عرض مشاركة واحدة
قديم 07-22-2026, 11:35 PM   #369

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة النور
من صـ 218 الى صــ 232
الحلقة (369)






عن عبد الله قال في قوله "ولا يبدين زينتهن" الزينة القرط والدملوج والخلخال والقلادة وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال : الزينة زينتان فزينة لا يراها إلا الزوج : الخاتم والسوار وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب وقال الزهري : لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا يحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم وقال مالك عن الزهري "إلا ما ظهر منها" : الخاتم والخلخال ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين وهذا هو المشهور عند الجمهور ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا : حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال : "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي هو مرسل .
خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها والله أعلم .
وقوله تعالى "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" يعني المقانع يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية فإنهن لم يكن يفعلن ذلك بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن كما قال تعالى "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين" وقال في هذه الآية الكريمة "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" والخمر جمع خمار وهو ما يخمر به أي يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس المقانع .

قال سعيد بن جبير "وليضربن" وليشددن "بخمرهن على جيوبهن" يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء وقال البخاري حدثنا أحمد بن شبيب حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" شققن مروطهن فاختمرن بها .
وقال أيضا حدثنا أبو نعيم حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول : لما نزلت هذه الآية "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثني الزنجي بن خالد حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية بنت شيبة قالت : بينا نحن عند عائشة قالت فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة رضي الله عنها إن لنساء قريش لفضلا وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل لقد أنزلت سورة النور "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رءوسهن الغربان .
ورواه أبو داود من غير وجه عن صفية بن شيبة به قال ابن جرير حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن قرة بن عبد الرحمن أخبره

عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت : يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها .
ورواه أبو داود من حديث ابن وهب به وقوله تعالى "ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن" أي أزواجهن "أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن" كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج وقد روى ابن المنذر حدثنا موسى يعني ابن هارون حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا داود عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية "ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن" حتى فرغ منها وقال لم يذكر العم ولا الخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ولا تضع خمارها عند العم والخال فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره .
وقوله "أو نسائهن" يعني تظهر بزينتها أيضا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة لئلا تصفهن لرجالهن وذلك وإن كان محذورا في جميع النساء إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع فأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها" أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود وروى سعيد بن منصور في سننه حدثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغازي عن عبادة بن نسي عن أبيه عن الحارث بن قيس أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة : أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات

مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها.
وقال مجاهد في قوله "أو نسائهن" قال : نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة وروى عبد الله في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أو نسائهن" قال : هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية وهو النحر والقرط والوشاح وما لا يحل أن يراه إلا محرم وروى سعيد حدثنا جرير عن ليث عن مجاهد قال : لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول "أو نسائهن" فليست من نسائهن وعن مكحول وعبادة بن نسي أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة فأما ما رواه ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو عمير حدثنا ضمرة قال : قال ابن عطاء عن أبيه قال : لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس كان قوابل نسائهن اليهوديات والنصرانيات فهذا إن صح فمحمول على حال الضرورة أو أن ذلك من باب الامتهان ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد والله أعلم .
وقوله تعالى : "أو ما ملكت أيمانهن" قال ابن جرير : يعني من نساء المشركين فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها وإليه ذهب سعيد بن المسيب وقال الأكثرون : بل يجوز لها أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود ثنا محمد بن عيسى حدثنا أبو جميع سالم بن دينار عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة

بعبد قد وهبه لها قال وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك" .
وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة وأنه قد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهبه لابنته فاطمة فربته ثم أعتقته ثم قد كان بعد ذلك كله برز مع معاوية أيام صفين وكان من أشد الناس على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وروى الإمام أحمد حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن نبهان عن أم سلمة ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا كان لإحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه" ورواه أبو داود عن مسدد عن سفيان به وقوله تعالى "أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال" يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء وهم مع ذلك في عقولهم وله وحوب ولا همة لهم إلى النساء ولا يشتهونهن.
قال ابن عباس : هو المغفل الذي لا شهوة له.
وقال مجاهد : هو الأبله وقال عكرمة : هو المخنث الذي لا يقوم ذكره وكذلك قال غير واحد من السلف وفي الصحيح من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن مخنثا كان يدخل على أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة يقول إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن"

عليكم "فأخرجه فكان بالبيداء يدخل يوم كل جمعة ليستطعم ."
وروى الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت : دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها مخنث وعندها عبد الله بن أبي أمية يعني أخاها والمخنث يقول : يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان قال فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأم سلمة : "لا يدخلن هذا عليك" أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة .
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه وسلم

وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا" فحجبوه ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرزاق به عن أم سلمة وقوله تعالى "أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء" يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء فلا يمكن من الدخول على النساء وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إياكم والدخول على النساء" قيل يا رسول الله أفرأيت الحمو ؟ قال : "الحمو الموت" وقوله تعالى "ولا يضربن بأرجلهن" الآية كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوته ضربت برجلها الأرض فيسمع الرجال طنينه فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى "ولا يضربن بأرجلهن" إلى آخره .
ومن ذلك أنها تنتهي عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها فيشم الرجال طيبها فقد قال أبو عيسى الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ثابت بن عمارة الحنفي عن غنيم بن قيس عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا" يعني زانية وفي الباب عن أبي هريرة وهذا حسن صحيح ورواه أبو داود والنسائي من حديث ثابت بن عمارة به .
وقال أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله

عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لقيته امرأة شم منها ريح الطيب ولذيلها إعصار فقال يا أمية الجبار جئت من المسجد ؟ قالت نعم قال لها : تطيبت ؟ قالت نعم قال : إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول "لا يقبل الله صلاة امرأة طيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة" ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان هو ابن عيينة به .
وروى الترمذي أيضا من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها" ومن ذلك أيضا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج.
قال أبو داود حدثنا التغلبي حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن ابن أبي اليمان عن شداد بن أبي عمرو بن حماس عن أبيه عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجل مع النساء في الطريق فقال رسول الله للنساء "استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق عليكن بحافات الطريق" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به .
وقوله تعالى "وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" أي افعلوا ما آمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهيا عنه والله تعالى هو المستعان .
وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (32)
وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم

اشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة والأوامر المبرمة فقوله تعالى "وأنكحوا الأيامى منكم" إلى آخره هذا أمر بالتزويج .
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه واحتجوا بظاهر قوله "عليه السلام" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود وقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" تزوجوا الولود تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة "وفي رواية" حتى بالسقط "الأيامى جمع أيم ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها وللرجل الذي لا زوجة له وسواء كان قد تزوج ثم فارق أو لم يتزوج واحد منهما حكاه الجوهري عن أهل اللغة يقال رجل أيم وامرأة أيم ."
وقوله تعالى "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله" الآية قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رغبهم الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى فقال : "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد الأزرق حدثنا عمر بن عبد الواحد عن سعيد - يعني ابن عبد العزيز - قال بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى : "إن"

يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله "وعن ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح ."
يقول الله تعالى "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله" رواه ابن جرير وذكر البغوي عن عمر نحوه .
وعن الليث عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء والغازي في سبيل الله" رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره ولم يقدر على خاتم من حديد ومع هذا فزوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن .
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث "تزوجوا فقراء يغنكم الله" فلا أصل له ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن وفي القرآن غنية عنه وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها ولله الحمد والمنة .
وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33)
وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم
هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجا بالتعفف عن الحرام كما قال صلى الله عليه وسلم "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" الحديث

وهذه الآية مطلقة والتي في سورة النساء أخص منها وهي قوله "ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات - إلى قوله - وأن تصبروا خير لكم" أي صبركم عن تزوج الإماء خير لكم لأن الولد يجيء رقيقا "والله غفور رحيم" قال عكرمة في قوله "وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا" قال : هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله .
وقوله تعالى "والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا" هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب لا أمر تحتم وإيجاب بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه قال الثوري عن جابر عن الشعبي إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه وكذا روى ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن رجل عن عطاء بن أبي رباح إن يشأ كاتبه وإن يشأ لم يكاتبه وكذا قال مقاتل ابن حيان والحسن البصري وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذا بظاهر هذا الأمر .
وقال البخاري وقال روح عن ابن جريج قلت لعطاء أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه ؟ قال ما أراه إلا واجبا وقال عمرو بن دينار قلت لعطاء أتأثره عن أحد ؟ قال لا ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمر رضي الله عنه فقال : كاتبه فأبى فضربه بالدرة ويتلو عمر رضي الله عنه "فكاتبوهم إن علمتم فيهم"

خيرا "فكاتبه هكذا ذكره البخاري معلقا ورواه عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه ؟ قال ما أراه إلا واجبا ."
وقال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن بكر حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك أن سيرين أراد أن يكاتبه فتلكأ عليه فقال له عمر : لتكاتبنه إسناد صحيح وروى سعيد بن منصور حدثنا هشيم بن جويبر عن الضحاك قال : هي عزمة وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله عليه السلام "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس" وقال ابن وهب قال مالك : الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده قال مالك وإنما ذلك أمر من الله تعالى وإذن منه للناس وليس بواجب وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية وقوله تعالى "إن علمتم فيهم خيرا" قال بعضهم : أمانة وقال بعضهم : صدقا وقال بعضهم : مالا وقال بعضهم : حيلة وكسبا وروى أبو داود في المراسيل عن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا" قال : "إن علمتم لهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس"

وقوله تعالى : "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" اختلف المفسرون فيه : فقال بعضهم : معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها ثم قال بعضهم : مقدار الربع وقيل : الثلث وقيل : النصف وقيل : جزء من الكتابة من غير حد وقال آخرون : بل المراد من قوله "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكاة وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه ومقاتل بن حيان واختاره ابن جرير وقال إبراهيم النخعي في قوله "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" قال : حث الناس عليه مولاه وغيره وكذا قال بريدة بن الحصيب الأسلمي قتادة وقال ابن عباس : أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب وقد تقدم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ثلاثة حق على الله عونهم" فذكر منهم المكاتب يريد الأداء والقول الأول أشهر وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا وكيع عن ابن شبيب عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر أنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية فجاء بنجمه حين حل فقال : يا أبا أمية اذهب فاستعن به في مكاتبتك فقال يا أمير المؤمنين لو تركته حتى يكون من آخر نجم ؟ قال أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" قال عكرمة فكان أول نجم أدي في الإسلام .
وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال : كان ابن عمر إذا كاتب مكاتب لم يضع عنه شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" قال : ضعوا عنهم من مكاتبتهم وكذا قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة

وعبد الكريم بن مالك الجزري والسدي وقال محمد بن سيرين في الآية كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته وقال ابن أبي حاتم أخبرنا الفضل بن شاذان المقري أخبرنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريج أخبرني عطاء بن السائب أن عبد الله بن جندب أخبره عن علي "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ربع الكتابة "وهذا حديث غريب ورفعه منكر والأشبه أنه موقوف على علي رضي الله عنه كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله ."
وقوله تعالى : "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء" الآية كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي بن سلول فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء طلبا لخراجهن ورغبة في أولادهن ورياسة منه فيما يزعم .
ذكر الآثار الواردة في ذلك : قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار رحمه الله في مسنده حدثنا أحمد بن داود الواسطي حدثنا أبو عمرو اللخمي يعني محمد بن الحجاج حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري قال كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها معاذة يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء" الآية

وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر في هذه الآية قال نزلت في أمة لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها مسيكة كان يكرهها على الفجور وكانت لا بأس بها فتأبى فأنزل الله هذه الآية "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء - إلى قوله - ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" وروى النسائي من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر نحوه وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عمر بن علي حدثنا علي بن سعيد حدثنا الأعمش حدثني أبو سفيان عن جابر قال كان لعبد الله بن أبي بن سلول جارية يقال لها مسيكة وكان يكرهها على البغاء فأنزل الله "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء - إلى قوله - ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان بن طلحة بن نافع فدل على بطلان قول من قال لم يسمع منه إنما هو صحيفة حكاه البزار وروى أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت أولادا من الزنا فقال لها ما لك : لا تزنين قالت : والله لا أزني فضربها فأنزل الله عز وجل : "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء" .
وروى البزار أيضا حدثنا أحمد بن داود الواسطي حدثنا أبو عمرو اللخمي يعني محمد بن الحجاج حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال : كانت جارية لعبد الله بن أبي يقال لها معاذة يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا - إلى قوله - ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أن رجلا من قريش أسر يوم بدر وكان عند عبد الله بن أبي أسيرا وكانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها معاذة وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها وكانت مسلمة وكانت تمتنع منه لإسلامها وكان عبد الله بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فيطلب فداء ولده فقال تبارك وتعالى : "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا" .
وقال السدي أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* قراءة في كتاب «لغات الحب الخمس» لـ غاري تشابمان
* حين يغدر الهاتف بالحب.. الطلاق في زمن «السوشيال ميديا»!
* الزواج السعيد.. لمحات من أسسه
* هل تختار الخوارزميات زوجات المستقبل؟!
* قراءة في كتاب «الطلاق أمام القاضي»
* حق الكبير وصاحب الفضل
* الناجح ربما لا يفوز!

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً  

التعديل الأخير تم بواسطة ابو الوليد المسلم ; 07-22-2026 الساعة 11:52 PM.

رد مع اقتباس