استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 01-30-2026, 03:39 PM   #79

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 566 الى صـــ 585
الحلقة (79)




فائدة ثانية:
ليس في «صحيح البخاري» من اسمه شيبان غيره، وفي مسلم: هو وشيبان بن فروخ (١)، وفي أبي داود: شيبان أبو حذيفة القتباني (٢)، وليس في الكتب الستة غير ذَلِكَ.
ثالثها: في فوائده:
وقد تقدم جملة من معناه في حديث أبي شريح الخزاعي في باب: ليبلغ الشاهد الغائب، ونذكر هنا نبذًا منه:
الأولى: خزاعة قبيلة وكذا بنو ليث، وقد أسلفنا هناك أن المقتول كان في الجاهلية، فقتلوا هذا به.
وعند ابن إسحاق أنه بقتيل منهم قتلوه وهو مشرك. وذكر القصة:
وهو أن خراش بن أمية من خزاعة قتل ابن الأكوع الهذلي، وهو مشرك
بقتيل قتل في الجاهلية يقال له: أحمر، فقال النبي - ﷺ -: «يا معشر

-----------------------
(١) هو شيبان بن أبي شيبة الحبطي مولاهم، أبو محمد الأُبُلِّي قال أبو زرعة: صدوق.
وقال أبو حاتم: كان يرى القدر واضطر الناس إليه بأخرة وقال ابن حجر: صدوق يهم رمي بالقدر من التاسعة، ولد في حدود سنة أربعين ومئة ومات سنة ست وقيل: سنة خمس وثلاثين ومائتين.
انظر ترجمته في:»التاريخ الكبير«٤/ ٢٥٤ (٢٧١١)،»الجرح والتعديل«٤/ ٣٥٧ (١٥٦٢)،»تهذيب الكمال«١٢/ ٥٩٨ (٢٧٨٥)،»الكاشف«١/ ٤٩١ (٢٣١٧).
(٢) هو شيبان بن أمية ويقال: ابن قيس، القتباني، أبو حذيفة المصري، روى عن رويفع بن ثابت الأنصاري، وقال أبو سعيد بن يونس في»تاريخ مصر«: شهد فتح مصر. وذكره أبو عبد الله بن خلفون في»الثقات«وخرج الحاكم حديثه في»المستدرك«وقال ابن حجر: مجهول من الثالثة.
وانظر ترجمته في:»تهذيب الكمال«١٢/ ٥٩١ (٢٧٨٣)،»الكاشف«١/ ٤٩١ (٢٣١٥)، و»إكمال تهذيب الكمال" ٦/ ٣٠٧ (٢٤٢٥).



خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل ..» (١) الحديث كما ذكرناه هناك.
وقال الدارقطني فيه أنه - ﷺ - قَالَ: «لو كنتُ قاتِل مسلم بكافر لقتلت خراشًا بالهذلي» (٢). قَالَ بعضهم: لو كان القتل قبل الإسلام لهدر النبي - ﷺ - كما هدر دماء الجاهلية.
الثانية: «الفيل» هو بالفاء ثمَّ مثناة تحت، وشك أبو نعيم بينه وبين القتل -بالقاف ثم مثناة فوق كما سلف- وصوب الأول، والمراد بحبس الفيل أهله، ويجوز أن يكون المراد نفسه كما ورد في قصته كما هي مشهورة في السير والتفاسير (٣).
الثالثة: في خطبته - ﷺ - راكبًا دلالة عَلَى استحبابها في موضع عال منبرًا كان أو غيره، جمعة كانت أو غيرها.
الرابعة: استدل بالتسليط من يرى أن مكة فتحت عنوة، وأن التسليط وقع له - ﷺ - مقابل الحبس الذي وقع لأصحاب الفيل وهو الحبس عن القتال، وقد تقدمت المسألة في الحديث المشار إليه قريبًا.
قَالَ ابن بطال: ولا خلاف أنه - ﷺ - منَّ عَلَى أهل مكة وعفا عن أموالهم (٤).

-----------------------
(١) سبق تخريجه عند ابن إسحاق.
(٢) «سنن الدارقطني» ٣/ ١٣٧ (١٧٠).
(٣) انظر: في ذلك «المغازي» لابن إسحاق ص ٣٨ باب: حديث الفيل. و«أخبار مكة» للأزرقي ١/ ١٣٤ وما بعدها باب: ذكر مبتدأ حديث الفيل، و«البداية والنهاية» لابن كثير ٢/ ٥٦٥ وما بعدها. و«تفسير الطبري» ١٢/ ٦٩١ - ٦٩٩ تفسر سورة الفيل. و«تفسير ابن أبي حاتم» ١٠/ ٣٤٦٤ - ٣٤٦٦. تفسير سورة الفيل. و«زاد المسير في علم التفسير» ٩/ ٢٣١ - ٢٣٧. تفسير سورة الفيل.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٧.



وذهب مالك والكوفيون إلى أن الغنائم لا تملك ملكًا مستقرًا بنفس الغنيمة، بل للإمام أن يمنَّ ويعفو عن جملة الغنائم كما منَّ عَلَى الأسارى وهم من جملة الغنائم.
الخامسة: قَالَ الطحاوي: الذي أحل له - ﷺ - وخص به دخوله مكة بغير إحرام، ولا يجوز لأحد يدخله بعده بدونه (١).
وهو قول ابن عباس، والقاسم، والحسن البصري، وأبي حنيفة، وصاحبيه (٢)، ولمالك (٣) والشافعي (٤) قولان فيمن لم يرد الحج والعمرة. وقال الطبري: الذي أحل لَهُ قتال أهلها ومحاربتهم. وقد سلف شيء من ذَلِكَ في الحديث المشار إليه.
السادسة: قوله: («ولَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا») هو بمعنى: «لا يعضد» وقد سلف هناك يقال: خليت الخلا أخليه: إِذَا قطعته، والخلا بفتح الخاء مقصور: الرطب من الكلأ.
السابعة: قوله: «وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» وجاء: «ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» (٥). وجاء: «ولا تلتقط لقطتها إلا من عرفها» (٦).
والمنشد: المعرف. وأما الطالب فيقال له: ناشد. يقال: نشدت الضالة إِذَا طلبتها، وأنشدتها إِذَا عرفتها.
وأصل الإنشاد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر. والمعنى عَلَى هذا:

----------------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٣/ ٣٢٩.
(٢) «تبيين الحقائق» ٢/ ٧.
(٣) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٨٣١ - ٨٣٢، «حاشية الدسوقي» ٢/ ٢٥.
(٤) انظر: «البيان» ٤/ ١٥، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٧.
(٥) سيأتي برقم (٢٤٣٣) كتاب: في اللقطة، باب: كيف تعرَّف.
(٦) سيأتي برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش.



لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها أبدًا من غير (توقيت) (١) بسنة، ثم يملكها كغيره من البلاد. وبه قَالَ الشافعي (٢)، وابن مهدي، وأبو عبيد (٣)، والداودي، والباجي، وابن العربي، والقرطبي (٤).
وذهب مالك وبعض الشافعية إلى أنها كغيرها في التعريف والتمليك (٥). وحمل المازري الحديث عَلَى المبالغة في التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده وهو لا يعود إلا بعد أعوام، فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بها بخلاف غير مكة.
وعن ابن راهويه والنضر بن شميل: تقديره: إلا من سمع ناشدًا يقول: من أضل كذا. فحينئذ يجوز رفعها إِذَا رآها ليردها (على) (٦) صاحبها. وقيل: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قَالَ أبو عبيد: وهو جيد في المعنى، لكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد (٧).
قُلْتُ: قد حكاه بعضهم فجعل الناشد: المعرف، والمنشد: الطالب، عكس ما سلف حكاه عياض في «مشارقه» عن الحربي (٨).
الثامنة: قوله: («إما أن يعقل، (وإما أن) (٩) يقاد أهل القتيل»)، كذا رواه هنا. وقال في الديات: «إما يودي و(أو) (١٠) يقاد» (١١) قَالَ: وقال عبيد الله: «وإما أن يقاد أهل القتيل»: والمعنى: إما أن يعقل المقتول

--------------------
(١) في الأصل: التوقت.
(٢) انظر: «الحاوي» ٨/ ٤.
(٣) انظر: «زاد المعاد» ٣/ ٤٥٣.
(٤) انظر: «الذخيرة» ٩/ ١١٤.
(٥) انظر: «عيون المجالس» ٤/ ١٨٤٠، «الحاوي» ٨/ ٥، «روضة الطالبين» ٥/ ٤١٢، «مواهب الجليل» ٨/ ٤٣.
(٦) في (ج): إلى.
(٧) «غريب الحديث» ١/ ٢٧٩.
(٨) «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٨.
(٩) في (ج): أو.
(١٠) في (ج): وإما.
(١١) سيأتي برقم (٦٨٨٠) كتاب: الديات، باب: من قتل له قتيل فهو بخير النظرين.



بالدية، وإما أن يقاد، أي: يقتل القاتل. وحكى بعضهم عن رواية مسلم: «يفادى» (١) بالفاء. والصواب: بالقاف، لأن العقل هو الفداء، فيختل المعنى. وسميت الدية عقلًا بالمصدر لأنها تعقل بفنائه.
التاسعة: فيه أن ولي القتيل بالخيار بين أخذ الدية وبين القتل، وليس لَهُ إجبار الجاني عَلَى أي الأمرين شاء، وبه قَالَ الشافعي (٢) وأحمد (٣).
وقال مالك في المشهور عنه: ليس لَهُ إلا القتل أو العفو، وليس لَهُ الدية إلا برضا الجاني (٤). وبه قَالَ الكوفيون (٥)، وهو خلاف نص الحديث، وأوّله المهلب بأنه - ﷺ - حض الولي عَلَى أن ينظر إن كان القصاص خيرًا من الدية اقتص، وإن كانت الدية خيرًا قبلها من غير أن يجبر عليها.
العاشرة: فيه أن القاتل عمدًا يجب عليه أحد الأمرين من القصاص (أو) الدية، وهو أحد قولي الشافعي، وأصحهما عنده أن الواجب القصاص، والدية تدل (عند) (٦) سقوطه (٧)، وهو مشهور مذهب مالك (٨).

--------------------
(١) «صحيح مسلم» (١٣٥٥) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وخلاها وشجرها. بلفظ (يُفدى).
(٢) انظر: «الأم» ٦/ ١٠، «روضة الطالبين» ٩/ ٢٣٩.
(٣) انظر: «الإقناع» ٤/ ١٢٣، «المبدع» ٨/ ٢٩٧.
(٤) روي عن الإمام مالك قولان أحدهما هذا، والآخر أن الولي بالخيار في القصاص أو الدية، وإن كره القاتل. انظر: «عيون المجالس» ٥/ ١٩٩١، «الذخيرة» ١٢/ ٤١٣.
(٥) انظر: «الهداية» ٤/ ٥٠١.
(٦) في (ج): رجال، وهو خطأ.
(٧) انظر: «روضة الطالبين» ٩/ ٢٣٩ وانظر القول الثاني في «إِحكام الأحكام» ٦٣١ وهو أن القصاص عينًا.
(٨) انظر: «الذخيرة» ١٢/ ٤١٣.



وعلى القولين للولي العفو عَلَى الدية ولا يحتاج إلى رضا الجاني، ولو مات أو سقط الطرف المستحق وجبت الدية. وبه قَالَ أحمد (١).
وعن أبي حنيفة ومالك: أنه لا يعدل إلى المال إلا برضى الجاني، وأنه لو مات الجاني سقطت الدية، وهو قول قديم للشافعي (٢)، ووقع في شرح الشيخ تقي الدين و«العمدة» ترجيحه (٣).
الحادية عشرة: الإذن في كتابة العلم وقد سلف في الحديث ما فيه، ومعنى قوله: «اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ» أراد خطبة النبي - ﷺ - يوم الفتح بمكة قَالَه الأوزاعي، كما حكاه عنه الوليد بن مسلم في الصحيح (٤).
وقوله: فقال: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ» هو: أبو شاه، كما جاء في رواية أخرى في «الصحيح» (٥) ولا يعرف اسمه، وهو بالهاء درجًا ووقفًا، وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبًا، وقال في «المطالع»: أبو شاه مصروفًا، ضبطه وقراءته (٦) أبا، معرفة ونكرة.
وقال النووي: وهو بهاء في آخره؛ درجًا ووقفًا (٧)، قَالَ: وهذا لا خلاف فيه ولا يغتر بكثرة من يصحفه ممن لا يأخذ العلم عَلَى وجهه ومن مظانه.
الثانية عشرة: قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا الإِذْخِرَ) هو العباس

--------------------
(١) انظر: «الكافي» ٥/ ١٨٤ - ١٨٥.
(٢) وفي الجديد: إذا مات القاتل وجبت الدية للولي. انظر: «تقويم النظر» ٤/ ٤٢٩.
(٣) انظر: «إحكام الأحكام» ص ٦٣١.
(٤) البخاري (٢٤٣٤) كتاب: الحج، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة.
(٥) سيأتي برقم (٢٤٣٤) كتاب: في اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة.
(٦) في (ج) وصوابه.
(٧) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٢٩.



كما جاء مبينًا في رواية أخرى في «الصحيح» (١).
الثالثة عشرة: «الإذخر» بكسر الهمزة، والخاء والذال المعجمتين: نبت معلوم طيب الريح، واحده إذخرة.
الرابعة عشرة: المراد بالبيوت: المعلومة، وأبعد من قَالَ: المراد بها القبور: لقوله بعده: (وقبورنا).
وفي كتاب: الحج من حديث ابن عباس: لصاغتنا وقبورنا (٢). وفي أخرى: لقينهم (٣) أي: لصائغهم، والقَيْن: الحداد، ومنه قوله: كان خباب قينا، والقينة أيضًا: المغنية، والماشطة (٤)، ويجمع بين الروايات أنهم كانوا يستعملونه في هذِه الأمور؛ لمسيس الحاجة إليه، وكانوا يخلطونه؛ لئلا يتشقق ما بني به كما يفعل بالتبن، وكانوا يسقفون به فوق الخشب.
الخامسة عشرة: قوله - ﷺ -: «إلا الإذخر» هو استثناء من قوله: (لا يختلَى شوكها«وهو بعض من كل، وقد استدل به الأصوليون عَلَى أنه - ﷺ - كان متعبدًا باجتهاده فيما لا نص فيه، وهو الأصح.
وتوقف أكثر المحققين فيه وفي وقوعه، وجوزه بعضهم في أمر الحرب دون غيره، ومثل هذا الحديث»لو سمعت ما قتلت«لأخت النضر (٥) بن

---------------------
(١) سيأتي برقم (٢٤٣٤) كتاب: في اللقطة، باب: كيف تعرف لقطة أهل مكة.
(٢) سيأتي برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الأذخر والحشيش.
(٣) سيأتي برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة.
(٤) انظر:»النهاية في غريب الحديث والأثر«٤/ ١٣٥.
(٥) ورد بهامش الأصل: قوله: أخت النضر. هو الصواب، وقال في»منهاج البيضاوي«: ابنة النضر. وهو وهم فاجتنبه، وأصل ذلك أن قومًا رووه: أخت. وغالب ظني أن السهيلي في»الروض" وهَّم (أخت).



الحارث (١). «ولو قُلْتُ: نعم لوجبت» (٢) في تكرار الحج، وبقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾ الآية [الأنفال: ٦٧] في أسارى (٣) بدر وغير ذَلِكَ (٤).
وأجاب المانعون بأنه يجوز أن يقارن بها نص أو يتقدم عليها وحي، أو كان جبريل حاضرًا فأشار به، فليس ذَلِكَ من باب الاجتهاد، ويجوز أن الله تعالى أعلم رسوله بتحليل المحرمات عند الاضطرار، فلما سأل العباس ذَلِكَ أجاب به.
وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قيل: إنه مخصوص بالحرب (٥).
الحديث الثالث
حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ ثنا سُفْيَانُ ثنا عَمْرٌو أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وهذا الحديث من أفراده، ولم يخرجه إلا هنا، وسبب قلة رواية

---------------------
(١) ذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨.
(٢) رواه مسلم (١٣٣٧) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة واحدة.
والنسائي ٥/ ١١٠ - ١١١، وأحمد ٢/ ٥٠٨، وابن خزيمة ٤/ ١٢٩ - ١٣٠ (٢٥٠٨)، وابن حبان ١٨/ ٩ - ٢٠ (٣٧٠٤ - ٣٧٠٥) كتاب: الحج، باب: فرض الحج، والدارقطني ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢، والبيهقي ٤/ ٣٢٥ - ٣٢٦.
(٣) في (ج): أسرى.
(٤) رواه مسلم (١٧٦٣) كتاب: السير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، وأبو داود (٢٦٩٠)، وأحمد ١/ ٣٠، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٧/ ٣٥٧ (٣٦٦٧٣)، والطبري في «تفسيره» ٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨، وابن حبان في «صحيحه» ١١/ ١١٤.
(٥) وراد بهامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد الثلاثين كتبه مؤلفه غفر الله له.



عبد الله بن عمرو أنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلًا، بخلاف أبي هريرة فإنه توطن المدينة، وهي المقصد من كل جهة، وانتصب للرواية، لا جرم روى فوق الخمسة آلاف (حديث) (١)، ووجد لعبد الله بن عمرو سبعمائة حديث كما ذكرته في ترجمتهما (٢).
وأخو وهب هو همام، وهو أكبر من وهب، وهم أربعة إخوة:
وهب، ومعقل أبو عقيل، وهمام، وغيلان، وكان أصغرهم. وكان آخرهم موتًا همام. ومات وهب ثمَّ معقل ثمَّ غيلان ثمَّ همام. ووالدهم منبه بن كامل (بن) (٣) سيج -بسين مهملة كما سلف، وقيل: معجمة ثمَّ مثناة تحت ساكنة ثمَّ جيم- بن ذي كبار وهو الأسوار الصنعاني اليماني الذماري -بكسر الذال المعجمة، وقيل: بفتحها، وذمار عَلَى مرحلتين من صنعاء (٤) - الأبناوي نسبة إلى الأبناء -بباء موحدة ثمَّ نون- وهم كل من ولد من أبناء الفرس الذين وجههم كسرى مع سيف بن ذي يزن، كما سلف في باب حسن إسلام المرء.
ولم يذكر البخاري وهب بن منبه إلا في هذا الموضع كما نبه عليه الباجي، وسمع في غير البخاري جابرًا، وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة، وثقوه خلا الفلاس فإنه ضعفه، وكان إخباريًّا قاضيًا صاحب (ليث) (٥). مات سنة أربع عشرة ومائة، ابن ثمانين سنة فيما قيل، أخرجوا لَهُ خلا ابن ماجه (٦).

---------------------
(١) من (ج).
(٢) سبقت ترجمته في شرح حديث رقم (١١).
(٣) ساقطة من الأصول، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر التخريج.
(٤) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٦١٤، و«معجم البلدان» ٣/ ٧.
(٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: ليل، كما يحكى عنه في كتب التراجم.
(٦) وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال أبو زرعة والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في =



وأخوه همام أبو عقبة، أخرج لَهُ الجماعة، وهو تابعي يروي عن ابن عباس أيضًا. مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة، وقد سلف في الباب السالف المشار إليه ترجمته واضحة.
الحديث الرابع:
حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ». قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - غَلَبَه الوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ. قَالَ: «قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَنَازُعُ». فَخَرَخ ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُل الرَّزِّيَةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وبَيْنَ كِتَابِهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الطب (١) والاعتصام عن

---------------------
= الثقات. وقال ابن حجر في «مقدمة فتح الباري»: وهب بن منبه الصنعاني من التابعين، وثقه الجمهور وشذ الفلاس فقال: كان ضعيفا وكان شبهته في ذلك أنه كان يتهم بالقول بالقدر وصنف فيه كتابا، ثم صح أنه رجع عنه، قال حماد بن سلمة عن أبي سنان: سمعت وهب بن منبه يقول: كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتابا من كتب الأنبياء: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر، فتركت قولي. وليس له في البخاري سوى حديث واحد عن أخيه همام عن أبي هريرة في كتابة الحديث، وتابعه عليه معمر عن همام.
وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٥٤٣، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٦٤ (٢٥٦٥)، «معرفة الثقات» ٢/ ٣٤٥ (١٩٥٧) «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٤ (١١٠)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ١٤٠ (٦٧٦٧)، «هدي الساري» ص ٤٥٠.
(١) سيأتي برقم (٥٦٦٩) كتاب: المرضى، باب: قول المريض: قوموا عني.



إبراهيم بن موسى، عن هشام، عن معمر (١). وفي المغازي عن علي (٢)، وفي الطب عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق، عن معمر (٣).
وأخرجه مسلم في الوصايا عن محمد بن رافع وعبد (٤)، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به (٥).
ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف مفرقًا.
ثالثها: في فوائده:
الأولى: قوله: (لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ - ﷺ - وَجَعُهُ)، هو المراد بقوله في كتاب الطب: لما حضر رسول الله - ﷺ -. وفيه: واختلف أهل البيت فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله - ﷺ - كتابا لن تضلوا بعده. ومنهم من يقول ما قَالَ عمر.
وفي بعض طرقه في «الصحيح» «ائتوني بالكتف والدواة أو اللوح والدواة أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا» (٦).
الثانية: اختلف العلماء في الكتاب الذي همَّ - ﷺ - بكتابته ما هو؟
قَالَ الخطابي: يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه أراد أن ينص عَلَى الإمامة بعده فترتفع تلك الفتن العظيمة كحرب الجمل وصفين.

---------------------
(١) سيأتي برقم (٧٣٦٦) كتاب: الاعتصام، باب: كراهية الاختلاف.
(٢) سيأتي برقم (٤٤٣٢) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي - ﷺ -.
(٣) سيأتي برقم (٥٦٦٩) كتاب: المرض، باب: قول المريض قوموا عني.
(٤) هو عبد بن حميد.
(٥) «صحيح مسلم» (١٦٣٧) كتاب: الوصية، باب: ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصى فيه.
(٦) سيأتي برقم (٣١٦٨) كتاب: الجزية والموادعة باب: إثم من قتل معاهدًا.



وثانيهما: أنه أراد أن يبين كتابًا فيه مهمات الأحكام ليحصل الاتفاق عَلَى المنصوص عليه، ثمَّ ظهر للنبي - ﷺ - أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه به (١).
الثالثة: لا شك في عصمته - ﷺ - من تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته ومرضه، وليس هو معصومًا من الأمراض العارضة للأجسام مما لا نقص فيه لمنزلته ولا فساد لما تمهد من شريعته، وقد سحر ولم يصدر منه في هذِه الحالة حكم مخالف لما قرره من الأحكام.
إِذَا تقرر ذَلِكَ فقول عمر - رضي الله عنه -: أنه غلبه الوجع .. إلى آخره معناه: أنه خشي أن يكتب أمورًا قد يعجزوا عنها فيستحقوا العقوبة عليها؛ لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، وقصد التخفيف عليه حين غلبه الوجع، ولو كان المراد كتابة ما لا يستغنى عنه لما تركه لاختلافهم.
وقد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله: أنه - ﷺ - أراد أن يكتب استخلاف الصديق ثمَّ ترك ذَلِكَ اعتمادًا عَلَى ما علمه من تقدير الله تعالى (٢).
وذلك كما همَّ في أول مرضه حين قَالَ: «وارأساه» وترك الكتاب. وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (٣)، ثمَّ قدمه في الصلاة، ورأى عمر الاقتصار عَلَى ما سبق، لئلا ينسد باب الاجتهاد والاستنباط، وقد كان سبق منه قوله - ﷺ -:

----------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ٢١٧ - ٢١٨.
(٢) ذكر ذلك النووي في «صحيح مسلم بشرح النووي» ١١/ ٩٠ - ٩١.
(٣) سيأتي برقم (٥٦٦٦) في المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع.



