التدين الموسمي وكثرة الانقطاع
التدين الموسمي وكثرة الانقطاع
عدنان بن سلمان الدريويش
في كل موسم من مواسم العبادة تتكرر القصة؛ ففي رمضان تمتلئ المساجد، وتُختم المصاحف، وتخشع القلوب، ثم يمضي رمضان، ويهدأ الوهج، ويعود كثير من الشباب والفتيات إلى ما كانوا عليه! فكأن العلاقة مع الله مرتبطة برمضان، لا بحياة، ثم يأتي موسم عشر ذي الحجة، وبعدها صيام عاشوراء، ثم الانقطاع الطويل، وهنا يظهر سؤال مؤلم: هل نعبد الله في المواسم أم نعبده دائمًا؟ إن المقصود من التدين الموسمي: هو أن يكون التزامك مرتبطًا بزمانٍ معينٍ؛ مثل رمضان: صلاة وقرآن، في غيره: فتور وانقطاع، وكأن العبادة حالة مؤقتة لا منهج حياة.
أيها الشاب، إن ربَّ المواسم هو ربُّ كل الأيام، قال الله تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99]؛ أي: إن العبادة مستمرة، لا تتوقف بانتهاء الموسم، قد يضعف الشاب أو يفتر، لكن لا ينقطع، والسؤال هنا: لماذا نقع في الانقطاع؟ وللإجابة عليه: له أسباب عدة منها: الاندفاع غير المتوازن، نبدأ بقوة دون خطة للاستمرار، ومنها: غياب العادات، نعبد الله بدافع الحماس، لا بدافع الالتزام، ومنها: البيئة غير المعينة؛ كالصحبة أو المحتوى الذي يعيدنا للخلف، كان راشدٌ شابًّا في رمضان لا يترك الصلاة في المسجد، ويقرأ القرآن يوميًّا، بعد رمضان انقطع تقريبًا، فسأله أحدهم: "ماذا حدث؟"، قال: "كنت أظن أني تغيَّرت، لكني عدت كما كنت"، فقيل له: "لم يكن التغيير حقيقيًّا؛ لأنه لم يُبْنَ على الثبات".
يا أخي، إن المشكلة ليست في البداية، بل في الاستمرار، كثير من يقرر البداية، لكن القليل من يستمر، قال صلى الله عليه وسلم: "سَدِّدوا وقارِبوا، واعلموا أنه لن يُدخِلَ أحدَكم عملُه الجنَّةَ، وأنَّ أحبَّ الأعمالِ إلى الله أدومُها وإن قَلَّ"؛ رواه البخاري، فالثبات في العبادة أهم من الكثرة.
إن التوازن في العبادة هو سِرُّ الاستمرار، فليس المطلوب أن تفعل كل شيء، بل أن تستمر على شيء، واحذر أن تنتقل من القمة إلى الصفر؛ لأن هذا خللٌ كبيرٌ، انزل تدريجيًّا، لكن لا تنقطع، وحتى تحافظ على الاستمرار بعد المواسم: اختر عبادات ثابتة قليلة؛ كركعتين يوميًّا، مع وِرْد من القرآن والأذكار، لا تضع أهدافًا فوق طاقتك، وارتبط بصحبة صالحة، تابع محتوًى إيمانيًّا مستمرًّا، بالسماع أو بالمشاهدة أو بالحضور، ذكِّر نفسك دائمًا بهدفك: أن يرضى عنك الله، لا الحماس المؤقت.
أيها الشاب المبارك، لا تجعل علاقتك مع الله موسمية، ولا تربط طاعتك بحماس مؤقت، فالله لا يريد منك أن تشتعل يومًا، ثم تنطفئ، بل يريدك نورًا ثابتًا، ولو كان هادئًا، إن التدين الحقيقي ليس في كثرة العمل المؤقت، بل في دوام الصلة بالله.
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|