وجوب الحج وفضله
الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
الحمد لله الذي جعل بيته حرمًا آمنًا، وجعل حجَّه على المستطيع فرضًا لازمًا، والصلاة والسلام على رسوله المصطفى، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن اقتفى؛ أما بعد، فيقول المولى جل وعلا: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 97].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا»؛ رواه البخاري ومسلم.
دلَّ الكتاب والسنة والإجماع على أن الحج ركنٌ من أركان الإسلام، وواجب على كل مستطيع، وقد رتَّب الله عليه الجزاء العظيم، والثواب الجسيم، لمن قام به وأدَّاه على وجهه السليم، مخلصًا لله، متابعًا فيه فعلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمرَه، نفقته من حلال، ومركبه من حلال، ومَطعمه ومَشربه من حلال، فهذا قد حجَّ حجًّا مبرورًا، وجزاؤه من الله جل وعلا المغفرة وتكفير السيئات.
ومن سماحة ديننا وسهولته ويُسره أنه قيَّد الوجوب بالاستطاعة، أي استطاعة الوصول إلى بيت الله الحرام، أي حصول ما يركبه، وما يتزوَّد به في سفره.
وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «السبيل: الزاد والراحلة»، فمن قدَر على الوصول إلى هذا البيت، وكان معه من النفقة ما يكفيه، ولم يَسبق له الحجُّ، فإن الحج واجب عليه.
وإن كان قادرًا في ماله، ولكنه لا يستطيع لكبرٍ أو مرضٍ، فإنه يُنيب مَن يَحُجُّ عنه؛ كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة، أَفَأَحُجُّ عنه؟ قال: نعم».
ومن رحمة الله بعباده، ولُطفه بهم، وتيسيره على هذه الأمة - أن جعل الحج مرة في العمر، وما زاد على ذلك فهو تطوُّع؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا أيها الناس، قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكُلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت، حتى قالها ثلاثًا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم»؛ رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي.
وقد رُوي في فضل الحج أحاديث كثيرة تدل على أن الحج من أفضل الأعمال؛ منها: ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «العمرة إلى العمرة كفَّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
وقال صلى الله عليه وسلم: «تابِعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد والذهب والفضة»؛ رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وقد سُئل عليه الصلاة والسلام: «أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور»؛ رواه البخاري.
والبر في الحج هو: إطعام الطعام، وطيب الكلام؛ كما فسَّره صلى الله عليه وسلم بذلك، وفي لفظ: «هو إطعام الطعام، وإفشاء السلام».
وقال عليه الصلاة والسلام: «من حجَّ، فلم يرفُث، ولم يفسُق، خرَج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه»؛ رواه البخاري ومسلم.
وقد فسَّر ابن عباس رضي الله عنهما الرفث، فقال: الرفث ما رُوجع به النساء، وقال غيره: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.
وجاء في صحيح مسلم في حديث طويل وفيه: «وإن الحج يهدم ما قبله»؛ أي: يكفر الذنوب السابقة.
وجاء في صحيح البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور».
وعن عمرو بن عنبسة رضي الله عنه قال: «قال رجل: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: أن يُسلم لله قلبُك، وأن يَسلَم المسلمون من لسانك ويدك، قال: فأي الإسلام أفضل؟ قال الإيمان، قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، قال: فأي الإيمان أفضل؟ قال: الهجرة، قال: وما الهجرة؟ قال: أن تهجر السوء، قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: الجهاد، قال: وما الجهاد؟ قال: أن تقاتل الكفار إذا لقِيتَهم، قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: مَن عُقر جوادُه وأُهريق دمُه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا مِن عمل بمثلهما، حجة مبرورة، أو عمرة مبرورة»؛ رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحُجَّاج والعُمَّار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم»؛ رواه ابن ماجه.
وجاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاجُّ»؛ رواه الحاكم، وصحَّحه والبيهقي والطبراني.
وقد حثَّ النبي صلى الله عليه وسلم أُمته على المبادرة إلى الحج، وسرعة التعجل لأداء هذه الفريضة من فرائض الإسلام، مما يدل على وجوبه على كل مُستطيع وجوبًا فوريًّا، فقد روى الإمام أحمد رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعجَّلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يَعرِض له».
فعليك أيها المسلم بالمبادرة إلى هذا الركن العظيم، وهذا الفضل الجسيم، والتعرض لنفحات المولى الكريم، فإن لله نفحات يُسديها إلى عباده في الأزمنة الفاضلة، والأمكنة المقدسة؛ نسأل الله الكريم أن يَمُنَّ علينا وعليكم بها، إنه سميع مجيب.