«إِذَا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر» (١). وفي تركه - ﷺ - الإنكار عَلَى عمر دلالة عَلَى استصوابه.
فإن قُلت: كيف ساغ لعمر الاعتراض؟ قُلْتُ: أجاب عنه الخطابي حيث قَالَ: لا يجوز أن يحمل قوله أنه توهم (الغلط) (٢) عليه أو ظن به غير ذَلِكَ مما لا يليق به بحال، لكنه لما رأى ما غلب عليه من الوجع وقرب الوفاة خاف أن يكون ذَلِكَ القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة لَهُ فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين.
وقد كانت الصحابة يراجعونه - ﷺ - في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها، كما راجعوه يوم الحديبية في الحلاق وفي الصلح بينه وبين قريش، فإذا أمر بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد.
قَالَ: وأكثر العلماء، عَلَى أنه يجوز عليه الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه وحي، وأجمعوا كلهم عَلَى أنه لا يقر عليه.
قَالَ: ومعلوم أنه - ﷺ - وإن كان قد رفع درجته فوق الخلق كلهم فلم ينزهه من العوارض البشرية، فقد سها في الصلاة، فلا ينكر أن يظن به حدوث بعض هذِه الأمور في مرضه، فيتوقف في مثل هذِه الحال حتَّى يتبين حقيقته، فلهذه المعاني وشبهها توقف عمر - رضي الله عنه - (٣).
وأجاب المازري بنحوه حيث قَالَ: لا خلاف أن الأوامر قد يقترن بها قرائن تصرفها من الندب إلى الوجوب، وعكسه عند من قَالَ: إنها للوجوب

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٧٣٥٢) كتاب: الاعتصام، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ.
(٢) في (ج): اللغط.
(٣) «أعلام الحديث» ١/ ٢٢٣ - ٢٢٥. بتصرف.



وإلى الإباحة وغيرها من المعاني، فلعله ظهر من القرائن ما دل عَلَى أنه لم يوجب ذَلِكَ عليهم، بل جعله إلى اختيارهم، ولعله اعتقد أنه صدر ذَلِكَ منه - ﷺ - من غير قصد جازم، فظهر ذَلِكَ لعمر دون غير (١).
الرابعة: معنى قول عمر - رضي الله عنه -: (وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا)، أي: كافينا في ذَلِكَ مع ما تقرر في الشريعة، قَالَ تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
وزعم الداودي أن معناه: أنه - ﷺ - ذكر كلامًا لم يذكر في الحديث، فأما أن يكون حضهم عَلَى كتاب الله والأخذ بما فيه. فقال عمر: عندنا كتاب الله، تصديقًا لقوله.
وسيكون لنا عودة إن شاء الله إلى هذا الحديث في موضع من المواضع السالفة بيانها، فإن فيه زيادة في بعض الطرق نتكلم عليها، ومن تراجمه عليه في الاعتصام، باب: النهي عَلَى التحريم إلا ما تعرف إباحته.
الخامسة: في قوله: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبُ لَكُمْ» دلالة عَلَى أن للإمام أن يوصي عند موته بما يراه نظرًا للأمة، وفي تركه الكتاب إباحة الاجتهاد كما سلف؛ لأنه وكلهم إلى أنفسهم واجتهادهم.

-----------------------
(١) «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ٧٤.


٤٠ - باب السَّمَرِ في العلم (١)
١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِه؟ فَإِن رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». [٥٦٤، ٦٠١ - مسلم ٢٥٣٧ - فتح: ١/ ٢١١]

١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الَحكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الَحارِثِ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الغُلَيِّمُ». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ -أَوْ خَطِيطَهُ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. [١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢ - مسلم: ٧٦٣ - فتح: ١/ ٢١٢]
ذكر فيه رحمه الله حديثين:
الحديث الأول:
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ بن مُسافِر، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - العِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكمْ هذِه؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ».

---------------------
(١) كذا الترتيب في الأصل، وسيأتي باب العلم والعظة بالليل، حديث (١١٥) في الباب التالي.


الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الصلاة، عن عبد الله، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري به (١)، وعن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري به (٢).
وأخرجه مسلم في الفضائل عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي اليمان، وعن ابن رافع وعبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر.
قَالَ: ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد (٣).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف:
أما أبو بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، واسم أَبِي حَثْمَةَ: عبد الله بن حُذيفة، وقيل: عدي بن كعب بن حذيفة بن غانم بن عبد الله بن عويج بن عدي بن كعب القرشي.
قَالَ ابن عبد البر وغيره: أبو بكر هذا ليس له اسم. أخرج لَهُ البخاري هذا الحديث مقرونًا بسالم كما ترى، ومسلم غير مقرون.
وكان من علماء قريش. روى عن سعيد بن زيد، وأبي هريرة أيضًا. وعنه: الزهري وغيره. أخرجوا لَهُ خلا ابن ماجه (٤).

-------------------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٤) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ذكر العشاء والقسمة ومن رآه واسعًا.
(٢) سيأتي برقم (٦٠١) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: السمر في الفقه والخير.
(٣) «صحيح مسلم» (٢٥٣٧) كتاب: فضائل الصحابة، باب: قوله - ﷺ - «لا تأتي مئة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم».
(٤) ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال ابن حجر: ثقة، عارف بالنسب. انظر: ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٢٣، «الجرح والتعديل» ٩/ ٣٤١ (١٥١٨). و«الثقات» ٥/ ٥٦٦ - ٥٦٧. و«تهذيب الكمال» ٣٣/ ٩٣ (٧٢٣٤). و«التقريب» ٦٢٣ (٧٩٦٧).



وأما عبد الرحمن: فهو أبو خالد، وقيل: أبو الوليد. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ بن مُسافِر بن ظاعِن الفهمي، مولى الليث بن سَعْد أمير مصر لهشام بن عبد الملك.
قَالَ يحيى بن معين: كان عَلَى مصر، وذكر عنه حداثة. وكان عنده عن الزهري كتاب فيه مائتا حديث أو ثلاثمائة كان الليث يحدث بها عنه، وكان جده شهد فتح بيت المقدس مع عمر.
وقال أبو حاتم: صالح. وقال ابن يونس: كان ثبتًا في الحديث.
وكانت ولايته عَلَى مصر سنة ثماني عشرة ومائة، وتوفي سنة سبع وعشرين ومائة. ومات الزهري سنة أربع وعشرين ومائة. روى لَهُ مع البخاري مسلم والترمذي والنسائي (١).
ثالثها:
السمر -في كلام البخاري- بفتح الميم: هو الحديث بعد العشاء، وبالإسكان اسم للفعل، قَالَ القاضي عياض: والأول هو الرواية (٢).
وقال ابن سراج: الإسكان أولى. وضبطه بعضهم به، وأصله: لون القمر؛ لأنهم كانوا يتحدثون إليه، ومنه سُمي الأسمر لشبهه بذلك اللون.
وقال غيره: السمر بالفتح: الحديث بالليل، وأصله: لا أكلمه السمر والقمر، أي: الليل والنهار (٣).

---------------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٢٧٧ (٩٠٠) و«الجرح والتعديل» ٥/ ٢٢٩ (١٠٨٣) «الثقات» ٧/ ٨٣، و«تهذيب الكمال» ١٧/ ٧٦ (٣٨٠٥).
(٢) «مشارق الأنوار» ٢/ ٢٢٠.
(٣) انظر: مادة سمر في «الفائق في غريب الحديث» ٢/ ١٩٨، «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠، و«لسان العرب» ٤/ ٢٠٩٠ - ٢٠٩١.



رابعها:
معنى «أَرَأَيْتَكُمْ» الاستفهام والاستخبار، وهي كلمة تقولها العرب إِذَا أرادت الاستخبار، وهي بفتح التاء للمذكر والمؤنث والجمع والمفرد، تقول: أرأيتكَ وأرأيتَكِ وأرأيتكما وأرأيتكم، والمعني: أخبرني أو أخبريني، وكذا باقيهن، فإن أردت معنى الرؤية أنثت وجمعت.
خامسها:
استدل بعض أهل اللغة بقوله: «فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا» عَلَى أن (من) تكون لابتداء الغاية في الزمان كمذ، وهو مذهب كوفي.
وقال البصريون: لا تدخل (من) إلا عَلَى المكان (ومنذ) في الزمان نظير (من) في المكان، وتأولوا ما جاء عَلَى خلافه مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] أي: من أيام وجوده كما قدره الزمخشري (١)، أو من تأسيس أول يوم كما قدره أبو علي الفارسي، وضعف بأن التأسيس ليس بمكان.
ومثله قول عائشة: ولم يجلس عندي من يوم قيل ما قيل (٢). وقول أنس: فما زلت أحب الدباء من يومئذ (٣). وقول بعض الصحابة: مطرنا من الجمعة إلى الجمعة (٤).
سادسها:
الحديث دال عَلَى ما ترجم لَهُ من جواز السمر في العلم والخير بعد

-----------------------
(١) «الكشاف» ٢/ ٣٣٢.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٥٠) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٩٢) كتاب: البيوع، باب: ذكر الخياط.
(٤) سيأتي برقم (١٠١٦) كتاب: الاستسقاء، باب: من اكتفى بصلاة الجمعة في الاستسقاء.



العشاء، وهو مخصص لحديث أبي برزة الآتي في بابه، أنه - ﷺ - كان يكره الحديث بعدها (١).
وأما الكلام بعدها في غير ذَلِكَ فمكروه. وإليه ذهب الأكثرون منهم: أبو هريرة، وابن عباس (٢).
وكتب عمر أن لا ينام قبل أن يصليها، فمن نام فلا نامت عينه (٣)، وهو قول عطاء وطاوس، وإبراهيم، ومجاهد (٤)، ومالك، والشافعي، وأهل الكوفة (٥).
ورخص فيه طائفة. روي ذَلِكَ عن علي - رضي الله عنه - أنه كان ربما (غفا) (٦) قبل العشاء (٧).

---------------------
(١) سيأتي برقم (٥٦٨) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ما يكره من النوم قبل العشاء.
(٢) «فتح الباري» لابن رجب ٣/ ١٨٣ - ١٨٥، ٣٧٥ - ٣٧٨، وأثر ابن عباس رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢١ (٧١٨٣) في الصلاة، باب من كره النوم بين المغرب والعشاء.
(٣) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٦ (٦) باب: وقوت الصلاة. وعبد الرزاق ١/ ٥٦٣ (٢١٤٢) كتاب: الصلوات، باب: النوم قبلها والسمر بعدها. وابن أبي شيبة ٢/ ١٢١ (٧١٧٨) كتاب: الصلاة، باب: من كره النوم.
(٤) هذِه الآثار رواها ابن أبي شيبة ٢/ ١٢١ - ١٢٢ (٧١٨٤، ٧١٨٦، ٧١٨٧) كتاب: الصلاة، باب: من كره النوم بين المغرب والعشاء.
(٥) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣١٧، «الاستذكار» ٢/ ٩٢، «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٢/ ٢٦١، «المجموع» ٣/ ٤٤.
(٦) ورد بهامش الأصل: غفا لغة والأكثر أغفا.
(٧) رواه عبد الرزاق ١/ ٥٦٤ (٢١٤٧) كتاب: الصلوات، باب: النوم قبلها والسمر بعدها.
وابن أبي شيبة ٢/ ١٢٢ (٧١٩٠) كتاب: الصلاة، باب: من رخص في النوم بعدها. وأحمد ١/ ١١١، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣١٤: رواه أحمد وفيه: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف لسوء حفظه وفيه راوٍ لم يسم.



وكان ابن عمر ينام ويوكل به من يوقظه (١)، وعن أبي موسى مثله.
وعن عروة وابن سيرين أنهما كانا ينامان نومة قبل العشاء (٢). واحتج لهم بأن الكراهة لمن خشي عليه تفويتها أو تفويت الجماعة فيها.
وقال ابن بطال: اختلف قول مالك، فقال مرة: الصلاة أحب إلي من مذاكرة الفقه. وقال مرة: العناية بالعلم إِذَا صحت فيه النية أفضل.
وقال سحنون: يلتزم أفضلهما عليه (٣).
سابعها:
هذا الحديث ورد مبينًا أنه - ﷺ - قَالَ: «أرأيتكم» ذَلِكَ آخر حياته، وفي «الصحيح» أيضًا من حديث جابر قَالَ: سمعت النبي - ﷺ - قبل أن يموت بشهر: «تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما عَلَى الأرض من نفس منفوسة -أي مولودة- يأتي عليها مائة سنة». وفي رواية «وهي حية يومئذ» (٤). وهو علم من أعلام نبوَّته.
ومعنى الحديث: أن كل نفس منفوسة كانت تلك الليلة عَلَى الأرض لا تعيش بعدها أكثر من مائة سنة سواء قل عمرها (قبل) (٥) أم لا، وليس

-----------------------
(١) سيأتي معلقا بعد حديث (٥٧٠) كتاب: النوم قبل العشاء لمن غلب. ورواه عبد الرزاق ١/ ٥٦٤ (٢١٤٦) كتاب: الصلوات، باب: النوم قبلها. وابن أبي شيبة ٢/ ١٢٢ (٧١٩٤) كتاب: الصلاة، باب: من رخص في النوم بعدها.
(٢) أثر عروة رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢٢ (٧١٩٥) كتاب: الصلاة، باب: من رخص في النوم وبعدها. وأثر ابن سيرين رواه ابن أبي شيبة ٢/ ١٢٣ (٧١٩٩) كتاب: الصلاة، باب: من رخص في النوم بعدها.
(٣) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال ١/ ١٩٢.
(٤) «صحيح مسلم» (٢٥٣٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: قوله - ﷺ -: «لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس …».
(٥) في (ج): بعد.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* احذر 5 طرق تستخدم لاختراق هاتفك الآيفون .. ثغرات iMessage الأبرز
* عطل فني في آيفون 17.. تعرف على إصلاح المشكلة في 6 خطوات
* واتساب هيرجعلك محادثاتك لو تليفونك ضاع.. تعرف على التحديث الجديد
* وداعا للبطارية الفارغة.. خرائط جوجل تختبر وضع توفير الطاقة لتمديد رحلاتك الطويلة
* فى خطوات.. كيف تحمى طفلك من مخاطر تيك توك؟
* الأبراج
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-30-2026, 03:41 PM   #80

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 586 الى صـــ 605
الحلقة (80)





فيه نفي عيش أحد يوجد بعد تلك الليلة فوق مائة سنة.
والمعنى أنه - ﷺ - وعظهم بقصر أعمارهم بخلاف غيرهم من سالف الأمم، وقد بين - ﷺ - ذَلِكَ في حديث آخر فقال: «أعمار أمتي بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجاوز ذَلِكَ». رواه الترمذي وحسنه مع الغرابة (١).
وقد احتج به البخاري ومن قَالَ بقوله عَلَى موت الخضر.
وأجاب الجمهور عنه بأوجه:
أحدها: قد يجوز أن لا يكون عَلَى ظهرها إِذ ذاك.
ثانيها: أن المعنى: لا يبقى ممن ترونه وتعرفونه.
ثالثها: أنه أراد بالأرض: البلدة التي هو فيها، وقد قَالَ تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً﴾ [النساء: ٩٧] المراد بالأرض: المدينة (٢)، وخرج بظهر الأرض الملائكة.
الحديث الثاني:
حَدَّثَنَا آدَمُ ثنا شُعْبَةُ ثنا الحَكَمُ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بنْتِ الحَارِثِ -زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - العِشَاءَ، ثمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: «نَامَ الغُلَيِّمُ؟». أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ

--------------------
(١) «سنن الترمذي» (٢٣٣١) من حديث أبي هريرة، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٧٥٧).
(٢) «تفسر البغوي» ٢/ ٢٧٣. و«زاد المسير» ٢/ ١٧٨.



غَطِيطَهُ -أَوْ خَطِيطَهُ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع من «صحيحه» من حديث كريب، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وأبي جمرة، وطاوس وغيرهم عن ابن عباس (١).
ثانيها:
إن قُلْتَ: ما وجه إدخال البخاري هذا الحديث في باب: السمر في العلم؟
قُلْتُ: أجاب بعضهم عنه بأنه إنما يأتي من فعل ابن عباس لأنه السامر، وقد ارتقب أفعاله - ﷺ -، ولا فرق بين التعلم بالقول وبين التعلم بالفعل، وفيه نظر، ولم ينقل أنه - ﷺ - اطلع عليه وأقره، لا جرم قَالَ الإمام أبو بكر الإسماعيلي: دخول هذا الحديث فيما نحن فيه مما يبعد لأنه ليس فيه ذكر قول ولا حديث إلا قوله: «نَامَ الغُلَيِّمُ؟».
فإن أراد مبيت ابن عباس وسهره عنده؛ ليحفظ ما يفعله - ﷺ - فذلك
(١) كذا قال المصنف أن البخاري أخرجه من حديث كريب، وسعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، وأبي جمرة، وطاوس وغيرهم عن ابن عباس، وتبعه العيني في «عمدة القاري» ٢/ ١٤٥ وليس كذلك، بل رواه هنا وبأرقام (٦٩٧، ٦٩٩، ٥٩١٩) عن سعيد بن جبير، وبأرقام (١٨٣، ٦٩٨، ٧٢٦، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢) عن كريب وبرقم (٧٢٨) عن الشعبي وبرقم (١١٣٨) رواية تصلح طرفًا عن أبي جمرة أما حديث عطاء وطاوس وغيرهم عن ابن عباس فلم أقف عليه عند البخاري.


سهر لا سمر، والسمر لا يكون إلا (عن) (١) حديث، ثمَّ السمر مأذون فيه لمن أراد الصلاة بالليل.
وأجاب شيخنا قطب الدين في «شرحه» بجواب حسن وهو أن من أنواع تبويب البخاري -رحمه الله- أن يذكر حديثًا في باب ليس فيه من تلك الطريق ما يدل عَلَى المراد، بل فيه من طريق آخر ما يدل لَهُ فينبه عَلَى تلك الطويق بتبويبه.
وهذا التبويب من هذا النوع، فإنه جاء في رواية في «الصحيح» من حديث كريب، عن ابن عباس أنه قَالَ: رقدت في بيت ميمونة ليلة لأنظر كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل، قَالَ: فتحدث النبي - ﷺ - مع أهله (٢). وابن عباس حاضر، وهذا من باب السمر، وكلامه - ﷺ - لا يخلو من فائدة تترتب عليه، فذكر البخاري في الباب حديثين:
أحدهما: ما هو مطابق للترجمة صريحًا.
وثانيهما: ما فيه إيماء إلى أن السمر مع الأهل والضيف وما أشبهه من فعل الخير ملحق بالسمر في العلم كما بوب عليه فيما يأتي: باب: السمر في الفقه والخير (٣)، وأورد فيه الحديث الأول (٤).
ثالثها: في التعريف برواته:
وقد سلف خلا الحكم بن عتيبة أبو عبد الله، وقيل: أبو عمر

--------------------
(١) في (ج): عند.
(٢) سيأتي برقم (٧٤٥٢) كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في تخليق السموات والأرض.
(٣) وانظر: «فتح الباري» لابن رجب ٥/ ١٦٤ - ١٧٥.
(٤) سيأتي برقم (٦٠١) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: السمر في الفقه والخير بعد العشاء.



الحكم بن عتيبة -بالمثناة فوق- بن النهاس، واسمه عبدل الكندي الكوفي مولى عدي بن عدي، ويقال: مولى امرأة من كندة فقيه الكوفة.
روى عن ابن أبي أوفي، وابن أبي جحيفة. وعنه: مسعر، وشعبة، وكان عابدًا قانتًا ثقة صاحب سنة. قَالَ المغيرة: كان الحكم إِذَا قدم المدينة أخلوا له سارية النبي - ﷺ - يصلي إليها. وقال الأوزاعي: قَالَ يحيى بن أبي كثير: ونحن بمنى لقيت الحكم بن عتيبة؟ قُلْتُ: نعم. قَالَ: إنه ما بين لابتيها أفقه منه. قال: وبها عطاء وأصحابه.
مات سنة أربع عشرة، وقيل خمس عشرة ومائة. روى لَهُ الجماعة، وما سقناه في هذِه الترجمة تبعنا فيه صاحب «الكمال»، وأما صاحب «التهذيب» فقال: الحكم بن عتيبة الكندي، وليس بالحكم بن عتيبة بن النهاس العجلي، قاضي الكوفة، فإنه لم يرو عنه شيء من الحديث، وهو تابع للدارقطني والخطيب عَلَى البخاري، وخلق بعده فوق العشرة حفاظ أثبات جزموا بأنه هو كما أوضحته فيما أفردته في رجال هذا الكتاب (١).
فائدة:
ميمونة هذِه هي: إحدى أمهات المؤمنين بنت الحارث بن حزن الهلالية، تزوجها النبي - ﷺ - سنة ست، وقيل: (سنة) (٢) سبع. قَالَ

------------------
(١) وذكره ابن حبان في «الثقات» ٤/ ١٤٤ وقال: كان يدلس، وقال ابن حجر: ثقة، ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس.
وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٣١، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٣٢ (٢٦٥٤)، «معرفة الثقات» ١/ ٣١٢ (٣٣٧)، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٢٣ (٥٦٧)، «تهذيب الكمال» ٧/ ١١٤ (١٤٣٨)، «التقريب» ١٧٥ (١٤٥٣).
(٢) من (ج).



الواقدي: وهي آخر أزواجه وفاة (١)، ماتت سنة إحدى وخمسين (٢) عَلَى أحد الأقاويل الثمانية عن ثمانين سنة أو إحدى وثمانين (٣).
رابعها:
(الغطيط) بالغين المعجمة ثمَّ طاء مهملة: صوت يخرجه النائم مع نفسه عند استثقاله (٤).
وأما قوله: (أو خَطِيطَهُ) بالخاء المعجمة، وهو شك من الراوي، فقال القاضي عياض: لا معنى للخاء هنا، والصواب الأول.
وحكي عن الداودي: أن الغطيط والخطيط واحد وهو: النفخ عند
الخفقة. واعترض عليه بأن الخطيط لم يذكره أهل اللغة. قَالَ ابن بطال: لم أجدها عند أهل اللغة بالخاء (٥). واليسار: بفتح الياء وكسرها.
خامسها: في فوائده: وهي كثيرة:
الأولى: أن السنة أن يقف المأموم الواحد عن يمين الإمام، وإذا

----------------------
(١) ورد بهامش الأصل: في قول الواقدي نظر، أم سلمة توفيت سنة ستين على الصحيح، والله أعلم.
(٢) كذ بالأصل، وقد نقله ابن سعد عن الواقدي حيث قال: توفيت سنة إحدى وستين في خلافة يزيد بن معاوية وهي آخر من مات من أزواج النبي - ﷺ - وكان لها يوم توفيت ثمانون أو إحدى وثمانين سنة وكانت جلدة.
وانظر ترجمتها في: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٢٣٤ - ٣٢٣٥ (٣٧٥٦)، «الاستيعاب» ٤/ ٤٦٧ - ٤٧٠ (٣٥٣٣)، «أسد الغابة» ٧/ ٢٧٢ - ٢٧٤ (٧٢٩٧)، «الإصابة» ٤/ ٤١١ - ٤١٣ (١٠٢٦).
ونقله عنه أيضا ابن حجر في «الإصابة».
(٣) «طبقات ابن سعد» ٨/ ١٤٠. «الإصابة» ٤/ ٤١٣.
(٤) انظر: «لسان العرب» ٦/ ٣٢٧١.
(٥) «شرح ابن بطال» ١/ ١٩٣.



