![]() |
![]() |
|
|
#1 |
|
|
صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه فاطمة الأمير كثيرًا ما كان يتردد على مسامعي كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( «خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهُوا» ))؛ رواه البخاري ومسلم، كنت في سن صغيرة وكنت أتساءل عن معنى هذا الحديث وأتعجب منه! كيف يكون من الأخيار في الجاهلية ويكون هو نفسه من الأخيار في الإسلام؟ حتى فهمت معناها يوم قرأت في سيرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأنَّ أكرم الناس من حيث النسب والمعادن والأصول، هم الخيار في الجاهلية، لكن بشرط أن يفقهوا في دين الله، وأن يتعلموا أحكامه، فإن لم يحصل لهم الفقه في الدين، فإنَّ شَرَف النَّسب لا يشفع لصاحبه، حتى وإن عَلا نسبُه وكان من خيار العرب نسبًا ومعدنًا؛ فاستشعرت حلاوة الإسلام الذي يجعل المسلم يحتفظ بتلك الخيرية بعد إسلامه، ولكنها خيرية ممزوجة بحلاوة الإسلام، فعمر بن الخطاب انقلب حاله ما بين ليلة وضحاها لم يأخذ وقتًا في التفكير، فما إن سمع القرآن حتى تلألأ نور الإيمان في قلبه، إنه الإسلام الذي إن وقر في القلب تبدلت القلوب في أقل من طرفة عين، وما ذلك على الله بعزيز. إنه الإسلام الذي يستطيع أن يعيد برمجة تلك القلوب المعادية له، فبالأمس كان عمر بن الخطاب من أشدِّ الناس عداوة للإسلام والمسلمين، فما إن أصابته سهام دعوات الرسول صلى الله عليه وسلم حتى امتلأ قلبه بنور الإسلام، فشتان بين عمر في الجاهلية وبين عمر بعد الإسلام، نسبه وصفاته كما هي ولكنه أعاد توظيفها لخدمة الإسلام والمسلمين، فالإسلام لا يلغي الطبائع وإنما يُهذِّبها، ولا يهدم الصفات إنما يعيد استخدامها من جديد؛ فأصبحت قوة عمر وحزم عمر ورقة عمر ولين عمر وعدل عمر وحكمة عمر، كلها تحيا وتزداد لخدمة الإسلام والمسلمين منذ لحظة إعلانه للشهادة، فكأن عمر بن الخطاب شخص ولد من جديد، وبطل ليت الأمة الإسلامية لو أنجبت منه الكثير، هكذا كان عمر من خيارهم في الجاهلية وخيارهم في الإسلام. فهيا نتعرف على عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وإن كانت الكلمات حقًّا لا تصفه ولا تعطيه قدره. اسمه: عُمر بن الخطَّاب بن نُفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبدالله بن قُرط بن رَزاح بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي العَدويّ. وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم. يَجتمع نسبه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي بن غالب. كنيته: أبو حفص، وهي كُنية، وليس له ولد بهذا الاسم. لقبه: الفاروق، ولُقِّب به؛ لأنه أظهر الإسلام بمكَّة، ففرَّق الله به بين الحق والباطل. مولده: وُلِد عمر رضي الله عنه بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة. حياته قبل الإسلام: تعَلَّم القراءة والكتابة في الجاهلية، فقد كان من القلة القلائل الذين يقرأون ويكتبون في مكة، وتحَمَّل المسؤولية صغيرًا، ونشأ نشأة بها غلظة وشدة، فلم يعرف حياة الترف يومًا، فلقد دفعه أبوه الخطاب إلى المراعي ليرعى له إبله، ثم اشتغل بالتجارة حتى أصبح من أغنياء مكة، وكانت له مكانة بارزة في مكة بين رؤسائها؛ قال ابن الجوزي: "كانت إليه السفارة في الجاهلية، وذلك إذا وقعت بين قريش وغيرهم حرب بعثوه سفيرًا، أو إن نَافَرَهم حيٌّ المفاخرة بعثوه مُفاخِرًا، ورَضُوا به". فماذا عن عمر ومعتقداته؟ إن لكل إنسان منا حياةً أخرى قبل الالتزام وبدء التوبة، حياة قد تكون مليئة بالكبائر والصغائر من الذنوب، مليئة باللهو وحب الدنيا، فإذا بالناظر ييأس من هداية هؤلاء الأشخاص، ولكن هيهات هيهات فها هو سيدنا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- شتان بين حياته قبل الإسلام وبعده، شتان بين حياة الكفر واللهو، وحياة الإسلام. اعتنق عمر بن الخطاب الوثنية سبعًا وعشرين سنة قبل الإسلام، وحتى بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أظهر عمر العداء للإسلام، فكان شديد العداوة للرسول صلى الله عليه وسلم، وقام باضطهاد المسلمين بكل ما أوتي من قوة، بل امتدَّ إيذاؤه إلى أقرب الناس له رحمًا، وكان شاربًا للخمر، فقد روي عنه أنه قال: "وإني كنت لأشْرَبَ الناسِ لها في الجاهلية"؛ رواه البيهقي في السنن الكبرى. هكذا كان عمر في الجاهلية، فلشدة انغماسه في بعض رذائل الجاهلية يخيل إلى الكثيرين أنه من المستحيل أن يتغيَّر حاله، ولكن هذه رسالة من الله -عز وجل- يقول لنا فيها إنه لا يعجزه هداية أحد، يقول لنا مهما بلغت من الذنوب مبلغك فلك فرصة أن تعود إلى الله بقلب جديد، ولنا في قصة الفاروق وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم ما يطمئن القلوب الحائرة، عندما تحدث نفسها، هل لي من توبة، أيقبلني الله بعد كل شذراتي؟ نعم يقبل ويغفر ويمحي ما مضى، ويعطي على ما هو آتٍ من بعد التوبة، فإن شككت ولو للحظة واحدة في قرع الباب فتذكَّر كيف كان عمر بالأمس واليوم. فإن كان لك نصيب من التوبة والعودة بقلب جديد مثل عمر بن الخطاب فلتهرول باغتنام ما بقي من عمرك ما دمت حيًّا تُرزَق. هذه قطفة يسيرة من سيرة الفاروق قبل إسلامه. فاطمة الأمير. اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#2 |
|
|
صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه: وأسْلَمَ عُمَرُ (2) فاطمة الأمير كم مرةٍ دثَّرتنا دعواتُ مَن نُحبُّ فكانت سببًا في بداية حياة جديدة لنا، بدايةٍ لم نكن نحلُم أن نرتقي لها، فكيف إذا كان من يدعو لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهنيئًا لمن خصَّه النبي بدعائه. لقد كانت بداية إسلام عمرَ دعوةً صادقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين دعا ربه أن يُعِزَّ الإسلام بعمر بن الخطاب؛ فعـن عبـدالله بن عباس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللـهـم أعِزَّ الإسلام بأحبِّ هذين الرجلين إليك: بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب، قال: وكان أحبها إليه عمرُ» [رواه الترمذي وصححه الألباني]. وكان هـذا في أول الأمر، ثم خُصَّ عُمرُ بالدعاء؛ فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أعزَّ الإسلام بعمرَ بن الخطاب خاصة» [رواه ابن حبان، وصححه الحاكم والذهبي]. وكان أول مرة يسمع فيها عمر بن الخطاب عن دعوة النبي له قبل يوم من إسلامه من عبدالله بن مسعود؛ إذ ضرب أبو جهل عبدَالله بن مسعود وطرحه أرضًا، فرقَّ له قلب عمر بن الخطاب، ومدَّ إليه يده ليساعده على النهوض، فقال له: " «والله إنك خير الرجلين، ما أظن دعاء الرسول يُخطئك» ". وها هي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تحققت، وأسلم عمر بن الخطاب، مع أن كثيرًا من الناس كان يائسًا من إسلام عمرَ، فيروي لنا عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أمه ليلى، قالت: "كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة، فأتى عمر بن الخطاب وأنا على بعيري وأنا أريد أن أتوجَّه، فقال: أين يا أم عبدِالله؟ فقلت: آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله لا نُؤذَى في عبادة الله، فقال: صحِبكم الله. ثم ذهب فجاء زوجي عامر بن ربيعة، فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: تَرْجِين أن يُسلِم؟! فقلت: نعم، فقال: والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب"؛ [رواه الطبراني]. هكذا طمع بعض المسلمين في إسلام عمر بن الخطاب، فلله في خلقه تدابيرُ خفِيَّة إن أراد بهم خيرًا اختصهم، فكانوا ممن صدق فيهم قول الله عز وجل: {﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾} [القصص: 56]. قال أهل السير: وكان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له