![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
|
|
وقفات ودروس من سورة آل عمران (7) ميسون عبدالرحمن النحلاوي وقفات في قلب السورة (4) مقدمات غزوة أحد. الوقفة السابعة: الثبات العقائدي الداخلي: توجيهات إلهية للمسلمين حول الثبات العقائدي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 101 - 108]. أولًا: عدم الانصياع للطائفة الخبيثة من أهل الكتاب، الذين يعملون على زرع الفتن بين المسلمين، ومثالها فتنة اليهودي بين الأوس والخزرج. بعد أن بيَّن الله عز وجل بعضًا من صفات أهل الكتاب ومغالطاتهم، يمضي بنا السياق في عرض صورة حية من مكرهم بالمسلمين في المدينة؛ حيث كانت مساعيهم دائبة في زرع بذور الشِّقاق والفُرقة بين المسلمين، مستغلِّين ما كان من عداء سابق بينهم، الأوس والخزرج، قبل أن يدخلوا في الإسلام. وكان من مساعيهم تلك أن يهوديًّا أراد تجديد الفتنة بين الأوس والخزرج بعد انقطاعها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فجلس بينهم وأنشدهم شعرًا قاله أحد الحيَّين في حربهم، فقال الحي الآخر: قد قال شاعرنا في يوم كذا وكذا، فكأنهم دخلهم من ذلك شيء، فقالوا: تعالَوا نرد الحرب جَذعاء كما كانت، فنادى هؤلاء: يا آل أوس، ونادى هؤلاء: يا آل خزرج؛ فاجتمعوا وأخذوا السلاح واصطفوا للقتال؛ فنزل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى وقف بين الصفين، فقرأها ورفع صوته، فلما سمعوا صوته، أنصتوا له وجعلوا يستمعون، فلما فرغ ألقَوا السلاح وعانق بعضهم بعضًا وجعلوا يبكون؛ عن عكرمة وابن زيد وابن عباس؛ [تفسير القرطبي]. ثانيًا: الرجوع إلى آيات الله وسنة رسوله عند كل فتنة: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101]. ثم إن الله جل وعلا أنكر على المسلمين ما حصل منهم في تلك الحادثة، فعاتبهم بقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ [آل عمران: 101]، قال ابن عباس: "كان بين الأوس والخزرج قتال وشرٌّ في الجاهلية، فذكروا ما كان بينهم فثار بعضهم على بعض بالسيوف، فأُتي النبي صلى الله عليه وسلم، فذُكر ذلك له فذهب إليهم، فنزلت هذه الآية: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾ [آل عمران: 101] إلى قوله تعالى: ﴿ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ﴾ [آل عمران: 103]"، ويدخل في هذه الآية من لم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته، قال الزجَّاج: يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد خاصة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيهم وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة، لأن آثاره وعلاماته والقرآن الذي أُوتي فينا مكان النبي صلى الله عليه وسلم فينا وإن لم نشاهده؛ [تفسير القرطبي]. ثالثًا: الاعتصام بالله: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101]: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101]؛ قال ابن القيم رحمه الله: "وأما الاعتصام به فهو التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به، وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه، ويعصمه ويدفع عنه، فإن ثمرة الاعتصام به هو الدفع عن العبد، والله يدافع عن الذين آمنوا، فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يُفضي به إلى العَطَب، ويحميه منه، فيدفع عنه الشبهات والشهوات، وكيد عدوه الظاهر والباطن، وشرَّ نفسه، ويدفع عنه موجِب أسباب الشر بعد انعقادها، بحسب قوة الاعتصام به وتمكُّنه، فتُفقد في حقه أسباب العطب، فيدفع عنه موجباتها ومسبباتها، ويدفع عنه قدَرَه بقدرِه، وإرادته بإرادته، ويُعيذه به منه"؛ [مدارج السالكين لابن قيم الجوزية]. رابعًا: التمسك بتقوى الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ [آل عمران: 102] لم تُنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهد في سبيل الله حق جهاده، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، وتقوموا بالقسط ولو على أنفسكم وأبنائكم، قال النحاس: وكل ما ذُكر في الآية واجب على المسلمين أن يستعملوه ولا يقع فيه نسخ؛ [القرطبي]. خامسًا: الموت على الإسلام، وتحققه يكون بالإقامة عليه في المكره والمنشط: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]؛ أي: حافظوا على الإسلام في أحوال معاشكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك. سادسًا: الاعتصام بحبل الله: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 103]، وحبل الله كما قال ابن كثير: عهد الله وذمته، وقال الطبري: "﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ﴾ [آل عمران: 103]؛ أي: تعلقوا بأسباب الله جميعًا، يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه إليكم، من الأُلفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله". وقال القرطبي عن ابن عباس: حبل الله القرآن، وقال مجاهد وقتادة وأبو سعيد الخدري مثل ذلك. ويدعم هذا القول ما رواه أبو سعيد الخدري وزيد بن أرقم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به، لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يرِدا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما))؛ [صحيح الترمذي وصححه الألباني]. وتبدو هذه الآية كعنوان لعدد من توصيات تلَتها؛ وهي: الاجتماع وعدم التفرق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم النهي عن الفرقة والاختلاف؛ نهج الذين أوتوا الكتاب من قبلنا؛ فكانت انطلاقة هذه التوصيات التمسك بحبل الله، فبدونه لا يمكن أن تتحقق ولا يبقى لها معنى ولا فائدة، والله أعلم وأجَلُّ. سابعًا: الاتحاد وتجنُّب الفرقة: ﴿ وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، وهذا أمر من الله عز وجل بالاجتماع، والنهي عن الفرقة، وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف؛ كما في صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثًا: قيلَ وقالَ، وكثرةَ السؤال، وإضاعة المال)). وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج بسبب الحادثة التي ذكرناها آنفًا، وما كان من أمر اليهودي الذي فتن بينهما، ولكن، كما في جميع آي القرآن العظيم، وإن كان للآية سبب نزول فهي عامة في جميع المؤمنين، والله أعلم. ثامنًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]. "والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقةٌ من الأمة متصديةً لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))، وفي رواية: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردلٍ))؛ [قاله ابن كثير]، وفي حديث حذيفة بن اليمان، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده، لَتأمُرُنَّ بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكَنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتَدْعُنَّه فلا يستجيب لكم))؛ [رواه الترمذي، وأحمد، وابن ماجه]. تاسعًا: التحذير من الفرقة والاختلاف، فقد كانت نهج من كان قبلنا، اختلفوا فكفروا فاستحقوا العذاب العظيم: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105]. ولنا في اليهود والنصارى عبرة، فلا نسير على خُطاهم في الاختلاف والفرقة، فنصير إلى ما صاروا إليه. عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: ((ليأتينَّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذوَ النعل بالنعل، حتى لو كان منهم من يأتي أمَّه علانية، لكان من أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي))؛ [صحيح الترمذي]. حديث آخر رواه معاوية بن أبي سفيان، وأخرجه أبو داود في صحيحه: ((ألَا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملةً، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج من أمتي أقوامٌ تَجَارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب لصاحبه، لا يبقى منه عِرق ولا مَفصِل إلا دخله)). ثم يصف الله سبحانه لنا اليوم الذي سيكون فيه هذا العذاب العظيم: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [آل عمران: 106، 107]. وتنتهي التوجيهات الإلهية بالختم عليها بختم الحق من إلهٍ يريد الخير للعالمين، وحاشاه أن يكون في إرادته أي ظلم لها: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 108]، هذا الإله الذي له ملك السماوات والأرض وإليه يُرجع الأمر كله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [آل عمران: 109]. الوقفة الثامنة: خيرية الأمة ومكانة أهل الكتاب منها. ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]. شروط الانتماء إلى "خير أمة" حسب هذه الآية، ثلاثة: • تأمرون بالمعروف. • تنهون عن المنكر. • تؤمنون بالله. قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110]؛ يعني: خير الناس للناس. والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نحن الآخِرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بَيدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناس لنا فيه تَبَعٌ، غدًا لليهود، للنصارى بعد غد))؛ [رواه البخاري ومسلم]. فهذا الحديث وغيره في أفضلية هذه الأمة، تأتي في معنى قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]، فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات، دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجَّة حجَّها رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 110]، ثم قال: "من سرَّه أن يكون من تلك الأمة، فليؤدِّ شرط الله فيها"؛ [رواه ابن جرير، تفسير ابن كثير]. وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: 110]: "مدحٌ لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر، زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم، وقد تقدم الكلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أول السورة، ويخبرنا الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]، أن إيمان أهل الكتاب بالنبي صلى الله عليه وسلم خير لهم، وأخبر أن منهم مؤمن وفاسق، وأن الفاسق أكثر"؛ [انتهى]. الفاسقون من أهل الكتاب و"الأمة الوسط": فإن تحققت شروط الأمة الوسط فينا، وكنا تلك الأمة، فإن "الفاسقين" من أهل الكتاب، الذين أبَوا أن يدخلوا فيها، لن يكون لهم الغلبة عليها، وإنما ضررهم لا يتعدى الأذى؛ وهو كذِبهم وتحريفهم وبهتهم، وهذا ما يخبرنا الله سبحانه وتعالى به: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ * ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 111، 112]. هنا يخبرنا الله أنهم: لا يمكن أن تكون لهم الغلبة على المسلمين، عندما يحققون شروط الأمة الوسط: يقول ابن كثير في تفسيره: "قال تعالى مخبرًا عباده المؤمنين، ومبشرًا لهم أن النصر والظَّفَر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [آل عمران: 111]، وهكذا وقع، فإنهم يوم خيبر أذلَّهم الله، وأرغم آنافهم، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة بني قَينقاع وبني النضير وبني قُريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام كسرهم الصحابة في غير ما موطن، وسلبوهم ملك الشام أبدَ الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإسلام قائمة بالشام حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام وهم كذلك، ويحكم عليه السلام بشرع محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فيكسِر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام"؛ [انتهى]. سبب عجزهم أنهم قوم ذليلون إلى يوم الدين؛ فقد كتب الله عليهم الذلة شرعًا وقدرًا إلى يوم القيامة؛ لكُفرهم بالله وآياته، ولِما كانوا يرتكبونه من آثامٍ بحق أنبيائهم: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]. فقد ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا فلا يأمنون ﴿ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 112]، قال ابن عباس: أي: بعهد من الله وعهد من الناس. ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 112]؛ أي: ألزموا فالتزموا بغضب من الله، وهم يستحقونه، ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴾ [آل عمران: 112]؛ أي أُلزموها قدرًا وشرعًا؛ ولهذا قال: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ [آل عمران: 112]، وإنما حملهم على ذلك الكِبر والبغيُ والحسد، فأعقبهم ذلك الذلة والصَّغار والمسكنة أبدًا، متصلًا بذلة الآخرة؛ ثم قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]؛ أي: إنما حملهم على الكفر بآيات الله، وقتل رسل الله، وقيضوا لذلك، أنهم كانوا يُكثرون العصيان لأوامر الله عز وجل، والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فعياذًا بالله من ذلك، والله المستعان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر الأزدي، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: "كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق بقلهم في آخر النهار"؛ [تفسير ابن كثير]. المفاضلة بين أهل الكتاب الجاحدين للرسالة وبين من لحِق منهم بأمة محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 113 - 115]. عن ابن مسعود قال: أخَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: ((أمَا إنه ليس من أهل هذه الأديان أحدٌ يذكر الله هذه الساعة غيركم، قال: فنزلت هذه الآيات: ﴿ لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ﴾ [آل عمران: 113] حتى بلغ: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 115]))؛ [رواه أحمد والنسائي]. وقال ابن عباس: قول الله عز وجل: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ [آل عمران: 113]، من آمن مع النبي صلى الله عليه وسلم. ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 114، 115]، "﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 114] يعني: يقرون بالله ويصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [آل عمران: 114] قيل: هو عموم، وقيل: يُراد به الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: 114] والنهي عن المنكر النهي عن مخالفته، ﴿ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾ [آل عمران: 114] التي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم، وقيل: يبادرون بالعمل قبل الفوت، ﴿ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران: 114]؛ أي مع الصالحين، وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة. ﴿ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ ﴾ [آل عمران: 115]؛ أي: وما تفعلوا من خير فلن تُجحدوا ثوابه، بل يُشكر لكم وتُجازون عليه؛ [تفسير القرطبي]. • ثم إنهم لا تنفعهم كثرة مال ولا أولاد: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 116، 117]. فالذين آمنوا من أهل الكتاب التحقوا بأمة محمد وشملتهم الآيات، أما الذين أصروا على جحودهم مستقوين بأموالهم وأولادهم، فإن الله يخبر عنهم أن ما يظنونه قوة ومنعة، ليس بمنقذهم ولا مانعهم من عذاب الله. قال مقاتل: لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب، ذكر كفَّارهم، وهو قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 116]. ثم ضرب مثلًا لما ينفقه هؤلاء الكفار في هذه الدار؛ فقال تعالى: ﴿ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ ﴾ [آل عمران: 117]؛ أي: برد شديد، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة والحسن، وغيرهم، وقال عطاء: برد وجليد، وعن ابن عباس أيضًا ومجاهد ﴿ فِيهَا صِرٌّ ﴾ [آل عمران: 117]؛ أي: نار، وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد - سيما الجليد - يُحرِق الزروع والثمار، كما يُحرَق الشيء بالنار، ﴿ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ﴾ [آل عمران: 117]؛ أي: أحرقته، يعني بذلك السفعة إذا نزلت على حرث قد آن جَداده أو حصاده، فدمَّرته وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته، فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه، فكذلك الكفار يمحق الله ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرتها، كما أذهب ثمرة هذا الحرث بذنوب صاحبه، وكذلك هؤلاء بنَوها على غير أصل وعلى غير أساس؛ ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 117]؛ [ابن كثير]. فائدة: قد يعتقد البعض أن هناك تناقضًا بين قوله تعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [آل عمران: 111]، وبين ما يحدث من انتصار وعلو لهؤلاء على المسلمين على أرض الواقع. والحقيقة، بالطبع، أنه لا يوجد تناقض، وأنى للتناقض أن يجد مدخلًا إلى كلام رب العالمين سبحانه وتعالى؟ والجواب على ذلك يكون بالرجوع إلى الآية السابقة لهذه الآية، آية "خير أمة" التي لن يكون لهؤلاء عليها سبيلًا. يقول تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [آل عمران: 110، 111]. فالمقدمة هي أنتم بصفتكم: ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ [آل عمران: 110]، والخاتمة هي ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى ﴾ [آل عمران: 111]، وخير أمة هذه ذكر الله لها ثلاثة شروط: • تأمرون بالمعروف. • تنهون عن المنكر. • تؤمنون بالله. فإن اختلَّ أحد هذه الشروط، خرجنا عن "خير أمة"، وبالتالي خرجنا عن ماهية الضرر الذي يمكن أن يُلحقه بنا فسَّاق أهل الكتاب؛ الذين ذكرتهم الآية الأولى: ﴿ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]، ووصفت ضررهم الآية الثانية: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [آل عمران: 111]. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. يتبع بإذن الله... |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#8 |
|
|
وقفات ودروس من سورة آل عمران (8) وقفات في قلب السورة (5) ميسون عبدالرحمن النحلاوي الوقفة التاسعة: الولاء والبراء: عقيدة الولاء والبراء من ثوابت العقيدة، وربما كانت أهم أركانها، فمعها يتضح صدق إيمان المؤمن من نفاقه. وكنا قد ذكرنا في المقدمة أن السورة تأتي على مسألة البراء في موضعين: الأول جاء فيه النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بحكم قطعيٍّ، فيه من الوعيد الشديد ما تنخلع له القلوب؛ آل عمران [28-30]: ﴿ لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾. وقد جاء هذا النهي مشفوعًا بتبرُّؤ الله عز وجل من كل عبد يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين؛ ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ ﴾، ثم يستثني من يفعل ذلك تقية، ﴿ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾، وقد فصَّلنا ذلك في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة. والموضع الآخر الذي ذُكرت فيه مسألة البراء جاء في سياق تعليميٍّ، يخاطب العقل لمن لا يقتنع إلا بالسياقات العقلية، فبيَّن لهم خبيئة هؤلاء، ولماذا ينهاهم جل في علاه عن موالاتهم، وهو موضوعنا في هذا البسط إن شاء الله. زجر للمؤمنين عن موالاة الكفار والركون إليهم: يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 118 - 120]. وفي الآيات زجر للمؤمنين عن الركون إلى الكفار، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾، وهو متصل بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100]، وفيها نهي للمؤمنين من اتخاذ هؤلاء الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم، ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل". وروي عن ابن مسعود أنه قال: اعتبروا الناس بإخوانهم. ثم بيَّن تعالى المعنى الذي لأجله نهى عن المواصلة فقال: ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ يقول: فسادًا؛ يعني: لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر، فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة. وحكى أبو موسى الأشعري أنه قدم على عمر- رضي الله عنهما- بحساب، فرفعه إلى عمر فأعجبه، وجاء عمر كتاب، فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد. فقال: لم؟! أجنب هو؟ قال: إنه نصراني؛ فانتهره وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تأمنهم وقد خونهم الله. وعن عمر- رضي الله عنه- قال: لا تستعملوا أهل الكتاب؛ فإنهم يستحلون الرشا، واستعينوا على أموركم وعلى رعيتكم بالذين يخشون الله تعالى. وقيل لعمر رضي الله عنه: إن ها هنا رجلًا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين، فلا يجوز استكتاب أهل الذمة، ولا غير ذلك من تصرُّفاتهم في البيع والشراء والاستنابة إليهم. قلت- والكلام للقرطبي-: وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كَتَبة وأمناء وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء. روى البخاري عن أبي سعيد الخُدْري عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضُّه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضُّه عليه، فالمعصوم من عصم الله تعالى. ويرى ابن كثير أن هذا النهي يشمل المنافقين أيضًا، فيقول: إن الله عز وجل ينهى عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين بطانة؛ أي: يطلعونهم على سرائرهم وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم لا يألون المؤمنين خبالًا؛ أي: يسعون في مخالفتهم، وما يضرُّهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودون ما يعنت المؤمنين ويخرجهم ويشق عليهم. وقوله: ﴿ لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ ﴾ [آل عمران: 118]؛ أي: من غيركم من أهل الأديان، وبطانة الرجل: هم خاصة أهله الذين يطلعون على داخل أمره"؛ انتهى ابن كثير. والتاريخ يقف شاهدًا على أن أهم أسباب ضعف، بل وسقوط الخلافات الإسلامية التي قامت وتتالت عبر قرون من الزمن، كان اتخاذ السلاطين بطانة من دونهم في مخالفة للأمر الإلهي. ثم تأتي الآيات على بسط أسباب هذا النهي: خبيئتهم الخبيثة: • ﴿ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾: يقول فسادًا؛ يعني: لا يتركون الجهد في فسادكم، يعني أنهم وإن لم يقاتلوكم في الظاهر فإنهم لا يتركون الجهد في المكر والخديعة. • ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ ﴾: والمعنى: ودُّوا عنتكم؛ أي: ما يشق عليكم. والعنت: المشقة. • ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾: فهم لا يتورَّعون عن الكلام بعداوتكم وبغضائكم، ومع ذلك، فهم يقولون بعضًا مما يضمرونه من حقد وبغض تضيق به صدورهم؛ لذلك قال الله جلَّ في علاه. • ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾: وفي هذا إخبار وإعلام من الله للمؤمنين بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم. كرههم للمسلمين: ﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾: ثم إنكم- أيها المؤمنون- تحبون المنافقين مما يظهرون لكم من الإيمان، فتحبونهم وتظهرون لهم الودَّ على ذلك وهم لا يحبونكم، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولو اضطروا إلى إبداء القبول نفاقًا ومداهنةً. ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ ﴾: ثم إنكم تؤمنون بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله، بينما هم لا يؤمنون إلا بما أنزل إليهم، "قال ابن عباس: يعني بالكتب. واليهود يؤمنون بالبعض؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ ﴾ [البقرة: 91]؛ تفسير القرطبي. نفاقهم ومخادعتهم للمسلمين: ﴿ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ [آل عمران: 119]: وهذا نفاقهم ومكرهم، إما خيفة منكم، أو خداعًا لكم كي لا تحذروا ما يبيتونه لكم من مكر، فتحتاطون له... ولكن الله يعلم خبيئتهم، يعلم أنهم إذا خلوا أظهروا غيظهم من ظهوركم على الأمر، و﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ﴾ وذلك أشد الغيظ والحنق. ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾:وهذه نهاية الحسد... فمهما بلغ بكم الحسد والغيظ مما أنعم الله به على المؤمنين، فاعلموا أن الله متمٌّ نعمته على عباده المؤمنين، ومكمل دينه، ومُعْلٍ كلمته، ومظهر دينه، فـ﴿ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾؛ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنُّه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تؤملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، فلا خروج لكم منها. يفرحون لمصائبكم ويستاءون من أفراحكم: ﴿ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾: ومن الطبيعي أنهم يألمون أشد الألم إن أصابكم خير ونصرة وعزّة، ويفرحون أشد الفرح لكل ضرر أو حيف يحيط بكم! الإرشاد الإلهي للخروج من دائرة الكيد والحقد والحسد التي يضمرها أعداء المسلمين ثم يأتي الإرشاد الإلهي للخروج من دائرة الكيد والحقد والحسد التي يضمرها لنا هؤلاء، الذين هم "من دوننا"، والذين حذرنا الله من موالاتهم، ودفع ضررهم عنا، فكان المخرج الذي أرشدنا الله إليه في اثنتين صريحتين وثالثة متضمنة: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: 120]: • الصبر. • والتقوى. • وتأتي الثالثة، التوكُّل على الله، متضمنة بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾، فإن أيقنَّا بأن الله لا يغيب عن علمه شيء، وأنه في معية عباده المؤمنين دائمًا وأبدًا، توكَّلنا عليه، وعلمنا أنه محيط بأعدائنا، فلا حول ولا قوة لنا إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكَّل عليه كفاه. والله أعلم. ومع هذه الوقفة تكون مقدمات غزوة أُحُد قد انتهت لتمضي بنا السورة الكريمة مع الغزوة. يتبع... الحلقة القادمة: غزوة أُحُد، إن شاء الله. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
|
|
وقفات ودروس من سورة آل عمران (9) ميسون عبدالرحمن النحلاوي وقفات في قلب السورة 6 غزوة أحد بسم الله، والحمد لله رب العالمين. الوقفة العاشرة: غزوة أحد: في آيات غزوة أُحُدٍ يبسط الله سبحانه وتعالى دروسًا هامة للمسلمين في مسألة القتال في سبيل الله، فكل جيش، وكل غزوة يهم بها المسلمون لمواجهة الكفار، لا بد لهم من مراجعة دروس غزوة أحد، هذه الدروس التي تبدأ بالإعداد ثم المشورة ثم الاستعداد الإيماني للمعركة، وهو ما تبسطه الآيات من توجيهات سلوكية للمسلمين عامة، وللمقاتلين خاصة. دروس تحكي عن أسباب الهزيمة وعوامل النصر، عن النهوض بعد الفشل، إن حصل، عن التوكل على الله، واليقين بأن دابر الكافرين مقطوع لا محالة، إن عاجلًا أم آجِلًا، وأن النصر بيد الله يؤتيه لعباده المخلصين، إن تسلَّحوا بالصبر والتقوى. دروس تتناول كيدَ المنافقين في معارك الجهاد، وتحكي عن مفهوم الموت بالنسبة للمؤمنين والمنافقين. دروس تنبِّه المقاتلين إلى أن موت القائد لا يعني الهزيمة ولا يعني توقف القتال. دروس لا تنتهي، قد نُحيط ببعضها، ونعجز عن بعضها، وهذا هو إعجاز القرآن الكريم: مقاصده لا تنتهي، ودروسه وعِبَره لا تنقضي. سبحان مُنزل الكتاب! بسم الله، نبدأ: أولًا: الإعداد للمعركة، وفيها: المشورة والتهيئة قبل الخروج للمعركة. التحذير من التأثُّر بالمنافقين، والانزلاق في مزالقهم، فالمنافقون في صفوف الجيش المسلم. استحضار معيَّة الله لأجل تقوية العزيمة، والحث على الثبات؛ مثالها تذكرة المؤمنين بمعجزة النصر في موقعة بدر. معادلة النصر والهزيمة الإلهية بعيدًا عن المقاييس البشرية. توجيهات إلهية للمسلمين وهم على عتبة الغزو. يقول تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ * لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 121 - 136]. ثم يمضي بنا سياق السورة لندلف معه إلى غزوة أحد: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 121]. المشورة والتهيئة قبل الخروج للمعركة: بعد الهزيمة التي مُنيَ بها المشركون في غزوة بدرٍ، حين قُتل من قُتل من أشرافهم، وسلِمت العِير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان، وعادت فلول المشركين إلى مكة، قال أبناء من قُتل، ورؤساء من بقيَ لأبي سفيان: "ارصد هذه الأموال لقتال محمد"، فأنفقوها في ذلك، وجمعوا الجموع والأحابيش، وأقبلوا في قريب من ثلاثة آلاف، حتى نزلوا قريبًا من أُحُدٍ تلقاءَ المدينة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فلما فرغ منها صلى على رجلٍ من بني النجار، يُقال له: مالك بن عمرو، واستشار الناس: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ فأشار عبدالله بن أُبي بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشرِّ محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين، وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرًا بالخروج إليهم، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبِس لَأْمَتَهُ وخرج عليهم، وقد ندم بعضهم وقالوا: لعلنا استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، إن شئت أن نمكث؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبِس لأمته، أن يرجع حتى يحكم الله له)). فسار عليه السلام في ألفٍ من أصحابه، فلما كان بالشوط رجع عبدالله بن أُبي في ثلث الجيش مُغضبًا، لكونه لم يرجع إلى قوله، وقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالًا لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم. واستمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرًا حتى نزل الشِّعب من أُحُد في عدوة الوادي، وجعل ظهره وعسكره إلى أُحد، وقال: ((لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال))، وتهيَّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه، وأمَّر على الرماة عبدالله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، والرماة يومئذٍ خمسون رجلًا، فقال لهم: ((انضحوا الخيل عنا، ولا نؤتَينَّ من قِبلكم، والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم))، وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبدالدار، وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الغلمان يومئذٍ، وأرجأ آخرين، حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين، وتعبَّأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جنَّبوها، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعوا إلى بني عبدالدار اللواء، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات، إن شاء الله تعالى. ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ [آل عمران: 121]؛ أي: تُنزلهم منازلهم، وتجعلهم ميمنةً وميسرة، وحيث أمرتَهم، ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 121]؛ أي: سميع لما تقولون، عليم بضمائركم؛ [ابن كثير]. رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم: وكان نزول المشركين عند أحُد على شفير الوادي بقناة مقابل المدينة، يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، على رأس أحد وثلاثين شهرًا من الهجرة، فأقاموا هنالك يوم الخميس والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه ((أن في سيفه ثُلمةً، وأن بقرًا له تُذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة؛ فتأوَّلها أن نفرًا من أصحابه يُقتلون، وأن رجلًا من أهل بيته يُصاب، وأن الدرع الحصينة المدينة))؛ [أخرجه مسلم]. التحذير من التأثر بالمنافقين، والانزلاق في مزالقهم، فالمنافقون في صفوف الجيش المسلم: وكان أن بدأ الجبن يتسلل إلى قلوب بعض الأنصار، بعدما رأوا انسحاب فرقة المنافقين من الجيش، لكن الله كفاهم شرَّ حديث النفس، وتزيين الهوى، وعصمهم من الهمِّ بالتقاعس عن الخروج، وهنا يذكِّرهم الله بما أنعم الله عليهم من العصمة؛ في قوله: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 122]؛ يقول القرطبي في تفسيره: "والطائفتان هما: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحُد، ومعنى: ﴿ أَنْ تَفْشَلَا ﴾ [آل عمران: 122]: أن تجبُنا، وفي البخاري عن جابر قال: (فينا نزلت: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ [آل عمران: 122]، قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب أنها لم تنزل؛ لقول الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ [آل عمران: 122])، والفشل عبارة عن الجبن؛ وكذلك هو في اللغة. والهم من الطائفتين كان بعد الخروج لما رجع عبدالله بن أُبي بمن معه من المنافقين، فحفظ الله قلوبهم فلم يرجعوا؛ فذلك قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ [آل عمران: 122]؛ يعني حافظ قلوبهما عن تحقيق هذا الهم، وقيل: أرادوا التقاعد عن الخروج، وكان ذلك صغيرة منهم، وقيل: كان ذلك حديثَ نفسٍ منهم خطر ببالهم، فأطلع