صفات المنافقين
إبراهيم الدميجي
الحمد لله كثيرًا كثيرًا، والشكر له مزيدًا مزيدًا، والاعتصام به على الدوام تسبيحًا له وتأليهًا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده الذي أرسله للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا؛ أما بعد:
فإن الصدق ينفي الكذب، والإيمان ينفي النفاق، ويكفي شناعةً للنفاق وأهله وصف الله تعالى المنافقين بأنهم هم العدو، وأخبر أن مآلهم الدرك الأسفل من النار، نسأل الله تعالى السلامة والعافية، والنفاق اعتقاديٌّ مخرج من الملة، وعملي ينقص الإيمان جدًّا، وهو مزدلف للأكبر، وقد جاء وصف المنافقين في عشرات الآي والأحاديث الكاشفة أمرهم المجلية حالهم؛ لعل من يريد النجاة يسلك مسلك الجد والفلاح، والاستقامة والصلاح.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فإن من تأمل ما وصف الله به المنافقين في القرآن من صفات الذم، علِم أنهم أحق بالدرك الأسفل، فإنه وصفهم بمخادعته ومخادعة عباده، ووصف قلوبهم بالمرض، وهو مرض الشبهات والشكوك، وبالإفساد في الأرض، وبالاستهزاء بدينه وعباده، والطغيان، واشتراء الضلالة بالهدى، والصمم والبكم والعمى، والحَيرة، والكسل عن عبادته، والرياء، وقلة ذكره، والتردد وهو التذبذب بين المؤمنين والكفار، والحلف باسمه تعالى كذبًا وباطلًا، وبالكذب وبغاية الجبن، وعدم الفقه في الدين، وعدم العلم، وبالبخل، وعدم الإيمان بالله وباليوم الآخر، والريب، وبأنهم مضرة على المؤمنين لا يحصل لهم بصحبتهم إلا الشر من الخبال، والإسراع بينهم بالشر وإلقاء الفتنة، وكراهتهم لظهور أمر الله ومجيء الحق، وحزنهم بما يحصل للمؤمنين من الخير والنصر، والفرح بما يحصل لهم من المحنة والابتلاء، وأنهم يتربصون الدوائر بالمسلمين، وبكراهتهم الإنفاق في مرضاة الله وسبيله، وبعيب المؤمنين ورميهم بما ليس فيهم، وأنهم عبيد الدنيا إن أُعطوا منها رضوا، وإن مُنعوها سخطوا، وبأنهم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وينسبونه إلى ما برأه الله منه، وبقصدهم إرضاء المخلوقين دون رب العالمين، وأنهم يسخرون من المؤمنين، ويكرهون الجهاد في سبيل الله، ويتحيلون على تعطيل فرائض الله بأنواع الحيل، وأنهم رجس، والرجس من كل شيء أخبثه وأقذره، وبأنهم فاسقون وبأنهم يؤوون من حارب الله ورسوله، ويتشبهون بهم ويضاهونهم في أعمالهم، ويتربصون بالمسلمين الدوائر، وإذا عرضت عليهم التوبة والاستنفار، أبَوهما وزعموا أنهم لا حاجة لهم إليها.
ومن صفاتهم التي وصفهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، والغدر عند العهد، والفجور عند الخصام، والخلف عند الوعد، وتأخير الصلاة إلى آخر وقتها، ونقرها عجلة وإسراعًا، وترك حضورها جماعة، وأن أثقل الصلوات عليهم الصبح والعشاء.
وجملة أمرهم أنهم في المسلمين كالزغل في النقود، يروج على أكثر الناس لعدم بصيرتهم بالنقد، ويعرف حاله الناقد البصير من الناس وقليل ما هم، وليس على الأديان أضر من هذا الضرب من الناس، فكم قطعوا على السالكين إلى الله طريق الهدى، وسلكوا بهم سبل الردى، ووعدوهم ومنوهم، ولكن وعدوهم الغرور، ومنوهم الويل والثبور! فكم لهم من قتيل ولكن في سبيل الشيطان، وسليب ولكن للباس التقوى والإيمان، وأسير لا يُرجى له الخلاص، وفارٍّ من الله لا إليه، وهيهات، لات حين مناص!
فهم والله قطاع الطريق حقًّا، فيا أيها الركب المسافرون إلى منازل السعداء، حذارًا منهم حذارًا، وهم الجزارون، ألسنتهم شفار البلايا، ففرارًا منهم فرارًا.
قد جُعلوا على أبواب جهنم دعاةً إليها، فبعدًا للمستجيبين، ونصبوا شباكهم حواليها على ما حفت به الشهوات، فويل للمغترين، نصبوا الشباك، ومدوا الأشراك، وأذن مؤذنهم بأشباه الأنعام: حي على الهلاك، حي على التباب، فاستبقوا يُهرعون إليه، فأوردهم حياض العذاب لا الموارد العذاب"[1] عياذًا بالله تعالى.
وبعدُ: فحقيقٌ بكل مؤمن أن يملأ قلبه إخلاصًا وتوحيدًا، وأن يسلك إليهما كل سبيل، ضارعًا إلى ربه أن يأخذ بقلبه ويده لصراط المنعَم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
اللهم رحماك رحماك، اللهم لك الحمد، وصلِّ الله على محمد وآله.
[1] طريق الهجرتين، ابن القيم (2/ 878 - 892) باختصار.