![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 |
|
|
الخطاب الدعوي .. من البلاغ إلى التأثير
يقول الحق -سبحانه وتعالى-: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}، ويقول -عزّ من قائل-: {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}، ويقول -سبحانه-: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}، في هذه الآيات وأمثالها يصف ربُّنا -سبحانه- البلاغ النبوي بأنه بلاغٌ مبين؛ لأن الكتاب الذي أُنزل على خاتم رسله - صلى الله عليه وسلم - هو في ذاته كتابٌ مبين، كما قال -تعالى-: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ}؛ فالبلاغ - مع عظيم منزلته - لا يكتمل أثره، ولا تتحقق حكمته، ما لم يكن بيانًا واضحًا، يُخاطب العقول بصدق، ويوقظ القلوب ببصيرة، ويُثمر في النفوس وعيًا، وفي السلوك استجابة، وفي الواقع تغييرًا، ومن هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى الانتقال من فقه البلاغ إلى فقه التأثير؛ فقهٍ يجمع بين صحة المنهج وحكمة الوسيلة، وبين سلامة الخطاب ووضوح بيانه وفاعليته، ليظلّ البلاغ إقامةً للحجة، ويغدو في الوقت ذاته صناعةً للهداية، وبناءً للإنسان، وإحياءً للرسالة في حياة الناس. ![]() أولاً: فقه البلاغ ومفهومه فقهُ البلاغ هو القيام بتبليغ رسالة الإسلام كما أنزلها الله -تعالى-، خالصةً من التحريف والكتمان، قائمةً على الأمانة العلمية والشرعية، وهو أصلٌ عظيم من أصول الدعوة، حدّده القرآن بعبارات قاطعة لا لبس فيها، قال -تعالى-: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} (آل عمران: 20)، وقال -سبحانه-: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (النور: 54)، وقد وعى السلف الصالح هذا المعنى وعيًا دقيقًا؛ فكانوا أمناء في نقل الدين كما تلقّوه، لا يزيدون فيه ولا ينقصون منه، قال الإمام مالك -رحمه الله-: «ما لم يكن يومئذٍ دينًا، فلن يكون اليوم دينًا». غير إن الاقتصار على البلاغ المجرّد، دون مراعاة أحوال المخاطَبين، وسياقاتهم، ومستويات فهمهم، قد يُفرغ الدعوة من أثرها العملي، ويحوّلها من رسالة تُغيّر القلوب والواقع، إلى مجرد أداء واجب يُبرئ الذمة ولا يصنع الهداية. البلاغ وإقامة الحجة تدلّ أقوال أهل العلم وآثار السلف على أن البلاغ - وإن كان أصلًا - لا يكفي وحده في إقامة الحجة ما لم يكن بلاغًا مبينًا، واضحًا، مفصحًا، مناسبًا لعقول المخاطَبين، قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «حدِّثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟»، فالتحديث بلاغ، لكن البلاغ إذا لم يُراعِ طاقة الفهم، ولم يُقدَّم ببيانٍ يليق بعقول الناس، انقلب إلى ضد مقصوده، وأدّى إلى التكذيب أو النفور بدل الهداية، ويؤكد هذا المعنى عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - بقوله: «ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة». فكم من داعيةٍ أراد الخير، فجانبه الصواب من حيث لا يشعر! وكم من خطابٍ حَسُن مقصده، فساء أثره لالتباس بيانه! ومن هنا تتجلّى دقة التعبير القرآني في قوله -تعالى-: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}، فجعل الطاعة والهداية ثمرةً للبلاغ المبين، لا لمطلق البلاغ. ![]() ثانيًـا: فقه التأثير ومفهومه فقه التأثير، هو إدراك الكيفية التي تنتقل بها معاني الدين من النص إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك، ومن الفرد إلى المجتمع، وهو فقهٌ لا يُغيّر الثوابت، بل يُحسن عرضها، ولا يُبدّل الأحكام، بل يُراعي الحكمة في تبليغها، وقد قرن القرآن الدعوة بالحكمة، فقال -تعالى-: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} (النحل:125)، فالحكمة ليست في ماذا نقول؟ فحسب، بل في كيف نقول؟ ومتى نقول؟ ولمن نقول؟ وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - المثل الأعلى في فقه التأثير، فجمع بين صدق البلاغ، ولين الأسلوب، وعمق الأثر، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه». معادلة الدعوة الراشدة إن الجمع بين البلاغ والتأثير معادلة دقيقة، لا يوفَّق لها إلا من أعانه الله وبصّره بسنن الدعوة؛ فالخلل لا يكون في البلاغ ذاته، وإنما في فصله عن التأثير، كما أن الخطر كل الخطر في طلب التأثير على حساب البلاغ؛ فالبلاغ بلا تأثير: خطاب صحيح في ذاته، لكنه جامد، لا يلامس الواقع ولا يحرّك النفوس، والتأثير بلا بلاغ خطاب جذّاب في شكله، لكنه مفرغ من المضمون الشرعي، والداعية الراشد هو من يحقق المعادلة الصعبة: صدق المحتوى، وحكمة العرض، وصدق القصد؛ فيكون كلامه بيانًا يقيم الحجة، وتأثيرًا يصنع الهداية، ودعوةً تحيي القلوب وتبني المجتمعات. ثالثًا: طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم- في البيان والتأثير لم يكن بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - مجرد إلقاء ألفاظٍ فصيحة، ولا عرض أحكامٍ مجردة، بل كان منهجًا متكاملًا جمع بين الفصاحة والبلاغة والتأثير؛ فسبق القلوب قبل العقول، وصنع من الكلمة حياة، ومن المعنى سلوكًا، وقد تميز بيانه - صلى الله عليه وسلم - بما عُرف بجوامع الكلم؛ كلمات قليلة، تحمل معاني واسعة، وتختصر طريق الفهم، وتُغني عن الإطالة دون إخلال، وقد تنوعت وسائل البيان النبوي بين القول المؤثر، والصورة البلاغية، والإشارة غير اللفظية، وربط الكلام بالفعل، والتدرج الحكيم في التعليم، بما يراعي اختلاف العقول، وتفاوت المدارك، وحاجة النفوس إلى الإقناع قبل الإلزام. ![]() ملامح البيان النبوي ومميزاته كان أسلوب النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعبير عن المعاني الشرعية والتربوية والإنسانية، قولًا وفعلًا وتقريرًا، ربانيّ المصدر، عربيّ اللسان، بليغُ العبارة، عميقُ الدلالة، يجمع بين جمال الصياغة وكمال الهداية، وقد تميّز البيان النبوي بخصائص فريدة جعلته في الذروة من الفصاحة والتأثير، ومن أبرز مميّزاته: الفصاحة والبلاغة كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفصح العرب وأبلغهم، يشهد له بذلك أسلوبه، ويؤكده أثر كلامه في النفوس، حتى عُدّ بيانه من دلائل نبوته، جمع بين جمال اللفظ، وقوة المعنى، وسلامة الحجة، فكان كلامه واضحًا، جزلاً، بعيدًا عن التكلف، قريبًا من الفهم، قال السيوطي -رحمه الله-: «أفصَحُ الخَلقِ على الإطلاقِ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حبيبُ رَبِّ العالَمينَ -جَلَّ وعلا-»، وقال الجاحِظُ وهو يَصِفُ كلامَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هو الكلامُ الذي قَلَّ عدَدُ حروفِه، وكَثُر عَدَدُ معانيه، وجَلَّ عن الصَّنعةِ، ونُزِّه عن التَّكلُّفِ». أمثلة على فصاحته - صلى الله عليه وسلم - من فصيحِ كَلامِه الموجَزِ المتعَلِّقِ بالحِكَمِ والآدابِ:
![]() جوامع الكلم اختصه الله -تعالى- بقدرة فريدة على جمع المعاني العظيمة في عبارات موجزة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «أُوتيتُ جوامع الكلم»، ومعنى جوامع الكلم أن يُعبِّر النبي - صلى الله عليه وسلم - بألفاظٍ قليلة، تحمل معانيَ واسعةً غزيرة، وتشمل أحكامًا وقواعدَ عظيمة في الدين والدنيا، تفتح آفاقًا من الفهم، وتؤسس لقواعد كلية في الدين والسلوك. أمثلة على جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -
الجمع بين القول والفعل جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين القول والفعل؛ فكان كلامه ترجمةً صادقةً لعمله، وعمله شاهدَ صدقٍ على قوله، لا يقول شيئًا إلا سبق إليه، ولا ينهى عن أمرٍ إلا كان أبعدَ الناس عنه، فاستقام منهجه، وكملت قدوته، حتى صار فعله تفسيرًا عمليًا للوحي، وسيرته بيانًا حيًّا لمعاني الإسلام، قال -تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21)، وقالت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها في وصفه-: «كان خُلُقُه القرآن». أمثلة على جمعه - صلى الله عليه وسلم - بين القول والفعل