الله نبيه عليه السلام عليه فازدادوا بصيرة؛ ولم يكن ذلك الخور مكتسبًا لهم فعصمهم الله، وذمَّ بعضهم بعضًا، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطلَّ على المشركين، وكان خروجه من المدينة في ألفٍ، فرجع عنه عبدالله بن أبي بن سلول بثلاثمائة رجل مغاضبًا؛ كما ذكرنا، إذ خُولف رأيه حين أشار بالقعود والقتال في المدينة إن نهض إليهم العدوُّ، وكان رأيه وافق رأيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبى ذلك أكثرُ الأنصار. ونهض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين فاستُشهد منهم من أكرمه الله بالشهادة؛ قال مالك رحمه الله: قُتل من المهاجرين يوم أحد أربعةٌ، ومن الأنصار سبعون رضي الله عنهم، والمقاعد: جمع مقعد، وهو مكان القعود، وهذا بمنزلة مواقف، ولكن لفظ القعود دالٌّ على الثبوت؛ ولا سيما أن الرماة كانوا قعودًا"؛ [انتهى تفسير القرطبي]. استحضار معية الله لأجل تقوية العزيمة والحث على الثبات؛ مثالها تذكرة المؤمنين بمعجزة النصر في موقعة بدر: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 123 - 126]. ثم يأتي السياق على تذكير الله عبادَه المؤمنين المجاهدين بموقعة بدر، التي كان النصر فيها بعيدًا عن كل القوانين والمفاهيم البشرية لعوامل النصر والهزيمة؛ فيقول جل في علاه: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123]، وقد تجلَّت معية الله في بدرٍ في أوضح صورها، حطَّمت معها كل القوانين والمعايير والحسابات البشرية. معادلة النصر والهزيمة الإلهية بعيدًا عن المقاييس البشرية: في معادلة النصر والهزيمة الإلهية: لا قيمة للعدد والعُدة البشرية. كانت موقعة بدر في جمعةٍ وافق السابع عشر من رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعزَّ الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرَّب محله، هذا مع قلة عدد المسلمين يومئذٍ، فإنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا فيهم فرسان وسبعون بعيرًا، والباقون مشاة، ليس معهم من العدد جميع ما يحتاجون إليه، وكان العدو يومئذٍ ما بين التسعمائة إلى الألف في سوابغ الحديد والبيض، والعُدة الكاملة والخيول المسوَّمة والحلي الزائد، فأعزَّ الله رسوله، وأظهر وحيَه وتنزيله، وبيَّض وجه النبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله. ولهذا قال تعالى ممتنًّا على عباده المؤمنين، وحزبه المتقين: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾ [آل عمران: 123]؛ أي: قليلٌ عددكم؛ ليعلموا أن النصر إنما هو من عند الله، لا بكثرة العَدد والعُدَد؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 25 - 27]. بل العِبرة في معية الله والمدد الإلهي. ﴿ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 124، 125]. في هذه الآيات نستطلع أمرين على جانب من الأهمية: الأمر الأول: هو ركون النفس البشرية إلى المعادلات والمقاييس التي درجت عليها البشرية في مسألة النصر والهزيمة، وهذا ما كان يخيف المسلمين يومئذٍ من لقاء مشركي قريش، فعلاوة على أن جيش قريش كان يفوقهم بثلاثة أضعاف عددًا وعُدة، فقد بلغهم يومَ بدرٍ أن كرز بن جابر يمد المشركين، فشقَّ ذلك عليهم، فأنزل الله: ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ [آل عمران: 124]، إلى قوله: ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125]. الأمر الثاني: هو عون الله ومدده الذي يختص به الله جل في علاه عباده المجاهدين، إذا تحقق فيهم شرطان: الصبر. والتقوى. وهذا ما كان عليه أهل بدر، وهذا ما جعلهم يستحقون ذلك المدد المُعجز الذي حقَّق لهم نصرًا، أذهل العرب قبل مشركي قريش! يقول ابن كثير: "ثم إن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله: ﴿ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ [آل عمران: 124]، إلى قوله: ﴿ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125]، قال: فبلغت كرزًا الهزيمة، فلم يمد المشركين ولم يمد الله المسلمين بالخمسة، وقال الربيع بن أنس: أمدَّ الله المسلمين بألف، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله تعالى في قصة بدر في سورة الأنفال: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 9، 10]؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف ها هنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها، لقوله: ﴿ مُرْدِفِينَ ﴾ بمعنى: يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أُخر مثلهم، وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر كما هو المعروف من أن قتال الملائكة إنما كان يوم بدر، والله أعلم، قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أمدَّ الله المؤمنين يوم بدر بخمسة آلاف. ومنهم من قال: إن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ [آل عمران: 121]، وذلك يوم أُحُدٍ؛ وهو قول مجاهد، وعكرمة، والضحَّاك، والزهري، وموسى بن عقبة وغيرهم، لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين فروا يومئذٍ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف، لقوله: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾ [آل عمران: 125]، فلم يصبروا، بل فروا، فلم يُمَدوا بملَكٍ واحد"؛ [ابن كثير]. والله أعلم. البُشرى، ومع الصبر والتقوى تأتي البشرى. ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]. ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ [آل عمران: 126]؛ أي: وما أنزل الله الملائكة وأعلمكم بإنزالها، إلا بشارةً لكم وتطييبًا لقلوبكم وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياجٍ إلى قتالكم لهم؛ كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال في سورة محمد، ويُطلق عليها أيضًا سورة القتال: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ [محمد: 4 - 6]. الغاية: ومع تكامل الشروط، وحصول معية الله ومدده، تتحقق الغاية من الجهاد. ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ﴾ [آل عمران: 127]؛ أي: إن الله أمركم بالجهاد والجلاد، لِما له في ذلك من الحكمة في كل تقدير، فقال: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾ [آل عمران: 127]؛ أي: ليهلك أمَّة من الذين كفروا، ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ [آل عمران: 127]؛ أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لمَّا لم ينالوا منكم ما أرادوا؛ قاله ابن كثير. وقال الشوكاني: "قوله: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [آل عمران: 127]، قال: قطع الله يوم بدر طرفًا من الكفار، وقتل صناديدهم ورؤوسهم وقادتهم في الشر، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم في قوله: ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا ﴾ [آل عمران: 127]، قال: هذا يوم بدر، قطع الله طائفةً منهم، وبقيت طائفة"؛ [انتهى فتح القدير للشوكاني]. المتصرف بالنصر والهزيمة، والجزاء والعقاب هو الله وحده. ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ * وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 128، 129]. فالله هو مالكُ أمرِ العباد يصنع بهم ما يشاء من الإهلاك، أو الهزيمة، أو التوبة إن أسلموا، أو العذاب إن أصروا على الكفر، فقوله: ﴿ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ ﴾ [آل عمران: 128] عطف على قوله: ﴿ أَوْ يَكْبِتَهُمْ ﴾ [آل عمران: 127]، وقال الفراء: إن: أو: بمعنى: إلا أن، بمعنى: ليس لك من الأمر شيء إلا أن يتوب عليهم، فتفرح بذلك، أو يعذبهم، فتشفى بهم، قوله: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [آل عمران: 129] كلام مستأنفٌ لبيان سَعة ملكه، ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 129]: أن يغفر له ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [آل عمران: 129] أن يعذِّبه، يفعل في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وفي قوله: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 129]: إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه، وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة؛ [الشوكاني، فتح القدير]. توجيهات إلهية للمسلمين وهم على عتبة الغزو: ثم يطالعنا السياق بآياتٍ قد يحسبها القارئ لأول وهلة أنها منقطعة عن مجرى الحديث عن معركة أحد، في حين أن لها كل العلاقة وكل الانسجام؛ يقول تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 130 - 138]. هذه الآيات تذكرة للمسلمين عامة، وللمجاهدين خاصة كونهم مقدِمين على أمر عظيمٍ، يُنصر فيه دين الله أو يُهزم، فمن أراد نصر دين الله في المعركة، انتصر لدين الله في نفسه بدايةً، فكان من الوقَّافين عند أوامره ونواهيه، وحلاله وحرامه. فبماذا ذكَّر الله عباده في تلك اللحظات؟ كان أول ما ذكَّر الله به عباده، هو المال الحرام: الربا. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 130، 131]، واختصاص الربا من بين سائر المعاصي وإعطاؤه أولويةً في التذكرة في هذا المقام، يدل على مدى أهميته، فهو المعصية الوحيدة التي آذن الله فيها عباده بالحرب؛ في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 278، 279]، فكيف لكم أن تقاتلوا في سبيل إعلاء كلمة الله، وأنتم آكلون للربا قد استجلبتم لأنفسكم حربًا من الله؟ هل يستقيم هذا؟ بالطبع لا يستقيم. ثم يخوِّفهم، ويزيد عليهم النَّكير فيقول: ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 131]؛ يقول القرطبي: "﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 131] قال كثير من المفسرين: وهذا الوعيد لمن استحلَّ الربا، ومن استحلَّ الربا فإنه يكفُر ويكفَّر، وقيل: معناه: اتقوا العمل الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار، لأن من الذنوب ما يستوجب به صاحبه نزع الإيمان ويُخاف عليه، من ذلك عقوق الوالدين، وقد جاء في ذلك أثرٌ أن رجلًا كان عاقًّا لوالديه يُقال له علقمة، فقيل له عند الموت: قل: لا إله إلا الله، فلم يقدر على ذلك حتى جاءته أمه فرضِيت عنه، ومن ذلك قطيعة الرحم، وأكل الربا، والخيانة في الأمانة، وذكر أبو بكر الوراق عن أبي حنيفة أنه قال: أكثر ما ينزع الإيمان من العبد عند الموت، ثم قال أبو بكر: فنظرنا في الذنوب التي تنزع الإيمان فلم نجد شيئًا أسرع نزعًا للإيمان من ظلم العباد"؛ [انتهى القرطبي]. ثم أمر بطاعة الله ورسوله: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132]، ثم كان التوجيه إلى طاعة الله والرسول في المُطلق، وقيل: أطيعوا الله في تحريم الربا والرسول فيما بلغكم من التحريم، ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [آل عمران: 132]؛ أي: كي يرحمكم الله، كما جاء في تفسير القرطبي. • ومع طاعة الله والرسول تكون المسارعة إلى المغفرة من الله التي تقود إلى جنات عرضها السماوات والأرض؛ قال جل في علاه: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133]. فالجنة هذه قد أُعدت للمتقين، الذين حقَّقوا طاعة الله ورسوله، وصفاتهم: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾[آل عمران: 134] في الشدة والرخاء، والمَنشَط والمكرَه، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال؛ كما قال: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾[البقرة: 274]. عن عبدالله، هو ابن مسعود، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قال: قالوا: يا رسول الله، ما منا أحدٌ إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: اعلموا أنه ليس منكم أحدٌ إلا مال وارثه أحب إليه من ماله، ما لك من مالِك إلا ما قدمتَ، ومال وارثك ما أخَّرتَ)). وأخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أنفق زوجين في سبيل الله، نُودي في الجنة: يا عبدالله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة، دُعيَ من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دُعيَ من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة، دُعيَ من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام، دُعيَ من باب الرَّيَّان، قال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، ما على أحدٍ يُدعى من تلك الأبواب من ضرورةٍ، فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، وأرجو أن تكون منهم)). أي: إنه من تصدق بعدد اثنين من أي شيء، كان صنفين أو متشابهين، كبقرتين، أو درهمين، أو رغيفين، أو ثوبين، ويحتمل أن يُراد به الإنفاق مرة بعد أخرى، أي: جاعلًا الإنفاق عادةً له، وقوله: «في سبيل الله»، أي: في طلب ثوابه، وهو أعم من الجهاد وغيره من العبادات؛ فمن فعل ذلك نادته الملائكة يوم القيامة من أبواب الجنة مرحِّبةً بقدومه إليها، وهي تقول: «يا عبد الله، هذا خير». ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾[آل عمران: 134]؛ أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه، فلم يعملوه وعفَوا مع ذلك عمن أساء إليهم، واحتسبوا ذلك عند ربهم؛ روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((ليس الشديد بالصُّرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)). ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾[آل عمران: 134]، ومع كفِّ شر الغيظ والغضب، يعفون عمن ظلمهم في أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجِدة على أحدٍ، وهذا أكمل الأحوال؛ ولهذا قال:﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾[آل عمران: 134]، فهذا من مقامات الإحسان؛ وفي الحديث: ((ثلاثٌ أُقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله)). مكثرون من التوبة والاستغفار، بعيدون عن الإصرار على المعاصي. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 135]. وصفتهم أيضًا أنهم إذا صدر منهم ذنبٌ، أتْبَعوه بالتوبة والاستغفار؛ وقال القرطبي: "والفاحشة تُطلَق على كل معصية، وقد كثر اختصاصها بالزنا حتى فسَّر جابر بن عبدالله والسدي هذه الآية بالزنا، و(أو) في قوله: ﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ [آل عمران: 135] قيل: هي بمعنى الواو، والمراد ما دون الكبائر، ذكروا الله معناه بالخوف من عقابه، والحياء منه. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن رجلًا أذنب ذنبًا، فقال: رب إني أذنبت ذنبًا فاغفره، فقال الله عز وجلَّ: عبدي عمل ذنبًا، فعلِم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال تبارك وتعالى: علِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم عمل ذنبًا آخر فقال: رب، إني عملت ذنبًا فاغفره لي، فقال عز وجل: علِم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: رب، إني عملت ذنبًا فاغفره، فقال عز وجل: عبدي علم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، أُشهدكم أني قد غفرت لعبدي، فليعمل ما شاء)). وقوله: ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 135]؛ أي: طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم، وكل دعاء فيه هذا المعنى أو لفظه فهو استغفار، فالاستغفار عظيمٌ وثوابه جسيم؛ حتى لقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وأتوب إليه، غُفر له وإن كان قد فرَّ من الزحف))، وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ((ما رأيت أكثر استغفارًا من رسول الله، صلى الله عليه وسلم))، وقال مكحول: ما رأيت أكثر استغفارًا من أبي هريرة، وكان مكحول كثير الاستغفار. قال علماؤنا: الباعث على التوبة وحل الإصرار إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطيعين، وما وصفه من عذاب النار وتهدَّد به العاصين، ودام على ذلك حتى قويَ خوفه ورجاؤه، فدعا الله رغبًا ورهبًا، والرغبة والرهبة ثمرة الخوف والرجاء، يخاف من العقاب، ويرجو الثواب، والله الموفِّق للصواب. والاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الإصرار، ويثبت معناه في الجَنان، لا التلفظ باللسان، فأما من قال بلسانه: أستغفر الله، وقلبه مصرٌّ على معصيته، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبائر، ورُوِيَ عن الحسن البصري أنه قال: استغفارنا يحتاج إلى استغفار، قلت: هذا يقوله في زمانه، فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الإنسان مكبًّا على الظلم، حريصًا عليه لا يُقلع، والسبحة في يده زاعمًا أنه يستغفر الله من ذنبه، وذلك استهزاء منه واستخفاف؟ وفي التنزيل: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ [البقرة: 231]. وقال سهل بن عبدالله: الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران، والمُصرُّ هالك، والإصرار هو التسويف، والتسويف أن يقول: أتوب غدًا؛ وهذا دعوى النفس، كيف يتوب غدًا وهو لا يملكه؟ وقال غير سهل: الإصرار هو أن ينوي ألَّا يتوب، فإذا نوى التوبة النصوح خرج عن الإصرار، وقول سهل أحسن، ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا توبة مع إصرار؛ [تفسير القرطبي]، وأخرج الألباني في السلسلة الصحيحة، عن عبدالله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ارحموا تُرحموا، واغفروا يغفر الله لكم، وويلٌ لأقماع القول، وويل للمُصرين الذين يُصرون على ما فعلوا وهم يعلمون)). وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ويل لأقماع القول))؛ وهم الذين يسمعون القول ولا يعملون به، شبَّههم بالأقماع التي تُجعل برأس الإناء الضيق حتى يُملأ، ويُصب فيها الماء فيمر منها إلى غيرها، ولا يمكث فيها ولا تنتفع به؛ وكذلك هؤلاء الذين يستمعون القول ولا يَعُونه، ولا يحفظونه ولا يعملون به، يمر القول على آذانهم ولا يعملون به، ويلٌ للمُصرين؛ أي: على الذنوب عازمون على المداومة عليها، الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون، أي: يُقيمون على الذنب فلا يتوبون مع علمهم بحرمة الذنب، والجزاء عليه. فما جزاء من كانت هذه صفاته من المتقين؟ ﴿ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [آل عمران: 136]. سبحانك ربي ما أكرمك! اللهم اجعلنا منهم. اللهم آمين. يتبع بإذن الله. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#10 |
|
|
وقفات ودروس من سورة آل عمران (10) ميسون عبدالرحمن النحلاوي وقفات في قلب السورة -7- تتمة غزوة أحد بسم الله الرحمن الرحيم • غزوة أحد غزوة الابتلاء والتمحيص.• تعزية الله سبحانه وتعالى لأهل أحد وبث الطمأنينة في قلوبهم. • معاتبة الله عز وجل لمن جبن وتخاذل من المسلمين يوم أحد. • تثبيت المؤمنين بنهيهم عن طاعة الكافرين، وعدم الطمع بولايتهم لأن الله وحده هو مولى المؤمنين. • لماذا انقلب النصر إلى هزيمة في أحد؟ غزوة أحد غزوة الابتلاء والتمحيص: كان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص، اختبر الله به المؤمنين ومحق به المنافقين ممن كان يُظهر الإسلام بلسانه وهو مستخفٍ بالكفر، يوم تعرض فيه المسلمون لاختبار عميق الدلالة واضح البيان: المفاضلة بين زينة الحياة الدنيا وطاعة رسول الله، فكان درسًا يعقله المسلمون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. كانت الغنائم هي سبب هزيمة المسلمين في المعركة، والتي بسببها عصى الرماة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركوا أماكنهم، فالتف عليهم المشركون لتصبح كفة المعركة في صالح المشركين بعد أن كانت نصرًا للمسلمين، وتتالت الأحداث واشتد المشركون على المسلمين يريدون قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلص بعض المشركين إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه وهو في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش فقال: ((من يردهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟))، فقاتلوا عنه واحدًا واحدًا حتى استشهد الأنصار السبعة، ثم قاتل عنه طلحة بن عبيدالله قتالًا مشهورًا حتى شلت يده بسهم أصابها، وقاتل سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يناوله السهام ويقول: ((ارمِ فداك أبي وأمي))، وكان سعد من مشاهير الرماة، ودافع أبو طلحة الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان راميًا، فكان النبي يشرف على القتال فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يصبِك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، وكان إذا مر الرجل معه جعبة السهام يقول الرسول: ((انثرها لأبي طلحة))، وقد عبر الرسول عن إعجابه بقتاله فقال: ((لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة)). ما كان في الغزوة من مصاب للنبي صلى الله عليه وسلم: وكان مع المشركين يومئذٍ مائة فرس عليها خالد بن الوليد، ولم يكن مع المسلمين يومئذ فرس، وفيها جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه، وكُسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة من على رأسه صلى الله عليه وسلم، وجزاه عن أمته بأفضل ما جزى به نبيًّا من أنبيائه على صبره، وكان الذي تولى ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن قميئة الليثي، وعتبة بن أبي وقاص، وقد قيل: إن عبدالله بن شهاب جد الفقيه محمد بن مسلم بن شهاب هو الذي شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جبهته؛ قال الواقدي: والثابت عندنا أن الذي رمى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ابن قميئة، والذي أدمى شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص، قال الواقدي بإسناده عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أحدًا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها كل ذلك يُصرف عنه، ولقد رأيت عبدالله بن شهاب الزهري يقول يومئذٍ: دلوني على محمد دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك، وأكبَّت