يوم الأربعاء، فأسلم يوم الخميس، فقد كان إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فتحًا عظيمًا أعزَّ الله به الإسلام والمسلمين، وكان إسلامه في ذي الحجة سنة ستٍّ من النبوة، بعد ثلاثة أيام من إسلام حمزة رضي الله عنه. كان هذا الدعاء من أجمل وأنفع الدعوات التي دعاها رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى ربه في علاه، واستجاب له ربه ورزقه بإسلام "الفاروق"، اللقب الذي أطلقه عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله فرَّق به بين الحق والباطل. وقيل: إنه أسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثةٌ وثلاثون رجلًا وستُّ نسوةٍ، ثمَّ أسلم عمر رضي الله عنه؛ فنزلت هذه الآية: {﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾} [الأنفال: 64]، والمعنى: يكفيك الله، ويكفي من اتَّبعك من المؤمنين. لقد أضاف إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه للمسلمين قوةً ونصرًا، لقد أعزَّنا الله بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكم تمنيت مع كل حدثٍ مؤلم يُصيب المسلمين أن يكون عمر بن الخطاب بيننا! بقلم/ فاطمة الأمير |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#3 |
|
|
صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه:على خطى الحبيب وصاحبه (3) فاطمة الأمير عاش عمر بن الخطاب في رحاب الإسلام، فها هي العداوة تنقلب إلى محبة؛ بل تنقلب إلى صحبة وأي صحبة، إنها صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقربَّه النبي صلى الله عليه وسلم منه، وجعله وزيره ومستشاره، وولَّاه الكثير من الأعمال، كان جابيًا للصدقات، وأمينًا على بيت المال، وكاتبًا للوحي، الكثير من الأمور التي جعلت لعمر منزلة رفيعة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلَّلت تلك الصداقة والمحبة بزيادة الرابطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم بزواج النبي صلى الله عليه وسلم من ابنته السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «"أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ((عَائِشَةُ))، فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: ((أَبُوهَا))، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب)، فَعَدَّ رِجَالًا"» ؛ [رواه البخاري ومسلم] . ثم تولَّى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة بعد أبي بكر الصديق، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، فكان امتدادًا لصاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، يسير كلاهما على خُطى الحبيب صلى الله عليه وسلم؛ فحينما دخل عمر رضي الله عنه بيت المقدس، وسلموا له مفاتيحه صَلَّى في بيت المقدس حيث صَلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ روى الإمام أحمد من طريق أبي سلمة، قال: حدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صَليتَ خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك؛ فقال عمر رضي الله عنه: ضاهيتَ اليهودية، لا؛ ولكن أُصَلِّي حيث صَلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى القِبْلة فصَلَّى، ثم جاء، فبسط رداءه، فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس. فلا يستطيع أحد أن يقول عنه إلا أنه اتبع حقًّا نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنصت حقًّا إلى وصية صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه في آخر أيامه، حينما أوصى عمر بن الخطاب وقال له: أوصيك بتقوى الله يا عمر. ما أعظمها من وصية! فالصاحب الحق هو من يعطي النصيحة لصاحبه حتى لو كان صاحبه ممن يتقي الله، لقد علم أبو بكر الصديق أن السلطة فتنة لصاحبها، ففيها يمتلك القوة والمال والنفوذ، فنادرًا ما يملك ولاة الأمور