استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى التاريخ الإسلامي > قسم التراجم والأعلام
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 07-09-2026, 10:25 PM   #1

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي الأستاذ العذري... وأفانين التعليم

      

الأستاذ العذري... وأفانين التعليم

د. محمد حسان الطيان

لا أعرف في دنيا التَّعليم معلمًا يُشبه الأستاذ أحمد المعتصم العذري المدني، إنَّه نسيج وحْده وفريد عصره، في اسمه ولقبه، وشكله وظرفه، ونمط تعليمه وشدَّة أَسْره، بل في ترْتيبه وتنظيمه، وفي زرْعِه القيم والمثل والثّقة في نفوس تلامذته.
وإذا أنا تحدَّثت عن العذْري فعمَّ أتحدث؟! وبمَ أبدأ؟!
أعن قوَّة حضوره وشدَّة أسْرِه لكلّ مَن يحضر مجلسَه أو يجلس في صفِّه؟ أم عن عِشقه للعربيَّة والتفنّن في نقل هذا العِشْق إلى قلوب تلامذته؟! أم عن استِقامته ونزوعه إلى الكمال؟! أم عن قُدرته على تلْقيب كلّ طالب في الصَّفّ بِلقب يتنزَّل منه منزلة الثَّوب اللائق بالجسد؟! فمِن عظيم الصّف، إلى بطل الإعراب، إلى الزَّاهد النَّاسك، إلى مَن شهِدت منظَّمة اليونسكو بعلمه وفضله، إلى شكري أفندي، إلى صاحب المشكلات والفِتَن، إلى المجرم التَّائب، إلى غير ذلك من ألقاب لا ينقضي منها العجب؛ لدقَّة انطباقها على أصحابِها وشدَّة تأثيرها في نفوسهم.
أم أتحدَّث عن فكاهته، وسرعة بديهته، وحسن تأتّيه وجمال إلقائه، وبراعة استِهْلاله، وبديع تصْويره، ولطيف تَمثيله، ووضوح شرْحه، وتنوُّع أدواته وطرائقِه في التعليم؟!
أم أتحدَّث عن ارتِقائه بتلامذته، وزرْعه أعظم القِيم في نفوسهم، وتزْكيتهم، وترْبيتهم على المثُل والمكارم والمحامد، وتجْنيبهم كلَّ ما لا يليق بهم من المفاسد والمساوئ، والنّزوع بهم نحو حَمل الأمانة وتحمّل المسؤوليَّة وبناء الشَّخصيَّة؟!
أم أترُك ذلك كلَّه وأستذكر الأبيات والأقوال والحِكَم والأمثال الَّتي روَّانا إيَّاها، فنُقشت في أذْهانِنا نقشًا، بل حُفِرت في قلوبنا وعقولنا حفرًا، وكانت تطرُق أسماعَنا أوَّل مرَّة فصادفت قلوبًا فارغة فتمكَّنت واستحكمت، وأصبحتْ أنشودة نتغنَّى بها، وأُهزوجة نردِّدها، وما زالت لنا زادًا ومَعينًا نمتاحُ منها وننفق كيف نشاء.
فمِن ذلك قول المتنبي:
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا
تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ

وقوله:
ذُو العَقْلِ يَشْقَى فِي النَّعِيمِ بِعَقْلِهِ
وَأَخُو الجَهَالَةِ فِي الشَّقَاوَةِ يَنْعَمُ

وقول الآخر:
لا تَحْسَبِ المَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ
لَنْ تَبْلُغَ المَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا

وقول الشابّي:
وَمَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الجِبَالِ
يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَرْ

وقول بشار بن برد:
إِذَا كُنْتَ فِي كُلِّ الذُّنُوبِ مُعَاتِبًا
صَدِيقَكَ لَمْ تَلْقَ الَّذِي لا تُعَاتِبُهْ

وقول البارودي:
وَأَقْتَلُ دَاءٍ رُؤْيَةُ العَيْنِ ظَالِمًا
يُسِيءُ وَيُتْلَى فِي المَحَافِلِ حَمْدُهُ

وقول شوقي:
وَمَا نَيْلُ المَطْالِبِ بِالتَّمَنِّي
وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلابَا
وَمَا اسْتَعْصَى عَلَى قَوْمٍ مَنَالٌ
إِذَا الإِقْدَامُ كَانَ لَهُمْ رِكَابَا

