![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]()
|
دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يجعل قبره وثنًا يُعبد: قال أبو الوليد الباجي: ففرق بين أهل المدينة والغرباء؛ لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد)) ((اشتدَّ غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعلوا قبري عيدًا)). قال: ومن كتاب أحمد بن شعبة فيمن وقف بالقبر، لا يلتصق به ولا يمسه ولا يقف عنده طويلًا، وفي العتبية (يعني عن مالك): يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم، حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف. قال: والتنفل فيه للغرباء أحب إليَّ من التنفل في البيوت. فهذا قول مالك وأصحابه، وما نقلوه عن الصحابة يبين أنهم لم يقصدوا القبر إلا للسلام على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء له. وقد كره مالك إطالة القيام لذلك، وكره أن يفعله أهل المدينة كلما دخلوا المسجد وخرجوا منه، وإنما يفعل ذلك الغرباء، ومن قدم من سفر أو خرج له، فإنه تحية للنبي صلى الله عليه وسلم. فأما إذا قصد الرجل الدعاء لنفسه فإنما يدعو في مسجده مستقبل القبلة كما ذكروا ذلك عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل ذلك عند القبر، بل ولا أطال الوقوف عند القبر للدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بدعائه لنفسه. وأما دعاء الرسول وطلب الحوائج منه وطلب شفاعته عند قبره أو بعد موته، فهذا لم يفعله أحد من السلف، ومعلومٌ أنه لو كان قصد الدعاء عند القبر مشروعًا لفعله الصحابة والتابعون، وكذلك السؤال به، فكيف بدعائه وسؤاله بعد موته؟[20] السفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم مستحب: وأما السفر إلى مسجده للصلاة فيه، والسفر إلى المسجد الأقصى للصلاة فيه فهو مستحب، والسفر إلى الكعبة للحج فواجب. فلو سافر أحدٌ السفر الواجب والمستحب لم يكن مثل واحد من الصحابة الذين سافروا إليه في حياته، فكيف بالسفر المنهي عنه، وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يسافر إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين، لم يكن عليه أن يوفي بنذره بل يُنهى عن ذلك. ولو نذر السفر إلى مسجده أو المسجد الأقصى للصلاة ففيه قولان للشافعي: أظهرهما عنه يجب ذلك، وهو مذهب مالك وأحمد. والثاني: لا يجب، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن من أصله أنه لا يجب من النذر إلا ما كان واجبًا بالشرع، وإتيان هذين المسجدين ليس واجبًا بالشرع، فلا يجب بالنذر عنده. وأما الأكثرون فيقولون: هو طاعة لله، وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))[21]. الروضة بين البيت والمنبر: والثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة))، هذا هو الثابت في الصحيح، ولكن بعضهم رواه بالمعنى فقال "قبري"، وهو صلى الله عليه وسلم حين قال هذا القول لم يكن قد قُبر بعد صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا لم يحتج بهذا أحد من الصحابة لما تنازعوا في موضع دفنه، ولو كان هذا عندهم لكان نصًّا في محل النزاع، ولكن دُفن في حجرة عائشة في الموضع الذي مات فيه بأبي هو وأمي صلوات الله عليه وسلامه. ثم لما وُسِّع المسجد في خلافة الوليد بن عبدالملك، وكان نائبه على المدينة عمر بن عبدالعزيز، أمره أن يشتري الحجر ويزيدها في المسجد، وكانت الحجر من جهة المشرق والقبلة، فزيدت في المسجد ودخلت حجرة عائشة في المسجد من حينئذٍ، وبنوا الحائط البراني مُسَنَّمًا مُحَرَّفًا، فإنه ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي مرثد الغنوي أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها))؛ لأن ذلك يشبه السجود لها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله تعالى. وكما نهي عن اتخاذها مساجد ونهي عن قصد الصلاة عندها، وإن كان المصلي إنما يقصد الصلاة لله سبحانه والدعاء له[22]. الوسيلة التي أمرنا بها هي الطاعة: والوسيلة التي أمرنا الله أن نبتغيها إليه هي التقرب إلى الله بطاعته، وهذا يدخل فيه كل ما أمرنا الله به ورسوله، وهذه الوسيلة لا طريق لنا إليها إلا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، بالإيمان به وطاعته، وهذا التوسل به فرض على كل أحد. وأما التوسل بدعائه وشفاعته- كما يسأله الناس يوم القيامة أن يشفع لهم، وكما كان الصحابة يتوسلون بشفاعته في الاستسقاء وغيره، مثل توسل الأعمى بدعائه حتى رد الله عليه بصره بدعائه وشفاعته- فهذا نوع ثالث هو من باب قبول الله دعاءه وشفاعته لكرامته عليه، فمن شفع له الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا له فهو بخلاف من لم يدع له ولا يشفع له، ولكن بعض الناس ظن أن توسل الصحابة به كان بمعنى أنهم يقسمون به ويسألون به، فظن هذا مشروعًا مطلقًا لكل أحد في حياته ومماته، وظنوا أن هذا مشروعٌ في حق الأنبياء والملائكة، بل وفي الصالحين وفيمن يظن فيهم الصلاح، وإن لم يكن صالحًا في نفس الأمر[23]. لا يجوز التحريم إلا بدليل شرعي: وذلك أن العمل إذا عُلِم أنه مشروع بدليل شرعي، وروي في فضله حديث لا يعلم أنه كذب، جاز أن يكون الثواب حقًّا، ولم يقل أحد من الأئمة إنه يجوز أن يجعل الشيء واجبًا أو مستحبًّا بحديث ضعيف، ومن قال هذا فقد خالف الإجماع. وهذا كما أنه لا يجوز أن يحرم شيء إلا بدليل شرعي، لكن إذا علم تحريمه وروي حديث في وعيد الفاعل له ولم يعلم أنه كذب، جاز أن يرويه، فيجوز أن يروي في الترغيب والترهيب ما لم يعلم أنه كذب، لكن فيما علم أن الله رغب فيه أو رهب منه بدليل آخر غير هذا الحديث المجهول حاله. وهذا كالإسرائيليات، يجوز أن يروى منها ما لم يعلم أنه كذب، للترغيب والترهيب فيها علم أن الله تعالى أمر به في شرعنا، ونهى عنه في شرعنا. فأما أن يثبت شرعًا لنا بمجرد الإسرائيليات التي لم تثبت، فهذا لا يقوله عالم، ولا كان أحمد بن حنبل ولا أمثاله من الأئمة يعتمدون على مثل هذه الأحاديث في الشريعة، ومن نقل عن أحمد أنه كان يحتج بالحديث الضعيف الذي ليس بصحيح ولا حسن، فقد غلط عليه، ولكن كان في عرف أحمد بن حنبل ومن قبله من العلماء أن الحديث ينقسم إلى نوعين: صحيح وضعيف. والضعيف عندهم ينقسم إلى: ضعيف متروك لا يُحتج به، وإلى ضعيف حسن، كما أن ضعف الإنسان بالمرض ينقسم إلى: مرض مخوف يمنع التبرع من رأس المال، وإلى ضعيف خفيف لا يمنع من ذلك[24]. لا يكون الشيء واجبًا ولا مستحبًّا إلا بدليل شرعي: ولا يجوز أن يكون الشيء واجبًا أو مستحبًّا إلا بدليل شرعي يقتضي إيجابه أو استحبابه، والعبادات لا تكون إلا واجبة أو مستحبة، فما ليس بواجب ولا مستحب فليس بعبادة. والدعاء لله تعالى عبادة، إن كان المطلوب به أمرًا مباحًا. وفي الجملة، فقد نقل عن بعض السلف والعلماء السؤال به، بخلاف دعاء الموتى والغائبين من الأنبياء والملائكة والصالحين والاستغاثة بهم والشكوى إليهم، فهذا مما لم يفعله أحد من السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا رخص فيه أحدٌ من أئمة المسلمين[25]. قول الصحابي حُجة إذا لم يخالفه غيره: ومن قال من العلماء: "إن قول الصحابي حجة"، فإنما قاله إذا لم يخالفه غيره من الصحابة، ولا عُرف نص يخالفه، ثم إذا اشتهر ولم ينكروه كان إقرارًا على القول، فقد يقال: "هذا إجماع إقراري" إذا عُرف أنهم أقروه ولم ينكره أحد منهم، وهم لا يقرون على باطل. وأما إذا لم يشتهر فهذا إن عُرف أن غيره لم يخالفه، فقد يقال: "هو حجة". وأما إذا عُرف أنه خالفه فليس بحجة بالاتفاق، وأما إذا لم يعرف هل وافقه غيره أو خالفه، لم يجزم بأحدهما، ومتى كانت السنة تدل على خلافه، كانت الحجة في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم، وإذا كان كذلك، فمعلوم أنه إذا ثبت عن عثمان بن حنيف أو غيره أنه جعل من المشروع المستحب أن يتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته، من غير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم داعيًا له ولا شافعًا فيه، فقد علمنا أن عمر وأكابر الصحابة لم يروا هذا مشروعًا بعد مماته كما كان يشرع في حياته، بل كانوا في الاستسقاء في حياته يتوسلون به، فلما مات لم يتوسلوا به[26]. النذر لغير الله حرام وكذا الحلف: وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز لأحد أن ينذر لغير الله، لا لنبي ولا لغير نبي، وأن هذا النذر شركٌ لا يوفي به. وكذلك الحلف بالمخلوقات، لا تنعقد به اليمين ولا كفارة فيه، حتى لو حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه كما تقدم ذكره، ولم يجب عليه كفارة عند جمهور العلماء؛ كمالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين، بل نهى عن الحلف بهذه اليمين. فإذا لم يجز أن يحلف بها الرجل ولا يقسم بها على مخلوق فكيف يقسم بها على الخالق جل جلاله؟