيه بعضهم أنه وقف على راحلته، فقد يجوز أن يكون ركبها وجلس عليها ثم وقف، وإنما ذكر ذَلِكَ عن صالح بن كيسان، عن الزهري في هذا الحديث.
قلت: فيه: وقف على ناقته، وهو صريح في المقصود.

---------
(١) مسلم (١٣٠٦) كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي.
(٢) سلف برقم (٨٣).



وقوله: (لَمْ أَشْعُرْ). الظاهر أنه كان جاهلًا؛ لقوله في الرواية: (كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا) وإن كان يحتمل النسيان أيضًا.
قال ابن التين: ويحتمل أن المراد بقوله: «ولَا حَرَجَ» أي: لا إثم؛ لأن الحرج: الإثم، ويعظم السؤال خوفَ الإثم.
قال: وقوله: (فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ) المراد: ما بيّن فيما مضى لا كل شيء. قال: ولا يقتضي إباحة ذَلِكَ؛ لأنه إنما سئل عمن فعله جهلًا، وقد بين الترتيب المشروع فيه. وقوله: (يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ) هذِه
هي الخطبة الثالثة، ومن المالكية من لا يطلق عليها اسم الخطبة.
فائدة:
البخاري روى الحديث الأخير، عن إسحاق: ثَنَا يعقوب، وذكر الجيّاني: أنه ابن منصور، نسبه ابن السكن والأصيلي، قال: وذكر (أبو نصر) (١) أن ابن منصور وإسحاق بن إبراهيم يرويانه عن يعقوب (٢)، ورواه أبو نعيم من حديث ابن شيرويه ثنا إسحاق، ثنا يعقوب، فيكون إسحاق بن إبراهيم؛ لأن عبد الله بن محمد بن شيرويه، روى عنه «مسنده» ولم تُعلَم له رواية عن إسحاق بن منصور (٣).

------------
(١) تحته في الأصل: يعني: الكلاباذي.
(٢) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٣ - ٩٦٤.
(٣) فائدة: قلت: وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، وهو المتَرَجِّحُ أيضًا عند الحافظ ابن حجر؛ مستدلًّا على ذلك من وجه آخر غير الذي ذكره المصنف هنا ألا وهو قول إسحاق: أخبرنا يعقوب. قال الحافظ: لأن إسحاق بن راهويه لا يحدث عن مشايخه إلا بلفظ الإخبار بخلاف إسحاق بن منصور فيقول: حدثنا. انظر «الفتح» ٣/ ٥٧٠.



١٣٢ - باب الخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى
١٧٣٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟». قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟». قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟». قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا». فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَوَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ: «فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [٧٠٧٩ - فتح: ٣/ ٥٧٣]

١٧٤٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو. [١٨٤١، ١٨٤٣، ٥٨٠٤، ٥٨٥٣ - مسلم: ١١٧٨ - فتح:٣/ ٥٧٣]

١٧٤١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَرَجُلٌ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: «أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: «أَلَيْسَتْ بِالبَلْدَةِ الحَرَامِ؟». قُلْنَا بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي


شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [انظر: ٦٧ - مسلم: ١٦٧٩ - فتح: ٣/ ٥٧٣]

١٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِمِنًى: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ: «فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «بَلَدٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهْرٌ حَرَامٌ -قَالَ: - فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَقَفَ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم - يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ فِي الحَجَّةِ التِي حَجَّ بِهَذَا، وَقَالَ: «هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ»، فَطَفِقَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ». وَوَدَّعَ النَّاسَ. فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الوَدَاعِ. [٤٤٠٣، ٦٠٤٣، ٦١٦٦، ٦٧٨٥، ٦٨٦٨، ٧٠٧٧ - فتح: ٣/ ٥٧٤]
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النبي - ﷺ - خطَبَ النَاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هذا؟». «فَأَيُّ بَلَدٍ هذا؟ فَأَيُّ شَهْرٍ هذا؟».
ثانيها: حديثه أيضًا: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. تَابَعَهُ -يعني شعبة- ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو بن دينار.
ثالثها: حديث أَبِي بَكْرَةَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ .. الحديث بطوله.
رابعها: حديث ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - بمِنًى: «أتدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هذا؟ ..» الحديث.


وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ: وَقَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ .. الحديث.
الشرح:
هذِه الأحاديث يصدق بعضها بعضًا إلا أن حديث ابن عباس بعرفات لا بمنى، فلا مدخل له هنا، ورواه ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن جابر، عنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يخطب على المنبر (١).
ولما أخرجه مسلم من طريق (أبي عمرو) (٢) بن دينار لم يذكر واحد منهم: يخطب بعرفات، غير شعبة (٣).
وقوله: (قَالَ هِشَامُ) إلى آخره، أسنده أبو داود: حَدَّثَنَا المؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن هشام به (٤). وأجاب ابن المنير بأنه ساقها؛ ليرد على منكر خطبة يوم النحر، فإن الراوي سماها خطبة، كما سمى التذكرة يوم عرفة خطبة، وقد اتفقوا على خطبة عرفة، فألحق المختلف فيه بالمتفق عليه (٥)، أو يكون لمَّا ذكر حديث ابن عباس في يوم النحر أراد أن يذكر أيضًا أنه روى خطبة يوم عرفة؛ لئلا

----------
(١) ابن ماجه (٢٩٣١) كتاب: المناسك، باب: السراويل والخفين للمحرم إذا لم يجد إزارًا أو نعلين.
(٢) كذا في الأصل: والصحيح (عمرو) كما في «صحيح مسلم» (١١٧٨).
(٣) مسلم (١١٧٨) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح.
(٤) أبو داود (١٩٤٥) كتاب: المناسك، باب: يوم الحج الأكبر.
ومن هذِه الطريق رواه ابن حزم في «حجة الوداع» (١١٤، ٥٤٢). ورواه ابن سعد ٢/ ١٨٣ من طريق آخر عن الوليد بن مسلم .. به، ورواه ابن ماجه (٣٠٥٨) كتاب: المناسك، باب: الخطبة يوم النحر، البيهقي ٥/ ١٣٩ من طريقين عن هشام .. به، وانظر: «صحيح أبي داود» (١٧٠٠).
(٥) «المتواري» ص ١٤٦.



يتوهم متوهم أنهما حديث واحد.
وفي حديث ابن عباس: لما سألهم: (»أي يوم هذا؟ «قالوا: يوم حرام) وكذا أجابوه في البلد والشهر.
وفي حديث أبي بكرة فيها كلها: (الله ورسوله أعلم)، فيحتمل أن يكون ذَلِكَ في موطنين.
وقوله: (»أَيُّ يَوْمٍ؟ «و»أَيُّ بَلَدٍ؟ «»أَيُّ شَهْرٍ؟ «) خرج مخرج الاستفهام، والمراد به: التقرير؛ لأنه أبلغ، وأتى فيها على معالم الدين كلها فيسمع الحاضر، ويبلغ الغائب؛ لتقوم الحجة وتنقطع المحجَّة، وكرر تأكيدًا، ومثَّل باليوم، وبالشهر، وبالبلد؛ ليؤكد تحريم ما حرم من الدماء، والأموال، والأعراض.
»وذو الحجة«بفتح حائه أشهر (١)، والعرض ما يحميه الإنسان ويلزمه القيام به، قاله أبو عمرو، وقال الأصمعي: هو ما يُمدح به ويُذم، وهو في قول حسَّان:
فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء
فقال ابن قتيبة: نفسه، ورد عليه: بأن المراد: آباؤه، ذكر العموم بعد الخصوص. وقال ابن التين في حجة الوداع: قيل: العرض: الحسب، وقيل: النفس.

--------
(١) قلت: بل ذكر النووي رحمه الله خلاف ذلك حيث قال: وذو الحجة بكسر الحاء هذه اللغة المشهورة، ويجوز في لغة قليلة فتح الحاء.»شرح مسلم«١١/ ١٦٨، ويئيد ما قاله النووي تعقبُ العيني المصنفَ حيث قال: وقال صاحب»التوضيح«: فتح الحاء أشهر. قلت: نقله عن صاحب»التلويح«وهو نقله عن القزاز، وفي»المثلث«لابن سيده: جعلهما سواء، ولكن في ألسن العامة الكسرة أشهر. اهـ»عمدة القاري" ٨/ ٢٥٢.


وقوله: («لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا»).
أي: لا يستحل بعضكم من بعض ما استحل الكفار، قاله الداودي.
وقال أبو منصور: فيه قولان:
أحدهما: لابسين السلاح، والكفر: الستر.
والثاني: أنه يُكَفِّر الناس فيَكْفُر كما تفعل الخوارج إذا استعرضوا الناس؛ لقوله - عليه السلام -: «من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما» (١)، ذكره الهروي (٢). ويحتمل كفارًا بغير حق، أوكفر النعمة، أو حقيقة، أو يقرب منه، أو للتشبيه بهم، وقيل: هم أهل الردة، قتلهم الصديق.
ومعنى: («بعدي») أي: وفاتي أو فراقي من موقفي، أو خلافي فتخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به.
وقوله: («يَضْرِبُ») الرواية برفع الباء، وضبطه بعضهم بسكونها، أي: أن ترجعوا بعدي.
وقوله: («أَلَيْسَتْ بِالبَلْدَةِ») يريد البلدة المحرمة، ويُقال: البلدة اسم خاص لمكة وقد سلف أسماؤها.
وقوله: («هَلْ بَلَّغْتُ؟») سميت حجة البلاغ من أجل ذَلِكَ.
وقوله: («هذا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ») فيه دلالة واضحة أنه يوم النحر، وقد سلف ذكر ذَلِكَ، وقد أسلفنا فيما مضى خطب الحج، وأن مالكًا قال: إنها ثلاثة: يوم التروية، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر، وهو يوم القر؛

--------
(١) سيأتي برقم (٦١٠٤) كتاب: الأدب، باب: من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، ورواه مسلم (٦٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر. من حديث ابن عمر.
(٢) «غريب الحديث» ١/ ٣٨٢.



لأن الناس يقرون فيه بمنى (١)، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ووافقهم الشافعي، إلا أنه أبدل ثاني النحر بثالثه، وزاد خطبة يوم النحر بعد الزوال، يعلمهم فيها حكم الرمي والمبيت والنحر، واحتج الشافعي لخطبة يوم النحر بأحاديث الباب، قال: وبالناس حاجة إلى هذِه الخطبة؛ ليعلمهم أعمال اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف (٢).
وقال ابن القصار: إنما فعل ذَلِكَ؛ لأجل تبليغ ما ذكر؛ لكثرة اجتماعهم من أقاصي الدنيا فظن أنه خطب.
قلت: وأي خطبة أبلغ من هذِه؟ وادعى الطحاوي أن هذِه الخطبة لم تكن من أسباب الحج؛ لأنه ذكر فيها أمورًا لا يصلح لأحد بعده ذكرها، والخطبة إنما هي لتعليم الحج، ولم ينقل أحد عنه أنه علمهم يوم النحر شيئًا من سنن الحج، فعلمنا أن خطبة يوم النحر لم تكن للحج، وإنما كانت لما سواه. وهو عجيب! فإنه - عليه السلام - نبه على عظم اليوم، وهو من مهمات الحج.
وفيه: إشعار أن المناسك التي تفعل فيه من المهمات كالرمي والإفاضة وغير ذَلِكَ من تمام الحج.
قال ابن القصار: وقوله يحتاج أن يعلمهم النحر، وقد تقدم تعليمهم في خطبة عرفة وأعلمهم بما عليهم فيه وكانت خطبه ثلاثًا، كل خطبة ليومين. قالوا: والخطبة التي ذكرها الشافعي يمكن تعلم حكمها مما
قبلها. قال ابن المواز: وكلها لا يجلس فيها إلا عرفة فيجلس في وسطها، ولا يجهر بالقراءة في شيء من صلواتها (٣).

---------
(١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٣٦ - ٣٧.
(٢) انظر: «المجموع» ٨/ ١١٩.
(٣) «المنتقى» ٣/ ٣٦.



وفيه: حرمة الدماء والأعراض والأموال، وإنما وجه الخطاب لهم إذ كانوا أهل ملة واحدة، ونظيره: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٢٩] فالأخوة واحدة.
وفيه: أن مستحل المال كمستحل الدم ومستحل العرض كمستحل المال. وفي الخبر: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» (١) ولا يرد قطاع الطريق والخوارج ومن يجب قتله بحد لزمه، فإن دمه يحل دون ماله؛ لأن ذَلِكَ عقوبة لجرمه دون ماله، كما أمر بعقوبة آخر في ماله دون بدنه، وهذا بحق (٢).

------------
(١) رواه أحمد ١/ ٤٤٦، وأبو يعلى ٩/ ٥٥ - ٥٦ (٥١١٩) من طريق إبراهيم الهجري، عن الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا: «سباب المسلم أخاه فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه». وحديث عبد الله هذا قد سلف برقم (٤٨) وسيأتي برقم (٦٠٤٤، ٧٠٧٦)، ورواه مسلم (٦٤) لكن مختصرًا دون قوله: «وحرمة ماله كحرمة دمه».
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٧، من تجزئة المصنف، ثم بلغ في السابع بعد الثلاثين، كتبه مؤلفه.



١٣٣ - باب هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؟
١٧٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: رَخَّصَ النَّبِيُّ - ﷺ -. [انظر: ١٦٣٤ - مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٣/ ٥٧٨]

١٧٤٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَذِنَ. [١٦٣٤ - مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٣/ ٥٧٨]

١٧٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ العَبَّاسَ - رضي الله عنه - اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو ضَمْرَةَ. [انظر: ١٦٣٤ - مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٣/ ٥٧٨]
ذكر فيه حديث عيسى بن يونس، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِع، عَنِ ابن عُمَرَ: رَخَّصَ رسول الله - ﷺ -.
وعن ابن جريج به: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَذِنَ.
وحَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ العَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو ضَمْرَةَ.
حديث أبي ضمرة تقدم في باب: سقاية الحاج عن عبيد الله (١).
ومتابعة أبي أسامة أخرجها مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن

-------------
(١) سلف برقم (١٦٣٤).


