![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#49 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 636 الى صـــ 655 الحلقة (49) لَهُ: فارس الإسلام، وكان من المهاجرين الأولين، هاجر إلى المدينة قبل قدومه - ﷺ - إليها. روي لَهُ عن رسول الله - ﷺ - مائتا حديث، وسبعون حديثا، اتفقا منها عَلَى خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشرة، روى جابر بن عبد الله قَالَ: أقبل سعد ورسول الله - ﷺ - جالس فقال: «هذا خالي فليرني امرؤ خاله»، رواه ابن سعد (١)؛ وسببه أن أمه - ﷺ - آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وسعد هو ابن مالك بن وهيب أخي وهب ابني عبد مناف. روى عنه جمع من الصحابة منهم: ابن عمر وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين أولاده الخمسة: محمد وإبراهيم وعامر ومصعب وعائشة، وخلائق. وهو الذي فتح مدائن كسرى في زمن عمر، وولاه عمر العراق، وفي الصحيحين عن علي قَالَ: ما سمعت رسول الله - ﷺ - جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يوم أحد يقول: «ارم فداك أبي وأمي» (٢)، ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن، ومات بقصره ------------------------ = وسيأتي نحوه أيضًا برقم (٤٣٢٦ - ٤٣٢٧). (١) «الطبقات الكبرى» ٣/ ١٣٧. ورواه أيضًا الترمذي (٣٧٥٢)، وأحمد في «فضائل الصحابة» ٢/ ٩٤٠ (١٣١٢)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ١/ ١٦٨ - ١٦٩ (٢١١، ٢١٣)، وأبو يعلى ٤/ ٤٢ (٢٠٤٩)، ٤/ ٧٨ (٢١٠١)، والطبراني ١/ ١٤٤ - ١٤٥ (٣٢٣)، والحاكم ٣/ ٤٩٨، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٩٩٤). (٢) سيأتي برقم (٢٩٠٥) كتاب: الجهاد والسير، باب: المجن ومن يترس بترس صاحبه، ورواه مسلم (٢٤١١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -. (بالعقيق) (١) عَلَى عشرة أميال من المدينة، وحمل عَلَى أعناق الرجال إليها، ودفن بالبقيع سنة خمس و(خمسين) (٢) أو إحدى أو ست أو سبع أو ثمان، عن ثلاث وسبعين سنة أو أربع أو عن نيف وثمانين. قيل: سنة اثنتين، وقيل: ثلاث، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذٍ والي المدينة، وصفته عَلَى ما قالت ابنته عائشة، أنه كان قصيرًا جدًا دَحْدَاحًا (٣) غليظًا ذا هامة شَثْن الأصابع (٤) أسمر يخضب بالسواد. وروى ابن سعد عن سفيان، عن حكيم بن الديلمي: أنه كان يسبح بالحصا (٥). فائدة: في الصحابة من اسمه سعد فوق المائة كما هو معروف في موضعه. وأما ولده عامر (بن سعد) (٦) فهو مدني قرشي زهري، سمع أباه وعثمان وجابر بن سمرة وجماعة من الصحابة، وعنه: سعيد بن المسيب وغيره من التابعين، وكان ثقة كثير الحديث، مات سنة أربع ومائة، وقيل: ثلاث (٧). ------------------------ (١) في (ف): بالعتيق، وهي ساقطة من (ج) والمثبت من مصادر التخريج. (٢) ساقط من (ج). (٣) الدَّحْدَاح: القصير، انظر: «الصحاح» ١/ ٣٦١ مادة [دحح]. (٤) أي: غليظ الأصابع، انظر: «الصحاح» ٥/ ٢١٤٢ مادة: [شثن]. (٥) انظر ترجمة سعد بن أبي وقاص في: «الطبقات الكبرى» ٣/ ١٣٧، «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٣، «الاستيعاب» ٢/ ١٧١ (٩٦٨)، «أسد الغابة» ٢/ ٣٦٦ (٢٠٣٧). (٦) ساقطة من (ج). (٧) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٦٧، «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٤٩ (٢٩٥٦)، «معرفة الثقات» ٢/ ١١ (٨٢٢)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٢١ (١٧٩٤)، «الثقات» ٥/ ١٨٦، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٢١ (٣٠٣٨). وأما ابن أخي الزهري: فهو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله ابن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري، روى عن عمه محمد (وأبيه) (١)، وعنه جماعات منهم: القعنبي، روى عنه البخاري في الصلاة، والأضاحي، ومسلم في الإيمان والصلاة والزكاة، قَالَ الحاكم في «مدخله»: عيب عَلَى البخاري ومسلم إخراجهما حديثه، أخرج لَهُ البخاري في الأصول، ومسلم في الشواهد (٢). وقال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه (٣)، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن عدي: لم أَرَ بحديثه بأسًا، ولا رأيت لَهُ حديثًا منكرًا (٤)، وقال عباس (٥)، عن يحيى (يعني) (٦): ابن معين: ابن أخي الزهري أمثل من أبي أويس، وقال مرة فيه: ليس بذاك القوي. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صالحًا. وقال الواقدي: قتله غلمانه بأمر ابنه، وكان ابنه سفيهًا شاطرًا قتله للميراث في آخر خلافة أبي جعفر المنصور، ومات أبو جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة، ثمَّ وثب غلمانه ------------------------ (١) في (ف): وابنيه، وما أثبتناه من (ج) وهو الصواب. (٢) «المدخل إلى الصحيح» ٤/ ١٦٠ - ١٦١. (٣) «الجرح والتعديل» ٧/ ٣٠٤ (١٦٥٣). (٤) «الكامل» ٧/ ٣٦٣ (١٦٥٢). (٥) هو عباس بن محمد بن حاتم بن واقد، الدوري، ثم البغدادي، الإمام الحافظ الثقة الناقد، أبو الفضل. لازم يحيى بن معين وتخرج به، وسأله عن الرجال، وهو في مجلد كبير، قال الأصم: لم أر في مشايخي أحسن حديثًا منه، توفي سنة إحدى وسبعين ومائتين. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١/ ١٤٤، «الأنساب» ٥/ ٤٠٠، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٢٤٥ (٣١٤١)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٥٢٢ (١٩٩). (٦) ساقطة من (ج). عَلَى ابنه بعد سنين فقتلوه (١)، وجزم النووي في «شرحه» بأن محمدًا هذا مات سنة اثنتين وخمسين ومائة (٢). ثالثها: في هذا الإسناد لطيفتان: الأولى: أنه جمع ثلاثة زهريين مدنيين. الثانية: أنه جمع ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض، صالح وابن شهاب وعامر، وصالح أكبر من الزهري؛ لأنه أدرك ابن عمر فهو (من) (٣) رواية الأكابر عن الأصاغر، وهذِه لطيفة ثالثة. رابعها: معنى قوله: (رواه يونس ..) إلى آخره، أن هؤلاء الأربعة تابعوا شعيبًا في رواية هذا الحديث عن الزهري فيزداد قوة بكثرة طرقه، وفي ---------------------- (١) «الطبقات الكبرى» القسم المتمم ص ٤٥٣ - ٤٥٤ (٣٨٥). (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ١٣١ (٣٩٤)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣٠٤ (١٦٥٣)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٥٤ (٥٣٧٥). ولأن هذا الراوي من رواة البخاري المتكلم فيهم؛ أورده الحافظ في «هدي الساري» ص ٤٤٠ وقال: ذكره محمد بن يحيى الذهلي في الطبقة الثانية من أصحاب الزهري مع محمد بن إسحاق وفليح وقال: إنه وجد له ثلائة أحاديث لا أصل لها. أحدها: حديثه عن عمه، عن سالم، عن أبي هريرة مرفوعًا: «كل أمتي معافًى إلا المجاهرين»، ثانيها: بهذا الإسناد كان إذا خطب قال: كل ما هو آت قريب، موقوف. ثالثها: عن امرأته أم الحجاج بنت الزهري عن أبيها أن النبي - ﷺ - كان يأكل بكفه كلها، مرسل. والذهلي أعرت بحديث الزهري، وقد بين ما أنكر عليه، فالظاهر أن تضعيف من ضعفه بسبب تلك الأحاديث التي أخطأ فيها، ولم أجد له في البخاري سوى أحاديث قليلة. اهـ. بتصرف. وقال في «التقريب» (٦٠٤٩): صدودق له أوهام. (٣) من (ج). هذا وشبهه من قول الترمذي: وفي الباب عن فلان وفلان إلى آخره فوائد: هذِه إحداها. وثانيها: أن تعلم رواته؛ ليتبع رواياتهم ومسانيدهم من يرغب في شيء من جمع الطرق أو غيره لمعرفة متابعة أو استشهاد أو غيرهما. الثالثة: ليعرف أن هؤلاء المذكورين رووه، فقد يتوهم من لا خبرة لَهُ أنه لم يروه غير ذَلِكَ المذكور في الإسناد، فربما رآه في كتاب آخر عن غيره فتوهمه غلطًا، وزعم أن الحديث إنما هو من جهة فلان. فإذا قيل في الباب: عن فلان، وفلان ونحو ذَلِكَ زال الوهم المذكور، فتنبه لذلك. خامسها: هذا الرجل لم أقف (عَلَى اسمه) (١) فليتتبع (٢). ----------------------- (١) في (ب): قوله على اسم. (٢) سماه الحافظ، فقال في «هدي الساري» ص ٢٤٩ فقال: قوله: فترك رجلًا هو أعجبهم إليَّ، هو جعيل بن سراقة الضمري، ذكره الواقدي. وذكر ذلك أيضًا في «الفتح» ١/ ٨٠، وزاد أن الواقدي سماه في «المغازي»، وبهذا سماه أيضًا العيني في «عمدة القاري» ١/ ٢٢١، وكذا السيوطي في «الديباج» ١/ ١٧١. ومما يشهد لذلك ما رواه ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» ٤/ ١٤٣ - ١٤٤، ومن طريقه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٢/ ٦٢٥ - ٦٢٦ (٥١٢)، وفي «الحلية» ١/ ٣٥٣، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٣٣٨ عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، أن قائلًا قال لرسول الله - ﷺ - من أصحابه-: يا رسول الله، أعطيت عيينة ابن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما والذي نفس محمد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض، كلهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، ولكني تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه». قال الحافظ في «الإصابة» ١/ ٢٣٩: مرسل حسن. سادسها: في ألفاظه ومعانيه: الأول: قوله: (أَعْطَى رَهْطًا)، أي جماعة، وأصله الجماعة دون العشرة، قَالَ ابن التياني (١): قَالَ أبو زيد: الرهْطُ ما دون العشرة من الرجال. وقال صاحب «العين»: الرَّهْطُ عدد جمع من ثلاثة إلى عشرة، وبعض يقول: من سبعة إلى عشرة، وما دون السبعة إلى الثلاثة نَفَرٌ، وتخفيف الرَّهْطِ أحسن (٢)، تقول: هؤلاء رَهْطُكَ، وأَرْهَطُكَ، وهم رجال عشيرتك. وعن ثعلب: الرَّهْطُ: الأب الأدنى. وعن النضر (٣): جاءنا أَرْهُوُط منهم مثل أركوب، والجمع أَرَاهطٌ، وأرهيط. -------------------- (١) هو تمام بن غالب بن عمر، أبو غالب القرطبي، حامل لواء اللغة، ابن التياني، نزيل مرسية، قال الحميدي: كان إمامًا في اللغة، ثقة ورعًا خيرًا، له كتاب في اللغة لم يؤلف مثله اختصارًا وإكثارًا. وكان مقدمًا في علم اللسان أجمعه، مسلمًا له اللغة، توفي سنة ست وثلاثين وأربعمائة. انظر تمام ترجمته في: «الإكمال» ١/ ٤٤٣، «وفيات الأعيان» ١/ ٣٠٠، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٨٤ (٣٩٠)، «تاريخ الإسلام» ٢٩/ ٤٢٤ (١٦٠)، «الوافي بالوفيات» ١٠/ ٣٩٨. (٢) «العين» ٤/ ١٩. (٣) هو النضر بن شميل بن خرشة، أبو الحسن المازني البصري النحوي اللغوي الحافظ، نزيل مرو حدث عن هشام بن عروة، وأشعث بن عبد الملك الحمراني، وبهز بن حكيم، وعنه يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه. وثقه يحيى بن معين وابن المديني، والنسائي، وأبو حاتم، مات في أول سنة أربع ومائتين. انظر ترجمته في «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٧٣، «التاريخ الكبير» ٨/ ٩٠ (٢٢٩٦)، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٣٧٩ - ٣٨٤ (٦٤١٩)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٣٢٨ - ٣٣٢ (١٠٨)، وستأتي ترجمته مفصلة عند حديث (١٥٢). وفي «المحكم»: لا واحد لَهُ من لفظه، وقد يكون الرَّهْطُ من العشيرة (١)، وفي «الجامع» و«الجمهرة»: الرَّهْطُ من القوم: وهو ما بين الثلاثة إلى العشرة، وربما (جاوزوا) (٢) ذَلِكَ قليلًا وَرْهطُ الرجل: بنو أبيه، ويجمع عَلَى أَرْهُطٍ، ويجمع الجمع عَلَى أَرَاهِطٍ (٣). وفي «الصحاح»، رَهْطُ الرجل: قومه وقبيلته. والرَّهْطُ: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة، والجمع أَرْهُطٌ وأَرْهَاطٌ كأنه جمع أراهط (٤) وأراهيط (٥)، وفي «مجمع الغرائب»: الرَّهْطُ: جماعة غير كثيري العدد. الثاني: قوله: (هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ). أي: أفضلهم وأصلحهم في اعتقادي. الثالث: قوله: (مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟) أي: (أيُّ سبب لِعُدُولك عن فلان) (٦)؟ قاله الجوهري عن ابن السراج (٧)، و(فلان) كناية عن اسم سمي به المحدث عنه، قَالَ: ويقال في غير الناس: الفلان والفلانة بالألف واللام. ---------------------- (١) «المحكم» ٤/ ١٧٦، ١٧٧. (٢) في (ج): جاوز. (٣) «جمهرة اللغة» لابن دريد ٢/ ٧٦١. (٤) كذا في (ج) و(ف) وفي «الصحاح»: أرهط. (٥) «الصحاح» ٣/ ١١٢٨ مادة: (رهط). (٦) في (ج) أي: لأى سبب تعدل عن فلان؟. (٧) هو محمد بن السري البغدادي النحوي، أبو بكر، ابن السراج، إمام النحو، انتهى إليه علم اللسان، له كتاب «أصول العربية» وما أحسنه، وكتاب: «شرح سيبويه». انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٥/ ٣١٩، «المنتظم» ٦/ ٢٢٠، «وفيات الأعيان» ٤/ ٣٣٩، «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ٤٨٣ (٢٦٨)، «تاريخ الإسلام» ٢٣/ ٥٢٣ (٢٧١). الرابع: قوله: (فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُومِنًا)، هو بفتح الهمزة، قَالَ النووي: ولا يجوز ضمها عَلَى أن تجعل بمعنى أظنه لأنه قَالَ: ثمَّ غلبني ما أعلم منه؛ ولأنه راجع النبي - ﷺ - مرارًا، ولو لم يكن جازمًا باعتقاده لما كرر المراجعة (١). وأما أبو العباس القرطبي فقال: الرواية بضم الهمزة بمعنى: أظنه، وهو منه حلف عَلَى ما ظنه، ولم ينكر عليه، فهو دليل عَلَى جواز الحلف عَلَى الظن، وهو يمين اللغو، وهو قول مالك والجمهور (٢). قُلْتُ: (وهي) (٣) عند الشافعي أن يسبق لسانه إلى اليمين من غير أن يقصدها: كلا والله، وبلى والله (٤). الخامس: قوله: («أَوْ مُسْلِمًا»)، هو بإسكان الواو، وهي (أو) التي للتقسيم والتنويع، أو للشك والتشريك، ومن فتحها أخطأ وأحال المعنى، ومعنى الإسكان: أن لفظة الإسلام أولى أن نقولها؛ لأنها معلومة بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله، وليس فيه إنكار كونه مؤمنًا، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان. وقد غلط من توهم كونه حكم بأنه غير مؤمن، بل في الحديث إشارة إلى إيمانه، وهو قوله: «أُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ»، وأغرب بعضهم فادعى أن قوله: «أو مسلمًا» أمره أن لا يقطع بإيمانه بل يقولهما؛ لأنه أحوط، وروى ابن أبي شيبة من حديث أنس رفعه: «الإسلام علانية والإيمان في القلب» ثمَّ يشير بيده إلى صدره، «التقوى ها هنا التقوى ها هنا» (٥). ------------------ (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢/ ١٨١. (٢) «المفهم» ١/ ٣٦٧. (٣) ساقطة من (ج). (٤) «الأم» ٧/ ٥٧. (٥) «المصنف» ٦/ ١٥٩ (٣٠٣١٠)، «الإيمان» (٦) قال: حدثنا زيد بن الحباب، عن = قَالَ ابن عدي: حديث غير محفوظ (١). السادس: قوله: (فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي)، قَالَ أهل اللغة: يقال: عاد لكذا، أي: رجع إليه بعد ما كان أعرض عنه، والمقالة والمقال والقول والقولة بمعنًى. السابع: قوله: («خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ»)، هو بفتح أول يَكُبّه وضم الكاف، يقال: أَكَبَ الرجل وكَبَّهُ غيره، وهذا بناء غريب، فإن المعروف أن يكون الفعل اللازم بغير همزة فُيعدى بها، وهنا عكسه، ومعنى كَبَّه: ألقاه، ويقال: كَبْكَبَهُ بمعنى: كبَّه. وذكر البخاري في كتاب: الزكاة عقب ذَلِكَ: قَالَ أبو عبد الله: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ (فكَبوا) (٢) ﴿مُكِبًّا﴾، أَكَبَّ الرجل إِذَا كان فعله غير واقع عَلَى أحد، فإذا وقع الفعل قُلْت: كَبَّه الله لوجهه وكببته أنا (٣). --------------------- = علي بن مسعدة، قال: حدثنا قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، مرفوعًا به. ورواه عنه أبو يعلى ٥/ ٣٠١ - ٣٠٢ (٢٩٢٣)، ومن طريقه ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ١١١، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٣٥٣. ورواه أحمد ٣/ ١٣٤ - ١٣٥، والبزار كما في «كشف الأستار» (٢٠)، والعقيلي في «الضعفاء» ٣/ ٢٥٠، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٢٧٦ من طرق عن علي بن مسعدة به. وقال البزار: تفرد به علي بن مسعدة. قال عبد الحق في «أحكامه» ١/ ٧٦: حديث غير محفوظ؛ تفرد به علي بن مسعدة، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٢٨٠). وأما قوله: «التقوى ها هنا»، فهذِه القطعة شاهدها في «صحيح مسلم» (٢٥٦٤/ ٣٢) من حديث أبي هريرة. (١) «الكامل في الضعفاء» ٦/ ٣٥٤. (٢) كذا في (ف) و(ج) وهي رواية أبي ذر، وفي باقي النسخ: فقلبوا. (٣) سيأتي برقم (١٤٧٨) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾. قَالَ أبو المعالي في «المنتهى»: أُكِبَّ الرجل، أي: قُلب لوجهه، وهو من النوادر، وأَكَب عليه إِذَا انحنى عليه. وقال ابن سيده: كَبَّ الشيء يَكُبُّه كَبًّا، وكَبْكَبَهُ: قلبه، وحكى ابن الأعرابي: أَكَبَّهُ (١). وفي «الجامع»: يتعدى إِذَا كان عَلَى فَعَل، ولا يتعدى إِذَا كان عَلَى أفعل. وقال القاضي: الرواية الصحيحة يكبه، بفتح أوله -أي كما أسلفناه- فحل ثلاثي من كَبَّ، ولم يأت في لسان العرب فعل ثلاثيه يتعدى، وفعل رباعيه لا يتعدى عَلَى نقيض المتعارف إلا كلمات قليلة، منها أَكَبَّ الرجل، وكببته أنا. قَالَ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]،، وقال: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، ومثله أقْشَعَ الغيم، وقَشَعَتْهُ الريح، وأنْسَلَ ريش الطائر، ونَسَلْتُهُ أنا، وأنزفتِ البئر: قل ماؤها، ونزفتها أنا، وأَمْرَتِ الناقة درَّ لبنها، ومريتها أنا، وأَشنَق البعير: رفع رأسه، (وشنقته) (٢) أنا (٣). الثامن: الضمير في (يكبه) يعود إلى المعطى، أي: أتألف قلبه بالإعطاء مخافة من كفره ونحوه إِذَا لم يعط، والتقدير: أعطي من في إيمانه ضعف؛ لأني أخشى عليه لو لم أعطه أن يعرض لَهُ اعتقاد (يكفر به فيكبه الله في النار. وأما من قوي إيمانه فهو أحب إليَّ فأَكِلهُ إلى إيمانه ولا أخشى عليه رجوعًا عن دينه ولا سوء اعتقاد) (٤) ولا ضرر عليه فيما لا يحصل لَهُ من الدنيا. ------------------------ (١) «المحكم» ٦/ ٤١٦. (٢) في (ج): وأشنقته. (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٤٦٢. (٤) ساقطة من (ج). سابعها: في فقهه وفوائده: الأولى: الشفاعة إلى ولاة (الأمر) (١) وغيرهم فيما ليس بحرام. الثانية: مراجعة المشفوع إليه في الأمر الواحد مرارًا إِذَا لم يؤد إلى مفسدة. الثالثة: الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه. الرابعة: أن الإمام يصرف الأموال في المصالح الأهم فالأهم. الخامسة: أن المشفوع إليه لا (عتب) (٢) عليه إِذَا رد الشفاعة إِذَا كانت خلاف المصلحة، فإن كان ولي أمر المسلمين، أو ناظر يتيم ونحوه لم يجز لَهُ قبول شفاعة تخالف مصلحة ما هو ولي أمره. السادسة: أن المشفوع إليه إِذَا ردَّ الشفاعة، ينبغي أن يعتذر إلى الشافع ويبين لَهُ عذره في ردها. السابعة: أن المفضول ينبه الفاضل عَلَى ما يرَاه مصلحة لينظر فيه الفاضل. الثامنة: أن المشار عليه يتأمل ما يشار به عليه فإذا لم تظهر مصلحته لايعمل به. التاسعة: أنه لا يقطع لأحد عَلَى التعيين بالجنة إلا من ثبت فيه نص كالعشرة من الصحابة وأشباههم، بل يرجي للطائع ويخاف عَلَى العاصي، ويقطع من حيث الجملة أن من مات عَلَى التوحيد دخل الجنة، وهذا كله إجماع أهل السنة. العاشرة: استدل به جماعة من العلماء عَلَى جواز قول المسلم: أنا ------------------------ (١) في (ج): الأمور. (٢) في (ف): عتب. مؤمن مطلقًا من غير تقييد بقوله: إن شاء الله، وهذِه المسألة فيها خلاف للصحابة فمن بعدهم، وقد سلف بيانها في أول كتاب الإيمان مبسوطة. الحادية عشرة: فيه دلالة لمذهب أهل الحق في قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إِذَا اقترن به اعتقاد بالقلب، خلافًا للكرامية وغلاة المرجئة في قولهم: يكفي الإقرار، وهذا ظاهر الخطأ يردُّه إجماع الأمة والنصوص المتظاهرة في تكفير المنافقين وهذِه صفتهم. قَالَ الإمام أبو بكر بن الطيب المعروف بابن الباقلاني (١) وغيره من الأئمة -رحمهم الله-: هذِه الآية وهي قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤] حجة لأهل الحق في الرد عَلَى الكرامية وغلاة المرجئة قالوا: وقد أبطل الله تعالى مذهبهم في مواضع من كتابه، منها قوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، ولم يقل: في ألسنتهم، ومن أقوى ما يبطل به قولهم إجماع الأمة عَلَى تكفير المنافقين، وكانوا يظهرون الشهادتين. الثانية عشرة: الفرق بين الإيمان والإسلام، وقد سلف الكلام عليه في أول كتاب: الإيمان، وسيكون لنا عودة إليه -إن شاء الله تعالى- في --------------------- (١) هو الإمام العلامة، أوحد المتكلمين، مقدم الأصوليين، القاضي أبو بكر، محمد ابن الطيب بن محمد بن جعفر بن قاسم، البصري، ثم البغدادي، ابن الباقلاني، صاحب التصانيف، كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، وكان ثقة إمامًا بارعًا، صنف في الرد على الرافضة والمعتزلة والخوارج والجهمية والكرامية، وانتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري، وقد يخالفه في مضائق، توفي سنة ثلاث وأربعمائة. انظر تمام ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٥/ ٣٧٩، «المنتظم» ٧/ ٢٦٥، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٩٠ (١١٠)، «تاريخ الإسلام» ٢٨/ ٨٨ (١١٤)، «الوافي بالوفيات» ٣/ ١٧٧. حديث جبريل (١). قَالَ المهلب: الإسلام عَلَى الحقيقة هو الإيمان الذي هو عقد القلب المصدق لإقرار اللسان الذي لا ينفع عند الله غيره، ألا ترى قوله تعالى لقوم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤]، أي: بألسنتهم دون تصديق قلوبهم: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وقال القاضي عياض: هذا الحديث أصح دليل عَلَى الفرق بين الإسلام والإيمان، وأن الإيمان باطن ومن عمل القلب، والإسلام ظاهر ومن عمل الجوارح، لكن لا يكون مؤمنًا إلا مسلمًا، وقد يكون مسلمًا غير مؤمن، ولفظ هذا الحديث يدل عليه (٢). وكذا قَالَ الخطابي: هذا الحديث ظاهره يوجب الفرق بين الإيمان والإسلام، فيقال له: مسلم، أي: مستسلم، ولا يقال له: مؤمن، وهو معنى الحديث، قَالَ تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي: استسلمنا. وقد يتفقان في استواء الظاهر والباطن، فيقال للمسلم: مؤمن وللمؤمن مسلم (٣). خاتمة: سبب نزول الآية السالفة ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ ما ذكره الواحدي: أن أعرابًا من أسد بن خزيمة قدموا عَلَى رسول الله - ﷺ - في سنة جدبة، وأظهروا الشهادتين، ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا ----------------------- (١) سيأتي برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٤٦١. (٣) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٠ - ١٦١. طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارها، وكانوا يقولون لرسول الله - ﷺ -: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك حين قاتلك بنو فلان فأعطنا من الصدقة، وجعلوا يمنون عليه فأنزلها الله تعالى (١). ------------------------- (١) «أسباب النزول» ص ٤١٢ (٧٦٧) عن ابن عباس، وورد بهامش (ف): بلغ الشيخ الإمام برهان الدين الحلبي قراءة على مؤلفه وسمعه الصفدي … والعاملي وابن المصنف والشيخ علاء الدين … وكاتبه محمد بن … الحاجري والواسطي وآخرون .... ٢٠ - باب إِفْشَاءُ السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ. ٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». [انظر ١٢ - مسلم: ٣٩ - فتح: ١/ ٨٢] نا قُتَيْبَةُ نا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث تقدم الكلام عَلَى من خرجه قريبًا حيث ذكره، ونبَّهنا عليه هناك (١). ثانيها: تقدم أيضًا التعريف برواته إلا قتيبة، وهو أبو رجاء قتيبة بن سعيد ابن جميل بن طريف بن عبد الله الثقفي، مولاهم البغلاني، منسوب إلى بغلان -بفتح الموحدة وإسكان الغين المعجمة- قرية من قرى بلخ (٢). -------------------------- (١) سلف برقم (١٢). (٢) انظر: «الأنساب» ٢/ ٢٥٧. قيل: إن جده جميلًا كان مولًى للحجاج بن يوسف، وقال ابن عدي: اسمه يحيى، وقتيبة لقب، وقال ابن منده: اسمه علي، سمع مالكًا وغيره من الأئمة، وعنه أحمد وغيره من الأعلام الحفاظ، وهو ثقة، صاحب سنة. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وروى هو وابن ماجه عن رجل عنه، ولد سنة خمسين ومائة، ومات في (شعبان) (١) سنة أربعين ومائتين، وقال الحاكم في «تاريخ نيسابور»: مات في ثاني رمضان (٢). ثالثها: عمار: هو أبو اليقظان بن ياسر بن (عامر بن) (٣) مالك بن الحصين بن قيس بن ثعلبة بن عوف بن يام بن عنس -بالنون- بن زيد بن مالك بن أدد العنسي. وقال ابن سعد: عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام الأكبر بن عنس -بالنون- وهو زيد بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان (٤).(١) في (ج): سبعين، وهو خطأ بين. (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٧/ ١٩٥ (٨٧٠)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٤٠ (٧٨٤)، «فتح الباب» لابن منده (٢٧٤٨)، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٥٢٣ (٤٨٥٢)، «سير أعلام النبلاء» ١١/ ١٣ (٨). (٣) من (ج). (٤) «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٤٦. أمه سمية أسلمت، وكذا ياسر مع عمار قديمًا، وقَتَل أبو جهل سميةَ وكانت أول شهيدة في الإسلام (١)، وكانت مع ياسر وعمار يعذبون بمكة في الله تعالى فيمر بهم النبي - ﷺ - وهم يعذبون فيقول: «صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» (٢)، وكانوا من المستضعفين (٣). قَالَ الواقدي: وهم قوم لا عشائر لهم بمكة، ولا منعة ولا قوة، كانت قريش تعذبهم في الرمضاء، فكان عمار يعذب حتَّى لا يدري -------------------------- (١) رواه ابن سعد ٣/ ٢٣٣، ٤/ ٢٦٨ - ٢٦٥، وابن أبي شيبة ٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨ (٣٦٥٧٥)، وابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ٤٢٠، كلهم عن مجاهد. (٢) رواه من حديث جابر الطبراني في «الأوسط» ٢/ ١٤١ (١٥٠٨)، والحاكم ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩ كتاب: معرفة الصحابة، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وابن سعد مرسلًا عن أبي الزبير في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٤٩، وذكره الهيثمي ٩/ ٢٩٣، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقوّم، وهو ثقة. وصححه الألباني في «صحيح السيرة النبوية» ص ١٥٤ - ١٥٥ فقال بعد ذكره لتصحيح الحاكم والذهبي له، قال: هو كما قالا. ورواه من حديث يوسف المكي، ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٤/ ١٣٧، ورواه من حديث عثمان بن عفان الطبرانيُّ ٢٤/ ٣٠٣ (٧٦٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٤٠، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١١/ ٣٤٣، وذكره الدارقطني في «العلل» ٣/ ٣٩ (٢٧٢)، وقال: رواه إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن حسين بن محمد المروذي، عن سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عثمان. والصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال الهيثمي ٩/ ٢٩٣: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. وذكره الهيثمي من حديث عمار ٩/ ٢٩٣، وعزاه للطبراني، وقال: رجاله ثقات. (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٤٦، ٦/ ١٤، «الاستيعاب» ٣/ ٢٢٧ - ٢٣١ (١٨٨٣)، و«أسد الغابة» ٤/ ١٢٩ - ١٣٥ (٣٧٩٨)، و«تهذيب الكمال» ٢١/ ٢١٥ - ٢٢٧ (٤١٧٤)، و«سير أعلام النبلاء» ١/ ٤٠٦ - ٤٢٨ (٨٤)، و«الإصابة» ٢/ ٥١٢ - ٥١٣ (٥٧٠٤). ما يقول، وصهيب كذلك (١)، و[أبو] (٢) فكيهة كذلك وبلال (٣) وعامر بن فهيرة (٤)، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن ----------------------------- (١) هو صهيب بن سنان بن خالد بن عمرو، وقيل غير ذلك في نسبه. سبته الروم عندما أغارت على بلدته صغيرًا، فابتاعته كلب منهم، فقدمت به مكة، فاشتراه عبد الله بن جدعان، فأعتقه، وأسلم، فلما أراد الهجرة قال له أهل مكة: أتيتنا ها هنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا وبلغت ما بلغت ثم تنطلق بنفسك ومالك؟ والله لا يكون ذلك. فقال: أرأيتم إن تركت مالي تخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. فجعل لهم ماله أجمع، فبلغ النبي - ﷺ -، فقال: «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع». ونزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾. [البقرة: ٢٠٧] انظر: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٢٦ - ٢٣٠، «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٧ (١٢٣١)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٦ - ٣٩ (٢٥٣٦)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٢٣٧ - ٢٤٠ (٢٩٠٤). (٢) ساقطة من (ف) و(ج)، والمثبت من «الطبقات» ٣/ ٢٤٨، «البداية والنهاية» ٣/ ١١٣، «الدر المنثور» ٤/ ٢٤٩. (٣) هو بلال بن رباح القرشي التيمي المؤذن، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا عبد الكريم، وقيل: غير ذلك، وهو مولى أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. شهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان من السابقين إلى الإسلام، وممن يعذب في الله -عز وجل- فيصبر على العذاب، وكان أبو جهل يبطحه على وجهه في الشمس ويضع الرحى عليه حتى تصهره الشمس، ويقول: اكفر برب محمد، فيقول: أحد أحد. انظر: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٩، ٧/ ٣٨٥ - ٣٨٦، «الاستيعاب» لابن عبد البر ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩، «أسد الغابة» ١/ ٢٤٣. (٤) هو عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر الصديق، يكنى أبا عمرو، وكان مولَّدًا من مولدي الأزد، أسود اللون، مملوكًا للطفيل بن عبد الله بن سخبرة، أخي عائشة لأمها. وكان من السابقين إلى الإسلام، أسلم قبل أن يدخل رسول الله - ﷺ - دار الأرقم، أسلم وهو مملوك، وكان حسن الإسلام، وعذب في الله، فاشتراه أبو بكر، فأعتقه، شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة وهو ابن أربعين سنة. انظر: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٣٠ - ٢٣١، «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٠٥١ - ٢٠٥٣ (٢١٣١)، «أسد الغابة» ٣/ ١٣٦ - ١٣٧ (٢٧٢٢). بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ (١) [النحل: ١١٠]، ومن قرأ «فَتنوا» بالفتح وهو ابن عامر (٢)، فالمعنى: فتنوا أنفسهم. وعن عمرو بن ميمون قَالَ: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار فكان - ﷺ - يمر به، ويمر بيده عَلَى رأسه فيقول: «يا نارُ كوني بردًا وسلامًا عَلَى عمار كما كنت عَلَى إبراهيم، تقتُلك الفئةُ الباغية» (٣). وعن ابن ابنه قَالَ: أخذ المشركون عمارًا فلم يتركوه حتَّى نال من رسول الله وذكر آلهتهم بخير. فلما أتى رسول الله - ﷺ - قَالَ: «ما وراءك؟» قَالَ: شر يا رسول الله، والله ما تُركِتُ حتَّى نِلْتُ منك، وذَكَرْتُ آلهتهم بخير، فقال: «فكيف تجد قلبك؟» قَالَ: مطمئنًا بالإيمان، قَالَ: «فإن عادوا فعد» (٤). ------------------------ (١) انظر: «طبقات ابن سعد» ٣/ ٢٤٨ عن عمرو بن ميمون، وفيه: وفيهم نزلت هذِه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾. [النحل: ٤١] وهو خطأ، وصواب الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠]. وقد عزا السيوطي في «الدر» ٤/ ٢٤٩ آثار عمار وصهيب وبلال .. لابن سعد وذكر الآية كما عند المصنف. (٢) انظر: «الحجة للقراءات السبعة» ٥/ ٧٩، «حجة القراءات» ص ٣٩٥، «الكشف عن وجوه القراءات السبع وعللها وحججها» ٢/ ٤١. (٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ٢٤٨، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٣/ ٣٧٢. والجزء الأخير من الحديث رواه مسلم من حديث أم سلمة (٢٩١٦). (٤) رواه ابن سعد ٣/ ٢٤٩، والطبري في «التفسير» ٧/ ٦٥١ (٢١٩٤٦) والحاكم ٢/ ٣٥٧. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٤٠، والبيهقي ٨/ ٢٠٨ - ٢٠٩، عند الحاكم والبيهقي: عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه … قال الألباني في «فقه السيرة» ص ١٢٢: في ثبوت هذا السياق نظر، وعلته الإرسال. شهد عمار بدرًا، والمشاهد كلها، وهاجر إلى أرض الحبشة ثمَّ المدينة، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ .. الآية. وكان إسلامه بعد بضعة وثلاثين رجلًا هو وصهيب. روى عن علي وغيره من الصحابة، ومناقبه جمة، روي لَهُ اثنان وستون حديثًا اتفقا منها عَلَى حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث، وآخى النبي - ﷺ - بينه وبين حذيفة، وكان رجلًا آدم، طوالا، أشهل العينين، بعيدما بين المنكبين، لا يغير شيبه، قتل بصفين في صفر سنة سبع وثلاثين مع علي عن ثلاث، وقيل: أربع وتسعين (سنة) (١)، ودفن هناك بصفين، وقتل وهو مجتمع العقل، وسأل عمر عمارًا فقال له: أساءك عزلنا إياك؟ قَالَ: لئن قُلْتُ ذَلِكَ لقد ساءني حين استعملتني، وساءني حين عزلتني (٢). رابعها: هذا الحديث سلف شرحه في الباب السالف المشار إليه. خامسها: قول عمار - رضي الله عنه - رواه أبو القاسم اللالكائي عن علي بن أحمد بن جعفر، (نا) (٣) أبو العباس أحمد بن علي المرْهِبِي، (نا) (٤) أبو محمد الحسن بن علي بن جعفر الصيرفي، (نا) (٥) أبو نعيم، ----------------------- (١) من (ج). (٢) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٥٦. وانظر تمام ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٤٦، «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٤٩ (٧٦٣)، «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٠٧٠ (٢١٦٠)، «الاستيعاب» ٣/ ٢٢٧ (١٨٨٣)، «الجمع بين رجال الصحيحين» لابن القيسراني ١/ ٣٩٩، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٢١٥ (٤١٧٤)، «تاريخ الإسلام» ٣/ ٥٦٩، «الإصابة» ٢/ ٥١٢ (٥٧٠٤). (٣) في (ج): ثنا. (٤) في (ج): حدثنا. (٥) في (ج): ثنا. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#50 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (2) من صـــ 666 الى صـــ 665 الحلقة (50) (نا) (١) فطر عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عنه (٢). ورواه رسته أيضًا عن سفيان، (نا) (٣) أبو إسحاق، فذكره، ورواه البغوي في «شرح السنة» عن عمار مرفوعًا (٤)، قَالَ جماعات منهم أبو الزناد: هذِه الثلاث عليها مدار الإسلام، وهي جامعة للخير كله؛ لأن من أنصف من نفسه فيما بينه وبين الله وبين الخلق، ولم يضيِّع شيئًا مما لله تعالى عليه، وللناس عليه، ولنفسه بلغ الغاية في الطاعة. وأما بذل السلام للعالم فمعناه: للناس كلهم، لقوله - ﷺ -: «وتقرأ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف». وهذا من أعظم مكارم الأخلاق، ويتضمن التواضع وهو أن لا ترتفع عَلَى أحد، ولا تحتقر أحدًا، وإصلاح ما بينه وبين الناس بحيث لا يكون بينه وبين أحد شحناء، ولا أمر يمتنع من السلام عليه بسببه. كما يقع لكثير من الناس، ففيه الحث عَلَى إفشاء السلام وإشاعته، وأما الإنفاق من الإقتار فهو الغاية في الكرم، وقد مدح الله تعالى ------------------------ (١) في (ج): ثنا. (٢) «شرح أعتقاد أهل السنة والجماعة» (١٧١٣). (٣) في (ف): نا. (٤) «شرح السنة» ١٢/ ٢٦١ موقوفًا وليس مرفوعًا، ورواه مرفوعًا البزار كما في «كشف الأستار» (٣٠)، وقال: هذا رواه غير واحد موقوفًا على عمار. والقضاعي في «مسند الشهاب» ٢/ ٦٥ (٨٩٢)، واللالكائي (١٦٩٨). وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ٥٦، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، إلا أن شيخ البزار لم أر من ذكره، وهو الحسن بن عبد الله الكوفي. اهـ. وقال أيضًا ١/ ٥٧: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه: القاسم أبو عبد الرحمن، وهو ضعيف. اهـ. قال الألباني في «الإيمان» لأبي عبيد ص ١٧: روي مرفوعًا وموقوفًا، والراجح الوقف على أن في سنده من كان اختلط. (فاعله) (١) بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وهذا عام في نفقة الرجل عَلَى عياله وضيفه والسائل منه، وفي كل نفقة في الطاعات، وهو متضمن للوثوق بالئه تعالى، والزهادة في الدنيا، (وقصر الأمل) (٢) وهذا كله من مهمات طرق الآخرة. --------------------------- (١) في (خ): فاعليه. (٢) ساقطة من (ج). ٢١ - باب كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ (دُونَ) (١) كُفْرٍ فِيهِ: عَنْ أَبِي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٣٠٤] ٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ». قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». [٤٣١، ٧٤٨، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧ - مسلم: ٩٠٧ - فتح: ١/ ٨٣]. نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ». قِيلَ أَيَكْفُرْنَ باللهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: حديث أبي سعيد هذا أخرجه البخاري في الحيض مسندًا كما ستعلمه (٢)، وأخرجه مسلم أيضًا (٣) وحديث ابن عباس أخرجه في كتاب العلم، عن سليمان بن حرب، نا شعبة، عن أيوب، عن ابن عباس (٤). ------------------------ (١) كذا للأصيلي وأبي ذر وابن عساكر وأبي الوقت، وللباقين: بَعْد. وسوف يشير المصنف إلى ذلك بعد قليل. (٢) سيأتي برقم (٣٠٤) كتاب: الحيض، باب: ترك الحائض الصوم. (٣) مسلم (٩٠٧). (٤) سيأتي برقم (٩٨) باب: عظة الإمام النساء وتعليمهن. وأخرجه مسلم في العيدين، عن أبي بكر، وابن أبي عمر، عن سفيان، عن أيوب، وعن ابن أبي رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج كلاهما عن عطاء (١). وأخرجه البخاري في: بدء الخلق (٢)، والنكاح (٣) والكسوف (٤) مطولًا كما ستعلمه -إن شاء الله-. وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٥)، وابن عمر أيضًا (٦)، وأخرجاه من حديث جابر أيضًا (٧). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا عطاء، وزيد بن أسلم. أما عطاء (ع) فهو أبو محمد عطاء بن يسار المدني الهلالي، مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، أخو سليمان وعبد الملك وعبد الله. سمع خلقًا من كبار الصحابة، وعنه جمع من التابعين، وهو ثقة كثير الحديث، مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، وقيل: سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين (٨). -------------------------- (١) مسلم (٨٨٤) كتاب: صلاة العيدين. (٢) سيأتى برقم (٣٢٠٢) باب: صفه الشمس والقمر. (٣) سيأتى برقم (٥١٩٧) باب: كفران العشير. (٤) سيأتى برقم (١٠٥٢) باب: صلاه الكسوف جماعة. (٥) مسلم (٨٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات. (٦) مسلم (٧٩) كتاب الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات. (٧) سيأتى برقم (٩٦١) كتاب: العيدين، باب: المشى والركوب إلى العيد، ورواه مسلم (٨٨٥) كتاب: صلاة العيدين. (٨) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٧٣، «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٦١ (٢٩٩٢)، «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٨ (١٢٤٥)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٣٨ (١٨٦٧)، «الثقات» ٥/ ١٩٩، «تهذيب الكمال» ١٢٥/ ٢٠ - ١٢٨ (٣٩٤٦). فائدة: قول مسلم في «صحيحه» في كتاب التيمم عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار مولى ميمونة، وذكر الحديث (١) كذا وقع فيه عبد الرحمن بن يسار، وهو خطأ وصوابه: عبد الله بن يسار، هكذا رواه البخاري وأبو داود والنسائي (٢) وغيرهم، فتنبه لذلك (٣). -------------------------- (١) مسلم (٣٦٩) كتاب: الحيض، باب: التيمم. (٢) البخاري (٣٣٧) كتاب: التيمم، باب: التيمم في الحضر، وأبو داود (٣٢٩)، والنسائي ١/ ١٦٥. (٣) قال أبو علي الغساني الجياني: هكذا وقع في النسخ عن أبي أحمد الجلودي والكسائي وابن ماهان: أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار وهو خطأ، والمحفوظ: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار، وكذلك رواه البخاري عن ابن بكير، عن الليث: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار. وهذا الحديث ذكره مسلم مقطوعًا، وقد حدثناه حكم بن محمد، قال … فرواه بسنده عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة … الحديث. ثم قال: فقد أورد مسلم في كتابه أحاديث يسيرة مقطوعة، منها هذا الحديث. اهـ. «تقييد المهمل» ٣٥/ ٧٩٨ - ٧٩٩. قلت: قول الجياني: أحاديث مقطوعة، يقصد بها أنها منقطعة، وهي التي سقط من إسنادها راو أو أكثر والتي منها المعلق وهي التي سقط من مبدأ إسنادها راوٍ أو أكثر على التوالي، كحديث مسلم هذا، أما الأحاديث المقطوعة فقد شاع إطلاقها على ما أضيف أو أسند إلى التابعي من قول أو فعل. والله أعلم. وقال المازري: هكذا وقع عند الجلودي والكسائي وابن ماهان: عبد الرحمن بن يسار -وهو خطأ- والمحفوظ: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار. اهـ. «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ١٤٩ - ١٥٠. وأورد القاضي عياض في «إكمال المعلم» ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤ كلام المازري وقال: روايتنا فيه من طريق السمرقندي، عن الفارسي، عن الجلودي فيما حدثنا به أبو بحر = وأما زيد (ع) بن أسلم: فهو أبو أسامة القرشي العدوي المدني التابعي الجليل، مولى عمر بن الخطاب، روى عن جماعات من الصحابة والتابعين، وعنه جمع من التابعين منهم الزهري وغيرهم منهم مالك، وجلالته مجمع عليها. قَالَ ابن سعد: كانت لَهُ حلقة في مسجد رسول الله - ﷺ -، وكان ثقة كثير الحديث، ومناقبه جمة، مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو ست وثلاثين ومائة، وقيل: نحو ثلاث وأربعين (١). فائدة: هذا الإسناد كله مدنيون خلا ابن عباس لكنه أقام بالمدينة. ثالثها: أردف البخاري هذا الباب بالذي قبله؛ لينبه عَلَى أن المعاصي تنقص الإيمان، ولا تخرج إلى الكفر الموجب للخلود في النار؛ لأنهم ظنوا أنه الكفر بالله. فأجابهم - ﷺ - أنه أراد كفرهن حق أزواجهن، وذلك لا محالة نقص من إيمانهن؛ لأنه يزيد بشكرهن العشير وبأفعال البر. فظهر بهذا أن الأعمال من الإيمان، وأنه قول وعمل كما أسلفناه، فإخراجه لَهُ هنا أيضًا؛ لينبه عَلَى أن الكفر قد يطلق عَلَى كفر النعمة، وجحد الحق، وهو أصله في اللغة ككفران العشير والإحسان إذ لم يرد الكفر بالله، فيفسر به كل ما أطلق عليه الكفر من المعاصي فيما ------------------------ = عنه: عبد الله بن يسار على ما ذكره. اهـ. وانظر: «مسلم بشرح النووي» ٤/ ٦٣. (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» الجزء المتمم ص ٣١٤ - ٣١٦ (٢١٩)، و«التاريخ الكبير» ٣/ ٣٨٧ (١٢٨٧)، و«الجرح والتعديل» ٣/ ٥٥٥ (٢٥١١)، و«تهذيب الكمال» ١٠/ ١٢ (٢٠٨٨). علم من الأحاديث كقوله - ﷺ - «لا ترجعوا بعدي كفارا» (١) و«أيما عبد أبق من مواليه فقد كلفر حتَّى يرجع إليهم» (٢) و«أَمَّا مَنْ قَالَ مطرنا بِنَوْءِ كَذَا فَذَاكَ كَافِرٌ بِي، مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» (٣) و«بين الشرك والكفر ترك الصلاة» (٤). رابعها: أصل الكفر: الستر والتغطية، يقال لليل كافر؛ لستره بالظلمة، وللابس الدرع وفوقها ثوب كافر للتغطية، وفلان كفر النعمة، أي: سترها فلم يشكرها، ويطلق عَلَى الكفر بالله تعالى، ويطلق عَلَى الحقوق والمال. ثمَّ الكفر بالله أنواع، حكاها الأزهري: إنكار، وجحود، وعناد، ونفاق، وهذِه الأربعة من لقي الله بواحدِ منها لم يغفر له. فالأول: أن يكفر بقلبه ولسانه، ولا يَعْرفُ ما يُذكر له من التوحيد، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] الآية أي: كفروا بالتوحيد، وأنكروا معرفته. والثاني: أن يعرف بقلبه ولا يقرُّ بلسانه، وهذا ككفر إبليس وبلعم وأمية بن أبي الصلت. والثالث: أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه ويأبى أن يقبل الإيمان بالتوحيد، ككفر أبي طالب. والرابع: أن يقر بلسانه، ويكفر بقلبه، ككفر المنافقين. ----------------------- (١) سيأتي برقم (٤٤٠٣) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع. (٢) رواه مسلم (٦٨) كتاب: الإيمان، باب: تسمية العبد الآبق كافرا، من حديث جرير بن عبد الله. (٣) سيأتي برقم (٨٤٦) كتاب: الأذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم، ورواه مسلم (٧١) كتاب: الإيمان، باب: بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء. (٤) رواه مسلم (٨٢) باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، من حديث جابر رضي الله عنه. قَالَ الأزهري: ويكون الكفر بمعنى البراءة. كقوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] أي: تبرأتُ. قَالَ: وأما الكفر الذي هو دون ما ذكرنا فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بلسانه، ويعتقد ذَلِكَ بقلبه، لكنه يرتكب الكبائر من القتل، والسعي في الأرض بالفساد، ومنازعة الأمر أهله، وشق عصا المسلمين ونحو ذَلِكَ (١). هذا كلامه، وقد أطلق الشرع الكفر عَلَى ما سوى الأنواع الأربعة، وهو كفران الحقوق والنعم، كهذا الحديث وغيره مما قدمته، وهذا مراد البخاري بقوله، وكفر دون كفر. وفي بعض الأصول: وكفر بعد كفر، وهي بمعنى الأول. وقوله: («يكفرن») التقدير: هن يكفرن، (فقيل: لما يا رسول الله؟ قال: «يكفرن») (٢) كما جاء في صلاة الكسوف. خامسها: («العشير»): المعاشر. قالوا: والمراد هنا: الزوج يسمى بذلك الذكر والأنثى؛ لأن كل واحد منهما يعاشر صاحبه، ولا يمتنع كما قَالَ النووي حمله عَلَى عمومه، والعشير أيضًا: الخليط والصاحب. سادسها: («قط») لتأكيد نفي الماضي، وفيها لغات: فتح القاف وضمها مع تشديد الطاء المضمومة فيهما، وبضمها مع التخفيف، وكسرها مع التخفيف، وبفتحها مع تشديد الطاء المكسورة، وبالفتح مع الإسكان ومع الضم، ومع الكسر بالتخفيف، وقد سلف بعضها. -------------------------- (١) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣١٦٠ - ٣١٦١. (٢) من (ج). قَالَ الجوهري عن الكسائي: كان أصلها قَطَط، فسكن الأول وحرك الآخر؛ بإعرابه هذا إِذَا كانت معناها: الزمان، إما إِذَا كانت بمعنى: «حَسْب» وهو الإكتفاء، فهي مفتوحة ساكنة الطاء. تقول: رأيته مرة واحدة فقط (١)، قَالَ القاضي: وقد تكون هذِه للتقليل أيضًا. سابعها: في فوائده: الأولى: ما ترجم لَهُ، وهو أن الكفر قد يطلق عَلَى غير الكفر بالله تعالى ويؤخذ منه صحة تأويل الكفر في الأحاديث السالفة ونحوها عَلَى كفر النعمة والحقوق. الثانية: وعظ الإمام، وأصحاب الولايات، وكبار الناس رعاياهم وتباعهم وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم عَلَى الطاعات. كما جاء في رواية أخرى في «الصحيح»: «يا معشر النساء تصدقن» (٢). الثالثة: مراجعة المتعلِّمِ العالِمَ، والتابعِ المتبوعَ فيما قاله إِذَا لم يظهر لَهُ معناه. الرابعة: تحريم كفران الحقوق والنعم؛ إذ لا يدخل النار إلا بارتكاب حرام، قَالَ النووي: توعده عليهما بالنار يدل عَلَى أنهما من الكبائر. الخامسة: التعذيب عَلَى جحد الإحسان، والفضل، (وشكر النعم) (٣)، وشكر المنعم واجب. ----------------------- (١) «الصحاح» ٣/ ١١٥٣ مادة: (قطط). (٢) ستأتي برقم (٣٠٤) كتاب: الحيض، باب: ترك الحائض الصوم. (٣) ساقطة من (ج). باقي [كتاب الإيمان] ٢٢ - باب الْمَعَاصِى مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلاَّ بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّى سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِىَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». [٢٥٤٥، ٦٠٥٠ - مسلم: ١٦٦١ - فتح: ١/ ٨٤] ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#51 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 7 الى صـــ 25 الحلقة (51) باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩] فَسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ. ٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِى أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ، فَإِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». [٦٨٧٥، ٧٠٨٣ - مسلم: ٢٨٨٨ - فتح: ١/ ٨٤] ثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، ثنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، ثنَا أَيُّوبُ وُيونُسُ، عَنِ الحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هذا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هذا الرَّجُلَ. قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذا القَاتِلُ فَمَا بَالُ المَقْتُولِ؟ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ». نَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْب نا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنِ المَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». هكذا وقع في أكثر النسخ بعد الآية الثانية، حديث الأحنف عن أبي بكرة، ثم حديث أبي ذر (١)، ووقع في كثير من نسخه قبل ذِكر الآية الثانيه حديث أبي ذر ثمَّ قَالَ: باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ﴾ [الحجرات: ٩] الآية ثمَّ ساق حديث أبي بكرة (٢)، والجميع حَسن. ومقصوده بذلك أن مرتكب المعصية لا يكفر، ولا يخرج بذلك عن اسم الإيمان والإسلام، وهذا مذهب أهل السنة. فإن قُلْتَ: إنما سمي في الآية مؤمنًا، وفي الحديث مسلمًا حال الالتقاء لا في حال القتال وبعده، قُلْتُ: الدلالة من الآية ظاهرة، فإن قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠] سماهما أخوين بعد القِتال، وأمر بالإصلاح بينهما؛ ولأنهما عاصيان قبل القِتال، وهو من حين سعيا إليه وقصداه. والحديث محمول عَلَى معنى الآية. وحديث عُبَادة بن الصَّامت صريح في الدلالة، وهو قوله - ﷺ -: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ» (٣). والأحاديث بنحو هذا كثيرة (صريحة) (٤) صحيحة معروفة مع آيات من القرآن العزيز. ثمَّ الكلام عَلَى الحديت الأول -وهو حديث أبي بكرة- من وجوه: أحدها: أخرجه أيضًا البخاري في الفتن عن عبد الله بن عبد الوهاب، نا حمَّاد بن سلمة، عن رجل لم يسمه، عن الحسن قَالَ؟ خَرجتُ ------------------------ (١) وهي رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة كما في هامش «اليونينية» ١/ ١٥، وعليه جرى شرح ابن حجر رحمه الله ١/ ٨٥. وقد سبق نصه برقم (٣٠). (٢) وهي رواية الأصيلي كما نبه على ذلك ابن حجر في «الفتح»، وكما في متن «اليونينية». (٣) سبق برقم (١٨). (٤) من (ج). بسلاحي ليالي الفتنة، فاستقبلني أبو بكرة فقال: أين تُريد؟ قُلْتُ: أريد نصرة ابن عم رسول الله - ﷺ -. يعني: عليًّا وهذا بيان للمبهم في الرواية السالفة، ثمَّ ساق الحديث. قَالَ حمَّاد بن زيد: فَذكرتُ هذا الحديث لأيوب، وُيونس بن عبيد، وأنا أريد أن يُحدثاني به، فقالا: إنَّما روى هذا الحسن عن الأحنف عن أبي بكرة. قَالَ البخاري: ونا سليمان، نا حماد بن زيد، فساقهُ وفيه: فقلتُ، أو قِيل: يا رسول الله، هذا القاتل. والباقي مثلهُ (١)، وأخرجه مسلم من طُرق (٢). ثانيها: في التعريف برجاله: فأيوب سلف، وأمَّا أبو بكرة فهو: نفيع -بالنون- بن الحارث بن كَلَدة -بالكاف واللام المفتوحتين- بن عمرو بن علاج بن سلمة -وهو عبد العزى- بن غِيَرة -بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة تحت- ابن عوف بن قَسِي -بفتح القاف وكسر السين المهملة- وهو: ثقيف بن منبه الثقفي، وقيل: نفيع بن مسروح مولى الحارث بن كلدة طبيب رسول الله - ﷺ -، وقيل: اسمه مسروح، وأمه: سمية أَمَةٌ للحارث بن كلدة، وهو أخو زياد لأمه، وهو ممن نزل يوم الطائف إلى رسول الله من حصن الطائف في بكرة، وكُنِّيَ أبا بكرة لذلك. قَالَ الجوهري: بكرة البئر: ما يستقى عليها، وجمعها بَكَرٌ بالتحريك كحلْقة وحلق وهو من شواذ الجمع (٣). ---------------------- (١) سيأتي برقم (٧٠٨٣) كتاب: الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما. (٢) «صحيح مسلم» (٢٨٨٨) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما. (٣) «الصحاح» ٢/ ٥٩٦، مادة: (بكر). أعتقه رسول الله جييه، وهو معدود في مواليه، وكان أبو بكرة يقول: أنا من إخوانكم في الدين، وأنا مولى رسول الله - ﷺ -، وإنْ أَبَى النَّاس ألا ينسبوني فأنا نفيع بن مسروح (١). وكان من فضلاء الصحابة وصالحيهم، ولم يزل مُجتهدًا في العبادة حتَّى توفي. قَالَ الحسن: لم يكن بالبصرة من الصَّحابة أفضل منه، ومن عمران بن حصين، رُوِي لَهُ مائة واثنان وثلاثون حديثًا، اتفقا عَلَى ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث. روى عنه: ابناه عبد الرحمن ومسلم وغيرهما من كِبار التابعين، وكان ممن اعتزل يوم الجمل، ولم يُقاتل مع واحد من الفريقين، مات بالبصرة سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين (٢). وأمَّا الأحنف بن قيس فهو أبو بحر، واسمه الضحاك، وقيل: صخر بن قيمس بن معاوية بن حصين بن حفص بن عبادة بن النزال بن مُرة بن عُبيد بن مُقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. وُلِد وهو أحنف، والأحنف: الأعوج، والحنف: الاعوجاج في الرِّجْل (٣)، وهو أن تقبل إحدى الإبهامين من إحدى الرجلين عَلَى الأخرى، وقيل: هو الذي يمشي عَلَى ظهر قدمه من شقها. أي: ----------------------- (١) ذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ٦٣، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٦. (٢) انظر ترجمته - رضي الله عنه -: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٧/ ١٥، و«التاريخ الكبير» ٨/ ١١٢ (٢٣٨٨)، و«الآحاد والمثاني» لابن أبي عاصم ٣/ ٢٠٧ (٤٦٢)، و«الجرح والتعديل» ٨/ ٤٨٩ (٢٢٣٩)، و«معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١٤٢ (١١١٧)، «الثقات» لابن حبان ٣/ ٤١١، «الاستيعاب» ٤/ ٢٣، (٣٠٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٥ (٦٤٦٥)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٥٤ (٥٢٨٢)، «سير أعلام النبلاء» ٣/ ٥ - ١٠، «الإصابة» ٤/ ٢٣ (١٤٤). (٣) «الصحاح» ٢/ ١٣٤٧، مادة (حنف). الذي يلي خنصرها، وكانت أمه ترقصه، وتقول: والله لولا حنف في رجله … ما كان في الحي غلام مثله وعنه عن رجل من بني ليث أنه - ﷺ - قَالَ: «اللهُمَّ اغفر للأحنف» فما شيء أرجى عندي من ذَلِكَ (١). أدرك زمان النبي جيَخييه، ولم يره، وسمع: عمو وعليًّا والعباس وغيرهم، وعنه: الحسن وغيره. قَالَ الحسن: ما رأيت شريف قوم كان أفضل من الأحنف. وعنه أنه قَالَ: إنه ليمنعني من كثير من الكلام مخافة الجواب (٢). مات بالكوفة سنة سبع وستين في إمارة ابن الزُبير (٣). وأمَّا الحسن فهو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار الأنصاري، مولاهم، البصري، وأمه خيرة مولاة أم سَلَمة أم المؤمنين، وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عمر. قالوا: ربما خرجت أمه في شُغل فيبكي ----------------------- (١) رواه أحمد ٥/ ٣٧٢، وابن سعد في «الطبقات» ٧/ ٩٣ - ٩٤، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٠، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٢٣٠ وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ٤٣٣ (١٢٢٥)، والطبراني ٨/ ٢٨ (٧٢٢٥) والحاكم ٣/ ٦١٤، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٦٨ - ٦٩. قال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢: رجال أحمد رجال الصحيح غير علي بن زيد وهو حسن. اهـ قلت: بل ضعفه الجمهور. (٢) رواه ابن سعد في: «الطبقات» ٧/ ٩٥. (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٩٥/ ٧، «التاريخ الكبير» ٢/ ٥٠ (١٦٤٩)، «الآحاد والمثاني» ٢/ ٤٣٣ (٣٢٧)، «الثقات» لابن حبان ٤/ ٥٥، «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٣٦٧ (٢٦٦)، «الاستيعاب» ١/ ١٢٦، «أسد الغابة» ١/ ٦٨ (٥١)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٤، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٩٦، «الإصابة» ١/ ١٠٠ (٤٢٩). فتعطيه أم سلمة ثديها فيدر عليه، فيرون أن الفصاحة (والبركة) (١) والحكمة من بركة ذَلِكَ. نشأ بوادي القرى (٢)، ورأى طلحة بن عبيد الله وعائشة، ولم يَصح لَهُ سماع منهما، وقيل: لقي عليًّا ولم يصح، وحَضر الدار وله أربع عشرة سنة، فسمع ابن عمر وأنسًا وجندب بن عبد الله وغيرهم من الصحابة وخلقًا من التابعين. وعنه خلقٌ من التابعين فمن بعدهم. روينا عن الفُضيل بن عياض قَالَ: سألت هِشام بن حسَّان كم أدرك الحسن من الصحابة؟ فقال: مائة وثلاثين. قُلْتُ: فابن سيرين قَالَ: ثلاثين (٣). وسُئِل أبو زرعة عن الحسن، ألقي أحدًا من البدريين؟ قَالَ: رآهم رؤية، رأى عثمان وعليًّا، قيل له: سمع منهما؟ قَالَ: لا، كان الحسن يوم بويع عليٌّ ابن أربع عشرة سنة رأى عليًّا بالمدينةج، ثمَّ خرج عليٌّ إلى الكوفة والبصرة، ولم يلقه الحسن بعد ذَلِكَ (٤). وروينا عنه قَالَ: غزونا خراسان ومعنا ثلاثمائة من الصحابة، وقال ابن سعد: كان جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا جميلًا وسيمًا، قدم مكة فأجلسوه عَلَى سرير، واجتمع النَّاس إليه فحدثهم، وكان فيمن أتاه مجاهد وعطاء وطاوس وعمرو بن شعيب، ----------------------- (١) من (ج). (٢) هو وادي بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى، فتحها النبي - ﷺ - سنة سبع عنوة، ثم صولحوا على الجزية. انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٣٤٥. (٣) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٣/ ١٨٤. (٤) انظر: «المراسيل» لابن أبي حاتم ص ٣١ (٥٤). فقالوا (أو) (١) قَالَ بعضهم: ما رأينا مثل هذا قط (٢). وسُئِل أنس بن مالك عن مسألة (فقال) (٣): سلوا مولانا الحسن؛ فإنه سمع وسمعنا فحفظ ونسينا (٤). وإمامته وجلالته مُجمع عليها. مات سنة عشر ومائة، ومات ابن سيرين بعده بمائة يوم (٥). فائدة: روى البخاري هذا الحديث هنا عن الحسن عن الأحنف كما سلف، ورواه في: الفتن عن الحسن عن أبي بكرة، وأنكر يحيى بن معين والدارقطني سماع الحسن من أبي بكرة (٦). قَالَ الدارقطني: بينهما الأحنف (٧)، واحتج بما سلف. وكذا رواه هشام (و) (٨) المعلى بن زياد عن الحسن (٩)، وذهب غيرهما إلى صحة سماعه منه كما ساقه في الفتن، واستدل بما أخرجه البخاري أيضًا: في الفتن في باب: قول النبي - ﷺ -: «إن ابني هذا سيد» ------------------ (١) في (ج): و. (٢) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٥٧ - ١٥٨. (٣) في (ف): فقالوا. (٤) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٧٦. (٥) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ١٥٦، «التاريخ الكبير» ٢/ ٢٨٩ (٢٥٠٣)، «معرفة الثقات» للعجلي ١/ ٢٩٣ (٢٩١)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٤٠ (١٧٧)، «تهذيب الكمال» ٦/ ٩٥ - ٩٦ (١٢١٦)، «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٦١ (١٢٢)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٦٣ (٢٢٣). (٦) انظر: «إكمال تهذيب الكمال» ٤/ ٨٧. (٧) «الإلزامات والتتبع» ص ٢٢٣. (٨) في (ف): ابن، وفي (ج): عن، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج. (٩) رواه النسائي ٧/ ١٢٥، عن هشام، ورواه أحمد ٥/ ٤٣، وابن أبي عاصم في «الآحاد» ص ٢٠٨، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٠٦، وابن حبان ١٣/ ٣١٩ وذكره البخاري تعليقًا بعد حديث (٧٠٨٣) عن هشام والمعلى بن زياد وغيرهما. عن علي بن عبد الله، عن سفيان، عن إسرائيل. فذكر الحديث. وفيه: قَالَ الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة قَالَ: بينما النبي - ﷺ - يخطب (١). قَالَ البخاري: قَالَ علي بن المديني: إنما صح عندنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث (٢). وقال الباجي: هذا الحسن المذكور في هذا الحديث الذي قَالَ فيه: سمعت أبا هريرة. إنما هو الحسن بن علي، وليس بالحسن البصري (٣). وأثنى علي بن المديني وأبو زرعة عَلَى مراسيل الحسن، وضعفها بعضهم. وأمَّا يونس فهو: أبو عبد الله يُونس بن عُبيد بن دينار العبدي مولاهم البصري التابعي، رأى أنسًا، وسمع الحسن وابن سيرين وغيرهما من كبار التابعين، وعنه: الأئمة الأعلام، منهم: الثوري وشعبة وآخرون. وجلالتُهُ وفضله وثقته مُجمع (عليها) (٤). قَالَ سعيد بن عامر: ما رأيت رجلًا قط أفضل منه، وأهل البصرة عَلَى ذا. مات سنة تسع وثلاثين ومائة. قَالَ حمَّاد بن زيد: ووُلِد بعد الجارف (٥). وأمَّا حمَّاد بن زيد فهو: الإمام أبو إسماعيل حمَّاد بن زيد بن درهم ---------------------- (١) سيأتي برقم (٧١٠٩) كتاب: الفتن، باب: قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي. (٢) «صحيح البخاري» بعد حديث (٢٧٠٤). (٣) «التعديل والتجريح» ٢/ ٤٨٦. (٤) في (ج): عليه، وما أثبتناه هو اللائق