[27] لله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته وليس ذلك للمخلوقات: فإن الله يقسم بما يقسم به من مخلوقاته؛ لأنها آياته ومخلوقاته، فهي دليل على ربوبيته وألوهيته، ووحدانيته وعلمه، وقدرته ومشيئته، ورحمته وحكمته، وعظمته وعزته، فهو سبحانه يقسم بها؛ لأن إقسامه بها تعظيم له سبحانه، ونحن المخلوقون ليس لنا أن نقسم بها بالنص والإجماع، بل ذكر غير واحد الإجماع على أنه لا يقسم بشيء من المخلوقات، وذكروا إجماع الصحابة على ذلك، بل ذلك شرك منهي عنه[28]. معنى استفتاح اليهود بالرسول صلى الله عليه وسلم: وأما قوله تعالى: ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 89] فكانت اليهود تقول للمشركين: سوف يُبعث هذا النبي ونقاتلكم معه فنقتلكم، ولم يكونوا يقسمون على الله بذاته ولا يسألون به، أو يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الأُمِّي لنتبعه ونقتل هؤلاء معه، هذا هو النقل الثابت عند أهل التفسير، وعليه يدل القرآن، فإنه قال تعالى: ﴿ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ [البقرة: 89] والاستفتاح الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يُبعث فيقاتلونهم معه، فبهذا ينصرون، ليس هو بإقسامهم به وسؤالهم به؛ إذ لو كان كذلك لكانوا إذا سألوا أو أقسموا به نصروا، ولم يكن الأمر كذلك، بل لما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، نصر الله من آمن به وجاهد معه على من خالفه، وما ذكره بعض المفسرين من أنهم كانوا يقسمون به أو يسألون به فهو نقل شاذ مخالف للنقول الكثيرة المستفيضة المخالفة له[29]. التوسل بصالح الأعمال على وجهين: أحدهما: أن يتوسل بذلك إلى إجابة الدعاء وإعطاء السؤال؛ كحديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار، فإنهم توسلوا بأعمالهم الصالحة ليجيب دعاءهم ويفرج كربتهم، وقد تقدم بيان ذلك. والثاني: التوسل بذلك إلى حصول ثواب الله وجنته ورضوانه، فإن الأعمال الصالحة التي أمر بها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الوسيلة التامة إلى سعادة الدنيا والآخرة، ومثل هذا كقول المؤمنين: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ ﴾ [آل عمران: 193]، فإنهم قدموا ذكر الإيمان قبل الدعاء، ومثل ذلك ما حكاه الله سبحانه عن المؤمنين في قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 109]، وأمثال ذلك كثير. وكذلك التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وشفاعته، فإنه يكون على وجهين: أحدهما: أن يطلب منه الدعاء والشفاعة فيدعو ويشفع، كما كان يُطلب منه في حياته، وكما يُطلب منه يوم القيامة، حين يأتون آدم ونوحًا، ثم الخليل ثم موسى الكليم ثم عيسى، ثم يأتون محمدًا صلوات الله وسلامه عليه وعليهم، فيطلبون منه الشفاعة. والوجه الثاني: أن يكون التوسل مع ذلك، بأن يسأل الله تعالى بشفاعته ودعائه، كما في حديث الأعمى المتقدم بيانه وذكره، فإنه طلب منه الدعاء والشفاعة فدعا له الرسول، وشفع فيه، وأمره أن يدعو الله فيقول: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك به، اللهم فشفعه فيَّ))، فأمره أن يسأل الله تعالى قبول شفاعته، بخلاف من يتوسل بدعاء الرسول وشفاعة الرسول- والرسول لم يدع له ولم يشفع فيه- فهذا توسل بما لم يوجد، وإنما يتوسل بدعائه وشفاعته من دعا له وشفع فيه[30]. دعاء الغائب أقرب للإجابة: ودعاء الغائب للغائب أعظم إجابة من دعاء الحاضر؛ لأنه أكمل إخلاصًا وأبعد عن الشرك، فكيف يشبه دعاء من يدعو لغيره بلا سؤال منه، إلى دعاء من يدعو الله بسؤاله وهو حاضر؟ وفي الحديث: ((أعظم الدعاء إجابةً دعاء غائب لغائب))، وفي صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه بدعوة قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثله))، وذلك أن المخلوق يطلب من المخلوق ما يقدر المخلوق عليه، والمخلوق قادرٌ على دعاء الله ومسألته؛ فلهذا كان طلب الدعاء جائزًا كما يطلب منه الإعانة بما يقدر عليه، والأفعال التي يقدر عليها[31]. لا يجوز القسم على المخلوق بالمخلوق: والإنسان إذا توسَّل إلى غيره بوسيلة فإما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك، مثل أن يقال لأبي الرجل أو صديقه أو من يكرم عليه: اشفع لنا عنده، وهذا جائز. وإما أن يقسم عليه كما يقول: بحياة ولدك فلان، وبتربة أبيك فلان، وبحرمة شيخك فلان ونحو ذلك، والإقسام على الله تعالى بالمخلوقين لا يجوز، ولا يجوز الإقسام على مخلوقٍ بمخلوق[32]. لا يشرع قصد الصلاة إلى القبر: ولا خلاف بين المسلمين أنه لا يشرع أن يقصد الصلاة إلى القبر، بل هذا من البدع المحدثة، وكذلك قصد شيء من القبور، لا سيما قبور الأنبياء والصالحين عند الدعاء، فإذا لم يجز قصد استقباله عند الدعاء لله تعالى فدعاء الميت نفسه أولى ألَّا يجوز، كما أنه لا يجوز أن يصلي مستقبله فلأن لا يجوز الصلاة له بطريق الأولى. فعُلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئًا، لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يُشكى إليه شيءٌ من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن يُشكى إليه ذلك في حياته، فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى الشرك، وهذا يفضي إلى الشرك؛ لأنه في حياته مكلفٌ أن يجيب سؤال من سأله لما له في ذلك من الأجر والثواب، وبعد الموت ليس مكلفًا[33]. النهي عن الشرك للأنبياء والخلق على السواء: وإذا تبين ما أمر الله به ورسوله، وما نهى الله عنه ورسوله، في حق أشرف الخلق وأكرمهم على الله عز وجل، وسيد ولد آدم، وخاتم الرسل والنبيين، وأفضل الأولين والآخرين، وأرفع الشفعاء منزلة وأعظمهم جاهًا عند الله تبارك وتعالى، تبين أن من دونه من الأنبياء والصالحين أولى بألَّا يُشرك به ولا يُتخذ قبره وثنًا يُعبد ولا يُدعى من دون الله، لا في حياته ولا في مماته. ولا يجوز لأحد أن يستغيث بأحد من المشايخ الغائبين ولا الميتين، مثل أن يقول: يا سيدي فلانًا أغثني وانصرني وادفع عني، أو أنا في حسبك ونحو ذلك، بل كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم- لما كانوا من جنس عباد الأوثان- صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأوثان ويغويهم، فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان، وبعض ذلك صدق، لكن لا بد أن يكون في ذلك ما هو كذب، بل الكذب أغلب عليه من الصدق[34]. فيمن قال أسألك بحق السائلين عليك: أما قول القائل: أسألك بحق السائلين عليك، فإنه قد روي في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن ماجه، لكن لا يقوم بإسناده حجة، وإن صحَّ هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان معناه: أن حق السائلين على الله أن يجيبهم، وحق العابدين له أن يثيبهم، وهو كتب ذلك على نفسه، كما قال: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ [البقرة: 186]، فهذا سؤال الله بما أوجبه على نفسه، كقول القائلين: ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ ﴾ [آل عمران: 194]، وكدعاء الثلاثة الذين أووا إلى الغار لما سألوه بأعمالهم الصالحة التي وعدهم أن يثيبهم عليها[35]. مناظرة بين الشيخ والرهبان وإقامة الحجة عليهم: ولما كان الشيخ في قاعة الترسيم، دخل إلى عنده ثلاثة رهبان من الصعيد، فناظرهم وأقام عليهم الحجة بأنهم كفار، وما هم على الذي كان عليه إبراهيم والمسيح، فقالوا له: نحن نعمل مثل ما تعملون، أنتم تقولون بالسيدة نفيسة ونحن نقول بالسيدة مريم، وقد أجمعنا نحن وأنتم على أن المسيح ومريم أفضل من الحسين ومن نفيسة، وأنتم تستغيثون بالصالحين الذين قبلكم ونحن كذلك، فقال لهم: وأي من فعل ذلك ففيه شبه منكم، وهذا ما هو دين إبراهيم الذي كان عليه، فإن الدين الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام ألَّا نعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا نِدَّ له، ولا صاحبة له، ولا ولد له، ولا نشرك معه ملكًا، ولا شمسًا، ولا قمرًا، ولا كوكبًا، ولا نشرك معه نبيًّا من الأنبياء ولا صالحًا: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93]. وأن الأمور التي لا يقدر عليها غير الله لا تطلب من غيره؛ مثل: إنزال المطر وإنبات النبات وتفريج الكربات والهدى من الضلالات وغفران الذنوب، فإنه لا يقدر أحد من جميع الخلق على ذلك، ولا يقدر عليه إلا الله. والأنبياء عليهم الصلاة والسلام نؤمن بهم ونعظمهم ونوقرهم ونتبعهم ونصدقهم في جميع ما جاءوا به ونطيعهم، كما قال نوح وصالح وهود وشعيب: ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴾ [نوح: 3]، فجعلوا العبادة والتقوى لله وحده، والطاعة لهم، فإن طاعتهم من طاعة الله. فلو كفر أحد بنبيٍّ من الأنبياء وآمن بالجميع ما ينفعه إيمانه حتى يؤمن بذلك النبي، وكذلك لو آمن بجميع الكتب وكفر بكتاب كان كافرًا حتى يؤمن بذلك الكتاب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه، ثم انصرفوا من عنده[36]. في الانحناء عند التحية: وأما الانحناء عند التحية فينهى عنه كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحني له؟ قال: لا))، ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل، وإن كان هذا على وجه التحية في غير شريعتنا، كما في قصة يوسف: ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [يوسف: 100]، وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله، بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله الأعاجم بعضهم لبعض، فكيف بالركوع والسجود؟ وكذلك ما هو ركوع ناقص يدخل في النهي عنه[37]. في تعبيد المشركين أنفسهم وأولادهم لغير الله: كان المشركون يُعبِّدون أنفسهم وأولادهم لغير الله، فيسمون بعضهم عبد الكعبة، كما كان اسم عبدالرحمن بن عوف، وبعضهم عبد شمس كما كان اسم أبي هريرة، واسم عبد شمس بن عبد مناف، وبعضهم عبد اللات، وبعضهم عبد العزى، وبعضهم عبد مناة، وغير ذلك مما يضيفون فيه التعبيد إلى غير الله من شمس أو وثن أو بشر أو غير ذلك مما قد يشرك بالله، ونظير تسمية النصارى عبد المسيح. فغيَّر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وعبدهم لله وحده، فسمى جماعات من أصحابه: عبدالله وعبدالرحمن كما سمى عبدالرحمن بن عوف ونحو هذا، وكما سمى أبا معاوية- وكان اسمه عبد العزى- فسماه عبدالرحمن، وكان اسم مولاه قيوم فسماه عبدالقيوم. ونحو هذا من بعض الوجوه ما يقع في الغالية من الرافضة ومشابهيهم الغالين في المشايخ، فيقال هذا غلام الشيخ يونس أو للشيخ يونس، أو غلام ابن الرفاعي أو الحريري ونحو ذلك مما يقوم فيه للبشر نوع تأله، كما قد يقوم في نفوس النصارى من المسيح، وفي نفوس المشركين من آلهتهم رجاء وخشية، وقد يتوبون لهم كما كان المشركون يتوبون لبعض الآلهة، والنصارى للمسيح أو لبعض القديسين. وشريعة الإسلام الذي هو الدين الخالص لله وحده: تعبيد الخلق لربهم، كما سنَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتغير الأسماء الشركية إلى الأسماء الإسلامية، والأسماء الكفرية إلى الأسماء الإيمانية، وعامة ما سمى به النبي صلى الله عليه وسلم: عبدالله وعبدالرحمن، كما قال تعالى: ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [الإسراء: 110]، فإن هذين الاسمين هما أصل بقية أسماء الله تعالى[38]. [1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج1 ص137-138. [2] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص139. [3] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص140-141. [4] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص143. [5] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص145-149. [6] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص162-163. [7] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص165-166. [8] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص166-167. [9] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص183-184. [10] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص189-190. [11] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص190-191. [12] انظر: مجموع الفتاوى، ج1 ص195. [13] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص197. [14] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص199-202. [15] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص206. [16] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص213-214. [17] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص216-217. [18] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص222-223. [19] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص229-230. [20] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص232-233. [21] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص234-235. [22] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص236-237. [23] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص247-248. [24] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص251. [25] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص265. [26] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص283-284. [27] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص286. [28] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص290. [29] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص296. [30] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص309-310. [31] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص328-329. [32] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص338. [33] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص354. [34] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص359. [35] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص369. [36] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص370-371. [37] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص377. [38] انظر: مجموع الفتاوى، ج1، ص378-379. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]()
|
لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الألوهية - 2) سائد بن جمال دياربكرلي (توحيد الربوبية - 1) أصل العلم الإلهي عند المؤمنين: الإيمان بالله ورسوله، وعند الرسول: وحي الله إليه: قاعدة أولية: أن أصل العلم الإلهي ومبدأه ودليله الأول عند الذين آمنوا هو الإيمان بالله ورسوله، وعند الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحي الله إليه، كما قال خاتم الأنبياء: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». وقال الله تعالى له: ﴿ قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي ﴾ [سبأ: 50]، وقال: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ﴾ [الضحى: 7]، وقال: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: 3]. ولما كان أصل العلم والهدى هو الإيمان بالرسالة المتضمنة للكتاب والحكمة، كان ذكره طريق الهداية بالرسالة- التي هي القرآن وما جاءت به الرسل- كثيرًا جدًّا، كقوله: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2]، وقوله: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 138]. وكذلك ذكره حصول الهداية والفلاح للمؤمنين دون غيرهم ملء القرآن؛ كقوله: ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ [البقرة: 2، 3] الآية، ثم ذم الذين كفروا والذين نافقوا، وقوله: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [العصر: 1 - 3]، وقوله: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ [التين: 5، 6]، فحكم على النوع كله والأمة الإنسانية جميعها بالخسارة والسفول إلى الغاية، إلا المؤمنين الصالحين[1]. تمهيد الأوائل وتقرير الدلائل: وذلك أن الأنبياء عليهم السلام دعوا الناس إلى عبادة الله أولًا بالقلب واللسان، وعبادته متضمنة لمعرفته وذكره. فأصل علمهم وعملهم هو العلم بالله والعمل لله؛ وذلك فطري كما قد قررته في غير هذا الموضع في موضعين أو ثلاثة، وبينت أن أصل العلم الإلهي فطري ضروري، وأنه أشد رسوخًا في النفوس من مبدأ العلم الرياضي؛ كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي؛ كقولنا: إن الجسم لا يكون في مكانين؛ لأن هذه المعارف أسماء قد تعرض عنها أكثر الفطر، وأما العلم الإلهي فما يتصور أن تعرض عنه فطرة، وبسط هذا له موضع غير هذا. وإنما الغرض هنا أن الله- سبحانه- لما كان هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي إليه تصير الحادثات، فهو الأصل الجامع؛ فالعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكره أصل كل كلام وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه. وليس للخلق صلاحٌ إلا في معرفة ربهم وعبادته، وإذا حصل لهم ذلك، فما سواه إما فضل نافع، وإما فضول غير نافعة، وإما أمر مضر. ثم من العلم به تتشعَّب أنواع العلوم، ومن عبادته وقصده تتشعَّب وجوه المقاصد الصالحة، والقلب بعبادته والاستعانة به معتصم مستمسك قد لجأ إلى ركن وثيق، واعتصم بالدليل الهادي والبرهان الوثيق، فلا يزال إما في زيادة العلم والإيمان، وإما في السلامة عن الجهل والكفر[2]. الفلاسفة جعلوا نفوسهم أصلًا ثم فرعوا عليها: وأما الطريقة الفلسفية الكلامية فإنهم ابتدأوا بنفوسهم فجعلوها هي الأصل الذي يفرعون عليه، والأساس الذي يبنون عليه، فتكلموا في إدراكهم للعلم أنه تارة يكون بالحس، وتارة بالعقل، وتارة بهما. وجعلوا العلوم الحسية والبديهية ونحوها هي الأصل الذي لا يحصل علم إلا بها، ثم زعموا أنهم إنما يدركون بذلك الأمور القريبة منهم من الأمور الطبيعية والحسابية والأخلاق، فجعلوا هذه الثلاثة هي الأصول التي يبنون عليها سائر العلوم؛ ولهذا يمثلون ذلك في أصول العلم والكلام، بأن الواحد نصف الاثنين، وأن الجسم لا يكون في مكانين، وأن الضدين- كالسواد والبياض- لا يجتمعان، فهذان الفنان متفق عليهما. وتجد المصنفين في الكلام يبتدئون بمقدماته في الكلام في النظر والعلم، والدليل- وهو من جنس المنطق- ثم ينتقلون إلى حدوث العالم، وإثبات محدثه، ومنهم من ينتقل إلى تقسيم المعلومات إلى الموجود والمعدوم، وينظر في الوجود وأقسامه، كما قد يفعله الفيلسوف في أول العلم الإلهي، فأما الأنبياء فأول دعوتهم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله[3]. لا يستحق غير الله أن يسمى خالقًا: لما كان وجوب الوجود من خصائص رب العالمين، والغنى عن الغير من خصائص رب العالمين، كان الاستقلال بالفعل من خصائص رب العالمين، وكان التنزه عن شريك في الفعل والمفعول من خصائص رب العالمين، فليس في المخلوقات ما هو مستقل بشيء من المفعولات، وليس فيها ما هو وحده علة قائمة، وليس فيها ما هو مستغنيًا عن الشريك في شيء من المفعولات، بل لا يكون في العالم شيء موجود عن بعض الأسباب إلا بمشاركة سبب آخر له، فيكون- وإن سمي علة- علة مقتضية سببية لا علة تامة، ويكون كل منهما شرطًا للآخر. كما أنه ليس في العالم سببٌ إلا وله مانع يمنعه من الفعل، فكل ما في المخلوق- مما يسمى علةً أو سببًا أو قادرًا أو فاعلًا أو مدبرًا- فله شريكٌ هو له كالشرط، وله معارض هو له مانع وضد، وقد قال سبحانه: ﴿ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ﴾ [الذاريات: 49] والزوج يراد به النظير المماثل، والضد المخالف، وهو الند، فما من مخلوق إلا له شريك وند، والرب سبحانه وحده هو الذي لا شريك له ولا ند، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا لا يستحق غيره أن يسمى