نمير وأبي أسامة، ثَنَا عبيد الله، به (١). ومتابعة أبي ضمرة أنس بن عياض سلفت في الباب المشار إليه كما ذكرنا.
قال الإسماعيلي: وقد وصله بلا شك فيه من سميت: الدراوردي، وعلي بن مسهر، وأبو ضمرة، وعقبة بن خالد، ومحمد بن فليح، وموسى بن عبيد الله، وأرسله ابن المبارك، عن عبيد الله، وقد سلف
حكم الباب هناك (٢) واضحًا.
قال ابن المنذر: السنة أن يبيت الناس بمنى ليالي أيام التشريق، إلا من أرخص له رسول الله - ﷺ - في ذَلِكَ، فإنه أرخص للعباس أن يبيت بمكة من أجل سقايته، وأرخص لرعاء الإبل (٣)، وأرخص لمن أراد التعجيل أن ينفر في النفر الأول.
واختلف الفقهاء فيمن بات ليلة بمكة من غير من رخص له: فقال مالك: عليه دم، وقال الشافعي: إن بات ليلة أطعم عنها مسكينًا، وإن بات ليالي منى كلها أحببت أن يهريق دمًا، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا شيء عليه إن كان يأتي منى ورمى الجمار، وهو قول الحسن البصري، قالوا: ولو كانت سنة ما سقطت عن العباس وآله، وإنما هو استحباب وحسبه إذا رمى الجمار في وقتها، وقد روى سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: لا بأس أن يبيت الرجل بمكة ليالي منى، ويظل إذا رمى الجمار (٤).

----------
(١) مسلم (١٣١٥) كتاب: الحج، باب: وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني: في باب سقاية الحاج.
(٣) تقدم تخريجه، وانظر «البدر المنير» ٦/ ٢٧٤ - ٢٨٠، و«الإرواء» (١٠٨٠)، وسيأتي.
(٤) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٧/ ٢٦٢ - ٢٦٣.



وحجة من أوجب الدم: أن الرخصة إنما هي بتخصيص من الشارع لأهل السقاية، ولمن أذن له النبي - ﷺ - دون غيرهم (١).
وقول البخاري: (أو غيرهم) يشير إلى من ألحق بهم كالمريض ونحوه مما أسلفنا هناك، وكذا رعاء الإبل لهم إذا رموا جمرة العقبة أن ينفروا ويدعوا المبيت بمنى، ولهم أن يدعوا رمي يوم، ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذَلِكَ (٢)، وليس لهم أن يدعوا رمي يومين متواليين.

-----------
(١) انظر: «مشكل الآثار» ١/ ٢٢٥، «المدونة» ١/ ٣٣٠، «المنتقى» ٣/ ٤٦، «الاستذكار» ١٣/ ١٩٤، «البيان» ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧، «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٥ - ١٠٦.
(٢) يدل على ذلك ما رواه أبو داود (١٩٧٥ - ١٩٧٦) كتاب: المناسك، باب: في رمي الجمار، والترمذي (٩٥٤ - ٩٥٥) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا، والنسائي ٥/ ٢٧٣، وابن ماجه (٣٠٣٦ - ٣٠٣٧) كتاب: المناسك، باب: تأخير رمي الجمار من عذر، وأحمد ٥/ ٤٥٠، والدارمي ٢/ ١٢٠٧ (١٩٣٨) كتاب: المناسك، باب: في جمرة العقبة أي ساعة ترمى، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٦٢ (٤١٧٨)، وابن الجارود ٢/ ١٠٠ - ١٠١ (٤٧٧ - ٤٧٨)، وابن خزيمة ٤/ ٣١٩ - ٣٢٠ (٢٩٧٥ - ٢٩٧٩)، وابن حبان ٩/ ٢٠٠ (٣٨٨٨)، والطبراني ١٧/ ١٧١ - ١٧٢، والحاكم ١/ ٤٧٨، والبيهقي ٥/ ١٥٠، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٧/ ٢٥٣، ٢٥٦ - ٢٥٧، والبغوي في «شرح السنة» ٧/ ٢٢٨ - ٢٢٩ (١٩٧٠)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٣/ ٥٠٨ من حديث عاصم بن عدي.
والحديث صححه المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٢٧٤، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٢٤ - ١٧٢٥)، وفي «الإرواء» (١٠٨٠).



١٣٤ - باب رَمْيِ الجِمَارِ
وَقَالَ جَابِرٌ: رَمَى النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ.

١٧٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما مَتَى أَرْمِي الجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ. فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا. [فتح: ٣/ ٥٧١]
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، ثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ: مَتَى أَرْمِي الجمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ. فَأعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْأَلَةَ، فقَالَ: كُنًّا نتَحَيَّنُ، فَإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.
أما تعليق جابر فأسنده مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير عنه قال: رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعده فإذا زالت الشمس (١). ورواه أبو ذر الهروي عنه قال: سمعت جابرًا يقول: فذكره، وهو فائدة جليلة تزيل تهمة تدليسه.
وأثر ابن عمر من أفراده، وعند الإسماعيلي: فإذا زاغت الشمس، أو مالت، والمراد بالجمرة: جمرة العقبة، وما بعده رمي أيام التشريق، وممن رماها بعد الزوال عمر، وابن عباس، وابن الزبير (٢)، وكذا ابن عمر كما في البخاري، وهذِه سنة في رمي أيام التشريق، ولا يجوز إلا بعد الزوال عند الجمهور منهم: مالك والثوري وأبو حنيفة وصاحباه والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: القياس أنه لا يجوز

-----------
(١) مسلم (١٢٩٩) كتاب: الحج، باب: بيان وقت استحباب الرمي.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥ (١٤٥٧٢، ١٤٥٧٤).



إلا بعد الزوال لكنا استحببنا أن يكون في اليوم الثالث قبل الزوال، وقال إسحاق: إن رمى في اليوم الأول والثاني قبل الزوال أعاد، وفي الثالث يجزئه.
وقال عطاء وطاوس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال (١). وحديث جابر وابن عمر يرده، والحجة في السنة، فلا معنى لقول من خالفها، ولا لمن استحب غيرها.
واتفق مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور أنه إذا مضت أيام التشريق وغابت الشمس من آخرها فقد فات الرمي، ويجبر ذَلِكَ بالدم، واعتبر ابن القاسم الصفرة إلا لمريضٍ، أو ناسٍ. ولنا وجه:
إن رمى اليومين لا يخرج بغروبها بل يبقى إلى الفجر، قياسًا على الوقوف بعرفة.
وأما الثالث: فينقضي بانقضاء يومه بلا خلاف.
فرع:
رمي جمرة العقبة من أسباب التحلل عندنا، وليس بركن خلافًا لعبد الملك المالكي (٢) حيث قال: من خرجت عنه أيام منى، ولم يرم جمرة العقبة بطُل حجه، فإن ذكر بعد غروب شمس يوم النحر فعليه دم، وإن تذكر بعد فعليه بدنة، وقال ابن وهب: لا شيء عليه ما دامت أيام منى.
فرع:
يستحب فعل الرمي قبل صلاة الظهر، نص عليه الشافعي، واتفق

----------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٦ (١٤٥٨٤).
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٣، «المجموع» ٨/ ١٦٨ - ١٦٩، ١٧٧.



عليه أصحابه (١)، وقال عبد الملك المالكي: فإن رماها بعد أن صلى فقد أخطأ ولا شيء عليه (٢).
فرع:
يبقى وقت جمرة العقبة إلى آخر يوم النحر، وهل يمتد تلك الليلة؟ فيه وجهان عندنا مصححان (٣)، وعند ابن القاسم يفوت بالزوال إلا لمريض، أو ناس (٤).
فرع:
قول ابن عمر: (كنا نتحين إذا زالت الشمس)، أي: عن كبد السماء، كذا عبر به الداودي وعبر غيره بإذا أخذ الظل في الزائد بعد نصف النهار.
فائدة:
روى حماد بن سلمة، عن حميد: أنه رأى الحسن بن أبي الحسن بمكة يأتي يوم النحر، قد بدأ يرمي جمرة العقبة، ثم الوسطي، ثم الأخرى، فسألت فقهاء مكة عن ذَلِكَ فلم ينكروه (٥). وهو غريب.

------------
(١) «مختصر المزني» ص ١٠١، «المجموع» ٨/ ١٧٧.
(٢) «المنتقى» ٣/ ٥٠. ونسب القول لابن حبيب عن مالك.
(٣) «المجموع» ٨/ ١٦٩.
(٤) «التاج والإكليل» ٤/ ١٨٦.
(٥) «المحلى» ٧/ ١٨٣.



١٣٥ - باب رَمْيِ الجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي
١٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: رَمَى عَبدُ اللهِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحمَنِ، إِنَّ نَاسًا يَزمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا. فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ هذا مَقَامُ الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ - ﷺ -.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَليدِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأعمَشُ بهذا. [١٧٤٨، ١٧٤٩، ١٧٥٠ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨٠]
ذكر من حديث الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ
قَالَ: رَمَى عَبْدُ الله مِنْ بَطْنِ الوَادِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا. فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ هذا مَقَامُ الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَليدِ) (١): ثَنَا سُفْيَانُ ثَنَا الأَعْمَشُ بهذا.
أي: ما زال التحديث للعنعنة الأولى.
والحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢).
وهذا هو المشهور: أن يرمي من أسفلها، ولو رماها من أعلاها أجزأه، فإن ازدحم عندها، فقال مالك: لا بأس أن يرميها من فوقها، ثم رجع فقال: لا يرميها إلا من أسفلها.
وقال ابن بطال: رمي الجمرة من حيث تيسر من العقبة من أسفلها، أو أعلاها، أو وسطها كل ذَلِكَ واسع، والموضع الذي نختار منها بطن الوادي من أجل حديث ابن مسعود، وكان جابر بن عبد الله يرميها من

---------
(١) فوقها في الأصل: معلق.
(٢) مسلم (١٢٩٦) كتاب: الحج، باب: رمي جمرة العقبة من بطن الوادي.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* معلومات مهمة حول زبدة الفول السوداني
* السعرات الحرارية في الكربوهيدرات
* السعرات الحرارية في الحلويات
* السعرات الحرارية في الوجبات الخفيفة الشائعة
* فوائد سكر النبات وطرق استخدامه
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين
* شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-27-2026, 10:31 PM   #340

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 169 الى صـــ 180
الحلقة (340)




بطن الوادي، وبه قال عطاء وسالم (١)، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك: يرميها من أسفلها أحب إليَّ.
وقد روي عن عمر أنه جاء والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها (٢).
وفيه دليل على تسمية هذِه السورة بالبقرة، وقد قال - عليه السلام -: «إن البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان» (٣) أي: ثوابهما، فالصواب: أنه لا كراهة في تسميتها ولا غيرها باسمها، وإنما ذكر سورة البقرة؛ لأن معظم مناسك الحج فيها، وإنما كره الحَجَّاج ذَلِكَ كما سيأتي قريبًا (٤)، وسبقه إليه جماعة من السلف.
وقد احتج النخعي على الأعمش بهذا الحديث، وهذِه إضافة لفظ كباب الدار، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] فأضاف القول إلى جبريل الذي نزل به من عند الله، وهذا من اتساع لغة العرب تضيف الشيء إلى من له أقل سبب. وقد ترجم له البخاري في فضائل القرآن فقال: باب: من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا (٥)، خلافًا للحَجَّاج، ولمن أنكر ذَلِكَ قبله.
فرع:
السنة أن لا يقف عندها كما سيأتي بعد بأبواب، بخلاف الأولين.

---------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٢ (١٣٤١٠، ١٣٤١٢).
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤١٥ - ٤١٦ بتصرف. وأثر عمر رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٢ (١٣٤١٤) كتاب: الحج، باب: رمي الجمار من بطن الوادي.
(٣) رواه مسلم (٨٠٤) كتاب الصلاة، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة.
(٤) سيأتي برقم (١٧٥٠).
(٥) سيأتي برقم (٥٠٤٢) من حديث عائشة.



١٣٦ - باب رَمْيِ الجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ
ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٧٤٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ - ﷺ -. [انظر: ١٧٤٧ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨٠]
ثم ذكر حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرى، جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.


١٣٧ - باب مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ
١٧٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -، فَرَآهُ يَرْمِي الجَمْرَةَ الكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ. [انظر: ١٧٤٧ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨١]
ذكر فيه حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابن مَسْعُودٍ، فَرَآهُ يَرْمِي الجَمْرَةَ الكُبْرى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هذا مَقَامُ الذِي أنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
أما حديث ابن عمر فيأتي مسندًا قريبًا (١)، وحديث ابن مسعود سلف (٢)، وقد كرره البخاري في الباب. وسميت الجمرة الكبرى؛ لأنها تُرمى يوم النحر وحدها، وتكرر باقي الأيام، ووقع في رواية أبي الحسن: (سبع حصايات)، وصوابه (حصيات)؛ لأنه جمع حصاة، واليسار بفتح الياء وكسرها، وقام الإجماع على أن من رمى كل جمرة بسبع حصيات فقد أحسن، واختلفوا إذا رماها بأقل من سبع: فذكر الطبري عن عطاء: أنه إن رمى بخمس أجزأه، وعن مجاهد: إن رمى بست لا شيء عليه، وذكر ابن المنذر: احتج بحديث سعد بن أبي وقاص قال: رجعنا مع النبي - ﷺ - وبعضنا يقول: رميت بست، وبعضنا يقول: رميت بسبع، فلم يعب بعضهم على

--------
(١) برقم (١٧٥١) كتاب: الحج، باب: رمي الجمرتين.
(٢) برقم (١٧٤٧).



بعض (١)، وبه قال أحمد وإسحاق، وعن طاوس إن رمى ستًّا يطعم تمرة (٢)، أو لقمة، وذكر الطبري عن بعضهم، أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جعل الرمي في ذلك بالحصى سببًا لحفظ التكبيرات السبع، وجعل عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى يسبح به، قال: حسن قد كانت عائشة أم المؤمنين تقول: إنما الحصى جمار ليحفظ به التكبير، وقال الشافعي وأبو ثور: إن بقيت عليه حصاة فعليه مدٌّ من طعام، وفي حصاتين مدَّان، وإن بقيت عليه ثلاث فأكثر فعليه دم (٣).
---------
(١) رواه النسائي ٥/ ٢٧٥، وأحمد ١/ ١٦٨، وابن حزم في «حجة الوداع» (٣٦٠)، والبيهقي ٥/ ١٤٩ كتاب: الحج، باب: من شك في عدد ما رمى. من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن سعد بن أبي وقاص، به.
قلت: وهو حديث ضعيف لانقطاعه، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: مجاهد لم يدرك سعدًا، إنما يروي عن مصعب بن سعد، عن سعد، وقال: أبو زرعة: مجاهد، عن سعد مرسل. اهـ. «المراسيل» ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
وقال ابن حزم: حديث سعد ليس مسندًا.
وقال ابن القطان: أشك في اتصال هذا الحديث، فإنه من رواية مجاهد، عن سعد بن أبي وقاص، ولا أعلم له سماعًا منه، وإنما أعلمه يروي عن عامر بن سعد، عن أبيه، وكان موت سعد سنة ثمان وخمسين، ومجاهد إذ ذاك من نحو ثمان وثلاثين سنة، فهو لا يبعد سماعه منه، ولكن لا أعلمه. اهـ. «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠.
وقال ابن التركماني ٥/ ١٤٩: قال الطحاوي في «أحكام القرآن»: حديث منقطع، لا يثبت أهل الإسناد مثله.
(٢) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٣٤ بلفظه، ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٥ (١٣٤٤٠) وفيه: يتصدق بشيء.
(٣) «الأم» ٢/ ١٨١.



وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن ترك أقل من نصف جميع (الجمرات) (١) (الثلاث فعليه في كل حصاة نصف صاع إلا أن يبلغ دما فيطعم ما شاء، ويجزئه (٢).
وإن كان ترك أكثر من نصف جميع الجمرات الثلاث) (٣) فعليه دم (٤)، وعليه إجماع الجميع على أن على تارك رمي الجمرات الثلاث في أيام الرمي حَتَّى تنقضي دمًا (٥)، فلما كان ذَلِكَ إجماعًا كان الواجب أن يكون لترك رمي ما دون جميع الجمرات الثلاث بقسطه، وأن يكون ذَلِكَ مردود إلى القيمة إذ كان غير ممكن نسك بعض الدم فجعلوا ذَلِكَ طعامًا، وجعلوا ما يعطى كل مسكين من ذَلِكَ قوت يومه، وجعلوا تارك ما زاد على نصف جميع الجمرات الثلاث بمنزلة تارك الجمرات كلها، إذ كان الحكم عندهم للأغلب، مع أن ذَلِكَ إجماع من الجميع.
وقال الحكم وحماد: من نسي جمرة أو جمرتين أو حصاتين يهريق دمًا، وقال عطاء: من نسي شيئًا من رمي الجمار فذكر ليلًا أو نهارًا يلتزم ما نسى ولا شيء عليه، وإن مضت أيام التشريق فعليه دم (٦)، وهو قول الأوزاعي (٧)، وقال مالك: إن نسي حصاة من الجمرة حَتَّى ذهبت أيام

--------
(١) في (ج): التكبيرات.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) جاء في هامش الأصل: وكذا إذا ترك رمي يوم غير يوم النحر، أو ترك رمي يوم النحر أو أكثره، كما لو ترك الرمي كله، والله أعلم.
(٥) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢٢٣، «التمهيد» ١٧/ ٢٥٥.
(٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٩٤ (١٣٤٣٧) كتاب الحج، باب: في الرحل ينسى أن يرمي جمرة أو جمرتين.
(٧) انظر: «المجموع» ٨/ ٢٧٠، «المغني» ٥/ ٣٨٠.



الرمي ذبح شاة، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة (١).
قال الطبري: والصواب عندنا: أن رمي الجمرة بسبع، ورمي أيام التشريق كل جمرة بسبع من مناسك الحج الذي لا يجوز تضييعها لنقل الأمة جميعًا وراثة عن رسول الله - ﷺ - أن رميهن كذلك مما علم أمته، وقد جعل الله بيان مناسكه إلى رسوله، فعلم بذلك أنه من الفروض التي لا يجوز تضييعها، وعلم أن من ترك شيئًا مما علمهم حَتَّى فات وقته فعليه الفدية، كما نص عليه في الحلق وجزاء الصيد، فمن ضيع الجمرات حَتَّى انقضت أيام التشريق فعليه شاة، وكذا بعضها كما في
تارك بعض طواف الإفاضة، فإن حكمه كتارك كله.
واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في مرة واحدة، فقال مالك والشافعي: لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة، ويرمي بعدها ستًا، وقال عطاء: يجزئه عن السبع، وهو قول أبي حنيفة، كما في سياط الحد سوطًا سوطًا أو مجتمعة، إذا علم وصول الكل إلى بَدَنِهِ (٢)، حجة الأول: أن الشارع رمى بحصاة حصاة وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣).
وأما فقه الباب الثاني: فإذا جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه فهو مستقبل للجمرة بوجهه، وذلك السنة، وأما جمرة العقبة فيرميها من بطن
الوادي.

--------
(١) «المدونة» ١/ ٣٢٤.
(٢) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٣٠، «المدونة» ١/ ٣٢٥، «الأم» ٢/ ١٨١، «المجموع» ٨/ ١٧٦، «المغني» ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٣) رواه مسلم (١٢٩٧) وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي ٥/ ٢٧٠ بلفظ: «لتأخذوا مناسككم». ورواه بهذا اللفظ الطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ٥٤، أبو نعيم في «مستخرجه على مسلم» ٣/ ٣٧٨، البيهقي في «الكبرى» ٥/ ١٢٥.



فرع:
الأصح عندنا أنه لا يرميها على هيئة الحذف خلافًا لما في الرافعي، نعم السنة أن تكون قدر حصى الحذف للاتباع قولًا وفعلًا، وهو دون الأنملة طولًا وعرضًا في قدر الباقلاء.
فرع:
قد أسلفنا أنه يأخذ حصى جمرة العقبة من المزدلفة، وأما حصى أيام التشريق فمن منى، لكن يكره من الحش؛ لنجاسته، ومن المسجد؛ لأنه فرشه، ومما رمي به؛ لأنه غير مقبول.


١٣٨ - باب يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ
قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: السُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ - ﷺ -. [انظر: ١٧٤٧ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨١]
وعن الأَعْمَشُ (١): سَمِعْتُ الَحجَّاجَ يَقُولُ عَلَى الِمنْبَرِ: السُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ التِي يُذكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أنة كَانَ مَعَ ابن مَسْعُودٍ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، حَتَّى إِذَا حَاذى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتِ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةِ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ ها هنا -وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ- قَامَ الذِي أنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
حديث ابن عمر يأتي مسندًا بعد (٢)، وحديث ابن مسعود تكرر (٣)، وفي مسلم: «ألفوا القرآن كما ألفه جبريل السورة التي يذكر فيها» الحديث (٤)، ومراده النظم لا توالي السور. فإن جماعة من المحققين خالفوا فيه وقالوا: هو اجتهاد من الأئمة وليس بتوقيف.

-----------
(١) فوقها في الأصل: (مسند متصل).
(٢) برقمي (١٧٥١ - ١٧٥٢).
(٣) سلف برقم (١٧٤٧) كتاب: الحج، باب: رمي الجمار من بطن الوادي.
(٤) مسلم (١٢٩٦) كتاب: الحج، باب: رمي جمرة العقبة من بطن الوادي.



وفقهه: سنة التكبير مع كل حصاة اقتداء بالشارع، وعمل به الأئمة بعده، روي ذَلِكَ عن ابن مسعود، وابن عمر (١)، وهو قول مالك، والشافعي (٢)، وكان علي يقول كلما رمى حصاة: اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واجعل الآخرة خيرًا لي من الأولى (٣).
وكان ابن مسعود، وابن عمر يقولان عند ذَلِكَ: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكور (٤).
وأجمعوا أنه إن لم يكبر فلا شيء عليه، فإن سبح قال ابن القاسم: لا شيء عليه (٥).
ومعنى: (استبطن الوادي): وقف في وسطه، وهو الموضع المنحدر من العقبة، والموضع المرتفع الذي يقابلها.
ومعنى (اعترضها): أتاها من عرضها، نبه عليه الداودي.

----------
(١) سيأتيا برقمي (١٧٥١، ١٧٥٢).
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ٣٢٤، «البيان» ٤/ ٣٣٢.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣١٨ - ٣١٩ (١٤٧٠١) كتاب: المناسك، من كان يأمر بتعليم المناسك، مطولًا، لكنه عن ابن عمر.
(٤) رواه عن ابن مسعود: أحمد ١/ ٤٢٧، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٥٠ (١٤٠١٣)، ٦/ ٨٤ - ٨٥ (٢٩٦٤١) كتاب: الدعاء، ما يدعو به إذ رمى الجمرة، وأبو يعلى ٩/ ١١٥ (٥١٨٥)، والبيهقي ٥/ ١٢٩ كتاب: الحج، باب: رمي الجمرة من بطن الوادي وكيفية الوقوف للرمي. وانظر: «الضعيفة» (١١٠٧).
والحديث أصله سلف (١٧٤٧ - ١٧٥٠)، ورواه مسلم (١٢٩٦) دون ذكر الدعاء.
ورواه عن ابن عمر: ابن أبي شيبة ٣/ ٢٥٠ (١٤٠١٤)، ٦/ ٨٥ (٢٩٦٤٢)، والطبراني في «الدعاء» ٢/ ١٢٠٩ (٨٨١)، والبيهقي ٥/ ١٢٩. وانظر: «الضعيفة» (١١٠٧).
(٥) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢١٣. وانظر: قول ابن القاسم في «المنتقى» ٣/ ٤٦.



١٣٩ - باب مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ وَلَمْ يَقِفْ
قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
هذا الحديث يأتي بعد مسندًا (١)، وهذِه الجمرة هي الثالثة التي تلي مسجد الخيف والوسطى، فإنه يقف عندها، كما سيأتي على الأثر.

-----------
(١) في الباب التالي برقم (١٧٥١).


١٤٠ - باب إِذَا رَمَى الجَمْرَتَيْنِ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ وَيُسْهِلُ
١٧٥١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِى جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ. [١٧٥٢، ١٧٥٣ - فتح: ٣/ ٥٨٢]
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الَجمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يقعد ثم يُسْهِلَ فَيَقومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ، وَيقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ.
هذا الحديث من أفراده وقد ذكره هنا، وفي البابين بعده (١)، وطلحة (٢) هذا وثقه ابن معين وغيره، وقال أحمد وغيره: مقارب الحديث (٣)،

-----------
(١) (١٧٥٢ - ١٧٥٣).
(٢) في هامش الأصل: وهو طلحة بن يحيى بن النعمان بن أبي عياش الزرقي.
(٣) هو طلحة بن يحيى بن النعمان بن أبي عياش الأنصاري المدني.
قال أبو داود: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: شيخ ضعيف جدًّا، ومنهم من لا يكتب حديثه لضعفه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال الحافظ في «التقريب» (٣٠٣٧): صدوق يهم. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٢٨، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٥٠ (٣١٠٠)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٤٤٤ (٢٩٨٥).



وليس لطلحة في كتابه غيره كما قاله ابن طاهر، وقد اختلف فيه على يونس، كما ذكره البخاري بعد، واعتمد على رواية طلحة بن يحيى، ولأجل هذا الاختلاف لم يخرجه مسلم، وقد أخرج لطلحة هذا في «صحيحه» حديثين عن يونس بن يزيد (١).
وقد أسلفنا أنه يرمي أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث: الأولى التي تلي مسجد الخيف وهي الدنيا، والوسطى عند العقبة الأولى بقرب مسجد منى أيضًا، يقف عندها طويلًا، وجمرة العقبة، ولا يقف عندها كما سلف.
وروى الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز قال: كان ابن عمر يشبر ظله ثلاثة أشبار ثم يرمي، وقام عند الجمرتين قدر سورة يوسف (٢). وقال عطاء: كان ابن عمر يقف عندها بمقدار ما يقرأ سورة البقرة (٣).
قال ابن المنذر: ولعله قد وقف مرتين كما قال أبو مجلز، وكما قال عطاء، ولا يكون اختلافًا، وكان ابن عباس يقف بقدر قراءة سورة من المائتين (٤) ولا توقيف في ذَلِكَ عند العلماء إلا الثوري؛ فإنه استحب أن يطعم شيئًا أو يهريق دمًا.

---------
(١) الحديث الأول رواه مسلم برقم (٢٠٩٤/ ٦٢) كتاب: اللباس والزينة، باب: في خاتم الورق فصه حبشي. والثاني رواه برقم (٢٣٤٩/ ١١٥) كتاب: الفضائل.
(٢) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢ (٢٦٧٥) من طريق سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، به.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٢ (١٤٣٤٠ - ١٤٣٤١)، والأزرقي ٢/ ١٧٩، والفاكهي ٤/ ٣٠٢ (٢٦٧٦).
(٤) رواه الفاكهي ٤/ ٣٠٠ (٢٦٧٠).



وقوله: (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ) هو بضم الياء، يُقال: أسهل: إذا نزل من السهل من بطن الوادي بعد أن يكون في الجبل.
وقوله: (فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو) اختلف في مقدار ما يقف عند الجمرة الأولى، فكان ابن مسعود يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعن ابن عمر: كان يقف قدر سورة البقرة عند الجمرتين (١)، كما أسلفناه عنه، قال ابن القاسم وسالم: إذا قرأها الرجل السريع، وهو مفسر لما في البخاري من الطول.
وقوله: (وَيَدْعُو وَيرْفَعُ يَدَيْهِ) سيأتي في بابه.

-----------
(١) تقدم قريبًا.


١٤١ - باب رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ جَمْرَةِ الدُّنْيَا وَالوُسْطَى
١٧٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ الوُسْطَى كَذَلِكَ، فَيَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ ذَاتَ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُ. [انظر: ١٧٥١ - فتح: ٣/ ٥٨٣]
ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبله بطوله (١)، وأخرجه عن إسماعيل بن عبد الله: حَدَّثَني أخي، عن سليمان، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر: كان يرمي الجمرة الدنيا، إلى آخره.
فيه: أن السنة أن يرفع يديه في الدعاء عند الجمرتين؛ لأنها من مواضع الدعاء، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا أنكر ذَلِكَ عن مالك، قال ابن القاسم: حكي عنه أنه لم يكن يعرف رفع اليدين هنالك (٢)، قال ابن المنذر: واتباع السنة أفضل، وقيل: يرفع، حكاه ابن التين، وابن الحاجب (٣).

-----------
(١) سلف برقم (١٧٥١) كتاب: الحج، باب: إذا رمي الجمرتين.
(٢) «المدونة» ١/ ٧١.
(٣) «مختصر ابن الحاجب» ص ١٠٦.