وقف عن يساره يحول، وإذا لم يتحول يحوله الإمام (١).
الثانية: أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة ولا يسجد لسهوه.
الثالثة: صحة صلاة الصبي المميز (٢)، فإن سنه إذ ذاك عشر سنين، كما رواه أحمد (٣).
الرابعة: أن موقفه مع الإمام كالبالغ (٤).
الخامسة: صحة الجماعة في غير المكتوبة، وأن أقلها اثنان (٥).
السادسة: صحة الائتمام بمن لم ينو الإمامة خلافًا لبعضهم. وقال قوم: المؤذن والإمام إِذَا أذَّن ودعا الناس إلى الصلاة فصلئ وحده ثمَّ دخل رجل فجائز دخوله ويكون إمامه؛ لأنه قد دعا الناس إلى الصلاة ونوى الإمامة (٦).
السابعة: جواز نوم الرجل مع امرأته في غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزًا، وجاء في بعض الروايات أنها كانت (حائضًا) (٧)، ولم يكن ابن عباس ليطلب المبيت في ليلة فيها حاجة

---------------------
(١) «المجموع» ٤/ ١٨٦، «الاستذكار» ٥/ ٣٧٨، «بداية المجتهد» ١/ ٢٨٦، «المغني» ٣/ ٥٣.
(٢) «حلية العلماء» ٢/ ٨، «الكافي» ١/ ١٩٩، «مواهب الجليل» ٢/ ١٣٧.
(٣) «المسند» ١/ ٣٦٤.
(٤) «روضة الطالبين» ١/ ٣٥٩، «المغني» ٣/ ٥٣.
(٥) قال ابن تيمية: والاجتماع على صلاة النفل أحيانا مما تستحب فيه الجماعة، إذا لم يتخذ راتبة، وكذا إذا كان لمصلحة، مثل أن لا يحسن أن يصلي وحده، أو لا ينشط وحده، فالجماعة أفضل، إذا لم يتخذ راتبة. انظر: «الدرر المضية» ص ٨٦.
(٦) «البيان» ٢/ ٣٦٧، «بداية المجتهد» ١/ ٢٨٥، «المغني» ٣/ ٧٥.
(٧) رواه ابن خزيمة ٢/ ١٤٩ (١٠٩٣). والطبراني: ١١/ ١٣٥ (١١٢٧٧) وفي «الأوسط» ٧/ ١٨٦ (٧٢٢٩) وفي «معجم الشامين» ١/ ٤١٧ (٧٣٤)، ١/ ٤١٩ (٧٣٧) من طريق أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع، عن =



إلى أهله، ولا يرسله أبوه العباس، فإنه جاء أنه أرسله، وروى الحاكم مصححًا أنه - ﷺ - وعد العباس بذودٍ من الإبل فأرسل عبد الله إليه؛ (يستخبره) (١) فبات عند خالته.
الثامنة: أن نومه - ﷺ - مضطجعًا لا ينقض؛ لأن قلبه لا ينام بخلاف عينه كما ثبت في «الصحيح»، وكذا سائر الأنبياء، كما أخرجه البخاري في حديث الإسراء (٢)، فلو خرج منه حدث لحس به بخلاف غيره من الناس.
وفي رواية أخرى في «الصحيح»: (فنام حتَّى نفخ، فخرج فصلى الصبح ولم يتوضأ) (٣).
وأما نومه - ﷺ - في الوادي إلى أن طلعت الشمس (٤)، فلا يعارض هذا، لأن الفجر والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب، وأبعد مَنْ قَالَ: إنه كان في وقت ينام قلبه، فصادف ذَلِكَ نومه في الوادي، وكذا من قَالَ: أن ذَلِكَ كان غالب حاله.

----------------------
= ابن عباس. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عتبة بن أبي حكيم إلا أيوب ابن سويد. قلت فيه عتبة بن أبي حكيم قال ابن حجر في «التقريب» ص ٣٨٠ (٤٤٢٧): صدوق يخطئ كثيرًا، من السادسة.
وأيوب بن سويد الرملي: قال أحمد: ضعيف وعن يحيى بن معين: ليس بشيء، يسرق الأحاديث. وقال البخاري في «تاريخه» ١/ ٤١٧ (١٣٣٣): يتكلمون فيه.
ونقل ابن عدي في «الكامل» ٢/ ٢٣ عن يحيى بن معين: كان يدعي أحاديث الناس. وعن النسائي: أيوب بن سويد ليس بثقة. وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٤٩ - ٢٥٠ (٨٩١) سمعت أبي يقول: أيوب بن سويد لين الحديث.
(١) في (ج): لينجزه.
(٢) سيأتي برقم (٣٥٧٠) كتاب: المناقب، باب: كان النبي - ﷺ - تنام عينه ولا ينام قلبه.
(٣) سيأتي برقم (١٣٨) كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء.
(٤) سيأتي برقم (٥٩٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الأذان بعد ذهاب الوقت.



التاسعة: فضل ابن عباس وحذقه عَلَى صغر سنه ومراصدته للشارع طول ليلته كما هو ظاهر الحديث، وقد سلف أن سنه حينئذ عشرة أعوام، وأما ابن التين فذكره في باب: الوتر، حيث قَالَ: لأنه - ﷺ - تزوج ميمونة في ذي القعدة من السنة السابعة من الهجرة. وكان حينئذ سنه نحو ما تقدم وهو سن يمنع -إن بلغه- أن يرقد مع أحد من الأجانب أو ذوي المحارم دون حائل.
ثمَّ اعلم أنه جاء في هذا الحديث من هذا الوجه أنه - ﷺ - صلى إحدى عشرة ركعة أربعًا ثمَّ خمسًا ثمَّ ركعتين (١).
وجاء في مواضع من البخاري فكانت صلاته ثلاث عشرة ركعة (٢)، وجاء في باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره: أنها كانت ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر (٣)، فإن فيه: فصلى ركعتين ثمَّ ركعتين ثمَّ ركعتين ثمَّ ركعتين ثمَّ ركعتين ثمَّ ركعتين ثمَّ أوتر، ثمَّ اضطجع حتَّى أتاه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثمَّ خرج فصلى الصبح. وهذا هو الأكثر في الرواية.
ويجمع بينهما بأن من روى إحدى عشرة أسقط الأوليين وركعتي
الفجر، ومن أثبت الأوليين عدها ثلاث عشرة (ركعة) (٤)، وقد وقع هذا الاختلاف في «صحيح مسلم» في حديث واصل وغيره (٥)،

----------------------
(١) سيأتي برقم (٦٩٧) كتاب: الأذان، باب: يقوم عن يمين الإمام.
(٢) سيأتي برقم (٦٩٨) كتاب: الأذان، باب: إذا قام الرجل عن يسار الإمام.
(٣) سيأتي برقم (١٨٣) كتاب: الوضوء، باب: قراءة القرآن بعد الحدث وغيره.
(٤) من (ج).
(٥) «صحيح مسلم» (٧٦٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه.



وأجاب القاضي عياض في الجمع بمثله.
وقد استدرك الدارقطني حديث واصل عَلَى مسلم؛ لكثرة اختلافه (١).
وقال الداودي: أكثر الروايات أنه لم يصل قبل النوم وأنه صلى بعده ثلاث عشرة، فيحتمل أن نوم ابن عباس عند رسول الله - ﷺ - كان دفوعًا، فذكر ذَلِكَ بعض من سمعه. قُلْتُ: فيه بُعْدٌ، فإن الظاهر أنها كانت واقعة واحدة.

-----------------------
(١) «الإلزامات والتتبع» ٣٢٤، ٣٢٥، ٣٢٦ (١٧٠).


٤١ - باب العِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ (١)
١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أنزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ». [١١٢٦، ٣٥٩٩، ٥٨٤٤، ٦٢١٨، ٧٠٦٩ - فتح: ١/ ٢١٠]
حدثنا صَدَقَةُ، أَنا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ. وَعَمْرٍو وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ امرأة (٢)، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ - ﷺ - ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟ أَيْقِظُوا صَوَاحِب (٣) الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى. وفي صلاة الليل عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن (معمر) (٤). وفي

----------------------
(١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الخامس بعد الثلاثين كتبه مؤلفه غفر الله له.
(٢) كذا الرواية عند المصنف: امرأة، وكذلك عند ابن حجر في «الفتح»، وفي هامش «اليونينية» أنها رواية أبي ذر والأصيلي والمستملي وأبي الوقت ونسخة لم يعلم صاحبها، وأشار إلى صحتها عند المرموز لهم، أما في «اليونينية» فالرواية: (هند) بدل (امرأة)، وكذلك في الطريق الأول.
(٣) كذا الرواية عند المصنف: (صواحب)، وكذلك عند ابن حجر في «الفتح»، وفي هامش «اليونينية» أنها رواية أبي ذر والأصيلي والمستملي وأبي الوقت، أما في «اليونينية» فالرواية: (صواحبات).
(٤) في الأصول: عمرو، وما أثبتناه مطابق «لليونينية» رقم (١١٢٦) كتاب: التهجد، باب: تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل والنوافل.



اللباس عن عبد الله بن محمد، عن هشام بن يوسف، عن معمر (١). وفي علامات النبوة (٢). وموضعين من الأدب عن أبي اليمان، عن شعيب (٣) وفي الفتن عن إسماعيل، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق كلهم عن الزهري، عن هند به (٤). وذكر الحميدي أنه من أفراد البخاري عن مسلم (٥).
ثانيها:
قوله: (وَعَمْرٍو، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هما معطوفان عَلَى معمر، والقائل ذَلِكَ ابن عيينة، يقول: عن معمر وعمرو بن دينار ويحيى بن سعيد القطان، نبه عَلَى ذَلِكَ القاضي عياض.
ثالثها:
قوله: (عن امرأةٍ، عن أمِّ سَلَمَة) هي: هند، كما صرح به في الرواية الأولى وغيرها مما سيأتي في الأبواب المشار إليها فيما سلف.
رابعها: في التعريف برواته:
فأما أم سَلَمَة: فهي: أم المؤمنين هند، وقيل: رملة بنت أبي أمية حذيفة، وقيل: سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
كانت عند أبي سَلَمَة، فتوفي عنها، فتزوجها النبي - ﷺ -. روي لها ثلاثمائة حديث وثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا منها عَلَى ثلاثة عشر.

--------------------
(١) سيأتي برقم (٥٨٤٤) كتاب: اللباس، باب: ما كان النبي - ﷺ - يتجوز من اللباس والبسط.
(٢) سيأتي برقم (٣٥٩٩)، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٣) سيأتي برقم (٦٢١٨) كتاب: الأدب، باب: التكبير والتسبيح عند التعجب.
(٤) سيأتي برقم (٧٠٦٩) كتاب: الفتن، باب: لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه.
(٥) «الجمع بين الصحيحين» ٤/ ٢٣٤.



هاجرت إلى الحبشة وإلى المدينة. قَالَ ابن سعد: هاجر بها أبو سلمة إلى الحبشة الهجرتين جميعا، فولدت لَهُ هناك زينب ثمَّ ولدت لَهُ (بعدها) (١) سلمة وعمر ودرة (٢).
تزوجها - ﷺ - في شوال سنة أربع، وماتت سنة تسع وخمسين، وقيل: في خلافة يزيد بن معاوية، وكانت خلافته في رجب سنة ستين. ومات في ربيع الأول سنة أربع وستين.
وقال ابن عساكر: الصحيح أنها توفيت سنة إحدى وستين حين جاء نعي (الحسين) (٣)، وكان عمرها حين توفيت أربعًا وثمانين سنة، وصلى عليها أبو هريرة في الأصح، ودفنت بالبقيع قطعًا. قَالَ ابن المسيب: وكانت من أجمل الناس (٤).
وأما هند: فهي بنت الحارث الفراسية، ويقال: القرشية، وعند الداودي: الفارسية ولا وجه له، كانت زوجة لمعبد بن المقداد، ووقع في «التذهيب» (٥) إسقاط معبد، وهو وهم. روى لها الجماعة إلا مسلمًا (٦).

---------------------
(١) في الأصول: بعده، وأثبتنا ما يقتضيه السياق.
(٢) «طبقات ابن سعد» ٨/ ٨٧.
(٣) في الأصل الحسن، والمثبت من (ج)، وورد بهامش الأصل ما نصه: صوابه: الحسين بالتصغير؛ لأن الحسن مكبرًا توفي سنة خمسين، فاعلمه.
(٤) انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٤٩٣ (٣٥٩٤)، «أسد الغابة» ٧/ ٣٤٠ (٧٤٦٤). «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٢١٨ (٣٧٥٠)، «الإصابة» ٤/ ٤٥٨ (١٣٠٩).
(٥) ورد بهامش الأصل: وكما في «التذهيب» وقع في «الكاشف» لمؤلفه.
(٦) وروت عن أم سلمة وكانت من صواحباتها، وروى عنها الزهري وذكرها ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن حجر: ثقة. انظر ترجمتها في: «الثقات» ٥/ ٥١٧، و«تهذيب الكمال» ٣٥/ ٣٢٠ (٧٩٤٢)، «الكاشف» ٩/ ٥١٢ (٧٠٨٨)، و«التقريب» ٧٥٤ (٨٦٩٥).



وأما صدقة فهو: أبو الفضل صدقة بن الفضل المروزي، انفرد بالإخراج لَهُ البخاري عن الستة. روى عن معتمر، وابن عيينة، وكان حافظًا إماما. مات سنة ثلاث، وقيل: ست وعشرين ومائتين (١).
خامسها:
المراد بـ («صواحب الحجر»): أزواجه -رضي الله عنهن- يعني: للصلاة والاستعاذة، وقد جاء ذَلِكَ مبينَا في «الصحيح»: «من يوقظ صواحب الحجر» (٢) يريد أزواجه حتَّى يصلين ويستعذن مما نزل، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية [طه: ١٣٢].
ففيه أن للرجل أن يوقظ أهله ليلًا للصلاة وللذكر، ولاسيما عند آية تحدث أو إثر رؤيا مخوفة، وقد أمر - ﷺ - من رأى رؤيا مخوفة يكرهها أن ينفث عن يساره ويستعيذ من شرها (٣).
سادسها:
قوله: («وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟»): قَالَ المهلب: فيه دلالة عَلَى أن الفتن تكون في المال وفي غيره؛ لقوله: «مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ؟ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ؟».

------------------------
(١) ووثقه النسائي وابن حبان وقال: كان صاحب حديث وسنة، وكان من المذكورين بالعلم والفضل والسنة.
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٩٨ (٢٨٩٦)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٤٣٤ (١٩٠٦) و«الثقات» ٨/ ٣٢١، و«تهذيب الكمال» ١٣/ ١٤٤ (٢٨٦٧).
(٢) سيأتي برقم (٦٢١٨) كتاب: الأدب، باب: التكبير والتسبيح عند التعجب.
(٣) سيأتي ما يدل عليه برقم (٣٢٩٢) كتاب: بدء الخلق، باب: صفة إبليس وجنوده.
من حديث أبي قتادة قال: قال النبي - ﷺ -: «الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان، فإذا حلم أحدكم حلمًا يخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره».



ويؤيده قول حذيفة - رضي الله عنه -: فتنة الرجل في أهله وماله تكفرها الصلاة والصدقة (١).
وقال الداودي: الثاني هو الأول، وقد يعطف الشيء عَلَى نفسه تأكيدًا لأن ما يفتح من الخزائن يكون سببًا للفتنة.
سابعها:
قوله: («فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ»). يحتمل أوجهًا:
رب كاسية في الدنيا في غير بيتها وعند غير زوجها عارية في الآخرة من الثواب. رب كاسية لا يسترها الرقيق من الثياب التي تصفها معاقبةً في الآخرة بالتعرية والفضيحة. رب كاسية في الدنيا لها المال تكتسي به من رفيع الثياب عارية في الآخرة منها. ندبهن إلى الصدقة بأن يأخذن بالكفاية ويتصدقن بما بعد ذَلِكَ. رب كاسية من نعم الله عارية من الشكر، فكأنها عارية في الآخرة من نعيمها الذي يكون الشكر سببه، أو أنها تستر جسدها وتشد الخمار من ورائها فتكشف صدرها.
قُلْتُ: وهذا نحو الحديث الصحيح من طريق أبي هريرة مرفوعًا:
«صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِياتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا». أخرجه مسلم منفردًا به (٢).

-----------------------
(١) جزء من حديث سيأتي برقم (٥٢٥) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة كفارة.
(٢) رواه مسلم (٢١٢٨) كتاب: اللباس والزينة، باب: النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات. وأحمد ٢/ ٣٥٦، وأبو يعلى ١٢/ ٤٦ (٦٦٩٥)، وابن حبان ١٦/ ٥٠٠ - ٥٠١ (٧٤٦١). والبيهقي ٢/ ٢٣٤. وفي «الشعب» ٤/ ٣٤٨ - ٣٤٩ (٥٣٥٧). وفي «الدلائل» ٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣.



وسياق الحديث يقوي الوجه الثاني، فهن إذًا كاسيات في الظاهر عاريات حقيقة؛ لأن الستر إِذَا لم يقع به الامتثال يكون وجوده كعدمه.
ثامنها:
المراد بـ (ربَّ) هنا: التكثير، أي: المتصف بهذا من النساء كثير، ولذلك لو جعل موضع (رب) (كم) لحسن، قَالَ ابن مالك: أكثر النحاة يرون أن (رب) للتقليل، ورجح هو أن معناها في الغالب التكثير، واستدل بهذا الحديث وشبهه (١).
تاسعها:
يجوز كسر (عارية) عَلَى النعت، ورفعه عَلَى أنه خبر مبتدأ مضمر.

--------------------
(١) «شواهد التوضيح» ص ١٠٤.


٤٢ - باب حِفْظِ العِلْمِ
١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الُمهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأسوَاقِ، وإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضرُونَ، وَيحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ. [١١٩، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ١/ ٢١٣]

١١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الَمقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ. قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «ضُمُّهُ» فَضَمَمْتُة فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الُمنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي فُدَيْكٍ بهذا، أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ. [انظر: ١١٨ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ١/ ٢١٥]

١٢٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَن سَعِيدٍ الَمقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُة، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُة قُطِعَ هذا البُلْعُومُ. [فتح: ١/ ٢١٦]
حدثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْن عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وِإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ


- ﷺ - بشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ.
حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ. قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ. قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثنَا ابن أَبِي فُدَيْكٍ بهذا، أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدهِ فِيهِ.
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هذا البُلْعُومُ.
قَالَ أبو عبد الله: البُلْعُومُ مَجْرى الطَّعَامِ.
الكلام عَلَى ذَلِكَ من أوجه:
أحدها:
الحديث الأول أخرجه البخاري أيضًا في المزارعة عن موسى بن إسماعيل عن إبراهيم (١). وفي الاعتصام عن علي، عن سفيان (٢).
وأخرجه مسلم في الفضائل عن قتيبة وأبي بكر وزهير عن سفيان.
وعن عبد الله بن جعفر بن يحيى، عن مالك. وعن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عنه (٣)، وله طرق من غير رواية الأعرج.

----------------------
(١) سيأتي برقم (٢٣٥٠) كتاب: المزارعة، باب: ما جاء في الغرس.
(٢) سيأتي برقم (٧٣٥٤) كتاب: الاعتصام.
(٣) قلت أخرجه مسلم (٢٤٩٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي هريرة الدوسي، عن قتيبة بن سعيد وأبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، عن سفيان. =



والحديث الثاني:
أخرجه في علامات النبوة (١) كما ستعرفه.
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف: وعبد العزيز سلف، وكرره شيخنا قطب الدين في «شرحه».
وأحمد بن أبي بكر: هو أبو مصعب الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها، سمع مالكًا وطائفة، وعنه الستة لكن النسائي بواسطة، وأخرج لَهُ مسلم حديث أبي هريرة: «السفر قطعة من العذاب» فقط (٢).
واسم أبي بكر: القاسم، وقيل: زرارة بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف. وهو أحد من حمل «الموطأ» عن مالك. مات سنة اثنتين وأربعين ومائتين عن اثنتين وتسعين سنة (٣).
وأما ابن أبي ذئب: فهو الإمام محمد (ع) بن عبد الرحمن بن

----------------------
= وعن عبد الله بن جعفر بن يحيى، عن معن، عن مالك، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق عن معمر كلهم، عن الزهري، عن الأعرج به.
(١) سيأتي برقم (٣٦٤٨) كتاب: المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي - ﷺ - آية فأراهم انشقاق القمر.
(٢) رواه مسلم (١٩٢٧) كتاب: الإمارة، باب: السفر قطعة من العذاب واستحباب تعجيل المسافر إلى أِهله بعد قضاء شغله.
(٣) وقال الزبير بن بكار: مات وهو فقيه أهل المدينة من غير مدافعة ولاه القضاء عبيد الله بن الحسن، وقال أبو زرعة وأبو خاتم صدوق. قال الحاكم: كان فقيها متقشفًا عالمًا بمذاهب أهل المدينة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ونقل ابن حجر قول أبي خيثمة لابنه: لا تكتب عنه ثم قال: يحتمل أن يكون مراد أبي خيثمة دخوله في القضاء أو إكثاره من الفتوى بالرأي.
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٥ - ٦ (١٥٠٦)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٣ (١٦)، و«الثقات» ٨/ ٢١، «تهذيب الكمال» ١/ ٢٧٨ - ٢٨١ (١٧)، و«تهذيب التهذيب» ١/ ١٨.



المغيرة بن أبي ذئب، أبو الحارث المدني العامري الثقة كبير الشأن. روى عن عكرمة وخلق. وعنه: معمر وخلق. مات سنة تسع وخمسين ومائة، وولد سنة ثمانين.
قَالَ الشافعي: ما فاتني أحد فأسفت عليه ما أسفت عَلَى الليث وابن أبي ذئب. وعن بعضهم: في حديثه عن الزهري شيء. قيل: للاضطراب.
وقيل: إن سماعه منه عرض. وهذا ليس بقادح (١).
وأما محمد (خ) بن إبراهيم بن دينار: فهو المدني الحمصي، الثقة الفقيه، مفتي المدينة بعد مالك ومعه. روى عن موسى بن عقبة وجماعة.
وعنه أبو مصعب، مات سنة اثنتين وثمانين ومائة (٢).

----------------------------
(١) وقال ابن حجر في مقدمة «فتح الباري» ص ٤٤٠: ابن أبي ذئب أحد الأئمة الأكابر العلماء الثقات لكن قال ابن المديني كانوا يوهنونه في الزهري، وكذا وثقه أحمد ولم يرضه في الزهري، رمي بالقدر ولم يثبت عنه بل نفي ذلك عنه مصعب الزبيري وغيره، وكان أحمد يعظمه جدا حتى قدمه في الورع على مالك وإنما تكلموا في سماعه من الزهري لأنه كان وقع بينه وبين الزهري شيء فحلف الزهري أن لا يحدثه ثم ندم فسأله ابن أبي ذئب أن يكتب له أحاديث أرادها فكتبها له فلأجل هذا لم يكن في الزهري بذاك بالنسبة إلى غيره، وقد قال عمرو بن علي الفلاس: هو أحب إليَّ في الزهري من كل شامي انتهى احتج به الجماعة، وحديثه عن الزهري في البخاري في المتابعات.
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ١٥٢ (٤٥٥)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٣ (١٧٠٤)، «الثقات» ٧/ ٣٩٠، و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٣٠ (٥٤٠٨).
(٢) ويقال له: أبو عبد الله الجهني، قال البخاري: ويقال: الأنصاري لقبه صندل. قال البخاري: معروف الحديث. وقال أبو حاتم: كان من فقهاء المدينة نحو مالك، وكان ثقة وذكره ابن حبان في الثقات. وانظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ١/ ٢٥ (٢٥). و«الجرح والتعديل» ٧/ ١٨٤ (١٠٤٤). و«ثقات ابن حبان» ٩/ ٩٣. و«تهذيب الكمال» ٢٤/ ٣٠٦ (٥٠٢٤).



ثالثها: في ألفاظه ومعانيه:
قوله: (يَشْغَلُهُمُ) هو بفتح الياء ثلاثي، وحكي ضمها وهو ضعيف.
قَالَ الهروي: يقال: أصفق القوم عَلَى الأمر وصفقوا بالبيع والبيعة. قَالَ غيره: أصله من تصفيق الأيدي بعضها عَلَى بعض من المتبايعين عند العقد.
و(السوق) يذكر ويؤنث، سميمت بذلك لقيام الناس فيها عَلَى سوقهم.
وكان أبو هريرة من ضعفاء المسلمين ومن أهل الصفة كما سلف في ترجمته.
وقوله: (فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ). وفي غير «الصحيح»: فغرف فيه بيديه. ثمَّ قَالَ: «ضمه» .. الحديث. وفي بعض طرقه عند البخاري: «لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هذِه، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَيَنْسَى مِن مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا». فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا، حَتَّى قَضَى مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هذا (١).
وفي مسلم: «أيكم يبسط ثوبه فيأخذ» (٢) فذكره بمعناه، ثمَّ قَالَ: فما نسيت بعد ذَلِكَ اليوم شيئًا حَدَّثَنِي به. وهذِه الرواية دالة عَلَى العموم، وأنه بعد ذَلِكَ لم ينس شيئًا سمعه منه، لا أنه خاص بتلك المقالة كما تشعر به الرواية السالفة، فإنه شكى النسيان، ففعل ذَلِكَ ليزول عنه.
وفيه: فضيلة ظاهرة لأبي هريرة، وفيه: حفظ العلم والدءوب عليه

----------------------
(١) ستأتي برقم (٢٣٥٠) كتاب: المزارعة، باب: ما جاء في الغرس.
(٢) «صحيح مسلم» (٢٤٩٢) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي هريرة الدوسي.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* احذر 5 طرق تستخدم لاختراق هاتفك الآيفون .. ثغرات iMessage الأبرز
* عطل فني في آيفون 17.. تعرف على إصلاح المشكلة في 6 خطوات
* واتساب هيرجعلك محادثاتك لو تليفونك ضاع.. تعرف على التحديث الجديد
* وداعا للبطارية الفارغة.. خرائط جوجل تختبر وضع توفير الطاقة لتمديد رحلاتك الطويلة
* فى خطوات.. كيف تحمى طفلك من مخاطر تيك توك؟
* الأبراج
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 08:05 PM   #81

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 606 الى صـــ 625
الحلقة (81)





والمواظبة عَلَى طلبه. وفيه: ظهور بركة دعائه. وفيه: فضل التقليل من الدنيا وإيثار طلب العلم عَلَى طلب المال.
وفيه: أنه يجوز للإنسان أن يخبر عن نفسه بفضله إِذَا اضطر إلى ذَلِكَ لاعتذار عن شيء أو ليبين ما لزمه تبيينه إِذَا لم يقصد بذلك الفخر.
وقوله: («ضمه»): يجوز ضم ميمه وفتحها وكسرها. وقال بعضهم: لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده. واختاره الفارسي، وجوزه صاحب «الفصيح» وغيره.
والوعاء: بكسر الواو ويجوز ضمها، وما حفظ - رضي الله عنه - من السنن المذاعة لو كتب لاحتمل أن يملأ منها وعاء، وما كتمه من أخبار الفتن كذلك.
ومعنى (بثثته): أذعته وأشهرته، قيل: هو أشراط الساعة، وفساد الدين، وتضييع الحقوق، وتغيير الأحوال لقوله - ﷺ -: «يكون فساد الدين عَلَى يد أغيلمة من قريش» (١)، وكان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، لكنه خشي عَلَى نفسه ولم يصرح.
وجاء في غير البخاري: حفظت ثلاثة جرب، بثثت منها جرابين، ولو بثثت الثالث لقطع (هذا) (٢). يعني: البلعوم -وهو بضم الباء الموحدة- وهو مجرى النفس إلى الرئة، وقال الجوهري والقاضي: مجرى الطعام في الحلق، وهو المريء (٣).

