الحمد لله الذي أنار بالوحي بصائر العالمين، وأقسم بالفجر لينبه الغافلين، سبحانه! جعل الدنيا للآخرة مضمارًا، وجعل الطاعة للجنة منارًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بشير الرحمة ونذير الحساب، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أولي النهى والألباب، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فيا عباد الله، اتقوا الله حق التقوى، واعلموا أن أجسادكم على النار لا تقوى، وأن خير ما يدخر للغد تقوى الله في السر والعلن.
أيها الإخوة المؤمنون، بين ضجيج الفناء ونداء البقاء، تقف النفس البشرية اليوم على أعتاب الحقيقة؛ تارةً يلفحها هجير الغفلة في زحام الماديات، وتارةً يستنهضها نور الوحي بآيات الذكر الحكيم.
إن المتأمل في خواتيم "سورة الفجر" يدرك يقينًا أن قصة الوجود ليست مجرد عبور عابر، بل هي "صناعة مصير" تكتب حروفه بمداد العمل قبل أن يجف قلم الأجل.
إن الذكاء الحقيقي، والكياسة الوجدانية، تقتضي أن يستفيق المرء قبل يوم العرض؛ ذلك اليوم الذي تظهر فيه الحقيقة المذهلة: أن حياتنا التي نعيشها الآن لم تكن سوى قنطرة، وأن "الحياة" الحقيقية هي التي تستقبلنا هناك.
حين يصرخ الندم بمرارة: ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ [الفجر: 24]، يكون الوقت قد انفرط، والفرص قد ولَّتْ؛ لذا فالعاقل من عاش "يومه" بروح "غده"؛ فتصبح صدقتك الخفية، وذكرك الراتب، وركعتان في جوف الليل والناس نيام، هي الأرصدة الحقيقية في "بنك الخلود".
سائل نفسك يا أخي عند كل مغيب شمس: ماذا أودعت اليوم لحياتي التي لا تموت؟ إن الذي يطلق لنفسه العنان في شهوات الدنيا بلا زمام، يواجه يوم القيامة قيدًا لا فكاك منه: ﴿ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾ [الفجر: 26].
فاعلموا أن الانضباط اليوم هو ثمن الحرية غدًا، وحين نضبط ألسنتنا عن اللغو، وأعيننا عن الحرام، ووقتنا عن الضياع خلف الشاشات، فنحن في الحقيقة نحطم الأغلال قبل أن تصاغ.
اللهم أيقظ قلوبنا من غفلتها، وبَصِّرنا بعيوبنا، واجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نَلْقاك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله الباقي، وكل من عليها فان، والصلاة والسلام على من بعث بالهدى والإيمان نبينا محمدًا وعلى آله وصحبه ومن تَبِعَهم بإحسان، أما بعد:
أيها المؤمنون، وعلى الضفة الأخرى من مشهد الندم ينسكب النور على الأرواح التي سكنت إلى ربها في الدنيا، تلك التي روَّضت نفسها على الطاعة حتى استحَقَّت نداء الحنان الإلهي: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ﴾ [الفجر: 27].
هذه الطمأنينة- يا عباد الله- لا تُشترى بجاه، ولا تُنال بمال، بل تستخلص استخلاصًا من خلوة صادقة مع القرآن، ومن سجود طويل تذوب فيه الهموم، ومن رِضًا تام بالقضاء والقدر.
اعلموا يقينًا: أن من رضي عن الله في "ضيق التدبير"، رضي الله عنه في "سعة المصير"، ليكون اللقاء يوم القيامة لقاء محب عاد إلى مأواه وسكنه: ﴿ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ [الفجر: 28].
إن الطريق إلى الجنة يبدأ بـ "صحبة" تشد عضدك على الحق، وينتهي بـ "جنة" تلم شتاتك وتنسيك كدح السنين.
فاجعل شعارك في كل طاعة، وفي كل كف عن معصية: "اللهم اجعلها ممهدةً لمرضاتك ودخول جَنَّتِك".
كن ذاك العاقل الذي جعل من آيات الوعيد زاجرًا يحميه، ومن آيات التبشير قائدًا يحدو به، لتكون في نهاية المطاف ضمن الركب المبارك: ﴿ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ﴾ [الفجر: 29، 30].