١٤٢ - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ
١٧٥٣ - وَقَالَ مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَمَى الجَمْرَةَ التِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ مِمَّا يَلِي الوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ التِي عِنْدَ العَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ مِثْلَ هَذَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. [انظر: ١٧٥١ - فتح: ٣/ ٥٨٤]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَمَى الجَمرَةَ التِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيِه يَدْعو، وَكَانَ يُطِيل الوُقوفَ، ثُمَّ يَأتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ مِمَّا يَلِي الوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيِه يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ التِي عِنْدَ العَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. قَالَ الزّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّث بمِثْلِ هذا، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ ابن عُمَرَ (يَفْعَلُهُ) (١).

------------
(١) ورد بهامش الأصل: في هذا الحديث فائدة:
وهي ما إذا قدم الراوي الحديث على السند أيقدم بعض الإسناد مع المتن على بقية السند، كما وقع هنا؟ هذا إسناد متصل لا يمنع الحكم باتصاله، ولا يمنع ذلك من روى كذلك أعني […] من شيخه كذلك أن يبتدئ بالإسناد جميعه أولًا ثم يذكر المتن، كما جوزه بعض المتقدمين، قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون فيه خلاف، نحو الخلاف في تقدم بعض المتن على بعض، وقد حكى الخطيب النفي من جرى على القول بأن الرواية بالمعنى لا تجوز، والجواز على القول بأن =



هذا الحديث سلف قريبًا بفقهه (١)، وقد أسلفنا الخلاف عن مالك في رفع اليدين، وضعفه مالك في جميع المشاعر والاستسقاء، وقد رُئي رافعًا يديه في الاستسقاء وقد جعل بطونهما إلى الأرض وقال:
إن كان الرفع فهكذا (٢)، والدعاء عند الجمرتين من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء، وهي خمسة عشر موضعًا يستجاب فيها الدعاء، ذكرها الحسن البصري في رسالته.
ومحمد شيخ البخاري اختلف فيه، فقال ابن السكن: ابن بشار وروى البخاري في الأطعمة، عن محمد بن مثنى، عن عثمان بن عمر.
وذكر أبو نصر أن البخاري حدث في «جامعه» عن محمد بن مثنى، وابن بشار، عن عثمان، وروى أيضًا عن محمد بن عبد الله هو الذهلي (٣)، عن عثمان (٤). ورواه الإسماعيلي عن محمد بن مثنى،
والبيهقي عن محمد بن إسحاق الصغاني، ثَنَا عثمان (٥).

-----------
= الرواية على المعنى تجوز، ولا فرق بينهما في ذلك، ففيما فعله البخاري دليل على الجواز.
(١) برقم (١٧٥١) كتاب: الحج، باب: إذا رمى الجمرتين.
(٢) انظر: «المدونة الكبرى» ١/ ٧١، وقد وردت هيئة الرفع هذِه في حديث رواه مسلم (٨٩٦) عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - استسقى؛ فأشار بظهر كفيه إلى السماء.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: نسبه لجده، وهو: محمد بن يحيى بن عبد الله.
(٤) سيأتي برقم (٦٧٢٢) وانظر: «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٣٢ - ١٠٣٣.
(٥) «سنن البيهقي» ٥/ ١٤٨ (٩٦٦٢) كتاب: الحج، باب: الرجوع إلى منى أيام التشريق.



١٤٣ - باب الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ الجِمَارِ وَالحَلْقِ قَبْلَ الإِفَاضَةِ
١٧٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ -وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ- يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ. وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا. [انظر: ١٥٣٩ - مسلم: ١١٨٩ - فتح: ٣/ ٥٨٤]
حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ، -وكان أفضل أهل زمانه- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ -وَكَانَ أَفْضَلَ أَهلِ زَمَانِهِ- يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُول: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ، وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا.
هذا الحديث سلف في باب: الطيب عند الإحرام (١)، والقاسم هذا هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أحد الفقهاء السبعة، قال عمر بن عبد العزيز: لو لم يجعل سليمان الأمر إلى يزيد بعدي لندبتها في عنق القاسم بن محمد (٢)، يعني: الخلافة.
وقوله: (وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ) في كل منهما، وفي الأطراف أن كلًّا من علي بن المديني وعبد الرحمن بن القاسم يقول ذَلِكَ.
وقولها: (ولحله حين أحل) حمله مالك على ما بعد رمي جمرة العقبة، ورآه من خواصه؛ لأنه كان يخاطب الملك، وحمله غيره على طيب لا رائحة له، ومنهم من ادعى نسخه، وكله بعيد، وقد أسلفنا

------
(١) سلف برقم (١٥٣٩).
(٢) رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٥٤٧.



خلاف العلماء فيه هناك، وبوب عليه البخاري: والحلق قبل الإفاضة؛ وذلك لقولها: (ولحله حين أحل) والحل هو الحلق.
قال ابن المنذر: اختلف العلماء فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فروي عن ابن عباس، وابن الزبير، وعائشة أنه يحل له كل شيء إلا النساء (١)، وهو قول سالم، وطاوس، والنخعي، وإليه ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، واحتجوا بحديث عائشة في إباحة الطيب لمن رمى جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة، قالوا: سنة رسول الله - ﷺ - حجة على من خالفها.
قال ابن المنذر: وقولها: (وَلِحِلِّهِ) يدل على أنه حلال من كل شيء إلا النساء الذي دل على المنع منه الخبر والإجماع.
وروى عمر وابنه أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب (٢). وقال مالك: يحل له كل شيء إلا النساء والصيد، وفي «المدونة»: أكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حَتَّى يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء فيه، فعلى هذا القول الصحيح من مذهب مالك أنه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد، واحتج لمالك في تحريم الصيد على من لم يفض بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وليس له إذا أُحِلَّ

--------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٣٠ (١٣٨٠٢، ١٣٨٠٤ - ١٣٨٠٥، ١٣٨١٣) كتاب: الحج، في الرجل إذا رمى الجمرة ما يحل له، والدارقطني ٢/ ٢٧٦ (٢٦٥٠) كتاب: الحج، باب: المواقيت.
(٢) رواه عن عمر: البيهقي ٥/ ١٣٥.
ورواه عن ابنه: ابن أبي شيبة ٣/ ٢٣٠ (١٣٨٠ - ١٣٨٩)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٦٠ (٤١٦٦).



له الحلق أن يخرج عن كونه محرمًا؛ لأن الحلق والطيب واللباس قد أبيح على وجه، ولم يخرج بذلك عن كونه محرمًا؛ لذلك يحل له بعد الرمي أشياء، ويبقى عليه تحريم أشياء وهو محرم، وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] يقتضي الحال التام، وأن لا يبقى شيء من الإحرام بعد الإحلال المطلق، ومن بقيت عليه الإفاضة فلم يحل الإحلال التام، ومثله قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فلو وضعت واحدًا وبقي آخر لم يكن قد وضعت الوضع التام؛ لأن الرجهة قبل وضعها الثاني تصح.
واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث عائشة مرفوعًا: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» (١) فيه الحجاج بن أرطأة (٢)، وبحديث الحسن العرني، عن ابن عباس -ولم

--------
(١) رواه أحمد ٦/ ١٤٣، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٢/ ٤٣١ (٩٩٥)، والحارث بن أبي اسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (٣٧٧)، وابن خزيمة ٤/ ٣٠٢ (٢٩٣٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢٨، والدارقطني ٢/ ٢٧٦، والبيهقي ٥/ ١٣٦ من طريق الحجاج بن أرطاة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة، مرفوعًا به.
(٢) ورواه إسحاق ٢/ ٤٣٢ (٩٩٧)، والدارقطني ٢/ ٢٧٦ من طريق الحجاج، عن أبي بكر بن عبد الله بن ابي الجهم عن عمرة عن عائشة مرفوعًا بلفظ: «إذا رمى وحلق وذبح فقد حل له كل شيء إلا النساء». قال البيهقي: ورواه محمد بن أبي بكر عن يزيد بن هارون فزاد فيه: «وذبحتم فقد حل لكم ..» الحديث.
وهذا من تخليطات الحجاج وإنما الحديث الحديث عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا كما رواه سائر الناس عن عائشة رضي الله عنهما، وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ٢٦٠: مداره على الحجاج وهو ضعيف ومدلس. اهـ.
وقال الألباني في «الإرواء» (١٠٤٦): ضعيف بزيادة: «وحلقتم»، وانظر: «الضعيفة» (١٠١٣). =



يسمع منه (١) قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، فقال له رجل: والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يضمح رأسه بالمسك، أفطيب هو (٢)؟!
وروى أفلح بن حميد، عن أبي بكر بن حزم قال: دعانا سليمان بن عبد الملك يوم النحر، أرسل إلى عمر بن عبد العزيز، والقاسم، وسالم، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وابن شهاب

---------
= والحديث رواه أيضًا أبو داود (١٩٧٨) كتاب: المناسك، باب: في رمي الجمار. من طريق الحجاج عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعًا: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء».
قال أبو داود: هذا حديث ضعيف؛ الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه اهـ، وقال المنذري: الحجاج هذا قد ذكر غير واحد من الحفاظ أنه لا يحتج بحديثه، وذكر عباد بن العوام وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة: أن الحجاج لم يسمع من الزهري شيئًا، وذكر عن الحجاج نفسه أنه لم يسمع شيئًا. اهـ. «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٤١٨.
(١) في هامش الأصل: كذا قاله أحد بن حنبل، نقله عنه العلائي في «المراسيل».
(٢) رواه النسائي ٥/ ٢٧٧، وابن ماجه (٣٠٤١) كتاب: المناسك، باب: ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، وأحمد ١/ ٢٣٤، ٣٤٤، ٣٦٩، والطحاوي ٢/ ٢٢٩، والطبراني ١٢/ ١٤٠ (١٢٧٠٥)، من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس به.
والحديث منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من ابن عباس كما ذكر المصنف.
وقال في «البدر المنير» ٦/ ٢٦٥: إسناده حسن كما قاله المنذر وغيره، إلا أن يحيى بن معين وغيره قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس، نعم في «مسند أحمد» قال: ذُكر عند ابن عباس: يقطع .. وذكر الحديث بطوله، وظاهر هذا سماعه من اهـ بتصرف.
وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٩).
انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩ كتاب: المناسك الحج، باب: اللباس والطيب.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* معلومات مهمة حول زبدة الفول السوداني
* السعرات الحرارية في الكربوهيدرات
* السعرات الحرارية في الحلويات
* السعرات الحرارية في الوجبات الخفيفة الشائعة
* فوائد سكر النبات وطرق استخدامه
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين
* شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-30-2026, 08:04 PM   #341

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 189 الى صـــ 200
الحلقة (341)






فسألهم عن الطيب في هذا اليوم قبل الإفاضة، فقالوا: تطيب يا أمير المؤمنين (١).
قال ابن المنذر: واختلفوا فيمن جامع بعد رمي الجمرة قبل الإفاضة، فروي عن عمر أن عليه حج قابل (٢)، وعن الحسن، والنخعي، والزهري مثله، وقال النخعي، والزهري: وعليه الهدي مع حج قابل (٣) وقال ربيعة ومالك: يعتمر من التنعيم ويهدي، وقال أحمد، وإسحاق: يعتمر من التنعيم، وقال ابن عباس: عليه بدنة وحجه تام (٤)، وعن عطاء، والشعبي مثله (٥)، وهو قول الكوفيين والشافعي وأبي ثور (٦).

---------
(١) رواه الطحاوي ٢/ ٢٣٢.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٣ (١٤٩٣٢).
(٣) رواه عن النخعي: ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٣ (١٤٩٣١).
(٤) رواه البيهقي ٥/ ١٧١.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٣ (١٤٩٣٠، ١٤٩٣٣).
(٦) انظر: «المغني» ٥/ ٣٠٧ - ٣٠٩.



١٤٤ - باب طَوَافِ الوَدَاعِ
١٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن طَاوُسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الَحائِضِ. [انظر: ٣٢٩ - مسلم: ١٣٢٨ - فتح: ٣/ ٥٨٥]

١٧٥٦ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ، أَخبَرَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الَحارِثِ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مالك - رضي الله عنه - حَدُّثَهُ أَنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالَمْغْرِبَ
وَالعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمْحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
تَابَعَهُ اللَّيثُ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [١٧٦٤ - فتح: ٣/ ٥٨٥]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ.
وحديث ابن وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسا حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
تَابَعَهُ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
الشرح:
حديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (١)، وحديث أنس من أفراده.
قال الإسماعيلي: تكلم أحمد في حديث عمرو، عن قتادة؛ ولأجل ذَلِكَ

------------
(١) مسلم (١٣٢٨) كتاب: الحج، باب: وجوب طواف الوداع، وسقوطه عن الحائض.


أتى البخاري بالمتابعة، وسعيد: هو ابن أبي هلال، وطواف الوداع لكل حاج ومعتمر غير المكي من شعار الحج. قال مالك: وإنما أمر الناس أن يكون آخر نسكهم الطواف بالبيت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فمحل الشعائر كلها وانقضاؤها بالبيت العتيق، قال: ومن أخَّر طواف الإفاضة إلى أيام منى فإن له سعة أن يصدر إلى بلده، وإن لم يطف بالبيت إذا أفاض.
واختلفوا فيمن خرج ولم يطف للوداع على قولين في وجوبه قال مالك: إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن لم يرجع فلا شيء عليه، وقال عطاء، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي -في أظهر قوليه- وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن تباعد مضى وأهراق دمًا (١). وأغرب ابن التين فحكى عن بعض الشافعية، وبعض الحنفية وجوبه، ومشهور قولي الشافعي هو الوجوب؛ حجتهم قول ابن عباس: من نسي من نسكه شيئًا فليهرق دمًا (٢)، والطواف نسك؛ وحجة مالك أنه طواف يسقط على المكي والحائض، فليس من السنن اللازمة والذمة بريئة بيقين، وسيأتي شيء من هذا المعنى في الباب بعد.
واختلفوا في حد القرب، فروي أن عمر رد رجلًا من مر الظهران لم يكن ودع (٣)، وبين مر الظهران ومكة ستة عشر ميلًا، وهذا بعيد عند

-----------
(١) انظر: «المغني» ٥/ ٣٣٨.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٧٠ من رواية يحيى كتاب: الحج باب: من نسي من نسكه شيئًا، والدارقطني في «السنن» ٢/ ٢٤٤ (٢٥٠٣).
(٣) رواه مالك ص ٢٤٢.