بالسياق. (٥) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ٢٦٠، «التاريخ الكبير» ٨/ ٤٠٢ (٣٤٨٨)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٤٢ (١٠٢٠)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٥١٧. الأزدي البصري مولئ جرير بن حازم. سمع ثابتًا البناني وغيره من التابعين، وعنه السفيانان وخلق. قَالَ عبد الرحمن بن مهدي: أئمة الناس في زمانهم أربعة، الثوري بالكوفة، ومالك بالحجاز، والأوزاعي بالشام، وحمَّاد بن زيد بالبصرة، وما رأيت أعلم من حمَّاد بن زيد، ولا سُفيان ولا مالك. وقال عبيد الله بن الحسن: إنما هما الحمادان، فإذا طلبتم العلم فاطلبوه منهما (١). وقال ابن معين: ليس أحد أثبت من حمَّاد بن زيد. وقال يحيى بن يحيى: ما رأيت أحدًا من الشيوخ أحفظ من حماد بن زيد. وقال أبو زرعة: حماد بن زيد أثبت من حمَّاد بن سلمة. وقال ابن سعد: كان ثقة ثبتًا حُجة كثير الحديث، وأنشد ابن المبارك فيه: أيَّها الطالب علمًا … ائتِ حمَّاد بن زيد فخذ العلم بحلم … ثُمَّ قيَّده بقيد ودع البدعة من … آثار عمرو بن عُبيد وإجماع الأئمة والحفاظ من أهل عصره فمن بعده مُنعقد عَلَى جلالته، وعظم علمه، وحفظه، وإتقانه، وإمامته. وُلد سنة ثمان وتسعين، ومات سنة تسع وسبعين ومائة، عن إحدى وثمانين. قَالَ الخطيب: حدث عن حمَّاد بن زيد: إبراهيم بن أبي عبلة، والهيثم بن سهل وبين وفاتيهما مائة وثماني سنين وأكثر. وحدَّث عنهُ الثوري: ------------------------ (١) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١/ ١٧٩، ٣/ ١٣٨. وبين وفاته ووفاة الهيثم مائة سنة أو أكثر (١). وأمَّا شيخ البخاري فهو أبو بكر، ويُقال: أبو محمد عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله البصري القيشي -بالمثناة والشين المعجمة- سَمع جمعًا، منهم: خالد الواسطي، وعنهُ جماعة من الأعلام والحفاظ منهم: البخاري وأبو داود، وأبو زرعة، وأبو حاتم وقال: صدوق، وروى النسائي عن رجل عنه، ولم يرو له مسلم شيئًا. مات سنة ثمان، وقيل: تسع وعشرين ومائتين، وقيل: سنة عشرين. حكاه النووي في «شرحه»، ولم يذكره المزي، وإنما حكى الأولين فقط، (ووقع في شرح شيخنا الشيخ قطب الدين: مات سنة ثمان وعشرين، وقيل: تسع وعشرين فاعلم ذَلِكَ) (٢). فائدة: في هذا الإسناد لطيفتان: كل رجاله بصريون، وفيه ثلاثة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وَهُم: الأحنف والحسن وأيوب مع يونس. الوجه الثالث: الآية الأولى دالة (عَلَى مذهب) (٣) أهل الحق عَلَى أن من مات مُوحدًا لا يُخلد في النار، وإن ارتكب من الكبائر -غير الشرك- ما ارتكب، وقد جاءت به الأحاديث الصحيحة في قوله: «وإن زنى، ----------------------- (١)»السابق واللاحق«ص ١٨٠ (٤٨). (٢) ما بين القوسين ساقط من (ج). وانظر ترجمة عبد الرحمن بن المبارك في:»الطبقات«لابن سعد ٧/ ٢٨٦،»التاريخ الكبير«٣/ ٢٥ (١٠٠)،»الجرح والتعديل«٣/ ١٣٧ (٦١٧)،»تهذيب الكمال" ٧/ ٢٣٩. (٣) في (ج): لمذهب. وإن سَرق» (١). والمُراد بالآية: من مات عَلَى الذنوب من غير توبة؛ لأنه لو مات عليها فلا فرق فيه بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة، وإجماع السلف عليه. وأما الآية الثانية فهي عمدة أصحابنا وغيرهم من العلماء في قتال أهل البغي. وسيأتي بسط الكلام في ذَلِكَ في بابه، حيث ذكره البخاري، إن شاء الله تعالى. الرابع: الطائفة: القطعة من الشيء. قاله أهل اللغة (٢). والمراد بالطائفتين في الآية: الفرقتان من المسلمين. وقد تطلق الطائفة عَلَى الواحد، هذا قول الجمهور من أهل اللغة وغيرهم. وقال الزجاج: الذي عندي أن أقل الطائفة اثنان. وقد حمل الشافعي وغيره من العلماء الطائفة في مواضع من القرآن عَلَى أوجه مختلفة بحسب المواطن، فهي في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، واحد فأكثر، واحتج به في قبول خبر الواحد، وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ [النور: ٢] أربعة. وفي قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] ثلاثة. وفرقوا في هذِه المواضع بحسب القرائن، أما في الأولى فلأن الإنذار يحصل به، وفي الثانية؛ لأنها البينة فيه، وفي الثالثة؛ لذكرهم بلفظ الجمع في قوله: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] .. إلى ----------------------- (١) سيأتي برقم (١٢٣٧) كتاب الجنائز، باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله. ورواه مسلم (٩٤) كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. (٢) «المجمل» ١/ ٥٩٠، «تهذيب اللغة» ٣/ ٢١٥٥. آخره، وأقله ثلاثة عَلَى المذهب المختار، وقول جمهور أهل اللغة والفقه والأصول. فإن قُلْتَ: فقد قَالَ تعالى في آية الإنذار: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وهذِه ضمائر جموع. فالجواب: أن الجمع عائد إلى الطوائف التي تجتمع من الفرق. الخامس: الرجل المبهم في هذِه الرواية هو علي بن أبي طالب كما أسلفناه في الرواية الأخرى. السادس: قوله: («إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ») وفي الرواية الأخرى: «إِذَا تواجه المسلمان» (١). ومعنى تواجه: ضرب كل منهما صاحبه أي: ذاته وجملته. السابع: معنى قوله - ﷺ -: («فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ») أنهما يستحقانها، وأمرهما إلى الله تعالى، كما هو مصرح به في حديث عبادة، «فإن شاء عفي عنهما، وإن شاء عاقبهما» (٢) ثمَّ أخرجهما من النار فأدخلهما الجنة، كما ثبت في حديث أبي سعيد وغيره في العصاة الذين يخرجون من النار فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل (٣). ونظير هذا الحديث في المعنئ قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] معناه: هذا ---------------------- (١) سيأتي برقم (٧٠٨٣) كتاب: الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما، ورواه مسلم (٢٨٨٨) كتاب: الفتن، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما. (٢) سبق برقم (١٨) باب: (١١). (٣) سبق برقم (٢٢) باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال. جزاؤه، وليس بلازم أن يُجازى، ثمَّ هذا الحديث محمول عَلَى غير المتأول، كمن قاتل لعصبية وغيرها. الثامن: اختلف العلماء في القتال في الفتنة، فمنع بعضهم القتال فيها وإن دخلوا عليه، عملًا بظاهر هذا الحديث، وبحديث أبي بكرة في «صحيح مسلم» الطويل: «إنها ستكون فتن» (١) الحديث. وقال هؤلاء: لا يقاتل وإن دخلوا عليه وطلبوا قتله، ولا تجوز لَهُ المدافعة عن نفسه؛ لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة وغيره. وفي «طبقات ابن سعد» مثله عن أبي سعيد الخدري، وقال عمران بن حصين وابن عمر وغيرهما: لا يدخل فيها فإن قصدوا (دافع) (٢) عن نفسه. وقَالَ معظم الصحابة والتابعين وغيرهما: يجب نصر الحق وقِتال الباغين؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] وهذا هو الصحيح. وتتأول أحاديث المنع عَلَى من لم يظهر لَهُ الحق، أو عَلَى عدم التأويل لواحد منهما، ولو كان كما قَالَ الأولون لظهر الفساد واستطالوا (٣). والحق الذي عليه أهل السنة الإمساك عن ما شجر بين الصحابة، وحسن الظن بهم والتأويل لهم، وأنهم مجتهدون متأولون، لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، فمنهم المخطئ في اجتهاده والمصيب. وقد رفع الله الحرج عن المجتهد المخطئ في الفروع، وضعَّف أجر ---------------------- (١) مسلم (٢٨٨٧) كتاب الفتن، باب نزول الفتن كمواقع القطر. (٢) في (ج): دفع. (٣) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١٨/ ١٠. المصيب. وتوقف الطبري وغيره في تعيين المحق منهم، وصرح (به الجمهور) (١) إذ كان أفضل من كان عَلَى وجه الدنيا حينئذ. وتأول غيره بوجوب القيام بتغيير المنكر في طلب قتلة عثمان الذين في عسكره، وأنهم لا يعتقدون إمامة، ولا (يعطون) (٢) بيعة حتَّى نقضوا ذَلِكَ، ولم ير هو دفعهم إذ الحكم فيهم للإمام، وكانت الأمور لم تستقر، وفيهم عدد ولهم منعة وشوكة، ولو أظهر تسليمهم أولًا أو القصاص منهم لاضطرب الأمر، ومنهم جماعة لم يدخلوا في شيء، واحتجوا بالنهي عن التلبس بالفتن، وعذروا الطائفتين بتأويلهم، ولم يروا إحداهما باغية فيقاتلوها (٣). التاسع: قوله - ﷺ -: («إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ») وفي رواية أخرى: «إنه قَدْ أراد قتل صاحبه» (٤) فيه حجة للقول الصحيح الذي عليه. الجمهور: أن العزم عَلَى الذنب، والعقد عَلَى عمله معصية يأثم به وإن لم يعمله ولا تكلم به، بخلاف الهم المعفو عنه، وللمخالف أن يقول: هذا فعل أكثر من العزم، وهو المواجهة والقتال (٥). -------------------- (١) في (ج): الجمهور به. (٢) في الأصل: يطيعون، والصواب ما أثبتناه كما في «المفهم» ٧/ ٢١٣. (٣) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ٤٢١ - ٤٢٢، «المفهم» ٧/ ٢١٢ - ٢١٣، «مسلم بشرح النووي» ١٨/ ١١. (٤) سيأتي برقم (٦٨٧٥) كتاب الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾. (٥) انظر: «إكمال المعلم» ٨/ ٤٢١. الحديث الثاني: حديث أبي ذر. والكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن سليمان عن شعبة، وأخرجه في: العتق: عن آدم عن شعبة أتم من هذا (١)، وفي الأدب: عن عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه (٢)، وأخرجه مسلم في: الإيمان والنذور، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، وعن أحمد بن يونس، عن زهير، وعن (أبي كريب) (٣)، عن أبي معاوية، وعن (إسحاق بن إبراهيم) (٤)، عن عيسى بن يونس، كلهم، عن الأعمش، وعن أبي موسى (٥) وبندار، عن غندر، عن شعبة، عن واصل كلاهما، عن المعرور (٦). الوجه الثاني: في التعريف برواته: وقد سلف ترجمة شعبة وسليمان. وأما أبو ذر فهو جُنْدب -بضم الجيم والدال، وحُكي فتح الدال، وعن بعضهم فيه كسر أوله وفتح ثالثه، وكأنه قاله لغة من واحد الجنادب، الذي هو طائر -وقيل: اسمه بُرَير- بضم الموحدة وراء مكررة -بن جندب. والمشهور الأول. (جُندُب) (٧) بن جُنادة- بضم ----------------------- (١) سيأتي برقم (٢٥٤٥) كتاب: العتق، باب: قول النبي - ﷺ -: «العبيد إخوانكم ..». (٢) سيأتي برقم (٦٠٥٠) كتاب: الأدب، باب: ما ينهى من السباب واللعن. (٣) في الأصول: أبي بكر، والمثبت هو الصواب كما في مسلم. (٤) في الأصول: إسحاق بن يونس، والمثبت من «صحيح مسلم». (٥) هو محمد بن المثنى. (٦) مسلم (١٦٦١) كتاب: الأيمان والنذور، باب: إطعام المملوك. (٧) من (ف). الجيم- بن سفيان بن عبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار بن مُلَيل -بضم الميم وفتح اللام- بن ضصرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري، السيد الجليل. أسلم قديمًا، جاء عنه أنه قَالَ: أنا رابع أربعة في الإسلام (١). ويقال: كان خامس خمسة. أسلم بمكة ثمَّ رجع إلى بلاد قومه فأقام بها حتَّى مضت (بدر) (٢) وأحد والخندق، ثمَّ رجع إلى المدينة. وحديث إسلامه وإقامته عند زمزم مشهورة في «الصحيح» (٣)، ومناقبه جمة، وزهده مشهور، وتواضعه وزهده مشبه في الحديث بتواضع عيسى عصيه وزهده (٤). ------------------------ (١) رواه ابن حبان ١٦/ ٨٣ (٧١٣٤)، الطبراني في «الكبير» ٢/ ١٤٧ (١٦١٧، ١٦١٨)، الحاكم ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يُخَرجاه. قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٢٧: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما متصل الإسناد ورجاله ثقات. (٢) زيادة من (ج). (٣) سيأتي برقم (٣٥٢٢) كتاب المناقب، باب قصة إسلام أبي ذر. (٤) رواه الترمذي (٣٨٠٢)، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ٤٥٨ (٤٠٧٢)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢٢٣ (٥١٤٨)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٤٨٥ (١٤١٢)، والحاكم ٣/ ٣٤٢، وابن حبان ١٦/ ٨٤، من طريق النضر بن محمد، عن عكرمة ابن عمار، عن أبي زميل -سماك بن الوليد- عن مالك بن مرثد، عن أبيه، عن أبي ذرّ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -، وفيه: «.. أصدق من أبي ذر، شبيه عيسى ابن مريم». قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. اهـ. وقال البزار: وهذِه الأحاديث التي رواها النضر بن محمد، عن عكرمة لا نعلم أحدًا شاركه فيها عن عكرمة. اهـ. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عكرمة بن عمار إلا النضر بن محمد الجرشي. اهـ. = روي لَهُ مائتا حديث وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى اثني عشر، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بسبعة عشر. روى عنه: ابن عباس وأنس، وعنه خلق من التابعين، مات بالربذة سنة اثنين وثلاثين، وصلى عليه ابن مسعود، وقصته فيها مشهورة. وقد أوضحت ترجمته في كتابنا المسمى بـ «العدة في معرفة رجال العمدة» فراجعها منه. ومن مذهبه أنه يُحرم عَلَى الإنسان مازاد عَلَى حاجته من المال، وكان قوالًا بالحق. وسُئل عليٌّ عنه فقال: ذاك رجل وعي علمًا عجز عنه الناس، وأوكأ علمه، ولم يخرج شيئًا منه (١). وعن أبي ذر قَالَ: تركنا رسول الله، وما يقلب طائرٌ جناحيه في ---------------------- = وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اهـ. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٢٢٨، وابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ٣٩٠ (٣٢٢٥٧) من طريق أبي أمية بن يعلى، عن أبي الزناد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذرّ، ومن سره أن ينظر إلى تواضع عيسى ابن مريم فلينظر إلى أبي ذر». قال الذهبي في «السير» ٢/ ٥٩: أبو أمية بن يعلى واهٍ. اهـ. ورواه الطبراني في «الكبير» ٢/ ١٤٩ (١٦٢٦) من طريق إبراهيم الهجري رفعه إلى عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ -، بلفظ: «من سره أن ينظر إلى شبيه عيسى ابن مريم خَلْقًا وخُلُقًا فلينظر إلى أبي ذرّ». قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٣٠: رواه الطبراني. وفيه: إبراهيم الهجري، وهو ضعيف، وإبراهيم مع ضعفه لم يدرك ابن مسعود. اهـ. والحديث في الجملة صحيح بشواهده عند الألباني كما في «الصحيحة» (٢٣٤٣). (١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٢/ ٣٥٤، ٤/ ٢٣٢، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠، والطبراني في «الكبير» ٦/ ٢١٣ (٦٠٤١). السماء، إلا ذكرنا منه علما (١). وعن أبي مرثد قَالَ: جلست إلى أبي ذر إذ وقف عليه رجل فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا فقال أبو ذر: والله لو وضعتم عَلَى هذِه -وأشار إلى حلقه- أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله لأنفذتها قبل أن يكون ذَلِكَ (٢). كان طوالًا آدم، أبيض الرأس واللحية. روي عنه أنه قَالَ: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتَّى ما ترك لي الحق صديقًا (٣). --------------------- (١) رواه أبو داود الطيالسي ١/ ٣٨٥ (٤٨١)، وأحمد ٥/ ١٥٣، ١٦٢ من طريق الأعمش، عن منذر الثوري، عن أصحاب له عن أبي ذرّ. ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٢/ ٣٥٤، وأحمد ٥/ ١٦٢ من طريق فطر بن خليفة، عن منذر الثوري، عن أبي ذرّ. قال البزار في «البحر الزخار»، (٣٨٩٧) ومنذر الثوري لم يدرك أبا ذرّ. اهـ. ورواه البزار في «البحر الزخار» (٣٨٩٧)، والطبراني في «الكبير» ٢/ ١٥٥ - ١٥٦ (١٦٤٧)، وابن حبان ١/ ٢٦٧ (٦٥) من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، عن ابن عيينة، عن فطر بن خليفة، عن أبي الطفيل، عن أبي ذرّ. قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٦٣: رواه أحمد والطبراني، ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وهو ثقة، وفي إسناد أحمد من لم يسم. اهـ. والحديث صحح إسناده الألباني في «الصحيحة» (١٨٠٣). ورواه أبو يعلى في «مسنده» (٥١٠٩) من طريق فطر بن خليفة، عن عطاء قال: قال أبو الدرداء، ثم ساقه. وعزاه الحافظ في «المطالب العالية» (٣٨٤٦) لابن منيع، وقال: رواته ثقات إلا أنه منقطع واختلف على فطر. اهـ. (٢) سيأتي هذا التعليق في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل. (٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٤/ ٢٣٦. وانظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٣٢١ - ٣٢٤، «أسد الغابة»، ١/ ٣٥٧ (٨٠٠)، «الإصابة» ٤/ ٦٢ (٣٨٤). وأما المعرور فهو:-بعين مهملة وراء مكررة- أبو أمية المعرور بن سويد الأسدي الكوفي التابعي. سمع عمر بن الخطاب وغيره، وعنه: واصل والأعمش، وقال: رأيته وهو ابن عشرين ومائة سنة، وهو أسود الرأس واللحية. قَالَ يحيى بن معين وأبو حاتم: ثقة (١). وأما واصل فهو: ابن حيان -بالمثناة تحت- الأسدي الكوفي الأحدب. سمع جماعة من التابعين، وعنه جمع من الأعلام منهم: الثوري. قَالَ يحيى بن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح الحديث. مات سنة عشرين ومائة (٢). الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه: الأول: الجاهلية: ما قبل الإسلام. سموا بذلك (لشدة جهالاتهم) (٣). الثاني: الربذة -بفتح الراء ثمَّ موحدة ثمَّ ذال معجمة- عَلَى ثلاث مراحل من المدينة قريبة من ذات عرق (٤). الثالث: الحلة: ثوبان لا يكون ثوبًا واحدًا، قاله أهل اللغة، ويكونان غير لفيفين، رداء وإزار سميا بذلك؛ لأن كل واحد منهما يحل عَلَى الآخر. وفي أبي داود قَالَ: رأيت أبا ذر بالربذة، وعليه برد غليظ، وعلى ---------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ١٥، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٢٨٧ (١٧٥٧)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٤١٥ (١٨٩٥)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٤٥٧، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٢٦٢، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ١٧٤. (٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ١٧١ (٢٥٩٠)، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٣٣٨ (١٩٢٧)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٩ - ٣٠ (١٣٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٤٠٠ - ٤٠١، «الكاشف» ٢/ ٣٤٦ (٦٠٢٧). (٣) في (ج): لكثرة جهالتهم. (٤) انظر: «معجم البلدان» ٣/ ٢٤. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#52 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 26 الى صـــ 45 الحلقة (52) غلامه مثله. فقال القوم: يا أبا ذر لو كنت أخذت الذي عَلَى غلامك فجعلته مع هذا فكانت حلة وكسوت غلامك ثوبًا آخر. فقال أبو ذر: إني ساببت رجلًا. وذكر الحديث وفي آخره: «إنهم إخوانكم، فضلَّكُم الله عليهم، فمَنْ لم يلائمكم فبيعوه، ولا تُعذبوا خَلْقَ الله» (١). الرابع: قوله: (فسألته عن ذَلِكَ). إنما سأله لأن عادة العرب وغيرهم أن تكون ثياب المملوك دون سيده. الخامس: قوله - ﷺ -: («إنَّك امرؤٌ فيك جاهِليَّة»). معناه: إنك في التعيير بأُمِّهِ عَلَى خُلُقٍ من أخلاق الجاهلية، ولمستَ جاهليًّا محضًا، وينبغي للمسلم أن لا يكون فيه شيء من أخلاقهم. قيل: إنه عير الرجل بسواد أمه كما سيأتي، كأنه قَالَ: يا ابن السوداء ونحوه. وقد ذكره البخاري في كتاب: الأدب، فقال فيه: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِي للنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لِي: «أَسَابَبْتَ فُلَانًا؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «أفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». قُلْتُ: عَلَى سَاعَتِي هذِه مِنْ كِبَرِ السِّنِّ! قَالَ: «نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ» .. الحديث وفي آخره: «فليُعنه عليه» (٢). وجاء في مسلم في أول هذا الحديث: إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وفيه: فقال لَهُ - ﷺ -: «إنَّك امرؤٌ فيك جاهلية». فقلت: يا رسول الله من سبَّ الرجال سبوا أباه وأمه. فقال: «يا أبا ذر إنك امرؤٌ فيك جاهلية» (٣). -------------- (١) أبو داود (٥١٥٧). وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٢٨٢). (٢) سيأتي برقم (٦٠٥٠) في الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن. (٣) مسلم (١٦٦١) كتاب الإيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه. وجاء في رواية لمسلم «فليبعه» بدل «فليعنه»، وهي وهم، كما نبَّه عليه القاضي (١). والصواب ما في البخاري كما رواه الجمهور. وفي غير البخاري أنه - ﷺ - قَالَ لأبي ذر: «أعيرتَه بأُمِّه؟ ارفع رأسك فما أنت بأفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل (في دين) (٢). وقد روي أن بلالًا كان هو الذي عيره بأمه، عن الوليد بن مسلم قَالَ: كان بين بلال وبين أبي ذر محاورة فعيره أبو ذر بسواد أمه. فانطلق بلال إلى رسول الله - ﷺ - فشكى إليه تعييره بذلك، فأمره أن يدعوه. فلما جاء أبو ذر قَالَ له:»أشتمتَ بلالًا وعيرته بسواد أمه؟ «قَالَ: نعم. قَالَ رسول الله - ﷺ -:»ما كنتُ أحسب أنه بقي في صدرِك مِنْ أمرِ الجاهلية شيء«. فألقى أبو ذر نفسه بالأرض، ثمَّ وضع خده عَلَى التراب، وقال: والله لا أرفع خدي من التراب حتَّى يطأ بلال خدي بقدمه. فوطئ خده. السادس: قَدْ عرفت الرجل المبهم في هذا الحديث وأنه بلال، وأما الغلام فلا يحضرني اسمه فليتتبع. ----------------- (١)»إكمال المعلم«٥/ ٤٣٤. (٢) في (ج): في دين الله، والحديث رواه ابن راهويه ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨ (٤٩٣)، والطبراني في»مسند الشاميين«(٢٣٤٣) من طريق كلثوم بن محمد، ثنا عطاء الخراساني، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -. قلت: فيه كلثوم قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: لا يصح حديثه، وقال ابن عدي: يحدث عن عطاء الخراساني بمراسيل وغيره مما لا يتابع عليه. وعطاء الخراساني لم يسمع من أبي هريرة، سئل يحيى بن معين هل سمع عطاء الخراساني من أحد من الصحابة؟ قال؟ لا أعلمهُ. انظر:»الكامل في الضعفاء«٧/ ٢١١،»الجرح والتعديل«٧/ ١٦٤،»مراسيل ابن أبي حاتم" ص ١٥٧ (٥٧٦). السابع: قوله - ﷺ -: (»إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ«). قَالَ أهل اللغة: الخول: الخدم. سموا بذلك؛ لأنهم يتخولون الأمور أي: يصلحونها، ويقومون بها. يقال: خال المال يخوله إِذَا أحسن القيام عليه، وقيل: إنه لفظ مشترك، تقول: خال المال، والشيء يخول وخلت أخول خولًا إِذَا سست الشيء وتعاهدته، وأحسنت القيام عليه. والخائل: الحافظ، ويقال: خال المال، وخائل مال، وخولي مال، وخوَّله الله الشيء أي: ملَّكه إياه (١). الثامن: قوله: (»أَعَيَّرْتَهُ بأُمِّهِ؟ «) فيه ردٌّ عَلَى [من] منع أن يقال: عيره بكذا، وإنما يقال: عيره أَمه وردوا عَلَى من قَالَ: أيها الشامت المعير بالدهر … ................. (٢) والحديث حجة عليهم، والعار: العيب، والمعاير: المعايب. الوجه الرابع في فوائده: الأولى: ما ترجم لَهُ البخاري من أن المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بمجرد فعلها، واحترز بارتكابها عن اعتقادها، فإنه إِذَا اعتقد حل محرم معلوم من دين الإسلام ضرورة كالخمر والزنا وشبههما كفر قطعًا، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، بحيث يجوز أن يَخْفى عليه تحريم ذَلِكَ؛ فإنه حينئذٍ لا يَكْفر، بل يعرف تحريم ذَلِكَ، فإن اعتقد حله بعد ذَلِكَ كفر. ------------- (١) انظر:»المجمل«١/ ٣٠٧،»النهاية في غريب الحديث«٢/ ٨٨. (٢) عزاه أبو الفرج الأصفهاني في كتابه»الأغاني" ٢/ ١٣١ لعدي بن زيد، والشطر الثاني هو: ................. … أأنت المبرأ الموفور وما ذكرناه من كونه لا يكفر بارتكاب المعاصي الكبائر هو مذهب أهل السنة بأجمعهم، وشذ الخوارج فكفروه، والمعتزلة حيث حكموا بتخليده في النار من غير تكفير، ومذهب أهل الحق أنه لا يخلد في النار، وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، كما جاءت الأحاديث: «وإن زنى، وإن سرق». واحتج البخاري بالآية السالفة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وهي صريحة في الدلالة لأهل الحق؛ لأن المراد: من مات عَلَى الذنوب بلا توبة، ولو كان المراد: من تاب لما كان فرق بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة عَلَى ذَلِكَ، وإجماع السلف عليه. الثانية: النهي عن سبَّ العبيد وتعييرهم بوالديهم، والحثُّ عَلَى الإحسان إليهم، والرفق بهم، فلا يجوز لأحد تعيير أحد بشيء من المكروه يعرفه في آبائه، وخاصة نفسه، كما نهى عن الفخر بالآباء، ويلحق بالعبد من في معناه من أَجِيرٍ، وخادم، وضعيف، وكذا الدواب، ينبغي أن يحسن إليها، ولا تكلف من العمل ما لا تطيق الدوام عليه، فإن كلفه ذَلِكَ لزمه إعانته (عليه) (١) بنفسه أو بغيره. الثالثة: عدم الترفع عَلَى المسلم، وإن كان عبدًا أو نحوه من الضعفة؛ لأن الله تعالى قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وقد تظاهرت الدلائل عَلَى الأمر باللطف بالضعفة، وخفض الجناح لهم، وعلى النهي عن احتقارهم والترفع عليهم. ------------------ (١) من (ج). الرابعة: استحباب الإطعام مما يأكل، والإلباس مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما لا يطيق الدوام عليه، وسيأتي بسط ذَلِكَ في: العتق، إن شاء الله. الخامسة: المحافظة عَلَى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. السادسة: إطلاق الأخ عَلَى الرقيق. السابعة: أن إطعام المملوك من الخبز وما يقتاته إطعام مما يأكله؛ لأن (من) للتبعيض، ولا يلزمه أن يطعمه من كل ما يأكل عَلَى العموم من الأدم، وطيبات العيش، مع أن المستحب أن لا يستأثر عَلَى عياله، ولا يفضل نفسه في العيش عليهم. ٢٣ - باب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ ٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِى بِشْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. [٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧ - مسلم: ١٢٤ - فتح: ١/ ٨٧] ثنَا أَبُو الوَليدِ قَالَ: حَدَّثنَا شُعْبَةُ وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ ثنَا غندر، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: أَيّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي: أحاديث الأنبياء عن أبي الوليد (١) كما ترى، وفي: التفسير عن بندار عن ابن أبي عدي عن شعبة (٢)، وفي أحاديث الأنبياء أيضًا: عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه (٣)، وعن إسحاق عن عيسى بن يونس (٤)، وفي التفسير (٥) أيضًا، واستتابة المرتدين عن قتيبة عن جرير (٦). ------------------ (١) سيأتي برقم (٣٤٢٨) باب: قول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ﴾. (٢) سيأتي برقم (٤٦٢٩) باب: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. (٣) سيأتي برقم (٣٣٦٠) باب: قول الله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. (٤) سيأتي برقم (٣٤٢٩) باب: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ﴾. (٥) سيأتي برقم (٤٧٧٦) باب: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. (٦) سيأتي برقم (٦٩١٨) باب: إثم من أشرك بالله، وعقوبته في الدنيا والآخرة. ورواه مسلم (١) هنا عن أبي بكر عن ابن إدريس، وأبي معاوية، ووكيع، وعن إسحاق، وابن خشرم عن عيسى، وعن منجاب عن علي بن مسهر، وعن أبي كريب عن ابن إدريس كلهم عن الأعمش عن إبراهيم به. وقال فيه البخاري في بعض طرقه: لما نزلت الآية شق ذَلِكَ عَلَى أصحاب رسول الله - ﷺ - فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟! فقال رسول الله - ﷺ -: «إنه ليس كذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]» (٢) ولفظ مسلم قريب من هذا، فإن فيه: قالوا: أينا لم يظلم نفسه. فقال - ﷺ -: «ليس هو كما تظنون إنما هو كما قَالَ لقمان لابنه ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾». ثانيها: مناسبة الحديث للتبويب أن الإيمان تمامه بالعمل، وأن المعاصي تنقصه، ولا تخرجه إلى الكفر. ثالثها: في التعريف برواته غير ما سلف وهو شعبة. أما عبد الله بن مسعود (٣) فهو: (أبو مسعود) (٤) عبد الله بن مسعود بن غافل -بالغين المعجمة والفاء- بن حبيب بن شمخ بن مخزوم، ويقال: شمخ بن فار -بالفاء- ---------------------- (١) مسلم (١٢٤) كتاب: الإيمان، باب: صدق الإيمان. (٢) سيأتي برقم (٦٩١٨) كتاب: استتابة المرتدين، باب: إثم من أشرك بالله. (٣) انظر ترجمته - رضي الله عنه - في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٢/ ٣٤٢، ٣/ ١٥٠، ٦/ ١٣، «فضائل الصحابة» ٢/ ١٠٥٦، «الاستيعاب» ٣/ ١١٠ - ١١٦، «أسد الغابة» ٣/ ٣٨٤ (٣١٧٧)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ١٢٧، «الإصابة» ٢/ ٣٦٨ (٤٩٥٤). (٤) كذا في الأصول، والصواب: أبو عبد الرحمن، كما في مصادر الترجمة. ابن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي الكوفي السيد الجليل، أسلم بمكة قديمًا، وهاجر إلى الحبشة ثمَّ إلى المدينة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وكان كثير الدخول عليه. روي لَهُ ثمانمائة حديث، وثمانية وأربعون حديثًا. اتفقا منها عَلَى أربعة وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين. روى عنه جماعة من الصحابة منهم: أنس وخلق من التابعين، ومناقبه جمة، وكذا جلالته وكثرة فقهه، استوطن الكوفة، ومات بها سنة اثنين وثلاثين، وقيل: ثلاث. وقال جماعة: مات بالمدينة، ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة، وترجمته موضحة في «رجال العمدة» تأليفي. فائدة: عبد الله بن مسعود في الصحابة ثلاثة، أحدهم هذا، وثانيهم أبو عمرو الثقفي أخو أبي (عبيد) (١)، استشهد يوم الجسر كأخيه (٢)، وثالثهم غفاري. وقيل: أبو مسعود لَهُ حديث (٣)، وفيهم رابع، اختلف في اسمه فقيل: ابن مسعدة، وقيل: ابن مسعود، فزاري (٤). --------------------- (١) في الأصل: عبيدة، والمثبت هو الصواب كما في «الاستيعاب» ٣/ ١١٠، «الإصابة» ٢/ ٣٧٠. (٢) انظر: «الإصابة» ٢/ ٣٧٠ (٤٩٥٥) وفيه عبد الله بن مسعود بن عمرو الثقفي. (٣) انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٣٩٠ (٣١٧٨)، «الإصابة» ٢/ ٣٧٠ (٤٩٥٦). (٤) انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٣٨٤. وأما علقمة (١) فهو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان -بفتح السين المهملة- بن كهيل بن بكر بن عوف بن النخع، النخعي، الكوفي عم الأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيس خالي إبراهيم النخعي. سمع خلقًا من كبار الصحابة منهم: عمر وعثمان وعلي، وعنه خلق من كبار التابعين منهم: الشعبي والنخعي. وجلالته وإمامته وثقته مجمع عليها، وهو أكبر أصحاب ابن مسعود، وكان يُشَبَّه به هديًا ودلًّا (٢). مات سنة اثنين وستين، وقيل سنة اثنين وسبعين، روى لَهُ الجماعة إلا مالكا، قاله في «الكمال» ولم يستثنه المزي. وأما إبراهيم فهو إمام أهل الكوفة، أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود (٣) بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن ---------------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٨٦، «التاريخ الكبير» ٧/ ٤١ (١٧٧)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٤٠٤ (٢٢٥٨)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٢٠٧، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٣٠٠ (٤٠١٧)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٥٣ (١٤). (٢) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٦/ ٨٦، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤. (٣) قال العلامة علاء الدين مغلطاي في «إكمال تهذيب الكمال» ١/ ٣١٣ - ٣١٤: إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة. كذا نسبه يعقوب بن سفيان الفسوي في «تاريخه الكبير»، والحافظ إسحاق القراب في «تاريخه» وقال: يزيد بن الأسود ابن عمرو بن ربيعة. والمنتجالي، ويحيى بن معين فيما ذكره عباس، وأبو العرب القيرواني، وأبو زرعة النصري في كتاب «التاريخ»، وابن حبان، وأبو داود، ومحمد بن سعد في كتاب «الطبقات الكبير»، وخليفة ابن خياط في كتابيه «الطبقات»، و«التاريخ»، والكلبي في كتاب «الجمهرة» و«جمهرة الجمهرة»، و«الجامع لأنساب العرب»، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وابن دريد في كتاب «الاشتقاق الكبير»، وصاعد = النخع، النخعي، الكُوفي، التابعي، المُجمَع عَلَى إمامته وجلالته وصلاحه. دخل عَلَى عائشة ولم يثبت لَة منها سماع، وهو ابن أخت الأسود، وعبد الرحمن ابني يزيد بن قيمس، أمه: مليكة بنت يزيد ابن قيس. سمع علقمة وخاليه، وخلائق من كبار التابعين، وعنه جماعات من التابعين منهم: السبيعي والأعمش والحكم وآخرون. قَالَ الشعبي: ما ترك أحدًا أعلم منه أو أفقه منه ولا الحسن ولا ابن سيرين، وقال الأعمش: كان صيرفي الحديث (١)، وقال أحمد بن عبد الله (٢): كان مفتي أهل الكوفة هو والشعبي في زمنهما، وكان رجلًا صالحًا ثقة. مات سنة خمس أو ست وتسعين، عن تسع وأربعين، مختفيًا من الحجاج، وقيل: عن ست وأربعين، وقيل: عن تسع، وقيل: ثمان وخمسين (٣). وأما سليمان (٤) الراوي عن إبراهيم فهو: الإمام الجليل، أبو محمد سليمان بن مهران، الأسدي الكاهلي الكوفي التابعي، الأعمش مولى ------------------ = اللغوي، والبرقي في «تاريخه الكبير»، وابن أبي خيثمة في «تاريخه الكبير»، و«الأوسط»، وغيرهم من المؤرخين والنسابين، وفي كتاب «الأمالي» للسمعاني: إبراهيم بن يزيد بن عمرو بن ربيعة، وكذا ذكره البخاري في «تاريخه الكبير»، وابن حبان، وأبو حاتم الرزاي، وأبو نصر الكلاباذي، والباجي. والذي قاله المزي: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود لم أر معتمدًا قاله. اهـ. (١) رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ٢/ ٦٠٧. (٢) «معرفة الثقات» ١/ ٢٠٩ (٤٥). (٣) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٢٧٠، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٤٤ (٤٧٣)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٢٣٣ (٢٦٥)، «الكاشف» ١/ ٢٧٧ (٢٢١). (٤) انظر ترجمته في: «الطبقات» ابن سعد ٦/ ٣٤٢، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٧ (١٨٨٦)، «الثقات» للعجلي ١/ ٤٣٢ (٦٧٦)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٧٦ (٢٥٧٠)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٢٢٦ (١١٠). بني كاهل، وكاهل هو ابن أسد بن خزيمة، رأى أنسًا، قيل: وأبا بكرة (١). وروى عن (ابن) (٢) أبي أوفي (ولم يثبت لَهُ سماع من واحد منهما) (٣). سمع خلقًا من كبار التابعين، وعنه خلق منهم فمن بعدهم، وهو: ثقة جليل إمام بالإجماع وورعه كذلك. قَالَ يحيى القطان: كان من النساك، وعلامة الإسلام (٤). وقال عيسى بن يونس: لم نر نحن ولا القرن الذي قبلنا مثله، وما رأيت الأغنياء والسلاطين عند أحد أحقر منهم عند الأعمش (مع) (٥) فقره وحاجته (٦)، وقال وكيع: مكث الأعمش قريبًا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى (٧) يعني: في صلاة الجماعة، وعن زهير: كان حليمًا في غضبه (٨)، وعن شعبة: أنه كان إِذَا ذكر الأعمش قَالَ: المصحف --------------- (١) عزا هذا القول المزي في «تهذيب الكمال» ١٢/ ٨٤ لأبي الحسين ابن المنادي. قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٢/ ١١١: وقول ابن المنادي الذي سلف: أن الأعمش أخذ بركاب أبي بكرة الثقفي غلط فاحش؛ لأن الأعمش ولد إما سنة إحدى وستين أو سنة تسع وخمسين على الخُلف في ذلك، وأبو بكرة مات سنة إحدى أو اثنتين وخمسين، فكيف يتهيأ أن يأخذ بركاب من مات قبل مولده بعشر سنين أو نحوها؟ وكأنه كان -والله أعلم- أخذ بركاب ابن أبي بكرة فسقطت «ابن» وثبت الباقي، وإني لأتعجب من المؤلف مع حفظه ونقده كيف خفي عليه هذا. اهـ. (٢) ساقط من (ج). (٣) من (ف). (٤) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ٨. (٥) في الأصول: (عند)، والمثبت هو الصواب. (٦) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٤٧ - ٤٨، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ٨. (٧) المصدران السابقان. (٨) أورده البخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٨ (١٨٨٦). المصحف في صدقه (١). يقال إن أصله من طبرستان من قرية يقال لها: دباوند (٢) ناحية منها، جاء به أبوه حميلًا إلى الكوفة فاشتراه لَهُ رجل من بني أسد فأعتقه. وقال الترمذي في «جامعه» في باب: الاستتار عند الحاجة، عن الأعمش أنه قَالَ: كان أبي حَميلًا فَوَرَّثَهُ مسروق (٣). فالحميل عَلَى هذا أبوه، والحميل: الذي يحمل من بلده صغيرًا، ولم يولد في الإسلام. وظهر للأعمش أربعة آلاف حديث، ولم يكن لَهُ كتاب، وكان فصيحًا لم يلحن قط، وكان أبوه من سبي الديلم يقال: إنه شهد قتل الحسين، وإن الأعمش ولد يوم قتل الحسين يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقال البخاري: ولد سنة ستين، مات سنة ثمان وأربعين ومائة. فائدة: نُسب الأعمشُ إلى التدليس (٤)، وقد عنعن في هذا الحديث عن إبراهيم، وذكر الخطيب عن بعفالحفاظ أنه يدلس عن غير ثقة، بخلاف سفيان، لكن قَدْ أسلفنا أن حديثه في «الصحيح» محمول عَلَى السماع. -------------- (١) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ١١. (٢) دباوند أو دنباوند، كلاهما صحيح انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٤٣٦. (٣) أورده الترمذي في إثر حديث رقم (١٤). (٤) وصفه بالتدليس الكرابيسي، والنسائي، والدارقطني كما في «تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس» لابن حجر ص ٦٧. قال الحافظ الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٢/ ٤١٤: وهو يدلس، وربما دلّس عن ضعيف، ولا يدري به، فمتى قال: حدثنا، فلا كلام، ومتى قال: عن، تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم، وابن أبي وائل، وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال. اهـ. وأما غندر فهو: أبو عبد الله محمد بن جعفر الهذلي، مولاهم البصري، صاحب الكراديس، اشتهر بغندر، سمع ابن جريج وخلقًا من الكبار، منهم: شعبة، وجالسه نحو عشرين سنة، وكان شعبة زوج أمه، وعنه خلق من الحفاظ والأعلام منهم: الإمام أحمد، وابن معين، وقال: كان منذ خمسين سنة يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وأراد بعضهم أن يخطئه فلم يقدر عليه، وكان من أصح الناس كتابا. وقال ابن وهب: غندر في شعبة أثبت مني. وقال أبو حاتم: صدوق وهو في شعبة ثقة. وغندر لَقَّبَهُ به ابن جريج لما قدم البصرة، وحدث بحديث عن الحسن فجعل محمد يكثر التشغيب عليه فقال: اسكت يا غندر، وأهل الحجاز يسمون المشغب غندرًا، وزعم أبو جعفر النحاس في كتاب «الاشتقاق» أنه من الغدر، وأن نونه زائدة والمشهور في داله الفتح، وحكى الجوهري ضمها (١). مات سنة ثلاث وتسعين ومائة قاله أبو داود، وقيل: سنة أربع، وقال ابن سعد: سنة أربع ومائتين (٢). فائدة: جماعة من يلقب بغندر عشرة، أوضحتهم في كتاب «المقنع» تأليفي في علوم الحديث (٣). وأما أبو الوليد فسلف. ------------------ (١) «الصحاح» مادة (غدر). (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٦، «التاريخ الكبير» ١/ ٥٧ (١١٩)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥ - ٩ (٥١٢٠)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٩٨، «شذرات الذهب» ١/ ٣٣٣. (٣) «المقنع» ٢/ ٥٨٥ - ٥٨٧. وأما بشر بن خالد فهو أبو محمد العسكري الفرائضي، روى عن جماعة من الحفاظ، وعنه الأئمة: البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين (١). فائدة: هذا الإسناد اجتمع فيه رواية ثلاثة من التابعين من أهل الكوفة بعضهم عن بعض: الأعمش، وإبراهيم، وعلقمة، أئمة فضلاء. الوجه الرابع: في ألفاظه وفوائده: الأولى: معنى ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾ [الأنعام: ٨٢] لم يخلطوا. يقال: لبست الأمر مخففًا، ألبسهُ بالفتح في الماضي، وكسره في المستقبل إِذَا خلطته، وفي لبس الثوب بضده. الثانية: هل الظلم في الآية الشرك أو سائر أنواع الظلم؟ فيه قولان حكاهما الماوردي، ونقل الأول عن أُبي وابن مسعود عملا بهذا الحديث. قَالَ: واختلفوا عَلَى الثاني فقيل: إنها عامة، ويؤيده ما رواه عبد بن حميد عن إبراهيم التيمي أن رجلًا سال عنها رسول الله - ﷺ - فسكت حتَّى جاء رجلٌ فأسلم فلم يلبث قليلًا حتَّى استشهد. فقال - ﷺ -: «هذا منهم: من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٢) [الأنعام: ٨٢] وقيل: إنها خاصة، نزلت في إبراهيم -عليه السلام-، وليس لهذِه الأمة فيها شيء، قاله علي - رضي الله عنه -، وقيل: إنها فيمن هاجر إلى المدينة، قاله عكرمة (٣). ---------------- (١) انظر ترجمته في:»الجرح والتعديل«٢/ ٣٥٦ (١٣٥٦)،»الثقات«لابن حبان ٨/ ١٤٥،»تهذيب الكمال«٤/ ١١٧ (٦٨٦)،»الكاشف«١/ ٢٦٧ (٥٧٦). (٢) ذكره السيوطي في»الدر المنثور«٣/ ٥٠ وعزاه لعبد بن حميد. (٣)»تفسير الماوردي" ٢/ ١٣٨. الثالثة: ذكر البخاري هذا الحديث هنا، وفي كتاب: التفسير (١) هكذا، ورواه مرة وفيه: «إنه ليس كذلك ألا تسمعون إلى قول لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾» (٢) [لقمان: ١٣] ولفظ مسلم (٣) قريب من ذَلِكَ كما سلف. فهاتان الروايتان تفسر إحداهما الأخرى، وإنه لما شق ذَلِكَ عليهم أنزل الله الآية فقال - ﷺ - بعد ذَلِكَ: ليس ذَلِكَ الظن الذي وقع لكم كما تظنون، إنما المراد بالظلم كما قَالَ لقمان لابنه. قَالَ الخطابي (٤): إنما شق عليهم؛ لأن ظاهر الظلم: الافتيات بحقوق الناس، وما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب المعاصي، فظنوا أن المراد به هنا معناه الظاهر فشق عليهم، وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، ومن جعل العبادة لغير الله تعالى وأثبت الربوبية فهو ظالم بل أظلم الظالمين. الرابعة والخامسة: أن المفسَّر يقضي عَلَى المجمل، وأن العام يطلق ويراد به الخاص، بخلاف قول أهل الظاهر لحمل الصحابة ذَلِكَ عَلَى جميع أنواع الظلم، فبين الله تعالى أن المراد نوع منه. السادسة: إثبات العموم. ------------- (١) سيأتي برقم (٤٦٢٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، ورواه مسلم (١٢٢) كتاب: الإيمان، باب: الإسلام يهدم ما قبله. (٢) سيأتي برقم (٦٩١٨) كتاب: استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب: إثم من أشرك. (٣) مسلم (١٢٤) كتاب: الإيمان، باب: صدق الإيمان وإخلاصه. (٤) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٢. السابعة: عموم النكرة في سياق النفي (لفهم) (١) الصحابة، وتقرير الشارع عليه، وبين لهم التخصيص. وأما القاضي فقال: حملوه عَلَى أظهر معانيه فإنه وإنْ كان ينطلق عَلَى الكفر وغيره لغة وشرعًا، فعرف الاستعمال فيه العدول عن الحق في غير الكفر، كما أن لفظ الكفر يطلق عَلَى معانٍ: من جحد النعم، والستر، لكن الغالب عند مجرد الإطلاق حمله عَلَى ضد الإيمان، فلما ورد لفظ الظلم من غير قرينة حمله الصحابة عَلَى أظهر وجوهه فليس فيه دلالة عَلَى العموم (٢). الثامنة: تأخير البيان إلى وقت الحاجة، كذا استنبطه الماوردي والنووي وغيرهما، ونازع في ذَلِكَ القاضي عياض؛ لأنه ليس في هذِه القضية تكليف عمل بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر عن المؤمن، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هي الحاجة المؤخرة إلى البيان، لكنهم لما أشفقوا بين لهم المراد (٣). التاسعة: أن المعاصي لا تكون كفرًا، وهو مذهب أهل الحق، وأن (الظلم) (٤) عَلَى ضربين كما ترجم له. ----------- (١) في (ج) تعم لفهم. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٤١٧ - ٤١٨. (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٤١٨. (٤) في (خ): الظالم. ٢٤ - باب: عَلَامَات المُنَافِقِ ٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». [٢٦٨٢، ٢٧٤٩ - مسلم: ٥٩ - فتح:١/ ٨٩] ٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأعْمَشِ. [٢٤٥٩، ٣١٧٨ - مسلم: ٥٨ - فتح: ١/ ٨٩] ثنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ نَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ نَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَان». نَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، ثنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وِاذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». تَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ. الكلام عليهما من وجوه: أحدها: حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في الوصايا عن أبي الربيع أيضا (١)، وفي الشهادات عن قتيبة (٢)، وفي: الأدب، عن ابن سلَّام (٣). وأخرجه مسلم (٤) هنا عن قتيبة ويحيى بن أيوب، كلهم عن إسماعيل به، وحديث ابن عمرو أخرجه البخاري في: الجزية: عن قتيبة عن جرير عن الأعمش به (٥)، وأخرجه مسلم (٦) هنا عن أبي بكر عن عبد الله بن نُمير، وعن ابن نُمير، ثنا أبي، ثنا الأعمش ح، وثنا زهير، ثنا وكيع، ثنا سفيان عن الأعمش به. الوجه الثاني: في التعريف برواته: وقد سلف منهم أبو هريرة وعبد الله بن عمرو، والأعمش وشعبة. وأمَّا مسروق فهو: أبو عائشة مسروق بن الأجدع -بالجيم ثمَّ دال مهملة- بن مالك بن أُميّة بن عبد الله بن مُر بن (سلمان) (٧) بن الحارث بن سعد بن عبد الله بن وداعة بن عمرو بن عامر الهَمْداني الكوفي التابعي الكبير، صلَّى خلف الصِّديق، وسمع عمر وعائشة ------------ (١) سيأتي برقم (٢٧٤٩) كتاب: الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. (٢) سيأتي برقم (٢٦٨٢) كتاب: الشهادات، باب: من أمر بإنجاز الوعد. (٣) سيأتي برقم (٦٠٩٥) كتاب: الأدب، باب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾. (٤) مسلم (٥٩) كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق. (٥) سيأتي برقم (٣١٧٨) كتاب: الجزية والموادعة، باب: كيف ينبذ إلى أهل العهد. (٦) مسلم (٥٨) كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق. (٧) في (ج) سليمان. وغيرهما، وعنهُ خلق من التابعين فمن بعدهم منهم: أبو وائل وهو أكبر منه، وإمامته وثقته وجلالتهُ مُتفق عليها. قَالَ الشعبي: ما علمت أنَّ أحدًا كان يطلب العلم في أُفق من الآفاق مثله. وقال مُرَّة الهَمْداني: ما ولدت همدانية مثله. وقال ابن المديني: ما أقَدِّم عليه واحدًا من أصحاب عبد الله، وكان أفرس فارس باليمن وهو ابن أُخت معدي كرب، وقال لهُ عمر: ما اسمك؟ قلتُ: مسروق بن الأجدع، فقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «الأجدع شيطان» أنت مسروق بن عبد الرحمن (١)، قَالَ الشعبي: فرأيته في الديوان مسروق بن عبد الرحمن (٢). وقال العجلي: كان أصحاب. عبد الله الذين يقرءون القرآن ويعلمون السُّنة: علقمة، والأسود، وعَبيدة، ومسروق، والحارث بن قيس، وعمرو بن شرحبيل (٣). مات سنة اثنتين، وقيل: ثلاث وستين (٤). وأمَّا الراوي عنهُ فهو عبد الله بن مُرة الهمداني الكوفي التابعي الخارفي بالخاء المعجمة والفاء، نسبةً إلى خارف، وهو: مالك بن عبد الله بن كثير بن مالك بن جشم بن خَيْوان بن نوف بن همدان، --------------------- (١) رواه أبو داود (٤٩٥٧)، وابن ماجه (٣٧٣١)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤. وأحمد ١/ ٣١، والبزار ١/ ٤٥١، من حديث عمر بن الخطاب. قال البزار: هذا الحديث لا نعلم رواه عن النبي - ﷺ - إلا عمر، ولا نعلم له طريقًا عن عمر إلا هذا الطريق. اهـ. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٢٧١). (٢) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣. (٣) «معرفة الثقات» ١/ ٢٣٠. (٤) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٧٦، «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٥ ترجمة (٢٠٦٥)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٥١ ترجمة (٥٩٠٢)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٤٥٤، «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٣٢. روى عن (ابن عمر) (١) وغيره، وعنه: الأعمش ومنصور. مات سنة مائة. قَالَ ابن سعد: في خلافة عُمر بن عبد العزيز. قَالَ يحيى بن معين وأبو زرعة: ثقة (٢). وأمَّا الراوي عنهُ فهو: الإمام الكبير العالم الرباني القائم في الله، أبو عبد الله، سفيان (٣) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع بن عبد الله بن موهبة بن أبي عبد الله بن منقذ بن نصر بن الحارث بن ثعلبة بن ملكان بن ثور بن عبد مَناة بن أد بن طابخة -بطاء مهملة ثم باء موحدة ثم خاء معجمة- بن إلياس بن مضر بن نزار، الثوري الكوفي. إمام أهل الكوفة بل إمام العراق، وهو من تابعي التابعين، سمع خلقا من التابعين منهم: السبيعي، والأعمش، وأبا حَصين، وعنهُ: محمد بن عجلان، وهو تابعي، ومن شيوخه، وغيرهم من الأعلام. ومناقبه جمَّة. قَالَ أحمد بن عبد الله: أحسن إسناد الكوفة سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله (٤). وقال أبو عاصم: سفيان أمير المؤمنين في الحديث. وقال ابن المبارك: كتبتُ عن ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل منه، وعنهُ قَالَ: ما استودعت نفسي شيئًا فخانني (٥). --------------- (١) في (ج): علي، وهو خطأ، والمثبت من «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٢٥٩. (٢) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٩٠، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٦٥ ترجمة (٧٦٣)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ١١٤. (٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٧١، «التاريخ الكبير» ٤/ ٩٢ (٢٠٧٧)، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٥٤ ترجمة (٢٤٠٧)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٢٢٩. (٤) «معرفة الثقات» ١/ ٤١١. (٥) ذكره النسائي في «الكبرى» ٦/ ١٥٦ (١٠٤٤٤). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#53 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 46 الى صـــ 65 الحلقة (53) وقال أحمد بن جَواش: كان ابن المبارك يتأسف على سفيان ويقول: لِمَ لَمْ أطرح نفسي بين يدي سفيان ما أصنع بفلان وفُلان. وقال يونس بن عُبيد: ما رأيت أفضل من سفيان الثوري فقال له رجل: تقول هذا، وقد رأيت سعيد بن جبير وعطاء ومجاهدًا؟! فقال: هو والله ما أقول، ما رأيت أفضل من سفيان. وُلد سنة سبع وتسعين، ومات سنة ستين ومائة، وقيل: إحدى بالبصرة، وادعى ابن سعد الإجماع عليه. قَالَ ابن معين: كل مَنْ خالف الثوري فالقول قول الثوري، ولَمْ يكن أحد أعلم بحديث ابن إسحاق منه، وكان يُدلس (١)، وعن عبد الرزاق قَالَ: بَعث أبو جعفر الخشابين قُدامه حين خرج إلى مكة، وقال: إذا رأيتم سُفيان فاصلبوه فوصلوا مكة، ونصبوا الخَشبة، ونودي سفيان فماذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجله في حجر ابن عيينة، فقالوا: لا تشمت بنا الأعداء، فأخذ بأستار الكعبة وقال: برئت منه إن دخلها، فمات أبو جعفر قبل أَنْ يدخل مكة (٢). فائدة: سُفيان هذا أحد أصحاب المذاهب المتبوعة كما أسْلفته أوائل الكتاب. ---------- (١) وصفه بالتدليس النسائي وغيره، وقال البخاري: ما أقل تدليسه. انظر: «تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس» للحافظ ص ٦٤. (٢) رواه أبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٤١ - ٤٢، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ١٥٩ (٤٧٦٣). وأمَّا الراوي عنهُ فهو: قبيصة (١) بن عقبة بن محمد بن سفيان بن عُقبة بن ربيعة بن (جنيدب) (٢) بن رباب (٣) بن حبيب بن سواءة بن عامر بن صعصعة، أبو عامر السوائيُّ، الكوفي، أخو سُفيان بن عُقبة، روى عن الثوري وغيره من الكِبار، وليس له عن ابن عيينة شيء، وعنه الأعلام، منهم: أحمد، والذهلي، والبخاري، وكان من الصالحين. وهو مختلف في توثيقه وجرحه، واحتجاج البخاري به في غير موضع كاف، وقال يحيى بن معين: ثقة في كل شيء إلا في حديث سُفيان الثوري ليس بذاك القوي. وقال يحيى بن آدم: كثير الغلط في سفيان كأنهُ كان صغيرًا لم يضبط، وأمَّا في غيره فهو ثقة رجل صالح، وعَنْ قبيصة أنَّهُ قَالَ: جالستُ الثوري وأنا ابن لست عشرة سنة ثلاث سنين. وروى مسلم في: الجنائز حديثًا واحدًا عن ابن أبي شيبة عنهُ عن الثوري (٤)، وروى أبو داود وابن ماجه والنسائي والترمذي بواسطة، والبخاري في «الأدب» عن يحيى بن بشر عنه (٥)، ومسلم في مقدمته ----------------- (١) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٤٠٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٧٧ ترجمة (٧٩٢)، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٢٦ ترجمة (٧٢٢)، «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٨١ ترجمة (٤٨٤٣). (٢) في الأصول: جندب، والمثبت هو الصواب كما في مصادر الترجمة. (٣) وفي بعض المصادر: رئاب. (٤) مسلم (٩٧٧) كتاب: الجنائز، باب: استئذان النبي - ﷺ - ربه -عز وجل- في زيارة قبر أمه. والحديث «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ..». (٥) «الأدب المفرد» (٥٤٣) ونصه «إذا أحب الرجل الرجل ..»، وقال الألباني: حسن صحيح وكذا في «الصحيحة» (٤١٨). عن الحلواني، عن الحماني، عن قبيصة وأخيه سفيان (١)، والنسائي عن ولده عقبة عن أبيه في: «أفطر الحاجم» (٢). مات في المُحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين كذا في شرح شيخنا قطب الدين، وقال النووي في «شرحه»: مات سنة خمس عشرة ومائتين، وهما قولان حكاهما المزي في «تهذيبه» حكى الأول عن معاوية، وحكى الثاني عن جماعة (٣). وأما الإسناد الأول فالراوي عَنْ أبي هريرة مالك بن أبي عامر، أبو أنس الأصبحي المدني (٤)، جدّ مالك الإمام، ووالد أنس والربيع ونافع، وأويس، حليف عثمان بن عبد الله أخي طلحة التميمي القرشي. سمع عُمر وغيره، وعنهُ سُليمان بن يسار، وغيره. مات سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين. فائدتان: الأولى: أخرج مسلم لأبي أنس عن عثمان حديثًا في الوضوء من طريق وكيع عَنْ سُفيان عَنْ أبي النضر عن أبي أنس عن عثمان (٥)، وحديثًا في الرِّبا من حديث سليمان بن يسار عنهُ (٦). ---------------- (١) مسلم ١/ ٢٠. (٢) النسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٢٩ (٣١٩٤). (٣) «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٨٨ - ٤٨٩. (٤) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٥/ ٦٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٠٥ (١٢٩٧)، «ثقات» العجلي ٢/ ٢٦١ (١٦٧٣)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢١٤ (٩٥١)، «ثقات» ابن حبان ٥/ ٣٨٣، «الكاشف» ٢/ ٢٣٥ (٥٢٥٤)، قال ابن حجر في «التقريب» ثقة، من الثانية. (٥) مسلم (٢٣٠) كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه. (٦) مسلم (١٥٨٥) كتاب: المساقاة، باب: الربا. فاستدرك الدارقطني وغيره الأول فقالوا: خالف وكيعًا لعلها زيادة أصحاب الثوري الحفاظ حيث رووه عَنْ الثوري، عَنْ أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن عثمان وهو الصواب (١)، وقال مالك في «الموطأ» في الحديث الثاني أنَّهُ بلغهُ عن جده أن عثمان (٢). الثانية: صرح مالك في: الإيمان بسماع جده مِنْ طلحة بن عُبيد الله (٣)، وكذا صرَّح به ابن سعد (٤)، وفيه نظر، كما نبَّه عليه المنذري حيث قَالَ: كيف يصح سماعه منه وأنَّه توفي سنة اثنتي عشرة ومائة وهو ابن سبعين أو اثنتين وسبعين، وعلى هذا يكون مولده سنة أربعين مِنْ الهجرة، ولا خلاف أن طلحة قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين من الهجرة. والإسناد صحيح أخرجه الأئمة، وفيه أنَّهُ سَمع طلحة بن عبيد الله، فلعلَّ السَّبعين صوابها التِّسعين وتصحفت بها، وقد ذَكر أبو عمر أنَّهُ توفِّيَ سنة مائة أو نحوها، فعلى هذا يكون مولده سنة ثمان وعشرين، ويمكن سماعه منه. قُلْتُ: وعلى الأول روايته عن عمر أشكل؛ فإنه مات سنة ثلاث وعشرين فكيف يصح له قوله: شهدت عمر عند الجمرة، وأصابه حجر فدماه وذكر الحديث وفيه: فلمَّا كان مَنْ قابل أُصيب عمر. رواه ابن سعد فقال: أخبرنا يزيد بن هارون، أنا جرير بن حازم، عن عمه ----------------- (١) «العلل» ٣/ ١٧ - ١٩ (٢٥٩). (٢) «الموطأ» ص ٣٩٢ رواية يحيى. ونصه «لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين». (٣) سيأتي برقم (٤٦) كتاب: الإيمان، باب: الزكاة في الإسلام. (٤) «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٢/ ٣٧٠. جرير بن زيد، عَنْ مالك بن أبي عامر قَالَ: شهدت عمر، الحديث (١)، فتنبه لذلك، وتبعه النووي في «شرحه». (وقد نبه المزي أيضًا على هذا الوهم في الوفاة في أنها سنة اثنتي عشرة ومائة كما أسلفناه، مع السن المذكور، والناقل لذلك هو صاحب «الكمال» عن الواقدي، رواه عنه ابن سعد، وقال المزي في حاشية «تهذيبه»: إنه خطأ لا شك فيه، فإنه قد سمع من عمر فمن بَعْدَه، ونقل في أصل «تهذيبه» عن ولده الربيع أن والده هلك حين اجتمع الناس على عبد الملك، يعني: سنة أربع وسبعين (٢)، وجزم به في «الكاشف» فاتضح ذَلِكَ) (٣) وأمَّا ولده نافع فهو أبو سُهيل المدني (٤) عم الإمام مالك، سمع أنس بن مالك الصحابي، وأباه، وجمعًا من التابعين، وعنة: الزهري ومالك وآخرون. قَالَ أحمد وأبو حاتم: ثقة. وأمَّا إسماعيل (٥) فهو: أبو إبراهيم، إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزرقي، مولاهم المدني، قارئ أهل المدينة، وهو أخو محمد، ويحيى، وكثير، ويعقوب بن جعفر، سَمع جمعًا من التابعين منهم: عبد الله بن دينار، وغيرهم، وعنهُ جمع مِنْ الأعلام منهم: قُتيبة. ------------------- (١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٦٣ - ٦٤ ترجمة مالك بن أبي عامر. (٢) «تهذيب الكمال» ٢٧/ ١٤٩ - ١٥٠. (٣) «الكاشف» ٢/ ٢٣٥ (٥٢٥٤)، وما بين القوسين ساقط من (ج). (٤) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٩/ ٢١٦، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٩٠، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٨٣. (٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٢٧، «تاريخ بغداد» ٦/ ٢١٨ (٣٢٧٤)، «تهذيب الكمال» ٣/ ٥٦. مات ببغداد سنة ثمانين ومائة. قَالَ يحيى بن معين: ثقة مأمون قليل الخطأ صدوق. وقال أبو زرعة وأحمد وابن سعد: ثقة. قَالَ ابن سعد: كان من أهل المدينة قدم بغداد فلمْ يزل بها حتى مات (١). وأما سليمان فهو أبو الربيع، سليمان بن داود الزهراني (٢) [العتكي، سكن بغداد، وسمع كبار الأئمة منهم مالك، وعنهُ الحفاظ: أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى النسائي عَنْ رجل عنهُ، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وأبو يعلى الموصلي، والبغوي. وثقه ابن معين وغيره، ومات بالبصرة سنة أربع وثلاثين ومائتين (٣). فائدة: في الإسناد الأول لطيفة، وهي أنهم كلهم مدنيون إلا أبا الربيع. وفي الإسناد الثاني لطيفة، وهي أنهم كلهم كوفيون إلا عبد الله بن عمرو، وفيه لطيفة ثانية، وهي رواية ثلاثة من الأتباع بعضهم عن بعض: الأعمش، وابن مُرة، ومسروق. الوجه الثالث: مُراد البخاري رحمه الله بإيراد هذين الحديثين هنا أنَّ المعاصي تنقص الإيمان كما أَنَّ الطاعات تزيده. -------------- (١) «الطبقات» ٧/ ٣٢٧. (٢) من هنا يبدأ سقط من (ج). (٣) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٧، «التاريخ الكبير» ٤/ ١١ (١٧٩١)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١١٣ (٤٩٣) «تهذيب الكمال» ١١/ ٤٢٣ (٢٥١٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٦٧٦. الوجه الرابع: في بيان ألفاظه ومعانيه: فقوله - ﷺ -: «آية المنافق» أي علامته، وقد فسَّر البخاري الحديث بالترجمة حيث قَالَ: باب علامات المنافق. والنِّفاق زَعَم ابن سيده أنَّه الدخول في الإسلام من وجه، والخروج عنه من وجه، مُشتق من نافقاء اليربوع، إسلامية، وقد نافق منافقة ونفاقًا، والنَّافقاء والنُّفَقة جحر الضب واليربوع، وقيل: هما موضع يرققه اليربوع من جحره فإذا أُتي من القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج (١). وقال القزاز: يُقال: نافق اليربوع ينافق فهو منافق إذا فعل ذَلِكَ، وكذلك نَفقَ يُنفقُ فهو مُنافق من هذا. وقيل: المنافق مأخوذ من النفق وهو السِّرب تحت الأرض، يراد أنه يتستر بالإسلام كما سُتر صاحب النفق فيه، وجمع النفق: أنفاق، وجاء على فَعال، وأكثر ما يجيء على فِعال ما كان من اثنين، وإنما جاء على هذا عندهم؛ لأنه بمنزلة خادع وراوغ، وقيل: بل؛ لأنه يقابل بقبول الإسلام منه، فإِنْ علم أنَّهُ مُنافق فقد صار الفعل مِنْ اثنين، وسُمِّيَ الثاني باسم الأول مجازًا؛ للازدواج كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. وقال ابن الأنباري: في تسمية المُنافق ثلاثة أقوال: أحدها: لأنه يستر كفره فأشبه داخل النفق