خالقًا ولا ربًّا مطلقًا ونحو ذلك؛ لأن ذلك يقتضي الاستقلال والانفراد بالمفعول المصنوع، وليس ذلك إلا لله وحده[4]. أخذ الدليل من النص أكمل من أخذه من الأقيسة العقلية: لوجوه أحدها: أن التي في القرآن تجمع نوعي: العلم والعمل، والخبر والطلب على أكمل الوجوه؛ بخلاف الأقيسة المنطقية، وذلك أن القياس العقلي المنطقي إنما فائدته مجرد التصديق في القضايا الخبرية، سواء تبع ذلك عمل أو لم يتبعه. الوجه الثاني: ويمكن أن يقسم هذا إلى وجه آخر بأن يقال: الناس ثلاثة أقسام: إما أن يعترف بالحق ويتبعه، فهذا صاحب الحكمة. وإما أن يعترف به لكن لا يعمل به، فهذا يوعظ حتى يعمل. وإما ألا يعترف به، فهذا يجادل بالتي هي أحسن؛ لأن الجدال في مظنة الإغضاب، فإذا كان بالتي هي أحسن حصلت منفعته بغاية الإمكان؛ كدفع الصائل. الوجه الثالث: أن كلام الله لا يشتمل إلا على حق يقين، لا يشتمل على ما تمتاز به الخطابة والجدل عن البرهان، بكون المقدمة مشهورة أو مسلمة غير يقينية، بل إذا ضرب الله مثلًا مشتملًا على مقدمة مشهورة أو مسلمة فلا بد وأن تكون يقينية. الوجه الرابع: أن هنا نكتة ينبغي التفطن لها فإنها نافعة، وذلك أن المقدمة المذكورة في القياس الذي هو مثل لها وصف ذاتي ووصف إضافي، فالوصف الذاتي لها أن تكون مطابقةً فتكون صدقًا، أو لا تكون مطابقةً فتكون كذبًا، وجميع المقدمات المذكورة في أمثال القرآن هي صدق، والحمد لله رب العالمين. وأما الوصف الإضافي فكونها معلومة عند زيد، أو مظنونة أو مسلمة أو غير مسلمة فهذا أمر لا ينضبط. فرب مقدمة هي يقينية عند شخص قد علمها، وهي مجهولة فضلًا عن أن تكون مظنونةً عند من لم يعلمها، فكون المقدمة يقينية أو غير يقينية أو مشهورة أو غير مشهورة أو مسلمة أو غير مسلمة أمور نسبية وإضافية لها تعرض بحسب شعور الإنسان بها. ولهذا تنقلب المظنونة بل المجهولة في حقه يقينية معلومة، والممنوعة مسلمة، بل والمسلمة ممنوعة. والقرآن كلام الله الذي أنذر به جميع الخلق، لم يخاطب به واحدًا بعينه حتى يخاطَب بما هو عنده يقيني من المقدمات، أو مشهور أو مسلم[5]. صاحب الخلوة يصاب بتوهمات ثلاثة: أحدها: أن يعتقد في نفسه أنه أكمل الناس استعدادًا. والثاني: أن يتوهم في شيخه أنه أكمل من على وجه الأرض. والثالث: أنه يتوهم أنه يصل إلى مطلوبه بدون سبب، وأكثر اعتماده على القوة الوهمية؛ فقد تعمل الأوهام أعمالًا لكنها باطلة، كالمشيخة الذين لم يسلكوا الطرق الشرعية النبوية، نظرًا أو عملًا، بل سلكوا الصابئية[6]. الغالب على أهل القياس من أهل المتفلسفة المعارف السلبية في جانب الربوبية: ثم لم يقتصروا على مقدار ما يعلمه العقل من القياس بل تعدوا ذلك، فنفوا أشياء مشبهة القياس الفاسد، مثل نفي الصفات النبوية الخبرية، بل ونفي الفلاسفة والمعتزلة للصفات التي يثبتها متكلمو أهل الإثبات، ويسمونها الصفات العقلية، لإثباتهم إياها بالقياس العقلي. ومعلوم أن العقل لا ينفي بالقياس إلا القدر المشترك، الذي هو مدلول القضية الكلية التي لا بد منها في القياس، مثل أن ينفي الإرادة أو الرحمة أو العلم المشترك بين مسميات هذا الاسم، والقدر المشترك في المخلوقين تلحقه صفات لا تثبت لله تعالى، فينفون المعنى المشترك المطلق على صفات الحق وصفات الخلق- تبعًا لانتفاء ما يختص به الخلق- فيعطلون، كما أن أهل التمثيل يثبتون ما يختص به الخلق- تبعًا للقدر المشترك- وكلاهما قياس خطأ[7]. الكافر لا يتصور الرسالة لذا هو غافل: فإن حال الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أو لا، فإن لم يتصورها فهو في غفلة عنها وعدم إيمان بها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]، وقال: ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 136]، لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، فلهذا قرن التكذيب بالغفلة، وإن تصور ما جاء به الرسول وانصرف فهو معرض عنه كما قال تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ [طه: 123، 124]، وكما قال: ﴿ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: 61]، وكما قال: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ [البقرة: 170][8]. العبد موجود لكن الله هو الذي جعله كذلك: فإن العبد موجود وثابت ليس بمعدوم منتفٍ، ولكن الله هو الذي جعله موجودًا ثابتًا وهذا هو دين المسلمين، أن كل ما سوى الله مخلوق لله موجود بجعل الله له وجودًا، فليس لشيء من الأشياء وجود إلا بإيجاد الله له، وهو باعتبار نفسه لا يستحق إلا العدم[9]. القول بأن الفعل لله حقيقة وللعبد مجاز قول باطل: وأما قوله: "فالفعل لله حقيقة وللعبد مجاز"، فهذا كلام باطل، بل العبد هو المصلي الصائم الحاج المعتمر المؤمن، وهو الكافر الفاجر القاتل الزاني السارق حقيقة، والله تعالى لا يوصف بشيء من هذه الصفات، بل هو منزَّه عن ذلك، لكنه هو الذي جعل العبد فاعلًا لهذه الأفعال، فهذه مخلوقاته ومفعولاته حقيقة، وهي فعل العبد أيضًا حقيقةً. ولكن طائفة من أهل الكلام المثبتين للقدر ظنوا أن الفعل هو المفعول، والخلق هو المخلوق، فلما اعتقدوا أن أفعال العباد مخلوقة مفعولة لله قالوا: فهي فعله، فقيل لهم مع ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا؛ فمنهم من قال: هي كسبه لا فعله، ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق. ومنهم من قال: بل هي فعل بين فاعلين. ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات الفعل، والعبد فعل صفاته. والتحقيق ما عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق بين الفعل والمفعول، والخلق والمخلوق؛ فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله، وليس ذلك نفس خلقه وفعله؛ بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به، ليست قائمة بالله ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله، كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعلٌ لهذه الأفعال وهو المتصف بها، وله عليها قدرة وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوقٌ لله، فهي فعل العبد ومفعولة للرب؛ لكن هذه الصفات لم يخلقها الله بتوسط قدرة العبد ومشيئته، بخلاف أفعاله الاختيارية فإنه خلقها بتوسط خلقه لمشيئة العبد وقدرته، كما خلق غير ذلك من المسببات بواسطة أسباب أخر، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع، ولكن هذا قدر ما وسعته هذه الورقة والله أعلم[10]. السلف اتفقوا على أن الخالق بائن من مخلوقاته، وكفروا الطوائف التي اعتقدت غير ذلك: وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الخالق تعالى بائنٌ من مخلوقاته، ليس في ذاته شيء من مخلوقاته ولا في مخلوقاته شيء من ذاته. والسلف والأئمة كفروا الجهمية لما قالوا: إنه في كل مكان، وكان مما أنكروه عليهم: أنه كيف يكون في البطون والحشوش والأخلية؟ تعالى الله عن ذلك. فكيف بمن يجعله نفس وجود البطون والحشوش والأخلية والنجاسات والأقذار؟ واتفق سلف الأمة وأئمتها أن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وقال من قال من الأئمة: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهًا. وأين المشبهة المجسمة من هؤلاء؟ فإن هؤلاء غاية كفرهم أن يجعلوه مثل المخلوقات، لكن يقولون: هو قديم وهي محدثة، وهؤلاء جعلوه عين المخلوقات، وجعلوه نفس الأجسام المصنوعات، ووصفوه بجميع النقائص والآفات التي يوصف بهما كل كافر وكل فاجر، وكل شيطان وكل سبع، وكل حية من الحيات، فتعالى الله عن إفكهم وضلالهم وسبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرًا. والله تعالى ينتقم لنفسه ولدينه ولكتابه ولرسوله ولعباده المؤمنين منهم[11]. المعدوم ليس في نفسه شيئًا: والذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة عقلاء بني آدم من جميع الأصناف أن المعدوم ليس في نفسه شيئًا، وأن ثبوته ووجوده وحصوله شيء واحد، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع القديم، قال الله تعالى لزكريا: ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 9]، فأخبر أنه لم يك شيئًا، وقال تعالى: ﴿ أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 67]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ [الطور: 35]. فأنكر عليهم اعتقاد أن يكونوا خلقوا من غير شيء خلقهم، أم خلقوا هم أنفسهم؛ ولهذا قال جبير بن مطعم: "لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه السورة أحسست بفؤادي قد انصدع". ولو كان المعدوم شيئًا لم يتم الإنكار، إذا جاز أن يقال ما خلقوا إلا من شيء لكن هو معدوم، فيكون الخالق لهم شيئًا معدومًا. وقال تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ [مريم: 60]، ولو كان المعدوم شيئًا لكان التقدير: لا يظلمون موجودًا ولا معدومًا، والمعدوم لا يتصور أن يظلموه فإنه ليس لهم. وأما قوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ [الحج: 1]، فهو إخبار عن الزلزلة الواقعة أنها شيء عظيم، ليس إخبارًا عن الزلزلة في هذه الحال؛ ولهذا قال: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ﴾ [الحج: 2]، ولو أريد به الساعة لكان المراد به أنها شيء عظيم في العلم والتقدير. وقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40]، قد استدل به من قال: المعدوم شيء، وهو حجة عليه؛ لأنه أخبر أنه يريد الشيء وأنه يكوِّنه، وعندهم أنه ثابت في العدم وإنما يراد وجوده لا عينه ونفسه، والقرآن قد أخبر أن نفسه تراد وتكون، وهذا من فروع هذه