مالك، ولا يرد أحدٌ من مثل هذا الموضع. وعند أبي حنيفة: يرجع ما لم يبلغ المواقيت. وعند الشافعي: يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وعند الثوري: يرجع ما لم يخرج من الحرم (١).
واختلفوا فيمن ودع ثم بدا له في شراء حوائجه فقال عطاء: يعيد، يعني: يكون آخر عمله الطواف بالبيت، وبنحوه قال الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال مالك: لا بأس أن يشتري بعض حوائجه وطعامه من السوق، ولا شيء عليه. وإن أقام يومًا أو نحوه عاد، وقال أبو حنيفة: لو ودع وأقام شهرًا أو أكثر أجزأه، ولا إعادة عليه (٢). وهذا خلاف حديث ابن عباس في الباب، وقال ابن التين: دليلنا حديث صفية، قلت: تلك معذورة، قال: ولعله تعلق في ذَلِكَ بقول زيد: إنها لا تنفر إذا حاضت (٣).

-----------
(١) انظر: «المغني» ص ٣٣٨ - ٣٣٩.
(٢) انظر: «المغني» ٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٣) «الموطأ» رواية محمد بن الحسن ٢/ ٣٣٣.



١٤٥ - باب إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ
١٧٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَى -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟». قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ. قَالَ: «فَلَا إِذًا». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٨٦]

١٧٥٨ - ١٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ سَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ امْرَأَةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ، قَالَ لَهُمْ: تَنْفِرُ. قَالُوا: لَا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ وَنَدَعَ قَوْلَ زَيْدٍ. قَالَ: إِذَا قَدِمْتُمُ المَدِينَةَ فَسَلُوا. فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَسَأَلُوا، فَكَانَ فِيمَنْ سَأَلُوا أُمُّ سُلَيْمٍ، فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةَ. رَوَاهُ خَالِدٌ وَقَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ. [انظر: ٣٢٩ - فتح: ٣/ ٥٨٦]

١٧٦٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا أَفَاضَتْ. [انظر: ٣٢٩ - مسلم: ١٣٢٨ - فتح: ٣/ ٥٨٦]

١٧٦١ - قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ لَهُنَّ. [انظر: ٣٣٠ - فتح: ٣/ ٥٨٦]

١٧٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا نُرَى إِلاَّ الحَجَّ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَطَافَ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ وَكَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَطَافَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الهَدْيُ، فَحَاضَتْ هِيَ، فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ -لَيْلَةُ النَّفْرِ- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ غَيْرِي. قَالَ: «مَا كُنْتِ تَطُوفِي بِالبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا؟». قُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، وَمَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ،


وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَقْرَى حَلْقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: «فَلَا بَأْسَ، انْفِرِي». فَلَقِيتُهُ مُصْعِدًا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ -أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ- وَهُوَ مُنْهَبِطٌ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قُلْتُ: لَا. تَابَعَهُ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ: لَا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٨٦]
ذكر فيه حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ، فذُكر ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا؟» .. الحديث. وقد سلف.
وعَنْ أَيُّوبَ (١)، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَن أَهْلَ المَدِينَةِ سَألُوا ابن عَبَّاسٍ عَنِ امْرَأَةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ، قَالَ لَهُمْ: تَنْفِرُ. قَالُوا: لَا نَأْخُذُ بقَوْلِكَ وَنَدَعَ قَوْلَ زَيْدٍ. قَالَ: إِذَا قَدِمْتُمُ المَدِينَةَ فَسَلُوا. فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَسَألُوا، فَكَانَ فِيمَنْ سَأَلُوا أُمُّ سُلَيْمٍ، فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةَ. رَوَاهُ خَالِدٌ وَقَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ.
ثم ساق من حديث ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا أَفَاضَتْ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ ابن عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أرَخَصَ لَهُنَّ.
ثم ذكر حديث الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - لَا نُرى إِلَّا الحَجَّ، … وذكر الحديث. فَحَاضَتْ هِيَ، فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ -لَيْلَةُ النَّفْرِ- قلت: يَا رَسُولَ اللهِ، كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ غَيْرِي. قَالَ: «مَا كُنْتِ تَطُوفِتِ بِالبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا؟». قُلْتُ: بلى. وَقَالَ مُسَدَّدٌ: لَا. وتَابَعَهُ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ

------------
(١) فوقها في الأصل: مسند.


فِي قَوْلِهِ: لَا. قال: «فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيِك إِلَى التَّنْعِيم» فَأهلك بعمرة، وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَال النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَقْرى حَلْقَى، أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قالت: بَلَى. قَالَ: «فَلَا بَأْسَ، انْفرِي».
الشرح:
حديث عائشة الأول سلف كما قدمناه (١)، وحديث عكرمة من أفراد البخاري، وكذا قول طاوس، عن ابن عباس، وحديث عائشة أخرجه مسلم (٢)، والصواب في حديث عائشة، كما قال ابن بطال رواية مسدد، وجرير، عن منصور، وقد بان ذلك في حديث أبي معاوية أنها قالت: فخضت قبل أن أدخل مكة، وقال فليح: فلما كنا بسرف حضت. فقال - عليه السلام -: «افعلي» .. الحديث، فقدمت مكة وأنا حائض، فلما قدمنا منى طهرت، فذكر ان عائشة لم تكن متمتعة، لأنها لم تطف بالبيت حين قدمت مكة كما طاف من فسخ حجه في عمرة (٣) من أجل حيضها، ولذلك قالت: (كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيري)، فاعتمرت من التنعيم، ودل أيضًا أنها لم تكن قارنة، ولو كانت قارنة لم تأسف على فوات العمرة، ولا قالت ما قالت (٤). فثبت أنها مفردة، ومعنى هذا الباب أن طواف الوداع ساقط عن الحائض؛ لأنه - عليه السلام - لما أخبر عن صفيه أنها حاضت قال: «أحابستنا هي؟» فلما أخبر أنها قد أفاضت قبل أن تحيض قال: «فلا إذًا» وهو قول عوام أهل العلم، وخالف ذلك طائفة فقالوا: لا يحل لأحد أن ينفر حتَّى

----------------
(١) برقم (٢٩٤) كتاب: الحيض، باب: الأمر بالنفساء إذا نفسن.
(٢) مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام.
(٣) في (ج): عمرته.
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٢٧ بتصرف.



يطوف طواف الوداع، ولم يعذروا في ذَلِكَ حائضًا لحيضها، ذكره الطحاوي (١).
قال ابن المنذر: وروي ذَلِكَ عن عمر، وابنه، وزيد بن ثابت قال: فأما بن ثابت وابن عمر فقد روينا عنهما الرجوع. وقول عمر يرده الثابت عن رسول الله - ﷺ - أنه أمرها أن تنفر بعد الإفاضة، ومن هذا الحديث قال مالك: لاشيء على من ترك طواف الوداع حَتَّى يرجع إلى بلاده؛ لسقوطه عن الحائض.
وفيه: رد قول عطاء والكوفيين والشافعي ومن وافقه: ان من لم يودع البيت فعليه دم، فقولهم خلاف (حديث) (٢) صفية.
قلت: لا فحديث صفية رخصة للحائض لا يتعداها لغير المعذور، والنفساء في هذا كالحائض، والظاهر أن المعذور كالخائف من ظالم، أو فوت رفقة، أو معسر، ونحو ذَلِكَ كذلك.
وفي قوله: (»أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ «) دليل على أن طواف الإفاضة يحبس الحائض بمكة لا تبرح حَتَّى تطوف بلا إفاضة؛ لأنه الركن فيه. وعلى هذا أئمة أهل العلم، قال مالك: إذا حاضت المرأة بمنى قبل أن تفيض حبس عليها كَريُّها أكثر ما يحبس النساء الدم (٣).
قال ابن عبد الحكم: ويحبس على النفساء أقصى ما تحبس النساء الدم في النفاس، ولا حجة للكَرِيِّ أن يقول: لم أعلم أنها حامل.
قال مالك: وليس عليها أن تعينه في العلف.

-------------
(١)»شرح معاني الآثار«٣/ ٢٣٢.
(٢) في (ج): قول.
(٣)»الموطأ" ص ٢٦٧ باب: إفاضة الحائض.



وقال ابن المواز: كنت أعرف حبس الكري حيث يحبس وحده يعرض لقطع الطريق.
وقال الشافعي: ليس على حمالها أن يحبس عليها، ويقال لها: احملي مكانك مثلك.
وقوله: («عَقْرى حَلْقَى»).
فيه: توبيخ الرجل أهله على ما يدخل على الناس بسببها، كما وبخ الصديق عائشة في قصة العقد (١).

------------
(١) سلف برقم (٣٣٤) كتاب: التيمم، رواه مسلم (٣٦٧) كتاب: الحيض، باب: التيمم.


١٤٦ - باب مَنْ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالأَبْطَحِ
١٧٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ، افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. [انظر: ١٦٣٥ - مسلم: ١٣٠٩ - فتح: ٣/ ٥٩٠]

١٧٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ المُتَعَالِ بْنُ طَالِبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، أَنَّ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ. [انظر: ١٧٥٦ - فتح: ٣/ ٥٩٠]
ذكر فيه حديث عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ -، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ، افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
وحديث قتادة عَنْ أَنَسِ حَدَّثَهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةَ بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
الشرح:
حديث عبد العزيز، عن أنس أخرجه مسلم أيضًا (١)، وحديث أنس من أفراده: إذا فرغ من رميه من منى نزل بالأبطح. قال ابن القاسم: ولا يصلي الظهر بمنى، والأبطح جنب المقبرة، ثم يدخل مكة ليلًا

--------
(١) مسلم (١٣٠٩) كتاب: الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.


لطواف الوداع اقتداء بالشارع، وبفعل الأئمة بعده كذلك، ومن يقتدي به، وربما قال مالك: ذَلِكَ واسع لغيرهم، وكان عمر وعثمان والصديق قبلهما ينزلون به (١)، وكذا الخلفاء، وهو مستحب عند العلماء، إلا أنه عند الحجازيين آكد منه عند الكوفيين، وكلهم مجمعون أنه ليس من المناسك، وهذِه البطحاء: هي المعرس، والأبطح والبطحاء: ما انبطح (من الأرض) (٢) واتسع من بطن الوادي.
-------------
(١) رواه مسلم (١٣١٠).
(٢) من (ج).



١٤٧ - باب المُحَصَّبِ
١٧٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ - ﷺ - لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. يَعْنِي: بِالأَبْطَحِ. [مسلم: ١٣١١ - فتح: ٣/ ٥٩١]

١٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [مسلم: ١٣١٢ - فتح: ٣/ ٥٩١]
ذكر فيه عن عائشة قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلًا يَنْزِلُهُ رسول الله - ﷺ - ليَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. يَعْنِي: بِالأَبْطَحِ.
وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
الشرح:
حديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (١)، وحديث ابن عباس من أفراده (٢). وذكر الدارقطني أن هذا حديث علي بن حجر، قال ابن عساكر: يعني تفرد به، وابن عيينة سمعه من الحسن بن صالح، عن عمرو، ولكن كذا قال ابن حجر، وهو وهم منه فقد رواه ابن أبي عمر، وعبد الجبار بن العلاء وجماعة غيرهما، ورواه الإسماعيلي من حديث أبي خيثمة، ثَنَا ابن عيينة، ثَنَا عمرو، وكذا رواه أبو نعيم الحافظ من حديث عبد الله بن الزبير، ثَنَا سفيان، ثَنَا عمرو. فقد

--------
(١) مسلم (١٣١١) كتاب: الحج، باب: استحباب النزول بالمحصب يوم النفر.
(٢) قلت: حديث ابن عباس ليس من أفراده، فقد أخرجه مسلم (١٣١٢) كتاب: الحج، باب: استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة به.



صرح أبو خيثمة، والحميدي بالتحديث من عمرو، وانتفي ما قاله الدارقطني. والمحصب: هو الأبطح بأعلى مكة، وهو المعرس، وهو خيف منى المذكور في حديث أبي هريرة السالف في باب: نزوله - عليه السلام - بمكة (١). ووقع للداودي أنه ذو طوى. وليس كما قال. وقد ذكرنا في الباب قبله عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا ينزلون به. وقال عمر: حَصِّبوا (٢). يعني: انزلوا بالمحصب، وكان ابن عمر ينزل به ويقول: إنه سنة أناخ به رسول الله - ﷺ -، وعن النخعي وطاوس مثله، واستحب النخعي أن ينام فيه نومة (٣).
وقول عائشة، وابن عباس: (إنما هو منزل نزله رسول الله - ﷺ -) يدل على أنه ليس من مناسك الحج، وأنه لا شيء على من تركه، وهذا معنى قوله: ليس التحصيب بشيء. أي: ليس من المناسك التي تلزم الناس. وكانت عائشة لا تحصب، ولا أسماء (٤)، وهو مذهب عروة.
قال الطحاوي: لم يكن نزوله به؛ لأنه سنة. وقد اختلف في معناه، فقالت عائشة: ليكون أسمح لخروجه، تريد المدينة، أي: أسهل وأسرع، وليستوي البطيء (والمتعذر) (٥) ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر، ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة.

------------
(١) سلف برقم (١٥٨٩ - ١٥٩٠).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٤ (١٣٣٣٧) كتاب: الحج، في التحصيب من كان يحصب.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٤ (١٣٣٣٦، ١٣٣٤٠).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٥ (١٣٣٤٥، ١٣٣٤٨).
(٥) في (ج): المتعدي.



وروي عن أبي رافع قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أضرب الخيمة، ولم يأمرفي بمكان بعينه فضربتها بالمحصب (١)، وقال ابن عباس: لأن العرب كانت تخاف بعضها بعضًا، فيرتادون، فيخرجون جميعًا فجرى الناس عليها (٢).
قال ابن التين: والنزول به إنما هو لمن يتعجل، وعبارة الخطابي: التحصيب: إذا نفر من منى يقيم بالشعب الذي يخرجه إلى الأبطح، يهجع ساعة ثم يدخل مكة ولا ينزل (٣). وكذلك إن وافي يوم جمعة فيصلي الإمام بالناس الجمعة بمكة، وقال ابن حبيب: كان مالك يأمر (بالتحصيب) (٤) ويستحبه، وإن شاء مضى إذا صلى الظهر والعصر ويأتي مكة، إلا أنه لا ينبغي لأحد يدع التعريس به، فإن نزله فلا شيء عليه، ومن أدركه وقت الصلاة قبل أن يأتيه صلى حيث أدركته، فإذا أتاه نزل به؛ لأن أداء الصلاة في وقتها مطلوب فيها، وهذا مختلف فيه مع أنه لا يفوت بالأداء في الوقت.

----------
(١) رواه مسلم (١٣١٣).
(٢) رواه الطحاوي ٢/ ١٢١.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٩١٠.
(٤) في (ج): بالمحصب.