----------------------
(١) سيأتي برقم (٣٦٠٥) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة. من حديث أبي هريرة بلفظ: «هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش».
(٢) في (ج): مني.
(٣) «الصحاح» ٥/ ١٨٧٤. و«مشارق الأنوار» ١/ ٨٩.



وقد فسره البخاري به كما سلف، وجاء: خمسة. يعني: أجرب (١) وفيه: أن كل من أمر بمعروف إِذَا خاف عَلَى نفسه في التصريح أن يعرض، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام ما وسعه كتمها؛ لأنه قَالَ: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت شيئًا ثمَّ يتلو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] كما سلف.
-----------------------
(١) ورد بهامش الأصل: رواية (خمسة أجرب) رواها الرامهرمزي.
وبعده تعليق آخر نصه: فسره الرواة في الجزء السادس، فقال: حدثنا عبدان، ثنا عمر بن عبد الله البصري (…) عن رسول الله - ﷺ -: خمسة جرب أحاديث وقال: (…) لو أخرجت الثالث لرميتموني بالحجارة.



٤٣ - باب الإِنْصَاتِ للْعُلَمَاءِ
١٢١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فقال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠ - مسلم: ٦٥ - فتح: ١/ ٢١٧].
حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ثنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ» فقال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع: هذا أحدها.
وثانيها: في المغازي عن حفص بن عمر (١).
ثالثها: في الفتن عن سليمان، كلاهما عن شعبة به (٢).
رابعها: في الديات عن بندار، عن غندر، عن شعبة (٣)، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به، وهذا أنزل من الأول بدرجة (٤).
وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٤٤٠٥) باب: حجة الوداع.
(٢) سيأتي برقم (٧٠٨٠) باب: قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا».
(٣) سيأتي برقم (٦٨٦٩) كتاب: الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾.
(٤) لم يروه البخاري عن عبيد الله بن معاذ، بل لم يرو عنه إلا بواسطة، وعلق عنه بصيغة الجزم. وبهذا السند رواه مسلم (٦٥/ ١١٨).



شعبة، وعن ابن المثنى، وابن بشار، عن غندر به (١).
وهو قطعة من حديث أبي بكرة الطويل، ذكره البخاري في الخطبة أيام منى (٢)، ومسلم في الجنايات (٣)، وقد سلف قطعة من حديث أبي بكرة في باب: رب مبلغ أوعى من سامع وغيره (٤).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف.
وحجاج هو ابن منهال (٥)، وأبو زرعة هو هرم (٦)، وعلي بن مدرك هو أبو مدرك النخعي الكوفي الصالح الصدوق ثقة، عنه شعبة، مات سنة عشرين ومائة (٧).

-----------------------
(١) مسلم (٦٥/ ١١٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان معنى قول النبي - ﷺ -: «لا ترجعوا بعدي كفارًا».
(٢) سيأتي برقم (١٧٤١) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى.
(٣) مسلم (١٦٧٩/ ٢٩) كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض.
(٤) سلف برقم (٦٧) كتاب: العلم، باب: قول النبي - ﷺ -: «رب مبلغ أوعى من سامع»، وبرقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: «ليبلغ العلم الشاهد الغائب».
(٥) هو حجاج بن المنهال الأنماطي أبو محمد السلمي وقيل: البرساني مولاهم البصري، روى عن حماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، روى عنه البخاري ومسلم، وثقه النسائي، وقال أبو حاتم: ثقة، وقال خلف بن محمد كردوس الواسطي: توفي سنة ست عشرة ومائتين وكان صاحب سنة.
انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠١، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٦٧ (٧١١)، «تهذيب الكمال» ٥/ ٤٥٧ (١١٢٨).
(٦) سبقت ترجمته في حديث رقم (٣٦).
(٧) علي بن مُدْرك النخعي ثم الوهبيلي: روى له الجماعة، وقال عنه إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة. وكذا قال النسائي. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: صالح صدوق، ثم قال: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات».
وانظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣١١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٢٩٤ (٢٤٤٦)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٥٧ (١٣١٠)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠٣ (١١١٦)، «الثقات» ٥/ ١٦٥، «تهذيب الكمال» ٢١/ ١٢٦ (٤١٣٣).



ثالثها: في معانيه وضبط ألفاظه:
سميت حجة الوداع؛ لأنه - ﷺ - ودعهم فيها وعلمهم أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع لمن غاب عنه بقوله: «ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ» والقياس في الحجة الفتح؛ لكونه اسمًا للمرة لا للهيئة، والمسموع: الكسر، قَالَ الهروي وغيره: هو المسموع في واحده (١).
وحضور جرير حجة الوداع يدل عَلَى تقدم إسلامه، فإنه قيل: أسلم في رمضان سنة عشر (٢)، وقد أسلفنا أنه قيل: أسلم قبل وفاته - ﷺ - بأربعين يومًا.
ومعنى «لا تَرْجِعوا»: لا تصيروا. قَالَ ابن مالك: رجع هنا بمعنى: صار (٣).
وقوله: «بَعْدي» أي: بعد فراقي من موقفي هذا، قاله الطبري (٤).
وقال غيره: «بَعْدِي» أي: خلافي، أي: لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به، ويحتمل أنه - ﷺ - علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته.
وقوله: «يضرب» هو برفع الباء عَلَى الصواب، وهو الرواية أي: لا تفعلوا فعل الكفار. فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا، ومحاربة بعضهم بعضًا، وهذا أولى الوجوه في تأويله كما قاله القاضي (٥).

--------------------
(١) انظر: «الصحاح» ١/ ٣٠٤ مادة: (حجج)، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣٤٠ - ٣٤١.
(٢) انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٥٦٠.
(٣) «شواهد التوضيح» ص ١٣٨.
(٤) «تفسير الطبري» ٦/ ٦٥ (١٥١٣٧).
(٥) «إكمال المعلم» ١/ ٣٢٤.



وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتَّى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فأنزل الله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (١) [آل عمران: ١٠١]. أي: تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر دال عَلَى أن النهي عن ضرب الرقاب، وعما قبله بسببه كما جاء في حديث أبي بكرة: «إنَّ دماءَكُم وأمْوَالَكُم عليكُم حَرَام» وذكر الحديث، ثمَّ قَالَ: «ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا» الحديث (٢).
فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم عَلَى بعض، وفيه ستة أقوال أخر:
أحدها: أنه كُفر عَلَى بابه في حق المستحل لغير الحق.
وثانيها: أن المراد: كفر النعمة وحق الإسلام.
ثالثها: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه.
رابعها: لا تكفروا حقيقة، بل دوموا مسلمين.
خامسها: أن المراد بالكفار: المتكفرون في السلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه، إِذَا لبسه، حكاه الخطابي (٣).
سادسها: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا، فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا،

----------------------
(١) روى الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٧٥ (٧٥٣٣) عن ابن عباس قال: كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذِه الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ إلى آخر الآيتين، ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾، إلى آخر الآية.
ورواه أيضًا ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٧٢٠ (٣٨٩٨)، والواحدي في «أسباب النزول» ١٢١ (٢٣٤).
(٢) سيأتي برقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: «ليبلغ العلم الشاهد الغائب».
(٣) «أعلام الحديث» ٣/ ١٧٨١.



ومن سكن الباء (١) أحال المعنى؛ لأن النهي عَلَى هذا التقدير يكون عن الكفر مجردًا، وضرب الرقاب جواب النهي ومجازاة الكفر، وسياق الخبر كما سلف يأباه، وجوزه أبو البقاء وابن مالك (٢) عَلَى تقدير شرط مضمر أي: إن ترجعوا يضرب.
رابعها: في فوائده:
فيه: التصريح بما بوب عليه البخاري من الإنصات للعلماء فإنه توقير لهم، وكيف لا وهم ورثة الأنبياء؟! وقد أمر الله تعالى أن لا يرفع الصوت فوق صوت النبي؛ خوف حبوط العمل (٣).
وفيه أيضًاة تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه.
وتعلق به بعض أهل البدع في إنكار حجية الإجماع كما قَالَه المازري؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه لما نهاها.
والجواب: أن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من الإمكان، وقد قَالَ تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ومعلوم أنه معصوم (٤).

----------------------
(١) يقصد في قوله: «يضرب بعضكم».
(٢) «شواهد التوضيح» ص ١٩٨.
(٣) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].
(٤) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٦٥.



٤٤ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَىُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللهِ
١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -[قَالَ]: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَني إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيهِ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ أَن عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَل فَإِذَا فَقَدْتَهُ فهْوَ ثَمَّ. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكَتَلِ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَل الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَب حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الذِي أُمِرَ بهِ. فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ -أَوْ قَالَ: تَسَجَّى بِثَوْبِهِ- فَسَلَّمَ مُوسَى. فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ [الكهف: ٦٦، ٦٧]، يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْم مِن عِلْمِ اللهِ عَلّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْم عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ. قَال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل البَحْر لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ


يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ. فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ. فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحٍ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَىَ سَفِينَتِهِمْ فخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا! ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٢، ٧٣]. فَكَانَتِ الأولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؟! [الكهف: ٧٤] ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥]- قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: وهذا أَوْكَدُ- ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأقَامَة. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٧، ٧٨]. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا». [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ١/ ٢١٧]
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا سُفْيَانُ، ثنَا عَمْرٌو: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَني أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ - ﷺ - خطِيبًا فِي بَني إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ .. الحديث بطوله.


والكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث سلف قريبًا في موضعين: مختصرًا من كتاب العلم (١)، وأتى به في كتاب الأنبياء أتم (٢)، وقد سلف في باب: ما ذكر من ذهاب موسى في البحر إلى الخضر تعداد طرقه (٣).
ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف.
ثالثها: في ألفاظه ومعانيه:
الأولى: نَوف: بفتح النون، والبِكَالي -بكسر الباء الموحدة وفتح الكاف المخففة وفي آخره لام- نسبة إلى بني بكال بطن من حمير، وهو نوف بن فضالة، قَالَ أبو العباس أحمد بن عمر: وعند أبي بحر والخشني بفتح الباء وتشديد الكاف، قَالَ: ونسبه بعضهم في حمير، وآخرون في همدان. قَالَ: وكان نوف عالمًا فاضلًا إمامًا لأهل دمشق (٤).
قَالَ ابن التين: وكان حاجبًا لعلي، وكان قاصًّا، وهو ابن امرأة كعب الأحبار عَلَى المشهور، وقيل: ابن أخته، وكنيته: أبو زيد، وقيل: أبو رشيد.

------------------------
(١) سبق برقم (٧٨) باب: الخروج في طلب العلم.
(٢) سيأتي برقم (٣٤٠٠ - ٣٤٠١) باب: حديث الخضر مع موسى عليهما السلام.
(٣) سبق برقم (٧٤).
(٤) «المفهم» ٦/ ١٩٣. وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٢١٩: البكالي بفتح الموحدة وكسرها وتخفيف الكاف، ووهم من شددها منسوب إلى بكال بطن من حمير، ووهم من قال: إنه منسوب إلى بكيل -بكسر الكاف- بطن من همدان لأنهما متغايران. اهـ.



وقال ابن العربي في «الأحوذي»: لعله منسوب إلى بكيل: بطن من همدان (١). وليس كما قَالَ، فالمنسوب إلى ما ذكر هو أبو الوداك جبر بن نوف (٢) وغيره، وأما نوف هذا فمنسوب إلى بكال: بطن من حمير كما سلف، وهو المذكور في كتب الأنساب (٣).
الثانية قوله: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ). هذا قاله عَلَى سبيل الإغلاظ عَلَى القائل بخلاف قوله، فإنه ليس غيره وألفاظ الغضب تجيء عَلَى غير الحقيقة غالبًا (٤).
الثالثة: السائل هنا هو سعيد بن جبير، وابن عباس هو المخبر، ووقع فيما مضى أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب فسأله ابن عباس، فأخبره، فيحتمل أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد

--------------------
(١) «عارضة الأحوذي» ٢/ ١٢.
(٢) هو جبر بن نوف الهمداني البكالي، أبو الوداك الكوفي روى عن شريح بن الحارث القاضي، وأبي سعيد الخدري. قال ابن معين: ئقة، وقال النسائي: صالح. روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. انظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٢/ ٢٤٣، «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٨٠، «تهذيب الكمال» ٤/ ٤٩٥ - ٤٩٦.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٥٢، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٢٩ (٢٤٥١)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٥٠٥ (٢٣١١)، «الثقات» ٥/ ٤٨٣، «الأنساب» ٢/ ٢٦٩، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٦٥ (٦٤٩٨)، «تقريب التهذيب» (٧٢١٣).
(٤) قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٢١٩: قال ابن التين: لم يرد ابن عباس إخراج نوف عن ولاية الله، ولكن قلوب العلماء تنفر إذا سمعت غير الحق، فيطلقون أمثال هذا الكلام لقصد الزجر والتحذير منه، وحقيقته غير مراده. قلت -أي: ابن حجر-: ويجوز أن يكون ابن عباس اتّهم نوفًا في صحة إسلامه، فلهذا لم يقل في حق الحر بن قيس هذِه المقالة مع تواردهما عليها، وأما تكذيبه فيستفاد منه أن للعالم إذا كان عنده علم بشيء فسمع غيره يذكر فيه شيئًا بغير علم أن يكذبه.



الواقعة الأولى المتقدمة لابن عباس مع الحر، فأخبره ابن عباس لمَّا سأله عن قول نوف أن موسى ليس موسى بني إسرائيل.
وجاء أن السائل غير ابن جبير، روي عن سعيد قَالَ: جلست إلى ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب. فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف، حَدَّثَنِي أُبَيّ وذكر الحديث.
الرابعة: قوله: «فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ». تقدم الكلام عليه في باب: ذهاب موسى إلى الخضر (١). فينبغي لمن سُئِلَ عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. وقد قَالَ مالك: جُنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله (٢).
وقال ابن المنير: ظن الشارح -يعني: ابن بطال- أن المقصود من الحديث التنبيه عَلَى أن الصواب من موسى كان ترك الجواب، وأن يقول: لا أعلم (٣)، وليس كذلك. بل رد العلم إلى الله تعالى متعين، أجاب أولم يجب، فإن أجاب قَالَ: الأمر كذا والله أعلم. وإن لم يجب قَالَ: الله أعلم، ومن هنا تأدب المُفْتون في أجوبتهم بقولهم: والله أعلم. فلو قَالَ موسى: أنا والله أعلم، لكان صوابًا، وإنما وقعت المؤاخذة باقتصاره عَلَى: (أنا أعلم) (٤).
الخامسة: «مجمع البحرين» هما: بحر الروم مما يلي (المغرب) (٥)

---------------------
(١) سبق برقم (٧٤).
(٢) انظر: «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٧٧.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ١٩٨.
(٤) «المتواري» ص ٦٤.
(٥) في الأصل: الغرب. والمثبت من (ف)، (ج).



وبحر فارس مما يلي (المشرق) (١). قاله قتادة (٢). وحكى الثعلبي عن أُبي بن كعب أنه بإفريقية (٣). وقيل: بحر الأردن وبحر القُلْزُم. قَالَ السهيلي: وقيل: بحر المغرب وبحر الزقاق، قَالَ ابن عباس: اجتمع البحران: موسى والخضر بمجمع البحرين.
السادسة: (الحوت): السمكة، وكا نت مالحة، و(المكتل) -بكسر الميم وفتح المثناة فوق-: القفة والزِّنبيل (٤)، و(فتاه): صاحبه: يوشع بن نون (٥). سلف.
السابعة: قوله: «حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا» وفي رواية للبخاري «وفي أصل (الصخرة) (٦) عين يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر» (٧).
وفي رواية أخرى له: «فَقَالَ فَتَاهُ: لَا أُوقِظُهُ. حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وأمسك الله عن الحوت (جِرْية) (٨) الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي يوشع أن يخبره» (٩).

------------------
(١) في الأصل: الشرق. والمثبت من (ف)، (ج).
(٢) انظر: «تفسير عبد الرزاق» ١/ ٣٤١ (١٦٩٣)، «تفسير الطبري» ٨/ ٢٤٥ (٢٣١٦٨)، «تفسير البغوي» ٥/ ١٨٥، «زاد المسير» ٥/ ١٦٤، «تفسير ابن كثير» ٩/ ١٦١.
(٣) وكذا ذكره البغوي في «تفسيره» ٥/ ١٨٥، وابن الجوزي في «زاد المسير» ٥/ ١٦٤.
(٤) يسع خمسة عشر صاعًا، انظر: «الصحاح» ٥/ ١٨٠٩ مادة (كتل).
(٥) وقع بهامش الأصل تعليق نصه: في خط المصنف في الهامش: ونون مصروف كنوح.
(٦) في الأصل: شجرة، والصواب ما أثبتناه.
(٧) ستأتي برقم (٤٧٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا﴾.
(٨) في (ج): الجرية، والمثبت من الأصل.
(٩) سيأتي برقم (٤٧٢٥)، (٤٧٢٦) كتاب: التفسير.



فنسي يوشع وحده ونسب النسيان إليهما، فقال تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] كما قَالَ تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح، وقيل: نسي موسى أن يتقدم إلى يوشع في أمر الحوت، ونسي يوشع أن يخبره بذهابه ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] صار عليه الماء مثل الطاق، والطاق: عقد البناء وهو الأزج، وهو ما عُقد أعلاه بالبناء، وترك تحته خاليًا (١).
(والصخرة): هي التي دون نهر الزيت بالمغرب (٢)، قَالَ أُبي بن كعب: إفريقية. وقال مجاهد: بين البحرين (٣).
الثامنة: انتصب (سربًا) عَلَى المفعول كما قَالَ الزجاج، أو عَلَى المصدر كأنه قَالَ: سرب الحوت سربًا.
قَالَ ابن عباس: أحيا الله الحوت فاتخذ سبيله في البحر سربا، والسرب: حفير تحت الأرض. وجاء: «فجعل الماء لا يلتئم حتَّى صار كالكوة» (٤).
التاسعة: الضمير للحوت ويؤيده قوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وكان لموسى وفتاه عجبًا -ويبعد أن يكون لموسى- أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر سربًا- أي: مذهبًا ومسلكًا- فإنه اتبع أثره ويبس الماء في ممره، فصار طريقًا.

------------------
(١) انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٢٣١، «المجمل» ص ٥٩٠.
(٢) ذكره البغوي في «تفسيره» ٥/ ١٨٧ عن معقل بن زياد.
(٣) هذا الأثر رواه الطبري في «تفسيره» ٨/ ٢٤٧ (٣٢١٧٩)، وذكره ابن أبي حاتم ٧/ ٢٣٧٦ (١٢٨٨٩).
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٨/ ٢٤٨ (٢٣١٨٥) من حديث أبي بن كعب.



العاشرة: قوله: «فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا» كذا جاء هنا، وفي كتاب التفسير (١) ومسلم (٢): «بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا ولَيْلَتِهِمَا» وهي الصواب لقوله: «فلما أصبح» وفي رواية: «حتَّى إِذَا كان من الغد» (٣) قَالَ النووي: وضبطوه، -يعني: في مسلم- بنصب «ليلتهما» وجرها (٤).
الحادية عشرة: قوله: (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾) [الكهف: ٦٤] أي: يقصان قصصا، أي: فرجعا يقصان آثارهما حتَّى أتيا الصخرة، وفي مسلم: «فأراه مكان الحوت، فقال: ها هنا وصف لي» (٥) وفيه: «فأتيا جزيرة فوجدا الخضر قائمًا يصلي عَلَى طنفسة خضراء عَلَى كبد البحر» (٦) أي: وسطه، وفي البخاري: «فلما انتهى إلى الصخرة إِذَا رجل مسجى بثوب، أو قَالَ: تسجى بثوبه» (٧) أي: مغطى به كله كتغطية الميت وجهه ورجليه وجميعه. كما جاء في رواية أخرى له: «قَدْ جعل طرفه تحت رجله، وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى، فكشف الخضر عن وجهه» (٨).
الثانية عشرة: قوله: (فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) قَالَ عياض: تجيء أنَّى بمعنى: أين ومتى وحيث وكيف، قَالَ: وهذا يدل

-------------------
(١) رقم (٤٧٢٥) باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾.
(٢) مسلم (٢٣٨٠) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر - عليه السلام -.
(٣) وهي رواية البخاري السابقة رقم (٤٧٢٥).
(٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣٨.
(٥) مسلم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر - عليه السلام -.
(٦) سيأتي برقم (٤٧٢٦)، ولم أجد هذا اللفظ عند مسلم.
(٧) حديث الباب.
(٨) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.



عَلَى أن السلام لم يكن معروفًا عندهم إلا في خاصة الأنبياء والأولياء، أو كان موضع بلاد كفر وهم ممن لا يعرف السلام (١).
الثالثة عشرة: معنى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]: إنك سترى شيئًا ظاهره منكر ولا تصبر عليه، «يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَة لَا أَعْلَمُه أنا». وفي رواية أخرى لَهُ: «: فَمَا شَأْنُكَ؟ وَأَنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ؟ يَا مُوسَى، إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ، وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَة» (٢) ولم يسأله موسى عن شيء من دينه؛ لأن الأنبياء لا تجهل شيئًا من دينها التي تعبدت به أمتها، وإنما سأله عما لم يكن عنده علمه مما ذكر في السورة.
الرابعة عشرة: (السفينة) فعيلة بمعنى: فاعلة كأنها تسفن الماء، أي تقشره.
و(النول): -بالواو- والمنال والمنالة كله: الجُعل، وأما النيل والنوال: فالعطية ابتداءً، يقال: رجل نال إِذَا كان كثير النوال، كما قالوا: رجل مال أي: كثير المال، تقول: نلت الرجل أنوله نولًا، ونلت الشيء أناله نيلًا.
وقال صاحب «العين»: أنلته المعروف ونلته ونولته، والاسم النول والنيل يقال: نال ينال منالًا ومنالة (٣)، والنولة (٤): اسم

----------------------
(١) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧١ - ٣٧٢ وورد بهامش الأصل تعليق نصه: بلغ في السادس بعد الثلاثين كتبه مؤلفه.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٣) «العين» ٨/ ٣٣٣، مادة: (نول).
(٤) في (ج): والنيلة.