هؤلاء ولا يطغوا، فأراد أبو بكر أن يذكر عمر بن الخطاب بتقوى الله في المعاملات، وألا يطغى على الضعفاء؛ فكانت خير وصية من خير صاحب. فأين الآن تلك الوصايا بين أصحاب القوة والسلطة والجاه؟! فرحم الله صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو أول من سُمِّي بأمير المؤمنين، وكان تقيًّا ورعًا زاهدًا، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد كثرت الفتوحات في عهده، وسقطت دولتَي فارس والروم، وكانت هذه من أعظم الإنجازات في عهده، وأصيب الناس في إحدى سنوات عهده بمجاعة شديدة، أجدبت الأرض، وانقطع المطر، وسُمِّي ذلك العام عام الرمادة، فكان يأكل الخبز والزيت، ويقول: لن أشبع حتى يشبع أطفال المسلمين، ما أعظمك يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفيق دربه! وكان يقول: لو أن بغلة عثرت في طريق العراق لخشيت أن يسألني الله عنها يوم القيامة. وفي صحيح البخاري من حديث عمرو بن ميمون الأنصاري أنه قال: "شهدت عمر قبل موته بأيام، وهو يقول: لئن سلمني الله لأجعلن أرامل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدًا، فما أتت عليه رابعة إلا وأصيب". فليتك كنت بيننا اليوم يا عمر. بقلم/ فاطمة الأمير |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#4 |
|
|
صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه إذا ذُكِرَ عُمَرُ ذُكِرَ العدلُ (٤) فاطمة الأمير لم تشهدِ الدولة الإسلامية عهدًا أعظمَ من عهده؛ ولذلك فالحديث عن عمر بن الخطاب له وَقْعٌ خاصٌّ على القلب، نسترجع معه تلك الحِقبة العظيمة من الزمن؛ ففي خلافته رضي الله عنه اتسعت الدولة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وكثُرت الفتوح الإسلامية للبلاد، ففُتح في عهده الشام والعراق وإيران وأذربيجان، ومصر وليبيا، وتسلَّم عمرُ مفاتيحَ الْمَقْدِس، وكثُر في عهده الأموال، وامتلأ بيت المال، فلم تشهدِ الدولة الإسلامية عهدًا أعظم من ذلك العهد ولا خلافةً أفضل من خلافة عمر بن الخطاب. قوة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ومن أجمل القصص التي رُويت لنا عن قوة عمر رضي الله عنه أن جميع المسلمين هاجروا سرًّا إلا عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه هاجر علنًا، وفي وضَحِ النهار، وأمام مرأى ومَسْمَع من المشركين. أخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه قال: "ما علمت أحدًا هاجر إلا مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب؛ فإنه لما همَّ بالهجرة، تقلَّد سيفه، وتنكَّب قوسه - فوضعه في منكبه - وانتضى - وأخرج من كِنانتِهِ - أسهُمًا، وأتى الكعبة وأشراف قريش بفنائها، فطاف سبعًا ثم صلى ركعتين عند المقام، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت - وقبحت الوجوه - من أراد أن تَثْكِلَه – وتفقده - أمُّه، ويَيْتَمُ ولده، وترمَّل زوجته، فلْيَلْقَني وراء هذا الوادي"، فما تجرأ أن يتبعه أحدٌ. وعن ابن عمر قال: "لما أسلم عمر بن الخطاب لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أفشى للحديث؟ فقالوا: جميل بن معمر الجمحي، فخرج إليه وأنا أتْبَعُ أثره، أعقِل ما أرى وأسمع، فأتاه فقال: يا جميل، إني قد أسلمت، فقال: فوالله ما ردَّ عليه كلمة، حتى قام عامدًا إلى المسجد، فنادى أندية قريش، فقال: يا معشر قريش، إن ابن الخطاب قد صبأ، فقال عمر: كذَب، ولكني أسلمت وآمنت بالله وصدقت رسوله، فثاوروه فقاتلهم حتى ركدت الشمس على رؤوسهم، حتى فتر عمر، وجلس فقال: افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم. فبينا هم كذلك قيام إذ جاء رجل عليه حُلَّةُ حريرٍ، وقميص موشَّى، فقال: ما لكم؟ فقالوا: إن ابن الخطاب قد صبأ، قال: فمَهْ، امرؤٌ اختار دينًا لنفسه، أتظنون أن بني عَدِيٍّ تُسلِّم إليكم صاحبهم؟ قال: فكأنما كانوا ثوبًا انكمش عنه، فقلت له بعدُ بالمدينة: يا أبتِ، مَن الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال: يا بني، ذاك العاص بن وائل". الشدة واللين في قلب عمر بن الخطاب: لعل قوة عمر كانت توحي دائمًا بشدته، لكن في الواقع لقد امتزجت شدة عمر بن الخطاب باللين امتزاجًا عجيبًا، فهو والله شخصية عظيمة؛ إذ تجعلك منجذبًا له مع كل صفة نذكرها من صفاته وأخلاقه، لما وَلِيَ عمرُ الخلافة نادى بالصلاة جامعة، ثم صعِد منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "بلغني أن الناس هابوا شِدَّتي، وخافوا غلظتي، وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر والينا دونه، فكيف وقد صارت الأمور إليه؟ ومن قال ذلك، فقد صدق؛ فقد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكنت عبده وخادمه، وكان من لا يبلغ أحدٌ صفته من اللين والرحمة، وكان كما قال الله عز وجل: {﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾} [التوبة: 128]، فكنت بين يديه سيفًا مسلولًا حتى يغمِدني أو يَدَعني فأمضيَ، فلم أزَلْ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك حتى توفَّاه الله وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيرًا، وأنا به أسعد. ثم وَلِيَ أمرَ المسلمين أبو بكر، فكان من لا ينكرون دَعَتَه وكرمه ولينه، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدتي بلينه، فأكون سيفًا مسلولًا، حتى يغمِدني أو يدعني فأمضي، فلم أزل معه كذلك حتى قبضه الله عز وجل وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك كثيرًا، وأنا به أسعد. ثم إني قد وليت أموركم أيها الناس، فاعلموا أن تلك الشدة قد أُضعفت، ولكنها إنما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، فأما أهل السلامة والدين والقصد، فأنا ألين لهم من بعضهم لبعض"؛ هذه كانت كلمات أمير المؤمنين في أول خلافته؛ وهكذا قال الله عز وجل في كتابه العزيز: { ﴿ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾} [الفتح: 29]، هكذا كان عمر بين الشدة واللين، فلم ينكر عمر رضي الله عنه ما قاله الناس عن شدته، وكيف ينكر تلك الشدة وهي تُستعمل على أهل الظلم والتعدي على المسلمين؟ لا يخاف في الله لومةَ لائمٍ: تخرَّج عمر بن الخطاب في المدرسة المحمدية، واتصف بالكثير من الصفات، آخذًا خِصالَ العدل من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد عرَف عنه العدل، فالعدل عنده منهج رباني يسير عليه بخُطى ثابتة، فقيل عنه: إنه لا يخاف في الله لومة لائم، ويقيم الحدود على القريب والبعيد، المسلم والكافر، حتى إنه لَيُضرب به المثل في ذلك الأمر. فإذا ذُكِرَ عُمَرُ ذُكِرَ العَدلُ، وإذا ذكر العدل ذكر عمر. فهل رأيت شخصًا بلغ عدله أن قضى بالحق لصاحبه وإن كان يهوديًّا، فشهِدوا له بذلك؛ روى الإمام مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب "أن عمر بن الخطاب اختصم إليه مسلم ويهودي، فرأى عمر أن الحق لليهودي فقضى له، فقال له اليهودي: والله لقد قضيت بالحق". لو كنت سمعت هذا الحديث على رجل عادي لكنت تعجبت، ولكنه حقًّا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلا أتعجب من عدله، فقليلٌ من هُمُ اليوم في مثل عدل الفاروق. وها هو رسول كسرى يشهد بعدل عمر حينما قال مقولته المشهورة: "عَدَلت فأمِنتَ فنِمتَ". قال حافظ إبراهيم: قد راع صاحب كسرى أن رأى عمرًا بين الرعية عطلًا وهو راعيها وعهدُه بملوك الفرس أن لها سورًا من الجند والأحراسِ يحميها رآه مستغرقًا في نومه فرأى فيه الجلالةَ في أسمى معانيها فوق الثرى تحت ظل الدَّوح مشتملًا ببُردةٍ كاد طولُ العهد يُبليها فهان في عينه ما كان يكبره من الأكاسرِ والدنيا بأيديها وقال قولةَ حق أصبحت مثلًا وأصبح الجيلُ بعد الجيل يرويها أمِنتَ لما أقمتَ العدل بينهم فنمتَ نومَ قريرِ العين هانيها بقلم / فاطمة الأمير |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#5 |
