![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
|
|
"في ممر الفئران" محمد علي يوسف تلك الرواية المقبضة التي لم يحتج العراب أحمد خالد توفيق رحمه الله لابتكار مسوخ بأنياب بارزة أو كائنات فضائية لكي يحدث الرعب المعهود في قصصه. هذه المرة تلخص الأمر في شيء واحد غاب فجأة. الضوء. نيزك يضرب الأرض فيغطيها سحاب دخاني كثيف يحجب الشمس وتسقط في ظلام أبدي لا يقطعه فجر. تمضي أحداث الرواية في سياق ديستوبي تتآكل فيه الأرواح قبل الأجساد، ويفقد البشر أبصارهم ثم إنسانيتهم، ليتحولوا إلى كائنات في أخلاق الفئران تتلمس الجدران الرطبة في ممرات تحت الأرض ويخضعون لطبقة تحتكر مصادر الضوء القليلة المتبقية كسلاح للسيطرة. في هذا الممر المظلم، لم يعد النور مجرد ظاهرة فيزيائية يمكن اعتياد وجودها أو غيابها. لقد صار هو الحياة، وصار غيابه أشبه بجحيم مطلق. قد تعتقد أن هذا الكابوس الروائي هو مجرد خيال علمي جامح يمكنك أن تغلق الكتاب بعد إتمامه لتنام قرير العين على طمأنينة أن الصباح قادم والضوء سيشمل الكون لا محالة.. لكن سورة القصص وقبل ما يزيد عن أربعة عشر قرن فيها آيات تأخذ بتلابيب خيالك لتخيل هذا المشهد لتفكك طبقات الاعتياد السميكة التي غلفت قلوبنا. {قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلَّیۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِضِیَاۤءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ} {قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَیۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَنۡ إِلَـٰهٌ غَیۡرُ ٱللَّهِ یَأۡتِیكُم بِلَیۡلࣲ تَسۡكُنُونَ فِیهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ} إن الإلف الذي نحياه يجعلنا نتعامل مع تعاقب الليل والنهار كأنه حق مكتسب لا يمكن أن يتغير أبدا آلية ميكانيكية مضمونة كدوران ترس في ساعة حائط. هكذا تكون نظرتنا حين ننسى أو نتناسى أن الاستمرار المطلق لأي نعمة، حتى لو كانت النور نفسه = يحولها إلى عذاب نقي. سرمدًا.. تلك الكلمة ذات الوقع المهيب والتي تستلزم تدبرا ونظرا السرمدية هي الديمومة الساكنة المشلولة التي فقدت قدرتها على التغيير. تخيل ليلاً ابتلع الفجر إلى الأبد.. عتمة لزجة تطبق على الأنفاس، وبرد موحش ينهش الأطراف، وعيون جاحظة في الفراغ ترتقب خيط ضوء لن يأتي، حتى يتحول السكون البارد إلى جنون مطبق. في الضفة الأخرى، تصور شمساً عمودية قاسية سُمِّرت في كبد السماء؛ تسلخ الجلود، وتبخر قطرات الندى، ولا غسق يأتيك ممهدا لليل ساكن تسند فيه رأسك المنهك هارباً من أثقال وهموم اليوم الطويل. حتى ذلك القلب القابع في صدرك يضخ الحياة بحركتين متناقضتين.. انقباض وانبساط. توقف القلب عند إحداهما سرمداً هو التوصيف الطبي الدقيق للموت السريري. الكون بأسره يختنق حتماً لو حُرم من شهيق النهار وزفير الليل. نحن كائنات هشة جدا، نهترئ بسرعة قياسية لو تُركنا على وضع واحد. لذلك تأتي الآية الخاتمة لهذا السياق لتسلط الضوء على حقيقة ضعفنا واحتياجنا الكامل.. {وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُوا۟ فِیهِ وَلِتَبۡتَغُوا۟ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ}. المنة الإلهية هنا تتجاوز فكرة خلق الضوء الذي ينير الطريق والعتمة التي إليها نسكن ونستريح. الرحمة تكمن في التتابع ذاته! في ذلك الإيقاع العبقري الذي ينقذنا من حتمية الجنون المترتب على السرمدية. يقلبنا الخالق كل أربع وعشرين ساعة بين حرارة الركض وبرد السكون. تنطفيء محركات أجسادنا حين توشك على الاحتراق تحت شمس النهار، ويعاد تشغيلها قبل أن تصدأ في وحشة الليل. ونحن مدينون بسلامتنا العقلية والجسدية لهذا التناوب الدقيق الذي رحمنا الله به. نعمة ضخمة نتجاوزها يوميا بتبلد عجيب، متناسين أن مجرد تعطل هذا الإيقاع الكوني وتوقف الزمن عند محطة واحدة.. يكفي لتمزيق أرواحنا بالكامل. وإن الذي يدبر هذل الكون بهذه الرحمة كي لا تُسحق أرواحنا تحت وطأة السرمدية ألا يستحق منك وقفة انتباه حقيقية. أن ترمق شروق الشمس غدا وكأنك غريب يراه للمرة الأولى في حياته. وأن تدرك أن أثمن ما تملكه ليست دائما تلك الأشياء التي ركضت و تركض خلفها بلهاث مستمر ولكنها قد تكون تلك الخلفية الكونية الهادئة التي تسمح لك بالركض نهارا ثم تسدل الستار على لهاثك كل مساء لتأوي وتسكن.. وترمم شروخ روحك. اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| مايكروسوفت تكشف عن " الوكيل الذكي" و"الوكيل المكتبي".. تفاصيل | ابو الوليد المسلم | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 0 | 03-22-2026 02:05 PM |
| المفهوم الخاص لكلمة "الجماعة" المنسوبة تعريفًا بالإضافة "لأهل السنة" | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 0 | 02-27-2026 03:15 PM |
| "حيّ بن يقظان" .. مُلهم "ماوكلي" "كروزو" و"طرزان" | ابو الوليد المسلم | ملتقى اللغة العربية | 0 | 01-01-2026 09:23 PM |
| الدلالة البيانية للفظي"الوالدان"و"الأبوان"في تعبير القرآن الكريم-د.صالح التركي | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 11-14-2025 06:51 AM |
| نصرة لامنا "عائشة" نشيد "يا امنا ياأم كل المؤمنين " ومقاطع منه كنغمات للجوال | مهندس / السيد محمود | ملتقى الجوال الإسلامي | 1 | 03-17-2015 05:22 PM |
|
|