للقبلة (١). و«العصفور»؟ بضم العين.
الخامسة عشرة: قوله: «فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ» اعلم أن لفظ النقص هنا ليس عَلَى ظاهره؛ فإنَّ علم الله لا يدخله الزيادة ولا النقصان، وإنما هذا عَلَى جهة التمثيل.
والمعنى: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقر العصفور من البحر، فإنه لقلته وحقارته لا يظهر، فكأنه لم يأخذ شيئًا وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (٢) الآية [الكهف: ١٠٩].
قَالَ القاضي عياض: أو يرجع ذَلِكَ في حقهما أي: ما نقص علمنا مما جهلنا من معلومات الله إلا مثل هذا في التقدير، وجاء في البخاري: «ما علمي وعلمك في جنب علم الله (- أي: معلومه- إلا كما أخذ هذا العصفور» وقال بعضهم أن «إلا» هنا بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص

------------------
(١) انظر: «لسان العرب» ٣/ ٤٥٨٣، مادة: (نول).
(٢) قال شيخ الإسلام في «الفتاوى الكبرى» ١/ ٣٦٩ - ٣٧٠: ومن المعلوم أن علم الله القائم بنفسه لا يزول منه شيء بتعلم العباد، وإنما المقصود أن نسبة علمي وعلمك إلى علم الله كنسبة ما علق بمنقار العصفور إلى البحر، ومن هذا الباب كون العلم يورث كقوله: «العلماء ورثة الأنبياء». ومنه قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦]، ومنه توريث الكتاب أيضًا كقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ﴾ [فاطر: ٣٢]، ومثل هذِه العبارة من النقص ونحوه تستعمل في هذا وإن كان العلم الأول ثابتًا، كما قال سعيد بن المسيب لقتادة، وقد أقام عنده أسبوعًا سأله فيه مسائل عظيمة حتى عجب من حفظه وقال: نزفتني يا أعمى.
وإنزاف القليب ونحوه هو رفع ما فيه بحيث لا يبقى فيه شيء، ومعلوم أن قتادة لو تعلم جميع علم سعيد لم يُزل علمه من قلبه كما يزول الماء من القليب. اهـ



علمي وعلمك من علم الله) (١) ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لما تقدم من أن علم الله تعالى لا ينقص بحال، ولا حاجة إلى هذا التكلف؛ لما بيناه من التمثيل (٢).
السادسة عشرة: قوله: «فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ» قَالَ المفسرون: قلع لوحين مما يلي الماء. وفي البخاري: «فوَتَدَ فِيهَا وَتدًا» (٣)، وفيه: «فعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ به».
السابعة عشرة: في خرقه السفينة -كما قَالَ القاضي- مخافة أخذ الغاصب، حجة للنظر في المصالح ودفع أخف الضررين، والإغضاء عَلَى بعض المنكرات مخافة أن يتولد من عدم (تغييرهما) (٤) ما هو أشد، وجواز إفساد بعض المال لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام لسمنها، وقطع بعض آذانها للتمييز (٥).
الثامنة عشرة: قوله: «فَعَمَدَ» هو بفتح العين والميم، يقال: عَمَد بفتح الميم في الماضي، يعمد بكسرها في المستقبل.
التاسعة عشرة: معنى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] أي: غفلتُ، وقيل: لم ينس ولكنه ترك، والترك يسمى نسيانًا. وفي البخاري: «فكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا» وفي موضع آخر منه: «وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا» وقيل: نسي في الأولى فاعتذر، ولم ينس في

-------------------
(١) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧٧.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٤) كذا في الأصل، (ج)، والأولى: تغييرها.
(٥) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٧٢.



الثانية فلم يعتذر (١).
العشرون: معنى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ [الكهف: ٧٣]: لا تغشني (٢)، وقيل: لا تلحق بي وهمًا، يقال: رهقه الشيء بالكسر يرهقه بالفتح رهقًا بالتحريك إِذَا غشيه، وأرهقته: كلفته ذَلِكَ، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله أي: لا تعسرني لا أعسرك الله.
الحادية بعد العشرين: قوله: («فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ») وجاء فيه في بدء الخلق: «فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ بيده هكذا» (٣) وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا، وفيه في التفسير: «فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذْ أَبْصَرَ الخَضِرُ غُلَامًا مَعَ الغِلْمَانِ فَاقْتَلَعَ رأسه فَقَتَلَهُ» (٤). وجاء: «فوجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ» (٥).
وقال الكلبي: صرعه ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] أي: طاهرة. وفي مسلم: «فَذُعِرَ مُوسَى (ذَعْرَةَ مُنْكِرٍ) (٦) عندها». وفيه أيضًا: «وَأَمَّا الغُلَامُ فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا» (٧)،

--------------------
(١) سيأتي (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾، وبرقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٢) انظر: «زاد المسير» ٥/ ١٧١ وورد بهامش الأصل تعليق نصه: من خط المؤلف في الهامش: وقيل: تكلفني، وقيل: تحملني.
(٣) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾.
(٤) سيأتي برقم (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾.
(٥) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾.
(٦) كذا في الأصل بالإضافة، وفي (ج): ذعرةً منكرةً.
(٧) رقم (٢٣٨٠/ ١٧٢) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر - عليه السلام -.



وهو معنى قوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] والطغيان: الزيادة في الإضلال.
قَالَ البخاري: وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أبواه مؤمنين وكان هو كافرًا) (١). وعنه: وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين (٢).
وأوَّل ابن بطال قوله: «كان كافرًا» باعتبار ما يئول إليه لو عاش.
قَالَ: ووجه (استباحة) (٣) القتل لا يعلمه إلا الله، ولله تعالى أن يميت من شاء من خلقه قبل البلوغ وبعده، ولا فرق بين قتله وموته، وكل ذَلِكَ لا اعتراض عليه فيه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٤).
فائدة: الغلام جيسور كما ذكره في التفسير (٥)، وهو بجيم وسين وراء مهملة، قاله ابن ماكولا (٦). وغيره ذكر أنه اسم الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا، وهو عجيب، ومنهم من أبدل الراء بنون، وسيأتي فيه زيادة في التفسير.
وقال ابن جرير: أخذ الخضر صخرة فثلغ بها رأسه (٧).
واسم أبيه: كازيري، وأمه: سهوى، وقيل: اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رحمى.

---------------------
(١) سيأتي برقم (٤٧٢٦) في التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٢٥) كتاب: التفسير، باب: وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح …
(٣) في الأصل، ج، ف: استنجائه. والمثبت من «شرح ابن بطال».
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٥) سيأتي برقم (٤٧٢٦) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وبرقم (٤٧٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾، وانظر «تفسير ابن أبي حاتم» ٧/ ٢٣٨٠ (١٢٩٢٣).
(٦) «الإكمال» ٢/ ٣٧٧.
(٧) «تفسير الطبري» ٨/ ٢٥٣.






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* احذر 5 طرق تستخدم لاختراق هاتفك الآيفون .. ثغرات iMessage الأبرز
* عطل فني في آيفون 17.. تعرف على إصلاح المشكلة في 6 خطوات
* واتساب هيرجعلك محادثاتك لو تليفونك ضاع.. تعرف على التحديث الجديد
* وداعا للبطارية الفارغة.. خرائط جوجل تختبر وضع توفير الطاقة لتمديد رحلاتك الطويلة
* فى خطوات.. كيف تحمى طفلك من مخاطر تيك توك؟
* الأبراج
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 08:07 PM   #82

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      






الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 646 الى صـــ 665
الحلقة (82)





سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن أشعث، وعن أبي بكر، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن أشعث، عن الأسود) (١)
وأخرجه من حديث عروة (٢)، وحديث عبد الله بن الزبير وفيه: سمعت عائشة (٣).
وأخرجه مسلم فيما انفرد به أن عبد الملك بن مروان (٤)، بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ ابن الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ المُؤمِنِينَ. يَقُولُ: سَمِعْتهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا عَائِشَةُ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ البَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ. فَإِنَّ قَوْمَكِ اقَتصَّرُوا فِي البِنَاءِ». فَقَالَ الحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هذا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَنَا سَمِعْتُها تُحَدِّثُ بهذا. قَالَ: لَوْ كنْتُ سَمِعْتُة قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ، لَتَرَكْتُة عَلَى مَا بَنَى ابن الزُّبَيْرِ (٥).
وفي بعض طرق حديث الأسود: أن ابن الزبير قَالَ له: ما نسيت أذكرك. وهذِه الرواية تدل عَلَى أن ابن الزبير سمعه من عائشة بغير واسطة، وقد سلف، لكنه أراد أن يثبت ذَلِكَ رواية غيره عن عائشة ليرد به (على من) (٦) يتكلم عليه.
وللبخاري في الحج من حديث الأسود: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ،

-------------------
(١) ساقطة من (ج). رواهما مسلم (١٣٣٣/ ٤٠٥، ٤٠٦) كتاب: الحج، باب: جدر الكعبة وبابها.
(٢) سيأتي برقم (١٥٨٥)، (١٥٨٦) كتاب: الحج، باب: فضل مكة.
(٣) رواه مسلم (١٣٣٣/ ٤٠٢).
(٤) وقع في الأصل، (ج) بعد مروان: وان.
(٥) مسلم (١٣٣٣/ ٤٠٤) كتاب: الحج، باب: نقض الكعبة وبنائها.
(٦) في (ج): عمن.



وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بالأَرْضِ» (١). وفي حديث عروة: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيم». فَذَلِكَ الذِي حَمَلَ ابن الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ راوي الحديث: وَشَهِدْتُ ابن الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ. وفيه أنه حزر مِنَ الحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا (٢).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف.
أما الأسود (ع) فهو أبو عبد الرحمن الأسود بن يزيد بن قيس بن عبيد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن ذهل بن بكر بن عوف النخعي التابعي الجليل الثقة الحبر، أخو عبد الرحمن بن يزيد، وابن أخي علقمة بن قيس، وهو أسن من علقمة، وهو أيضًا خال إبراهيم النخعي.
روى عن عائشة وغيرها من الصحابة. وعنه أبو إسحاق وغيره، سافر ثمانين حجة وعمرة ولم يجمع بينهما، وكذا ولده عبد الرحمن، وقيل: إنه كان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يقولون: إنه أقل أهل بيته اجتهادًا، وصار عظمًا وجلدًا، وكانوا يسمون آل الأسود من أهل الجنة. مات سنة خمس وسبعين، وقيل: أربع (٣).

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٥٨٤) كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها.
(٢) سيأتي برقم (١٥٨٦) كتاب: الحج، باب: فضل مكة وبنيانها.
(٣) الأسود بن يزيد بن قيس النخعي. قال الإمام أحمد: ثقة، من أهل الخير. وقال إسحاق، عن يحيى: ثقة. قال محمد بن سعد: ثقة، وله أحاديث صالحة. =



فائدة:
في الصحيحين الأسود جماعة غير هذا، منهم الأسود بن عامر شاذان (١).
وأما إسرائيل فهو أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الثقة -وخالف ابن المديني فضعفه- سمع جده وغيره، وعنه شبابة وغيره، قَالَ يحيى: هو أقرب حديثًا، وشريك أحفظ. ولد سنة مائة، ومات سنة ستين ومائة. وقيل: سنة إحدى. وقيل: سنة اثنتين وستين (٢).

------------------
= انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٧٠، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٩١ (١٠٦٧)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٢٣٣ (٥٠٩).
(١) هو الأسود بن عامر شاذان أبو عبد الرحمن الشامي نزيل بغداد روى عن حماد بن سلمة وحماد بن زيد وشريك بن عبد الله وإسرائيل بن يونس وغيرهم. قال أبو حاتم عن علي بن المديني: ثقة، وقال ابن سعد: كان صالح الحديث، وقال أحمد بن حنبل: ثقة. مات سنة ثمان وستين.
انظر ترجمته في: «الطبقات» ٧/ ٣٣٦، «الجرح والتعديل» ١/ ١ (٩٤)، «تاريخ بغداد» ١/ ٤٤٨ (١٤٣١)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٢٢٦ (٥٠٣).
(٢) إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي. قال عبد الرحمن بن مهدي عن عيسى بن يونس: قال لي إسرائيل: كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة.
قال أبو طالب: سئل أحمد: أيهما أثبت شريك أو إسرائيل؟ قال: إسرائيل كان يؤدي ما سمع، كان أثبت من شريك. قلت: من أحب إليك يونس أو إسرائيل في أبي إسحاق؟ قال: إسرائيل؛ لأنه كان صاحب كتاب.
وقال ابن حجر: وهو كما قال ابن معين، فتوجه أن كلام يحيى القطان محمول على أنه أنكر الأحاديث التي حدثه بها إسرأئيل عن أبي يحيى، فظن أن النكارة من قبله، وإنما هي من قبل أبي يحيى كما قال ابن معين، وأبو يحيى ضعفه الأئمة النقاد، فالحمل عليه أولى من الحمل على من وثقوه والله أعلم، احتج به =



ثالثها: في فوائده:
فيه: ترك شيء من الأمر بالمعروف، إِذَا خشي منه أن يكون سببًا لفتنة قوم ينكرونه ويسرعون إلى خلافه واستبشاعه، وترك المصلحة لمعارضة مفسدة أشد منها، فخشي - ﷺ - أن تنكر ذَلِكَ قلوبهم لقرب عهدهم بالكفر، ويظنون أنه فعل ذَلِكَ لينفرد بالفخر، وعظم هدمها لديهم.
وقد روي أن قريشًا حين بنت البيت في الجاهلية تنازعت فيمن يجعل الحجر الأسود، فحكَّمُوا أول رجل يطلع عليهم، فطلعَ النبي - ﷺ -، فرأى أن يحمل الحجر في ثوب، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف الثوب، فرضوا بذلك (١). ولم يروا أن ينفرد بذلك واحد منهم خشية أن ينفرد بالفخر.
فلما ارتفعت الشبهة فعل فيه ابن الزبير ما فعل، فجاء الحجاج فردَّه كما كان، وتركه من بعده خشية أن يتلاعب الناس به، فيكثر هدمه وبنيانه، فتذهب هيبته من صدور الناس، كما قاله الإمام مالك لما سأله عن ذَلِكَ هارون الرشيد (٢).
وفيه: أن النفوس تُساس بما تُساس إليه في الدين من غير الفرائض بأن يترك ويرفع عن الناس ما ينكرون منها كما قررناه.

------------------
= الأئمة كلهم.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٦ (١٦٦٩)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٣٠ (١٢٥٨)، «تاريخ بغداد» ٧/ ٢٠ (٣٤٨٨)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٥١٥ (٤٠٢).
(١) رواه ابن إسحاق في «سيرته» ص ٨٧ (١١٣)، والأزرقي في «أخبار مكة» ١/ ١٥٩.
(٢) انظر: «التمهيد» ١٠/ ٥٠.



فائدة:
بنيت الكعبة مرات، الملائكة، ثمَّ إبراهيم، ثمَّ قريش في الجاهلية،
وحضر النبي - ﷺ - هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين -وقيل: خمس وعشرين- وفيه سقط عَلَى الأرض حين رفع إزاره، ثمَّ بناه ابن الزبير، ثمَّ بناه الحجاج بن يوسف واستمر، وقيل: مرتين أخريين أو ثلاثًا.
فائدة أخرى:
استدل أبو محمد الأصيلي فيما حكاه ابن بطال من هذا الحديث في مسألة من النكاح، ذلك أن جارية يتيمة غنية كان لها ابن عم وكان فيه ميل إلى الصبا، فخطب ابنة عمه وخطبها رجل غني، فمال إليه الوصي، وكانت اليتيمة تحب ابن عمها ويحبها، فأبى وصيها أن يزوجها منه، ورفع ذَلِكَ إلى القاضي، وشاور فقهاء وقته، فكلهم أفتى أن لا تزوج من ابن عمها، وأفتى الأصيلي أن تزوج منه خشية أن يقعا في المكروه، استدلالًا بهذا الحديث، فزوجت منه (١).

-------------------
(١) «شرح ابن بطال» ١/ ٢٠٦.


٤٩ - باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا
وَقَالَ عَلِيٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟

١٢٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَعْرُوفٍ بْنِ خَرَّبُوذٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ. [فتح: ١/ ١٢٧].

١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرّحْلِ، قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «يَا مُعَاذُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلَا أخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا». وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. [١٢٩ - مسلم: ٣٢ - فتح: ١/ ٢٢٦]

١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لُمِعَاذٍ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ». قَالَ: ألَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا». [انظر: ١٢٨ - مسلم ٣: ٢ - فتح: ١/ ٢٢٧]
حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قال: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟
حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (ثَنَا) (١) مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - ومُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ:

-------------------
(١) في (ج): أخبرنا.


«يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «يَا مُعَاذُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا، قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أخْبرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: «إِذًا يَتَّكِلُوا». وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا.
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِمُعَاذٍ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ». قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: «لَا، أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا».
الكلام عَلَى هذِه الأحاديث:
أما حديث علي فالكلام عَلَى إسناده ثمَّ متنه.
أما إسناده: فعلي - رضي الله عنه - سلف.
وأبو الطفيل هو عامر بن واثلة، وقيل: عمرو بن عبد الله بن عمرو بن بن جري بن سعد بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي.
ولد عام أحد، كان يسكن الكوفة، ثمَّ سكن مكة إلى أن مات. وعن سعيد الجريري، عن أبي الطفيل قَالَ: لا يحدثك أحد اليوم في وجه الأرض أنه رأى النبي - ﷺ - غيري.
وكان من أصحاب على المحبين له، وشهد معه مشاهده كلها، وكان ثقة مأمونًا، يعترف بفضل الشيخين، فاضلًا بليغًا عاقلًا شاعرًا محسنًا.
قَالَ ابن عبد البر في «كناه»: وكان فيه تشيع. قَالَ: وكان من (كبار) (١) التابعين. روي لَهُ عن النبي - ﷺ - تسعة أحاديث، وهو آخر من مات من الصحابة عَلَى الإطلاق كذا قاله غير واحد.

-------------------
(١) كذا في الأصل، وفي (ج): أكابر.


لكن ذكر ابن دريد في كتاب «الاشتقاق الكبير»: عكراش بن ذؤيب (ت. ق)، وقَالَ: لقي النبي - ﷺ -، وله حديث، وشهد الجمل مع عائشة. فقال الأحنف: كأنكم به، وقد أتي به قتيلًا أو به جراحة لا تفارقه حتَّى يموت، فضرب يومئذ عَلَى جهة أنفه، فعاش بعدها مائة سنة (١). وأثر الضربة به (٢). فعلى هذا تكون وفاته بعد سنة خمس وثلاثين ومائة.
وأبو الطفيل أكثرهم لا يُثْبِت لَهُ صحبة، إنما يذكرون لَهُ رؤية، والبخاري أخرج لَهُ هنا هذا الأثر خاصة عن علي، وأخرج لَهُ مسلم في الحج (٣)، وصفة النبي - ﷺ - (٤)، وعن معاذ وغيره من الصحابة، وروى لَهُ أيضًا الأربعة، مات سنة عشر ومائة عَلَى الصحيح بمكة (٥).
وأما معروف (خ م دق) فهو ابن خربوذ المكي مولى قريش روى عن أبي الطفيل وغيره. وعنه عبيد الله بن موسى وغيره، وروى لَهُ مسلم وأبو

---------------------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال بعض أشياخنا: وهذا باطل لا أصل له، والذي أوقع ابن دريد في ذلك ابن قتيبة في «المعارف» وهو إما باطل أو مثول بأنه استكمل بعد الجمل مائة سنة. وصحح الذهبي في «الوفيات» أنه توفي سنة عشر ومائة، وكذا في «الكاشف» له. اهـ.
قلت: انظر: «المعارف» لابن قتيبة ص ٣١٠، «الكاشف» للذهبي ١/ ٥٢٧.
وقد أورد هذا التعليق الناسخ في «حاشيته على الكاشف» ٢/ ٣٢، وأشار إلى أن القائل من شيوخه هو الحافظ زين الدين العراقي.
(٢) «الاشتقاق الكبير» ص ٢٤٩.
(٣) مسلم (١٢٦٤، ١٢٦٥)، باب: استحباب الرمل في الطواف، (١٢٧٥) باب: جواز الطواف على بعير وغيره …
(٤) مسلم (٢٣٤٠) كتاب: الفضائل، باب: كان النبي - ﷺ - أبيض مليح الوجه.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: وصحيح الذهبي في «الوفيات» أنه توفي سنة عشر ومائة. وكذا في «الكاشف» اهـ. وانظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٤١ (٧٥١)، «الاستيعاب» ٢/ ٣٤٧ (١٣٥٢)، «أسد الغابة» ٣/ ١٤٥ (٢٧٤٥)، «الإصابة» ٢/ ٢٦١ (٤٤٣٦).



داود وابن ماجه، وضعفه ابن معين، وقواه غيره، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه (١).
وأما عبيد الله هو ابن موسى وقد سلف.
وأما متنه: فمعناه أنه ينبغي أن يحدث كل أحد عَلَى قدر فهمه، ولا يحدثه بما يُشتبه عليه، فيذهب في معناه إلى غير ما أريد به، وقد ذكر مسلم في مقدمة «صحيحه» بإسناده الصحيح إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَة» (٢).
وأما حديث أنس، عن معاذ فالكلام عليه أيضًا من وجهين:
أحدهما: في التعريف برواته غير من سلف التعريف به.
أما معاذ (ع) بن جبل هو الخزرجي النجيب، جمع القرآن في حياته - ﷺ -، كان يشبه بإبراهيم، كان أمة قانتًا لله حنيفًا. مات بالأردن سنة ثماني عشرة (٣).
وأما معاذ (ع) بن هشام فهو الدستوائي البصري سكن ناحية من

-------------------
(١) معروف بن خربوذ المكي، مولى عثمان، ويقال عن ابن عيينة: إنه معروف بن مشكان، وذلك وهم. قال عبيد بن معاذ الحنفي عن معروف بن خربوذ مولى عثمان: كنت أتكلم في القدر فأتيت جعفر بن علي فسلمت عليه، فلم يرد عليَّ السلام. وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم، وكان أخباريًا علامة.
انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١٤ (١٨١٦)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٨٧ (١٧٥٨)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٣٢١ (١٤٨١)، «الثقات» ٥/ ٤٣٩، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٢٦٣ (٦٠٨٦)، «تقريب التهذيب» ص ٥٤٠ (٦٧٩١).
(٢) انظر: مقدمة «صحيح مسلم» ١/ ٩.
(٣) انظر ترجمته في «الاستيعاب» ٣/ ٤٥٩ (٢٤٤٥)، «أسد الغابة» ٥/ ١٩٤ (٤٩٥٣)، «الإصابة» ٣/ ٤٢٦ (٨٠٣٧).



اليمن، ومات بالبصرة سنة مائتين. روى عن أبيه وابن عون، وعنه أحمد وغيره، قَالَ ابن معين: صدوق، وليس بحجة، وعنه أيضًا، وقد سئل: أهو أثبت في شعبة أو غندر؟ فقال: ثقة، ثقة. وقال ابن عدي: ربما يغلط في الشيء وأرجو أنه صدوق (١)، وأما والده فسلف في باب: زيادة الإيمان ونقصانه.
وأما إسحاق بن إبراهيم (خ، م، د، ت، س) فهو الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مطر المروزي، أمير المؤمنين، الإمام المجمع عَلَى جلالته وعلمه وفضله وحفظه.
روى عنه مَنْ عدا ابن ماجه، وبَقِيَّةُ شيخُه، وخَلْق من آخرهم السراج.
وروى عن جرير، ومعتمر، ومعاذ، وطبقتهم. وُلدَ أبوه بطريق مكة فقالت المراوزة: راهوي؛ لأنه ولد في الطريق، والطريق بالفارسية: راه، وكان يكره هذا النعت (٢).
أملى مسنده من حفظه، وأملى مرة أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثمَّ قرئت عليه فما زاد حرفًا ولا نقص حرفًا، وعنه قَالَ:

---------------------
(١) معاذ بن هشام بن أبي عبد الله واسمه سنبر.
قال أبو أحمد بن عدي: ولمعاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة حديث كثير، ولمعاذ عن غير أبيه أحاديث صالحة، وهو ربما يغلط في الشيء، بعد الشيء، وأرجو أنه صدوق، وقال ابن حجر في مقدمة «الفتح»: لم يكثر له البخاري واحتج به الباقون.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٦٦ (١٥٧٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٤٩ (١١٣٣)، «الثقات» ٩/ ١٧٦ - ١٧٧، «الكامل» ٨/ ١٨٧ (١٩١٣)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ١٣٩ (٦٠٣٨)، «مقدمة فتح الباري» ص ٤٤٤.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قوله: (وكان يكره هذا النعت) أي: أبوه، وأما هو فلا يكره ذلك.



أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها. وأحفظ سبعين ألف حديث عَلَى ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة؛ لأفليها من الأحاديث الصحيحة. وثناء الحفاظ عليه مشهور.
وقال أبو داود: تغير قبل موته بخمسة أشهر، وأنكر عليه غيره زيادته في حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة دون أصحاب الزهري: «وإن كان ذائبًا (لما) (١) تقربوه» (٢) ويجوز أن يكون الخطأ من بعد إسحاق، وكذا حديث أنس روى فيه جمع التقديم بين الظهر والعصر، والذي في الصحيحين جمع التأخير.
ولد سنة إحدى وستين ومائة وقيل: سنة ست ومات في شعبان سنة ثماني وثلاثين ومائتين بنيسابور عن سبع وسبعين سنة.
فائدة: أخرج البخاري هنا لإسحاق بن راهويه. قَالَ أبو علي الجياني: وفي موضعين في الصلاة، وفي الأنبياء وشهود الملائكة، وفي باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥]. وفي كتاب النبي - ﷺ - إلى قيصر وكسرى، وتفسير براءة والممتحنة، والذبائح، والاستئذان: حَدَّثَنَا إسحاق، ثنا يعقوب.
نسبه ابن السكن في بعض هذِه المواضع إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وجاء منسوبًا عند الأصيلي، وابن السكن في الفتيا وهو واقف عَلَى الدابة: حدثنا إسحاق بن منصور، أنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن صالح. وفي: حج الصبيان، نسبه الأصيلي أيضًا: إسحاق بن منصور.

--------------------
(١) كذا في الأصل، (ج). والذي في (ف)، و«صحيح ابن حبان»: فلا.
(٢) وواه ابن حبان في «صحيحه» ٤/ ٢٣٤ (١٣٩٢) من طريق إسحاق بن إبراهيم.



قَالَ الكلاباذي: إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور يرويان عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري (١).
ثانيهما: في ألفاظه ومعانيه:
الأولى: قوله: (يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) أما (ابن) فمنصوب قطعًا (٢) ويجوز في معاذ النصب والرفع، واختار ابن الحاجب النصب عَلَى أنه (تابع لـ (ابن) فيصيران) (٣) كاسم واحد مركب كأنه أضيف إلى جبل، والمنادى المضاف منصوب قطعًا، واعترضه ابن مالك فقال: الاختيار الضم؛ لأنه منادى علم ولا حاجة إلى إضمار.
الثانية: (لبيك): مشتق من لب يقال: لب بالمكان لبًا وألب إلبابًا إِذَا أقام به، وبني؛ لأن معناه إجابة بعد إجابة كما قالوا: حنانيك. أي: رحمة بعد رحمة.
قَالَ الأزهري: ومعنى لبيك: أنا مقيم عَلَى طاعتك، إقامة بعد إقامة، أصلها لبين فحذفت النون للإضافة. قَالَ الفراء: نصبت عَلَى المصدر (٤)، أي: كقولك: حمدًا وشكرًا.
الثالثة: الرديف: الركوب خلف الدابة. قَالَ ابن سيده: ردف الرجل وأردفه وارتدفه: جعله خلفه عَلَى الدابة، ورديفك: الذي يرادفك، والجمع: رُدَفاء ورُدَافي، والرديف: الراكب خلفك، والرداف: موضع مركب الرديف (٥).

----------------------
(١) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٢ - ٩٦٤.
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: يجوز فيه الضم، ذكره ابن مالك … ومثله فاعلمه.
(٣) كذا في الأصول، والمعنى لا يستقيم، ولعل الصواب: على أنه مع ما بعده كاسم واحد. انظر: «فتح الباري» ١/ ٢٢٦.
(٤) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٢٢٤.
(٥) «المحكم» ١٠/ ٢٧.



وفي «الصحاح»: كل شيء تبع شيئًا فهو ردفه (١). وفي «مجمع الغرائب»: ردفته ركبت خلفه. وأردفته: أركبته خلفي. وفي «جامع القزاز»: أنكر بعضهم الرديف، وقال: إنما هو الردف، وحكي: ردفت الرجل وأردفته إِذَا ركبت وراءه، وإذا جئت بعده.
وأرادف الملوك في الجاهلية: هم الذين كانوا يخلفون الملك كالوزراء. وعند ابن حبيب: يركب مع الملك عديله أو خلفه، وإذا قام الملك جلس مكانه، وإذا سقي الملك سقي بعده. وقد جمع ابن منده أرداف النبي - ﷺ - فبلغوا نيفًا وثلاثين رديفًا.
الرابعة: إن قُلْت: أخبر الشارع - ﷺ - أنه إِذَا قَالَ ذَلِكَ حرم عَلَى النار، ومظالم العباد لا تسقط إجماعًا، وأيضًا من خلط، ففعل المحرم وضيع ما وجب، تحت المشيئة، فكيف يجمع بين ذلك؟
قُلْتُ: بوجوه:
أحدها: أن الأول قبل نزول الفرائض والأمر والنهي. قاله سعيد بن المسيب وجماعة.
ثانيها: أن ذَلِكَ لمن قالها وأدى حقها وفرائضها، قاله الحسن.
ثالثها: أن ذَلِكَ لمن قالها عند الندم والتوبة ومات عليها وهو قول البخاري، كما سيأتي في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.
رابعها: أن المراد حرم عليه الخلود؛ لقوله: «أَخْرِجُوا مِن النار مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّة خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» (٢) وهذا فيه قوة.

--------------------
(١) «الصحاح» ٤/ ١٣٦٣.
(٢) سبق برقم (٢٢) كتاب: الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال.
وسيأتي برقم (٦٥٦٠) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار.



الخامسة: قوله: «إِذًا يَتَكِلُوا» فيه تخصيص قوم بالعلم إِذَا أمن منهم الاتكال والترخص دون من لم يأمن منهم، وهو معنى قول البخاري: كراهية أن لا يفهموا أي: فيعملوا بالإطلاق ويتركوا التقييد.
السادسة: قوله: (فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمَا) هو بفتح التاء المثناة فوق، ثمَّ همزة مفتوحة أيضًا، ثمَّ مثلثة أي: فعل فعلًا خرج به عن الإثم، وقد سلف الكلام عَلَى هذِه (المادة) (١) فيما مضى عند قوله: (والتحنث: التعبد) وتأثمه: أنه كان يحفظ علمًا، فخاف فواته بموته، فخشي أن يكون ممن كتمه.
وأما حديث أنس فسلف التعريف برواته غير معتمر ووالده.
أما مُعتمر (ع) فهو ابن سليمان بن طرخان التيمي البصري لم يكن من بني تيم، بل كان نازلًا فيهم، وهو مولى بني مرة، روى عن أبيه، ومنصور وغيرهما. وعنه ابن مهدي وغيره، وكان ثقة صدوقًا رأسًا في العلم والعبادة كأبيه. ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة ويقال: كان أكبر من سفيان بن عيينة بسنة (٢).
وأما والده فهو أبو المعتمر سليمان (ع) التيمي، نزل فيهم بالبصرة،
لما أخرج لأجل الكلام في القدر، وكان من السادة، ومناقبه جمة، سمع

---------------------
(١) في (ج): المسألة.
(٢) معتمر بن سليمان قيل: إنه كان يلقب بالطفيل. قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: ثقة. قال أبو حاتم: ثقة صدوق، وقال عمرو بن علي، عن معاذ بن معاذ: سمعت مرة بن خالد يقول: ما معتمر عندنا دون سليمان التيمي.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٠، «التاريخ الكبير» ٨/ ٤٩ (٢١١٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٨٦ (١٧٥٥)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٠٢ (١٨٤٥)، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٢٥٠ (٦٠٨٠).



أنسًا وغيره. وعنه الأنصاري وغيره.
مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويصلي الصبح بوضوء عشاء الآخرة، وكان مائلًا إلى علي، وما روى عن الحسن، وابن سيرين فهو صالح إِذَا قَالَ: (سمعت أو قُلْتُ) (١) (٢).
وأما فقهه فسلف في الحديث قبله.

-----------------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: إذا قال: سمعت، أو حدثنا، أو أخبرنا.
(٢) سليمان التيمي أبو المعتمر. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: ثقة، وهو في أبي عثمان أحب إلي من عاصم الأحول.
وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين، والنسائي: ثقة. وقال أحمد بن عبد الله العجلي: تابعي ثقة، وكان من خيار أهل البصرة.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٥٢، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٠ (١٨٢٨)، «معرفة الثقات» ١/ ٤٣٠ (٦٧٠)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٢٤ (٥٣٩)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥ (٢٥٣١).



٥٠ - باب الحَيَاءِ فِي العِلْمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْي وَلَا مُسْتَكْبِرٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (١).

١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابنةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الَحقِّ، فَهَلْ عَلَى الَمرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ». فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ -تَعْنِي وَجْهَهَا- وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الَمرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا». [٢٨٢، ٣٣٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١ - مسلم ٣١٣ - فتح: ١/ ٢٢٨]

١٣١ - حَدَّثَنَا اِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟». فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هِيَ النَّخْلَةُ». قَالَ عَبْدُ اللهِ فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا. [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١/ ٢٢٩]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَام، أنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثنا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زينَبَ ابنةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَل

-------------------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: من خط المصنف في هامشه: رواه أبو داود عن صفية عنها. أهـ.
قلت: أبو داود (٣١٥)، (٤١٠٠).



عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْل إِذَا احْتلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا رَأَتِ المَاءَ». فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ -تَعْنِي وَجْهَهَا- وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا».
حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً ..». وذكر الحديث كما سلف.
أراد البخاري رحمه الله بهذا الباب بيان أن الحياء المانع من تحصيل العلم مذموم، ولذلك بدأ بقول مجاهد وعائشة، والحياء الواقع عَلَى وجه التوقير والإجلال مطلوب حسن كما فعلت أم سلمة حين غطت وجهها، وقد أسلفنا في باب أمور الإيمان حقيقة الحياء، وأن المذموم منه ليس بحياء حقيقة، وإنما هو عجز وخور.
وحديث أم سلمة سلف التعريف برواته خلا زينب بنت أم سلمة.
وأبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم كان اسمها برة فسماها رسول الله - ﷺ - زينب، ولدتها أمها بأرض الحبشة وقدمت بها، وهي أخت عمر وسلمة ودرة. روى لها البخاري حديثًا، ومسلم آخر، وقتل لها يوم الحرة ابنان فاسترجعت، ماتت سنة ثلاث وسبعين (١).

-------------------
(١) انظر: ترجمتها في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ٣٣٣٧ (٣٨٨٤)، و«الاستيعاب» ٤/ ٤١٠ (٣٣٩٥)، «أسد الغابة» ٧/ ١٣١ (٦٩٥٨)، «الإصابة» ٤/ ٣١٧ (٤٨٤).


ثمَّ الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة (١)، والأدب (٢)، وخلق آدم (٣)، كما (ستعلمه) (٤) إن شاء الله، وأخرجه مسلم (٥) والأربعة في الطهارة (٦).
ثانيها:
معنى قولها: (إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) أي: لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمنع من ذكره فتعتذر به، فعبر بالحياء عن الأمر به، من باب إطلاق اسم التعلق عَلَى المتعلق؛ لأن الله لا يوصف بالاستحياء عَلَى حد ما يوصف به المخلوق؛ لأنه منهم تغير وانكسار بتغير الأحوال، تعالى الله عن ذَلِكَ (٧).

--------------------
(١) سيأتي برقم (٢٨٢) كتاب: الغسل، باب: إذا احتلمت المرأة.
(٢) سيأتي برقم (٦٠٩١) كتاب: الأدب، باب: التبسم والضحك، وبرقم (٦١٢١) باب: ما لا يستحيى من الحق للتفقه في الدين.
(٣) سيأتي برقم (٣٣٢٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته.
(٤) كذا في الأصل، وفي (ج): ستعرفه.
(٥) مسلم برقم (٣١٣/ ٣٢) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها.
(٦) أبو داود معلقًا بعد حديث (٢٣٧)، الترمذي (١٢٢)، النسائي ١/ ١١٤، ابن ماجه (٦٠٠).
(٧) قال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في تعليقه على فتح الباري (١/ ٣٨٩): والصواب: أنه لا حاجة إلى التأويل مطلقًا، فإن الله يوصف بالحياء الذي يليق به ولا يشابه فيه خلقه كسائر صفاته، وقد ورد وصفه بذلك في نصوص كثيرة؛ فوجب إثباته له على الوجه الذي يليق به، وهذا قول أهل السنة والجماعة في جميع الصفات الواردة في الكتاب والسنة الصحيحة، وهو طريق النجاة فتنبه واحذر، والله أعلم.



ثالثها:
قدمت أم سليم هذا القول بسطًا لعذرها في ذكر ما تستحيي النساء من ذكره.
رابعها:
معنى: «تَرِبَتْ» افتقرت. يقال: ترب الرجل إِذَا افتقر، وأترب إِذَا استغنى، هذا هو المشهور، وهذِه الكلمة وشبهها تجري عَلَى ألسنة العرب من غير قصد الدعاء، وعليه يحمل كل ما جاء من الأحاديث من هذا وشبهه.
ومنه قوله في حديث خزيمة: «أَنْعِمْ صباحًا تربت يداك» (١) فأراد الدعاء لَهُ ولم يرد الدعاء عليه. والعرب تقول: لا أم لك، ولا أب لك، يريدون: لله درك، فتستعمل هذِه الألفاظ عند الإنكار عَلَى الشيء أو التأنيب أو الإعجاب أو الاستعظام، دون إرادة معناها الأصلي.
خامسها:
أخرج مسلم -منفردًا به- من حديث أنس أن أم سليم سألت ذَلِكَ بحضرة عائشة، وأن عائشة أنكرت ذَلِكَ عليها (٢)، فيحتمل كما قَالَ القاضي أن عائشة وأم سلمة كانتا أنكرتا عليها، فأجاب - ﷺ - كل واحدة بما أجاب، وإن كان أهل الحديث يقولون: إن الصحيح هنا أم سلمة لا عائشة (٣).

-------------------
(١) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٦/ ٣٧٣.
(٢) مسلم (٣١٠/ ٢٩) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني.
(٣) «إكمال المعلم» ٢/ ١٥٠.



سادسها:
إنما قالت أم سلمة ما قالت؛ لأنهن يستحيين منه؛ لأن خروجه منهن يدل عَلَى قوة شهوتهن، أو لأنه يقل فيهن، ولهذا جاء في «صحيح مسلم»: فضحت النساء (١)، أي: كشفت من أسرارهن ما يكنه من الحاجة إلى الرجال، ورؤية الاحتلام.
سابعها:
الشِّبه، والشَّبه واحد يريد: شبه الابن لأحد أبويه كما جاء مبينًا في «الصحيح»: «إِذَا علا ماؤها ماءه؛ آنَّث -أي: أشبه أخواله- وإذا عكس أذكر»، أي: أشبه أعمامه (٢).
ثامنها:
استدل به بعضهم عَلَى رد من يقول: إن ماء الرجل يخالط دم المرأة، وإن ماءه كالأنفحة ودمها كاللبن الحليب.
تاسعها:
أن المرأة تحتلم ويعرف منيها بالتدفق والتلذذ والرائحة -كمني الرجل- وأنكر جماعة تدفقه، والمسألة مبسوطة في الفروع، وأوضحتها في شروحي.
عاشرها:
أن الحياء لا يمنع من طلب الحق.

-----------------
(١) رواه مسلم (٣١٣) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني منها.
(٢) مسلم (٣١٤/ ٣٣) كتاب: الحيض، باب: وجوب الغسل على المرأة بخروج المني من حديث عائشة بنحوه.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* احذر 5 طرق تستخدم لاختراق هاتفك الآيفون .. ثغرات iMessage الأبرز
* عطل فني في آيفون 17.. تعرف على إصلاح المشكلة في 6 خطوات
* واتساب هيرجعلك محادثاتك لو تليفونك ضاع.. تعرف على التحديث الجديد
* وداعا للبطارية الفارغة.. خرائط جوجل تختبر وضع توفير الطاقة لتمديد رحلاتك الطويلة
* فى خطوات.. كيف تحمى طفلك من مخاطر تيك توك؟
* الأبراج
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 08:11 PM   #83

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (3)
من صـــ 666 الى صـــ 680
الحلقة (83)





فائدة: جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سليم، منهن خولة (١) بنت حكيم، أخرجه ابن ماجه (٢) وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان (٣)، وبسرة ذكره ابن أبي شيبة (٤)، وسهلة بنت سهيل رواه الطبراني في «الأوسط» وفي إسناده ابن لهيعة (٥).
وأما حديث ابن عمر فسلف الكلام عليه في باب: قول المحدّث: ثنا وأنبا (٦).
وفيه: حرص الرجل عَلَى ظهور ابنه في العلم عَلَى من هو أكبر سنًّا منه، فإن في آخره (قَالَ عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا).

---------------
(١) ورد بهامش (ج) ما نصه: حديث خولة أخرجه النسائي بسند جيد، فعزوه إليه أولى. اهـ.
قلت: أخرجه النسائي في «الكبرى» ١/ ٢٠٩ (٢٠٤).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في أصل سماعنا .... ولا غيره، ولأبي وخلف .... أجمع مستحضرًا هذِه .... فليحرر. اللهم إلا أن .... بعض النسخ دون بعض عزاه إلى ابن ماجه … أيضًا المزي في … في «مسند خولة».
(٣) «سنن ابن ماجه» (٦٠٢) كتاب: الطهارة وسننها، باب: في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل،
وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص ١١٣ (٢٠٨) وإسناد طريق ابن ماجه ضعيف لضعف علي بن زيد.
وقال الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه»: حسن.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ١/ ٨٠ (٨٨١).
(٥) «المعجم الأوسط» للطبراني ٨/ ٢٧٦ (٨٦٢٥)، وقال: لم يرو هذا الحديث عن ابن هبيرة إلا ابن لهيعة.
ورواه في «الكبير» ٢٤/ ٢٩٢ (٧٤٣). وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٢٦٧، وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف.
(٦) حديث رقم (٦١).



وإنما تمنى ذَلِكَ رجاء أن يسر النبي - ﷺ - بإجابته، فيدعو له، وقد كان عمر بن الخطاب يسأل ابن عباس وهو صغير مع شيوخ الصحابة.
وذكر ابن سلام أن الحطيئة أتى مجلس عمر، فرأى ابن عباس قَدْ نزع الناس بلسانه فقال: من هذا الذي نزل عن القوم في سنه ومدته وتقدمهم في قوله وحكمته.
وإن كبير القوم لا علم عنده صغير … إذا التفت عليه المحافل
وفيه: أن الابن العالم الموفق أفضل مكاسب الدنيا؛ لقوله: (لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا).


٥١ - باب مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ
١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن دَاوُدَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ الَحنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ الِمقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَألَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضوءُ». [١٧٨، ٢٦٩ - مسلم: ٣٠٣ - فتح: ١/ ٢٣٠]
حدثنا مُسَدَّدٌ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «فِيهِ الوُضُوءُ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الطهارة كما سيأتي (١)، ورواه مسلم في الطهارة عن أبي بكر، عن وكيع وغيره. وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن الأعمش به (٢).
ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف.
أما منذر (ع) فهو أبو يعلى منذر بن يعلى الثوري الكوفي الثقة، عن ابن الحنفية وغيره. وعنه فطر وغيره. قَالَ منذر: لزمت محمد بن الحنفية حتَّى قَالَ بعض ولده: لقد غلبنا هذا النبطي عَلَى أبينا (٣).
وأما عبد الله (خ، ٤) بن داود فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن

---------------
(١) سيأتي برقم (١٧٨) كتاب: الوضوء، باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.
(٢) مسلم (٣٠٣) كتاب: الحيض، باب: المذي.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣١٠، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٥٧ (١٥٤٠)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٩٨ (١٧٩١)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٤٢ (١٠٩٣)، «الثقات» ٧/ ٥١٨، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٥١٥ (٦١٨٧).



داود بن عامر بن الربيع الخريبي البصري الهمداني الشعبي، أصله كوفي نزل البصرة بالخريبة وهي محلة منها. روى عن هشام وغيره. وعنه بندار وغيره. ثقة حجة ناسك. قَالَ: ما كذبت كذبة قط إلا مرة في صغري قَالَ لي أبي: ذهبت إلى الكتاب؟ قُلْتُ: نعم، ولم أكن ذهبت. قَالَ أبو حاتم: وكان يميل إلى الرأي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين (١).
فائدة:
ليس في البخاري والأربعة عبد الله بن داود غير هذا، نعم، في الترمذي آخر واسطي مختلف في ثقته (٢).
ومحمد ابن الحنفية: أبوه علي، والحنفية أمه، يروي عن أبيه، وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه وعمرو بن دينار وغيره. مات سنة ثمانين عَلَى المشهور، ابن سبع وستين سنة (٣).

------------------
(١) «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٧ (٢٢١).
وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٥، «التاريخ الكبير» ٥/ ٨٢ (٢٢٣)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٥٨ (٣٢٤٨).
(٢) عبد الة بن داود الواسطي أبو محمد التمار. قال البخاري: فيه نظر.
وقال أبو حاتم: ليس بقوي حدَّث بحديث منكر، عن حنظلة بن أبي سفيان، وفي حديثه مناكير.
وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال ابن حجر في «التقريب»: ضعيف من التاسعة.
وانظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٨٢ (٢٢٦). «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٨ (٢٢٢)، «المجروحين» ٢/ ١٣٤، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٦٧ (٣٢٤٩) «ميزان الاعتدال» ٣/ ١٢٩ (٤٢٩٤)، «تقريب التهذيب» ص ٣٠٢ (٣٢٩٨).
(٣) محمد بن علي بن أبي طالب القرشي.
قال العجلي: تابعي ثقة كان رجلًا صالحًا. قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد:
لا نعلم أحدًا أسند عن علي، عن النبي - ﷺ - أكثر ولا أصح مما أسند محمد =



ثالثها: في ألفاظه:
قوله: (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) هو: بتشديد الذال المعجمة والمد، فعَّال من المذي أي: كثير المذي، وهو بإسكان الذال عَلَى الأفصح، وفيه لغة ثانية: كسر الذال مع تشديد الياء، وثالثة: كسرها مع تخفيف الياء، ويقال: أمذى ومذَّى ومذَى بتشديد الذال وتخفيفها، وهذِه الثلاث في المني والودي.
والمذي: ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة عند الشهوة، وهو في النساء أغلب منه في الرجال، وفي المثل: كل ذكر يمذي، وكل أنثى تقذي. أي: تلقي بياضًا.
رابعها: في فوائده:
الأولى: إيجاب الوضوء منه وهو إجماع (١)، وللبخاري في الطهارة: «توضأ واغسل ذكرك» (٢).
ولمسلم: «توضأ وانضِح فرجك» (٣).
والمراد: غسل ما أصابه منه، واختلف عن مالك في غسل الذكر كله وهل يحتاج إلى نية أم لا؟ (٤)

---------------
= ابن الحنفية.
انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٩١، «التاريخ الكبير» ١/ ١٨٢ (٥٦١)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٤٩ (١٦٣١)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٦ (١١٦)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ١٤٧ (٥٤٨٤).
(١) نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر في «الأوسط» ١/ ١٣٤، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٢٠٦.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٩) كتاب: الغسل، باب: غسل المذي والوضوء منه.
(٣) مسلم (٣٠٣/ ١٩) كتاب: الحيض، باب: المذي.
(٤) «المنتقى» ١/ ٨٧، «الذخيرة» ١/ ٢١٣.



الثانية: جواز الاستنابة في الاستفتاء.
الثالثة: جواز الاعتماد عَلَى الخبر المظنون مع القدرة عَلَى المقطوع لأن عليًّا بعث من يسأل مع القدرة على المشافهة، وإن كان جاء في النسائي أنه كان حاضرًا وقت السؤال إذ فيه: فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله. فقال: «فيه الوضوء» (١).
الرابعة: عموم قضايا الأحوال، وفيه خلاف في الأصول.
الخامسة: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي ألا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبي المرأة، وأخيها وغيرهما من أقاربها؛ لأن المذي غالبًا إنما يكون عند الملاعبة.
السادسة: خصَّ أصحاب مالك إيجاب الوضوء بما إِذَا حصل المذي عن ملاعبة؛ لأن في «الموطأ» أنه سأل عن الرجل إِذَا دنى من أهله وأمذى، ماذا يجب عليه؟ (٢)
والجواب خرج عَلَى مثله في المعتاد بخلاف المستنكح، والذي به علة فإنه لا وضوء عليه. ويدل عليه استحياء علي إذ لو كان (عن) (٣) مرض أو سلس لم يستحي منه (٤).
وعمم الشافعي وأبو حنيفة فأوجبا منه الوضوء عملًا بإطلاق سؤال المقداد (٥).