|
|
صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه الرحمة العمرية (5) فاطمة الأمير ما زلنا نعيش مع شخصية عمر بن الخطاب، تلك الشخصية العجيبة، فإذا كنا تحدثنا عن قوته وشدته، فالآن نتحدث عن رحمته، فلكل إنسان خبايا من الرحمة مهما بلغت شدته أو قوته، لكنَّ رحمةَ عمرَ لم تكن من الخبايا، بل عنوانًا أصيلًا في شخصيته. رحمته بالرعية: وأما عن رحمة وتواضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلكل إنسان خبايا من الرحمة مهما بلغت شدته أو قوته، فها هي رحمة عمر بن الخطاب تظهر في تلك المواقف، فتُعلِن عما حَوَتْهُ نفسه من رحمة عميقة بمن حوله، فمن رحمته بالرعية أنه كان يشترط في وُلاتِهِ الرحمة والشفقة على الرعية، وكم مرةٍ أمَرَ قادته في الجهاد ألَّا يُغرِّروا بالمسلمين ولا ينزلوهم منزل هَلَكَةٍ، وكتب عمر لرجل من بني أسْلَمَ كتابًا يستعمله به، فدخل الرجل على عمر وبعض أولاد عمر على حِجْرِ أبيهم يُقبِّلهم، فقال الرجل: "تفعل هذا يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما قبَّلت ولدًا لي قط، فقال عمر: أنت والله بالناس أقل رحمة، لا تعمل لي عملًا"، وردَّه عمر فلم يستعمله؛ لقد كان لعمر بُعْدُ نظرٍ وحكمة من هذا القرار، لقد رأى أنه كيف لمن لا يمتلك رحمة في قلبه لأهل بيته أن تكون بداخله رحمة لمن سيتولى أمرهم، ويكون واليًا عليهم. رحمة أمير المؤمنين الممزوجة بالتواضع: ويُروى عن رحمة عمر الممزوجة بالتواضع، أنه كان من عادة الفاروق أن يخرج ليتفقد أحوال رعيته، فخرج ذات ليلة فإذا امرأة تلد وتبكي، وزوجها لا يملك حيلة، فأسرع عمر رضي الله عنه إلى بيته، فقال لامرأته أم كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب: هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ ثم أخبرها الخبر، فقالت: نعم. فحمل عمر على ظهره دقيقًا وشحمًا، وحملت أم كلثوم ما يصلح للولادة، وجاءا، فدخلت أم كلثوم على المرأة، وجلس عمر مع زوجها يحدثه ويطمئنه، ويُعِدُّ معه الطعام، فوضعت المرأة غلامًا، فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين، بشِّر صاحبك بغلام، فلما سمع الرجل قولها استعظم ذلك، وأخذ يعتذر إلى عمر، فقال عمر رضي الله عنه: لا بأس عليك، ثم أعطاه ما ينفقون وانصرف. فأين حُكَّام اليوم ليشاهدوا حال عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين، وهو يتفقد رعيته ويعمل على راحتهم؟ أين هم ليتعلموا فقه التواضع والرحمة في الإمارة والخلافة، ويُحقِّقوا الرحمة بين الرعية؟ رحمته بالدواب: أما عن رحمته بالدواب، فلقد ارتقى قلبه لمنزلة أشد رحمة، حتى كان يقول: "لو مات جملٌ في عملي ضياعًا على شطِّ الفرات، لَخشيتُ أن يسألني الله عنه". رحمته بالمشركين: وأما عن رحمة عمر بن الخطاب بالمشركين، فها هو الفاروق يبثُّ نصائحه لجنوده أثناء قتالهم لنشر دين الله؛ يقول ابن عمر قال: "كتب عمر إلى أمراء الأجناد: ألَّا تقتلوا امرأةً ولا صبيًّا، وأن تقتلوا من جرت عليه المواسي"؛ [مصنف ابن أبي شيبة (33119)، بسند صحيح]. إنها حقًّا رحمة عمر التي شمِلت الصغار والكبار، والرجال والنساء، والإنسان والحيوان، والمسلم والكافر، هكذا كان يَرِقُّ قلب الفاروق، فيا ليته كان بيننا اليوم. ولكنَّ تلك الرحمة لا يمكن أن تأتي في غير موضعها، أو تتعارض مع الحق، فقد كان شديدًا في الحق؛ فقد أشار عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم في أُسارى بدر أن يقتلهم، فقال: «((يا رسول الله، أخرجوك وكذَّبوك، قرِّبهم فاضرب أعناقهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مَثَلَك يا عمر كَمَثَلِ نوح قال» : {﴿ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴾} [نوح: 26]، وإنَّ مَثَلَك يا عمر كَمَثَلِ موسى قال: {﴿ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾} [يونس: 88]))؛ [رواه الإمام أحمد]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه: «((والذي نفسي بيده، ما لَقِيَك الشيطان قط سالكًا فَجًّا، إلا سلك فجًّا غير فَجِّـك))» ؛ [رواه البخاري ومسلم]. ترعرع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كَنَفِ والده، فورِث منه الصرامة والشدة والحزم، فكان لا يقبل أنصافَ الحلول، فظهر حزمه في بعض المواقف؛ يَروِي لنا سويد بن غفلة رحمه الله: "جاء يهودي إلى عمر بن الخطاب وهو بالشام يستعدي على عوف بن مالك الأشجعي أنه ضربه وشجَّه، فسأل عمرُ عوفًا عن ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، رأيته يسوق بامرأة مسلمة فنخس الحمار ليصرعها فلم تُصرع، ثم دفعها فجرت عن الحمار، ثم تغشَّاها، ففعلت ما ترى. فذهب إليها عوف، وأخبرها بما قال لعمر، فذهبت لتجيء معه، فانطلق أبوها وزوجها فأخبروا عمر بذلك. قال: فقال عمر لليهودي: والله ما على هذا عاهدناكم، فأمر به فصُلب، ثم قال: يا أيها الناس: فُوا بذمَّةِ محمدٍ، فمن فعل منهم هذا، فلا ذمة له". بقلم/ فاطمة الأمير |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#6 |
|
|
صفحات مضيئة من حياة الفاروق رضي الله عنه: الفاروق وصلح الحديبية (6) فاطمة الأمير موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه من صلح الحديبية: كان للفاروق عمر موقف من صلح الحديبية، لقد ظل الحزن مسيطرًا عليه وعلى الصحابة رضي الله عنهم، فكان مما دار بين الرسول صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب رضي الله عنه ما يعبر عن مدى الحزن والأسى في قلب عمر والصحابة رضوان الله عليهم من هذا الصلح، ففي صحيح البخاري ومسلم يقول عمر بن الخطاب، «(فقلت: ألست نبي الله؟) فالرسول عليه الصلاة والسلام بسعة صدر عجيبة وبكل هدوء قال: ((بلى))، قلت: (ألسنا على الحق وهم على الباطل؟)، فقال صلى الله عليه وسلم: ((بلى))، قلت: (فلِمَ نعطي الدنية في ديننا؟)» . هذا كلام خرج من فم عمر لحرقة قلبه وغيرته على الإسلام؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حشاه أن يعطي الدنية أبدًا في دينه؛ لكن هكذا صرح عمر بن الخطاب بهذه الكلمات التي كانت في قلوب كثير من الصحابة، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على التصريح بها، فقال صلى الله عليه وسلم كلمات واضحة تنم عن معرفته بما يفعل، كلمات تحمل بداخلها الثقة بالله وأن الله سينصره، قال: «((إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري))» ، نعم إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يضيعه أبدًا. وفي رواية: ((ولن يضيعني أبدًا)) يعني: أن هذا وحي من رب العالمين سبحانه وتعالى، وهو عز وجل أمرني ولن أعصيه في هذا الأمر، يقول لعمر، وكأنه قرأ من كلمات عمر ما في قلوب الصحابة وليس عمر فقط، وكأنه يقول لهم اصبروا وثقوا بي، إن هذا الأمر الذي تكرهونه سترون من ورائه خيرًا إن شاء الله. ورغم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمر الذي غُلف بسعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن عمر رضي الله عنه قال: «(أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟)» . والله لقد شعرت من كلمات سيدنا عمر رضي الله عنه أنها تعبر عن مدى المأساة التي كان يعيشها عمر رضي الله عنه وأرضاه والصحابة أجمعين، شعرت بمدى تلك الغصة التي بداخلهم، شعرت وكأني معهم والغضب بداخلي، وصلت إلى ما وصلوا إليه، شعرت وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يحدثني معهم، هكذا صبر الحبيب صلى الله عليه وسلم على كلمات عمر بن الخطاب، وقال له: ((بلى))، قال: «((أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟))» ، قال عمر: (لا) يعني: أنا أخبرتكم أننا سندخل مكة المكرمة معتمرين إن شاء الله، لكن ما ذكرت لكم أن هذا يكون في هذا العام. وقال صلى الله عليه وسلم: (( «فإنك آتيه ومتطوف به» ))، قال رسولنا الحبيب هذا الكلام بكل يقين وثقة؛ لأن هذا وعد رب العالمين سبحانه وتعالى، فهل أُخمدت نار الغيرة على دين الله وعلى رسول الله في قلب عمر بن الخطاب؟ كلا والله، فلقد ذهب عمر بن الخطاب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه، فقال له: (يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا؟) حشاه عمر أن يقولها مستنكرًا، إنما هي كلمات تحمل الكثير من الغيرة على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى الإسلام، فما زال يتحدث مع أبي بكر، (قال أبو بكر: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا) وها هو أبو بكر رضي الله عنه الرجل الهادئ الحكيم لما سمع هذه الكلمات انتفض وقال: (يا عمر، إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس يعصي ربه عز وجل، وهو ناصره) فكانت كلمات الصديق رضي الله عنه وأرضاه دون أن يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تتوافق مع نفس كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم مناقب الصديق كما يقول ابن حجر العسقلاني رحمه الله في شرح صحيح البخاري، ثم إن الصديق يعطيه نصيحة هامةً جدًّا وهي له ولعموم الأمة الإسلامية، قال: (فاستمسك بغرزه) يعني: أي خطوة يخطوها صلى الله عليه وسلم استمسك بها، تمسك بسنته، قال: (فاستمسك بغرزه حتى تموت، فو الله إنه لعلى الحق). وما زال عمر رضي الله عنه يعترض، فقال: (أوليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟)، رد عليه الصديق: (قال: بلى، ثم قال: أفأخبرك أنه يأتيه العام؟) سبحان الله! نفس كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم: (أفأخبرك أنه يأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومتطوف به)، لقد كان لدى الصديق يقين تام وإيمان كامل بالله عز وجل وبرسوله الحبيب، وكيف لا يصدقه في كلماته وهو الذي صدقه وآمن به منذ حدثه عن الإسلام، وهذا يدل على أن الصديق رضي الله عنه أعظم البشر بعد الأنبياء. يا الله، كم أحب أن أقرأ هذا الحوار بين عمر ورسول الله، وبين عمر وأبي بكر الصديق! فكلما تعاظم في نفسي حال المسلمين أتذكر هذا الحديث الراقي المغلف بحسن كلمات عمر وغيرته، وبسعة صدر الحبيب صلى الله عليه وسلم، وبثقة أبي بكر الصديق، فأتساءل: هل يوجد اليوم مثل عمر وغيرة عمر على الإسلام والمسلمين، هل يوجد مثل سيف عمر في قوته وعدله، فكم من موقف مَرَّ على المسلمين احتجنا أن نرى فيه موقفًا مثل موقف عمر من صلح الحديبية، لقد عجبت لحالنا، وكلما قرأت في سيرة الفاروق ازددت يقينًا أننا اليوم نحتاج إليه فيما بيننا. رحم الله الفاروق عمر بن الخطاب لو كان بيننا اليوم ما تجرأ اليهود وأمثالهم على تخطي شبر واحد من أراضي المسلمين، ولا قامت لهم دولة ولم تبطش لهم يد أبدًا. بقلم/ فاطمة الأمير |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| جليبيب رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 4 | 09-08-2024 06:03 PM |
| شبهة خروج عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين لقتال علي رضي الله عنه | ابو عبد الرحمن | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 8 | 09-23-2018 06:05 PM |
| عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه | البكر | قسم السيرة النبوية | 3 | 02-12-2017 06:00 PM |
| محاضرة للشيخ على القرنى صور وعبر من حياة امير المؤمنين عمر رضى الله عنه | الشيخ ابوسامح | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 1 | 10-10-2016 05:33 PM |
| أروع ماقيل في الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه | أبو ريم ورحمة | ملتقى فيض القلم | 3 | 08-30-2012 09:17 AM |
|
|