![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#55 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 376الى صــ 390 الحلقة (55) الإِسلام وصلاة من الصلوات فمن زعم أنّه يعتبر فيها ما لا يعتبر في غيرها من الصلوات لم يسمع منه ذلك إلاَّ بدليل وقد تخصصت بالخطبة وليست الخطبة إلاَّ مجرد موعظة يتواعظ بها عباد الله فإِذا لم يكن في المكان إلاَّ رجلان قام أحدهما يخطب واستمع له الآخر ثمَّ قاما فصليا صلاة الجمعة». الجمعة لا تخالف الصلوات إِلاَّ في مشروعيّة الخطبة قبلها (١): وهي كسائر الصلوات لا تُخالفُها؛ لكونه لم يأت ما يدلّ على أنها تخالفها في غير ذلك، وفي هذا الكلام إِشارة إِلى ردّ ما قيل: إِنّه يُشترط في وجوبها الإِمام الأعظم، والمصر الجامع، والعدد المخصوص، فإِنّ هذه الشروط لم يدلّ عليها دليل يفيد استحبابها؛ فضلًا عن وجوبها، فضلًا عن كونها شروطًا، بل إِذا صلّى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعةً، فقد فعلا ما يجب عليهما، ولولا حديث طارق بن شهاب المذكور (٢) من تقييد الوجوب على كلّ مسلم بكونه في جماعة، ومن عدم إِقامتها - ﷺ - في زمنه في غير جماعة، لكان فعْلها فرادى مجزئًا كغيرها من الصلوات. ومن تأمَّل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة التي افترضها الله تعالى عليهم في الأسبوع، وجعَلها شعارًا من شعائر الإِسلام، وهي صلاة الجمعة من الأقوال الساقطة والمذاهب الزائغة والاجتهادات الداحضة، قضى من ذلك العجب، فقائل يقول: الخطبة كركعتين وإِنّ من فاتته لم تصحّ جمعته، وكأنّه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من طرق متعددة يقوّي ------------------------- (١) هذا العنوان وما يتضمنه من «الروضة الندية» (١/ ٣٤٢ - ٣٤٥) بحذف. (٢) وتقدّم. بعضها بعضًا، ويشدّ بعضها من عضد بعض أنّ: «من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة فليضف إِليها أخرى وقد تمّت صلاته» (١). ولا بلَغه غير هذا الحديث من الأدلّة، وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلاَّ بثلاثة مع الإِمام. وقائل يقول: بأربعة. وقائل يقول: بسبعة. وقائل يقول: بتسعة. وقائل يقول: باثني عشر. وقائل يقول: بعشرين. وقائل يقول: بثلاثين، وقائل يقول: لا تنعقد إلاَّ بأربعين. وقائل يقول: بخمسين. وقائل يقول: لا تنعقد إلاَّ بسبعين. وقائل يقول: فيما بين ذلك. وقائل يقول: بجمع كثيرٍ من غير تقييد. وقائل يقول: إِن الجمعة لا تصح إلاَّ في مصر جامع، وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من آلاف، وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمّام. وآخر قال: أنْ يكون فيه كذا وكذا، وآخر قال: إِنّها لا تجب إِلا مع الإِمام الأعظم. فإِنْ لم يوجد أو كان مختلّ العدالة بوجه من الوجوه لم تجب الجمعة ولم تشرع. ونحو هذه الأقوال التي ليس عليها أثارة من عِلم، ولا يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سُنّة رسول الله - ﷺ - حرف واحد يدلّ على ما ادّعوه، من كون هذه الأمور المذكورة شروطًا لصحة الجمعة، أو فرضًا من فرائضها، أو ركنًا من أركانها؛ فيالله العجب، ما يفعل الرأي بأهله، ومن يخرج من رؤوسهم من الخزعبلات الشبيهة بما يتحدّث الناس به في مجامعهم، وما يُخبرونه في أسمارهم من القصص والأحاديث الملفقة، وهي عن الشريعة المطهّرة بمعزل، والحكم بين العباد هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما قال سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيءٍ فردُّوه إلى الله ------------------------ (١) تقدّم، وانظر «صحيح سنن النسائي» (٥٤٣). والرسول﴾ (١) [فالمرجع] مع الاختلاف إِلى حُكم الله ورسوله، وحُكم الله هو كتابه، وحُكم رسوله، بعد أن قبضه الله تعالى هو سنّته ليس غير ذلك، ولم يجعل الله تعالى لأحد من العباد، وإنْ بلغ في العِلم أعلى مبلغ، وجمع منه ما لا يجمع غيره، أن يقول في هذه الشريعة بشيء لا دليل عليه من كتاب ولا سنّة، والمجتهد وإنْ جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل، فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان، وإني -كما علم الله- لا أزال أُكثِر التعجب من وقوع مِثل هذا للمصنّفين، وتصديره في كتب الهداية، وأمر العوامّ والمقصّرين باعتقاده والعمل به، وهو على شفا جرفٍ هار، ولم يختصّ هذا بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الأقطار، ولا بعصر من العصور، بل تبع فيه الآخر الأول؛ كأنّه أخَذه من أمّ الكتاب، وهو حديث خرافة، وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الإِشارة إِليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع ولا عقل، والبحث في هذا يطول جدًّا». الخطبة تجب خطبة الجمعة لمواظبة النّبيّ - ﷺ - عليها وعدم ترْكه لها أبدًا. قال محمّد صديق البخاري في كتابه «الموعظة الحسنة» (٢): قد ثبت ثبوتًا يفيد القطع أن النّبيّ - ﷺ - ما ترك الخطبة في صلاة الجمعة التي شرعها الله سبحانه وتعالى. وقد أمَر الله سبحانه في كتابه العزيز بالسعي إِلى ذِكر الله عز وجل؛ والخُطبة من ذِكر الله. --------------------- (١) النساء: ٥٩ (٢) انظر «الأجوبة النافعة» (ص٥٢). قال شيخنا -حفظه الله- في «الأجوبة النافعة» (ص٥٣) وثبوت الأمر بالسعي إِليها؛ يتضمّن الأمر بها من باب أولى، لأنّ السعي وسيلة إِليها؛ فإِذا وجبت الوسيلة، وجب المتوسَّل إِليه بالأحرى. قال محمّد صدّيق البخاري في «الموعظة الحسنة»: وظاهر محافظته على ما ذكر في الخطبة وجوب ذلك، لأنَّ فعله بيان لما أجمل في آية الجمعة، وقد قال - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» (١). وقد ذهب إِلى هذا الشافعي. وقال بعضهم: مواظبته - ﷺ - دليل الوجوب. قال في «البدر التمام»: «وهو الأظهر». والقول بالوجوب هو الذي ذهب إِليه جمهور أهل العلم مستدلّين بما تقدّم، والله تعالى أعلم. تسليم الإِمام إِذا رقى المنبر: عن جابر -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - إِذا صعَد المنبر سلَّم» (٢). قال شيخنا -حفظه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٢٠٧٦): وممّا يشهد للحديث ويقوّيه أيضًا؛ جريان عمل الخلفاء عليه، فأخرج ابن أبي شيبة عن أبي نضرة قال: «كان عثمان قد كبر، فإِذا صعَد المنبر سلّم، فأطال قدْر ما يقرأ إِنسان أمّ الكتاب». وإسناده صحيح. ثمَّ روى عن عمرو بن مهاجر: «أنَّ عمر بن عبد العزيز كان إِذا استوى على ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم. (٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح ابن ماجه«(٩١٠) وغيره، وانظر»الصحيحة" (٢٠٧٦). المنبر سلّم على الناس وردّوا عليه». وسنده صحيح أيضًا. استقبال المأمومين للخطيب: قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الصحيحة»: استقبال الخطيب من السنن المتروكة وذكَر تحته حديث رقم (٢٠٨٠): «كان إذا صعد المنبر؛ أَقْبَلْنا بوجوهنا إِليه». ثمَّ ذكر بعض الآثار في ذلك منها: أثر نافع من حديث ابن المبارك: «أنَّ ابن عمر كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإِمام، فإِذا خرَج لم يقعد الإِمام حتى يستقبله»، وقال شيخنا: وهذا إِسناد جيد ... وقال شيخنا كذلك -بحذف-: وهناك آثار أخرى كثيرة، أخرجها ابن أبي شيبة في «المصنف»، وكذا عبد الرزاق في «مصنفه» (٣/ ٢١٧ - ٢١٨) من ذلك عند ابن أبي شيبة عن المستمر بن الريان قال: رأيت أنسًا عند الباب الأول يوم الجمعة قد استقبل المنبر، قلت [أي: شيخنا]: وإِسناده صحيح على شرط مسلم. وإنّ ممّا لا شك فيه أنّ جريان العمل بهذا الحديث من الصحابة ومن بعدهم؛ لَدليل قويّ على أنّ له أصلًا أصيلًا عن النّبيّ - ﷺ -، ولا سيما أنَّه يشهد له قول أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر وجلسنا حوله ...». أخرجه البخاري: (٩٢١ و١٤٦٥ و٢٨٤٢ و٦٤٢٧) ومسلم: (٣/ ١٠١ - ١٠٢) [وغيرهما]«. هذا وقد أورد البخاري الحديث في»باب يستقبل الإِمام القوم، واستقبال الناس الإِمام إِذا خطب، واستقبل ابن عمر وأنس -رضي الله عنهم- الإِمام". ثمَّ أسند تحته حديث أبي سعيد. قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٠٢): «وقد استنبط المصنف من الحديث مقصود الترجمة، ووجه الدلالة منه أن جلوسهم حوله لسماع كلامه يقتضي نظرهم إِليه غالبًا». قال: «من حكمة استقبالهم للإِمام التهيّؤ لسماع كلامه، وسلوك الأدب معه في استماع كلامه، فإِذا استقبله بوجهه وأقبل عليه بجسده وبقلبه وحضور ذهنه؛ كان أدعى لتفهُّم موعظته، وموافقته فيما شُرع له القيام لأجله». التأذين إِذا جلس الخطيب على المنبر والمؤذّن الواحد يوم الجمعة. عن السائب بن يزيد قال: «كان النداء يوم الجمعة أوّله إِذا جلس الإِمام على المنبر؛ على عهد النّبيّ - ﷺ - وأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- فلمّا كان عثمان -رضي الله عنه- وكثُر الناس، زاد النداءَ الثالثَ على الزوراء (١)» (٢). وعنه قال: «كان بلال يؤذّن إِذا جلس رسول الله - ﷺ - على المنبر يوم الجمعة، فإِذا نزَل أقام» (٣). وعنه أيضًا: «أنَّ الذي زاد التأذين الثالث يوم الجمعة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- حين كثر أهل المدينة -ولم يكن للنّبيّ - ﷺ - مؤذِّن غير ---------------------- (١) الزوراء: موضع بالسوق بالمدينة. (٢) أخرجه البخاري: ٩١٢ (٣) أخرجه أحمد والنسائي»صحيح سنن النسائي" (١٣٢١). واحدٍ، وكان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإِمام على المنبر» (١) خطبة الحاجة: من السنّة أن يستفتح الخطيب يوم الجمعة خطبته بخطبة الحاجة، وهذا نصّها: إِنَّ الحمْدَ لله، نحمَدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أَنْفسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ له، وأَشهَدُ أنْ لا إِله إلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُواْ اتَّقُوا الله حقَّ تُقَاته ولاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِموُن﴾ (٢). ﴿يا أَيّهَا النَّاسُ اتَّقُوَا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِنْ نَّفْسٍ وَاحدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبثَّ مِنهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونساءً واتَّقُوا الله الَذِي تساءَلُونَ به والأَرْحَام إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُم رَقِيبًا﴾ (٣). ﴿يا أيّهَا الَذينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلحْ لَكُم أَعْمَالكُمْ ويَغْفِرْ لَكُم ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِع الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٤). أمَّا بعد: --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٩١٣ (٢) آل عمران: ١٠٢ (٣) النساء: ١ (٤) الأحزاب: ٧٠، ٧١ فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدْي هدْي محمّد - ﷺ -، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار» (١). قال شيخنا في «تمام المنّة» (ص ٣٣٥): «وكان أحيانًا لا يذكر هذه الآيات الثلاث». صفة الخطبة وما يُعلّم فيها (٢): اعلم أنَّ الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده - ﷺ - من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة هو روح الخطبة الذي لأجله شُرِعت. وأما اشتراط الحمد لله، أو الصلاة على رسول الله - ﷺ -، أو قراءة شيء من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود، من شرعية الخطبة، واتفاق مِثل ذلك في خُطبه - ﷺ -، لا يدلّ على أنّه مقصود متحتم، وشرط لازم، ولا يشكّ منصف أنّ معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد والصلاة -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٨٦٧، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٣٣١)، وانظر «تمام المنّة» (ص ٣٣٥)، و«خطبة الحاجة» لشيخنا (ص ١٠)، وقال شيخنا تعليقًا عليها في «الصحيحة» في مقدّمته النافعة: وهذه الخطبة تُسمّى عند العلماء بخطبة الحاجة، وهي تشرع بين يدي كل خطبة، سواء كانت خطبة جمعة أو عيد أو نكاح أو درس