الروح الأدبية والمعالم الإنسانية
الروح الأدبية والمعالم الإنسانية
شعيب ناصري
بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد:
فقد قدَّر الله في هذه الحياة أن يكون الناس على طبقات، فمنهم الأغنياء ومنهم الفقراء، ومنهم الأقوياء ومنهم الضعفاء، ومنهم الحكَّام ومنهم المحكومين، وهذا من باب العدل منه سبحانه وتعالى، وهي لا تكون إلا بالحكمة والعلم بما يحتاجه الناس، وما يُناسبهم في دنياهم ومعاشهم، وأمَرهم بعبادته وحدَه، ونهاهم عن كل فعلٍ ذميمٍ، وعن كل شرٍّ طريقُه إلى الجحيم، وهذا من باب الفضل منه سبحانه وتعالى أن عَلَّم الإنسان ما لم يَعلَم، وبَشَّرَهُ بالجنة إن مات على نعمة الإسلام والسُّنة، وبعَث فيهم الأنبياء والرسل عليهم السلام، فبلَّغوا رسالة الرحمن، وكان آخرَهم سيدُ الآنام محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فأكمَل به الدِّين، وبيَّن مقام الأخلاق للعالمين، فبعد أن كانت البنت تُدفن حيَّةً، والمرأة تُظلم وتُستعبَد، وتُباع وتُشترى كالهديَّة، أضاء الله لعبده وخليله نورًا بوحي مُنزَّل، فكان القرآن كلام الله يُتلى مدة ثلاث وعشرين سَنة كاملة، فترك الناس الجهلَ الذي كانوا به متمسكين، واتَّبعوا سُبل الحياة الجديدة!
نعم هي الحياة التي يتعلمون فيها كيف يتعاملون مع ربِّهم عقيدةً وعبادةً، هي الحياة التي يتعلمون منها كيف يتعاملون مع بعضهم البعض، هي الحياة التي يتعلمون منها كيف يتعاملون مع البهائم، أكرمكم الله، هي الحياة التي يتعلمون منها كيف يتعاملون مع الجمادات والشجر والحجر والجن، وغيرهم.
نعم إنها الحياة التي تُغيِّر في الإنسان كلَّ سيئ إلى حَسنٍ، وكلَّ ظلمٍ إلى عدلٍ، وكلَّ جهلٍ إلى علمٍ، وكلَّ باطلٍ إلى حقٍّ، وكلَّ ظلامٍ إلى نورٍ، وكلَّ إساءةٍ إلى إحسان، وكلَّ شرٍّ إلى خيرٍ، وكلَّ معصيةٍ إلى طاعةٍ ... إلخ.
وهكذا تَحلو لنا الحياة بالنجاة، نعم إنها النجاة من الجهل والغفلة، ومن الظلم والضلالة، ومن النار والكفر والاستطالة.
فكان الإسلام حقيقةً معبِّرة عن معالم إنسانية، وهذه المعالم كانت وحيًا من الله عز وجل إلى رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي اليوم بيننا في كتاب الله عز وجل، وسُنة سيد ولد آدم يوم القيامة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ومن هذا الدين نتعلم أولًا كيف يكون الأدب مع الله عز وجل في حياتنا، وأوَّلُه توحيده بأفعالنا، وألا نَعبُد غيرَه، ولا ندعو غيره، وأن نملأ قلوبنا بمحبَّته، ثم الأدب مع رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الأدب يكون في محبته ومحبَّة سُنته، واتِّباع سيرته، والسَّيْر على خُطى مسيرته خُلقًا ومعاملةً، عبادةً وعقيدةً، ثم بعد ذلك يأتي دورُ الأدب مع المسلمين وغيرهم، ويكون هذا الأدب بين الحياء والاحترام، ومنها الإحسان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله عز وجل، والنصيحة لوجه الله عز وجل، وطاعة الوالدين، فإن كل هذا من الأدب؛ لأن الإسلام كالشجرة، والتوحيد هو جذور تلك الشجرة، والسُّنة هي أغصان الشجرة، والإيمان هو ورق تلك الشجرة، وأما الأدب فهو الثمرةُ التي تكون في تلك الشجرة، والإحسان هو حلاوة تلك الثمرة بالشجرة، والإخلاص لله هو ظل الشجرة، والقرآن الكريم هو الماء الذي تُسقى به تلك الشجرة، والصلاة هي تُربة الشجرة، وباقي العبادات هي لُبُّ الشجرة.
وآخرُ دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|