تفسير قوله تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة القدر... }
تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ... ﴾
د. عبدالفتاح بن صالح الرصابي القعطبي
قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾ [القدر: 1 - 5].
معاني الكلمات الواردة في السورة[1]:
قوله تعالى:( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ)؛ أي: إنَّا أنزلنا هذا القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، (فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)، وهي ليلة الحُكْم التي يقضي الله فيها قضاء السنة، (وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ): تفخيمٌ لشأنها؛ أي: لم تبلغ درايتك أي علمك غاية فضلها، ثمَّ أدراه؛ أي: أعلمه تعالى بعد ذلك بقوله تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)؛ أي: عمل في ليلة القدر ممَّا يرضي الله خيرٌ من عمل ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر، (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا)؛ أي تنزَّل الملائكة ومعهم جبريل، وهو الروح، في ليلة القدر، (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)؛ أي بأمره القدري، (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)؛ أي: من كلِّ أمر قضاه الله في تلك السنة، من رزق وأجل وغير ذلك، (سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ): سلام ليلة القدر من الشرِّ كلِّه من أوَّلها إلى طلوع الفجر من ليلتها.
ـــومن فضائل ليلة القدر في السورة [2]:
ــــ أنزل الله فيها القرآن الذي به هداية البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
ـــ ومنها: أنَّ الله تعالى يقدِّر فيها الأرزاق والآجال وحوادث العالم كلها، ويدفع ذلك إلى الملائكة لتمتثله؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ﴾ [الدخان: 3، 4]؛ أي: في ليلة القدر يُفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وغير ذلك.
ــــ ومنها: أنَّ ليلة القدر تكسب من أحياها قدرًا عظيمًا لم يكن له قبل ذلك، وتزيده شرفًا عند الله تعالى.
ــــ ومنها: أنَّها خير من ألف شهر.
ــــ ومنها: أنَّ الملائكة تتنزل فيها، وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة.
ــــ ومنها: أنَّها سلام، لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله عزَّ وجلَّ.
ــــ ومنها: أنَّ الله أنزل في فضلها سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة.
ــــ ومن فضائل ليلة القدر في السنة ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ــــ صلى الله عليه وسلم ــــ قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه»، فقوله: «إيمانًا»؛ أي: مصدِّقًا بالثواب على قيامها، و«احتسابًا»؛ أي: مريدًا بذلك وجه الله، بريئًا من الرياء والسمعة، راجيًا عليه ثوابه، وهذا حاصل لمن علم بها ومن لم يعلَم؛ لأن النبي ــــ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـــــ لم يشترط العلم بها في حصول هذا الأجر.
ــــ وعن أنس بن مالك ــــ رضي الله عنه - قال: دخل رمضان، فقال رسول الله ـــــ صلّى الله عليه وسلّم ـــــ: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خيرٌ من ألف شهر، مَن حُرمها فقد حرِم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم»[3]، والمحروم هو الذي لا حظَّ له في السعادة، فيحرم لطف الله وتوفيقه، ومنع من الطاعة فيها والقيام بها، ولعلَّ هذا هو الذي فاته العشاء تلك الليلة أيضًا.
[1] ينظر: تفسير الطبري، (24/ 542)، البحر المحيط في التفسير (10/ 514).
[2] ينظر: شرح الصدر بذكر ليلة القدر، للعراقي، (ص: 17)، تفسير ابن كثير، (7/ 226)، تفسير العثيمين، (ص: 274).
[3] أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الصيام، باب ما جاء في الصيام وفضله، برقم (1644)، وحسن إسناده الألباني في مشكاة المصابيح، (1/ 612)، وانظر: حاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/ 504).
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|