أو محاضرة، ولي رسالة خاصة جمعتُ فيها الأحاديث الواردة فيها وطرقها«. (٢) هذا الموضوع وما يتضمّنه من كتاب»الموعظة الحسنة«. ذكَره شيخنا -حفظه الله- مع تعليقاته الطيبة في كتاب»الأجوبة النافعة" (ص ٥٣) وما بعدها -بتصرف يسير-. عليه - ﷺ -. وقد كان عرف العرب المستمر أنّ أحدهم إِذا أراد أن يقوم مقامًا ويقول مقالًا، شرع بالثناء على الله والصلاة على رسوله، وما أحسن هذا وأولاه! ولكن ليس هو المقصود، بل المقصود ما بعده. والوعظ في خطبة الجمعة هو الذي إِليه يُساق الحديث، فإِذا فَعَله الخطيب فقد فَعل الفِعل المشروع، إِلا أنّه إِذا قدّم الثناء على الله، [والصلاة] على رسوله، أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتمّ وأحسن، وأمّا قصر الوجوب بل الشرطية على الحمد والصلاة، وجعْل الوعظ من الأمور المندوبة فقط، فمِن قلْب الكلام، وإِخراجِه عن الأسلوب الذي تقبّله الأعلام. والحاصل: أن روح الخطبة هو الموعظة الحسنة، من قرآن أو غيره، وكان رسول الله - ﷺ - يأتي في خطبته بالحمد لله تعالى (١)، وبالشهادتين، وبسورة كاملة، فعن أمّ هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: «ما أخذْتُ ﴿ق والقرآن المجيد﴾ إلاَّ عن لسان رسول الله - ﷺ -؛ يقرؤها كلّ يوم جمعة على المنبر إِذا خطب الناس» (٢). والمقصود الموعظة بالقرآن، وإيراد ما يمكن من زواجره؛ وذلك لا يختصّ بسورةٍ كاملة. فعن يعلى بن أميّة -رضي الله عنه- قال: «سمعت النّبيّ - ﷺ - يقرأ على --------------------- (١) قال شيخنا -حفظه الله- في التعليق:»المعروف أن النّبيّ - ﷺ - كان يذكر اسمه الشريف في الشهادة في الخطبة، وأما أنَه كان يأتي بالصلاة عليه - ﷺ - فمما لا أعرفه في حديث". (٢) أخرجه مسلم: ٨٧٢، ٨٧٣. وتقدّم. المنبر ﴿ونادوا يا مالك﴾» (١). عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنّه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: أمّا بعد، فإِنَّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي (٢) هدي محمّد - ﷺ -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» (٣). وفي رواية له: «كانت خطبة النّبيّ - ﷺ - يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه، ثمَّ يقول على إِثر ذلك وقد علا صوته». وفيه دليل على أنّه يستحب للخطيب أن يرفع بالخطبة صوته، ويجزل كلامه، ويأتي بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب. ويأتي بقول: (أمّا بعد). وظاهره أنَّه كان - ﷺ - يلازمها في جميع خُطَبه. وذلك بعد الحمد والثناء والتشهد ...«. وثبت أنّه - ﷺ - قال:»كل خطبة ليس فيها تشهُّد (٤) فهي كاليد --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٢٣٠، ومسلم: ٨٧١ (٢) بضمّ الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وإسكان الدال أيضًا ... قاله النووي (٦/ ١٥٤). (٣) أخرجه مسلم: ٨٦٧ (٤) هي خطبة الحاجة، انظر للمزيد من الفائدة تفصيل شيخنا -عافاه الله وشفاه- في «الصحيحة» (١٦٩). الجذماء (١)» (٢). وكان - ﷺ - يعلّم أصحابه في خطبته قواعد الإِسلام وشرائعه، ويأمرهم وينهاهم في خطبته إِذا عرض أمر أو نهي، كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلّي ركعتين؛ ويذكر معالم الشرائع في الخطبة؛ والجنّة والنار والمعاد، فيأمر بتقوى الله، ويحذّر من غضبه، ويرغّب في موجبات رضاه، وقد ورد قراءة آية، ففي حديث مسلم (٨٦٢): «كان لرسول الله - ﷺ - خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن، ويذكّر الناس». للجمعة خطبتان: عن نافع عن عبد الله قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يخطب خطبتين يقعد بينهما» (٣). وعن جابر بن سمرة قال: كانت للنّبيّ - ﷺ - خطبتان؛ يجلس بينهما، يقرأ -------------------------- (١) أي: كاليد المقطوعة، من الجَذْم: القطع. «النهاية». يعني: أنّ كلّ خطبة لم يُؤتَ فيها بالحمد والثناء على الله؛ فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة بها. قاله المناوي. قال شيخنا في «الصحيحة» (١/ ٣٢٧): «ولعل هذا هو السبب أو على الأقلّ من أسباب عدم حصول الفائدة من كثير من الدروس والمحاضرات التي تُلقى على الطلاب؛ أنها لا تفتتح بالتشهد المذكور، مع حرص النّبيّ - ﷺ - البالغ على تعليمه أصحابه إياه ... فلعلَّ هذا الحديث يذكِّر الخطباء بتدارك ما فاتهم من إِهمالهم لهذه السنّة، التي طالما نبَّهنا عليها في مقدمة هذه السلسلة وغيرها». (٢) أخرجه أحمد والبخاري في «التاريخ» وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٠٥٢) وابن حبان وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (١٦٩). (٣) أخرجه البخاري: ٩٢٨ القرآن ويذكّر الناس» (١). قراءة القرآن في خطبته - ﷺ - وتذكير الناس: للحديث السابق. قيام الخطيب وعدم قعوده: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخطب يوم الجمعة قائمًا ثمَّ يجلس» (٢). وعن سماك قال: أنبأني جابر بن سمرة؛ «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يخطب قائمًا، ثمَّ يجلس، ثمَّ يقوم فيخطب قائمًا، فمن نبّأك أنَّه كان يخطب جالسًا فقد كذب، فقد والله! صلّيت معه أكثر من ألفي صلاة» (٣). عن كعب بن عُجْرَة قال: «دخل المسجد وعبد الرحمن بن أمّ الحكم يخطب قاعدًا. فقال: انظروا إِلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا. وقال الله تعالى: ﴿وإِذا رأوا تِجَارَةً أو لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوك قَائمًا﴾» (٤). رفع الصوت بالخطبة واشتداد غضب الخطيب: عن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله - ﷺ - إِذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه حتى كأنّه منذر جيش، يقول: صبّحكم ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ٨٦٢، وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري: ٩٢٠، ومسلم: ٨٦١ (٣) أخرجه مسلم: ٨٦٢ (٤) أخرجه مسلم: ٨٦٤ ومسّاكم (١)، .. ويقول: بُعثت أنا والساعة كهاتين ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أمّا بعد: فإِنَّ خْير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمّد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة، ثمَّ يقول: أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله ومن ترك دينًا أو ضَياعًا فإِليّ وعليّ» (٢). قطع الإِمام الخطبة للأمر الطارئ يحدث: عن بريدة -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يخطب فجاء الحسن والحسين -رضي الله عنهما- وعليهما قميصان أحمران يعثُران فيهما، فنزل النّبيّ - ﷺ - فقطع كلامه، فحملهما ثمَّ عاد إِلى المنبر ثمَّ قال: صدق الله ﴿إِنّما أموالُكم وأولادُكم فتنة﴾ (٣) رأيت هذين يعثُران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعْتُ كلامي فحملْتُهما» (٤). وعن أبي رفِاعة قال: «انتهيت إِلى النّبيّ - ﷺ - وهو يخطب قال: فقلت يا رسول الله رجل غريب؛ جاء يسأل عن دينه لا يدرى ما دينه، قال: فأقبَل عليّ رسول الله - ﷺ -، وترك خطبته حتى انتهى إِليّ، فأُتي بكرسي حَسِبتُ قوائمه حديدًا قال: فقعد عليه رسول الله - ﷺ - وجعل يعلّمني ممّا علّمه الله، ثمَّ أتى --------------------- (١) بعض حديث رواه مسلم (٨٦٧)، وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ٨٦٧ (٣) التغابن: ١٥ (٤) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٨١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٣٤٠)، وانظر»تمام المنّة" (٣٣٦). خطبته فأتمّ آخرها» (١). حُرمة الكلام أثناء الخطبة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصِت والإِمام يخطب فقد لغوت» (٢). عن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ - ﷺ - قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضَرها يلغو وهو حظّه منها، ورجل حضَرها يدعو فهو رجل دعا الله عز وجل، إِنْ شاء أعطاه وإِنْ شاء منَعه، ورجل حضَرها بإِنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفّارة إِلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك بأنّ الله عز وجل يقول: ﴿من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالها﴾ (٣)» (٤). وعن أبي ذر أنه قال: «دخلتُ المسجد يوم الجمعة والنّبيّ - ﷺ - يخطب، فجلست قريبًا من أُبيِّ بن كعب، فقرأ النّبيّ - ﷺ - سورة (براءة)، فقلت لأُبيٍّ: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهّمني (٥)، ولم يكلّمني، ثمَّ مكثتُ ساعةً، -------------- (١) أخرجه مسلم: ٨٧٦ (٢) أخرجه البخاري: ٩٣٤، ومسلم: ٨٥١ (٣) الأنعام: ١٦٠ (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٨٤)، وابن خزيمة في»صحيحه«، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٧٢٢). (٥) أي: قطب وجهه وعبس، ونظر إِليَّ نظر المغضب المنكر، قاله المنذري في»الترغيب والترهيب". ثمَّ سألته؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني. ثمَّ مكثتُ ساعة، ثمَّ سألته؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني. فلمّا صلّى النّبيّ - ﷺ - قلت لأُبيّ: سألتك فتجهّمتني، ولم تكلّمني؟ قال أُبيّ: مالك من صلاتك إلاَّ ما لغوت! فذهبتُ إِلى النّبيّ - ﷺ - فقلت: يا نبيّ الله كنتُ بجنب أُبيّ وأنت تقرأ (براءة)، فسألته: متى نزلت هذه السورة؟ فتجهّمني، ولم يكلّمني، ثمَّ قال: مالك من صلاتك إلاَّ ما لغوت! قال النّبيّ - ﷺ -: صدق أُبيُّ» (١). ورجّح النووي -رحمه الله- في «المجموع» (٤/ ٥٢٤) تحريم تشميت العاطس كردّ السلام والإِمام يخطب. قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص ٣٣٩): «وهذا هو الأقرب لما ذكرْتُه في»الضعيفة«تحت الحديث (٥٦٦٥). ثمَّ وجدت لابن المنذر في»الأوسط«(٤/ ٧٣) قولًا في ذلك:»ثبتَ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قلت لصاحبك: أنصت والإِمام يخطب فقد لغوت»، فالإِنصات يجب على ظاهر السنّة، وإباحة رد السلام وتشميت العاطس غير موجود بحجة، والذي أرى أن يرد السلام إِشارة، ويشمت العاطس إِذا فرغ الإِمام من خطبته«. جواز كلام المصلّين إِذا لم يخطب الإِمام وإِن جلسَ على المنبر: عن ثعلبة بن أبي مالك:»إِنّهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على المنبر، حتى يسكت المؤذن، فإِذا قام عمر -------------------- (١) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧١٧، ٧١٨). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#56 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 391الى صــ 405 الحلقة (56) على المنبر، لم يتكلم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما» (١). الأمر بالتحية في خطبة الجمعة: عن جابر بن عبد الله قال: «دخل سليك الغطفاني المسجد يوم الجمعة ورسول الله - ﷺ - يخطب الناس، فقال له رسول الله - ﷺ -: اركع ركعتين، ولا تعودنَّ لمثل هذا. يعني: الإِبطاء عن الخطبة، قاله لسليك الغطفاني» (٢). عدم إِطالة الموعظة يوم الجمعة: عن جابر بن سمرة السوائي قال: «كان رسول الله - ﷺ - لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إِنما هنّ كلمات يسيرات» (٣). عن أبي وائل قال: «خطبنا عمّار فأوجز وأبلغ، فلمّا نزل قلنا يا أبا اليقظان! لقد أبلغتَ وأوجزتَ فلو كنت تنفّست (٤) فقال: إِنّي سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إِنَّ طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنّة (٥) مِن فقهه، فأطيلوا الصلاة -------------------- (١) قال شيخنا في»السلسلة الضعيفة«تحت الحديث (٨٧): أخرجه مالك في»موطئه«(١/ ١٢٦)، والطحاوي (١/ ٢١٧) والسياق له، وابن أبي حاتم في»العلل«(١/ ٢٠١)، وإسناد الأولين صحيح. فثبت بهذا أن كلام الإِمام هو الذي يقطع الكلام، لا مجرد صعوده على المنبر، وأنّ خروجه عليه لا يمنع من تحية المسجد». (٢) أخرجه ابن حبان، والدارقطني، وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٤٦٦). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٧٩) وغيره. (٤) أي: أَطَلْت. «النهاية». (٥) أي: علامة يتحقّق فيها من فقهه. واقصُروا الخطبة، وإنَّ من البيان سحرا«(١). وعن جابر بن سمرة قال: كنت أصلّي مع رسول الله - ﷺ - فكانت صلاته قصدًا (٢) وخطبته قصدًا» (٣). وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُكثر الذكر ويُقلّ اللغو، ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشيَ مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة» (٤). هل يصلّي الظهر إِذا لم يصلِّ الجمعة؟ إِذا كان المرء ممّن تجب عليهم صلاة الجمعة، ولم يصلِّها، وليس له عُذرٌ في ذلك، فلا يجوز له أن يصلّي الظهر بدلًا منها، وإنّما ذلك للمعذور. ماذا إِذا فاتته ركعة من الجمعة؟ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من أدرك من الجُمُعة ركعة؛ فليَصِلْ إِليها أُخرى» (٥). وعنه -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من أدرك ركعة من الصلاة ------------------- (١) أخرجه مسلم: ٨٦٩ (٢) وهو الوسط بين الطرفين الذي لا يميل إِلى أحد طرفي الإفراط والتفريط.»النهاية«. (٣) أخرجه مسلم: ٨٦٦ (٤) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٣٤١) والدارمي وغيرهما، وانظر»المشكاة«(٥٨٣٣). (٥) أخرجه ابن ماجه»صحيح ابن ماجه«(٩٢٠) والنسائي وغيرهما، وانظر»الإرواء" (٦٢٢). فقد أدرك الصلاة» (١). وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فقد أدرك الصلاة» (٢). وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «من أدرك من الجمعة ركعة فليُضف إِليها أخرى، ومن فاتته الركعتان؛ فليُصلِّ أربعًا» (٣). وقال ابن عمر: «إِذا أدركت من الجمعة ركعة، فأضِف إِليها أُخرى، وإِن أدركتهم جلوسًا فصلِّ أربعًا» (٤). الصلاة في الزحام: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «... إِذا اشتدّ الزحام، فليسجد الرجل منكم عى ظهر أخيه» (٥). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ١٠٥): «وبقول عمر بن الخطاب نقول: لأنه سجود في حال ضرورة على قدْر طاقة الساجد، ولم يكلّف المصلّي إِلا قدر طاقته». ----------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٨٠، ٥٧٩، ٥٥٦، ومسلم: ٦٠٧ (٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح ابن ماجه» (٩٢٢) وغيره، وانظر «الإِرواء» (٦٢٢). (٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» وغيره بسند صحيح، وانظر «تمام المنّة» (ص٣٤٠). (٤) أخرجه البيهقي (٣/ ٢٠٤)، وقال شيخنا في «الإِرواء» (٣/ ٨٣) سنده صحيح على شرط الشيخين. (٥) صحّحه شيخنا في «تمام المنّة» (ص٣٤١). التطوع قبل الجمعة وبعدها: عن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من اغتسل، ثمَّ أتى الجمعة، فصلّى ما قُدِّر له، ثمَّ أنصت حتى يفرغ من خطبته. ثمَّ يُصلّي معه، غُفِر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ثلاثة أيام» (١). فقوله - ﷺ -: «فصلّى ما قُدِّر له» يُفهم جواز التنفّل من غير حصر، حتى يحضر الإِمام. أمّا ما يسمّى بسنّة الجمعة القبلية فلا أصل له ألبته. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: «أمّا النّبيّ - ﷺ - فإِنَّه لم يكن يصلّي قبل الجمعة بعد الأذان شيئًا، ولا نقَل هذا عنه أحد، فإِنّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يُؤذَّن على عهده إلاَّ إِذا قعد على المنبر، ويؤذِّن بلال، ثمَّ يخطب النّبيّ - ﷺ - الخطبتين، ثمَّ يقيم بلال فيصلّي النّبيّ - ﷺ - بالناس، فما كان يمكن أن يصلّي بعد الأذان، لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلّون معه - ﷺ -، ولا نقَل عنه أحد أنَّه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقَّتَ بقوله: صلاة مقدّرة قبل الجمعة، بل ألفاظه - ﷺ - فيها الترغيب في الصلاة إِذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة؛ من غير توقيت. كقوله:»من بكّر وابتكر ومشى ولم يركب، وصلّى ما كُتب له«(٢). وهذا هو المأثور عن الصحابة، كانوا إِذا أتوا المسجد يوم الجمعة، يُصلّون من حين يدخلون ما تيسر، فمنهم من يصلّي عشر ركعات، ومنهم من يصلّي اثنتي عشر ركعة، ومنهم من يصلّي ثمان ركعات، ومنهم من يصلّي ------------------- (١) أخرجه مسلم: ٨٥٧، وتقدّم. (٢) انظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٦٨٧ و٦٨٥)، بلفظ:»فيركع ما بدا له". أقل من ذلك. ولهذا كان جماهير الأئمة متّفقين على أنّه ليس قبل الجمعة سنّة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد، لأنَّ ذلك إِنّما يثبت بقول النّبيّ - ﷺ - أو فِعله. وهو لم يسنّ في ذلك شيئًا لا بقوله ولا فعله، وهذا مذهب مالك، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابه، وهو المشهور في مذهب أحمد. وذهب طائفة من العلماء إِلى أنّ قبلها سنّة، فمنهم من جعلها ركعتين، كما قاله طائفة من أصحاب الشافعي، وأحمد ومنهم من جعلها أربعًا، كما نقل عن أصحاب أبي حنيفة، وطائفة من أصحاب أحمد وقد نُقِل عن الإمام أحمد ما استدلّ به على ذلك، وهؤلاء منهم من يحتجّ بحديث ضعيف ... ثمَّ أجاب على ذلك ...» (١). وقال ابن القيّم في «زاد المعاد» (١/ ٤٣٢): «... فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يخرج من بيته، فإِذا رَقِي المنبر، أخذ بلال في أذان الجمعة، فإِذا أكمله، أخذ النّبيّ - ﷺ - في الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأي عين، فمتى كانوا يُصلّون السُّنّة؟! ومن ظن أنهم كانوا إِذا فرغ بلال -رضي الله عنه- من الأذان، قاموا كلُّهم، فركعوا ركعتين، فهو أجهلُ الناس بالسنّة». وأمّا بعدها فله أن يصلّي أربعًا أو اثنتين؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كان منكم مصليًّا بعد الجمعة فليصلِّ ------------------- (١)»الفتاوى«(٢٤/ ١٨٨) ونقلَه السيد سابق في»فقه السنّة" (١/ ٣١٥ - ٣١٦). أربعًا» (١). ولحديث ابن عمر أنَّه وصفَ تطوُّع صلاة رسول الله - ﷺ - قال: «فكان لا يصلّي بعد الجمعة حتى ينصرف، فيصلّي ركعتين في بيته» (٢). وعن ابن عمر قال: «كان إذا كان بمكة فصلّى الجمعة، تقدّم فصلّى ركعتين، ثمَّ تقدم فصلّى أربعًا، وإِذا كان بالمدينة صلّى الجمعة، ثمَّ رجع إلى بيته فصلى ركعتين، ولم يصلّ في المسجد، فقيل له فقال: كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذلك» (٣). اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد عن إِياس بن أبي رملة الشامي قال: «شهدْتُ معاوية بن أبي سفيان وهو يسأل زيد بن أرقم قال: أشهدتَ مع رسول الله - ﷺ - عيدين اجتمعا في يوم؟ قال: نعم، قال: فكيف صنع؟ قال: صلّى العيد، ثمَّ رخّص في الجمعة فقال: من شاء أن يصليَ فليصلّ» (٤). وعن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنِّه قال: «قد اجتمع في يومكم هذا ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٨٨١ (٢) أخرجه مسلم: ٨٨٢، وهو في البخاري: ٩٣٧، ١١٦٥، ١١٧٢، ١١٨٥ دون قوله: في بيته. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٠٠٠) والبيهقي، وانظر»تمام المنّة«(ص ٣٤٢). (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٤٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٠٨٢)، وانظر»تمام المنّة" (ص ٣٤٣ - ٣٤٤). عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنّا مجمِّعون (١)» (٢). وعن عطاء بن أبي رباح قال: «صلّى بنا ابن الزبير في يوم عيد، في يوم جمعة أوّل النهار، ثمَّ رُحْنا إِلى الجمعة، فلم يخرج إِلينا، فصلينا وُحْدَانًا. وكان ابن عباس بالطائف، فلمّا قدم ذكَرنا ذلك له، فقال: أصاب السنّة» (٣). وعن عطاء أيضًا: اجتمع يوم جمعة ويوم فطر، على عهد ابن الزبير فقال: «عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا، فصلاّهما ركعتين بُكْرة، لم يزد عليهما حتى صلّى العصر» (٤). وهذا يدل على أنَّه لم يُصلّ الظهر. ------------------- (١) أي: مصلّو الجمعة. (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٤٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٨٣) وغيرهما. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٤٦)، وانظر «الأجوبة النافعة» (ص ٥٠). (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٩٤٧). صلاة العيدين حكمها: صلاة العيدين واجبةٌ لمواظبة النّبيّ - ﷺ - عليها وأمْره الرجال والنساء أن يخرجوا لها. فعن أمّ عطيّة قالت: «أمَرنا رسول الله - ﷺ - أن نُخرجهنّ في الفطر والأضحى: العواتق (١) والحُيّض وذواتِ الخدور (٢) فأمّا الحُيَّض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت يا رسول الله: إِحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتُلبِسْها أختها من جلبابها» (٣). وجاء في «الروضة الندية» (١/ ٣٥٧) -بحذف-: «قد اختلف أهل العلم هل صلاة العيد واجبة أم لا؟ والحقّ الوجوب، لأنَّه - ﷺ - مع ملازمته لها قد أمَرنا بالخروج إِليها كما في حديث أمرِه - ﷺ - للناس أن يغدوا إِلى مصلاهم، بعد أن أخبره الركب برؤية الهلال (٤) وثبت في الصحيحين من -------------------- (١) العواتق: جمع عاتق أي: شابّة أول ما أدركت فخدرت في بيت أهلها ولم تفارق أهلها إلى زوج ... وفي»الموعب«قال أبو زيد: العاتق من النساء التي بين التي قد أدركت وبين التي عنست، والعاتق التي لم تتزوج ...»عمدة القارئ«(٤/ ٣٠٣). (٢) وذوات الخدور: جمع خِدْر: وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، وقال ابن سيرين: الخِدْر: ستر يُمدّ للجارية في ناحية البيت، ثمَّ صار كلّ ما واراك من بيت ونحوه خِدْرًا ...»عمدة". (٣) أخرجه البخاري: ٣٢٤، ٣٥١، ٩٧١، ومسلم: ٨٩٠ (٤) يشير بذلك إِلى حديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قالوا: = حديث أم عطية [المتقدّم] قالت: ... وذكره. قال: فالأمر بالخروج يقتضي الأمر بالصلاة لمن لا عذر لها بفحوى الخطاب، والرجال أولى من النساء بذلك. بل ثبت الأمر القرآني بصلاة العيد كما ذكره أئمّة التفسير في قوله تعالى: ﴿فَصَل لِرَبِّكَ وانْحر﴾ (١) فإِنّهم قالوا: المراد صلاة العيد. ومن الأدلّة على وجوبها أنها مسقطة للجمعة إِذا اتفقتا في يوم واحد، وما ليس بواجب لا يُسقِط ما كان واجبًا». وفيه (١/ ٣٥٨): «... وعند أبي حنيفة تجب صلاة العيد على كل من تجب عليه صلاة الجمعة ويشترط لِصلاة العيد ما يشترط للجمعة، كذا في»المسوى«(١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) وغيره». انتهى. قال شيخنا (٢) -حفظه الله- في «الصحيحة»: (وجوب خروج النساء إِلى مصلّى العيد)، وذلك تحت حديث رقم (٢٤٠٨) عن أخت عبد الله بن رواحة الأنصاري عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: وجب الخروج على كل ذات ----------------------- = «غمّ علينا هلال شوّال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركْبٌ من آخر النهار، فشهدوا عند رسول الله - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمَر النّاس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد». أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٠٥١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٤٦٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٤٠)، وأحمد، وغيرهم وصحّحه شيخنا -حفظه الله- في «الإِرواء» (٦٣٤). (١) الكوثر: ٢ (٢) وانظر ما قاله في «تمام المنّة» (ص ٣٤٤)، وفيه إشارة إِلى «السيل الجرار» (١/ ٣١٥). نطاق. يعني في العيدين (١). آداب يوم العيدين لُبْس الثياب الجميلة: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يلبس يوم العيد بردة حمراء» (٢). الأكل قبل الخروج في الفطر دون الأضحى: عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله - ﷺ - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات [ويأكلهن وترا]» (٣). -------------------- (١) قال شيخنا حفظه الله -بحذف-: «ورجاله ثقات، رجال الشيخين، غير المرأة القيسية، فلم أعرفها. لكن يشهد للحديث حديث أم عطية مرفوعًا:»لتخرج العواتق وذوات الخدور والحيض، فيشهدن الخير ودعوة المؤمنين، ويعتزلن الحيَّض المصلّى«. أخرجه البخاري، والبيهقي وروى ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٢) عن طلحة اليامي أيضًا قال: قال أبو بكر:»حقٌّ على كل ذات نطاق الخروج إِلى العيدين«. ورجاله ثقات رجال الشيخين». (٢) أخرجه الطبراني في «الأوسط» وقال شيخنا: «... وهذا إِسناد جيد»، وانظر «الصحيحة» (١٢٧٩). (٣) أخرجه البخاري: ٩٥٣، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٤٤٧)، وابن ماجه «صحيح ابن ماجه» (١٤٢١)، والزيادة عند البخاري معلّقة وصَلها ابن خزيمة والإِسماعيلي وغيرهما، وانظر «الفتح» (٢/ ٤٤٧)، و«مختصر البخاري» (١/ ٢٣٣). تأخير الأكل يوم الأضحى ليأكل من أضحيته: عن بريدة قال: «كان رسول الله - ﷺ - لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل، وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع» (١). الخروج إلى المصلّى: تُؤدَّى صلاة العيد في المصلّى لما تقدّم من الأحاديث. خروج النساء والصبيان: لحديث أم عطيّة المتقدّم: «أمَرنا رسول الله - ﷺ - أن نخرجهنّ في الفطر والأضحى: العواتق والحُيَّض وذوات الخدور ...». وعن ابن عبّاس قال: «خرجتُ مع النّبيّ - ﷺ - يوم فِطرٍ أو أضحى، فصلّى ثمَّ خطب، ثمَّ أتى النساء فوعظهنّ وذكَرهنّ وأمرهنّ بالصدقة» (٢). مخالفة الطريق: يُستحَبّ مخالفة الطريق يوم العيد، فيذهب في طريق ويرجع في آخر. فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا كان يوم عيد خالف الطريق» (٣). وعن أبي هريرة قال: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا خرج إِلى العيدين رجع في غير --------------------- (١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٤٢٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٤٤٧)، وانظر»المشكاة" (١٤٤٠). (٢) أخرجه البخاري: ٩٧٥، ومسلم: ٨٨٤، ٨٨٦ (٣) أخرجه البخاري: ٩٨٦ الطريق الذي خرج فيه» (١) وقت صلاة العيد: يدخل وقت صلاة عيد الفطر عند ارتفاع الشمس (٢) ويكون ذلك حين تكون الشمس على قيد رمحين، والأضحى على قيد رُمح (٣). عن عبد الله بن بسر؛ أنَّه خرج مع الناس في يوم عيد فطر أو أضحى، فأنكر إِبطاء الإِمام (٤)، وقال: «إِنّا كنّا مع النّبيّ - ﷺ - قد فرغنا (٥) ساعتنا هذه (٦)، وذلك حين التسبيح (٧)» (٨). --------------- (١) أخرجه أحمد، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٠١)، والترمذي، وانظر «الإِرواء» (٣/ ١٠٤ - ١٠٥). (٢) انظر «الإرواء» (٣/ ١٠٠). (٣) وقد وَرَد في هذا حديث مرفوع، وقال الشوكاني: هذا الحديث أحسن ما ورَد في تعيين وقت صلاة العيد، قال شيخنا -حفظه الله-: «وأقول نعم لولا أنّه لا يصحّ». وانظر «تمام المنّة» (ص ٣٤٧). (٤) أي: تأخير الإِمام في الخروج إِلى المصلّى. (٥) أي: من صلاة العيد. (٦) أي: في مثل هذه الساعة زمن رسول الله - ﷺ -. (٧) قال السيوطي: أي: حين يصلّي صلاة الضحى. «عون» (٣/ ٣٤٢). (٨) أخرجه أبو داود وغيره، وعلقه البخاري بصيغة الجزم، وصححه الحاكم والنووي والذهبي، وهو مخرج في «الإِرواء» (٣/ ١٠١)، و«صحيح أبي داود» (١٠٠٥). هل يؤذّن للعيدين أو يُقام؟ عن عطاء عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري قالا: لم يكن يُؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى، ثمَّ سألته بعد حين عن ذلك، فأخبرني قال: أخبرني جابر بن عبد الله الأنصاري أنْ لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الإِمام ولا بعد ما يخرج ولا إِقامة ولا نداء ولا شيء ولا نداء يومئذ ولا إِقامة«(١). وعنه أنَّ ابن عباس أرسل إِلى ابن الزبير أوّل ما بُويع له؛ أنه لم يكن يؤذَّن للصلاة يوم الفطر. فلا تؤذِّن لها، قال: فلم يؤذِّن لها ابن الزبير يومه. وأرسل إِليه مع ذلك: إِنّما الخطبة بعد الصلاة. وإِنَّ ذلك قد كان يُفعل. قال: فصلّى ابن الزبير قبل الخطبة» (٢). وعن جابر بن سَمُرة؛ قال: «صلّيتُ مع رسول الله - ﷺ - العيدين غير مرّة ولا مرّتين؛ بغير أذانٍ ولا إِقامة» (٣). ولا يجوز الأذان أو الإِقامة للعيدين بحالٍ من الأحوال، وليس لأحدٍ أن يزعم ضرورة ذلك؛ لبيان وقتٍ وتنبيه ساهٍ ونحو ذلك فهذا يقتضيه حال الصحابة -رضي الله عنهم- ومع ذلك لم يفعلوه، ولم يأمُرهم النّبيّ - ﷺ - بذلك، فدلّ على أنّه بدعة، وبالله التوفيق. صِفة الصلاة: صَلاة العيد ركعتان، يكبّر فيها بعد تكبيرة الإِحرام، وقبل القراءة سبعًا، ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٩٦٠، ومسلم: ٨٨٦ وهذا لفظه، وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ٨٨٦ (٣) أخرجه مسلم: ٨٨٧ وفي الثانية قبل القراءة خمسًا. عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال نبيّ الله - ﷺ -: «التكبير في الفطر سبعٌ في الأولى، وخمسٌ في الآخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما» (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يكبّر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمسًا» (٢). وورد التكبير أربعًا، فعن القاسم أبي عبد الرحمن قال: حدّثني بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - قال: «صلّى بنا رسول الله - ﷺ - يوم عيد، فكبّر أربعًا أربعًا، ثمَّ أقبل علينا بوجهه حين انصرف قال: لا تنسوا، كتكبير الجنائز، وأشار بأصبعه، وقبض إِبهامه يعني في صلاة العيد» (٣). وعن سعيد بن العاص: «أنه سأل أبا موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان: كيف كان رسول الله - ﷺ - يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز، فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبِّر في البصرة حيث كنت عليهم» (٤). ----------------------- (١) أخرجه الدارقطني والبيهقي وغيرهما، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (١٠٢٠)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٥٦)، و«الإِرواء» (٣/ ١٠٨). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٠١٨) والحاكم وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٦٣٩). (٣) أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» من طريقين، وحسّنه شيخنا في «الصحيحة» (٢٩٩٧). (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٠٢٢) وانظر «الصحيحة» (٦/ ١٢٦٠). قال شيخنا في»الصحيحة«(٦/ ١٢٦٣): والحقّ أنّ الأمر واسعٌ في تكبيرات العيدين، فمن شاء كبّر أربعًا أربعًا بناءً على هذا الحديث والآثار التي معه (١)، ومن شاء كبر سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية بناء على الحديث المسند الذي أشار إِليه البيهقي، وقد جاء عن جمع من الصحابة، يرتقي بمجموعها إِلى درجة الصحة، كما حققته في»إِرواء الغليل«(رقم (٦٣٩). والحقّ أنّ كلّ ذلك جائز، فبأيهما فعَل فقد أدّى السُّنة، ولا داعي للتعصب والفرقة، وإِن كان السبع والخمس أحب إِليّ لأنه أكثر». انتهى. وانظر «المحلّى» تحت المسألة (٥٤٣) للمزيد من الاطلاع -إِن شئت- و«مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ٤٩٣) (في التكبير في العيدين واختلافهم فيه)، و«مصنف عبد الرزاق» (٣/ ٢٩١) (باب التكبير في الصلاة يوم العيد). والتكبير سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا (٢)، قال ابن قدامة: «ولا أعلم فيه خلافًا»، ورجّح الشوكاني أنّه إِذا تركه سهوًا لا يسجد للسهو (٣). وعن حماد بن سلمة عن إِبراهيم: «أنَّ الوليد بن عقبة دخل المسجد، -------------------------- (١) انظرها في»الصحيحة«تحت الرقم المشار إِليه. (٢) وسألت شيخنا -شفاه الله - عن ذلك فقال: نعم لا تبطل لأنه لا دليل أنها من الشروط أو الأركان، وإذا سها سجد وإن تعمّد أثِم. (٣) انظر»الدراري المضية«(١/ ١٩٦)، وذكر السيد سابق -حفظه الله- بعضه في»فقه السنّة" (١/ ٣٢٠). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#57 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 406الى صــ 418 الحلقة (57) وابن مسعود وحذيفة وأبو موسى في عرصة المسجد (١)، فقال الوليد: إِنّ العيد قد حضر فكيف أصنع؟ فقال ابن مسعود: يقول: الله أكبر، ويحمد الله ويثني عليه ويُصلّي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو الله، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو الله، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلّي على النّبي - ﷺ - ويدعو، ثمَّ يكبِّر ويحمد الله ويُثني عليه، ويُصلّي على النّبي - ﷺ - ثمَّ كَبِّر، واقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثمَّ كَبِّر واركع واسجد، ثمَّ قم فاقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، ثمَّ كَبِّر واحمد الله وأثْنِ عليه، وصلِّ على النّبيّ - ﷺ - وادْعُ، ثمَّ كَبِّر واحمد الله، وأثْنِ عليه، وصلِّ على النّبيّ - ﷺ -، واركع واسجد، قال: فقال حذيفة وأبو موسى: أصاب» (٢). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال في صلاة العيد: «بين كلّ تكبيرتين حمْدٌ لله عز وجل وثناءٌ على الله» (٣). ----------------- (١) عرصة المسجد: ساحته. (٢) جاء في «الإرواء» (٣/ ١١٥): قال الهيثمي (٢/ ٢٠٥): «وإبراهيم لم يدرك واحدًا من هؤلاء الصحابة وهو مرسل، ورجاله ثقات». قلت (أي: شيخنا -حفظه الله-): وقد وصله الطبراني (٣/ ٣٨/١) من طريق ابن جريج: أخبرني عبد الكريم عن إِبراهيم النخعي عن علقمه والأسود عن ابن مسعود قال: «إِنَّ بين كلّ تكبيرتين قدر كلمة». ووصله أيضًا المحاملي في «صلاة العيدين» (٢/ ١٢١) من طريق هشام عن حماد عن إِبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال في صلاة العيد: «بين كلّ تكبيرتين حمْدٌ لله عز وجل، وثناءٌ على الله». وهذا إِسناد جيد (٣) أخرجه البيهقي وغيره وإسناده جيد، وانظر «الإرواء» (٣/ ١١٥). هل يرفع يديه مع كلّ تكبيرة؟ لم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنّه رفَع يديه، وقد رُوي عن عمر رفع اليدين وليس بثابت كذلك (١). وجاء في «المحلّى» تحت المسألة (٥٤٣): «ولا يرفع يديه في شيء منها إلاَّ حيث يرفع في سائر الصلوات فقط». القراءة فيها: يقرأ الإِمام في صلاة العيد بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾، أو بـ ﴿اقتربت الساعة﴾ و﴿ق والقرآن المجيد﴾. فعن النعمان بن بشير، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في العيدين وفي الجمعة، بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾. قال: وإِذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد؛ يقرأ بهما أيضًا في الصلاتين» (٢). وعن سمُرة قال: كان النّبيّ - ﷺ - يقرأ في العيدين: ﴿سبّح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ «(٣). وعن أبي واقد الليثي؛ قال:»سألني عمر بن الخطاب عمّا قرأ به رسول الله -------------------- (١) انظر «تمام المنّة» (ص٣٤٨)، و«الإرواء» (٦٤٠). (٢) مسلم: ٨٧٨ (٣) أخرجه أحمد وغيره، وإسناده صحيح، وانظر «الإِرواء» (٦٤٤). - ﷺ - في يوم العيد؟ فقلت: بـ ﴿اقتربت الساعة﴾، و﴿ق والقرآن المجيد﴾ (٤). هل يصلّي قبلها أو بعدها؟ عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - خرج يوم الفطر، فصلّى ركعتين؛ لم يُصلِّ قبلها ولا بعدها، ومعه بلال» (١). وقال أبو المعلّى: «سمعتُ سعيدًا عن ابن عبّاس كره الصلاة قبل العيد» (٢). وذكر الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٧٦): أقوال العديد من العلماء في هذه المسألة، وبيّن من يرى ذلك ممن لا يراه، ومن فرّق فيه بين الإِمام والمأموم. وفيه: «ونقل بعض المالكية الإِجماع على أنَّ الإِمام لا يتنفّل في المصلى، وقال ابن العربي: التنفّل في المصلّى لو فُعِل لنُقل، ومن أجازه رأى أنّه وقت مطلق للصلاة، ومن تركه رأى أن النّبيّ - ﷺ - لم يفعله، ومن اقتدى فقد اهتدى». انتهى. خطبة العيد بعدها: عن ابن عباس قال: «شهدت العيد مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان -رضي الله عنهم- فكلّهم كانوا يصلّون قبل الخطبة» (٣). ----------------- (٤) مسلم: ٨٩١. (١) أخرجه البخاري: ٩٨٩، ومسلم: ٨٨٤ (٢) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به وقال الحافظ (٢/ ٤٧٧) ولم أقِف على أثره هذا موصولًا. (٣) أخرجه البخاري: ٩٦٢، ومسلم: ٨٨٤ وعن أبي سعيد الخدري قال: «كان رسول الله - ﷺ - يخرج يوم الفطر والأضحى إِلى المصلّى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثمَّ ينصرف فيقوم مقابل الناس والنّاس جلوس على صفوفهم، فيعِظُهم ويوصيهم ويأمرهم، فإِنْ كان يريد أن يقطع بعْثا قطَعه أو يأمر بشيء أمر به ثمَّ ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجْتُ مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فِطر، فلمّا أتينا المصلّى إِذا منبرٌ بناه كَثِيرُ بن الصَّلْت، فإِذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي، فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيَّرتم والله فقال: أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير ممّا لا أعلم فقال: إِنَّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعَلْتها قبل الصلاة» (١). وعن عبد الله بن السائب قال: «شهدت مع رسول الله - ﷺ - العيد، فلمّا قضى الصلاة قال: إِنّا نخطب؛ فمن أحبّ أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحبّ أن يذهب فليذهب» (٢). وعن ابن عبّاس -رضي الله عنه- قال: «إِنَّ الخطبة بعد الصلاة» (٣). هل يفتتح الخطبة بالتكبير؟ يفتتح الخطيب خطبته يوم العيد بخطبة الحاجة على الأصل، ولم يثبُت --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٩٥٦، ومسلم: ٨٨٩ (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٠٢٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٠٦٦)، وانظر «الإرواء» (٦٢٩)، و«تمام المنّة» (٣٥٠). (٣) أخرجه مسلم: ٨٨٦ أن النّبيّ - ﷺ - كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وأشار ابن القيم إِلى هذا في «زاد المعاد» (١). قضاء صلاة العيد: عن أبي عمير بن أنس بن مالك قال: «حدّثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول الله - ﷺ - قالوا: أغمي علينا هلال شوال، فأصبحنا صيامًا، فجاء ركْب من آخر النهار، فشهدوا عند النّبيّ - ﷺ - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله أن يفطروا، وأن يخرجوا إِلى عيدهم من الغد» (٢). إِذا فاتته الصلاة مع الجماعة: قال البخاري في «صحيحه»: (باب إِذا فاته العيد يصلّي ركعتين)، وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى، لقول النبيّ - ﷺ -: «هذا عيدُنا أهل الإِسلام». وأمَر أنسُ بنُ مالك مولاهم ابن أبي عُتبة بالزاوية؛ فجمع أهله وبنيه وصلّى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد، يصلّون ركعتين كما يصنع الإِمام، وقال عطاء: إِذا فاته العيد صلّى ركعتين (٣). --------------------- (١) وفي «سنن ابن ماجه» وإسناده ضعيف أن النّبيّ - ﷺ - كان يكبّر بين أضعاف الخطبة، قال شيخنا في «تمام المنّة» (ص٣٥١): «ومع أنّه لا يدل على مشروعية افتتاح خطبة العيد بالتكبير؛ فإِنَّ إِسناده ضعيف ...». (٢) انظر «صحيح سنن ابن ماجه» (١٣٤٠)، و«صحيح سنن أبي داود» (١٠٢٦)، و«الإرواء» (٦٣٤)، وتقدّم. (٣) وانظر «الفتح» (٢/ ٤٧٥) للمزيد من الفوائد الحديثية. الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه (١): عن أنس قال: «قدم رسول الله - ﷺ - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنّا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله - ﷺ -: إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر» (٢). وعن عائشة قالت: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تُغنِّيان؛ بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث (٣)، قالت: وليستا بمغنِّيتَين. فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله - ﷺ -؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أبا بكر، إِن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدُنا«(٤). في رواية لمسلم (٨٩٢): فاقدُروا (٥) قدْر الجارية الحديثة السنّ حريصةً على اللهو. وفي رواية قالت عائشة: دخل عليّ رسول الله - ﷺ - وعندي جاريتان تُغنيان بغناء بُعاث، فاضطجع على الفراش وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مِزمارةُ الشيطان عند النّبيّ - ﷺ -! فأقبَل عليه رسول الله - ﷺ - فقال: ----------------------- (١) هذا العنوان من تبويب النووي»لصحيح مسلم«. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٠٠٤)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٤٦٥)، وانظر»الصحيحة«(٢٠٢١). (٣) أي: بالتغنّي بالأشعار التي قيلت في تلك الحرب. (٤) أخرجه البخاري: ٩٥٢، ومسلم: ٨٩٢ (٥) قال بعض العلماء:»أي قدروا رغبتها في ذلك وقيسوا قياس أمرها في حداثتها وحرصها على اللهو". دعهما فلمّا غفل غمزتُهما (١) فخرجتا» (٢). وفي رواية لمسلم (٨٩٢): «جاء حبشٌ يزفنون (٣) في يوم عيدٍ في المسجد، فدعاني النّبيّ - ﷺ -، فوضعْت رأسي على مَنكِبه فجعلتُ أنظرُ إِلى لعبهم ...». وعن نُبَيشْة الهُذَلي قال: «قال رسول الله - ﷺ - أيّام التشريق أيّام أكل وشرب وفي رواية: وزاد فيه وذِكرٍ لله» (٤). فضل العمل الصالح في أيّام العشر من ذي الحجّة: عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «قال رسول الله - ﷺ - ما من أيّام العمل الصالح فيها أحبّ إِلى الله من هذه الأيّام يعني أيّام العشر، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلاَّ رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» (٥). وجاء في «الإِرواء» (٣/ ٣٩٨): «وفي رواية للدارمي (٢/ ٢٦) بلفظ: ما من عمل أزكى عند الله عز وجل ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر --------------------- (١) الغمز: الإِشارة، كالرّمز بالعين أو الحاجب أو اليد.»النهاية«. (٢) أخرجه البخاري: ٩٤٩ (٣) حمله العلماء على التوثّب بسلاحهم ولعبهم بحرابهم على قريب من هيئة الرقص. (٤) أخرجه مسلم: ١١٤١ (٥) أخرجه البخاري: ٩٦٩، وأبو داود وهذا لفظه»صحيح سنن أبي داود" (٢٤٣٨). الأضحى ....»، والباقي مثله، وزاد: «قال: وكان سعيد بن جبير إِذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه» (١). وقال ابن عبّاس: «ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات»: أيّام العشر، والأيّام المعدودات: أيّام التشريق. رواه البخاري معلّقًا مجزومًا به، وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٥٨) «لم أره موصولًا عنهما». وقال البخاري: (باب فضل العمل في أيام التشريق)، وقال ابن عبّاس: ﴿واذكروا الله في أيّام معلومات﴾، أيّام العشر، والأيّام المعدودات أيّام التشريق. استحباب التهنئة بالعيد: عن جبير بن نفير قال: «كان أصحاب النّبيّ - ﷺ - إِذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبّل الله منا ومنكم» (٢). التكبير في أيام العيدين: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ ---------------------- (١) أخرجه الدارمي في «سننه» وإسناده حسن، وانظر «الإرواء» (٣/ ٣٩٨). (٢) أخرجه المحاملي في كتاب «صلاة العيدين»، وغيره وانظر «تمام المِنّة» (ص ٣٥٤ - ٣٥٦). تَشْكُرُونَ﴾ (١). جاء في «تفسير ابن كثير»: «... ولهذا أخَذَ كثير من العلماء مشروعيّة التكبير في عيد الفِطر من هذه الآية: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّة ولِتُكبّروا الله على ما هَدَاكُم﴾، حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إِلى وجوبه؛ في عيد الفطر لظاهر الأمر في قوله: ﴿ولِتكبّرُوا الله عَلى ما هَدَاكُم﴾، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة -رحمه الله- أنّه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه». وهذا في عيد الفطر، والتكبير فيه من وقت الخروج إِلى الصلاة، إِلى ابتداء الخطبة. أمّا الأضحى ففيه قوله سبحانه: ﴿واذكروا الله في أيّام معدودات﴾ (٢). جاء في «الإِرواء» (٣/ ١٢١): «روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الزهري قال: كان الناس يكبّرون في العيد حين يخرجون من منازلهم؛ حتى يأتوا المصلّى وحتى يخرج الإِمام، فإذا خرج الإِمام سكتوا، فإِذا كبّر كبّروا». وفيه (ص١٢٢): «... ثمَّ روى [أي: الفريابي] بسند صحيح عن الوليد (وهو ابن مسلم) قال: سألت الأوزاعي ومالك بن أنس عن إِظهار التكبير في العيدين؟ قالا: نعم، كان عبد الله بن عمر يظهره في يوم الفطر حتى يخرج الإِمام». وفيه (ص ١٢٣): "وقد صحّ عن الزهري مرسلًا مرفوعًا، فقال ابن أبي شيبة ------------------- (١) البقرة: ١٨٥ (٢) البقرة: ٢٠٣ (٢/ ١/٢): حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري: أن رسول الله - ﷺ - كان يخرج يوم الفطر فيكبّر حتى يأتي المصلّى، وحتى يقضيَ الصلاة، فإِذا قضى الصلاة قطع التكبير (١). وهذا سند صحيح مرسلًا، ومن هذا الوجه أخرجه المحاملي (١٤٢/ ٢). وقد روي من وجه آخر عن ابن عمر مرفوعًا. أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٩) من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله ابن عمر: أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس وعلي وجعفر والحسن والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن بن أم أيمن -رضي الله عنهم- رافعًا صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحذائين حتى يأتي المصلّى، وإِذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله. وقال شيخنا -حفظه الله- في آخر التخريج: «فالحديث صحيح عندي موقوفًا ومرفوعًا والله أعلم». انتهى. وانظر ما جاء في «الأوسط» (٤/ ٢٤٩) من آثار في ذلك. ووقته في عيد الأضحى من صبح يوم عرفة إِلى عصر آخر أيام التشريق. قال شيخنا: صحّ هذا عن عليّ وابن عبّاس، وقد خرّجْتهما في «الإِرواء» (٣/ ١٢٥)، ورواه الحاكم عن ابن مسعود. انتهى. والذي جاء في «الإِرواء» تحت الحديث (٦٥٣): «وقد صحّ عن علي -رضي الله عنه- أنَّه كان يكبّر بعد صلاة الفجر يوم عرفة؛ إِلى صلاة العصر ------------------ (١) وانظر»الصحيحة" (١٧١). من آخر أيّام التشريق، ويكبّر بعد العصر». وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إِلى السوق في أيّام العشر يُكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما (١). فائدة: قال شيخنا في «الصحيحة» (١/ ٣٣١): «وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهرًا في الطريق إِلى المصلّى، وإِن كان كثير منهم بدؤوا يتساهلون بهذه السنّة، حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصّدع بالسُّنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولّى إِرشاد الناس وتعليمهم، فكأن الإِرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون! وأمّا ما هم بأمسّ الحاجة إِلى معرفته؛ فذلك مما لا يلتفتون إِليه، بل يعتبرون البحث فيه والتذكير به قولًا وعملًا من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملًا وتعليمًا؛ فإِنا لله وإِنا إِليه راجعون. ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة: أنّ الجهر بالتكبير هنا لا يُشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض، وكذلك كل ذكر يُشرع فيه رفع الصوت أو لا يُشرع؛ فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور، ومثله الأذان من الجماعة المعروف في دمشق بـ (أذان الجوق)، وكثيرًا ما يكون هذا الاجتماع سببًا لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقوف عنده؛ مثل:»لا إِله«! في تهليل فرض الصبح والمغرب؛ كما سمعنا ذلك مرارًا». ------------------ (١) رواه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٥٨): لم أره موصولًا عنهما ... فلنكن في حذر من ذلك، ولتذكر دائمًا قوله صلى الله عليه وآله وسلم:»وخير الهدي هدي محمّد«. صيغة التكبير: جاء في»الروضة الندية«(١/ ٣٦٧):»وأمَّا صفة التكبير فأصحّ ما ورد فيه أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن سلمان قال: كبّروا، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا، قال في شرح «المنتقى» [٣/ ١١٦] نقلًا عن «الفتح» (٣/ ١١٦): وقد أُحدِث في هذا الزمان زيادة في ذلك لا أصل لها. انتهى. قال الشوكاني: «والظاهر أن تكبير التشريق لا يختصّ استحبابه بعقب الصلوات، بل هو مستحبٌّ في كلّ وقت من تلك الأيام، كما تدلّ على ذلك الآثار». وجاء قبله (١/ ٣٦٦): «... ولم يثبت تعيين لفظ مخصوص ولا وقت مخصوص ولا عدد مخصوص، بل المشروع الاستكثار منه دبر الصلوات وسائر الأوقات، فما جرت عليه عادة الناس اليوم استنادًا إِلى بعض الكتب الفقهية مِن جعله عقب كل صلاة فريضة ثلاث مرات، وعقب كل صلاة نافلة مرة واحدة، وقصر المشروعية على ذلك فحسب، ليس عليه أثارة من علم فيما أعلم، وأصحّ ما ورد فيه عن الصحابة أنّه من صبح يوم عرفة إِلى آخر أيام منى». ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#58 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 1الى صــ 15 الحلقة (58) الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الثالث كتاب الزكاة والصيام والاعتكاف بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم بسم الله الرحمن الرحيم الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة حقوق الطبع محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ -٢٠٠٢ م المكتبة الإسلامية ص ب (١١٣) الجبيهة، هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤ -[مقدّمة المؤلف]- إِنّ الحمد لله، نحمَدُه ونستعينهُ ونستغفِرُه، ونعوذُ بالله من شرور أَنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يَهدِه الله فَلا مُضِلَّ لهُ، ومَن يُضْلل فلا هاديَ لهُ. وأَشهَد أنْ لا إله إِلاَّ الله، وحدَه لا شريكَ له، وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبدهُ ورَسولهُ. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢). ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣). أمَّا بعد: فإِنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدْي محمّد، وشرّ الأمور مُحدثاتها، وكلَّ مُحدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار. فهذا هو المجلد الثالث من «الموسوعة الفقهيّة الميسَّرة في ضوء الكتاب والسُّنَّة المطهَّرة» أقدمه للقُراء الكرام، سائلًا الله -سبحانه وتعالى- أن ينفع --------------------- (١) آل عمران: ١٠٢. (٢) النساء: ١. (٣) الأحزاب: ٧٠، ٧١. به ويتقبّله منّي، وهو متضمِّنٌ كتاب الزكاة والصيام والاعتكاف. وكنتُ قد استفدتُ من عددٍ من الإِجابات من شيخنا العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- من خلال مجالساته. وقد حرصتُ على الدليل الثّابت في ضوء منهج السلف الصالح، مع الإِفادة من أقوال علماء الأمّة، ورثة النّبيّ - ﷺ -. وقد تكون المسألة خلافيّة، ولكلٍّ فيما ذهبَ إِليه دليله وفهْمه، فالأمر لا يدعو إِلى التباغُض والتنافر والاختلاف والتفرُّق والشقاق والنّزاع. فَخذ ما ترجّح لك وما تراه صوابًا، دون ولاءٍ أو براءٍ أو تحزُّب أو تعصُّب، قال الله تعالى: ﴿والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعض إلاَّ تفعلوهُ تكنْ فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير﴾ (١). فإِذا كان هذا شأن الكفار؛ بعضهم أولياء بعض، فالفساد والفتنة جاءا مِن أمور: الأوّل: أنّ الكُفّار قد حقّقوا من التآلف؛ ما لم يبْلغه أهل الإِسلام -مع الأسف-. الثاني: أنّ اتخاذ الكُفّار بعضهم بعضًا أولياء فيه خطورةٌ على المسلمين - وهم في مرحلة التربية والمجاهدة- إِذا لم يكونوا متفرّقين، فكيف إِذا كانوا متناحِرين متنازعين! الثالث: أنّنا قد أُمِرنا أصلًا بمخالفتهم، وعدم التشبُّه بهم، فكيف إِذا لم --------------------- (١) الأنفال: ٧٣. نبلغ ما بلغوه في شأن الولاية! فإِذا كان كذلك؛ أفلا يكون بعضنا أولياء بعض؛ ولو بتقدير الآراء وكفّ اللسان عن إِيقاع الأذى بالعلماء، أو بمن تَلقّى عنهم المسائل، وأن نُعذر مَن قد يكون له أجر واحد في فتواه، ومن أفاد منه كذلك؟! فكيف ونحن لا نعلم؟ فربّما يكون له أجران! فالأمر يدعو إِذًا إِلى المزيد من الإِعذار والتآلف والتوادّ. أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتقبّل مني ويجعل هذا العمل في ميزاني يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، إلاَّ مَن أَتى الله بقلبٍ سليم. وكَتَب: حسين بن عودة العوايشة عمّان ٤/ربيع الثاني/ ١٤٢١هـ الزكاة الزكاة: لغةً: هي النّماء والزيادة، يقال: زَكَى الزرع يزكو، أي: نما وهي الطهارة أيضًا، وسميت الزكاة زكاةً؛ لأنه يزكو بها المال بالبركة ويطهُر بها المرء بالمغفرة (١). وفي الاصطلاح الشرعي: هي عبارة عن إِيجاب طائفة من المال في مالٍ مخصوص لمالك مخصوص (٢). الزكاة رُكن من أركان الإِسلام عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ معاذًا قال: بعَثني رسول الله - ﷺ -. قال: «إِنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب. فادْعُهم إِلى شهادة أن لا إِله إلاَّ الله وأنِّي رسول الله، فإِنْ هُم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كلِّ يومٍ وليلة، فإِنْ هم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أن الله افترض عليهم صدقة؛ تُؤْخَذ من أغنيائهم فتردُّ في فقرائهم» (٣). وقد قُرنت بالصلاة (٤) في مواطنَ كثيرة كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وارْكعوا مع الراكعين﴾ (٥). ---------------------- (١) طِلبة الطّلبة: ص ٩١. (٢) التعريفات للشريف الجُرجاني (ص ٨٣). (٣) أخرجه البخاري: ١٤٥٨، ومسلم: ١٩. (٤) انظر ما قاله شيخ الإسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٦). (٥) البقرة: ٤٣. وكقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرِضوا الله قرضًا حَسَنًا﴾ (١). الحضّ على أدائها والترغيب فيها ١ - قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تُطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ (٢). ٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنّ المتقين في جنّات وعيون * آخذين ما آتاهم ربّهم إِنّهم كانوا قبل ذلك مُحسنين* كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون* وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم﴾ (٣). ٣ - وقال تعالى: ﴿وما آتيتم من زكاةٍ تريدون وجه الله فأولئك هم المُضْعِفُون﴾ (٤). المُضْعفُون: أي: يُضاعَف لهم الثواب والجزاء، كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الآتي إِن شاء الله. ٤ - وعن أبي كبشة الأنماري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "ثلاثٌ أُقسِم عليهنّ وأحدّثكم حديثًا فاحفظوه. قال: ما نقَص مالُ عبدٍ من صدقة، ولا ظُلم عبدٌ مظلمةً صبر عليها إلاَّ زاده الله عزًّا، ولا فَتَح عبدٌ باب مسألة إلاَّ فَتَح الله عليه باب فقر، أو كلمة -------------------- (١) المزمل: ٢٠. (٢) التوبة: ١٠٣. (٣) الذاريات: ١٥ - ١٩. (٤) الروم: ٣٩. نحوها ...» (١). ٥ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من تصدَّق بعَدْل (٢) تمرة مِن كسْبٍ طيّب -ولا يقبل الله إلاَّ الطيّب- فإِن الله يتقبلها بيمينه ثم يربّيها لصاحبه كما يُربّي أحدكم فَلوَّه (٣) حتّى تكون مثل الجبل» (٤). وفي رواية: «إلاَّ أخَذها الرحمن بيمينه، وإنْ كانت تمرة، فتربو في كفّ الرحمن؛ حتّى تكون أعظم من الجبل» (٥). ٦ - وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رجل: يا رسول الله؟ أرأيتَ إِنْ أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «من أدّى زكاة ماله فقد ذهب عنه شرُّه» (٦). ----------------------- (١) أخرجه أحمد والترمذي واللفظ له وقال: حديث حسن صحيح، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٤). (٢) بعَدْل: أي: بقيمتها لأنه بالفتح: المِثل، وبالكسر -[العِدل]: الحِمل هذا قول الجمهور. «الفتح» (٣/ ٢٧٩). وللمزيد من الفوائد الحديثية انظر «الإِرواء» (٣/ ٣٩٣). (٣) فلُوّه: الفَلُوّ: المُهر الصغير وقيل: هو العظيم من أولاد ذوات الحافر. (٤) أخرجه البخاري: ١٤١٠، ومسلم: ١٠١٤. (٥) أخرجه مسلم: ١٠١٤. (٦) أخرجه الطبراني في «الأوسط» -واللفظ له- وغيره، وحسّنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٤٠). ٧ - وعن عمرو بن مُرّة الجهني -رضي الله عنه- قال:»جاء رجل من قُضاعة إِلى رسول الله - ﷺ - فقال: إِني شهدت أنْ لا إِله إِلا الله وأنك رسول الله، وصليّتُ الصلوات الخَمْس، وصُمتُ رمضان وقمتُه، وآتيتُ الزكاة. فقال رسول الله - ﷺ -: «من مات على هذا كان من الصدِّيقين والشهداء» (١). ٨ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «سبعةٌ يُظلُّهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلاَّ ظلّه: إِمامٌ عدْل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلَّقٌ في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعَته امرأة ذات مَنْصِب وجمال فقال: إِنِّي أخاف الله، ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها؛ حتى لا تعلم شماله ما تُنفق يمينه، ورجل ذكَر الله خاليًا ففاضت عيناه» (٢). وانظر للمزيد من الأحاديث «صحيح الترغيب والترهيب» (كتاب الصدقات) «الترغيب في أداء الزكاة وتأكيد وجوبها». الترهيب من منْعها ١ - قال الله تعالى: ﴿ولا يحسبنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شرٌّ لهم سيُطوّقون ما بَخِلُوا به يوم القيامة﴾ (٣). -------------------------- (١) أخرجه البزار بإِسناد حسن وابن خزيمة في «صحيحه» وابن حبان، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٧٤٥). (٢) أخرجه البخاري: ٤٢٣، ومسلم: ٠٣١ ١. (٣) آل عمران: ١٨٠. ٢ - وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١). ٣ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما من صاحب ذهب ولا فضة؛ لا يؤدّي منها حقّها إِلا إِذا كان يوم القيامة صُفِّحَت (٢) له صفائح من نار فأُحْمي عليها في نار جهنم، فيُكوى بها جَنْبُه وجبينه وظهره. كلما بَرَدَت أُعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيَرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار. قيل: يا رسول الله! فالإِبِل؟ قال: ولا صاحب إِبِل لا يؤدي منها حقّها ومِنْ حقها حَلَبها (٣) يوم وِردها، إِلا إِذا كان يوم القيامة، بُطِحَ لها بِقَاعِ قرْقرٍ (٤) أوفر ما كانت؛ لا يفقد منها فصيلًا واحدًا تطؤه بأخفافها (٥) وتعَضُّهُ بأفواهها، ---------------------- (١) التوبة: ٣٤ - ٣٥. (٢) صُفحت: الصفيحة: كلّ عريض من حجارة أو لوح ونحوهما، ووجه كل شيء عريض. الوسيط». (٣) حَلَبها: بفتح اللام على الراجح كما ذكر النووي رحمه الله. والمراد: يحلبها على الماء ليصب للناس من لبنها كما في «النهاية». (٤) قرقر: القاع المستوي الواسع من الأرض تعلوه ماء السماء فيمسكه. «النووي» (٧/ ٦٤). (٥) بأخفافها: قال النووي: الخفّ للبعير، والظلف للبقر والغنم والظُّباء، والقدم للآدمي. كلما مرَّ عليه أُولاها ردّ عليه أُخراها؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يُقضى بين العباد، فيَرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار. قيل: يا رسول الله! فالبقر والغنم؟ قال: ولا صاحب بقرٍ ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلاَّ إِذا كان يوم القيامة بُطِحَ لها بقاع قرْقرٍ، لا يفقد منها شيئًا، ليس فيها عقْصَاء (١) ولا جَلْحَاء (٢) ولا عَضْبَاء (٣)، تنطِحُهُ بقرونها وتطؤه بأظْلاَفِها (٤)، كلّما مر عليه أولاها رُدّ عليه أُخْراها، في يومٍ كان مقداره خمسين ألف سنةٍ؛ حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إِمّا إِلى الجنة وإمّا إِلى النار» (٥). ٤ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من آتاه الله مالًا فلم يؤدِّ زكاته؛ مُثّل له يوم القيامة شجاعًا (٦) أَقْرع (٧) لهَ زِبيبتَان (٨) يُطوّقُه ---------------------- (١) عَقْصَاء: أي: ملتوية القرنين.»النهاية«. (٢) جَلْحَاء: التي لا قَرْن لها.»النهاية«. (٣) عَضْبَاء: التي انكسر قَرنْها.»شرح النووي«(٧/ ٦٥). (٤) بأظلافها: الظلف للبقر والغنم والظباء، وهو المنشقّ من القوائم، والخفّ للبعير، والقدم للآدمي، والحافر للفرس والبغل والحمار.»