حين تتحول العادة إلى عبادة
حين تتحول العادة إلى عبادة
عدنان بن سلمان الدريويش
من رحمة الله بعباده أنه لم يجعل العبادة محصورة في صلاة وصيام فقط، بل فتح لهم أبوابًا واسعة ليجعلوا كلَّ لحظة في حياتهم طريقًا إلى رضاه، فإذا أصلح العبد نيته، تحوَّلت عاداته اليومية إلى عبادات دائمة تُكتب له في ميزان الحسنات؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها، أو امرأة يَنكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه))؛ [أخرجه البخاري]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162]؛ أي: إن حياتي وعاداتي وأعمالي اليومية يمكن أن تكون لله، إن كانت النية خالصة.
وفي رمضان ليست الغاية أن نعيش لحظاتٍ عابرةً من الطاعة، ثم نعود بعدها إلى رَتابة الأيام، بل أن نتعلم كيف نجعل كل لحظة من حياتنا عبادةً دائمة، أن نحمل روح رمضان معنا في كل زمان ومكان، فنحول العادات اليومية إلى عبادات بنية صادقة ووعيٍ متصل بالله، فالله سبحانه لا يريد من عباده أن يعبدوه في رمضان، ثم ينسوه بعده، بل يريد قلوبًا تعرفه في الصيام والإفطار، في السجود والعمل، في المسجد والمكتب، وفي كل شأن من شؤون الحياة.
كان معاذ بن جبل رضي الله عنه يقول: "إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي"؛ أي: إنه ينوي بالنوم الراحة ليستعين به على العبادة، فصار نومه عبادة كما كان قيامه عبادة، وكان الإمام النووي رحمه الله يقول لتلاميذه: "ينبغي أن تكون نية المؤمن في كل شيء طلب رضا الله"، فهو لا يكتب علمه طلبًا للشهرة، ولا يعلم طلبًا للثناء، بل لله وحده، فصار قلمُه عبادةً، ودراسته عبادة، وتعليمه عبادة، ورُوي عن رجلٍ من السلف كان إذا دخل السوق قال في نفسه: "اللهم إني أنوي أن أكفَّ نفسي عن الحرام، وأُطعم عيالي من الحلال"، فكان تسوقه عبادة؛ لأن قصده فيه طاعة الله، وحفظٌ للأمانة.
وفي عصرنا الحاضر، إذا نوى الطالب أن يذاكر بجدٍّ ليخدم وطنه وأمته، ويُتقن علمه، فهو في عبادة، وإذا نوى الموظف أن يؤدي عمله بإخلاص ونزاهة بنية الأمانة، فهو في عبادة، وإذا نوتِ الفتاة أن تساعد أمها، وتحتسب ذلك برًّا وصلة، فهي في عبادة، وإذا نوى الشاب أن يمارس الرياضة ليقوِّي بدنه لطاعة الله، فهو في عبادة، كل هؤلاء حوَّلوا المعتاد إلى مقصود، واليوميَّ إلى أبديٍّ، فصارت عاداتهم عباداتٍ.
أيها الشباب، وأيتها الفتيات، إن تحويل العادة إلى عبادة لا يحتاج جهدًا جسديًّا، بل يقظةَ قلبٍ وصدقَ نيةٍ، فرمضان يعلِّمنا هذا المعنى العظيم: أن العبادة ليست وقتًا مؤقتًا، بل أسلوب حياة، وأن الله تعالى ينظر إلى قلبك قبل عملك؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))؛ [صحيح مسلم]، فمن أحيا قلبه بالنية، رأى في كل حركة عبادةً، وفي كل يوم فرصةً جديدةً للثواب.
يا شباب، حوِّلوا حياتكم إلى طريقٍ إلى الله، واجعلوا نياتكم مصابيحَ تهديكم في تفاصيل يومكم، فما أجمل أن تكون كل خطوة في عملك، وكل ساعة في دراستك، وكل لحظة مع أهلك قُربى إلى الله، وسعيًا نحو رضاه!
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|