النقد البناء
النقد البنَّاء
د. صلاح بن محمد الشيخ
في كل مجتمع يتحرك متطوعون للمساهمة في تنميته وتطويره، يعملون بأيادٍ صادقة، وهمَّة عالية، فهم يبذلون جهدًا، ليحقِّقوا أثرًا، يريدون خدمة الناس ونفعهم، ورفع مستوى الوعي عندهم بأهمية البذل والعطاء، والتضحية، والإيثار، وفي المقابل، تخرج فئة من الناس، عكس الاتجاه، تتخذ من النقد الجارح مطية، والتهكُّم بالإنجاز عادة، والتقليل من جهود الآخرين منهجًا وسلوكًا.
هذه الفئة لا تعرف من التطوُّع إلا اسمه، ولا من التضحية إلا صداها، ولا من الإنجاز إلا ما يثير في نفوسهم الغيظ والحسد، ومن المؤسف هذا الصنف من البشر، لو نظرت إلى حالهم، وفتَّشت في أغوارهم، تعجبك أجسامهم، وتطربك أقوالهم، وتبهرك مظاهرهم؛ لكنَّهم لا يطرحون حلًّا، ولا يقدمون بديلًا، بل يقفون على حافة الهمَّة والعطاء متفرجين، يوزعون سهام السخرية، ومكاييل الاتهامات، ويبحثون عن أي ثغرة ليُحوِّلوها إلى قضية. وكأنَّ رسالتهم في الحياة أن يطفئوا شموع الآخرين، بدلًا من أن يشاركوا في إشعالها.
النقد البنَّاء مطلب، لكن التخذيل ليس نقدًا.
النقد الهادف هو الذي يضيف للمشروع قيمة، يُقوِّم الانحراف، ويقترح الأفكار ويبحث عن الأفضل. أما النقد الذي يمارسه هؤلاء فليس إلا صخبًا بلا معنًى، وصوتًا بلا أثر، وادِّعاء معرفة بلا معرفة. هو نقد نابع من ضيق الصدر، لا من سعة الرؤية، ومن الغيرة النفسية، لا من الغيرة على المصلحة العامة.
من ينتقد مشروعًا إيجابيًّا دون أن يقدِّم بديلًا، فمثَلُه كمثل من يقف أمام برج شامخ ليشير إلى بقعة صغير لم تُصقل جيدًا، في حين هو نفسه عاجز عن وضع قطعة واحدة في هذا البرج، أو في أي مشروع آخر.
أما أنتم أيها المضحون الباذلون، فهنيئًا لكم، فالتاريخ خلَّد ذكر المنجزين، وأهمل المثبطين، التاريخ يكتب أسماء الذين عملوا، وبذلوا، وابتكروا، وواجهوا التحديات بصمتٍ وثباتٍ. أما أولئك الذين لا يجيدون إلا التحقير، فهم عابرون في المشهد، لا أثر لهم إلا في لحظة ضجيج، سرعان ما تخبو.
الناجحون يعرفون أن الطريق مليء بالمعوِّقات، وأن النقد جزء من الرحلة، لكنهم يدركون أيضًا أن النجاح الحقيقي هو الإصرار على الاستمرار رغم الأصوات التي تحاول التهوين والتخذيل.
يدركون أن الإنجاز لا يُصنَع بالكلام، ولا تُشاد المشاريع بالتهكُّم، ولا تُقاس قيمة الإنسان بقدر ما يهدم، بل بقدر ما يبني.
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|