الإرهاق والسُّبات الرمضاني
الإرهاق والسُّبات الرمضاني
عدنان بن سلمان الدريويش
يا مَن أثقلَه النعاس نهارًا، وأرهَقه السهر ليلًا، ويا مَن غلَبت عليه العادات حتى كادت تَسرِق منه لذَّةَ الطاعات، رمضان ليس موسم النوم، بل موسم النهوض! رمضان الذي فُرض فيه الصيام، هو مدرسة للوعي والانضباط، وصناعة إنسانٍ يعرف كيف يَسوس نفسَه قبل أن تَسوسَه عاداتُه؛ قال تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]. إن رمضان شهرُ تَوازنٍ بين الرُّوح والعمل، وبين العبادة والراحة، وبين الطاعة والنية الصافية.
إن الإرهاق الرمضاني الذي أصاب كثيرًا من الناس اليوم، ما جاء من كثرة الطاعة، بل من سوء التنظيم، وغفلة النية، سهر على ما لا يُفيد، ونوم يَسرِق نصفَ النهار، ثم شكوى من التعب وكأن الصيام هو السبب! فظاهرة الإرهاق الرمضاني في حقيقتها إرهاقٌ من العشوائية لا من العبادة، فالله لم يُكلِّفنا بالصيام لنُصبح مُتعبين، بل لنُصبح أقوياءَ منضبطين؛ كما قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183].
أيها الشاب، وأيتها الفتاة، كم مِن شابٍ يسهر حتى الفجر في لهوٍ لا طائلَ منه، ثم ينام إلى العصر، فيَفقِد بركةَ النهار، وصلاة الجماعة، ونشاطه الذهني، وصفاء رُوحه، تراه مرهقًا متوترًا، يقول "رمضان أتعَبني"، ولو عدَّل نظامه لقال: "رمضان أنعَشني"!
أما السلف الصالح، فقد كانوا يُعظِّمون شهر رمضان، ويَعدُّونه موسمًا عظيمًا للغفران ورِفعة الدرجات، حتى إنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يُبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبَّله منهم، وكانوا يقولون: "رمضان ميدان سباق، مَن تعِب فيه الآن استراح غدًا"، كانوا يقومون الليل بقلوبٍ مطمئنة، لا بأجسادٍ مرهقة، ويصومون النهار بنفوسٍ منشرحة، لا متبرِّمة، كانوا يجعلون الراحة في الطاعة، ويَجدون لذَّة السكينة في كل لحظةٍ من السجود والدعاء، فالسلف الصالح ما نالوا البركة بالإكثار وحدَه، بل بالتوازن والإخلاص والنية الصافية.
يا أخي، حتى نتجاوز هذه الظاهرة أنصحك بالتالي:
• نظِّم نومك، فلا بأس بالنوم بعد الفجر، أو بعد الدراسة قليلًا، لكن اجعَل نهارك حيًّا بعبادةٍ أو دراسةٍ أو خدمةٍ.
• اجعل نيَّتك في كل راحة: "نومٌ أَستعين به على الطاعة".
• ابدَأ نهارك بالقرآن لا بالجوال، فمن بدأ نهاره بذكرٍ أو قراءةٍ، عاش خفيفًا طيب النفس طول اليوم.
• خفِّف من السهر غير المفيد، فليس كلُّ سهر عبادةً، ولا يكون قيامك حماسًا مؤقتًا، بل اجعَل السهر وسيلةً للقُربى من الله، لا عادة للحديث والمشاهدة.
• احفظ لرمضان رُوحه؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم أجودَ الناسِ بالخيرِ، وكان أجودَ ما يكون في شهرِ رمضانَ حتى يَنسلِخَ، فيأتيه جبريلُ فيعرضُ عليه القرآنَ، فإذا لقِيَه جبريلُ كان رسولُ اللهِ أجودَ بالخيرِ من الرِّيحِ الْمُرسَلَةِ"؛ أخرجه البخاري، فهل يكون الجود مع الإرهاق والكسل؟ كلا، بل مع النشاط والإقبال على الحياة.
• اجعل الصيام طريقًا للتنظيم لا للفوضى، مَن يَنجَح في ضبط وقته في رمضان، يَملِك زِمامَ عامه كله، والنجاح الرمضاني يبدأ من تنظيم الجسد ليَنشَطَ القلب!
يا أخي، رمضان ليس موسم تعبٍ عابرٍ، بل رحلة تجديدٍ للنفس، فإن أتعبَك السهر، فارجِع إلى بساطة نيةِ الصالحين: أن يَرضى الله عنك، لا أن تُرضي العادات، واجعَل من كل سُحور بداية، ومن كل إفطارٍ شكرًا، ومن كل صلاةٍ مَحطةَ راحةٍ للقلب، لا إرهاقًا للجسد.
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|