ومن ذلك الحكمة العظيمة:
"السَّعيد منِ اتَّعظ بغيره والشَّقيّ منِ اتَّعظ بنفسه".
وقول رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المرْء على دين خليله، فلينظُر امرؤٌ مَن يُخالل)).
أرأيت أعظم من هذه الأقوال وأشْرف من هذي المعاني تُربَّى بها النفوس، وتُزكَّى بها العقول، وتُرقَّى بها الرجال، وتُبنى بها الأمم؟!
لقد حفِظْناها وفهِمناها في طراءة الصّبا ويفاعة النَّشأة من فم أُستاذنا العذري، زقّنا بها كما تُزقُّ العصافير بأجمل وقْع وأحلى تدبير، وكان كلّ واحد منها موضوع تعبير كلّفنا بكتابته بعد أن أنار لنا الطَّريق حوله، وشرح لنا كلّ ما يتعلَّق به.
على أنَّ الأهمَّ من ذلك كلّه، والأوْلى من ذلك كله: أنَّه عرف مفتاح العربيَّة فملَّكنا إيَّاه، وعرف بوَّابة اللغة ففتحها لنا على مصراعَيْها، وأذاقنا منها أفانين البلاغة والبيان، نتفيَّأ ظلالَها، ونعيش في رحابِها، ونرْتع في رياضها.
كلّ ذلك كان عندما خصَّص حصَّة أسبوعيَّة من حِصَص مادَّة اللّغة العربيَّة السّتّ للقرآن الكريم، يقْرؤه الطَّلبة جميعهم، مسلمهم ونصرانيّهم، قويّهم وضعيفهم، لم يثْنِه عن ذلك تدخُّل إدارة أو سلاطة زميل جاهل، أو شكوى إلى مديريَّة أو وزارة، بل مضى في طريقِه بعزيمة حذَّاء ماضية، يُقْرِئنا القرآن، ويصحِّح لنا تلاوَتَه، ويقوّم ألسنتَنا بقراءته، ويجعل الحوافز لحِفْظ بعض سوره وآياته، ويتفنَّن في تحْبِيبنا بكلّ ما يتعلَّق به.
أذْكر أنَّ أستاذ اللَّغة الفرنسيَّة - وهو أسوأ معلّم مُنِيتُ به في حياتي، لا رحِم الله فيه مَغْرِز إبرة، ودمَّر الله عليْه كما دمَّر كلَّ جميل في أنفُسنا - اعترض على أُستاذِنا العذري لحمْله جميعَ الطَّلبة على قراءة القُرآن في حصَّة اللغة العربيَّة، فنظر إليْه أُستاذنا شزْرًا وقال: لو أدركتَ ما في ذلك من فائدةٍ ونفع للطَّلبة جَميعهم، لغسلْتَ فمَك سبْعَ مرَّات إحداهنَّ بالتّراب، ووقفْتَ في طابور من زمْرتك لتحْظى بتقْبيل اليد التي مكَّنتْكم من قراءة القرآن!
لقد كان أستاذ العربيَّة العذري، وأستاذ الفرنسيَّة الدُّمَّر على طرفَي نقيض، فبيْنا يرتقي الأوَّل بنا إلى يفاع المكارم والأخلاق والشِّيَم، ينحدر الآخَر بنا إلى حضيض الشَّتائم والمصائب والنِّقَم، وبيْنا يزرع فينا الأوَّل كلَّ الثّقة والاعتِزاز والإباء والشَّمم، يدمّر الآخر فينا كلَّ جميل ومبدع وخلاَّق، لقد كنَّا معهما على حدّ قول شيخ المعرَّة:
مِنَ النَّاسِ مَنْ لَفْظُهُ لُؤْلُؤٌ
يُبَادِرُهُ اللَّقْطُ إِذْ يُلْفَظُ
وَبَعْضُهُمُ قَوْلُهُ كَالحَصَى
يُقَالُ فَيُلْغَى وَلا يُحْفَظُ