١٤٨ - باب النُّزُولِ بِذِي طُوًى قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَالنُّزُولِ بِالْبَطْحَاءِ التِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ إِذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ
١٧٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَبِيتُ بِذِي طُوًى بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ التِي بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا لَمْ يُنِخْ نَاقَتَهُ إِلاَّ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَأْتِي الرُّكْنَ الأَسْوَدَ فَيَبْدَأُ بِهِ، ثُمَّ يَطُوفُ سَبْعًا: ثَلَاثًا سَعْيًا، وَأَرْبَعًا مَشْيًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ إِذَا صَدَرَ عَنِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ التِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ التِي كَانَ النَّبِىُّ - ﷺ - يُنِيخُ بِهَا. [انظر:٤٨٤، ٤٩١ - مسلم: ١٢٥٩ - فتح: ٣/ ٥٩٢]

١٧٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: سُئِلَ عُبَيْدُ اللهِ عَنِ الْمُحَصَّبِ، فَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: نَزَلَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَعُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ.
وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يُصَلِّي بِهَا -يَعْنِي: الْمُحَصَّبَ- الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ -أَحْسِبُهُ قَالَ: وَالْمَغْرِبَ. قَالَ خَالِدٌ: لَا أَشُكُّ فِي الْعِشَاءِ- وَيَهْجَعُ هَجْعَةً، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. [فتح: ٣/ ٥٩٢]
ذكر من حديث موسى بن عقبة عَنْ نَافِع، أَنَ ابن عُمَرَ كَانَ يَبِيتُ بِذِي طُوى بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ التِي بِأَعْلَى مَكَةَ، إلى آخره، وَكَانَ إِذَا صَدَرَ عَنِ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ التى بِذِي الحُلَيْفَةِ التِي كَانَ رسول الله - ﷺ - يُنِيخُ بِهَا.
وحديث خَالِدِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: سُئِلَ عُبَيْدُ اللهِ عَنِ المُحَصَّبِ، فَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: نَزَلَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَعُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ.


وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يُصَلِّي بِهَا -يَعْنِي: المُحَصَّبَ -الظُّهْرَ وَالعَصْرَ- أَحْسِبُهُ قَالَ: وَالمَغْرِبَ. قَالَ خَالِدٌ: لَا أَشُكُّ فِي العِشَاءِ- وَيَهْجَعُ هَجْعَةً، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
الشرح
الحديثان من أفراده، والنزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة، والنزول بالبطحاء التي بذي الحليفة عند رجوعه ليس بشيء من سنن الحج ومناسكه، فإن شاء فعله، وإن شاء تركه.


١٤٩ - باب مَنْ نَزَلَ بِذِي طُوًى إِذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ
١٧٦٩ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَقْبَلَ بَاتَ بِذِي طُوى، حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ دَخَلَ، وَإِذَا نَفَرَ مَرَّ بِذِي طُوى وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [انظر: ٤٩١ - مسلم: ١٢٥٩ - فتح: ٣/ ٥٩٢]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: ثَنَا حَمَّاد، عَنْ أيوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَقْبَلَ بَاتَ بِذِي طُوى، حَتَّى إِذَا أصْبَحَ دَخَلَ، وَإِذَا نَفَرَ مَرَّ بِذِي طُوى وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
محمد هذا هو ابن الطباع، وحماد قال الإسماعيلي: هو ابن سلمة، أخبرني بذلك الحسن بن سفيان، ثَنَا محمد بن أبان، ثنا حمَّاد، وأخبرني أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن الحسن، عن حميد وبكر بن عبد الله، عن ابن عمر، وأيوب عن نافع، عن ابن عمر، وأخبرني أبو يعلى ثَنَا أبو الربيع، ثَنَا حماد بن زيد، ثَنَا أيوب، وأنا أبو عمران، ثنا الرمادي، ثَنَا يونس بن محمد، عن أيوب، عن نافع:
أن ابن عمر .. الحديث.
وأما أبو نعيم فجزم بأنه ابن زيد، وأما الحافظ جمال الدين المزي، فذكر رواية ابن الطباع، عن ابن زيد، ولم يذكرها عن ابن سلمة (١).
وقد سلفت القطعة الأولى متصلةً في باب: الاغتسال لدخول مكة، من حديث ابن علية، عن أيوب (٢). وهذا ليس من مناسك الحج، وإنما

---------
(١) انظر: «تحفة الأشراف» ٦/ ٦٢.
(٢) برقم (١٥٧٣).



فيه استحباب دخول مكة نهارًا، وهو مذهب ابن عمر، واستحسنه النخعي ومالك وإسحاق، وكانت عائشة تدخل مكة ليلًا، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير (١)، وقال عطاء والثوري: إن شئت دخلتها نهارًا، وإن شئت دخلتها ليلًا، وقد أسلفنا ذَلِكَ.
قال ابن المنذر: وقد دخلها رسول الله - ﷺ - ليلًا حين اعتمر من الجعرانة (٢).

------------
(١) رواها ابن أبي شيبة ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥ (١٥٥٦٨ - ١٥٥٨١)
(٢) دل على ذلك حديث روي من طريق مزاحم بن أبي مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن محرش الكعبي أن رسول - ﷺ - خرج من الجعرانة ليلًا معتمرًا فدخل مكة ليلًا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن سرى حتى جاء مع الطريق طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس.
رواه أبو داود (١٩٩٦) كتاب: المناسك، والترمذي (٩٣٥) كتاب الحج، باب: ما جاء في العمرة من الجعرانة -وهذا لفظه- والنسائي ٥/ ١٩٩ - ٢٠٠ كتاب: المناسك، دخول مكة ليلًا، وأحمد ٣/ ٤٢٦، ٤٢٧، ٤/ ٦٩، ٥/ ٣٨٠، والحميدي ٢/ ١١١ (٨٨٦)، والدارمي ٢/ ١١٨٢ - ١١٨٣ (١٩٠٣) كتاب: المناسك، باب: الميقات في العمرة، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ٢٩١ (٢٣١٢)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٧٥ (٤٢٣٦)، والطبراني ٢٠/ ٣٢٦ (٧٧٠)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٠٥ - ٢٦٠٦ (٦٢٧٧)، والبيهقي ٤/ ٣٥٧ كتاب الحج، باب: من استحب الإحرام بالعمرة من الجعرانة، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩، وفي «الاستيعاب» ٤/ ٢٧.
وقد جاء في بعض الروايات -كما هو الحال عند أبي داود: عن محرش الكعبي قال: دخل النبي - ﷺ - الجعرانة فجاء إلى المسجد فركع ما شاء الله .. الحديث مختصرًا.
والحديث صححه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٤٠٨، وقال النووي في
«المجموع» ٨/ ٩: إسناده جيد، وقال الحافظ في «الإصابة» ٣/ ٣٦٩: سنده حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٤٢): حديث صحيح دون قوله: فجاء إلى المسجد فركع ما شاء … فإنه منكر، وبدونه حسنه الترمذي والحافظ.



١٥٠ - باب التِّجَارَةِ فِي أَيَّامَ المَوْسِمِ وَالبَيْعِ فِي أَسْوَاقِ الجَاهِلِيَّةِ
١٧٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: كَانَ ذُو المَجَازِ وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ. [٢٠٥٠، ٢٠٩٨، ٤٥١٩ - فتح: ٣/ ٥٩٣]
ذكر فيه عن ابن عباس قال: كَانَ ذُو المَجَازِ وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ.
الشرح:
هكذا كان ابن عباس يقرؤها في مواسم الحج، وكذلك كان يتأول قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨]، وذكر إسماعيل بن أبي أمامة التيمي قال: كنت أكرَي في هذا الوجه، وكان ناس يقولون: إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فسألته فقال: أليس تحرم، وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قلت: بلى. قال: فإن لك حجًّا، وإن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن مثل ما سألتني عنه فسكت عنه حَتَّى نزلت هذِه الآية (١)، وقال مجاهد في هذِه الآية: أحلت لهم التجارة في المواسم، وكانوا لا يبيعون،

------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٩٤ (٣٧٦٨).


ولا يبتاعون بعرفة، ولا بمنى في الجاهلية رغبة لمنافع ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة. وقاله عطاء (١)، وقال أبو جعفر: المغفرة (٢)، وهو أحسنها، وإذا أخلص لحجه وقصد الكفاف، فأجره غير ناقص، وقد قال عمر: لأن أموت في سعي أبتغي كفاف وجهي أحب إليَّ أن أموت مجاهدًا في سبيل الله تعالى.
وقال الطحاوي: أخبر ابن عباس أن هذِه الآية نسخت ما كانوا عليه في الجاهلية من ترك التبايع في الحج، وأنهم كانوا لا يخلطونه بغيره، فأباحهم تعالى التجارة في الحج ابتغاء فضله، ولم يكن ما دخلوا فيه من حرمة الحج قاطعًا لهم عن ذَلِكَ، ودل ذَلِكَ على أن الداخل في حرمة الاعتكاف لا بأس عليه أن يتجر في مواطن الاعتكاف، كما لم تمنعه حرمة الحج منه، وممن أجاز للمعتكف البيع والشراء الكوفيون والشافعي، وقال الثوري: يشتري الخبز إذا لم يكن له من يشتريه له، وبه قال أحمد، واختلف فيه عن مالك، فروى عنه ابن القاسم إجازة ذَلِكَ إذا كان يسيرًا، وروي عنه مثل قول الثوري، وكره ذَلِكَ عطاء ومجاهد والزهري (٣).

---------
(١) رواه الطبري ٢/ ٢٩٥ (٣٧٧٥ - ٣٧٧٨).
(٢) السابق ٩/ ١٣٧ (٢٥٠٧٥).
(٣) رواه عنهم عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٦١ - ٣٦٢، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٩.
وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٥٠ - ٥٢، «المبسوط» ٣/ ١٢١ - ١٢٢، «المنتقى» ٢/ ٨٠، «الاستذكار» ١٠/ ٢٨١ - ٢٨٩، «المجموع» ٦/ ٥٦٤، «الفروع» ٣/ ١٩٨ - ١٩٩.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* معلومات مهمة حول زبدة الفول السوداني
* السعرات الحرارية في الكربوهيدرات
* السعرات الحرارية في الحلويات
* السعرات الحرارية في الوجبات الخفيفة الشائعة
* فوائد سكر النبات وطرق استخدامه
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين
* شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-30-2026, 08:07 PM   #342

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 209 الى صـــ 220
الحلقة (342)






١٥١ - باب الإِدْلَاجِ مِنَ المُحَصَّبِ
١٧٧١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٩٥]

١٧٧٢ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ النَّفْرِ حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «حَلْقَى عَقْرَى، مَا أُرَاهَا إِلَّا حَابِسَتَكُمْ». ثُمَّ قَالَ: «كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ. قَالَ: «فَاعْتَمِرِي مِنَ التَّنْعِيمِ». فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا، فَلَقِينَاهُ مُدَّلِجًا. فَقَالَ: «مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٩٥]
ذكر فيه حديث الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ … إلى أن قال: «أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي».
وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ ثَنَا مُحَاضِرٌ، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عنها: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ إلى أن قالت، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ. قَالَ: «فَاعْتَمِرِي مِنَ التَنْعِيمِ». فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا، فَلَقِينَاهُ مُدَّلِجًا. فَقَالَ: «مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا».
محمد هذا هو ابن عبد الله بن نمير شيخ البخاري كما بينه الحافظ أبو نعيم في «مستخرجه»، ورواه من جهته.
وقال الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، ثنا ابن نمير قال: ثنا أبو معاوية وأبي قالا: ثنا الأعمش وأخبرني الحسن، ثنا محاضر بن


المورِّع ثنا الأعمش وهذا حديث ابن نمير وأبي معاوية، وأبيه عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة فذكره. وزعم الجياني: أن محمدًا هذا هو الذهلي، ونسبه ابن السكن محمد بن سلام (١). وهذا ليس من مناسك الحج.
ذكر عبد الرزاق: أنا عمر بن ذر أنه سمع مجاهدًا يقول: أناخ رسول الله - ﷺ - ليلة النفر بالبطحاء ينتظر عائشة، ثم كره أن يقتدي الناس بإناخته فبعث حَتَّى أناخ على ظهر العقبة أو من ورائها ينتظرها.
وقول عائشة: (حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ) تعني: الليلة التي تلي النفر الآخر، وهو يوم الثالث عشر وباتوا بالمحصَّب، قاله الداودي، ولعله يريد: باتوا به الليلة التي تلي بعد النحر، وهي ليلة أربع عشرة، وفيه بعد؛ لأن حقيقة ليلة النفر ليلة ثلاث عشرة، لكن هذا وقع في البخاري في عدة مواضع: ليلة النفر، وفسره في بعض المواضع بأنها ليلة الحَصْبةِ (٢)، إلا أن تكون ليلة الحصبة ليست ليلة التحصيب، أو تكون معنى ليلة الحصبة: التي ينزل بعدها في المحصَّب، كما قيل: ليلةُ النفرِ التي يقعُ النفرُ في غدها فيصح، أو يريد النفر الذي للمدينة ليلة الحصبة؛ لأنهم نزلوا فيها بالمحصَّب.
وقولها: (إِنِّي لَمْ أَكُنْ أحللت) أي: من عمرة، كما أحل الناس، ولم تعمل إلا عمل الحاج كما سلف.
وقولها: (فَلَقِينَاهُ مُدَّلِجًا). هو بتشديد الدال كذا ضبطه ابن التين، وكذا هو في أصل الدمياطي أيضًا، والادِّلاج بتشديد الدال هو: سير

---------
(١) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٤٦.
(٢) سلف برقم (١٧٦٢).



آخر الليل، وهو افتعل من دلج وأدلج رباعي: إذا سار أول الليل.
وقال الطبري: الادِّلاج بتشديد الدال. الرحيل من المنزل بسحر، وبالتخفيف: الرحيل من المنزل في أول الليل والسير فيه.
وقال ابن عياش: وغيره: أدلج القوم إذا قطعوا الليل كله سيرًا، وادَّلج إذا سار آخره.


٢٦
كتاب العمرة


بسم الله الرحمن الرحيم

٢٦ - (كتاب العمرة
١ - باب وُجُوبِ العُمْرَةِ) (١) وَفَضْلِهَا
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللهِ ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]

١٧٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ». [مسلم: ١٣٤٩ - فتح: ٣/ ٥٩٧]
وذكر حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ».

-----------
(١) كذا في الأصول، والذي في اليونينية ٣/ ٢: باب العمرة، وجوب العمرة وفضلها وبهامشها أبواب عند أبي ذر عن المستملي.