الحجارة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سقط في حفرة، كان أبو عامر الراهب قد حفرها مكيدة للمسلمين، فخر عليه السلام على جنبه واحتضنه طلحة حتى قام، ومص مالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري من جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم، ونشبت حلقتان من درع المغفر في وجهه صلى الله عليه وسلم، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح وعض عليهما بثنيته فسقطتا؛ فكان أهتمَ يزينه هتمه رضي الله عنه. مقتل حمزة رضي الله عنه: وفي هذه الغزاة قُتل حمزة رضي الله عنه، قتله وحشي، وكان وحشي مملوكًا لجبير بن مطعم، وقد كان جبير قال له: إن قتلت محمدًا جعلنا لك أعنة الخيل، وإن أنت قتلت علي بن أبي طالب، جعلنا لك مائة ناقة كلها سود الحدق، وإن أنت قتلت حمزة فأنت حر، فقال وحشي: أما محمد فعليه حافظ من الله لا يخلص إليه أحد، وأما عليٌّ فما برز إليه أحد إلا قتله، وأما حمزة فرجل شجاع، وعسى أن أصادفه فأقتله، وكانت هند كلما تهيأ وحشي أو مرت به قالت: إيهًا أبا دسمة اشفِ واستشفِ، فكمن له خلف صخرة، وكان حمزة حمل على القوم من المشركين؛ فلما رجع من حملته ومر بوحشي زرقه بالمزراق فأصابه فسقط ميتًا رحمه الله ورضي عنه؛ [تفسير القرطبي]. • تعزية الله سبحانه وتسليته لأهل أحد وبث الطمأنينة في قلوبهم: مصير الكافرين الهلاك، ولو كانت لهم دولة من زمن، وهذه سنة الله في عباده: ومع تلك الأحداث المؤلمة التي كان لها الوقع الصادم في نفوس المسلمين، أنزل الرحمن الرحيم آيات شافيات يعزيهم ويسليهم بها عن مصابهم؛ في قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 137، 138]. في هذه الآية يخاطب الله تعالى عباده المؤمنين الذين أُصيبوا يوم أحد، وقتل منهم سبعون فيقول لهم: إن ما حدث لكم قد جرى نحوه على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم والدائرة على الكافرين، ولهذا قال: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137]. يقول الطبري في قوله تعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ ﴾ [آل عمران: 137]: مضت وسلفت فيمن كان قبلكم، يا معشر أصحاب محمد وأهل الإيمان به، من نحو قوم عاد وثمود، وقوم هود، وقوم لوط، وغيرهم من أسلاف الأمم قبلكم، ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ [آل عمران: 137]، يقول: فسيروا - أيها الظانون، أن إدالتي مَن أدلتُ من أهل الشرك يوم أحد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفر برسلي، وخالف أمري – سيروا في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غب خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أن إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم؛ من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي. ثم يتابع السياق في إشارة إلى تلك السنن فيقول تعالى: ﴿ هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 138]. وقوله: ﴿ هَذَا ﴾ إشارة إلى ما تقدم هذه الآية من تذكير الله جل ثناؤه المؤمنين، وتعريفهم حدوده، وحضهم على لزوم طاعته والصبر على جهاد أعدائه وأعدائهم؛ لأن قوله: ﴿ هَذَا ﴾ إشارة إلى حاضر: إما مرئي وإما مسموع، وهو في هذا الموضع إلى حاضر مسموع من الآيات المتقدمة؛ فمعنى الكلام: هذا الذي أوضحت لكم وعرفتكموه، بيان للناس؛ [انتهى؛ تفسير الطبري]. وقال الشوكاني: المعنى: سيروا فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، فإنهم خالفوا رسلهم بالحرص على الدنيا، ثم انقرضوا فلم يبقَ من دنياهم التي آثروها أثر، هذا قول أكثر المفسرين، والمطلوب من هذا السير المأمور به هو حصول المعرفة بذلك، فإن حصلت بدونه فقد حصل المقصود، ﴿ بَيَانٌ لِلنَّاسِ ﴾ [آل عمران: 138]؛ أي: تبيين لهم، وتعريف الناس للعهد، وهم: المكذبون وغيرهم، وفيه حث على النظر في سوء عاقبة المكذبين وما انتهى إليه أمرهم، قوله: ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ ﴾ [آل عمران: 138]؛ أي: هذا النظر مع كونه بيانًا فيه هدى وموعظة للمتقين من المؤمنين؛ [انتهى]. • ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ [آل عمران: 139]: ثم تأتي التسلية والتعزية الإلهية في أسلوب يستنشط الهمم من جديد، في نهي عن الاستسلام لشعور العجز والفشل؛ يقول تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 139، 140]. في هذه الآيات يعزي رب العزة أصحاب أحد بما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، ويحثهم على قتال عدوهم وينهاهم عن العجز والفشل فيقول لهم: ﴿ وَلَا تَهِنُوا ﴾ [آل عمران: 139]؛ أي لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد عن جهاد أعدائكم لما أصابكم، ﴿ وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ [آل عمران: 139] على ظهورهم، ولا على ما أصابكم من الهزيمة والمصيبة، ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ أي لكم تكون العاقبة بالنصر والظفر إن كنتم مؤمنين بي حق الإيمان وبصدق وعدي. • ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]: قال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين، يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم لا يعلن علينا، اللهم لا قوة لنا إلا بك، اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر، فأنزل الله هذه الآيات، وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم؛ فذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ يعني الغالبين على الأعداء بعد أحد، فلم يخرجوا بعد ذلك عسكرًا إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي كل عسكر كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه واحد من الصحابة كان الظفر لهم، وهذه البلدان كلها إنما افتتحت على عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بعد انقراضهم ما افتتحت بلدة على الوجه كما كانوا يفتتحون في ذلك الوقت، وفي هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، لأنه خاطبهم بما خاطب به أنبياءه، لأنه قال لموسى: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾ [طه: 68]، وقال لهذه الأمة: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]، وهذه اللفظة مشتقة من اسمه الأعلى فهو سبحانه العلي، وقال للمؤمنين: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ [آل عمران: 139]؛ [تفسير القرطبي]. • والأيام دول ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 140]: فإن يمسسكم يوم أحد قرح؛ أي جرح، فقد مس القوم يوم بدر قرح مثله، ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140] قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم ويمحص ذنوبهم، فأما إذا لم يعصوا فإن حزب الله هم الغالبون، وقيل: نداولها بين الناس من فرح وغمٍّ، وصحة وسقم، وغنى وفقر، والدولة الكرة. ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [آل عمران: 140] معناه: وإنما كانت هذه المداولة ليرى المؤمن من المنافق فيميز بعضهم من بعض، كما قال: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ [آل عمران: 166، 167]، وقيل: ليعلم صبر المؤمنين، العلم الذي يقع عليه الجزاء كما علمه غيبًا قبل أن كلفهم؛ [تفسير القرطبي]. • ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ [آل عمران: 140]: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ﴾ [آل عمران: 140]؛ أي يكرمكم بالشهادة، أي ليقتل قوم فيكونوا شهداء على الناس بأعمالهم، وقيل: لهذا قيل شهيد، وقيل: سمي شهيدًا لأنه مشهود له بالجنة، وقيل: سمي شهيدًا لأن أرواحهم احتضرت دار السلام، لأنهم أحياء عند ربهم، وأرواح غيرهم لا تصل إلى الجنة، فالشهيد بمعنى الشاهد أي الحاضر للجنة، وهذا هو الصحيح على ما يأتي والشهادة فضلها عظيم، ويكفيك في فضلها قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [التوبة: 111]؛ الآية، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ [الصف: 10، 11] إلى قوله: ﴿ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الصف: 12]، وفي صحيح البستي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يجد الشهيد من القتل إلا كما يجد أحدكم من القرحة))، وروى النسائي عن راشد بن سعد عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال: ((كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة)). وما حدث نوع من التمحيص للمؤمنين وهلكة للكافرين: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [آل عمران: 141]، وليختبر الله الذين صدقوا الله ورسوله، فيبتليهم بإدالة المشركين منهم، حتى يتبين المؤمن منهم المخلص الصحيح الإيمان، من المنافق. ﴿ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]؛ أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا، فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم، ومحقهم وفنائهم. ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]؛ أي هل حسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد؛ كما قال تعالى: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 1 - 3]، ولهذا قال ها هنا: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]؛ أي لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء. معاتبة الله عز وجل لمن جبن وتخاذل من المسلمين يوم أحد: وبعد التسلية يأتي العتب: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143]. ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ ﴾ [آل عمران: 143]؛ أي الشهادة من قبل أن تلقوه؛ أي من قبل القتل، وقيل: من قبل أن تلقوا أسباب الموت؛ وذلك أن كثيرًا ممن لم يحضروا بدرًا كانوا يتمنون يومًا يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا، وكان منهم من تجلد حتى قُتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فإنه قال لما انكشف المسلمون: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، وباشر القتال وقال: إيهًا إنها ريح الجنة إني لأجدها، ومضى حتى استشهد، قال أنس: فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعًا وثمانين جراحة، وفيه وفي أمثاله نزل: ﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23]، فالآية عتاب في حق من انهزم، لا سيما وكان منهم حمل للنبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من المدينة؛ [تفسير القرطبي]. قال أبو جعفر: وإنما قيل: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ [آل عمران: 143]، لأن قومًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن لم يشهد بدرًا، كانوا يتمنون قبل أحد يومًا مثل يوم بدر، فيبلوا الله من أنفسهم خيرًا، وينالوا من الأجر مثل ما نال أهل بدر، فلما كان يوم أحد فرَّ بعضهم، وصبر بعضهم حتى أوفى بما كان عاهد الله قبل ذلك، فعاتب الله من فر منهم فقال: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ [آل عمران: 143]؛ الآية، وأثنى على الصابرين منهم والموفين بعهدهم. وقال قتادة: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ ﴾ [آل عمران: 143]، قال: كانوا يتمنون أن يلقوا المشركين فيقاتلوهم، فلما لقوهم يوم أحد ولوا. وعن الحسن قال: بلغني أن رجالًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه وسلم لنفعلن ولنفعلن، فابتلوا بذلك، فلا والله ما كلهم صدق الله، فأنـزل الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [آل عمران: 143]؛ [تفسير الطبري]. والرسول بشر، أفئن مات تركتم الجهاد وانهزمتم؟ ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144]. قال ابن كثير: لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقُتل من قُتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أن رسول الله قد قُتل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء عليهم السلام، فحصل وهن وضعف وتأخر عن القتال؛ ففي ذلك أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]؛ أي: له أسوة بهم في الرسالة وفي جواز القتل عليه؛ قال ابن أبي نجيح، عن أبيه، أن رجلًا من المهاجرين مر على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]؛ [رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة]. وروى عكرمة، عن ابن عباس أن عليًّا كان يقول في حياة رسول الله: ﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران: 144]، والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله إني لأخوه، ووليه، وابن عمه، ووارثه، فمن أحق به مني؟ وقد ثبت في الصحاح والمساند والسنن، أن الصديق رضي الله عنه تلا هذه الآية لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الزهري: وحدثني أبو سلمة عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج وعمر يحدث الناس فقال: اجلس يا عمر فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ [آل عمران: 144]، إلى قوله: ﴿ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144]، قال: فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها الناس منه كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها، وأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعُقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض؛ [تفسير ابن كثير]. صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله. والإقدام والإحجام في ساحة الجهاد لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145]. والكتاب المؤجل هو الأجل المكتوب. هذه الآية تثبت قاعدة الأجل المكتوب: لا يموت أحد إلا بقدر الله، وحتى يستوفي المدة التي ضربها الله له، فكل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له، ومعنى مؤجلًا، أي إلى أجل؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المنافقون: 11]. يقول القرطبي: "وأجَل الموت هو الوقت الذي في معلومه سبحانه، أن روح الحي تفارق جسده، ومتى قتل العبد علمنا أن ذلك أجله، ولا يصح أن يقال: لو لم يُقتل لعاش... والمعتزلي يقول: يتقدم الأجل ويتأخر، وإن من قتل فإنما يهلك قبل أجله، وكذلك كل ما ذُبح من الحيوان كان هلاكه قبل أجله، لأنه يجب على القاتل الضمان والدية، وقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية أنه لا تهلك نفس قبل أجلها"؛ [انتهى]. وفي هذه الآية حض على الجهاد، وإعلام أن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه. ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ [آل عمران: 145]: نزلت في الذين تركوا المركز طلبًا للغنيمة، وقيل: هي عامة في كل من أراد الدنيا دون الآخرة، والمعنى نؤته منها ما قسم له، وفي التنزيل: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ﴾ [الإسراء: 18]. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#11 |
|
|
﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145] أي نؤته جزاء عمله، على ما وصف الله تعالى من تضعيف الحسنات لمن يشاء، وقيل: المراد منها عبدالله بن جبير ومن لزم المركز معه حتى قُتلوا، ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145]؛ أي نؤتيهم الثواب الأبدي جزاء لهم على ترك الانهزام، فهو تأكيد ما تقدم من إيتاء مزيد الآخرة؛ [تفسير القرطبي]. القوة والثبات والصبر صفات المؤمنين المجاهدين الصادقين في نية الجهاد: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 146 - 148]. يقول ابن كثير: "إن الله عز وجل عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم يوم أحد، وتركوا القتال أو سمعوا الصائح يصيح: إن محمدًا قد قتل، فعذلهم الله على فرارهم وتركهم القتال فقال لهم: أفإن مات أو قتل أيها المؤمنون ارتددتم عن دينكم، وانقلبتم على أعقابكم؟ فكم من نبي قُتل بين يديه من أصحابه ﴿ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ [آل عمران: 146]؛ أي: جموع كثيرة، ﴿ فَمَا وَهَنُوا ﴾ [آل عمران: 146] بعد نبيهم، ﴿ وَمَا ضَعُفُوا ﴾ [آل عمران: 146] عن عدوهم، ﴿ وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146] لما أصابهم في الجهاد عن الله وعن دينهم، وذلك الصبر، والله يحب الصابرين. ﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146] قال قتادة والربيع بن أنس: وما ضعفوا بقتل نبيهم وما استكانوا، يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم ولا عن دينهم، أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي الله حتى لحقوا بالله. ﴿ وَمَا اسْتَكَانُوا ﴾ [آل عمران: 146]؛ أي وما ذلوا لعدوهم، قال قتادة والسدي: أي ما أصابهم ذلك حين قتل نبيهم، ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]"؛ [انتهى، ابن كثير]. ويرى القرطبي أن الآية تشجيع المؤمنين، والأمر بالاقتداء بمن تقدم من خيار أتباع الأنبياء، أي كثير من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أو أن يكون المعنى: كثير من الأنبياء قتلوا فما ارتدت أممهم، وهذا يقول به قتادة وعكرمة. المؤمنون يستنصرون الله في مواقع القتال بالاستغفار والدعاء: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 147، 148]. • فالمجاهد يبقى بين الخوف من ذنوبه ورجائه من الله المغفرة. • علم المجاهد أن الذنوب والإسراف من أعظم أسباب الخذلان، وأن التخلي منها من أسباب النصر، فكان الاستغفار والدعاء أكثر ما يشغله. • والمجاهد لا يرى نفسه قويًّا بذاته، لا يغتر لا بصبره ولا بإيمانه، ولا بعدده ولا بعدته، وإنما يلجأ إلى الله بالدعاء طالبًا منه التثبيت والنصر. فماذا كان جزاؤهم؟ ﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 148]؛ أي أعطاهم ثواب الدنيا، يعني النصر والظفر على عدوهم، ﴿ وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ﴾ [آل عمران: 148] يعني الجنة. تثبيت المؤمنين بنهيهم عن طاعة الكافرين، وعدم الطمع بولايتهم لأن الله وحده هو مولى المؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 149 - 151]. لما أمر الله تعالى بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء، حذر أهل الإيمان الذين صدقوا الله ورسوله في وعد الله ووعيده، وأمره ونهيه من طاعة الكافرين والمنافقين؛ فإن طاعتهم تورِث الردى في الدنيا والآخرة. فقال لهم: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [آل عمران: 149]، يعني: الذين جحدوا نبوة نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى - فيما يأمرونكم به وفيما ينهونكم عنه - فتقبلوا رأيهم في ذلك، وتنتصحوهم فيما يزعمون أنهم لكم فيه ناصحون، ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران: 149]، يقول: يحملوكم على الردة بعد الإيمان، والكفر بالله وآياته وبرسوله بعد الإسلام ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 149]، يقول: فترجعوا عن إيمانكم ودينكم الذي هداكم الله له خاسرين، يعني: هالكين، قد خسرتم أنفسكم، وضللتم عن دينكم، وذهبت دنياكم وآخرتكم؛ قاله الطبري في تفسيره. ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾ [آل عمران: 150]، فالله فقط هو مولاكم الذي يتولى نصركم وحفظكم إن أطعتموه. تجلي موالاة الله للمؤمنين في صرفه المشركين عنهم عندما هموا بالعودة بإلقاء الرعب في قلوبهم: ثم تعرض الآيات مباشرة كيف كان الله جل في علاه في معية المؤمنين عندما هم المشركون بالعودة إلى ساحة المعركة لاستئصال شأفة المسلمين، فصرفهم الله عز وجل بالرعب؛ يقول تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾ [آل عمران: 151]. قال السدي وغيره: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين إلى مكة، انطلقوا حتى إذا كانوا ببعض الطريق ندموا وقالوا: بئس ما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به. وقوله ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 151] تعليل، أي كان سبب إلقاء الرعب في قلوبهم هو إشراكهم بالله ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾ [آل عمران: 151]؛ أي حجة وبيانًا، وعذرًا وبرهانًا؛ [تفسير القرطبي]. وروى العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ [آل عمران: 151] قال: قذف الله في قلب أبي سفيان الرعب، فرجع إلى مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع، وقذف الله في قلبه الرعب))؛ [رواه ابن أبي حاتم]. لماذا انقلب النصر إلى هزيمة في أحد؟ لو عدنا أدراجنا إلى مقدمة السورة في قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ﴾ [آل عمران: 14]، لوجدنا الجواب؛ هي الدنيا وزينتها. وتحكي لنا الآيات ما حدث بالتفصيل: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]. قال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد أحد وقد أُصيبوا قال بعضهم لبعض: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فنزلت هذه الآية؛ وذلك أنهم قتلوا صاحب لواء المشركين وسبعة نفر منهم بعده على اللواء، وكان الظفر ابتداء للمسلمين غير أنهم اشتغلوا بالغنيمة، وترك بعض الرماة أيضًا مركزهم طلبًا للغنيمة؛ فكان ذلك سبب الهزيمة. روى البخاري عن البراء بن عازب قال: ((لما كان يوم أحد ولقينا المشركين، أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أناسًا من الرماة، وأمر عليهم عبدالله بن جبير وقال لهم: لا تبرحوا من مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم قد ظهروا علينا فلا تعينونا عليهم، قال: فلما التقى القوم وهزمهم المسلمون حتى نظرنا إلى النساء يشتددن في الجبل، وقد رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة، فقال لهم عبدالله: أمهلوا أمَا عهِد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تبرحوا؟ فانطلقوا فلما أتوهم صرف الله وجوههم وقُتل من المسلمين سبعون رجلًا، ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف علينا وهو في نشز فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه حتى قالها ثلاثًا، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، ثم قال: أفي القوم عمر بن الخطاب؟ ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجيبوه، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قُتلوا، فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه دون أن قال: كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك من يخزيك به، فقال: اعلُ هبلُ، مرتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه فقالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني))، وفي البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: ((رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال)) وفي رواية عن سعد: ((عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد))؛ يعني جبريل وميكائيل، وفي رواية أخرى: ((يقاتلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده))، وعن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة معهم يومئذٍ، ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر، قال البيهقي: إنما أراد مجاهد أنهم لم يقاتلوا يوم أحد عن القوم حين عصوا الرسول ولم يصبروا على ما أمرهم به. وعن عروة بن الزبير قال: وكان الله عز وجل وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وكان قد فعل، فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركوا الرماة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ألَّا يبرحوا من منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ [آل عمران: 152] فصدق الله وعده وأراهم الفتح، فلما عصوا أعقبهم البلاء، وعن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعد يرمي بين يديه، وفتى ينبل له، كلما ذهبت نبلة أتاه بها، قال: ارمِ أبا إسحاق، فلما فرغوا نظروا من الشاب، فلم يروه ولم يعرفوه. لكن فضل الله على المؤمنين عظيم، غفر لهم ما كان منهم وعفا عنهم: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]؛ أي لم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، والخطاب قيل هو للجميع، وقيل: هو للرماة الذين خالفوا ما أمروا به، واختاره النحاس، وقال أكثر المفسرين: ونظير هذه الآية قوله: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ ﴾ [البقرة: 52]، ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152] بالعفو والمغفرة، وعن ابن عباس قال: ما نُصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن كما نصر يوم أحد، قال: وأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل، إن الله عز وجل يقول في يوم أحد: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ - يقول ابن عباس: والحس القتل - ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]، وإنما عنى بهذا الرماة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع، ثم قال: احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين، انكفأت الرماة جميعًا فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهم هكذا - وشبك أصابع يديه – والتبسوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها، دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقُتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار، إنما كانوا تحت المهراس وصاح الشيطان: قُتل محمد، فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه قتل حتى طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين السعدين، نعرفه بتكفئه إذا مشى، قال: ففرحنا حتى كأنا لم يصبنا ما أصابنا، قال: فرقي نحونا وهو يقول: ((اشتد غضب الله على قوم دموا وجه نبيهم))، وقال كعب بن مالك: أنا كنت أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين، عرفته بعينيه من تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل، فأشار إليَّ أن اسكت؛ [تفسير القرطبي]. الهزيمة: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 153]. ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: في الجبل هاربين من أعدائكم، ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب، ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: وهو قد خلفتموه وراء ظهوركم يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرة؛ قال السدي: لما شد المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا عليها، وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: ((إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله))، فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم فقال: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ [آل عمران: 153]، وكذا قال ابن عباس، وقتادة والربيع، وابن زيد. فجازاكم غمًّا على غم، قال ابن عباس: الغم الأول: بسبب الهزيمة، وحين قيل: قُتل محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني: حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهم ليس لهم أن يعلونا)). وقال ابن عباس، وعبدالرحمن بن عوف، والحسن، وقتادة، والسدي: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ [آل عمران: 153]؛ أي: على ما فاتكم من الغنيمة بعدوكم ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾ [آل عمران: 153] من القتل والجراح، ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 153]؛ [تفسير ابن كثير]. صورة المؤمن والمنافق بعد الهزيمة: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 154]. ثم منة أخرى من الله عز وجل على المؤمنين بعد منة العفو وهي السكينة والأمنة عليهم. ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]، وهذه منة الله فيما أنزل على المؤمنين من السكينة والأمنة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان؛ كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11]. قال البخاري: قال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، رضي الله عنه، قال: "كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد، حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه". ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني: أهل الإيمان واليقين، والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله سينصر رسوله وينجز له مأموله، ولهذا قال: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]، وطائفة قد أهمتهم أنفسهم وهؤلاء هم المنافقون: معتب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعًا في الغنيمة وخوف المؤمنين، فلم يغشهم النعاس وجعلوا يتأسفون على الحضور، ويقولون الأقاويل، ومعنى ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي: حملتهم على الهم، والهم ما هممت به، يقال: أهمني الشيء؛ أي كان من همي، وأمر مهم: شديد، وأهمني الأمر: أقلقني. المنافقون يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية: وكانت هذه الطائفة يظنون أن أمر محمد صلى الله عليه وسلم باطل، وأنه لا ينصَر، ﴿ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي ظن أهل الجاهلية، ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي ما لنا شيء من الأمر، أي من أمر الخروج، وإنما خرجنا كرهًا، يدل عليه قوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا ﴾ [آل عمران: 154] قال الزبير: أُرسل علينا النوم ذلك اليوم، وإني لأسمع قول معتب بن قشير والنعاس يغشاني يقول: لو كان لنا من الأمر شيء ما قُتلنا ها هنا. وقال ابن عباس في قوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]: يعني التكذيب بالقدر؛ وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني القدر خيره وشره من الله، ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي من الشرك والكفر والتكذيب، ﴿ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ [آل عمران: 154] يظهرون لك، ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي ما قتل عشائرنا، فقيل: إن المنافقين قالوا: لو كان لنا عقل ما خرجنا إلى قتال أهل مكة، ولما قُتل رؤساؤنا، فرد الله عليهم فقال: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي لخرج، ﴿ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني في اللوح المحفوظ، ﴿ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي مصارعهم، وقيل: لو تخلفتم أيها المنافقون لبرزتم إلى موطن آخر غيره تصرعون فيه؛ حتى يبتلي الله ما في الصدور ويظهره للمؤمنين. عن ابن عباس في قوله: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني التكذيب بالقدر، وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ يعني القدر خيره وشره من الله، وفي كل ما حدث ابتلاء وتمحيص: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي يختبركم بما جرى عليكم، وليميز الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 154]؛ أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر. توبة الله على المسلمين الذين هربوا إلى المدينة بعد الهزيمة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155]. ثم قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾ [آل عمران: 155] عن عمر رضي الله عنه وغيره. السدي: يعني من هرب إلى المدينة في وقت الهزيمة دون من صعد الجبل، ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي: ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة، الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها، ثم قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي: عما كان منهم من الفرار ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 155]؛ أي: يغفر الذنب ويحلم عن خلقه، ويتجاوز عنهم. يتبع بإذن الله. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| سورة آل عمران (تدبر د/ رقية العلواني) | امانى يسرى محمد | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 8 | 09-15-2025 06:33 PM |
| تلاوة من سورة ال عمران بصوت الشيخ محمد المحيسني | أبو طلحة | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 04-24-2024 06:12 PM |
| سورة ال عمران كامله | خالد علي الشريف | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 2 | 09-28-2016 05:06 PM |
| سورة آل عمران سورة الدعاء و الاستجابه و القبول | محمد الرقيه | قسم تفسير القرآن الكريم | 1 | 08-05-2016 06:57 PM |
| اواخر سورة ال عمران | حافظة القرآن | قسم تفسير القرآن الكريم | 9 | 11-21-2012 12:07 AM |
|
|