المسألة. فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة وعامة العقلاء أن الماهيات مجعولة، وأن ماهية كل شيء عين وجوده، وأنه ليس وجود الشيء قدرًا زائدًا على ماهيته، بل ليس في الخارج إلا الشيء الذي هو الشيء، وهو عينه ونفسه وماهيته وحقيقته، وليس وجوده وثبوته في الخارج زائدًا على ذلك[12]. الوجود مشترك وحقيقته ليس فيها اشتراك: وأولئك يقولون: الوجود قدر زائد على الماهية، ويقولون: الماهيات غير مجعولة، ويقولون: وجود كل شيء زائد على ماهيته، ومن المتفلسفة من يفرق بين الوجود والواجب والممكن، فيقول: الوجود الواجب عين الماهية. وأما الوجود الممكن فهو زائد على الماهية. وشبهة هؤلاء ما تقدم من أن الإنسان قد يعلم ماهية الشيء ولا يعلم وجوده، وأن الوجود مشترك بين الموجودات وماهية كل شيء مختصة به. ومن تدبر تبين له حقيقة الأمر، فإنَّا قد بينَّا الفرق بين الوجود العلمي والعيني، وهذا الفرق ثابت في الوجود والعين والثبوت والماهية وغير ذلك، فثبوت هذه الأمور في العلم والكتاب والكلام ليس هو ثبوتها في الخارج عن ذلك، وهو ثبوت حقيقتها وماهيتها التي هي هي، فالإنسان إذا تصور ماهية فقد علم وجودها الذهني، ولا يلزم من ذلك الوجود الحقيقي الخارجي. فقول القائل: قد تصورت حقيقة الشيء وعينه ونفسه وماهيته وما علمت وجوده، أو حصل وجوده العلمي وما حصل وجوده العيني الحقيقي، ولم يعلم ماهيته الحقيقية ولا عينه الحقيقية ولا نفسه الحقيقية الخارجية، فلا فرق بين لفظ وجوده ولفظ ماهيته؛ إلا أن أحد اللفظين قد يعبر به عن الذهني، والآخر عن الخارجي، فجاء الفرق من جهة المحل لا من جهة الماهية والوجود. وأما قولهم: إن الوجود مشترك والحقيقة لا اشتراك فيها، فالقول فيه كذلك، فإن الوجود المعين الموجود في الخارج لا اشتراك فيه، كما أن الحقيقة المعينة الموجودة في الخارج لا اشتراك فيها؛ وإنما العلم يدرك الموجود المشترك، كما يدرك الماهية المشتركة، فالمشترك ثبوته في الذهن لا في الخارج، وما في الخارج ليس فيه اشتراك ألبتة، والذهن إن أدرك الماهية المعينة الموجودة في الخارج لم يكن فيها اشتراك، وإنما الاشتراك فيما يدركه من الأمور المطلقة العامة، وليس في الخارج شيء مطلق عام بوصف الإطلاق والعموم، وإنما فيه المطلق لا بشرط الإطلاق، وذلك لا يوجد في الخارج إلا معينًا[13]. الضلال والحيرة مما ذمه الله في القرآن: وأما الضلال والحيرة فما مدح الله ذلك قط، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "زدني فيك تحيرًا"، ولم يروِ هذا الحديث أحد من أهل العلم بالحديث، ولا هو في شيء من كتب الحديث، ولا في شيء من كتب من يعلم الحديث، بل ولا من يعرف الله ورسوله. وكذلك احتجاجه بقوله: ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾ [البقرة: 20]، وإنما هذا حال المنافقين المرتدين؛ فإن الضلال والحيرة مما ذمه الله في القرآن، قال الله تعالى في القرآن: ﴿ قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ ﴾ [الأنعام: 71] الآية. وهكذا يريد هؤلاء الضالون المتحيرون أن يفعلوا بالمؤمنين، يريدون أن يدعوا من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، وهي المخلوقات والأوثان والأصنام وكل ما عبد من دون الله، ويريدون أن يردوا المؤمنين على أعقابهم، يردونهم عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، ويصيروا حائرين ضالين: ﴿ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ﴾ [الأنعام: 71]، وقال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ ﴾ [الأنعام: 110] إلى قوله: ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: 110]؛ أي: يحارون، وقال تعالى: ﴿ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ [التوبة: 45]، وقال تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [الفاتحة: 6، 7]، فأمر بأن نسأله هداية الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، المغايرين للمغضوب عليهم وللضالين، وهؤلاء يذمون الصراط المستقيم ويمدحون طريق أهل الضلال والحيرة مخالفة لكتب الله ورسله، ولما فطر الله عليه عباده من العقول والألباب[14]. كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد إلا الرسول صلى الله عليه وسلم: اتفق المسلمون على أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا متفاضلين في الهدى والنور والإصابة؛ ولهذا كان الصديق أفضل من المحدث؛ لأن الصديق يأخذ من مشكاة النبوة، فلا يأخذ إلا شيئًا معصومًا محفوظًا. وأما المحدث فيقع له صواب وخطأ، والكتاب والسنة تميز صوابه من خطئه؛ وبهذا صار جمع الأولياء مفتقرين إلى الكتاب والسُّنَّة، لا بد لهم أن يزنوا جميع أمورهم بآثار الرسول، فما وافق آثار الرسول فهو الحق، وما خالف ذلك فهو باطل وإن كانوا مجتهدين فيه، والله تعالى يثيبهم على اجتهادهم ويغفر لهم خطأهم. ومعلومٌ أن السابقين الأولين أعظم اهتداءً واتباعًا للآثار النبوية، فهم أعظم إيمانًا وتقوًى، وأما آخر الأولياء فلا يحصل له مثل ما حصل لهم[15]. تكليم الله لعباده على ثلاثة أوجه: وتكليم الله لعباده على ثلاثة أوجه: من وراء حجاب؛ كما كلَّم موسى. وبإرسال رسول كما أرسل الملائكة إلى الأنبياء. وبالإيحاء، وهذا فيه للولي نصيب. وأما المرتبتان الأوليان فإنهما للأنبياء خاصة، فالأولياء الذين قامت عليهم الحجة بالرسل لا يأخذون علم الدين إلا بتوسط رسل الله إليهم، ولو لم يكن إلا عرضه على ما جاء به الرسول، ولن يصلوا في أخذهم عن الله إلى مرتبة نبي أو رسول، فكيف يكونون آخذين عن الله بلا واسطة، ويكون هذا الأخذ أعلى وهم لا يصلون إلى مقام تكليم موسى، ولا إلى مقام نزول الملائكة عليهم كما نزلت على الأنبياء؟ وهذا دين المسلمين واليهود والنصارى[16]. فصل في بعض ما يظهر به كفر الاتحادية وفساد عقولهم: وذلك من وجوه، أحدها: أن حقيقة قولهم: إن الله لم يخلق شيئًا ولا ابتدعه ولا برأه ولا صوره؛ لأنه إذا لم يكن وجود إلا وجوده، فمن الممتنع أن يكون خالقًا لوجود نفسه، أو بارئًا لذاته، فإن العلم بذلك من أبين العلوم وأبداها للعقول إن الشيء لا يخلق نفسه؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ [الطور: 35]، فإنهم يعلمون أنهم لم يكونوا مخلوقين من غير خالق، ويعلمون أن الشيء لا يخلق نفسه، فتعين أن لهم خالقًا. وعند هؤلاء الكفار الملاحدة الفرعونية أنه ما ثم شيء يكون الرب قد خلقه أو برأه أو أبدعه إلا نفسه المقدسة، ونفسه المقدسة لا تكون إلا مخلوقة مربوبة مصنوعة مبروءة؛ لامتناع ذلك في بَدَائِه العقول، وذلك من أظهر الكفر عند جميع أهل الملل والآراء. وأما على رأي صاحب الفصوص فما ثم إلا وجوده، والذوات الثابتة في العدم الغنية عنه، ووجوده لا يكون مخلوقًا، والذوات غنية عنه، فلم يخلق الله شيئًا. الثاني: أن عندهم أن الله ليس رب العالمين ولا مالك الملك؛ إذ ليس إلا وجوده وهو لا يكون رب نفسه، ولا يكون الملك المملوك، هو الملك المالك، وقد صرحوا بهذا الكفر مع تناقضه وقالوا: إنه هو ملك الملك بناءً على أن وجوده مفتقر إلى ذوات الأشياء، وذوات الأشياء مفتقرة إلى وجوده، فالأشياء مالكة لوجوده فهو ملك الملك. الثالث: أن عندهم أن الله لم يرزق أحدًا شيئًا، ولا أعطى أحدًا شيئًا، ولا رحم أحدًا، ولا أحسن إلى أحدٍ، ولا هدى أحدًا، ولا أنعم على أحد نعمةً، ولا علم أحدًا علمًا، ولا علَّم أحدًا البيان، وعندهم في الجملة: لم يصل منه إلى أحد لا خير ولا شر، ولا نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا إضلال أصلًا، وأن هذه الأشياء جميعها عين نفسه ومحض وجوده، فليس هناك غير يصل إليه، ولا أحد سواه ينتفع بها، ولا عبد يكون مرزوقًا أو منصورًا أو مهديًّا. ثم على رأي صاحب الفصوص: أن هذه الذوات ثابتة في العدم، والذوات هي أحسنت وأساءت ونفعت وضرت، وهذا عنده سر القدر. وعلى رأي الباقين ما ثم ذات ثابتة غيره أصلًا، بل هو ذام نفسه بنفسه، ولا عن نفسه بنفسه، وقاتل نفسه بنفسه، وهو المرزوق المضروب المشتوم، وهو الناكح والمنكوح، والآكل والمأكول، وقد صرحوا بذلك تصريحًا بينًا. الرابع: أن عندهم أن الله هو الذي يركع ويسجد، ويخضع ويعبد، ويصوم ويجوع، ويقوم وينام، وتصيبه الأمراض والأسقام، وتبتليه الأعداء ويصيبه البلاء، وتشتد به اللَّأْواء، وقد صرحوا بذلك؛ وصرحوا بأن كل كرب يصيب النفوس فإنه هو الذي يصيبه الكرب، وأنه إذا نفس الكرب فإنما يتنفَّس عنه، ولهذا كره بعض هؤلاء- الذين هم من أكفر خلق الله وأعظمهم نفاقًا وإلحادًا وعتوًّا على الله وعنادًا- أن يصبر الإنسان على البلاء؛ لأن عندهم أنه هو المصاب المبتلى. وقد صرحوا بأنه موصوف بكل نقص وعيب، فإنه ما ثم من يتصف بالنقائص والعيوب غيره؛ فكل عيب ونقص وكفر وفسوق في العالم فإنه هو المتصف به لا متصف به غيره؛ كلهم متفقون على هذا في الوجود. ثم صاحب الفصوص يقول: إن ذلك ثابت في العدم، وغيره يقول: ما ثم سوى وجود الحق الذي هو متصف بهذه المعايب والمثالب. الخامس: أن عندهم أن الذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، والذين عبدوا ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، والذين عبدوا الشعرى، والنجم والشمس والقمر، والذين عبدوا المسيح وعزيرًا والملائكة وسائر من عبد الأوثان والأصنام من قوم نوح وعاد وثمود، وقوم فرعون وبني إسرائيل وسائر المشركين من العرب؛ ما عبدوا إلا الله، ولا يتصور أن يعبدوا غير الله، وقد صرحوا بذلك في مواضع كثيرة مثل قول صاحب الفصوص في فص الكلمة النوحية. السادس: أن عندهم أن دعوة العباد إلى الله مكر بهم، كما صرح به حيث قال: إن الدعوة إلى الله مكر بالمدعو، فإنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية، وقال أيضًا صاحب الفصوص: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴾ [الحج: 34] الذين خبت نار طبيعتهم، فقالوا: إلهًا ولم يقولوا طبيعة: ﴿ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ﴾ [نوح: 24]؛ أي: حيروهم في تعداد الواحد بالوجوه والنسب، ﴿ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ ﴾ [نوح: 24] لأنفسهم المصطفين الذين أورثوا الكتاب، فهم أول الثلاثة فقدمه على المقتصد والسابق، ﴿ إِلَّا ضَلَالًا ﴾ [نوح: 24]؛ أي: إلا حيرة، وفي المحمدي: زدني فيك تحيرًا. ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ﴾ [البقرة: 20] له فالمحير له الدور والحركة الدورية حول القطب فلا يبرح منه، وصاحب الطريق المستطيل مائل خارج عن المقصود، طالب ما هو فيه صاحب خيال إليه غايته فله "من" و "إلى" وما بينهما، وصاحب الحركة الدورية لا بدء له فيلزمه "من"، ولا غاية فتحكم عليه "إلى" فله الوجود الأتم، وهو المؤتي جوامع الكلم؛ اهـ. السابع: أن عندهم من يدعي الإلهية من البشر؛ كفرعون والدجَّال المنتظر، أو ادعيت فيه وهو من أولياء الله نبيًّا كالمسيح، أو غير نبي؛ كعلي، أو ليس من أولياء الله؛ كالحاكم بمصر وغيرهم، فإنه عند هؤلاء الملاحدة المنافقين يصحح هذه الدعوى. وقد صرح صاحب الفصوص بتصحيح هذه الدعوى؛ كدعوى فرعون، وهم كثيرًا ما يعظمون فرعون، فإنه لم يتقدم لهم رأس في الكفر مثله، ولا يأتي متأخر لهم مثل الدجَّال الأعور الكذَّاب، وإذا نافقوا المؤمنين وأظهروا الإيمان قالوا: إنه مات مؤمنًا، وأنه لا يدخل النار، وقالوا: ليس في القرآن ما يدل على دخوله النار[17]. [1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج2، ص1-5. [2] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص15-16. [3] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص20-23. [4] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص34-35. [5] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص44-47. [6] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص58. [7] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص62. [8] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص78. [9] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص115. [10] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص119-120. [11] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص126. [12] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص155-156. [13] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص157-158. [14] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص202-203. [15] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص227. [16] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص228-229. [17] انظر: مجموع الفتاوى، ج2، ص248-268. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]()
|
لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية سائد بن جمال دياربكرلي (توحيد الربوبية - 2) ليس في القدر لابن آدم حجة ولا عذر: وليس في القدر حجة لابن آدم ولا عذر، بل القدر يؤمن به ولا يحتج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين، متناقض، فإن القدر إن كان حجة وعذرًا لزم ألَّا يُلام أحد، ولا يعاقب ولا يقتص منه، وحينئذٍ فهذا المحتج بالقدر يلزمه - إذا ظُلم في نفسه وماله وعرضه وحرمته - ألَّا ينتصر من الظالم ولا يغضب عليه ولا يذمه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن أحدًا أن يفعله، فهو ممتنع طبعًا محرم شرعًا. ولو كان القدر حجة وعذرًا لم يكن إبليس ملومًا ولا معاقبًا، ولا فرعون وقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الكفار، ولا كان جهاد الكفار جائزًا، ولا إقامة الحدود جائزًا، ولا قطع السارق ولا جلد الزاني ولا رجمه ولا قتل القاتل ولا عقوبة معتدٍ بوجه من الوجوه. ولما كان الاحتجاج بالقدر باطلًا في فطر الخلق وعقولهم لم تذهب إليه أمة من الأمم، ولا هو مذهب أحد من العقلاء الذين يطردون قولهم، فإنه لا يستقيم عليه مصلحة أحد لا في دنياه ولا آخرته، ولا يمكن اثنان أن يتعاشرا ساعة واحدة إن لم يكن أحدهما ملتزمًا مع الآخر نوعًا من الشرع، فالشرع نور الله في أرضه وعدله بين عباده[1]. من احتج بالقدر على ترك المأمور أو الجزع من المقدور فقد عكس الدين والإيمان: فمن احتج بالقدر على ترك المأمور وجزع من حصول ما يكرهه من المقدور فقد عكس الإيمان والدين، وصار من حزب الملحدين المنافقين، وهذا حال المحتجين بالقدر، فإن أحدهم إذا أصابته مصيبة عظم جزعه وقل صبره، فلا ينظر إلى القدر ولا يسلم له، وإذا أذنب ذنبًا أخذ يحتج بالقدر، فلا يفعل المأمور ولا يترك المحظور ولا يصبر على المقدور، ويدعي مع هذا أنه من كبار أولياء الله المتقين، وأئمة المحققين الموحدين، وإنما هو من أعداء الله الملحدين، وحزب الشيطان اللعين، وهذا الطريق إنما يسلكه أبعد الناس عن الخير والدين والإيمان، تجد أحدهم أجبر الناس إذا قدر، وأعظمهم ظلمًا وعدوانًا، وأذل الناس إذا قُهر، وأعظمهم جزعًا ووهنًا، كما جربه الناس من الأحزاب البعيدين عن الإيمان بالكتاب والمقاتلة من أصناف الناس. والمؤمن إن قدر عدل وأحسن، وإن قهر وغلب صبر واحتسب، كما قال كعب بن زهير في قصيدته التي أنشدها للنبي صلى الله عليه وسلم - التي أولها بانت سعاد... إلخ - في صفة المؤمنين: ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم يومًا ![]() وليسوا مجازيعًا إذا نيلوا ![]() ![]() ![]() وسئل بعض العرب عن شيء من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((رأيته يَغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر))، وقد قال تعالى: ﴿ قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 120]، وقال تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل عمران: 186]، فذكر الصبر والتقوى في هذه المواضع الأربعة، فالصبر يدخل فيه الصبر على المقدور، والتقوى يدخل فيها فعل المأمور وترك المحظور[2]. الرد من كتاب الله على أهل الاتحاد: فقول القائل: "إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق" كفر صريح، لا سيما إذا دخل في ذلك كل عبد مخلوق، وأما إذا أراد بذلك عباد الله المؤمنين وأولياءه المتقين، فهؤلاء يحبهم ويحبونه ويوافقونه فيما يحبه ويرضاه ويأمر به، فقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، ولما رضوا ما يرضى وسخطوا ما يسخط، كان الحق يرضى لرضاهم ويغضب لغضبهم، إذ ذلك متلازم من الطرفين. ولا يقال في أفضل هؤلاء: "إن الرب والعبد شيء واحد ليس بينهما فرق"، لكن يقال لأفضل الخلق؛ كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ [الفتح: 10]، وقال: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، وقال: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ [التوبة: 62]، وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [الأحزاب: 57]، وأمثال ذلك، وأما سائر العباد فإن الله خالقهم ومالكهم وربهم، وخالق قدرتهم وأفعالهم، ثم ما كان من أفعالهم موافقًا لمحبته ورضاه كان محبًّا لأهله مكرمًا لهم، وما كان منها مما يسخطه ويكرهه كان مبغضًا لأهله مهينًا لهم. وأفعال العباد مفعولة مخلوقة لله، ليست صفةً له ولا فعلًا قائمًا بذاته، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]، فمعناه: وما أوصلت إذ حذفت ولكن الله أوصل المرمي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد رمى المشركين بقبضة من تراب وقال: شاهت الوجوه، فأوصلها الله إلى وجوه المشركين وعيونهم، وكانت قدرة النبي صلى الله عليه وسلم عاجزة عن إيصالها إليهم، والرمي له مبدأ وهو الحذف، ومنتهى وهو الوصول؛ فأثبت الله لنبيه المبدأ بقوله: ﴿ إِذْ رَمَيْتَ ﴾ [الأنفال: 17] ونفى عنه المنتهى وأثبته لنفسه بقوله: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]، وإلا فلا يجوز أن يكون المثبت عين المنفي، فإن هذا تناقض. والله تعالى - مع أنه هو خالق أفعال العباد - فإنه لا يصف نفسه بصفة من قامت به تلك الأفعال؛ فلا يسمي نفسه مصليًا ولا صائمًا ولا آكلًا ولا شاربًا، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا[3]. لا بد من قيام قلب المؤمن بمعرفة الله والمحبة له: وهو أن المؤمن لا بد أن يقوم بقلبه من معرفة الله والمحبة له ما يوجب أن يكون للمعروف المحبوب في قلبه من الآثار ما يشبه الحلول من بعض الوجوه، لا أنه حلول ذات المعروف المحبوب، لكن هو الإيمان به ومعرفة أسمائه وصفاته؛ قال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾ [النور: 35]؛ الآية، قال أبي بن كعب: "مثل نوره في قلب المؤمن"، فهذه هي الأنوار التي تحصل في قلوب المؤمنين، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ [المائدة: 5]، إنه الكفر بذلك؛ فإن من كفر بالإقرار الذي هو التصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله، والإسلام له المتضمن للاعتقاد والانقياد لإيجاب الواجبات وتحريم المحرمات وإباحة المباحات فهو كافر؛ إذ المقصود لنا من إنزال الكتب وإرسال الرسل هو حصول الإيمان لنا، فمن كفر بهذا فهو كافر بذاك وهذا قد يسمى المثل والمثال، لأنه قد يقال: إن العلم مثال المعلوم في العالم، وكذلك الحب يكون فيه تمثيل المحبوب في المحب، ثم من الناس من يدعي أن كل علم وكل حب ففيه هذا المثال، كما يقوله قوم من المتفلسفة، ومنهم من ينكر حصول شيء من هذا المثال في شيء من العلم والحب[4]. هل في تقرب العبد لله حركة إلى الله؟ قد تحصل حركة بدن العبد إلى بعض الأمكنة المشرفة التي يظهر فيها الإيمان بالله من معرفته وذكره وعبادته، كالحج إلى بيته والقصد إلى مساجده، ومنه قول إبراهيم: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الصافات: 99]، وأما حركة روحه إلى مثل السماوات وغيرها من الأمكنة فأقر به جمهور أهل الإسلام، وأنكره الصابئة الفلاسفة المشاؤون ومن وافقهم، وحركة روحه أو بدنه إلى الله أقر بها أهل الفطرة وأهل السنة والجماعة، وأنكرها كثير من أهل الكلام[5]. الذاتان المتميزتان لا تتحد عين إحداهما بعين الأخرى إلا إذا أصبحتا ذاتًا ثالثة: فإن الذاتين المتميزتين لا تتحد عين إحداهما بعين الأخرى، ولا عين صفتها بعين صفتها إلا إذا استحالتا بعد الاتحاد إلى ذات ثالثة، كاتحاد الماء واللبن؛ فإنهما بعد الاتحاد شيء ثالث، وليس ماءً محضًا ولا لبنًا محضًا، وأما اتحادهما وبقاؤهما بعد الاتحاد على ما كانا عليه فمحال، ومن هنا يُعلم أن الله لا يمكن أن يتحد بخلقه، فإن استحالته محال، وإنما تتحد الأسباب والأحكام في العين، وتتحد الأسماء والصفات في النوع، مثل المتحاربين المتخالين الذين صار أحدهما يحب عين ما يحبه الآخر ويبغض ما يبغضه، ويتنعم بما يتنعم به ويتألم بما يتألم به، وهذا فيه مراتب ودرجات لا تنضبط، فأسماؤهما وصفاتهما صارتا من نوع واحد[6]. في معنيين هما حقيقة الدين واليقين والإيمان: أما الأول (وهو كون الله في قلبه بالمعرفة والمحبة): فهذا فرض على كل أحد ولا بد لكل مؤمن منه؛ فإن أدى واجبه فهو مقتصد، وإن ترك بعض واجبه فهو ظالم لنفسه، وإن تركه كله فهو كافر بربه. وأما الثاني (وهو موافقة ربه فيما يحبه ويكرهه، ويرضاه ويسخطه): فهذا على الإطلاق إنما هو للسابقين المقربين الذين تقربوا إلى الله بالنوافل - التي يحبها ولم يفرضها - بعد الفرائض التي يحبها ويفرضها ويعذب تاركها، ولهذا كان هؤلاء - لما أتوا بمحبوب الحق من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة المنتظمة للمعارف والأحوال والأحمال - أحبهم الله تعالى فقال: ((ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه))، فعلوا محبوبه فأحبهم، فإن الجزاء من جنس العمل، مناسب له مناسبة المعلول لعلته، ولا يتوهم أن المراد بذلك أن يأتي العبد بعين كل حركة يحبها الله، فإن هذا ممتنع، وإنما المقصود أن يأتي بما يقدر عليه من الأعمال الباطنة والظاهرة، والباطنة يمكنه أن يأتي منها بأكثر مما يأتي به من الظاهرة، كما قال بعض السلف: "قوة المؤمن في قلبه، وضعفه في جسمه، وقوة المنافق في جسمه، وضعفه في قلبه"، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب))، وقال: ((إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا، إلا كانوا معكم حبسهم العذر))، وقال: ((فهما في الأجر سواء))، في حديث القادر على الإنفاق والعاجز عنه الذي قال: ((لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما عمل))، فإنهما لما استويا في عمل القلب - وكان أحدهما معذور الجسم - استويا في الجزاء؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا مرض العبد أو سافر كُتب له من العمل مثل ما كان يعمل وهو صحيح مقيم))[7]. الباطل نوعان: أحدهما: المعدوم، وإذا كان معدومًا كان اعتقاد وجوده والخبر عن وجوده باطلًا؛ لأن الاعتقاد والخبر تابع للمعتقد المخبر عنه، يصح بصحته ويبطل ببطلانه، فإذا كان المعتقد المخبر عنه باطلًا، كان الاعتقاد والخبر كذلك، وهو الكذب. الثاني: ما ليس بنافع ولا مفيد؛ كقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ﴾ [ص: 27]، وكقول النبي: ((كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق))، وقوله عن عمر: ((إن هذا رجل لا يحب الباطل))، وما لا منفعة فيه فالأمر به باطل، وقصده وعمله باطل، إذ العمل به والقصد إليه والأمر به باطل. ومن هذا قول العلماء: العبادات والعقود تنقسم إلى صحيح وباطل. فالصحيح: ما ترتب عليه أثره وحصل به مقصوده. والباطل: ما لم يترتب عليه أثره ولم يحصل به مقصوده. ولهذا كانت أعمال الكفار باطلًا؛ فإن الكافر من جهة كونه كافرًا يعتقد ما لا وجود له ويخبر عنه، فيكون ذلك باطلًا، ويعبد ما لا تنفعه عبادته ويعمل له ويأمر به، فيكون ذلك أيضًا باطلًا[8]. اتحاد الذات بالذات باطل: وأما اتحاد ذات العبد بذات الرب، بل اتحاد ذات عبد بذات عبد، أو حلول حقيقة في حقيقة كحلول الماء في الوعاء فهذا باطل قطعًا، بل ذلك باطل في العبد مع العبد، فإنه لا تتحد ذاته بذاته، ولا تحل ذات أحدهما في ذات الآخر، وهذا هو الذي وقعت فيه الاتحادية والحلولية من النصارى وغيرهم من غالية هذه الأمة وغيرها، وهو اتحاد متجدد بين ذاتين كانتا متميزتين فصارتا متحدتين، أو حلول إحداهما في الأخرى فهذا بين البطلان، وأبطل منه قول من يقول: "ما زال واحدًا وما ثم تعدد أصلًا وإنما التعدد في الحجاب، فلما انكشف الأمر رأيت أني أنا وكل شيء هو الله، سواء قال بالوحدة مطلقًا، أو بوحدة الوجود المطلق دون المعين، أو بوحدة الوجود دون الأعيان الثابتة في العدم"، فهذه وما قبلها مذاهب أهل الكفر والضلال، كما أن الأولى مذهب أهل الإيمان والعلم والهدى، ومن كفر بالحق من ذلك أو آمن بالباطل فهما في طرفي نقيض كاليهود والنصارى، وأما المؤمنون فيؤمنون بحق ذلك دون باطله، وكتاب الله وسنة رسوله فيهما الهدى والنور، وفيهما بيان الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين[9]. حصول المحبة ليس من الحلول: وفي القرآن من ذكر الاصطفاء والاجتباء والتقريب والمناجاة والمناداة والخلة، ونحو ذلك، ما هو كثير، وكذلك في السنة، وهذا مما اتفق عليه قدماء أهل السنة والجماعة وأهل المعرفة والعبادة والعلم والإيمان، وخالف في حقيقته قوم من الملحدة المنافقين المضارعين للصابئين ومن وافقهم، والمضارعين لليهود والنصارى من الجهمية أو من فيه تجهم، وإن كان الغالب عليه السنة. فتارة ينكرون أن الله يخالل أحدًا أو يحب أحدًا أو يواد أحدًا أو يكلم أحدًا أو يتكلم، ويحرفون الكلم عن مواضعه، فيفسرون ذلك تارة بإحسانه إلى عباده، وتارة بإرادته الإحسان إليهم، وتارة ينكرون أن الله يحب أو يخالل، ويحرفون الكلم عن مواضعه في محبة العبد له بأنه إرادة طاعته أو محبته على إحسانه. وأما إنكار الباطل، فقد نزه الله نفسه عن الوالد والولد، وكفر من جعل له ولدًا أو والدًا أو شريكًا؛ فقال تعالى في السورة التي تعدل ثلث القرآن، التي هي صفة الرحمن، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل سورة من القرآن ما صح في فضلها، حتى أفرد الحفاظ مصنفات في فضلها كالدارقطني وأبي نعيم وأبي محمد الخلال، وأخرج أصحاب الصحيح فيها أحاديث متعددة، قال فيها: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1 - 4]، وعلى هذه السورة اعتماد الأئمة في التوحيد كالإمام أحمد والفضيل بن عياض وغيرهما من الأئمة قبلهم وبعدهم، فنفى عن نفسه الأصول والفروع والنظراء، وهي جماع ما ينسب إليه المخلوق من الآدميين والبهائم والملائكة والجن، بل والنبات ونحو ذلك[10]. نهي أهل الكتاب عن الغلو في الدين: فنهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين وعن أن يقولوا على الله إلا الحق، وذكر القول الحق في المسيح، ثم قال لهم: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [النساء: 171]؛ لأنهم كفروا بالله بتثليثهم، وكفروا برسله بالاتحاد والحلول، فكفروا بأصلي الإسلام العام: التي هي الشهادة لله بالوحدانية في الألوهية، والشهادة للرسل بالرسالة، وذكر أن المسيح والملائكة لا يستنكفون عن عبادته، لأن من الناس من جعل الملائكة أولاده كالمسيح، وعبدوا الملائكة والمسيح[11]. غلط من لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء، وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب وبين ثبوتها في الخارج: وإنما غلط هؤلاء من حيث لم يفرقوا بين علم الله بالأشياء قبل كونها - وأنها مثبتة عنده في أم الكتاب في اللوح المحفوظ - وبين ثبوتها في الخارج عن علم الله تعالى، فإن مذهب المسلمين أهل السنة والجماعة أن الله سبحانه وتعالى كتب في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق قبل أن يخلقها، فيفرقون بين الوجود العلمي وبين الوجود العيني الخارجي. ولهذا كان أول ما نزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم سورة: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5]، فذكر المراتب الأربع وهي: الوجود العيني الذي خلقه، والوجود الرسمي المطابق للفظي الدال على العلمي، وبين أن الله تعالى علمه، ولهذا ذكر التعليم بالقلم فإنه مستلزم للمراتب الثلاثة. وهذا القول - أعني قول من يقول: إن المعدوم شيء ثابت في نفسه خارج عن علم الله تعالى - وإن كان باطلًا ودلالته واضحة لكنه قد ابتدع في الإسلام من نحو أربعمائة سنة، وابن عربي وافق أصحابه وهو أحد أصلي مذهبه الذي في الفصوص[12]. سُئل عن الحلاج، وعمن قال: إنه يعتقد ما يعتقده الحلاج: سُئل شيخ الإسلام قدس الله روحه: ما تقول أئمة الإسلام في الحلاج؟ وفيمن قال: أنا أعتقد ما يعتقده الحلاج، ماذا يجب عليه؟ ويقول: إنه قتل ظلمًا كما قُتل بعض الأنبياء؟ ويقول: الحلاج من أولياء الله، فماذا يجب عليه بهذا الكلام؟ وهل قُتل بسيف الشريعة؟ فأجاب: الحمد لله، من اعتقد ما يعتقده الحلاج من المقالات التي قتل الحلاج عليها فهو كافر مرتد باتفاق المسلمين؛ فإن المسلمين إنما قتلوه على الحلول والاتحاد ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله، وقوله: إله في السماء وإله في الأرض، وقد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا إله إلا الله، وأن الله خالق كل شيء، وكل ما سواه مخلوق و: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ [النساء: 171] الآيات، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ [المائدة: 17] الآيتين، فالنصارى الذين كفرهم الله ورسوله واتفق المسلمون على كفرهم بالله ورسوله، كان من أعظم دعواهم الحلول والاتحاد بالمسيح ابن مريم، فمن قال بالحلول والاتحاد في غير المسيح - كما تقوله الغالية في علي وكما تقوله الحلاجية في الحلاج والحاكمية في الحاكم وأمثال هؤلاء - فقولهم شر من قول النصارى، لأن المسيح ابن مريم أفضل من هؤلاء كلهم. وهؤلاء من جنس أتباع الدجال الذي يدعي الإلهية ليتبع، مع أن الدجال يقول للسماء أمطري فتمطر، وللأرض أنبتي فتنبت، وللخربة أخرجي كنوزك فتخرج معه كنوز الذهب والفضة، ويقتل رجلًا مؤمنًا ثم يأمر به فيقوم، ومع هذا فهو الأعور الكذاب الدجال، فمن ادعى الإلهية بدون هذه الخوارق كان دون هذا الدجال، والحلاج كانت له مخاريق وأنواع من السحر، وله كتب منسوبة إليه في السحر، وبالجملة فلا خلاف بين الأمة أن من قال بحلول الله في البشر واتحاده به، وأن البشر يكون إلهًا، وهذا من الآلهة، فهو كافر مباح الدم، وعلى هذا قُتل الحلاج. ومن قال: إن الله نطق على لسان الحلاج، وأن الكلام المسموع من الحلاج كان كلام الله وكان الله هو القائل على لسانه: أنا الله، فهو كافر باتفاق المسلمين؛ فإن الله لا يحل في البشر، ولا تكلم على لسان بشر، ولكن يرسل الرسل بكلامه فيقولون عليه ما أمرهم ببلاغه، فيقول على ألسنة الرسل ما أمرهم بقوله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أما إن الله قال على لسان نبيه: سمع الله لمن حمده))، فإن كل واحد من المرسل والرسول قد يقال إنه يقول على لسان الآخر[13]. سُئل عمن يقول: ما ثم إلا الله، هل هو كافر؟ سُئل شيخ الإسلام وحجة الأنام أبو العباس ابن تيمية رضي الله عنه عمن يقول: إن ما ثَم إلا الله، فقال شخص كل من قال هذا الكلام فقد كفر. فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله، قول القائل: ما ثم إلا الله لفظ مجمل يحتمل معنًى صحيحًا ومعنًى باطلًا، فإن أراد ما ثم خالق إلا الله ولا رب إلا الله، ولا يجيب المضطرين ويرزق العباد إلا الله، فهو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل، وهو الذي يستحق أن يُستعان به ويتوكل عليه، ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه، فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد؛ كما قال تعالى في فاتحة الكتاب: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وقال تعالى: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]، وقال: ﴿ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ [الرعد: 30]، فهذه المعاني كلها صحيحة، وهي من صريح التوحيد وبها جاء القرآن، فالعباد لا ينبغي لهم أن يخافوا إلا الله؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ﴾ [المائدة: 44]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾ [آل عمران: 173، 174] إلى قوله: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ﴾ [آل عمران: 175]، وكذلك لا ينبغي ألَّا يُرجى إلا الله؛ قال الله تعالى: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [فاطر: 2] وقال تعالى: ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [الزمر: 38]، ولا ينبغي لهم أن يتوكلوا إلا على الله، كما قال تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [إبراهيم: 12]، ولا ينبغي لهم أن يعبدوا إلا الله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]، ولا يدعوا إلا الله، كما قال تعالى: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾ [الشعراء: 213]، سواء كان دعاء عبادة أو دعاء مسألة. وأما إن أراد القائل: ما ثم إلا الله، ما يقوله أهل الاتحاد من أنه ما ثم موجود إلا الله، ويقولون: ليس إلا الله، أي ليس موجود إلا الله، ويقولون: إن وجود المخلوقات هو وجود الخالق، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد، ونحو ذلك من معاني الاتحادية الذين لا يفرقون بين الخالق والمخلوق، ولا يثبتون المباينة بين الرب والعبد، ونحو ذلك من المعاني التي توجد في كلام ابن عربي الطائي وابن سبعين وابن الفارض والتلمساني ونحوهم من الاتحادية، وكذلك من يقول بالحلول، كما يقوله الجهمية الذين يقولون: إن الله بذاته في كل مكان، ويجعلونه مختلطًا بالمخلوقات، حتى إن هؤلاء يجعلونه في الكلاب والخنازير والنجاسات، أو يجعلون وجود ذلك وجوده، فمن أراد هذه المعاني فهو ملحد ضال يجب أن يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل، والله سبحانه وتعالى أعلم[14]. سُئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر))، فهل هذا موافق لما يقوله الاتحادية؟ بينوا لنا ذلك. فأجاب: الحمد لله، قوله: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)) مروي بألفاظ أخر، كقوله: ((يقول الله: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار))، وفي لفظ: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار))، وفي لفظ: ((يقول ابن آدم: يا خيبة الدهر، وأنا الدهر))، فقوله في الحديث: ((بيدي الأمر أقلب الليل والنهار)) يبين أنه ليس المراد به أنه الزمان، فإنه قد أخبر أنه يقلب الليل والنهار، والزمان هو الليل والنهار؛ فدل نفس الحديث على أنه هو يقلب الزمان ويصرفه، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 43، 44]، وإزجاء السحاب سوقه، والودق المطر، فقد بين سبحانه خلقه للمطر وإنزاله على الأرض، فإنه سبب الحياة في الأرض، فإنه سبحانه جعل من الماء كل شيء حي؛ ثم قال: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾ [النور: 44] إذ تقليبه الليل والنهار تحويل أحوال العالم، بإنزال المطر الذي هو سبب خلق النبات والحيوان والمعدن، وذلك سبب تحويل الناس من حال إلى حال، المتضمن رفع قوم وخفض آخرين. وقد أخبر سبحانه بخلقه الزمان في غير موضع، كقوله: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ [الأنعام: 1] وقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [الأنبياء: 33]، وقوله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62]، وقوله: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، وغير ذلك من النصوص التي تبين أنه خالق الزمان، ولا يتوهم عاقل أن الله هو الزمان؛ فإن الزمان مقدار الحركة، والحركة مقدارها من باب الأعراض والصفات القائمة بغيرها كالحركة والسكون والسواد والبياض، ولا يقول عاقل: إن خالق العالم هو من باب الأعراض والصفات المفتقرة إلى الجواهر والأعيان، فإن الأعراض لا تقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به، والمفتقر إلى ما يغايره لا يوجد بنفسه، بل بذلك الغير فهو محتاج إلى ما به في نفسه من غيره، فكيف يكون هو الخالق؟ ثم أن يستغني بنفسه وأن يحتاج إليه ما سواه، وهذه صفة الخالق سبحانه، فكيف يتوهم أنه من النوع الأول[15]. [1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج2 ص323. [2] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص326-327. [3] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص374-376. [4] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص383. [5] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص386. [6] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص387. [7] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص394-395. [8] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص415-416. [9] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص435-436. [10] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص437-438. [11] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص441-442. [12] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص470. [13] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص480-482. [14] انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص488-490. [15]انظر: مجموع الفتاوى، ج2 ص491-492. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| فوائد من مجموع الفتاوى (ابن تيمية) | امانى يسرى محمد | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 2 | 10-29-2025 11:28 PM |
| شيخ الإسلام بن تيمية يُسئل عن الشيعة الرافضة فيجيب ( أسئلة وأجوبة) | أبوالنور | قسم الفرق والنحل | 3 | 04-24-2025 07:56 AM |
| فوائد عقدية وفقهية وحديثية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية .... | السليماني | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 5 | 04-09-2025 05:18 PM |
| نظم ما انفرد به شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأئمة الأربعة | Abujebreel | ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية | 2 | 10-13-2018 04:18 PM |
| لقاء قصير جدا مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله | Abdulmohsin | قسم الفرق والنحل | 3 | 02-03-2013 08:29 AM |
|
|