شرح النووي«. (٥) أخرجه مسلم: ٩٨٧، وللمزيد من الفوائد الحديثية انظر كلام شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(ص ٣٨٨ - ٣٨٩). (٦) الشُّجاع: الحيّة الذَّكَر، وقيل: الذي يقوم على ذنبه ويواثب الفارس. (٧) الأقرع: الذي تقرَّع رأسه، أي: تمعَّطَ لكثرة سمّه كذا في»الفتح«(٣/ ٢٧٠). وفيه:»وفي «تهذيب الأزهري»: سُمّي الأقرع لأنه يُقْري السّمّ ويَجْمَعه في رأسه حتى تتمعّط فَرْوة رأسه". (٨) قال الحافظ: تثنية زبيبة، وهما الزبَدَتَان على اللسان في الشّدقين، يُقال: = يوم القيامة ثم يأخذ بِلِهزِمتيه (١) -يعني: شدقيه- ثم يقول: أنا مالُك أنا كنزُك، ثم تلا: ﴿ولا يحسبَنّ الذين يبخلون ...﴾ (٢) الآية «(٣). ٥ - عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»يا معشر المهاجرين! خمسٌ إِذا ابتُليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهُنّ! لم تظهر الفاحشة في قومٍ قطُّ حتى يُعلنوا بها، إلاَّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع؛ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلاَّ أُخِذوا بالسنين وشدّة المؤنَة وجَوْرِ السلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاةَ أموالهم، إِلا مُنِعُوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطَروا. ولم ينقضوا عهدَ الله وعهد رسوله؛ إلاَّ سلّط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأَخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيّروا ممّا أنزل الله؛ إِلا جَعَل الله ----------------------- = تكلّم حتى زبد شدقاه، أي: خرج الزّبد منهما، وقيل: هما النكتتان السوداوان فوق عَيْنَيْه، وقيل: نقطتان يكتنفان فاه، وأورد أقوالًا غيرها. (١) بلِهزِمَيته: فُسّر في الحديث بالشدقين، وفي «الصحاح»: هما العظمان الناتئان في اللحيين تحت الأذنين، وفي «الجامع» هما لحم الخدّين الذي يتحرّك إِذا أَكل الإِنسان. «الفتح». (٢) آل عمران: ١٨٠. (٣) أخرجه البخاري: ١٤٠٣. بأسهم بينهم» (١). حُكم مانعها من امتنع عن أداء الزكاة غير منكر وجوبها، فإِنّ للحاكم أنْ يأخذ الزكاة منه قهرًا، وشطر ماله عقوبة. فعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه (٢) قال: «لا يفرق إِبل عن حسابها (٣)، من أعطاها مؤتجرًا (٤) فله أجرها، ومن أبى فإِنّا آخِذوها وشطر ماله، عَزْمةً (٥) من عَزَمات ربّنا، لا يحلّ لآل محمّد - ﷺ - منها شيئًا» (٦). قتال من يمنعها ولو امتنع قوم عن أدائها مع اعتقادهم وجوبها وكانت لهم قوّة ومنَعة؛ ------------------------ (١) أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم في «الحلية» وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (١٠٦)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (٧٥٩). وانظر للمزيد من النصوص «صحيح الترغيب والترهيب» (الترهيب من منع الزكاة). (٢) هو معاوية بن حيدة صحابي -رضي الله عنه-. (٣) معناه: أنّ المالك لا يفرّق مُلكه عن ملك غيره؛ حيث كانا خليطين، أو المعنى: تحاسب الكلّ في الأربعين، ولا يُترَك هزال ولا سمين ولا صغير ولا كبير، نعم العامل لا يأخذ إِلا الوسط. «عون» (٤/ ٣١٧). (٤) قاصدًا للأجر بإِعطائها. (٥) العَزْمة في اللغة: الجدّ والحق في الأمر يعني: أُخذ ذلك بجدّ لأنّه واجب مفروض. قاله بعض العلماء. (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٩٣) والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٢٩٢) وغيرهما وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٧٩١). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#59 |
|
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثالث من صــ 16الى صــ 30 الحلقة (59) فإِنّهم يقاتَلون عليها حتى يعطوها (١) قال الله تعالى: ﴿فإِن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلّوا سبيلَهم﴾ (٢). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إِله إلاَّ الله، وأنَّ محمّدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. فإِذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقِّ الإِسلام، وحسابهم على الله» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «لمّا توفّي رسول الله - ﷺ -، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- وكفَر من كفَر من العرب، فقال عمر -رضي الله عنه-: كيف تقاتل الناس؛ وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله، فمن قالها فقد عصَم منّي ماله ونفسه إلاَّ بحقِّه، وحسابه على الله؟! فقال: والله لأقاتلنَّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإِنَّ الزكاة حق المال، والله لو منعنوني عَناقًا (٤) كانوا يؤدّونها إِلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منْعها. قال عمر -رضي الله عنه-: فوالله ما هو إلاَّ أنْ قد شَرح الله صدر أبي بكر -رضي الله عنه- فعرفتُ أنّه الحقُّ» (٥). --------------------- (١) انظر «فقه السنة» (١/ ٣٣٣). (٢) التوبة: ٥. (٣) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢٢. (٤) عَناقًا: هي الأنثى من أولاد المعز ما لم يَتِمّ له سنة. «النهاية». (٥) أخرجه البخاري: ١٣٩٩، ومسلم: ٢٠. وفي بعض روايات البخاري ومسلم: عِقالًا (١). جاء في»الروضة النديّة«(١/ ٤٦٠):»قال مالك: الأمر عندنا أنّ كلّ من منَع فريضة من فرائض الله تعالى، فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقًا عليهم جهاده حتّى يأخذوها منه، وبلغه أنّ أبا بكر الصِّدّيق -رضي الله عنه- قال: «لو منعوني عقالًا لجاهدتهم عليه» كذا في «المسوّى»«. وسألت شيخنا -رحمه الله- هل يجب على الحاكم قتال مانعي الزكاة؟ فأجاب: إِذا غلب على ظنّه الانتصار عليهم فَعل. على من تَجِب؟ تجب على كلّ مسلم (٢) حرّ مالك النصاب. ولا تجب على غير المؤمنين لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال:»على المؤمنين في صدقة الثمار -أو مال العقار- عُشر ما سقتِ العينُ وما سقتِ السماء، وعلى ما يُسقى بالغَرْب (٣) نصفُ العُشْر«(٤). --------------------- (١) واختلف العلماء في تفسير العقال فمنهم من قال: زكاة عام ومنهم من قال: الحبل الذي يُعقل به البعير، وانظر»شرح النووي«(١/ ٢٠٨) للمزيد من التفصيل. (٢) جاء في»الروضة«(١/ ٤٦٢): وأمّا اشتراط الإِسلام؛ فالراجح أنّ الكفّار مخاطَبون بجميع الشرعيات، لكنّه منَع صحّتها منهم مانع الكفر، فليس الإِسلام شرطًا في الوجوب بل الكفر مانع عن الصحة ...». (٣) الغَرْب: الدلو العظيمة التي تُتَّخذ من جلد ثور. «النهاية». (٤) أخرجه ابن أبي شيبة وغيره، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٤٢). قال البيهقي: «وفيه كالدّلالة على أنها لا تُؤخَذ من أهل الذِّمّة». «قلت [أي: شيخنا -رحمه الله تعالى-]: وكيف تُؤخَذ منهم وهم على شِركهم وضلالهم؟! فالزكاة لا تزكيهم وإنما تُزكّي المؤمن المزكَّى من دَرَن الشرك؛ كما قال الله تعالى: ﴿خُذ من أموالهم صدقةً تُطهِّرهم وتزكيهمْ بها وصلِّ عليهم إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لهم﴾ (١). فهذه الآية تدلّ دلالة ظاهرة، على أنّ الزكاة إِنّما تُؤخَذ من المؤمنين، لكن الحديث أصرح منها دلالة على ذلك. وإنّ من يدرس السيرة النبوية، وتاريخ الخلفاء الراشدين، وغيرهم من خلفاء المسلمين وملوكهم؛ يعلم يقينًا أنّهم لم يكونوا يأخذون الزكاة من غير المسلمين المواطنين، وإنّما كانوا يأخذون منهم الجزية؛ كما ينصّ عليها الكتاب والسنّة». انتهى. جاء في «المحلّى» (٥/ ٣٠٧): "ولا يجوز أخذ الزكاة من كافر. قال أبو محمّد: هي واجبة عليه، وهو معذَّب على منْعها، إِلا أنها لا تجزئ عنه إِلا أنْ يُسلِم. وكذلك الصلاة ولا فرْق، فإِذا أسلم فقد تفضّل -عز وجل- بإِسقاط ما سلف عنه من كلّ ذلك! قال الله تعالى: ﴿إِلاّ أصحاب اليمين * في جنّات يتساءلون * عن المجرمين * ما سَلَكَكُم في سقر * قالوا لم نك من المصلّين * ولم نك -------------------- (١) التوبة: ١٠٣. نُطعِم المسكين * وكنّا نخوض مع الخائضين * وكنّا نُكذِّب بيوم الدِّين * حتّى أتانا اليقين﴾ (١). وقال الله -عز وجل-: ﴿وويلٌ للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون﴾ (٢). ماذا يُشتَرط في النصاب؟ ١ - أن يكون فاضلًا عن الحاجات الضرورية؛ التي لا يَستغني المرء عنها؛ كالمطعم والملبس، والمسكن والمركب، وآلات الحرفة. ٢ - أن يحول عليه الحول الهجريّ، وابتداؤه من يوم مُلْك النصاب. لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول» (٣). وهذا الشرط لا يمضي في زكاة الزروع والثمار، لأنّها تجب يوم الحصاد، قال الله تعالى: ﴿وءاتوا حقّه يوم حصاده﴾ (٤). كيف يُزكّي إِذا تعدّدت الأنصبة؟ الأصل عدم إِخراج زكاة النصاب إِلا إِذا حال عليه الحول، فإِذا كانت ------------------------- (١) المدثر: ٣٩ - ٤٧. (٢) فصلت: ٦ - ٧. (٣) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٤٤٩) وغيره، وانظر «الإِرواء» (٧٨٧). (٤) الأنعام: ١٤١. الأنصبة قليلة؛ وتمكّن من ذلك فعَل، وإلا أَخْرَج من مجموع المال؛ تيسيرًا على نفسه. سُئل شيخنا -رحمه الله- عن رجل عنده أموال أثناء السنة الأولى؛ ثمّ جاءته أرباح، فلمّا دخلت السنة الثانية؛ وجد عدّة أنصبة، وليس نصابًا واحدًا، فكيف يُخرِج زكاته؟ فأجاب -رحمه الله-: «اختلف العلماء في كيفية إِخراج الزكاة؛ فمنهم من قال: يُخرِج عن مجموع ما عنده من الأنصبة التي وجب عليها الزكاة، وعلى الأنصبة الأخرى التي لم يحُلْ عليها الحول كذلك. ومنهم من قال: كلما توفّر عنده نصابٌ سجَّله، وانتظر أن يحُول عليه الحَوْل. والنظر إِلى قاعدة التيسير يجعلني أُرجِّح القول الأول، إِذ متابعة الأنصبة مُرهِق لعقل (الكمبيوتر)؛ فضلًا عن عقل الإِنسان فيُخرج عن الأرباح، شريطة أن يكون هناك أصل؛ وهو النصاب الذي حال عليه الحول». انتهى. قلت: «ولا شكّ أنّ في هذا زيادةً على الزكاة الواجبة، فيُؤجَر عليها ويريح نفسه من بَلْبَلَة تعدّد الأنصبة. والله -تعالى- أعلم». هل في مال الصغير والمجنون زكاة؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من رأى وجوب ذلك. وقالوا: إِنّ النصوص في إِيجاب الزكاة تفيد العموم، ومن ذلك الصغير والمجنون، والزكاة حقُّ الفقراء؛ أكان مِن صغير أو كبير أو مجنون أو عاقل. قال ابن حزم -رحمه الله- في «المُحلّى» (٥/ ٣٠٢) -بحذف-: «وأمّا مال الصغير والمجنون؛ فإِنّ مالكًا والشافعي قالا بقولنا؟ وهو قول عمر ابن الخطاب، وابنه عبد الله، وأمّ المؤمنين عائشة، وجابر وابن مسعود، وعطاء وغيره. وقال أبو حنيفة: لا زكاة في أموالهما من الناضّ (١) والماشية خاصة، والزكاة واجبة في ثمارهما وزروعهما. ولا نعلم أحدًا تقدّمه إِلى هذا التقسيم! وقال الحسن البصري، وابن شبرمة: لا زكاة في ذهبه وفضّته خاصّة -وأمّا الثمار والزروع والمواشي ففيها زكاة. وأمّا إِبراهيم النخعي، وشريح، فقالا: لا زكاة في ماله جملة! قال أبو محمّد: إِنْ موّه مُمَوِّه منهم بأنّه لا صلاة عليهما؟ قيل له: قد تسقط الزكاة عمن لا مال له ولا تسقُط عنه الصلاة! وإِنّما تجب الصلاة والزكاة على العاقل والبالغ؛ ذي المال الذي فيه الزكاة، فإِنْ سقط المال: سقَطت الزكاة، ولم تسقُط الصلاة؛ وإِنْ سقَط العقل، أو البلوغ: سقَطَت الصلاة ولم تسقُط الزكاة؛ لأنه لا يسقط فرض أوجبه الله تعالى، أو رسوله - ﷺ -، إِلا حيث أسقطه الله تعالى أو رسوله - ﷺ -. --------------------- (١) قال في»مختار الصحاح": أهل الحجاز يسمّون الدراهم والدنانير (النَّضَّ) و(النَّاضَّ) إِذا تحوّل عينًا بعد أن كان متاعًا، ويقال: خُذ ما (نضَّ) لك من دينٍ أي: ما تيسّر. وهو (يستنضّ) حقّه من فلان أي: يستنجزه ويأخذ منه الشيء بعد الشيء. ولا يسقُط فرض من أجل سقوط فرض آخر بالرأي الفاسد، بلا نصّ قرآن ولا سُنّة. وأيضًا: فإِنْ أسقطوا الزكاة عن مال الصغير والمجنون لسقوط الصلاة عنهما، ولأنهما لا يحتاجان إِلى طهارة؛ فليُسقطاها بهذه العلّة نفسها من زرعهما وثمارهما ولا فرق؛ وليُسقطا أيضًا عنهما زكاة الفطر بهذه الحُجّة! فإِنْ قالوا: النصّ جاء بزكاة الفطر على الصغير؟ قلنا: والنص جاء بها على العبد، فأسقطتموها عن رقيق التجارة بآرائكم، وهذا ممّا تركوا فيه القياس، إِذ لم يقيسوا زكاة الماشية والناضّ، على زكاة الزرع، والفِطر، أو فليوجبوها على المكاتب؛ لوجوب الصلاة عليه، ولا فرق. وقد قال بعضهم: زكاة الزرع والثمرة حقٌّ واجب في الأرض، يجب بأوّل خروجهما. قال أبو محمّد: ولا فرق بين وجوب حقّ الله تعالى في الزكاة في الذهب والفضة والمواشي؛ من حين اكتسابها إِلى تمام الحول، وبين وجوبه في الزرع والثمار؛ من حين ظهورها إِلى حلول وقت الزكاة فيها، والزكاة ساقطة بخروج كلّ ذلك عن يد مالكه قبل الحول، وقبل حلول وقت الزكاة في الزرع والثمار. وإِنّما الحقّ على صاحب الأرض لا على الأرض، ولا شريعة على أرض أصلًا، إِنما هي على صاحب الأرض! قال الله تعالى: ﴿إِنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبَيْن أن يحمِلنها وأشفَقْن منها وحمَلَها الإِنسان إِنّه كان ظلومًا جهولًا﴾ (١). فظهر كذب هذا القائل وفساد قوله. وأيضًا فلو كانت الزكاة على الأرض لا على صاحب الأرض؛ لوجب أخْذها في مال الكافر مِن زرعه وثماره، فظهر فساد قولهم وبالله التوفيق. ولا خلاف في وجوب الزكاة على النساء كهي على الرجال؛ وهم مُقرّون بأنها قد تكون أَرْضُون كثيرة؛ لا حقّ فيها من زكاة، ولا من خَراج، كأرض مسلم؛ جعَلها قصبًا وهي تغلّ المال الكثير، أو ترَكَها لم يجعل فيها شيئًا، وكأرض ذمّي صالَح على جزية رأسه فقط. وقد قال سفيان الثوري والحسن البصري وأشهب والشافعي: إِنّ الخراجي الكافر إِذا ابتاع أرض عشر من مسلم؛ فلا خراج فيها ولا عشر. وقد صحّ أنّ اليهود والنصارى والمجوس بالحجاز واليمن والبحرين؛ كانت لهم أرضون في حياة النّبيّ - ﷺ -، ولا خلاف بين أحد من الأُمة؛ فى أنّه لم يجعل -عليه السلام- فيها عُشرًا ولا خراجًا. فإِن ذكروا قول رسول الله - ﷺ -: «رُفع القلم عن ثلاث». فذكر «الصبي حتى يبلُغ والمجنون حتى يُفيق» (٢). قلنا: فأسقطوا عنهما بهذه الحُجّة زكاة الزرع والثمار، وأرُوش (٣) الجنايات --------------------- (١) الأحزاب: ٧٢. (٢) أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٩٧). (٣) جمع أرْش وهي دِيَة الجراحات. وانظر «مختار الصحاح». التي هي ساقطة بها لا شكّ، وليس في سقوط القلم سقوط حقوق الأموال، وإنّما فيه سقوط المَلاَمة، وسقوط فرائض الأبدان فقط. وبالله -تعالى- التوفيق. فإِنْ قالوا: لا نيّة لمجنون، ولا لمن لم يبلغ؛ والفرائض لا تجزئ إِلا بنيّة! قلنا: نعم، وإنّما أمر بأخذها الإِمام والمسلمون، بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (١)، فإِذا أخَذَها من أُمِر بأخذها بنية أنها الصدقة أجزأت عن الغائب، والمُغْمَى عليه، والمجنون، والصغير، ومن لا نيّة له. والعجب أنّ المحفوظ عن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- إِيجاب الزكاة في مال اليتيم». ثمَّ ذكر -رحمه الله- بعض الآثار في ذلك. وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في التعليق على «المحلّى» (٥/ ٣٠٤): «وكان الأصحّ أنّ الزكاة تجب في المال، كما تجب الدِّيَة، وكما يجب العِوَض، وكما يجب الثمن مثَلًا، وأنّ وليّ الصبيّ أو المجنون مُكلَّف بإِخراجها من مال مَحْجُورِه، وأنّ وليّ الأمر يجب عليه استيفاؤها من المال». قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٧): «وتجب الزكاة في مال اليتامى؛ عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي ثور، وهو مرويّ عن عمر وعائشة وعليّ وابن عمر وجابر -رضي الله عنهم- ...». وجاء في «الروضة النديّة» (١/ ٤٦٠) -ردًّا على من يقول بإِيجابها تحت شرط: «إِذا كان المالك مُكلَّفًا»-: "اعلم أنّ هذه المقالة قد يَنْبُو --------------------- (١) التوبة: ١٠٣. عنها ذِهن من يسمعها، فإِذا راجع الإِنصاف، ووقف حيث أوقفه الحقّ، عَلِم أنّ هذا هو الحقّ، وبيانه أنّ الزكاة هي أحد أركان الإِسلام، ودعائمه وقوائمه، ولا خلاف أنّه لا يجب شيء من الأربعة الأركان؛ التي الزكاة خامستها على غير مكلّف، فإِيجاب الزكاة عليه، إِنْ كان بدليل فما هو؟ فما جاء عن الشارع في هذا شيء ممّا تقوم به الحُجّة. كما يُروَى عن النّبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر بالاتّجار في أموال الأيتام؛ لئلاّ تأكلها الزكاة، فلم يصحّ ذلك في شيء مرفوعًا إِلى النّبيّ - ﷺ - (١)، فليس ممّا تقوم به الحُجّة. وأمّا ما رُوي عن بعض الصحابة فلا حُجّة فيه أيضًا، وقد عُورِض بمِثله. وإِنْ قال قائل: إِنّ الخطاب في الزكاة عامّ كقوله: ﴿خُذْ مِن أموالهم﴾ (٢) ونحوه، فذلك ممنوع. وليس الخطاب في ذلك إِلا لمن يصلُح له الخطاب، وهم المكلّفون، وأيضًا بقيّة الأركان، بل وسائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمُكلّف، الخطابات بها عامّة للناس، والصبيّ مِن جُمْلة الناس. فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغًا لإِيجابها على غير المكلّفين؛ لكان العموم في غيرها كذلك، وأنّه باطل بالإِجماع، وما استلزم الباطل باطل، مع أنّ تمام الآية -أعني قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ - يدلّ على عدم وجوبها على الصبيّ، وهو قوله: ﴿تُطهّرهم وتزكّيهم بها﴾ فإِنّه لا -------------------- (١) انظر «الإِرواء» (٧٨٨). (٢) التوبة: ١٠٣. معنى لتطهير الصبيّ، والمجنون، ولا لتزكيته، فما جعلوه مُخصّصًا لغير المكلفين في سائر الأركان الأربعة؛ لزمهم أن يجعلوه مُخصّصًا في الركن الخامس وهو الزكاة. وبالجملة: فأموال العباد محرَّمة بنصوص الكتاب والسنَّة، لا يُحلّلها إلاَّ التّراضي، وطِيبة النّفْس. أمّا ورود الشرع كالزكاة، والدِّيَة، والأرْش، والشُّفعة (١)، ونحو ذلك، فمن زعم أنه يحل مال أحد من عباد الله، سيّما مَن كان قلمُ التكليف عنه مرفوعًا؛ فعليه البرهان، والواجب على المُنْصِف أن يقف موقف المنع حتى يزحزحه عنه الدليل. ولم يوجب الله تعالى على وليّ اليتيم، والمجنون أن يخرج الزكاة من مالهما، ولا أمَره بذلك، ولا سوّغه له، بل ورَدت في أموال اليتامى تلك القوارع التي تتصدّع لها القلوب، وترجُف لها الأفئدة (٢)». وفيها (ص ٤٦٢): «.. فمن أوجَب على الصبيّ زكاة في ماله تمسُّكًا بالعمومات، فليوجب عليه بقيّة الأركان تمسُّكًا بالعمومات. ----------------- (١) هي استحقاق الشريك انتزاع حصّة شريكه المنتقلة عنه، مِن يد مَن انتقلت إِليه.»المغني«(٥/ ٤٥٩). (٢) منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلمًا إنّما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾ [النساء: ١٠]. ومنها قوله - ﷺ -:»اجتبوا السبع الموبقات ... "، فذكَر منها أكْل مال اليتيم. [أخرجه البخاري: ٦٨٥٧، ومسلم: ٨٩]. وبالجملة: فالأصل في أموال العباد الحرمة ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ (١)،»لا يحلّ مالُ امرئٍ مُسلم إلاَّ بطيبةٍ من نفسه«(٢)، ولا سيما أموال اليتامى، فإِنّ القوارع القرآنية، والزواجر الحديثية فيها؛ أظهر من أن تُذكَر وأكثر من أن تُحصَر، فلا يأمن وليّ اليتيم إِذا أخذ الزكاة من ماله من التَّبعة، لأنه أخَذ شيئًا لم يُوجِبه الله على المالك، ولا على الوليّ ولا على المال. أما الأوّل: فلأنّ المفروض أنه صبيٌّ لم يحصُل له ما هو مناط التكاليف الشرعية؛ وهو البلوغ. وأمّا الثاني: فلأنه غير مالك للمال، والزكاة لا تجب على غير مالك. وأمّا الثالث: فلأنّ التكاليف الشرعية مختصة بهذا النوع الإِنساني؛ لا تجب على دابّة ولا جماد، والله أعلم». وسألت شيخنا -رحمه الله- عن زكاة أموال اليتامى فقال: «لا زكاة على مال من لم يبلغ سنّ الاحتلام على الراجح». وفي «تبيين المسالك» (٢/ ٦٧) للشيخ عبد العزيز الإِحسائي -بعد أن نقل أدلّة الموجب وغير الموجب- «وقال أبو حنيفة: لا تجب في مال صبي ولا مجنون واحتجّ بحديث:»رُفع القلم عن ثلاث«. وله عدة ألفاظ منها: ---------------------- (١) البقرة: ١٨٨. (٢) انظر»الصحيحة«(١٤٥٩) وله عِدّة ألفاظ منها:»لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاَّ عن طيب نفس". «رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ (وفي رواية: وعن المجنون (وفي لفظ: المعتوه) حتى يعقل أو يُفيق) وعن الصبى حتى يكبَر. (وفي رواية: حتى يحتلم)» (١). المالك المَدِين: من كان في يده مالٌ تجب الزكاة فيه، وهو مدين؛ أخرج منه ما يفي بدينه وزكّى الباقي؛ إِن بلَغ نصابًا، وإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، لأنّه في هذه الحالة فقير (٢). ومن الأدلّة على ذلك قول رسول الله - ﷺ - لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه-: «... فأخبِرهم أنَّ الله قد فرَض عليهم صدقة؛ تُؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم» (٣). وسألْتُ شيخنا -رحمه الله-: مَن ملك النصاب، وعليه ديونٌ تستغرق النصاب؛ فهل يجب عليه الزكاة أم لا؟ فأجاب -رحمه الله-: «ما دام المال في حَوْزَته، وحال عليه الحول فلا بُدّ من إِخراج الزكاة، ولو كان عليه من الدَّين ما يستغرق النصاب كلّه، فإِذا كان ينوي عدم إِخراج الزكاة؛ فعليه أن يفيَ الناس حقوقهم وديونهم». ------------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وصحّحه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٢٩٧)، وتقدّم. (٢) «فقه السنة» (١/ ٣٣٦) بتصرف. (٣) أخرجه البخاري: ١٤٩٦، ومسلم: ١٩، وتقدّم. من مات وعليه الزكاة من مات وعليه زكاة سنة أو سنتين أو أكثر؛ فإِنّها تجب في ماله، وتقدَّم على الدائنين والوصية والورثة؛ لقول الله تعالى في شأن المواريث: ﴿مِن بعْد وصيةٍ يُوصِي بها أو دين﴾ (١)، والزكاة دَينٌ قائم لله تعالى (٢). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم؛ فدَين الله أحقُّ أن يُقضى» (٣). قال الإِمام أحمد -رحمه الله تعالى-: «ومن مات وعليه زكاة أُخِذَت من تَرِكته ولو لم يوص بها ... لأنها حقٌّ واجب تصحّ به الوصيّة، فلم يسقُط بالموت، كدَين الآدمي» (٤). وذكَر الحديث. قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٦/ ١١٣): «فلو مات الذي وجَبَتْ عليه الزكاة سنة أو سنتين؛ فإِنها من رأس ماله، أقرَّ بها أو قامت عليه بيّنة، ورثه ولده أو كَلاَلهَ (٥)، لا حقّ للغرماء ولا للوصية ولا للورثة حتى تُسْتَوْفى كلها؛ سواء في ذلك العين والماشية والزرع. ------------------- (١) النساء: ١١. (٢) عن»فقه السنة" (١/ ٣٣٦) بتصرف يسير. (٣) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨. (٤) الواضح في فقه الإمام أحمد (ص ١٥٨) للدكتور علي أبي الخير. (٥) الكَلاَلة: وهو أن يموت الرجل؛ ولا يدع والدًا ولا ولدًا يرثانه، وأصله: من تكلَّله النسب: إِذا أحاط به. وقيل: الكلالة: الوارثون الذين ليس فيهم ولدٌ ولا والد، فهو واقعٌ = وهو قول الشافعي وأبي سليمان وأصحابهما». وقال -رحمه الله- (ص ١١٤): «والعجب كلّه من إيجابهم الصلاة بعد خروج وقتها على العامِد لتركها، وإِسقاطهم الزكاة ووقتها قائم عن المتعمّد لتركها». وقال -رحمه الله- (ص ١١٦): «ويُسألون عن الزكاة، أفي الذّمّة هي أم في عين المال؟ ولا سبيل إِلى قسم ثالث! فإِنْ قالوا: في عين المال، فقد صحّ أنّ أهل الصدقات شركاء في ذلك المال، فمن أين وجب أن يبطل حقّهم؛ وتبقى ديون اليهود والنصارى؟ وإنْ قالوا: في الذِّمّة، فمن أين أسقطوها بموته؟!». أداؤُها وقت الوجوب (١) يجب إِخراج الزكاة فورًا عند وجوبها، ويحرُم تأخير أدائها عن وقت الوجوب. فعن عُقبة بن الحارث -رضي الله عنه- قال: «صلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - العصر، فلّما سلّم؛ قام سريعًا حتى دخَل على بعض نسائه، ثمَّ خرج ورأى ما ------------------- = على الميت وعلى الوارث بهذا الشرط. [وقال القُتيبي]: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يُخَلِّفهما فقد مات عن ذَهاب طرفيه، فسمّى ذَهاب الطرفين كلالة. وقيل: كلُّ ما احْتَفّ بالشيء من جوانبه فهو إِكليل، وبه سُمّيت؛ لأن الوُرَّاثَ يُحيِطون به من جوانبه. (١)»فقه السنة" (١/ ٣٣٧) بتصرف. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|