----------------
(١) «سنن النسائي» ١/ ٩٦.
(٢) «الموطأ» ص ٥٠، ورواه أبو داود (٢٠٧)، والنسائي ١/ ٩٧، وابن ماجه (٥٠٥)، وابن حبان ٣/ ٣٨٣ (١١٠١). قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٢): حديث صحيح.
(٣) كذا في الأصل، وفي (ج): في.
(٤) انظر: «المنتقى» ١/ ٨٨.
(٥) انظر: «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٥ - ٤٨، «المبسوط» ١/ ٦٧، «البيان» ١/ ٢٤٢، «المجموع» ٢/ ١٦٤.



وفي «سنن أبي داود» عنه قَالَ: كنت رجلًا مذاءً فجعلت أغتسل حتَّى تشقق ظهري (١). وهذا دال عَلَى كثرة وقوعه منه ومعاودته.
السابعة: جاء أيضًا أنه أمر عمارًا أن يسأل (٢)، وجاء أيضًا أنه سأل بنفسه (٣)، فيحمل عَلَى أنه أرسلهما ثمَّ سأل بنفسه.
الثامنة: جاء في أبي داود الأمر بغسل الأنثيين أيضًا (٤)، وعللت بالإرسال وغيره. وقال بعضهم بوجوب ذَلِكَ والجمهور عَلَى خلافه (٥).
وأولت هذِه الرواية عَلَى الاستظهار، وفي بعض أحوال انتشاره، ويقال: إن الماء البارد إِذَا أصاب الأنثيين رد المذي وكسره (٦).

---------------
(١) أبو داود (٢٠٦).
(٢) رواه النسائي ١/ ٩٦، ٩٧، وعبد الرزاق في «مصنفه» ١/ ١٥٥ (٥٩٧)، وأحمد ٤/ ٣٢٠، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» ١/ ٤٧٣ (١٤١٣).
(٣) رواه أبو داود (٢٠٦)، والترمذي (١١٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد ١/ ٨٧، ١٠٧، ١٠٩، ١١٠، ١١١، ١٢١، ١٢٥، وابن خزيمة ١/ ١٤ (٢٠)، وابن حبان ٣/ ٣٨٥ (١١٠٢).
(٤) أبو داود (٢٠٨). قال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٣): إسناده صحيح.
(٥) انظر: «الاستذكار» ٣/ ١٤، ١٩، «المنتقى» ١/ ٨٦، «البيان» ١/ ٢٤٢، «المغني» ١/ ٢٣٢.
(٦) وقع بهامش الأصل ما نصه: قال النووي في «شرح المهذب» عن حديث أبي داود: رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح، قال: قد أخذ به الإمام أحمد في رواية، وهو في أبي داود من حديث عبد الله بن سعد الأنصاري. اهـ.
قلت: انظر «المجموع» ٢/ ١٦٤.



٥٢ - باب ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا فِى الْمَسْجِدِ
١٣٣ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ - مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الَخطَّابِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الَمسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّاْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». وَقَالَ ابن عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ». وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هذِه مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [١٥٢٢، ١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٤٤ - مسلم: ١١٨٢ - فتح: ١/ ٢٣٠]
حدّثنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا اللَّيْثُ، عن نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّاْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». وَقَالَ ابن عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ». وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هذِه مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في الحج أيضًا وقال: لم أسمع هذِه من رسول الله - ﷺ - (١). بدل: (أفقه)، وأخرجها مع مسلم أبو داود، والنسائي من حديث ابن عباس مرفوعًا (٢) كما سيأتي هناك، وفي مسلم من حديث

-------------------
(١) سيأتي برقم (١٥٢٨) كتاب: الحج، باب: مهل أهل نجد.
(٢) مسلم (١١٨١/ ١١) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة، وأبو داود (١٧٣٨)، والنسائي ٥/ ١٢٣ - ١٢٤.



جابر غير مجزوم برفعه: «ومهل أهل العراق ذات عرق» (١).
وفي أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس أنه - ﷺ - وقت لأهل المشرف العقيق (٢). وسيأتي في البخاري أن تحديد ذات عرق من اجتهاد عمر (٣).
ثانيها:
سيأتي الكلام عَلَى هذِه المواضع في الحج فإنه أليق به.
و(قرن): بسكون الراء، وغلط الجوهري في فتحها وفي نسبة أويس القرني إليها، وإنما هو منسوب إلى قبيلة (٤).
وأصل القرن: الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير.
ثالثها:
هذِه المواقيت الأربعة المذكورة في حديث ابن عباس، وابن عمر ثابتة بالنص والإجماع (٥)، واختلف في ذات عرق لأهل العراق، والجمهور عَلَى أنه من اجتهاد عمر (٦)، ولأصحابنا اضطراب في تصحيحه (٧) كما أوضحته في كتب الفروع، وسنقف عليه إن شاء الله في موضعه.

------------------
(١) مسلم (١١٨٣/ ١٨) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة.
(٢) أبو داود (١٧٤٠)، والترمذي (٨٣٢). وقال: هذا حديث حسن، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٠٦): ضعيف.
(٣) سيأتي برقم (١٥٣١) كتاب: الحج، باب: ذات عرق لأهل العراق.
(٤) «الصحاح» ٦/ ٢١٨١، مادة: (قرن).
(٥) نقل الإجماع على ذلك ابن حزم في «مراتب الإجماع» ص ٧٥، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ١٤٠.
(٦) انظر: «التمهيد» ١٥/ ١٤٠ - ١٤١، «البيان» ٤/ ١٠٧ - ١٠٨، «المغنى» ٥/ ٥٦ - ٥٨.
(٧) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢.



٥٣ - باب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّ رَجُلًا سَأَلهُ: مَا يَلْبَسُ الُمحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ». [٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣، ٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ١/ ٢٣١]
حَدّثَنَا آدَمُ، ثنا ابن أَبِي ذِئْبِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ».
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في اللباس عن عليّ (عن) (١) سفيان، وفي الصلاة عن عاصم بن عليّ، عن ابن أبي ذئب، وفي الحج عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم، وأخرجه من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أيضًا (٢).

------------------
(١) في الأصل، (ج): ابن والصواب ما أثبتناه.
(٢) سيأتي برقم (٣٦٦) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في القميص والسراويل، وبرقم (١٨٤٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: لبس الخفين للمحرم، وبرقم (٥٨٠٦) كتاب: اللباس، باب: العمائم، وبرقم (٥٨٤٧) كتاب: اللباس، باب: الثوب المزعفر.



ثانيها:
الزائد عَلَى السؤال في الحديث قوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) إلى آخره، وله تعلق به؛ فلذا ذكره عقبه.
ثالثها:
جوابه - ﷺ - مما لا يلبس، وإن كان السؤال عما يلبس من بديع الكلام وجزله، فإن المسئول عنه غير منحصر، إذ الأصل الإباحة، وأجابه بالمنحصر الذي كان من حق السؤال أن يقع به.
وأيضًا لو أجاب بما يلبس لتوهم المفهوم، وهو أن غير المحرم لا يلبسه، فانتقل إلى ما لا يلبس لإزالة ذَلِكَ، عَلَى أن سفيان رواه مرة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قَالَ: سأل رجل رسول الله - ﷺ - ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال .. الحديث، رواه أحمد في «مسنده» وأبو داود والدارقطني في «سننهما» فجاء عَلَى الأصل (١).
رابعها:
الإجماع قائم عَلَى أن ما ذكر لا يلبسه المحرم (٢)، وعداه القياسيون إلى ما رأوه في معناه، وأنه - ﷺ - نبه بكل واحد من المذكورات عَلَى ما في معناه.
فنبه بالقميص والسراويل عَلَى كل مخيط أو مُحيط معمول عَلَى قدر البدن أو عضو منه كالجوشن والتبان وغيرهما.
ونبه بالعمائم والبرانس عَلَى كل ساتر للرأس مخيطا كان أو غيره،

------------------
(١) «سنن أبي داود» (١٨٢٣)، وأحمد ٢/ ٤، «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٣٢ (٦٨).
(٢) نقل الإجماع على ذلك ابن حزم في «مراتب الإجماع» ص ٧٦، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ١٠٣.



وبالخفاف عَلَى كل ساتر للرجل، ونبه بالزعفران والورس عَلَى كل طيب، والورس: نبت أصفر تصبغ به الثياب معروف.
خامسها:
جاء قطع الخفين لفاقد النعلين، وفي حديث ابن عباس (١) وجابر (٢) لم يذكر القطع، وبه أخذ الإمام أحمد (٣)، وخالف الثلاثة (والجمهور) (٤) وحملوا المطلق عَلَى المقيد (٥)، ومن الغريب إعلال

------------------
(١) سيأتي برقم (١٨٤١) كتاب: جزاء الصيد، باب: لبس الخفين للمحرم، ورواه مسلم (١١٧٨) كتاب: الحج، باب: بيان ما يباح للمحرم بحج أو عمرة …
(٢) رواه مسلم (١١٧٩) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة …
(٣) انظر: «المغني» ٥/ ١٢٠ - ١٢١، «الممتع» ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١، «المبدع» ٣/ ١٤٢ - ١٤٣، «كشاف القناع» ٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧. قال الخطابي في «معالم السنن» ٢/ ١٥٢: وأنا أتعجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقَلَّتْ سنة لم تبلغه. اهـ.
قال ابن مفلح في «المبدع» ٣/ ١٤٣: قال المروزي: احتججت على أبي عبد الله بحديث ابن عمر، وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث وذاك حديث. فقد اطلع - رضي الله عنه - على السنة، وإنما نظر نظر المتبحرين الذين أمدهم الله بعونه، مع أن خبرنا فيه زيادة حكم، وهو جواز اللبس بلا قطع لأن هذا الحكم لم يشرع بالسنة، قاله الشيخ تقي الدين. اهـ.
(٤) من (ف) وانظر قول الجمهور في: «مختصر الطحاوي» ص ٦٩، «الهداية» ١/ ١٤٩ - ١٥٠، «عيون المجالس» ٢/ ٧٩٩ - ٧٨٠، «المنتقى» ٢/ ١٩٦، «المجموع» ٧/ ٢٨٧. قال ابن قدامة في «المغني» ٥/ ١٢٢: والأولى قطعهما عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط. اهـ.
(٥) قال ابن القيم رحمه الله في «تهذيب سنن أبي داود» ٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨:
فإن قيل: فحديث ابن عمر مقيد، وحديث ابن عباس مطلق، والحكم والسبب واحد، وفي مثل هذا يتعين حمل المطلق على المقيد، وقد أمر في حديث ابن عمر بالقطع؟
فالجواب من وجهين: =



. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= أحدهما: أن قوله في حديث ابن عمر: «وليقطعهما» قد قيل: إنه مدرج من كلام نافع. قال صاحب «المغني»: كذلك روي في «أمالي أبي القاسم بن بشران» بإسناد صحيح: أن نافعًا قال بعد روايته للحديث: «وليقطع الخفين أسفل من الكعبين»، والإدراج فيه محتمل؛ لأن الجملة الثانية يستقل الكلام الأول بدونها فالإدراج فيه ممكن، فإذا جاء مصرحًا به أن نافعًا قاله زال الإشكال.
ويدل على صحة هذا أن ابن عمر كان يفتي بقطعهما للنساء، فأخبرته صفية بنت أبي عبيد، عن عاثشة أن رسول الله - ﷺ - رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع.
الجواب الثاني: أن الأمر بالقطع كان بالمدينة ورسول الله - ﷺ - يخطب على المنبر، فناداه رجل فقال: ما يلبس المحرم من الثياب؟ فأجابه بذلك، وفيه الأمر بالقطع، وحديث ابن عباس وجابر بعده، وعمرو بن دينار روى الحديثين معًا، ثم قال: انظروا أيهما كان قبل. وهذا يدل على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث ابن عباس.
وقال الدارقطني: قال أبو بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قال: نادى رجل رسول الله - ﷺ - وهو في المسجد. فذكره، وابن عباس يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب بعرفات.
فإن قيل: حديث ابن عباس رواه أيوب والثوري وابن عيينة وابن زيد وابن جريج، وهشيم، كلهم عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، ولم يقل أحد منهم «بعرفات» غير شعبة، ورواية الجماعة أولى من رواية الواحد.
قيل: هذا عبث، فإن هذِه اللفظة متفق عليها في الصحيحين، وناهيك برواية شعبة لها، وشعبة حفظها وغيره لم ينفها، بل هي في حكم جملة أخرى في الحديث مستقلة، وليست تتضمن مخالفة للآخرين، ومثل هذا يقبل ولا يرد؛ ولهذا رواها الشيخان.
وقد قال علي - رضي الله عنه -: قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما. وهذا مقتضى القياس، فإن النبي - ﷺ - سوى بين السراويل وبين الخف في لبس كل منهما عند عدم الإزار، والنعل، ولم يأمر بفتق السراويل لا في حديث ابن عمر ولا في حديث ابن عباس ولا غيرهما؛ ولهذا كان مذهب الأكثرين أنه يلبس السراويل بلا فتق عند عدم الإزار فكذلك الخف يلبس ولا يقطع، ولا فرق بينهما. وأبو حنيفة طرد القياس =



ابن الجوزي حديث ابن عمر هذا بالوقف (١)، وصاحب «المنتقى» وغيره بالنسخ (٢)، وهو ضعيف جدًا، وسيأتي بسط الكلام عَلَى هذا الحديث في بابه إن شاء الله وقدره (٣).
------------------
= وقال: يفتق السراويل، حتى يصير كالإزار.
والجمهور قالوا: هذا خلاف النص؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «السراويل لمن لم يجد الإزار»، وإذا فتق لم يبق سراويل، ومن اشترط قطع الخف خالف القياس مع مخالفته النص المطلق بالجواز.
ولا يسلم من مخالفة النص والقياس إلا من جوز لبسهما بلا قطع، أما القياس فظاهر، وأما النص فما تقدم تقريره. اهـ.
(١) «التحقيق» ٥/ ٣٤٠.
(٢) «المنتقى من أخبار المصطفى» لمجد الدين ابن تيمية ٢/ ٢٤١.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: آخر الجزء الرابع من الجزء الثاني من تجزئة المصنف.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* احذر 5 طرق تستخدم لاختراق هاتفك الآيفون .. ثغرات iMessage الأبرز
* عطل فني في آيفون 17.. تعرف على إصلاح المشكلة في 6 خطوات
* واتساب هيرجعلك محادثاتك لو تليفونك ضاع.. تعرف على التحديث الجديد
* وداعا للبطارية الفارغة.. خرائط جوجل تختبر وضع توفير الطاقة لتمديد رحلاتك الطويلة
* فى خطوات.. كيف تحمى طفلك من مخاطر تيك توك؟
* الأبراج
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-05-2026, 08:13 PM   #84

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (4)
من صـــ 7 الى صـــ 26
الحلقة (84)





بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٤ - كتاب الوضوء
هو من الوضاءة بالمد، وهي النظافة والنضارة، وفيه ثلاث لغات: أشهرها: أنه بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به، ونقلها ابن الأنباري عن الأكثرين.
ثانيها: أنه بفتح الواو فيهما، وهو قول جماعات، منهم الخليل، قَالَ: والضم لا يعرف (١).
ثالثها: أنه بالضم فيهما، وهي غريبة ضعيفة حكاها صاحب «المطالع»، وهذِه اللغات الثلاث مثلها في الطهور.
(١) «العين» ٧/ ٧٦ مادة: (وضأ).


١ - باب: ما جاء في قول الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]
[قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ - ﷺ -.] (١) [فتح:١/ ٢٣٢]
هكذا هو ثابت في النسخ الصحيحة وفي بعضها باب: ما جاء في الوضوء، وقول الله تعالى إلى آخره، وعليها مشى ابن بطال في «شرحه» (٢)، والدمياطي (في أصله) (٣).
ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: مُحْدِثين كذا قدره الجمهور (٤).
وذهب جماعة من السلف إلى عدم التقدير، وأنه يجب الوضوء لكل صلاة فرض عملًا بظاهر الآية، وذهب قوم إلى أن ذَلِكَ كان ثمَّ نسخ يوم

----------------------
(١) هذا التعليق ليس في الأصل، ولكن سيأتي عند المصنف مفرقا.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٢١٤.
(٣) زيادة من (ج).
(٤) قال ابن عبد البر في «التمهيد» ١٨/ ٢٣٨: وروي عن ابن عباس، وسعد بن أبي وقاص، وأبي موسى، وجابر بن عبد الله، وعبيدة السلماني، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، والحسن، وعن السدي أيضًا، والأسود بن يزيد، وإبراهيم النخعي: أن الآية عني بها حال القيام إلى الصلاة على غير طهر، وهذا أمر مجتمع عليه. اهـ.



الفتح (١)، وضعفه في «شرح مسلم» (٢)، وقيل: لا نسخ، بل الأمر به لكل صلاة عَلَى الندب؛ لأنه إِذَا نسخ الوجوب بقي التخيير.
ثمَّ أجمع أهل الفتوى بعد ذَلِكَ على أنه لا يجب إلا عَلَى المحدث، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ولم يبق بينهم اختلاف (٣)، واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء عَلَى ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا.
وثانيها: لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة.
وأصحها: وجوبه بالأمرين، كذا صححه المتولي وغيره (٤)، واختلف العلماء هل الوضوء من خصائص هذِه الأمة أم لا؟ عَلَى قولين، وستأتي حجة كل منهم قريبًا في باب فضل الوضوء إن شاء الله تعالى.
والواو في الآية ليست للترتيب عَلَى الصواب، وإنما أُخِذَ من أدلة أخرى -ستمر بك إن شاء الله- وهو قول الشافعي وأحمد خلافًا لمالك والكوفيين (٥).

------------------
(١) انظر هذِه الأقوال في «تفسير الماوردي» ٢/ ١٨، «زاد المسير» ٢/ ٢٩٨، «تفسير البغوي» ٣/ ٢٠.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٧٧.
(٣) انظر «تفسير الطبري» ٦/ ٨٠ - ٨٢، «الناسخ والمنسوخ» للنحاس ٢/ ٢٥٠ - ٢٥٧، «التمهيد» ١٨/ ٢٤١.
(٤) انظر: «المجموع» ١/ ٤٩٠، «الإعلام» ١/ ٢٢٥.
(٥) انظر: «الهداية» ١/ ١٤، «بدائع الصنائع» ١/ ٢١ - ٢٢، «تبيين الحقائق» ١/ ٦، «التفريع» ١/ ١٩٢، «عيون المجالس» ١/ ١١١، «الخرشي على مختصر خليل» ١/ ١٣٥، «الحاوي» ١/ ١٣٨، «روضة الطالبين» ١/ ٥٥، «التحقيق» ١/ ٢٧١ - ٢٧٢، «الكافي» لابن قدامة ١/ ٦٨، «الفروع» ١/ ١٥٤.



وقد وردت في الكتاب العزيز للترتيب وغيره، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢].
و(الوجه): ما يقع به المواجهة، وقد حددناه في كتب الفروع، وكذا اليد والمرفق، وسيأتي الكلام عَلَى مسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين -حيث ذكره البخاري- إن شاء الله تعالى.
قَالَ البخاري رحمه الله: (وَبَيَّنَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ (مَرَّةً مَرةً) (١). وجه ذَلِكَ أنه صح أنه - ﷺ - توضأ مرة مرة كما رواه قريبًا من حديث ابن عباس (٢)، وصلى به؛ فعلم أنه الفرض، إذ لا ينقص - ﷺ - منه، وهو المبين عن الله تعالى لأمته دينهم، وهو أيضًا إجماع كما نقله ابن جرير وغيره (٣).
وشذ بعضهم فأوجب الثلاث، حكاه الشيخ أبو حامد وغيره، وحكاه صاحب «الإبانة» عن ابن أبي ليلى، وهو باطل يرده إجماع من قبله، والنصوص الصريحة الصحيحة أيضًا (٤).

--------------------
(١) ورد بهامش (س): مرة: منصوب ظرف في موضع الخبر.
(٢) سيأتي برقم (١٤٠)، (١٥٧) باب: غسل الوجه واليدين من غرفة واحدة، وباب: الوضوء مرة مرة.
(٣) نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر في «الإجماع» ص ٣٤، وابن حزم في «مراتب الإجماع» ص ٣٨.
(٤) انظر: «المجموع» ١/ ٤٦٥.



وقال مهنا: سألت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- عن الوضوء مرة مرة، فقال: الأحاديث فيه ضعيفة، ثمَّ ذكر حديث جابر في وضوئه مرة ومرتين وثلاث مرات، أخرجه ابن ماجه (١) وفيما قاله نظر، فقد صح من حديث ابن عباس كما أسلفناه، قَالَ مالك: ولا أحب الواحدة إلا من العالم (٢).
قال البخاري: (وتوضأ -أيضًا-مرتين مرتين)، وهو كما قَالَ، وسيأتي من حديث عبد الله بن زيد في باب معقود لَهُ (٣).
قَالَ: (وثلاثًا ثلاثًا)، هو كما قَالَ وقد عقد لَهُ بابا أيضًا كما سيأتي (٤)، لكن لم يذكر فيه المسح ثلاثًا، وقد أخرجه أبو داود (٥) من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
قَالَ البيهقي في «خلافياته»: إسناده قَدْ احتجا (٦) بجميع رواته غير (عامر بن شقيق بن سلمة) (٧)، قَالَ الحاكم (٨): لا أعلم في عامر طعنا بوجه من الوجوه (٩).

-------------------
(١) «سنن ابن ماجه» رقم (٤١٠)، وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٩١): ضعيف، وقال في «المشكاة» (٤٢٢): وثابت بن أبي صفية هو أبو حمزة الثمالي، وهو ضعيف.
(٢) انظر: «الذخيرة» ١/ ٢٨٧، «مواهب الجليل» ١/ ٣٧٦.
(٣) سيأتي برقم (١٥٨) باب: الوضوء مرتين مرتين.
(٤) سيأتي برقم (١٥٩)، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا. من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه -.
(٥) أبو داود (١٠٦)، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٤): إسناده صحيح على شرط الشيخين وقد أخرجاه.
(٦) أي: البخاري ومسلم.
(٧) ورد بهامش (س): عامر بن شقيق بن جمرة بالجيم راوي الحديث المذكور عن شقيق بن سلمة، فلعله سقط منه عن شقيق، والله أعلم. [قلت: هو كذلك فعامر بن شقيق بن جمرة هو الذي يرويه عن شقيق بن سلمة. انظر مصادر التخريج].
(٨) «المستدرك» ١/ ١٤٩.
(٩) «خلافيات البيهقي» ١/ ٣٠٩.



ووضوؤه - ﷺ - مرتين وثلاثا هو من باب الرفق بأمته والتوسعة عليهم؛ ليكون لمن قصر في المرة الواحدة من عموم غسل أعضاء الوضوء أن يستدرك ذَلِكَ في المرة الثانية والثالثة.
ومن أكمل أعضاءه أولا، فالثانية سنة والثالثة فضيلة، وكأن تنويع وضوئه - ﷺ - من باب التخيير، كما ورد التخيير في كفارة الأيمان.
قَالَ البخاري رحمه الله: (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَلَاث) هو كما قَالَ، بل روى ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قَالَ: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثا.
ثمَّ قَالَ: «هذا الوضوء، فمن زاد عَلَى هذا فقد أساء وتعدى وظلم» (١).
ثمَّ قَالَ: لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى (٢).
وزعم أبو داود في كتاب «التفرد» أنه من مفردات أهل الطائف، ورواه ابن ماجه في «سننه» كذلك (٣)، ورواه أحمد في «مسنده» (٤)، والنسائي في «سننه» بلفظ: «فقد أساء وتعدى وظلم» (٥) ورواه أبو داود في «سننه» بلفظ: «أو نقص فقد أساء وظلم» أو «ظلم وأساء» (٦).
قَالَ البخاري رحمه الله: (وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ - ﷺ -). هذا من البخاري إشارة إلى نقل الإجماع

---------------------
(١) «صحيح ابن خزيمة» ١/ ٨٩ (١٧٤).
(٢) هذِه العبارة ليست في المطبوع من «صحيح ابن خزيمة»، وأثبتها الحافظ في «إتحاف المهرة» (١١٧٠٢).
(٣) ابن ماجه (٤٢٢).
(٤) أحمد ٢/ ١٨٠.
(٥) النسائي ١/ ٨٨.
(٦) «سن أبي داود» (١٣٥).