ونعم، فقد حفظنا كلّ قول قاله العذري، واطَّرحنا دَبْر آذانِنا كلَّ قارصة تفوَّه بها الآخر.
وإن أنسَ لا أنسَ يوم توَّجني الأستاذ العذري عظيمًا للصَّفّ إثر نيْلي أحسن درجة في امتحان اللّغة العربيَّة، كان ذلك في حفلٍ بهيٍّ سلَّمني فيه مقاليدَ العظمة، وهي ثلاثة أمور:
أولاها: مصافحة تُؤذِن بحصانتِي من كلّ عقوبة.
وثانيها: إهداء كتاب من تأليفه سمَّاه "في الإنشاء العربي" أفدت منْه أنا وأولادي وتلاميذي من بعدي.
وثالثها: تسْليمي دفتر الحوافز والعقوبات، أسجّل فيه كلَّ ما يمنح للمحْسنين أو يُحذف للمسيئِين والمقصّرين من درَجات في حصص اللّغة العربيَّة.
وهكذا كانت حِصَص العربيَّة تمضي، تتخطَّفها أفانين الأُستاذ العذري، في نشاط لا يعرف الكلال، وجدٍّ لا يعْرف الملل، وتنوُّعٍ في الأداء يُحيط بكلّ معارف اللّغة من نحوٍ وإمْلاء وإنشاء ونصوص وقُرآن، فبيْنا ترى الأستاذ يشرح درسًا أو يقْرأ نصًّا إذا به يطْرح سؤالا يُثاب من يُجيب عليه بزيادة درجة أو أكثر، أو يطلُب إعراب كلِمة يتنافس الطَّلبة في تقْدير إعرابها، وإذا ما فرغ من تقْرير درسٍ دعَا إلى مسابقة أو مُبارزة يَخرج فيها طالب أو طالبان أو أكثر ليكْتبوا جملة لا تَخلو من نكتة نحويَّة أو إملائيَّة، على نحوٍ يُذكي القريحة ويقدح زناد الفكر، ويحرّك نوازع الإبداع.
أذكر أنَّه أمْلى عليْنا مرَّة قطْعة تجمع صنوف الهمزات في الكتابة العربيَّة، ما بقِي واحد منَّا إلاَّ حفِظها وتمثَّل بها وتندَّر بألفاظها، حتَّى إنّي أمليْتُها أمس على ولدي الأصغر "عبادة" بعد أربعين عامًا من حِفْظي لها، وكم كان سُروري عظيمًا حين لم يُخطئ في كتابة أيّ حرفٍ منها، وهاكها فاحفظْها وتدرَّب على همزاتِها:
"قال الكأكائي لقوم تكأْكؤوا عليه: لِمَ تكأْكأْتم عليَّ كتكأْكئِكم على ذي جِنَّة، افرنقعوا عنّي...".
لقد كان الطَّلبة يتعلَّمون من هذه الطَّرائق والأفانين أضعافَ ما يتعلَّمونه في دروسِهم المقرَّرة وكتبهم المؤلَّفة.
لَهُ فِي أَفَانِينِ الكَلامِ تَصَرُّفٌ
وَفِي الشِّعْرِ إِحْسَانٌ وَفِي النَّثْرِ إِجْمَالُ

على أنَّ انتِفاعنا بأُستاذنا العذري لا يكْمن في تنوّع طرائقه وتفنّن عطائِه فحسب، بل يكْمُن في ظنّي بالمحبَّة الَّتي غرست في قلوبنا له، إنَّه الحبّ الَّذي يصنع المعجزات، ومَن لانت كلِمَتُه وجبتْ محبَّته، ومَن ذهبت كُلْفَتُه وجبتْ أُلْفَتُه.
وقد ملك أستاذُنا العذريّ قلوبَنا - والله - بكلِمَته اللَّيّنة وابتسامتِه المشرقة، وأريحيَّته الكريمة وبيانه البليغ، وقلبه العامر بالإيمان والخلُق النَّبيل!
وبقدر ما أحبَبْناه أفدْنا من علمه وفضله ونبله وخُلُقه.
رحم الله تعالى أستاذَنا العذريَّ رحمة واسعة، وأسبغَ عليْه شآبيب مغفِرته ورضوانه، وجزاه عنَّا وعن تلامذتِه وأمَّته خير ما جزى معلِّمًا عن طلابه، ووالدًا عن ولده، ومربِّيًا عن تلامذته، ومُصلِحًا عن أمَّته.
والحمد لله الذي بنعمتِه تتمّ الصَّالحات.

اثبت وجودك .. تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع


أكتب تعليق على الموضوع مستخدماً حساب الفيس بوك

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* التوازن بين الأسباب والتوكّل – سرّ تحقيق النجاح وتعزيز الإيمان
* تصحيح العقود المالية الفاسدة المفهوم والمصطلح
* تفسير القرآن الحكيم
* الإسلام يراعي أحوال الناس وطبائعهم
* مقومات التفسير المقاصدي
* أسباب النزول ودفع المشكل في القرآن
* هل تذوقت هذه النعمة؟!

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
الأستاذ, التعليم, العذري..., وأفانين
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حسن التعليم والتوجيه ابو الوليد المسلم ملتقى الأسرة المسلمة 1 06-16-2026 02:00 PM
حوار مع الأستاذ الدكتور أحمد محمد زغب ابو الوليد المسلم ملتقى اللغة العربية 0 04-12-2026 11:27 AM
التعليم الشرعي ومدارسه في القرن الرابع عشر ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 0 01-26-2026 06:57 PM
الأستاذ محمد زهير الشاويش رحمه الله ... السليماني قسم التراجم والأعلام 3 07-21-2024 03:25 PM
من المسؤول في تدني مستوى التعليم ابن الواحة ملتقى الحوار الإسلامي العام 12 12-22-2018 02:42 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009