صل صلاة مودع
صلِّ صلاة مودع
محمد محمد زهران
إن الله عز وجل أثنى على المحافظين على الصلاة وحكم لهم بالجنة؛ فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾ [المعارج: 34، 35].
وأثنى على الخاشعين في الصلاة وحكم لهم بالفلاح؛ فقال سبحانه وتعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2].
والخشوع في الصلاة إنما يحصل بمن فرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذٍ تكون راحةً له وقرة عين، وتطمئن فيها نفسه، وينشرح فيها صدره، والعبد يصلي هذه الصلاة وكأنها آخر صلاة له، يصلي صلاة مودِّع؛ كما جاء في الحديث:
عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، علمني وأوجِز، قال: إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مودِّع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه، وأجمع اليأس عما في أيدي الناس))؛ [رواه أحمد وابن ماجه].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، حدثني بحديث واجعله موجزًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صلِّ صلاة مودع، فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك، وأيس مما في أيدي الناس تكن غنيًّا، وإياك وما يُعتذر منه)).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لَحريٌّ أن يحسن صلاته، وصلِّ صلاة رجل لا يظن أن يصلي صلاةً غيرها، وإياك وكل أمر يعتذر منه))؛ [رواه الديلمي].
نحن - يا أخي - سنُودِّع هذه الدنيا بين صلاتين، صلاة أديناها وصلاة ننتظر دخول وقتها، فحري بنا أن نؤدي صلاة مودع في كل صلاة، عسى الله أن يختم لنا بخير.
فما هي صلاة المودع؟
أن تترك القوم وحديثهم بقلبك، وترمي بكل شغل دنيوي خلف ظهرك، وتُقبل على الله بتخشع وتدبر، وتستحضر القدوم عليه.
أن يستشعر المصلي أنه يصلي صلاة لا يصلي بعدها صلاة أخرى، فيحمله ذلك على إتقانها، وتكميلها، وإحسانها، والخشوع والخضوع فيها.
صلاة مودع: أي مودع لهواه، مودع لعمره، وسائرٍ إلى مولاه، يعامله معاملة حاضر لا معاملة غائب.
صلاة مودع: مقبل فيها على الله بشراشره، مودع غير الله ليتفرغ لمناجاة الله، مودع كل شيء؛ مستحضرًا قول الله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ﴾ [البقرة: 223].
حال السلف الصالح مع صلاة المودع:
قال بكر المزني: "إذا أردت أن تنفعك صلاتك فقل: لعلي لا أصلي غيرها".
وأقام معروف الكرخي الصلاة، ثم قال لرجل: تقدم فصلِّ بنا، فقال الرجل: إني إن صليت بكم هذه الصلاة، لم أصلِّ بكم غيرها، فقال معروف: وأنت تحدث نفسك أنك تصلي صلاةً أخرى؟
وقيل لعامر بن عبدالله ذات يوم: هل تحدثك نفسك في الصلاة بشيء؟ قال: "نعم، بوقوفي بين يدي الله عز وجل، ومنصرفي إلى إحدى الدارين".
قال عمرو بن حريث: إن سعيد الخير قال لابنه: "أظهِر اليأس فإنه الغِنى، وإياك وطلب ما عند الناس فإنه الفقر الحاضر، وإياك وما تعتذر منه، وأسبغ الوضوء، وصلِّ صلاة مودع كي لا تصلي صلاةً غيرها، وإن استطعت أن تكون خيرًا منك أمس، وغدًا خيرًا منك اليوم".
قال المناوي رحمه الله تعالى: "كان مكتوبًا في محراب: أيها المصلي من أنت؟ ولمن أنت؟ وبين يدي من أنت؟ ومن تناجي؟ ومن يسمع كلامك؟ ومن ينظر إليك؟"؛ [فيض القدير].
ختامًا:
لو أننا صلينا صلاة مودع بالتأكيد ستكون صلاةً مؤثرةً، يجد الإنسان طعمها في بصره، وسمعه، وممشاه، وسكونه، بل هي جنة ونعيم معجَّل، وذوقها يحتاج إلى جهاد ومجاهدة، وهكذا هي المطالب الكبار، تحتاج إلى قلوب كبار.
جعلنا الله وإياكم من المحافظين على الصلاة الخاشعين فيها، وأن يتقبلها منا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|