الشرح:
العمرة في اللغة:
الزيارة، وقيل؛ لأنها من عمارة المسجد الحرام.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم (١).
وأثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن نافع عنه: ليس من خلق الله إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان (٢)، وأخرجه الحاكم من حديث إبراهيم بن موسى، وعبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج مثله بزيادة: لمن استطاع إلى ذَلِكَ سبيلًا، فمن زاد على هذا فهو تطوع وخير، ثم قال: سند صحيح على شرطهما (٣).
قلت: وروي مرفوعًا عنه: «ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان»، وسيأتي الكلام عليه في الباب.
وأثر ابن عباس أخرجه الشافعي، والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط مسلم، وابن حزم (٤).
واختلف العلماء في وجوب العمرة (٥)، وكان ابن عمر وابن عباس

-----------
(١) مسلم (١٣٤٩) كتاب: الحج، باب: فضل الحج والعمرة ويوم عرفة.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢١٦ (١٣٦٥٣) كتاب: الحج، من كان يرى العمرة فريضة.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٧١، وعنه البيهقي ٤/ ٣٥١، وكذا رواه الدارقطني ٢/ ٢٨٥ من حديث عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج به.
(٤) الشافعي في «الأم» ٢/ ١١٣، «سنن البيهقي» ٤/ ٣٥١، «المستدرك» ١/ ٤٧١، «المحلى» ٧/ ٣٨.
(٥) في هامش الأصل: نقل السهيلي في «روضه» عن عطاء وجوبها على غير المكي.



يقولان: هي فرض (١)، وهو قول عطاء، وطاوس، والحسن، وابن سيرين، والشعبي (٢)، وإليه ذهب الثوري، والشافعي في أظهر قوليه، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الجهم (٣)، وقال ابن مسعود: العمرة تطوع (٤)، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور (٥)، وقال النخعي: هي سنة (٦)، وهو قول مالك قال: ولا نعلم أحدًا أرخص في تركها (٧)، احتج الأولون بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: أقيموا، وإذا كان الإتمام واجبًا، فالابتداء واجب بناء على أن التطوع لا يجب إتمامه، لكن عمرة التطوع يجب إتمامها، وكذا حج التطوع، والحج لا يقاس عليه.
قال المخالف: وأثر ابن عمر قد أخرجه البخاري موقوفًا فلا حجة فيه، ولو صح رفعه لكان ذكره للعمرة مقارنة للحج لا يدل على وجوبها، وإنما معناه: الحض على هذا الجنس من العبادات لقوله: «تابعوا بين الحج والعمرة» (٨).

----------
(١) رواه عن ابن عمر: ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٦ (١٣٦٥٣)، والبيهقي ٤/ ٣٥١. ورواه عن ابن عباس: الحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٧١ وصححه، والبيهقي ٤/ ٣٥١.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٦ - ٢١٧ (١٣٦٥١، ١٣٦٦٠ - ١٣٦٦١).
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٣٥، «البيان» ٤/ ١٠، «المغني» ٥/ ١٣.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٥ (١٣٦٤٦).
(٥) «مختصر الطحاوي» ص ٩٥.
(٦) «المصنف» ٣/ ٢١٦ (١٣٦٤٩).
(٧) «الموطأ» ١/ ٤٤٤ (١١٣٠) كتاب: المناسك، باب: جامع ما جاء في العمرة.
(٨) روي من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وعمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وعامر بن ربيعة، وأبي هريرة.
حديث ابن عباس رواه النسائي ٥/ ١١٥، وفي «الكبرى» ٢/ ٣٢٢ (٣٦٠٩، ٣٦١١)، والعقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٤٠٩، والطبراني ١١/ ١٠٧ (١١١٩٦)، =



وقال الطحاوي: ليس قول ابن عمر إنها واجبة ما يدل على أنها
------------
= ١١/ ١٨١ (١١٤٢٨)، الذهبي في «السير» ١٣/ ١٤٧ - ١٤٨، وفي «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٥٩٤.
وحديث ابن مسعود رواه الترمذي (٨١٠)، والنسائي ٥/ ١١٥، ١١٦، وأحمد ١/ ٣٨٧، والبزار في «البحر الزخار» ٥/ ١٣٤ (١٧٢٢)، وأبو يعلى ٨/ ٣٨٩ (٤٩٧٦)، ٩/ ١٥٣ (٥٢٣٦)، وابن حبان ٩/ ٦ (٣٦٩٣)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٣٢٢ (٣٦١٠)، وابن خزيمة ٤/ ١٣٠ (٢٥١٢)، والعقيلي ٢/ ١٢٤، والشاشي ٢/ ٧٤ (٥٨٧)، والطبراني ١٠/ ١٨٦ (١٠٤٠٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ١١٠، والبغوي في «شرح السنة» ٧/ ٦ - ٧ (١٨٤٣).
وحديث ابن عمر رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٤٠٥ (٨٦٩ - ٨٧٠)، والحارث ابن أبي أسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (٣٦٥)، والطبراني ٢١/ ٤٥٦ (١٣٦٥١)، وابن عدي ١/ ٣٧١، وتمام الرازي كما في «زوائد الأجزاء المنثورة» ص ٢٢٢.
وحديث عمر رواه ابن ماجه (٢٨٨٧)، وأحمد ١/ ٢٥، والحميدي ١/ ١٥٦ (١٧)، والفاكهي ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥ (٨٦٨)، وأبو يعلى ١/ ١٧٦ (١٩٨)، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ١٥٤، وابن عدي ٦/ ٣٨٩ - ٣٩٠، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٧٢ (٤٠٩٤ - ٤٠٩٥)، والضياء في «المختارة» ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣ (١٤٣ - ١٤٤)، ١/ ٢٧٢ (١٦٠).
وحديث جابر رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١١٤٧)، وابن عدي ٧/ ٤٤٨.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٧٨: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. خلا بشر بن المنذر، ففي حديثه وهم، قاله العقيلي. ووثقه ابن حبان.
وحديث عامر بن ربيعة رواه أحمد ٣/ ٤٤٦، ٤٤٧، والحارث بن أبي أسامة كما في «البغية» (٣٦٤)، والضياء ٨/ ١٩٦ (٢٢٥ - ٢٢٨)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٧٧: فيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، وكذا قال البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» ٣/ ١٧٦.
وحديث أبي هريرة رواه الحارث بن أبي أسامة كما في «البغية» (٣٦٣) وكما في «المطالب العالية» ٦/ ٢٨١ (١١٣٦).
والحديث بجملته صححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٠٠) فراجعه.



فريضة؛ لأنه قد يجوز أن يقول عنها واجبة على المسلمين وجوبًا عامًّا يقوم به البعض كالجهاد وغيره من فروض الكفايات، ويدل على هذا قول ابن عمر: إذا حللتم فشدوا الرحال للحج والعمرة؛ فإنهما أحد الجهادين (١). ألا ترى أنه شبههما بالجهاد الذي يقوم بفرضه بعضهم، وقوله - عليه السلام -: «بني الإسلام على خمس» (٢) ولم يذكر العمرة، فلو كانت فرضًا لذكرت.
قلت: قد ذكرت في قصة السائل الذي سأل رسول الله - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان -وهو جبريل - عليه السلام -- فقال له النبي - ﷺ -: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» إلى أن قال: «وتحج البيت وتعتمر». صححه الدارقطني وغيره من حديث عمر بن الخطاب (٣)، وحديث أبي رزين: «حج عن أبيك واعتمر»

----------
(١) سلف معلقًا بعد حديث (١٥١٦) باب: الحج على الرجل، ووصله عبد الرزاق في «المصنف» ٧/ ٥ (٨٨٠٨)، وسعيد بن منصور ٢/ ١٣٦ (٢٣٥٠)، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٣٧٧ (٧٩٣) من طريق إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، عن عمر، قوله. فهو من قول عمر لا من قول ابن عمر كما ذكر المصنف.
(٢) سلف برقم (٨) كتاب: الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم، ورواه مسلم (١٦) كتاب: الإيمان، باب: أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٣) رواه بهذا اللفظ ابن خزيمة ١/ ٣ - ٤ (١)، ٤/ ٣٥٦ (٣٠٦٥)، وابن حبان ١/ ٣٩٧ - ٣٩٩ (١٧٣)، والدارقطني ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣، وأبو نعيم في «المستخرج» ١/ ١٠٢ (٨٢)، والبيهقي في «السنن» ٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٤٢٨ (٣٩٧٣)، وفي «الاعتقاد» ص: ٢٦٩، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٢٢ (١٢٢٤) من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب .. الحديث.
ورواه الحاكم ١/ ٥١ من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، به. =



رواه الأربعة، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم (١). قال أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود منه، ولا أصح (٢). واحتجوا للسنة بأنه نسك ليس له وقت معين، فلم يكن واجبًا بالشرع كنفل الطواف.
وقد سئل رسول الله - ﷺ - عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: «لا، وإن يعتمر خير».

------------
= قال الدارقطني: إسناد ثابت صحيح أخرجه مسلم بهذا الإسناد. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. وقال ابن الجوزي: فإن قيل: هذا الحديث مذكور في الصحاح وليس فيه: ويعتمر؟ قلنا: قد ذكر فيه هذِه الزيادة أبو بكر الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين، ورواها الدارقطني وحكم لها بالصحة، وقال: هذا اسناده صحيح أخرجه مسلم بهذا الإسناد أ. هـ، وأقر ابن الجوزي على قوله
الذهبيُّ في «التنقيح» ٥/ ٢٩٦.
وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٣/ ١٤٧: قال صاحب «التنقيح»: الحديث مخرج في الصحيحين ليس فيها: وتعتمر، وهذِه الزيادة فيها شذوذ أ. هـ.
والحديث صححه الألباني بهذا اللفظ في «صحيح الترغيب» (١٧٥، ١١٠١).
(١) أبو داود (١٨١٠) كتاب: المناسك، باب: الرجل يحج عن غيره، والترمذي (٩٢٩) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت، والنسائي ٥/ ١١١، ١١٧، وابن ماجه (٢٩٠٦) كتاب: المناسك، باب: الحج عن الحي إذا لم يستطع، وابن حبان ٩/ ٣٠٤ (٣٩٩١)، والحاكم ١/ ٤٨١.
وراه أيضًا أحمد ٤/ ١٠، ١١، ١٢، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٣٢٠ (٣٦٠٠)، ٢/ ٣٢٤ (٣٦١٧)، وابن الجارود ٢/ ١١٤ (٥٠٠)، وابن خزيمة ٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦ (٣٠٤٠)، والدارقطني ٢/ ٢٨٣، وابن حزم في «المحلى» ٧/ ٣٩، ٥٧، وفي «حجة الوداع» (٥٢٨)، والبيهقي ٤/ ٣٢٩، ٣٥٠، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١١٤ (١١٩٩).
قال الدارقطني عن رجال إسناد هذا الحديث: كلهم ثقات. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٨٨).
(٢) رواه البيهقي ٤/ ٣٥٠ بإسناده عن أحمد.



قلت: لكنه ضعيف (١)، وانفصل بعضهم عن الآية بأن إتمامها
-----------
(١) رواه الترمذي (٩٣١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟ وأحمد ٣/ ٣٦١، ٣٥٧، وابن أبي شيبة ٣/ ٢١٥ (١٣٦٤٤) كتاب: المناسك، من قال: العمرة تطوع، وأبو يعلى ٣/ ٤٤٣ (١٩٣٨)، وابن خزيمة ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧ (٣٠٦٨)، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ٢٢٨، والدارقطني ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ١٨٠، والبيهقي ٤/ ٣٤٩، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٢٣ - ١٢٤ (١٢٢٨) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا به. قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: نوقش في ذلك كما سيأتي بيانه.
ورواه ابن عدي في «الكامل» ٨/ ٢٩٦ - ٢٩٧ من طريق أبي عصمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا به. وقال: وهذا يعرف بحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، وأبو عصمة قد رواه أيضًا، عن ابن المنكدر، ولعله سرقه منه ا. هـ
ورواه الطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٤١ (٦٥٧٢)، وفي «الصغير» ٢/ ١٩٣ (١٠١٥)، والدارقطني ٢/ ٢٨٦، والبيهقي ٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠ من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا به.
قال البيهقي: إنما يعرف هذا المتن بالحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر اهـ.
ورواه البيهقي ٤/ ٣٥٠ من طريق ابن جريج والحجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أنه سئل عن العمرة أواجبة فريضة كفريضة الحج، قال: لا، وأن تعتمر خير لك. هكذا موقوفًا.
قال ابن حزم: حديث جابر، الحجاج بن أرطاة ساقط لا يحتج به، والطريق الأخرى أسقط وأوهن؛ لأنها من طريق يحيى بن أيوب وهو ضعيف عن العمري الصغير وهو ضعيف. اهـ. «المحلى» ٧/ ٣٧.
وقال البيهقي: المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع، وروي عن جابر مرفوعًا بخلاف ذلك وكلاهما ضعيف. اهـ.
وقال في «المعرفة» ٧/ ٥٩: رواه الحجاج بن أرطاة، عن ابن المنكدر مرفوعًا، ورفعه ضعيف ا. هـ =



لا يكون إلا بعد الشروع فيها، ونحن نقول: من شرع فيها وجب إتمامها.
قال ابن التين: وكل ما ورد في ذَلِكَ من الأخبار فمطعون في سنده، والآية ليست ببينة في الوجوب.
وقوله: («العمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا») هو مثل قوله: «الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما» (١). يريد ما اجتنبت الكبائر.
قال ابن التين: «إلى العمرة»: يحتمل أن يكون بمعنى (مع) كقوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿مَنْ أَنصَارِىَ إلَى اَللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢، والصف: ١٤].
وفيه: الترغيب في تكرار العمرة، ومالك لا يرى لأحد أن يعتمر

------------
= وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٦٧: قال البيهقي في «خلافياته»: هذا الحديث ليس بثابت، وحجاج بن أرطاة يتفرد بسنده، ورفعه إلى رسول الله - ﷺ - من هذا الوجه، وخالفه ابن جريج وغيره، فرووه، عن ابن المنكدر، عن جابر من قوله، وهو الصواب، وحجاج ليس يقبل منه ما ينفرد به؛ لسوء حفظه وكثرة تدليسه، فكيف إذا خالف الثقات، ورفع الموقوفات والمعضلات أ. هـ، وقال ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٢٤: حديث ضعيف، وقال المصنف في «البدر» ٦/ ٦٧: قال المنذري في كلامه على أحاديث «المهذب»: في تصحيح الترمذي لهذا الحديث نظر، فإن الحجاج بن أرطاة لم يحتج به الشيخان، وقد ضعفه الأئمة. اهـ. ثم قال: قال صاحب «الإمام»: صحح الترمذي هذا الحديث واعترض عليه بالكلام في الحجاج بن أرطاة رافعه، وقد روي موقوفًا من قول جابر. اهـ. وقال النووي في «المجموع» ٧/ ١٠: قول الترمذي: حديث حسن صحيح، غير مقبول، ولا يغتر بكلام الترمذي في هذا، فقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف اهـ، وأورد الحافظ الحديث في «الدراية» ٢/ ٤٨ من طريق أبي الزبير عن جابر مرفوعًا وقال: في إسناده مقال.
ولمزيد من الكلام على هذا الحديث انظر: «البدر المنير» ٦/ ٦٢ - ٧٢، و«تلخيص الحبير» ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(١) رواه مسلم (٢٣٣) كتاب: الطهارة. من حديث أبي هريرة.



