فترة الصوم
فترة الصوم
أ. د. عبدالله بن محمد الطيار
الصوم الشرعي هو الإمساكُ عن المفطرات - من الطعام والشراب والجماع - بنية من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ثم يُباح ذلك كله طول الليل، يوضِّح ذلك قوله تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [البقرة: 187].
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقبل الليل مِن ها هنا، وأدبَر النهار من ها هنا، فقد أفطر الصائم))[1].
وقد كانت المفطرات مُباحة في أول الإسلام من غروب الشمس حتى ينام الصائم، فإذا نام حرُم عليه الطعام والشراب والجماع حتى غروب اليوم التالي، وقد شقَّ ذلك على بعض الصحابة، يبيِّن ذلك ما رواه البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إذا كان الرجل صائمًا، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يُفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يُمسي، وإن قيس بن صِرمة الأنصاري كان صائمًا، فحضر الإفطار فأتى امرأته، فقال لها: أعندك طعامٌ، قالت: لا، ولكن أنطلِق فأَطلُب لك، وكان يومه يعمل، فغلبَته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خَيبةً لك، فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأُنزل قولُه: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ [البقرة: 187][2] ، فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ ﴾ [البقرة: 187]، والمقصود بالخيط الأسود والخيط الأبيض سوادُ الليل وبياض النهار؛ قال في المغني: (والصوم المشروعُ هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني على غروب الشمس، إلى أن قال تعليقًا على الآية: ﴿ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ ﴾؛ يعني بياض النهار من سواد الليل، وهذا يحصل بطلوع الفجر... إلى أن قال: والخيط الأبيض هو الصباح، والسحور لا يكون إلا قبل الفجر... والنهار الذي يجب صيامُه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس) [3].
وقد علَّق الله - جل وعلا - الحكم بأمر سهل ميسور، يُدركه كلُّ أحدٍ لا يحتاج إلى عدٍّ حسابي ولا قياس فلكي، فمتى أدبَر الليل وبقِي منه ما يُشبه الخيط الأسود، وأقبل النهار وتبيَّن منه ما يُشبه الخيط الأبيض - وجب الإمساك وحرُم الأكل والشرب والجماع، وسائر المفطرات حتى تغرب الشمس، وهذه علامة واضحة بارزة لا تحتاج إلى تعلُّم ومعرفة، وهكذا أمورُ التشريع كلها مبنية على اليسر والسماحة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78]؛ قال ابن جرير في تفسير الآية الكريمة: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [البقرة: 187]، فَإِنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ حَدَّ الصَّوْم بأن آخرَ وقته إقبالُ الليل، كما حدَّ الإفطار وإباحة الأكل والشرب والجماع، وأول الصوم بمجيء أول النهار وأول إدبار آخر الليل، فدل بذلك على أنْ لا صوم بالليل، كما لا فطر بالنهار في أيام الصوم[4].
[1] رواه البخاري ومسلم، صحيح البخاري جـ 3 ص 32، وصحيح مسلم جـ 3 ص 132.
[2] رواه البخاري؛ انظر: صحيح البخاري جـ 3 ص 25 من المجلد الأول.
[3] المغني جـ 4 ص 325 بتصرف يسير.
[4] جامع البيان عن تأويل القرآن جـ 3 ص 532.
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|