عَلَى منع الزيادة عَلَى الثلاث، وقد قَالَ الشافعي في «الأم»: لا أحب الزيادة عليها، فإن زاد لم أكرهه، إن شاء الله (١).
وحاصل ما ذكره أصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه:
أصحها: أن الزيادة عليها مكروهة (كراهة) (٢) تنزيه وهو معنى قول الشافعي: لم أكرهه، أي: لم أحرمه.
وثانيها: أنها حرام.
وثالثها: أنه خلاف الأولى (٣).
وأبعد قوم فقالوا: إنه إِذَا زاد عَلَى الثلاث يبطل وضوؤه، كما لو زاد في الصلاة، حكاه الدارمي (٤) في «استذكاره» عنهم، وهو خطأ ظاهر، وخلاف ما عليه العلماء.
وفي «سنن ابن ماجه» بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: رأى النبي - ﷺ - رجلًا يتوضأ فقال: «لا تسرف، لا تسرف» (٥)

-------------------
(١) «الأم» ١/ ٢٧.
(٢) في (ج): كراهية.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ١/ ٥٩.
(٤) هو الإمام العلامة، شيخ الشافعية، أبو الفرج، محمد بن عبد الواحد بن محمد بن عمر بن ميمون الدارمي البغدادي، من تصانيفه: «الاستذكار في فقه الشافعي»، «جامع الجوامع ومودع البدائع»، «الدلائل السمعية على المسائل الشرعية»، توفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٥٢ - ٥٤، «هدية العارفين» ص ٤٨٣.
(٥) ابن ماجه (٤٢٤)، وأورده البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص ٩١ (١٥٠) وقال: إسناده ضعيف، الفضل بن عطية ضعيف، وابنه كذاب وبقية مدلس. وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٩٥)، و«ضعيف الجامع» (٦٤٢٨): موضوع.



ثمَّ ساق من حديث ابن عمرو أنه - ﷺ - مر بسعد وهو يتوضأ فقال: «ما هذا السرف؟» فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قَالَ: «نعم وإن كنت عَلَى نهر جار» (١).
------------------
(١) ابن ماجه (٤٢٥). قال البوصيرى في «زوائد ابن ماجه» ص ٩١ (١٥١): هذا إسناد ضعيف لضعف يحيى بن عبد الله وابن لهيعة. وقال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٩٦)، «الإرواء» (١٤٠): ضعيف.


٢ - باب لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ بِغَيْرِطُهُورٍ
١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ الَحنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». قَالَ رَجلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الَحدَثُ يَا أَبَا هرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. [٦٩٥٤ - مسلم: ٢٢٥ - فتح: ١/ ٣٤]
هذِه الترجمة هي لفظ حديث صحيح من طريق ابن عمر بزيادة:
«ولا صدقة من غلول» أخرجه مسلم في «صحيحه» (١) وإنما عدل عنه إلى ما ذكره من حديث أبي هريرة، مع أن حديث ابن عمر هذا مطابق لما ترجم لَهُ لأجل سماك بن حرب المذكور في إسناده، فإنه ليس من شرطه، وإن أخرج لَهُ تعليقًا.
قَالَ البخاري: حدثني إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا إلى قوله: «يتوضأ» (٢).
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم أجمع مفرقًا، وجميع رجاله خرج لهم في

-------------------
(١) مسلم (٢٢٤/ ١) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة.
(٢) مسلم (٢٢٥) كتاب: الطهارة، باب: وجوب الطهارة للصلاة.



الصحيحين وباقي الكتب الستة إلا إسحاق بن راهويه، فإن ابن ماجه لم يخرج له، وجميعه يمانيون خلا ابن راهويه، وهذا السائل لا يحضرني اسمه فليبحث عنه.
ثالثها:
حضرموت: من بلاد اليمن كما قاله صاحب «المطالع»، وهذيل تَضُمُّ مِيْمَهُ، وقَالَ الجوهري: حضرموت: اسم بلد وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جعلا واحدًا، إن شئت بنيت الاسم الأول عَلَى الفتح وأعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف.
قُلْتُ: هذا حضرموت، وإن شئت أضفت الأول إلى الثاني فقلت: هذا حضرموت، أعربت حضرا وخفضت موتا، وكذلك القول في سام أبرص، ورامهرمز، والنسبة إليه حضرمي، والتصغير حضيرموت، (تصغر) (١) الصدر منهما، وكذلك الجمع يقال: فلان من الحضارمة (٢).
رابعها: في أحكامه وفوائده:
الأولى: القبول: يراد به شرعًا: حصول الثواب، وقد تتخلف (٣) الصحة بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرافًا، وشارب الخمر إِذَا لم يسكر مادام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة في الدار المغصوبة عَلَى الصحيح عند الشافعية (٤).

---------------------
(١) كذا في (س)، وفي (ج): تصغير.
(٢) انظر: «الصحاح» ٢/ ٦٣٤، «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٥٥، «معجم البلدان»
٢٦٩/ ٢ - ٢٧٠.
(٣) ورد بهامش الأصل: لعله سقطت: عن.
(٤) انظر: «المجموع» ٣/ ١٦٩.



فأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله - ﷺ -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» (١) والمراد بالحائض: من بلغت سن (الحيض) (٢)، فإنها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة، والقبول مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء عَلَى الشيء.
فقوله - ﷺ -: «لَا يقْبَلُ الله صَلَاة مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» عام في عدم القبول من جميع المُحْدِثين في جميع أنواع الصلاة.
والمراد بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة ظاهرًا وباطنًا، وكذا العكس.
ونقل عن بعض المتاخرين أن الصحة (٣) عبارة عن ترتب الثواب والدرجات عَلَى العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم.
فالقبول عَلَى هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء الصحة فيما سلف ضرَّ في نفي القبول مع نفي الصحة، كما هو محكي عن الأقدمين.

----------------
(١) رواه أبو داود (٦٤١)، والترمذي (٣٧٧)، وابن ماجه (٦٥٥)، وأحمد ٦/ ١٥٠، ٦/ ٢١٨، وابن حبان ٤/ ٦١٢ (١٧١١)، وابن خزيمة ١/ ٣٨٠ (٧٧٥)، والحاكم ١/ ٢٥١. كلهم من حديث عائشة.
قال الترمذي: حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وأظن أنه لخلاف فيه على قتادة. اهـ. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٦٤٨): وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
(٢) كذا في (س)، وفي (ج): المحيض.
(٣) ورد بهامش (س): كذا في ابن دقيق العيد: القبول، وهو ظاهر. اهـ قلت: انظر: «إحكام الأحكام» ص ٦٧.



إلا أن يقال: دل الدليل عَلَى كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفي انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة، ويحتاج في نفيه مع بقائها في تلك الأحاديث إلى تأويل أو (تخريج) (١) جواب.
ويرد عَلَى من فسر القبول بكون العبادة مثابًا عليها أو مرضية، مع أن قواعد الشرع تقتضي أن العبادة إِذَا أتي بها مطابقة للأمر كانت سببًا للثواب في ظواهر لا تحصى (٢).
الثانية: الحدث: عبارة عما نقض (٣) الوضوء، ومحل الخوض في تفاصيله كتب الفروع، وقد أوضحناها فيها -ولله الحمد- وسيأتي بعضها حيث ذكره البخاري، وقد فسره أبو هريرة -راوي الحديث- بنوع من الحدث حين لسُئِلَ عنه فقال: فساء أو ضراط، كما سلف، وكانه أجاب السائل عما يجهله منها، أو عما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، أو عما يقع في الصلاة، فإن غيرَهُ كالبول مثلًا لا يُعهد فيها، وهو نحو قوله - ﷺ - فيما سيأتي في حديث آخر: «لا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» (٤).
ونبه به عَلَى التسوية بين الحدث الواقع في الصلاة وغيرها، لئلا يتمثل الفرق بين أن يحصل الشك فيه في الصلاة، فيتمادى أو خارجها فيتوضأ كما فرق به بعضهم.
ثمَّ الحدث بموضوعه يطلق عَلَى الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس والأصغر كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج حدثًا، وقد

----------------
(١) كذا في (س)، وفي (ج): ترجيح.
(٢) انظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢١٦ - ٢١٨.
(٣) كذا بالأصل، وفي «الإعلام» ١/ ٢١٩: ينقض.
(٤) سيأتي برقم (١٧٧) كتاب: الوضوء، من لم ير الوضوء إلا من المخرجين.



يسمى: المنع المرتب عليه حدثًا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث، ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع أن لا يكون رافعًا، وكأن الشارع جعل أمد المنع المرتب على خروج الخارج إلى استعمال المطهر.
وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث لكون المرتفع هو المنع، وهو مرتفع بالتيمم لكنه مخصوص بحالة ما، أو بوقت ما، وليس ذَلِكَ ببدع، فإن الأحكام قَدْ تختلف باختلاف محلها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكل صلاة، فقد ثبت أنه كان مختصًّا بوقت مع كونه رافعًا للحدث اتفاقًا، ولا يلزم من انتهائه في ذَلِكَ (الوقت) (١) بانتهاء وقت الصلاة أن (لا) (٢) يكون رافعًا للحدث، ثمَّ زال ذَلِكَ الوجوب كما سلف.
وقد ذكر الفقهاء أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء عَلَى معنى الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء، فمن يقول بأن التيمم لا يرفع الحدث يقول: إن الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع الذي هو ترتب التيمم عليه زائل.
الثالثة: قوله - ﷺ -: «حَتَّى يَتَوَضَّأَ» نفي القبول إلى غاية وهي الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيا، وتحقيقه أن صلاة اسم جنس وقد أضيف فيعم.
الرابعة: هذا الحديث محمول عَلَى تارك الوضوء بلا عذر، أما من تركه بعذر، وأتى ببدله، فالصلاة مقبولة قطعًا؛ لأنه قد أتى بما أمر به،

---------------------
(١) ساقط من (ج).
(٢) من (ج).



عَلَى أن التيمم من أسمائه الوضوء، قَالَ - ﷺ -: «لصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» (١) وهو حديث صحيح
الخامسة: هذا الحديث نص في وجوب الطهارة وشرطيتها للصلاة وهو إجماع (٢).
واختلفوا متى فرضت للصلاة؟ فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام (سنة) (٣) ثمَّ نزل فرضه في آية التيمم (٤).
وقال الجمهور: بل كان قبل ذَلِكَ فرضًا، ثمَّ اختلفوا في أنه هل يجب على كل قائم إلى الصلاة، أو عَلَى المحدث خاصة؟ والذي أجمع عليه أهل الفتوى الثاني كما سلف.
وأما الوضوء لغير الفرائض فذهب بعضهم إلى أنه بحسب [ما يفعل] (٥) لَهُ من نافلة أو فريضة، وهو عجيب، لا جرم رده بعض المالكية إلى أنه هل ينوي بالوضوء الفرض أو النفل؟ وذهب بعضهم إلى أنه فرض عَلَى كل حال، حكاه القاضي عياض (٦) وهو المتعين، وغيره مطرح.

-------------------
(١) رواه أبو داود (٣٣٢)، الترمذي (١٢٤)، والنسائي ١/ ١٧١، وأحمد ٥/ ١٥٥، وابن حبان ٤/ ١٤٠ (١٣١٣)، والدارقطني ١/ ١٨٦ (١)، والحاكم ١/ ١٧٦ - ١٧٧، والبيهقي ١/ ٢١٢ من حديث أبي ذر.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، لم يخرجاه إذ لم نجد لعمرو بن بجدان راويا غير أبي قلابة الجرمي، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٣٥٨): صحيح.
(٢) نقل الأجماع على ذلك ابن هبيرة في «الإفصاح» ١/ ٢٤٥.
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) انظر: «إكمال المعلم» ١/ ١٠.
(٥) زيادة يقتضيها السياق، مثبتة من «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢٢٣.
(٦) «إكمال المعلم» ١/ ١١.



السادسة: استدل المتقدمون بهذا الحديث على أن الصلاة لا تجوز إلا بطهارة، ولا يلزم من انتفاء القبول انتفاء الصحة، وقد تكون الصلاة مقبولة، ولا تيمم في حق فاقد الطهورين، فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب إعادتها عَلَى أحد الأقوال للشافعي.
وهو المختار عند جماعة من محققي أصحابه، وقول جماعة من العلماء، فيكون الحديث خرج عَلَى الأصل والغالب، والإعادة لا تجب إلا بأمر جديد.
وهذا كله عَلَى مذهب من يقول: إن الطهارة شرط للصحة، أما من يقول: إنها شرط للوجوب كمالك وابن نافع، فإنهما قالا: فاقد الطهورين لا يصلي، ولا يقضي إن خرج الوقت (١)؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدل عَلَى أنه ليس مخاطبًا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في الذمة شيء، فلا يقضي.
لكن قوله - ﷺ -: «إِذَا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٢) يمنع هذا، فإنه أمر بالصلاة بشروط تعذرت فيأتى بها، ولا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب.
وهذِه المسألة فيها أربعة (٣) أقوال للشافعي:
أحدها: ما قدمناه.

----------------------
(١) انظر: «عارضة الأحوذي» ١/ ٩، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٦٤.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٨٨) كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنة رسول الله - ﷺ -.
(٣) ورد بهامش (س) ما نصه: بل خمسة، فالخامس في «الشرح الكبير» للرافعي، وأسقطه النووي رحمه الله من «الروضة» وهو أنه يستحب الصلاة ولا تجب الإعادة، فإن شئت عبرت عنه بأنه لا تجب حالًا ولا مالًا، والله أعلم.



وثانيها: تحرم الصلاة وتجب الإعادة.
وثالثها: تستحب الصلاة وتجب الإعادة.
وأصحها: تجب الصلاة وتجب الإعادة (١)، وهي عند المالكية أيضًا لكن عندهم قول: إنه لا يصلي ولا يقضي كما سلف، فهذا خامس إذًا (٢).
السابعة: قَدْ استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء أكان خروج اختياريًّا أم اضطراريًّا، لعدم تفريقه - ﷺ - بين حدث وحدث في حالة دون حالة.
وقد حكي عن مالك والشافعي -في قوله القديم- وغيرهما أنه إِذَا سبقه الحدث يتوضأ، ويبني عَلَى صلاته، وإطلاق الحديث يرده (٣).

-------------------
(١) انظر: «المجموع» ١/ ٣٢٢، «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
(٢) وقد نظمها بعضهم، فقال:
ومَنْ لم يجد ماء ولا متيمما … فأربعة الأقوال يحكون مذهبا
يصلي ويقضي عكس ما قال مالك … وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا
وللقابسي ذو الربط يومي لأرضه … بوجه وأيد للتيمم مطلبا
انظر: «إنارة الدجى شرح تنوير الحجا» ص ٦٤.
(٣) انظر: «الحاوي» ٢/ ١٨٤، «المهذب» ١/ ٢٨٨، «التهذيب» ٢/ ١٦١، «روضة الطالبين» ١/ ٢٧١.
وفي نسبة هذا القول لمالك نظر، قال القاضي عبد الوهاب في «عيون المجالس» ١/ ٣٢٢: قال مالك: ومن غلبه الحدث في الصلاة بطلت صلاته وليستأنف الوضوء والصلاة ولا يبني بعد الوضوء. اهـ.
وانظر: «الفواكه الدواني» ١/ ٢٩١، «الثمر الداني» ص ١٢٩.
وممن ذهب إلى البناء إذا سبقه الحدث: أبو حنيفة وابن أبي ليلى والأوزاعي وهو رواية عن أحمد، وحكي عن عمر، وعلى، وأبن عمر، وابن عباس، وسلمان الفارسي، وابن المسيب، وعطاء، وطاوس. =



الثامنة: قام الإجماع عَلَى تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب لغير فاقد الطهورين، ولا فرق في ذَلِكَ بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر.
وحكي عن الشعبي (١)، ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء (٢)، وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث والإجماع، ومن الغريب أن قولهما قَالَ به بعض الشافعية كما أفدته في «شرح المنهاج».
فرع: لو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر أثِمَ ولا يكفر عندنا وعند الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يَكْفُر لتلاعبه (٣).
التاسعة: قَدْ يستدل بالحديث عَلَى رفع الشك واستصحاب يقين الصلاة؛ لقوله - ﷺ -: «لا (يقبل الله) (٤) صلاة من أحدث» ولا يقال: أحدث إلا مع اليقين.

-------------------
= وذهب الشافعي في الجديد، ومالك، وأحمد في رواية، هي الصحيحة في المذهب إلى أنه يستأنف الصلاة ولا يبني على ما سبق، وهو محكي عن المسور بن مخرمة، وابن شبرمة، وعطاء، والنخعي، ومكحول.
انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٦٦، «الهداية» ١/ ٦٣، «الاختيار» ١/ ٨٦، «حلية العلماء» ٢/ ١٢٧، «الشرح الكبير» ٢/ ٤، «المجموع» ٤/ ٦، «المغني» ٢/ ٥٠٨، «الفروع» ١/ ٤٠١.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٩٨ (١١٤٧٨).
وورد بهامش (س) تعليق نصه: وفي حفظي أن أبا محمد ابن حزم قال بمثل قول الشعبي وابن جرير. اهـ.
(٢) انظر: «المجموع» ٥/ ١٨٢.
(٣) انظر: «المجموع» ٢/ ٧٨. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٢١/ ٢٩٥: ومن صلى بغير طهارة شرعية مستحلًا لذلك فهو كافر، ولو لم يستحل ذلك فقد اختلف في كفره، وهو مستحق للعقوبة الغليظة. اهـ.
(٤) في (ج): تُقْبَل.



٣ - باب فَضْلِ الوُضُوءِ، وَالْغُرِّ المُحجليَن (١) مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ
١٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الُمجْمِرِ قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الَمسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ أُمَّتي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». [مسلم: ٢٤٦ - فتح: ١/ ٢٣٥]
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم (٢) أيضًا في الطهارة، وله: «يأتون» بدل: «يدعون».
ثانيها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بهم خلا ثلاثة:
أولهم: أبو عبد الله نعيم بن عبد الله، وقيل: محمد المدني العدوي مولى آل عمر المجمر بتخفيف الميم، ويقال: بتشديدها، كان يبخر المسجد، وقيل: إن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إِذَا خرج إلى الصلاة في رمضان، وبه جزم ابن حبان في «ثقاته» (٣).

---------------------
(١) كذا في الأصل، وفي رواية الأصيلي: وفضل الغرّ المحجلين. وعند الباقين: الغرّ المحجلون. كما في السلطانية.
(٢) مسلم (٢٤٦/ ٣٥) كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء.
(٣) «الثقات» ٥/ ٤٧٦.



وجزم النووي في «شرح مسلم» بأن المجمر صفة لعبد الله، وتطلق عَلَى ابنه نعيم مجازًا، قَالَ ذَلِكَ مع جزمه أولًا بأن نعيمًا هو الذي كان يبخر المسجد (١)، فتأمله.
روى عن أبي هريرة، وجابر وغيرهما، وعنه ابنه محمد ومالك وجماعة. وثقه أبو حاتم وجماعة، وجالس أبا هريرة عشرين سنة (٢)
فائدة:
في الصحابة نعيم بن عبد الله النحام، وهو من الأفراد (٣)، وفيهم نعيم جماعة بدون ابن عبد الله (٤).

------------------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٣/ ١٤٣.
(٢) «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٦٠ (٢١٠٦).
(٣) نعيم النحام بن عبد الله بن أسد بن جد عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب، أسلم بعد عشرة أنفس قبل إسلام عمر بن الخطاب، وكان يكتم إسلامه، ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة واختلف في وقت وفاته، فقيل: بأجنادين شهيدًا سنة ثلاث عشرة في آخر خلافة أبي بكر. وقبل يوم اليرموك شهيدًا، وفي رجب سنة خمس عشرة في خلافة عمر.
انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٥٢ - ١٥٣ (١١٢٥)، «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٦٦ - ٢٦٦٧، «الاستيعاب» ٤/ ٦٩ - ٧٠ (٢٦٥٧).
(٤) وهم: نعيم بن أوس الداري، نعيم بن بدر، نعيم بن جناب، نعيم بن ربيعة بن كعب الأسلمي، نعيم بن زيد التميمي، نعيم بن سلام -وقيل: سلامة- نعيم بن عمرو بن مالك، نعيم بن قعنب، نعيم بن مسعود الأشجعي، نعيم بن مقرن، نعيم بن هزال الأسلمي، نعيم بن هبار الغطفاني.
وانظر تراجمهم في:
«معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٤٧ - ١٥٤ (١١٢٢ - ١١٢٦)، و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ٢٦٦٧ - ٢٦٧١، و«الاستيعاب» ٤/ ٦٩ - ٧٢ (٢٦٥٦ - ٢٦٦١)، و«أسد الغابة» ٦/ ٤٤٦ - ٤٤٧ (٦٦٧٣ - ٦٦٧٤)، و«الإصابة» ٣/ ٥٨٦ (٨٨٧٣، ٨٨٧٤).



فائدة:
مِجْمَر تشتبه بمخمر -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية- (وهم جماعة سردهم ابن ماكولا منهم ذو مخمر ابن أخي النجاشي، له صحبة، ويقال: مخبر بالباء الموحدة بدل الميم (١).
ثانيهم: سعيد بن أبي هلال) (٢) الليثي، مولاهم أبو العلاء المدني، روى عن نافع ونعيم وجماعة، وعنه الليث بن سعد وغيره، مات سنة خمس وثلاثين ومائة (٣).
ثالثهم: خالد (ع) وهو ابن يزيد، أبو عبد الرحيم المصري، الفقيه، روى عن عطاء والزهري، وعنه الليث وغيره، ثقة مات سنة تسع وثلاثين ومائة (٤).
ثالثها:
هذا الإسناد جميع رجاله من فرسان الصحيحين، وباقي الكتب الستة إلا يحيى بن بكير، فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه فقط، وفيه لطيفة أيضًا وهو أن النصف الأول من إسناده مصريون والنصف الثاني مدنيون.

--------------
(١) «الإكمال» ٧/ ٢٢٦.
(٢) ما بين القوسين ساقط من (ج).
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥١٤، «التاريخ الكبير» ٣/ ٥١٩ (١٧٣٦)، «معرفة الثقات» ١/ ٤٠٦ (٦٢٠)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٧١ (٣٠١)، «الثقات» ٦/ ٣٧٤، «تهذيب الكمال» ١١/ ٩٤ (٢٣٧٢)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٣٣ (١٢٨).
(٤) قال أبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به. روى له الجماعة.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ١٨٠ (٦١٢)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٥٨ (١٦١٩)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٢٠٨ (١٦٦٦)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٠٧.



رابعها:
هذا الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة، ذكرهم ابن منده في «مستخرجه»: ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن بسر المازني، وحذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -.
خامسها: في ألفاظه ومعانيه وفوائده:
أحدها: قوله (رقيت): هو بكسر القاف، أي: صعدت، هذِه اللغة الصحيحة المشهورة، وحكى صاحب «المطالع» فتح القاف من غير همز ومعه، فحصل ثلاث لغات.
وقال كراع: الهمز أجود، وخالفه صاحب «الجامع» فقال: عدمه
أصح، وقال الزمخشري: لا أعلم صحة الفتح، وهذا كله من الرقي، أما من الرقية فرقيت بالفتح كما اختاره ثعلب في «فصيحه» (١).
ثانيها: (الأمة): تطلق بإزاء أمور ليس هذا موضع الخوض فيها قَدْ ذكرتها في «شرح العمدة» (٢)، والمراد هنا أتباعه - ﷺ - جعلنا الله منهم.
ثالثها: (يوم): من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة، فهو من باب: ويل وويح. و(القيامة): فعالة من قام يقوم أصله القوامة، فقلبت الواو فيه ياء؛ لانكسار ما قبلها.
رابعها: قوله: («غرًّا محجلين») هما منصوبان عَلَى الحال من الضمير في «يدعون» وهو الواو، والأصل: يدعوون، بواوين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا اجتمع ساكنان: الألف والواو

----------------------
(١) انظر «شرح الفصيح» للزمخشري ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٠٣.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* احذر 5 طرق تستخدم لاختراق هاتفك الآيفون .. ثغرات iMessage الأبرز
* عطل فني في آيفون 17.. تعرف على إصلاح المشكلة في 6 خطوات
* واتساب هيرجعلك محادثاتك لو تليفونك ضاع.. تعرف على التحديث الجديد
* وداعا للبطارية الفارغة.. خرائط جوجل تختبر وضع توفير الطاقة لتمديد رحلاتك الطويلة
* فى خطوات.. كيف تحمى طفلك من مخاطر تيك توك؟
* الأبراج
* سِيَر أعلام المفسّرين من الصحابة والتابعين

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009