أكثر من مرة في السنن للاتباع، وقال مطرف: لا بأس أن يعتمر في السنة مرارًا، ونحا إليه ابن المواز، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (١).
وقال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة واحدة، حكاه ابن قدامة، وعند أحمد: إذا اعتمر فلا بد أن يحلق، أو يقصر في عشرة أيام يمكن حلق الرأس فيها، قال: وظاهر هذا أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام.
وفي رواية الأثرم: إن شاء اعتمر في كل شهر (٢)، والمبرور: هو الخالص لا رياء فيه ولا رفث ولا فسوق، ويكون بمال حلال، وقال ابن التين: المبرور: من البر يحتمل أن يريد أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله أن لا يتعدى بغير حرف الجر لا أن يريد بمبرور وصف المصدر فيتعدى حينئذٍ إلى المصدر؛ لأن كل ما لا يتعدى من الأفعال يتعدى إلى المصدر. وذكر ابن فارس: أنه متعد، يقال: فلان يبر ربه أي: يطيعه (٣). وأصله بررت بكسر الراء، فعلى هذا يبر حجه، أي: يخلصه من الرفث وشبهه.
وقوله: («لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ») يريد أن ما دونها ليس بجزاء له، وإن كانت العمرة وغيرها من أفعال البر جزاؤها تكفير الذنوب فإن الحج المبرور لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه بل لا بد أن يبلغ به دخول الجنة، وقيل: إنه أراد حج النافلة.

------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٠، «المنتقى» ٢/ ٢٣٥، «البيان» ٤/ ١٣.
(٢) «المغني» ٥/ ١٧.
(٣) «مقاييس اللغة» ص ٨٩.



٢ - باب مَنِ اعْتَمَرَ قَبْلَ الحَجِّ
١٧٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ العُمْرَةِ قَبْلَ الحَجِّ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ. قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ: بْنُ خَالِدٍ، سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ، قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ - رضي الله عنه -. مثله. [فتح: ٣/ ٥٩٨]
ذكر فيه عن ابن جُرَيْجٍ، عن عِكْرِمَةَ بْن خَالِدٍ قال: سئل ابن عُمَرَ عَنِ العُمْرَةِ قَبْلَ الحَجِّ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ. قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابن عُمَرَ: اعْتَمَرَ النبِيُّ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ، وعَنِ ابن إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، سَأَلْتُ ابن عُمَرَ مِثْلَهُ.
هذا من ابن عمر قد يدل أن فرض الحج نزل قبل اعتماره، إذ لو اعتمر قبله ما صح استدلاله على ما ذكره، ويتفرع على ذَلِكَ فرض الحج: هل هو على الفور أو التراخي؟ والذي نزع ابن عمر هو الصحيح في النظر، وهو الذي تعضده الأصول، أن في فرض الحج سعة وفسحة؛ لأن العمرة لم يجرِ لها ذكر في القرآن إلا والحج مذكور معها؛ ولذلك قال ابن عباس: إنها لقرينتها في كتاب الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (١)، ولو كان فرض الحج على الفور لم يجز فسخه في عمرة، ولا أمر الشارع أصحابه بذلك، ولو كان وقته مضيقًا لوجب إذا آخره إلى سنة أخرى أن تكون قضاءً لا أداءً، فلمَّا ثبت أنه يكون أداء في أي وقت أتى به علم إنه ليس

---------
(١) رواه البيهقي ٤/ ٣٥١، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٠/ ١٦.


على الفور، وقد سلف ما في ذَلِكَ أول الحج، وسيأتي شيء منه في قصة كعب بن عجرة حين آذاه هوامه، وحلق رأسه بالحديبية -إن شاء الله (١).
فائدة:
شيخ البخاري في الأول (حَدَّثَنَا (أحمد) (٢)، أخبرنا عبد الله) هو ابن شبويه فيما زعمه الدارقطني، أو ابن مردويه فيما قاله الحاكم والكلاباذي (٣).

----------
(١) سيأتي حديث كعب برقم (١٨١٤)، ورواه مسلم (١٢٠١).
(٢) تحتها في الأصل: (هو ابن الجليل).
(٣) قال العيني في «العمدة» ٨/ ٢٨٤: هو أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان بن مسعود بن يزيد المروزي المعروف بابن شبويه، قال الدارقطني: روى عنه البخاري، وقال الحاكم: هذا أحمد بن محمد هو ابن مردويه، قلت: هو أحمد بن موسى أبو العباس. اهـ.
وجزم زكريا الأنصاري في «المنحة» ٤/ ٢٢٨ بأنه أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، ابن شبويه.
أما الحافظ فقال في «الفتح» ٣/ ٥٩٩: هو المروزي!
فيتضح من العرض السابق أنه أحد اثنين، إما أن يكون أحمد بن محمد بن ثابت المروزي (ابن شبويه) وهذا ما رجحه الحافظ زكريا الأنصاري، وإما أن يكون أحمد بن محمد بن موسى المروزي، أبو العباس السمسار، المعروف بمردويه.
والمصنف -رحمه الله- وكذا العيني لم يجزما بواحد منهما.
لكن وجدت أن الحافظ المزي لما ترجم في «تهذيب الكمال» ١/ ٤٣٣ (٩٤) لأحمد بن محمد بن ثابت المروزي (ابن شبويه) لم يذكر أن البخاري روى عنه! وكذا الحافظ الذهبي في ترجمته من «السير» ١١/ ٧ (٢)، ومن «تاريخ الإسلام» ١٦/ ٥٠ (٢١).
مع أن المزي لما ترجم لأحمد بن محمد بن موسى المروزي (مردويه) ١/ ٤٧٣ (١٠٠) وكذا الذهبي في «السير» ١١/ ٨ (٣) ذكرا أن البخاري روى عنه!! =



٣ - باب كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ -؟
١٧٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ المَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي المَسْجِدِ صَلَاةَ الضُّحَى. قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ. فَقَالَ: بِدْعَةٌ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: (أَرْبَعً) (١) إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ. [٤٢٥٣ - مسلم: ١٢٥٥ - فتح: ٣/ ٥٩٩]

١٧٧٦ - قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فِي الحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. قَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلَّا وَهُوَ شَاهِدُهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ. [١٧٧٧، ٤٢٥٤ - مسلم: ١٢٥٥ - فتح: ٣/ ٥٩٩]

---------
= وننبه أيضًا أن المزي في ترجمة ابن شبويه ١/ ٤٣٦ قال: وروى البخاري في الوضوء والأضاحي والجهاد عن أحمد بن محمد عن عبد الله وهو ابن المبارك، فقال الدارقطني: إنه أحمد بن محمد بن ثابت بن شبويه هذا، وقال أبو نصر الكلاباذي وغير واحد: أنه أحمد بن محمد بن موسى، مردويه، فأيهما كان فهو ثقة اهـ.
وكذا حكى هذا الكلام الذهبي في «السير» ١١/ ٨، وحكاه أيضًا في «تاريخ الإسلام» ١٦/ ٥١ - ٥٢ وزاد نسبته للمزي.
قلت: لا اعتقد أن يكون هو ابن شبويه، بل هو (مردويه) إن شاء الله؛ وذلك لما
تقدم ذكره، وأيضًا لأن الدارقطني جزم بأن البخاري روى عن ابن شبويه في ثلاثة مواضع ليس هذا منها، وحتى في المواضع الثلاث المذكورة قال الكلاباذي وغيره أنه أيضًا (مردويه). بالرغم من أن زكريا الأنصاري جزم بأنه ابن شبويه!.
أما الحافظ فاكتفي بقوله: هو المروزي! وكلاهما مروزي!! ولا يفوتني أن أنبه أن قول المصنف هنا وكذا العيني: ابن مردويه، خطأ؛ وذلك لأن كل من ذكره قال: مردويه، بدون ذكر ابن. والله أعلم بالصواب.
(١) كذا في الأصل وعليها علامة تصحيح.



١٧٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي رَجَبٍ. [انظر: ١٧٧٦ - مسلم: ١٢٥٥ - فتح: ٣/ ٦٠٠]

١٧٧٨ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ: سَأَلْتُ أَنَسًا - رضي الله عنه -: كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ -؟ قَالَ: أَرْبَعٌ: عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ، حَيْثُ صَدَّهُ المُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الجِعْرَانَةِ إِذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ -أُرَاهُ- حُنَيْنٍ. قُلْتُ: كَمْ حَجَّ؟ قَالَ: وَاحِدَةً. [١٧٧٩، ١٧٨٠، ٣٠٦٦، ٤١٤٨ - مسلم: ١٢٥٣ - فتح: ٣/ ٦٠٠]

١٧٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا - رضي الله عنه -، فَقَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَيْثُ رَدُّوهُ، وَمِنَ القَابِلِ عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةً فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. [انظر: ١٧٧٨ - مسلم: ١٢٥٣ - فتح: ٣/ ٦٠٠]

١٧٨٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. وَقَالَ: اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي القَعْدَةِ إِلاَّ التِي اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَتَهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وَمِنَ العَامِ المُقْبِلِ، وَمِنَ الجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. [انظر: ١٧٧٨ - مسلم: ١٢٥٣ - فتح: ٣/ ٦٠٠]

١٧٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا وَعَطَاءً وَمُجَاهِدًا. فَقَالُوا: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ. وَقَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ، قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ. [١٨٤٤، ٢٦٩٨، ٢٦٩٩، ٢٧٠٠، ٣١٨٤، ٤٢٥١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٣/ ٦٠٠]
ذكر فيه حديث مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ المَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ جَالسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا أنَاسٌ يُصَلُّونَ فِي المَسْجِدِ صَلَاةَ الضُّحَى. قَالَ: فَسَألْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، ثمَّ قَالَ: لَهُ كَمِ اعْتَمَرَ النبي - ﷺ -؟ قَالَ: أَرْبَع، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَب، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ.


قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فِي الحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فقَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. قَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدُهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَب قَطُّ.
وحديث عُرْوَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي رَجَبِ.
وحديث قَتَادَةَ قال: سَأَلْتُ أَنَسًا: كَم اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ -؟ قَالَ: أَرْبَعًا: عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَدَّهُ المُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ فِي العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الجِعْرَانَةِ إِذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ -أُرَاهُ- حُنَيْنِ. قُلْتُ: كَمْ حَجَّ؟ قَالَ: وَاحِدَةً.
وعَنْ قَتَادَةَ (١): سَأَلْتُ أَنَسًا، فَقَالَ: اعْتَمَرَ رسول الله - ﷺ - حَيْثُ رَدُّوهُ، وَمِنَ القَابِلِ عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةً فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ.
وعن هَمَّامٍ (٢) قَالَ: اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي القَعْدَةِ إِلَّا التِي اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَتَهُ مِنَ الحُدَيْبيَةِ، وَمِنَ العَامِ المُقْبِلِ، وَمِنَ الجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنِ، (وَعُمْرَةً) (٣) مَعَ حَجَّتِهِ.
وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (٤) قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا وَعَطَاءَ وَمُجَاهِدًا، قَالُوا: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مرتين.

-------------
(١) فوقها في الأصل: مسند.
(٢) فوقها في الأصل: مسند.
(٣) من (ج).
(٤) فوقها في الأصل: مسند.



الشرح:
هذِه الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم (١). وقال في الأولى: فكرهنا أن نكذبه. وفي رواية له وابن عمر يسمع: فما قال: لا، ولا هم، سكت، ولمسلم في الأخير عمرة من الحديبية، أو في الحديبية في
ذي القعدة.
واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث لا يدخل في باب: كم اعتمر؟ وإنما يدخل في باب: متى اعتمر؟
قلت: بلى داخل فيه، والزمان وقع استطرادًا، وفي قول مجاهد: دخلت أنا وعروة إلى آخره، ظاهر في سماع مجاهد من عائشة خلافًا لما قاله يحيى القطان وآخرون (٢)، وفي أفراد مسلم من حديث البراء بن عازب: اعتمر النبي - ﷺ - في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين (٣).
وفي أبي داود بإسناد على شرط الشيخين من حديث عائشة: أنه - عليه السلام - اعتمر في شوال، وأخرجه مالك في «موطئه» أيضًا (٤).

-------------
(١) مسلم (١٢٥٥، ١٢٥٣، ١٧٨٣).
(٢) في هامش الأصل: وفي «سنن النسائي» من رواية موسى الجهني، عن مجاهد، قال: أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن النبي يغتسل بمثل هذا. وهذا صريح في سماعه منها.
أفاده الرشيد العطار. وقال العلائي في «المراسيل»: وقد صرح -يعني مجاهدًا- في غير حديث بسماعه منها.
وقول الشيخ: (وآخرون) هم شعبة، ويحيى بن معين، وأبو حاتم. كذا نقله العلائي عن هذِه الثلاثة وابن سعيد معهم.
(٣) هذا الحديث رواه البخاري برقم (١٧٨١) وقد رواه مسلم (١٧٨٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: صلح الحديبية، بقطعة لم ترد عند البخاري.
(٤) رواه أبو داود (١٩٩١) كتاب: المناسك، باب: العمرة، وابن سعد في «طبقاته» =




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* معلومات مهمة حول زبدة الفول السوداني
* السعرات الحرارية في الكربوهيدرات
* السعرات الحرارية في الحلويات
* السعرات الحرارية في الوجبات الخفيفة الشائعة
* فوائد سكر النبات وطرق استخدامه
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين
* شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 12 ( الأعضاء 0 والزوار 12)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009