الإشارات واللغة غير اللفظية موضوع الإشارات واللغة غير اللفظية في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - من أدقّ جوانب الهدي النبوي، إذ يجمع بين بلاغة القول وحكمة الإشارة وتربية السلوك، وقد استثمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لغة الجسد في البيان؛ فأشار بيده للتوضيح، وقلّب كفه تعجبًا، وأشاح بوجهه غضبًا، وأضاف بذلك بعدًا وجدانيا مؤثرًا إلى كلامه، يجعل المعنى أبلغ، والموقف أصدق. أمثلة على اللغة غير اللفظية للنبي - صلى الله عليه وسلم -
التشبيه والاستعارة والكناية استخدم - صلى الله عليه وسلم - فنون البيان البلاغي لتقريب المعاني إلى الأذهان، وتصوير القيم المجردة في صور محسوسة؛ فشبّه المؤمن بالزرع في لينِه وثباته، وشبّه المؤمنين في تلاحمهم بالبنيان المرصوص، ليجعل المعنى حاضرًا في الذهن، حيًا في الشعور. أمثلة على التشبيه في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -
التأثير في النفوس كان بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخاطب القلب قبل السمع، ويوقظ الوجدان قبل العقل؛ يُحيي النفوس، ويزكّيها، ويبعث فيها الرغبة الصادقة في العمل الصالح، فكان الكلام منهج إصلاح، لا مجرد خطاب. أمثلة على تأثير كلامه - صلى الله عليه وسلم - في النفوس
منهج دعوي وتربوي متكامل إن طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - في البيان ليست مجرد أسلوب بلاغي، بل هي منهج دعوي وتربوي متكامل، يجمع بين وضوح الرسالة، وعمق التأثير، وحكمة التدرج، وصدق القدوة. ومن استضاء بهذا البيان النبوي، أدرك أن الكلمة إذا خرجت من قلب صادق، وعلى منهج حكيم، بلغت القلوب قبل الآذان، وأثمرت هدايةً وعملًا. فقه الواقع وفقه الخطاب البلاغ المبين ليس قالبًا جامدًا، بل مفهوم حي يتغير باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والظروف، وكما يُطلب الاجتهاد في صحة مضمونه، يُطلب أيضًا في تحقق وضوحه وسلامته؛ إذ يحتاج أحيانًا إلى علم راسخ، ومهارات دعوية، وبصيرة بواقع المخاطَبين، وفهم مفاتيح التأثير في نفوسهم، ويتعلق به تحقيق الحجة وقيام العذر، وهي قضايا عظيمة لا يتّسع المقام لبسطها. عودة صادقة إلى روح الدعوة إن الانتقال من فقه البلاغ إلى فقه التأثير هو عودة صادقة إلى روح الدعوة الأولى؛ دعوةٍ صنعت الإنسان قبل البيان، وربّت القلوب قبل أن تكثر الخطب، وحين يستعيد الخطاب الدعوي هذا التوازن، يعود للرسالة بريقها، وللكلمة سلطانها، وللدعوة أثرها الحيّ في النفوس والمجتمعات، كما قال -تعالى-: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} (الغاشية). نحو تجديدٍ واعٍ للخطاب الدعوي إن الحاجة اليوم ماسّة إلى إعادة الاعتبار لفقه التأثير، في ظل تحوّلات اجتماعية وثقافية متسارعة، دون أدنى تفريط في الأصول أو تنازل عن الثوابت؛ فالتجديد المنشود ليس تبديلًا للمحتوى، وإنما إحياءٌ للمنهج، واستعادةٌ للحكمة في عرض الحق، وبعثٌ لروح الدعوة في خطابها وأدواتها، ويتحقق هذا التجديد الواعي عبر مسارات متكاملة، في مقدمتها:
اعداد: وائل رمضان اثبت وجودك
..
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الترجمة وتحليل الخطاب | ابو الوليد المسلم | ملتقى اللغة العربية | 0 | 01-01-2026 10:01 PM |
| دعوة قبائل العرب (استراتيجية التوسع الدعوي) | ابو الوليد المسلم | قسم السيرة النبوية | 0 | 12-25-2025 06:44 AM |
| الشاطري حدر و ترتيل 2 مصحف الشاطري من تراويح دار البلاغ كامل في 60 مقطع بجودة رهيب | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 06-05-2023 05:42 AM |
| رسالة من المالديف .. إلى أصحاب الهم الدعوي | أبو ريم ورحمة | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 1 | 09-05-2012 10:16 AM |
| فلاشة عمر بن الخطاب | خالددش | ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية | 1 | 04-02-2012 10:15 AM |
|
|