للستر. ثانيها: لشبهه باليربوع كما سلف، فالمنافق يخرج من الإيمان من غير الموضع الذي دخل فيه. ------------ (١) «المحكم» ٦/ ٢٧٥. واعلم أن لليربوع جحران جحر يسمى القاصعاء، وآخر يسمى النافقاء فإذا أخذ عليه من أحدهما خرج بن الآخر. انظر: «المفهم» ١/ ٢٤٩. ثالثها: أنَّ اليربوع يخرق الأرض حتى يرق تراب ظاهرها، فإذا رابه أمرٌ رفعه وخرج. فظاهر جحره تراب، وباطنه حفر، فكذلك المنافق باطنه الكفر وظاهره الإيمان، فشبه به. قَالَ مالك فيما حكاه القرطبي: النفاق على عهد رسول الله - ﷺ - هو الزندقة عندنا اليوم (١). والكذب نقيض الصِّدق، وله مصادر ليس هذا موضع استقصائها. والوعد، قَالَ الفراء: يُقال: وعدته خيرًا، ووعدته شرًّا بإسقاط الألف فإذا أسقطوا الخير والشر قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته، وفي الخير: الوعد والعِدَة، وفي الشر: الإيعاد والوعيد، فإذا قالوا: أوعدته بالشر أُثبت الألف مع الباء. وقال ابن الأعرابي: أوعدته خيرًا وهو نادر. وقال الجوهري: تواعد القوم أي: وعد بعضهم بعضًا، هذا في الخير، وأمَّا في الشر فيُقال: اتعدوا، والاتعاد أيضًا: قبول الوعد، وناس يقولون: ائتعد يأتعد فهو مُؤتعد بالهمز. كذا في «الصحاح» (٢)، وقال ابن بري: الصواب ترك الهمزة. وكذا ذكره سيبويه وأصحابه وجميع النحويين. والخيانة: أنْ يؤتمن الإنسان فلا ينصح، قاله ابن سيده (٣). والغدر: ترك الوفاء. قَالَ الجوهري: غَدَر به فهو غادر وَغُدَرُ أيضًا، وأكثر ما يُستعمل هذا في النداء بالشتم (٤). وقال صاحب «المجمل»: --------------------- (١) «المفهم» ١/ ٢٤٩. (٢) «الصحاح» ٢/ ٥٥١، مادة: (وعد). (٣) «المحكم» ٥/ ١٨٣. (٤) «الصحاح» ٢/ ٧٦٦، مادة: (غدر). الغدر: نقض العهد وتركه (١). قلت: وفتح الدال من غدَر أفصح من كسرها، وفي المضارع الضم والكسر. ومعنى: (فجر): مال عن الحق وقال الباطل والزور، وأصله: الميل عن القصد، والخصلة: الخلة. كما جاء في مسلم -بفتح الخاء فيها- وأما الخُلة -بضم الخاء- فهي: الصداقة. الوجه الخامس: في فقهه: حصل من مجموع الروايتين أن خصال المُنافق خمس: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، وإن كانت الخصلة الرابعة داخلة في الثالثة؛ لأن الغدر خيانة ممن ائتمن عليه من عهده، ولا مُنافاة بين الروايتين، فإن الشيء الواحد يكون له علامات كل واحدة منها تحصل بها صفته ثم قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء. وروى أبو أمامة موقوفًا: وإذا غنم غل وإذا أُمر عصى، وإذا لقي جَبُن (٢). ثم هذا الحديث عَدَّه جماعة من العلماء مشكلًا من حيث أن هذِه الخصال قد توجد في المسلم المصدق الذي ليس فيه شك، وقد أجمعت الأمة على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذِه الخصال لا يُحكم عليه بكفرٍ، ولا هو مُنافق يُخلَّد في النار؛ قالوا: وقد جمعت إخوة يوسف -عليه السلام- هذِه الخصال (…) (٣) لبعضهم بعضها أو كلها وانفصلوا عنه بأوجه: ------------------ (١) «المجمل» ٢/ ٦٩٢، مادة: (غدر). (٢) رواه الفريابي في «صفة المنافق» ص ٥١ (٢٠). (٣) مقدار كلمة غير واضحة بالأصل. أظهرها: أن هذِه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذِه الخصال ومتخلق بأخلاقهم، فإن [النفاق] (١) إظهار ما يبطن خلافه وهذا المعنى موجود في صاحب هذِه الخصال، ويكون نفاقه خاصًّا في حق من حدثه ووعده وائتمنه وعاهده وخاصمه من الناس، لا أنه منافق في الإسلام يظهره ويبطن الكفر، فهذا هو المراد لا أنه أراد نفاق الكفار الذي يخلد صاحبه في الدرك الأسفل من النار (٢). وقوله - ﷺ -: «كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا» معناه: شديد الشبه بالمنافقين؛ بسبب هذِه الخصال، وقد روي عن عمار موقوفًا: ثلاث إذا كن في عبد فلا تتحرج أن تشهد عليه أنه منافق (٣) …، ومن كان إذا حدَّث صدق، وإذا وعد أنجز، وإذا اؤتمن أدى فلا تتحرج أن تشهد أنه مؤمن (٤). قَالَ الخطابي: وقد روي: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (٥) وإنما هو كفر دون كفر وفسوق دون فسوق، وكذلك يكون نفاق دون نفاق (٦). قَالَ بعض العلماء: وهذا فيمن كانت هذِه الخصال غالبة عليه، فأما ----------------- (١) كلمة يقتضيها السياق، من «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٤٧. (٢) انظر: «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٤٧. (٣) كذا بالأصل، وباقي الحديث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. (٤) لم أقف عليه من حديث عمار، ورواه الفريابي في «صفة المنافق» ٥٠ (١٧). عن عبد الله بن عمرو. (٥) سيأتي برقم (٤٨) كتاب: الإيمان، باب: خوف المؤمن أن يحبط عمله وهو لا يشعر. (٦) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٦. من ندر ذَلِكَ منه فليس داخلًا فيه. وقد نقل الترمذي معناه عن العلماء مطلقًا فقال: إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل (١). وأجاب هؤلاء عن قصة إخوة يوسف بأن هذا لم يكن عادة لهم إنما حصل منهم مرة واستغفروا وحللهم صاحب المظلمة. الوجه الثاني: أن المراد: المنافقون الذين كانوا في زمنه - ﷺ -، الذين حدثوا بإيمانهم فكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في النصرة فخالفوا، وفجروا في خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء، ورجع إليه الحسن بعد أن كان على خلافه. وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس، ويروى عنهما مرفوعًا: «ما لكم ولهن إنما خصصت به المنافقين أما قولي: إذا حدث كذب فذلك فيما أنزل الله عليَّ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] الآية أفأنتم كذلك؟» قلنا: لا. قَالَ: «فلا عليكم، أنتم من ذَلِكَ براء، وأما قولي: إذا وعد أخلف فذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ﴾ [التوبة: ٧٥] الآيات الثلاث، أفانتم كذلك؟» قلنا: لا. قَالَ: «لا عليكم أنتم براء، وأما قولي: إذا ائتمن خان، فذلك فيما أنزله الله عليَّ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، فكل إنسان مؤتمن على دينه، فالمؤمن يغتسل من الجنابة ويصلي ويصوم في السر والعلانية، والمنافق لا يفعل ذَلِكَ إلا في العلانية أفأنتم كذلك؟» قلنا: لا. قالَ: «لا عليكم أنتم من ذَلِكَ براء» (٢). قَالَ القاضي: وإلى هذا القول مال كثير من أئمتنا (٣). ------------------ (١) «جامع الترمذي»، عقب حديث رقم (٢٦٣٢). (٢) ذكره القرطبي في «تفسيره» ٨/ ٢١٣ - ٢١٤. (٣) «إكمال المعلم» ١/ ٣١٥. الوجه الثالث: أنه وارد في منافق بعينه، وكان - ﷺ - لا يواجههم بالصريح من القول وإنما يشير إليهم بالإشارة والعلامة. وقال حذيفة: ذهب النفاق، وإنما كان على عهد رسول الله - ﷺ - ولكنه الكفر بعد الإيمان، فإن الإسلام شاع وتوالد الناس عليه، فمن نافق فهو مرتد (١). رابعها: إنه محمول على من غلبت هذِه الخصال عليه وهذا سلف، فحذر المسلم من اعتياد هذِه الخصال؛ خوفًا من إفضائها إلى النفاق. قَالَ الخطابي: وكلمة (إذا) تقتضي تكرار الفعل (٢). وسُئل مالك رحمه الله عمن جرب عليه كذب، فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله إذا حدث عن غضادة عيش سلف زاد في وصفه وأفرط في ذكره، أو عما رآه في سفره، فهذا لا يضره، إنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه عامدًا للكذب. قَالَ الخطابي وقد جاء في حديث: «التاجر فاجر» (٣) و«أكثر منافقي أمتي قراؤها» (٤)، ومعناه: التحذير من الكذب، إذ هو في معنى الفجور ----------------- (١) رواه ابن بطة في «الإبانة» (٩١٣)، أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٨٠ والفريابي في «صفة المنافق» ص ١٣٨ - ١٤٠ (١١٤ - ١١٦)، الهروي في «ذم الكلام» (٩٥). عن أبي الشعثاء، عن حذيفة. (٢) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٨. (٣) رواه الترمذي (١٢١٠)، وابن ماجه (٢١٤٦) عن اسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه عن جده. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وضعفه الألباني في «ضعيف سنن ابن ماجه» (٤٦٧). (٤) رواه ابن المبارك في «الزهد» (٤٥١)، ومن طريق أحمد ٢/ ١٧٥، والبخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ٢٥٧ (٨٢٢)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ٣٦٣ (٦٩٥٩) عن عبد الرحمن بن شريح، عن شراحيل بن يزيد، عن محمد بن هدية، عن عبد الله = فلا يوجب أن يكون التجار كلهم فجارًا، والقراء قد يكون من بعضهم قلة إخلاص للعمل وبعض الرياء ولا يوجب أن يكونوا كلهم منافقين (١). فرع: يستحب الوفاء بالوعد بالهبة وغيرها استحبابًا مؤكدًا، ويكره إخلافه كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأنه هبة لا تلزم إلا بالقبض، قَالَ الغزالي في «الإحياء»: وإخلاف الوعد إنما يكون كذبًا إذا لم يكن في عزمه حين الوعد الوفاء به، أما لو كان عازمًا عليه ثم بدله فليس بكذب. ---------------- = ابن عمرو به. ورواه أحمد ٢/ ١٧٥ من طريق ابن لهيعة عن درّاج، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن عبد الله بن عمرو به. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٢٩: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحد إسنادي أحمد ثقات. اهـ. ورواه أحمد ٤/ ١٥١، والخطيب في «تاريخه» ١/ ٣٥٧ من طريق ابن لهيعة عن فشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر به. ورواه الطبراني في «الكبير» ١٧/ ٣٠٥ (٨٤١) من طريق ابن لهيعة عن أبي عشانة، عن عقبة، ورواه أحمد ٤/ ١٥٥، والبيهقي في «الشعب» ٥/ ٣٦٣ (٦٩٦٠) من طريق الوليد بن المغيرة، عن مشرح، عن عقبة بن عامر به. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٢٩: رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد أحمد ثقات أثبات. اهـ. ورواه الطبراني ١٧/ ١٧٨ (٤٧١) من طريق الفضل بن المختار، عن عبد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك به. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٣٠: رواه الطبراني وفيه الفضل بن المختار وهو ضعيف. اهـ. ورواه العقيلي في «الضعفاء» ١/ ٢٧٥ (٣٣٨) من طريق حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس به. قال العقيلي: ولا يتابع على هذا أيضًا من حديث ابن عباس، وقد روي هذا عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - بإسناد صالح. اهـ. والحديث صحيح بمجموع طرقه عند الشيخ الألباني كما في «الصحيحة» (٧٥٠). (١) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٥. فرع: يستحب أن يعقب الوعد وغيره من الأخبار المستقبلة بالمشيئة؛ ليخرج عن صورة الكذب. فرع: يستحب إخلاف الوعيد إذا كان المتوعد به جائزًا ولا يترتب على تركه مفسدة. فائدة: عن وهب الذماري: صفة المنافق: تحيته لعنة، وطعامه سحت، وغنيمته غلول، صخب النهار، خشب الليل (١). وعن الحسن: المنافق إذا صلى راءى بصلاته، وإذا فاتته لم يأسَ عليها، ويمنع زكاة ماله (٢). ------------------ (١) رواه الفريابي في «صفة المنافق» ص ٦٤ (٦٢). (٢) رواه الفريابي في «صفة المنافق» ص ٦٦ (٦٩)، وابن جرير في «تفسيره» ١٢/ ٧١١. ٢٥ - باب قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ ٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [٣٧، ٣٨، ١٩٠١، ٢٠٠٨، ٢٠٠٩، ٢٠١٤ - مسلم: ٧٦٠ - فتح: ١/ ٩١] حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ أَبنا شُعَيْبٌ نَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في الصيام مطولًا (١) وأخرجه (٢). ثانيها: في التعريف برجاله: وقد سلف ذكرهم. ثالثها: في ألفاظه: معنى: قوله: («إيمانًا») أي: تصديقًا بأنه حق فصدق بفضل صيامه وقيامه. وقوله: («احتسابًا») أي: يريد به وجه الله تعالى بريئًا من رياء وسمعة، فقد يفعل ما يعتقد صدقه لا مخلصًا، بل رياء أو خوفًا من قاهر أو من فوات منزلة ونحو ذَلِكَ. ------------------- (١) سيأتي برقم (١٩٠١) كتاب: الصوم، باب: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية. (٢) كذا في الأصل، ولعلها: وأخرجه مسلم، كما في «عمدة القاري» ١/ ٢٥٩. رابعها: في فوائده: الأولى: الحث على قيام رمضان، سيأتي بسطه في بابه إن شاء الله. الثانية: الحث على الإخلاص واحتساب الأعمال. الثالثة: وقع هنا فعل الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا والنحاة يستضعفونه، ومنهم من منعه إلا في ضرورة الشعر وأجازوا عكسه كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ [هود: ١٥]، ومن أجاز الأولى احتج بهذا الحديث وشبهه، ومنه: قول عائشة في الصديق: متى يقم مقامك رق (١)، وكذا جاء في بعض طرق الحديث. ------------------ (١) سيأتي برقم (٣٣٨٤)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾. ٢٦ - باب: الْجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ ٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنِا عُمَارَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «انْتَدَبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبيلِهِ -لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي- أَنْ أُرْجعَهُ بمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قعَدْتُ خَلفَ سَرِيَّةٍ، وَلوَدِدْتُ أنِّي أقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أحْيَا، ثمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ». [٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦، ٧٢٢٧، ٧٤٥٧، ٧٤٦٣ - مسلم: ١٨٧٦ - فتح: ١/ ٩٢] نَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ نَا عَبْدُ الوَاحِدِ نَا عُمَارَةُ نَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَبِيِّ - ﷺ - قالَ: «انْتَدَبَ اللهُ -عز وجل- لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي أَو تَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تخلفت خَلْفَ سَريَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أقْتَلُ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: أخرج البخاري في الجهاد عن أبي هريرة مرفوعًا: «مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ -والله أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ» (١). ------------------ (١) سيأتي برقم (٢٧٨٧) كتاب: الجهاد، باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله. وأخرجه مسلم (١) في الجهاد عن زهير، عن جرير، وعن أبي بكر وأبي كريب، عن ابن فضيل عن عمارة به. وفي لفظ مسلم: «يضمن الله» وفي بعضها: «يكفل الله». الوجه الثاني: ترجم البخاري لهذا الحديث بأن الأعمال من الإيمان؛ أنه لما كان الإيمان هو المُخْرج له في سبيله كان الخروج إيمانًا، تسمية للشيء باسم سببه كما قيل للمطر: سماء لنزوله منها وللنبات: نوء، لأنه ينشأ عنه. الوجه الثالث: في التعريف برواته: أما أبو هريرة فسلف، وأما أبو زرعة فاختلف في اسمه على أقوال أشهرها: هرم، وقيل.: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، سمع خلقًا من الصحابة منهم جده، وعنه جمع من التابعين بالاتفاق (٢). وأما عُمارة فهو -بضم العين- ابن القعقاع -بقافين- بن شبرمة ابن أخي عبد الله بن شبرمة الكوفي الضبي ثقة، عنه الأعمش وغيره، وروى عن جماعة (٣). وأما عبد الواحد فهو: أبو بسر، ويقال: أبو عبيدة، عبد الواحد بن زياد العبدي مولاهم البصري؛ سمع جماعات من التابعين وغيرهم، وعنه: أبو داود الطيالسي وغيره، وثقوه، مات سنة سبع وقيل: ست ----------------- (١) مسلم (١٨٧٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. (٢) انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٣٢٣ - ٣٢٦ (٧٣٧٠)، «الكاشف» ٢/ ٤٢٧ (٦٦٢٨)، «التقريب» (٨١٠٣). (٣) انظر نرجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٥١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٠١ (٣١١٤)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٢٦٢ (٤١٩٦)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٤٠. وسبعين ومائة (١). وأما حرمي فهو: أبو علي، حرمي -بفتح الحاء والراء- بن حفص ابن عمر العتكي، القسملي، البصري. روى عن: حماد بن سلمة وغيره، وعنه: المقدمي وغيره، وانفرد به البخاري عن مسلم، وروى أبو داود والنسائي عن رجل عنه، وأطلق النووي في «شرحه» أنهما رويا عنه كما أطلقنا أيضًا قريبًا، مات سنة ثلاث وقيل: ست وعشرين ومائتين (٢). فائدة: القَسْمَلي -بفتح القاف والميم وسكون السين منها- نسبة إلى القساملة قبيلة من الأزد نزلت البصرة فنسبت المحلة إليهم أيضًا، وهذا منسوب إلى القبيلة كذا قَالَ السمعاني: إنها نسبة إلى القساملة؛ واعترض ابن الأثير في «مختصره» (٣) فقال: ليس كذلك؛ فإنها القبيلة وإنما النسبة إلى الجد وهو: قسملة واسمه معاوية بن عمرو بن مالك بن فهر بن غنم بن دوس بن عدنان، ووقع في القطعة التي على هذا الكتاب للنووي أن القسملي -بكسر القاف والميم- وكأنه سبق قلم، وصوابه: فتحهما. ---------------- (١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٩، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٩، الترجمة: (١٧٠٦)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠، الترجمة: (١٠٨)، «الثقات» ٧/ ١٢٣، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٥٠ - ٤٥٥ (٣٥٨٥). (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٩، «التاريخ الكبير» ٦/ ٥٩، الترجمة: (١٧٠٦)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٠ الترجمة: (١٠٨)، و«الثقات» ٧/ ١٢٣، و«تهذيب الكمال» ١٨/ ٤٥٠ - ٤٥٥ (٣٥٨٥). (٣) انظر «اللباب في تهذيب الأنساب» ٣/ ٣٧. الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه: وقد أوضحته في «شرح العمدة» (١) أكمل إيضاح، ونذكر هنا نبذة منه: الأولى: معنى: («انْتَدَبَ اللهُ»): ضمن وتكفل كما جاء في رواية أخرى وقيل: أجاب رغبته يقال: ندبه لأمر فانتدب. أي: دعاه فأجاب، وقال ابن بطال: أوجب وتفضل أي: حقق وأحكم أن ينجز له ذَلِكَ لمن أخلص (٢)، وقيل: معناه: سارع بثوابه وحسن جزائه. حكاه القاضي (٣). وما ذكرنا أن انتدب -بالنون- هو المشهور في رواية بلادنا، وحكاه القاضي عن رواية أبي داود، وحكي عن القابسي ائتدب بهمزة صورتها باء من المأدبة (٤)؛ يقال: دبه القوم -مخففًا- إذا دعاهم ومنه: «القرآن مأدبة الله في أرضه» (٥) ومعناه: أجاب الله من دعاه إلى غفرانه وكل ذَلِكَ عبارة عن تحقيق هذا الموعود من الله تعالى على وجه التفضل والامتنان. ------------ (١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١٠/ ٢٩٠. (٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٩٥. (٣) «إكمال المعلم» ٦/ ٢٩٤، «مشارق الأنوار» ٢/ ٧. (٤) وعزا ابن حجر هذِه الرواية إلى الأصيلي ثم قال: وهو تصحيف، وقد وَجَّهوه بتكلف، لكن إطباق الرواة على خلافه مع اتحاد المخرج كاف في تخطئته ا. هـ «الفتح» ١/ ٩٣. (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٣٧٥ (٦٠١٧)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ١٢٦ (٢٩٩٩٩)، والدارمي ٤/ ٢٠٨٣، ٢٠٨٤ (٣٣٥٠)، والحاكم ١/ ٥٥٥، والبيهقي في «الشعب» ٢/ ٣٢٤، ٣٢٥ (١٩٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: صالح ثقة خرج له مسلم. لكن إبراهيم بن مسلم ضعيف. وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٨٦٧). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#54 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (3) من صـــ 66 الى صـــ 85 الحلقة (54) وهذا الضمان لعله المشار إليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١] الآية، قَالَ بعض الصحابة: ما أبالي قُتلْتُ في سبيل الله أو قَتَلْتُ، ثم تلى هذِه الآية. الثانية: قوله: («لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي») وهو بالرفع فيهما؛ لأنه فاعل يخرجه والاستثناء مفرغ، وهو في مسلم بالنصب في جميع نسخه ووجهه على أنه مفعول له، التقدير: لا يخرجه المخرج ويحركه المحرك إلا الإيمان والتصديق، ومعناه: لا يخرجه إلا محض الإيمان والإخلاص لله تعالى. الثالثة: معنى قوله: («إِيمَانٌ بِي») أي: إيمان بوعدي لمجازاتي له بالجنة على جهاده وتصديق رسولي في ذَلِكَ. الرابع: عدوله عن ضمير الغيبة في قوله: إيمان به وتصديق برسوله إلى الحضور يحتاج إلى تقدير كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي: يقال لهم: أكفرتم؟ ونظائره. الخامس: («أرجعه») -بفتح الهمزة- أي أرده ثلاثي، وهذيل تقول: أرجع رباعيًا، والنيل: العطاء. السادس: (أو) في قوله «أو غنيمة» للتقسيم بالنسبة إلى الغنيمة وعدمها، فيكون المعنى: أنه يرجع مع نيل الأجر إن لم يغنموا ومعه إن غنموا، ويحتمل أن يكون (أو) هنا بمعنى الواو مع أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في مسلم (١) في رواية يحيى بن يحيى، و"سنن أبي ------------------- (١) مسلم (١٨٧٦/ ١٠٤) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله وفيه: (أو)، وليس (و) كما نقل المصنف. داود» (١). وقد قيل في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] معناه: ودين، وقيل: من وصية ودين أو دين دون وصية. السابع: قوله: («أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ») يحتمل دخولها إثر موته كما قَالَ في الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وقال رسوله - ﷺ -: «أرواح الشهداء في الجنة» (٢). ويحتمل أن يكون المراد: دخوله عند دخول السابقين والمقربين لها دون حساب ولا عقاب ولا مؤاخذة بذنب، وأن الشهادة كفارة لذنوبه، كما ثبت في الحديث الصحيح: «القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين» (٣). الثامن: قوله: («وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا تخلفت خَلْفَ سَرِيَّةٍ»). سبب المشقة صعوبة تخلفهم بعده، ولا يقدرون على المسير معه لضيق حالهم ولا قدرة له على حملهم كما جاء مبينًا في حديث آخر. الوجه الخامس: في فوائده: الأولى: فضل الجهاد وفضل القتل في سبيل الله تعالى. الثانية: الحث على حسن النية. --------------------- (١) أبو داود (٢٤٩٤). قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٦/ ٦: أخرجه أبو داود بسند صحيح. وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٥٣). (٢) رواه مسلم (١٨٨٧) كتاب الإمارة، باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة. بلفظ: «أرواحهم في جوف طيرٍ خضرٍ لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ..». (٣) رواه مسلم (١٨٨٦/ ١٢٠) كتاب: الإمارة، باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين. الثالثة: بيان] (١) شفقته - ﷺ - على أمته ورأفته بهم. الرابعة: استحباب طلب القتل في سبيل الله. الخامسة: جواز قول الإنسان: وددت كذا من الخير الذي يعلم أنه لا يحصل، وهو أحد التأويلات في قوله: «نيَّةُ المؤمنِ خيرٌ مِنْ عملِه» (٢). السادسة: البداءة بأهم المصلحتين عند التعارض وترك بعض المصالح لمصلحة أرجح منها أو لخوف مفسدة تزيد عليها. السابعة: تمني الشهادة وتعظيم أجرها. الثامنة: عدم نقصان الأجر بالغنيمة؛ فإنها بفضل الله، والأجر على القتال، وأهل بدر أفضل المجاهدين ولم ينقصهم أخذهم الغنيمة. فإن قُلْتَ: فما نعمل في الحديث الآخر الثابت في الصحيح: «ما من غازية أو سرية تغزو وتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجرهم، وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب إلا تم أجورهم» (٣) والإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئًا. قلتُ: عنه أجوبة: أحدها: الطعن في هذا فإن في إسناده حميد بن هانئ (٤) وليس --------------- (١) نهاية السقط من (ج) وقد أشرنا عند بدايته. (٢) سبق تخريجه في حديث رقم (١). (٣) رواه مسلم (١٩٠٦) كتاب: الإمارة، باب: بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم. (٤) هو حميد بن هانئ، أبو هانئ الخولاني المصري، قال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٥٣ (٢٧٢٠)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٢١ (١٠١٢)، «الثقات» ٤/ ١٤٩، «تهذيب الكمال» ٧/ ٤٠١ (١٥٤١)، قال ابن حجر في «التقريب» ص ١٨٢ (١٥٦٢): لا بأس به. بالمشهور لكن أخرج له مسلم في «صحيحه»وكذا الترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكره ابن يونس في «تاريخه»، وقال يحيى بن سعيد: حدَّث عنه الأئمة وأحاديثه كثيرة مستقيمة (١). ثانيها: إن التي تخفق تزداد من الأجر بالأسف على ما فاتها من المغنم وتضاعف لها كما تضاعف لمن أصيب بأهله وماله. ثالثها: حمل الأول على من أخلص النية لقوله: «لا يخرجه إلا إيمان بي»، وحمل الثاني على من خرج نيته الجهاد والمغنم. قَالَ القاضي: والأوجه استعمال كل حديث على وجهه، فأجر من لم يغنم أعظم من أجر من غنم (٢). وقال النووي: الصواب أنه لا تعارض بينهما فإن الذي لا يجوز غيره في معنى الحديث أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم. وإن الغنيمة في مقابلة جزء من أجر غزوهم فإذا حصلت فقد تعجلوا ثلثي أجرهم، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة عن الصحابة، ومنها قولهم: فمنَّا من مات لم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها (٣) أي: يجتنيها (٤) فهذا هو الصواب. ---------------- (١) قال النووي في «شرحه على مسلم» ١٣/ ٥٢: وأما قولهم أبو هانئ مجهول، فغلط فاحش، بل هو ثقة مشهور روى عنه الليث بن سعد، وحيوة، وابن وهب، وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه. اهـ. (٢) «إكمال المعلم» ٦/ ٢٩٤. (٣) سيأتي الحديث مفصلا برقم (١٢٧٦) كتاب: الجنائز، باب: إذا لم يجد كفنًا. (٤) انظر: «النهاية» لابن الأثير ٥/ ٢٤٩. ولم يأتِ حديثٌ صريحٌ يخالف هذا، وقد اختار القاضي معنى هذا بعد حكايته أقوالًا فاسدة فلا تعارض إذًا؛ لأن الحديث الأول لم يقل فيه: إن الغنيمة تنقص الأجر فهو مطلق، والثاني مقيد. وأما الاستدلال بغزوة بدر فليس فيه أنهم لو لم يَغْنموا لكان أجرُهم على قدر أجرهم مع الغنيمة، وكونهم مغفورًا لهم مرضيًّا عنهم لا يلزم منه أن لا يكون فوقه مرتبة أخرى هي أفضل (١). ثم ضعف بقية الأقوال التي حكاها القاضي؛ لمعارضتها لصريح الحديث. ----------------- (١) «مسلم بشرح النووي» ١٣/ ٥٢. ٢٧ - باب تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ ٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [انظر: ٣٥ - مسلم ٧٥٩ و٧٦٠ - فتح ١/ ٩٢] نَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عوف، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولً اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف (برواته) (١) وقد سلف خلا حميد بن عبد الرحمن بن عوف وهو: (أبو) (٢) إبراهيم، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عثمان القرشي الزهري المدني، أخو أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أخت عثمان بن عفان لأمه وكانت من المهاجرات. أخرج له البخاري هنا، وفي العلم، وغير موضع، عن الزهري وسعد بن إبراهيم وابن أبي مليكة عنه، عن أبي هريرة وأبي سعيد وميمونة (٣)، وأخرج له (أيضًا) (٤) عن عثمان وسعيد بن زيد (٥) وغيرهما. ----------------- (١) في (ج): برجاله. (٢) من (ج). (٣) لم أقف على ما يدل على أنّ حميد بن عبد الرحمن بن عوف روى عن ميمونة، ولم يذكر ذلك أيضًا ابن طاهر المقدسي في «الجمع بين رجال الصحيحين» كما في ١/ ٨٨ - ٨٩، ولا المزيّ في «تهذيبه» كما في ٧/ ٣٧٩ - ٣٨٠، فلعله وهم من المصنف، والله أعلم بالصواب. (٤) في (ف): هنا، والمثبت من (ج)، وهو الصواب. (٥) ظاهر كلام المصنف يوهم أنَّ البخاري قد أخرج في «صحيحه» لحميد بن = سمع جمعًا من كبار الصحابة منهم أبواه وابن عباس وأبو هريرة، وعنه الزهري وخلائق من التابعين. وثقه أبو زرعة وغيره، وكان كثير الحديث. مات سنة خمس وتسعين بالمدينة عن ثلاث وسبعين سنة، وقيل: سنة خمس ومائة وهو غلط (١). فائدة: روى مالك عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن أن عمر وعثمان كانا يصليان المغرب في رمضان ثم يفطران (٢)، ورواه يزيد بن هارون، عن أبى ذئب، عن الزهري، عن حميد قَالَ: رأيت عمر وعثمان فذكره (٣). قَالَ الواقدي: أثبتها حديث مالك وأن حميدًا لم يسمع من عمر ولا رآه وسنهُ وموته يدلان على ذَلِكَ، ولعله سمع من عثمان؛ لأنه كان خاله لأمه؛ لأن أم كلثوم أخت عثمان، وكان يدخل على عثمان كما يدخل ولده (٤). --------------- = عبد الرحمن بن عوف، عن عثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وليس الأمر كذلك، فإنه لم يخرج له عنهما في «صحيحه»، ومما يدل على ذلك أن ابن طاهر المقدسي لم يذكر في كتابه «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٨٨ - ٨٩ أنه روى عنهما، وكذلك فعل المزيّ في «تهذيبه» ٧/ ٣٧٩، بل ذكر أن الذي أخرج له عن سعيد بن زيد هو الترمذي، والنسائي، والذي أخرج له عن عثمان هو النسائي فقط، والله أعلم بالصواب. (١) انظر ترجمته في: «الطبقات» ٥/ ١٥٣، «تاريخ البخاري الكبير» ٢/ ٣٤٥ (٢٦٩٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٢٥ (٩٨٩)، «الثقات» ٤/ ١٤٦، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٧٨ - ٣٨١ (١٥٣٢). (٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ١٩٣ رواية يحيى. (٣) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٥/ ١٥٤ وأورده المزي في «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٨٠. (٤) انظر ترجمته في: «الطبقات» ٥/ ١٥٤، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٨١. فائدة ثانية: أخرج البخاري أيضًا ومسلم لحميد بن عبد الرحمن الحميري (١) البصري، التابعي، الفقيه، ولا يلتبس بهذا، وإن روى هذا عن ابن عباس وأبي هريرة أيضًا وغيرهما فاعلمه. وما جزمت به من كون البخاري أخرج لهذا هو ما جزم به الكلاباذي في كتابه، والمزي في «تهذيبه» (٢)، ونقل شيخنا قطب الدين في «شرحه» عن الحاكم، والحميدي صاحب «الجمع»، وعبد الغني، وغيرهم أنهم قالوا: لم يخرج له شيئًا ولم يخرج مسلم في «صحيحه» عنه عن أبي هريرة غير حديث: «أفضل الصيام بعد رمضان» (٣) الحديث فقط وما عداه فهو من رواية ابن عوف. قَالَ: وقد غَلَّطوا الكلاباذي في دعواه إخراج البخاري له ووهَّموه وقال: ومما يدل على ذَلِكَ أنه لم يعين أين روى عنه كعادته في غيره، بل قَالَ روى عنه محمد بن سيرين وأهل البصرة لم يزد على ذَلِكَ، ولم يذكره أبو مسعود الدمشقي من رواية البخاري. ولما ذكر النووي في «شرحه لمسلم» حديثه عن أبي هريرة قَالَ: اعلم أن أبا هريرة يروي عنه اثنان كل منهما حميد بن عبد الرحمن أحدهما هذا الحميري، والثاني الزهري (٤). ---------------- (١) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ١٤٧، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٤٦ (٢٦٩٧)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٢٥ (٩٩٠)، «الثقات» ٤/ ١٤٧، «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٨١ - ٣٨٣ (١٥٣٣). (٢) «تهذيب الكمال» ٧/ ٣٨٢ - ٣٨٣. (٣) مسلم (١١٦٣) كتاب: الصيام، باب: فضل صوم المحرم. (٤) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١/ ١٤٣. قَالَ الحميدي في «جمعه»: كل ما في البخاري ومسلم حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة فهو الزهري إلا في هذا الحديث خاصة، فإن راويه عن أبي هريرة الحميري وهذا الحديث لم يذكره البخاري في «صحيحه» قَالَ: ولا ذكر للحميري في البخاري أصلًا ولا في مسلم إلا هذا الحديث (١)، هذا كلامه. ودعواه أن البخاري لم يذكره في «صحيحه» قد علمت ما فيه، وقوله: ولا في مسلم إلا هذا الحديث ليس بجيد فقد ذكره مسلم في ثلاثة أحاديث: أحدها: أول الكتاب حديث ابن عمر في القدر، عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن الحميري قالا: لقينا ابن عمر .. وذكر الحديث (٢). ثانيها: في الوصايا عن (عمرو) (٣) بن سعيد عن حميد الحميري عن ثلاثة من ولد سعد أن سعدًا .. فذكر (٤). ثالثها: فيها (٥) عن محمد بن سيرين عنه عن ثلاثة من ولد سعد بن هشام عن عائشة قالت: كان ستر فيه تمثال طير .. فذكر الحديث (٦). ثانيها: هذا الإسناد كلهم مدنيون. ----------------- (١) «الجمع بين رجال الصحيحين» للحميدي ٣/ ٣٢٢ (٢٧٧٣). (٢) مسلم (٨/ ٢) كتاب الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام .. (٣) في (ج): عمر، والمثبت هو الصوَاب كما في مسلم. (٤) مسلم (١٦٢٨/ ٩) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث. (٥) أي كتاب الوصايا. (٦) كذا بالأصل، والعبارة فيها خلط شديد، سندًا ومتنًا، فقد أخرج مسلم (١٦٢٨/ ٩) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث، عن محمد بن سيرين، عن حميد بن عبد الرحمن، عن ثلاثة من ولد سعد بن مالك كلهم يحدثنيه بمثل حديث صاحبه فقال: مرض سعد بمكة، فأتاه النبي - ﷺ - يعوده .. = ثالثها: في فوائده: الأولى: المُراد بالقيام في الحديث صلاة التراويح كذا قاله أصحابنا وغيرهم من العلماء، والتحقيق كما نبه عليه النووي (١) أن يُقال: التراويح محصلة لفضيلة قيام رمضان، ولكن لا تنحصر الفضيلة فيها ولا المراد بها، بل في أي وقت من الليل صلى تطوعًا حصل هذا الغرض، ومحل الخوض في التراويح في وقتها وعددها في بابه، وستمر بك إن شاء الله تعالى واضحة. الثانية: سبق بيان معنى الإيمان والاحتساب قريبًا في باب: قيام ليلة القدر. الثالثة: دل هذا الحديث على غفران ما تقدم من الذنوب بقيام رمضان، ودل الحديث الماضي على غفرانها بقيام ليلة القدر ولا تعارض بينهما، فإن كل واحد منهما صالح للتكفير، وقد يقتصر الشخص على قيام ليلة القدر بتوفيق الله له فيحصل له ذَلِكَ. ------------------ = وأخرج مسلم أيضًا (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان .. عن عزرة، عن حميد بن عبد الرحمن، عن سعد بن هشام، عن عائشة قالت: كنا لنا سِتْر فيه تمثال طائر .. الحديث، فدمج الإسنادين معًا، وأتى بحديث عائشة في كتاب الوصية، فلعل هذا الوهم من الناسخ، والله أعلم. وقد ورد بهامش الأصل في هذا الموضع أيضًا تعليق نصه: ورابع: ذكره قبيل الحدود من حديث قرة بن خالد، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، وعن رجل آخر في نفسي أفضل من عبد الرحمن -عن أبي بكرة، ثم ساقه من حديث قرة به، قال: وسمى الرجل حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكرة: خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم النحر فقال: أي يوم هذا .. الحديث. قلت: وهو في مسلم برقم (١٦٧٩/ ٣١). (١) «مسلم بشرح النووي» ٦/ ٣٩. الرابعة: فيه حجة لمن جوز قول رمضان بغير إضافة شهر إليه، وهو الصواب، وستعرف الخلاف فيه في بابه. الخامسة: ظاهر الحديث غفران الصغائر والكبائر، وفضل الله واسع، لكن المشهور من مذاهب العلماء في هذا الحديث وشبهه كحديث غفران الخطايا بالوضوء (١)، وبصوم عرفة ويوم عاشوراء (٢) ونحوه، أن المراد غفران الصغائر فقط، كما في حديث الوضوء «مما لم يؤت كبيرة» (٣)، «ما اجتنبت الكبائر» (٤)، وفي التخصيص نظر، كما قاله النووي (٥). لكن قام الإجماع على أن الكبائر لا تسقط إلا بالتوبة أو بالحد. فإن قُلْتَ: قد ثبت في «الصحيح» هذا الحديث في: قيام رمضان والآخر: في صيامه (٦) والآخر: (في) (٧) قيام ليلة القدر (٨) والآخر: في صوم عرفة أنه كفارة سنتين (٩)، وفي عاشوراء أنه كفارة سنة، ------------------ (١) رواه مسلم (٢٥١) كتاب: الطهارة، باب: فضل إسباغ الوضوء. (٢) رواه مسلم (١١٦٢) كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام وصوم يوم عرفة وعاشوراء، من حديث أبي قتادة. (٣) رواه مسلم (٢٢٨/ ٧) كتاب: الطهارة باب: فضل الوضوء والصلاة عقبه. (٤) رواه مسلم (٢٣٣/ ١٦) كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة .. (٥) «مسلم بشرح النووي» ٦/ ٤٠. (٦) سيأتي برقم (٣٨) كتاب: الإيمان، باب: صوم رمضان، ورواه مسلم (٧٥٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: الترغيب في الدعاء والذكر. (٧) من (ج). (٨) سبق برقم (٣٥) كتاب: الإيمان باب: قيام ليلة القدر من الإيمان، ورواه مسلم (٧٥٩) في صلاة المسافرين، باب: الترغيب في الدعاء والذكر. (٩) رواه مسلم (١١٦٢) كتاب: الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة. والآخر: «رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما» (١)، والآخر: «إذا توضأ خرجت خطايا فيه» إلى آخره (٢)، والآخر: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر» إلى آخره (٣)، والآخر: «مَنْ وافَقَ تأمينه تأمين الملائكةِ كفر له ما تَقدم مِنْ ذنبِهِ» (٤)، وفي أحاديث أخر نحو هذا. فكيف الجمع بينهما؟ فالجواب: أن المراد أن كل واحد من هذِه الخصال صالحة لتكفيرِ الصغائر، فإن صادفتها غفرتها، وإن لم تصادفها فإن كان فاعلها سليمًا من الصغائر لكونه صغيرًا غير مكلف، أو موفقًا لم يعمل صغيرة، أو فعلها وتاب، أو فعلها وعقّبها بحسنة أذهبتها، كما قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فهذا يكتب له بها حسنات، ولرفع له بها درجات. قَالَ بعض العلماء: ويرجى أن يخفف عنه بعض الكبيرة أو الكبائر. ---------------- (١) قوله في العمرة سيأتي برقم (١٧٧٣) من حديث أبي هريرة، وأما قوله في رمضان والجمعة فرواه مسلم (٢٣٣) من حديث أبي هريرة أيضًا. (٢) رواه مسلم (٨٣٢) كتاب: الصلاة، باب: إسلام عمرو بن عبسة. (٣) رواه مسلم (٦٦٨) كتاب: المساجد، باب: المشي إلى الصلاة. (٤) سيأتي برقم (٧٨٠) كتاب: الأذان، باب: جهر الإمام بالتأمين. ٢٨ - باب صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ ٣٨ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [انظر: ٣٥ - مسلم: ٧٥٩ و٧٦٠ - فتح: ١/ ٩٢]. نَا ابن سَلَامٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، ثنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «منْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». هذا الحديث سلف الكلام عليه، وسلف أيضًا رجاله خلا محمد بن فضيل، وهو أبو عبد الرحمن محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير الضبي، مولاهم الكوفي، سمع السبيعي والأعمش وغيرهما من التابعين، وخلقًا من غيرهم، وعنه: الثوري وأحمد وخلق من الأعيان، قَالَ أبو زرعة: صدوق من أهل العلم. مات سنة تسع وخمسين ومائة (١). ومحمد بن سلام هو البيكندي كما أسلفناه وأن الجمهور على تخفيف لامه (٢). ---------------- (١) كذا في (ف) و(ج) وهو خطأ، مات سنة تسع وخمسين، والصحيح أنه مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة، وانظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٦/ ٣٨٩، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٧ (٦٥٢)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٥٨ (٢٦٣)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٩٣ (٥٥٤٨)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ١٧٣ (٥٢). (٢) سبقت ترجمته في حديث (٢٠)، وورد في (ف): آخر الجزء السادس من تجزئه المصنف وبالله التوفيق. ٢٩ - باب: الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ». ٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَليٍّ، عَنِ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدِ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الَمقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الدَّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». [٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥ - مسلم: ٢٨١٦ - فتح: ١/ ٩٣] ثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ نَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيء مِنَ الدُّلْجَةِ». الكلام عليه من وجوه: أحدها: التعليق الأول أسنده أحمد من حديث ابن عباس بإسناد لا بأس به (١)، وكذا ابن أبي شيبة في «مسنده» (٢) وأسنده الطبراني بنحوه بإسناد ضعيف من حديث عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة (٣)، ومن حديث عفير بن معدان، عن --------------- (١) أحمد ١/ ٢٣٦، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ١/ ٦٠: فيه ابن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالسماع، وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٩٤: إسناده حسن. وقال الألباني: حسن لغيره. انظر: «الصحيحة» (٨٨١). (٢) رواه ابن أبي شيبة في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ١/ ١١٥. (٣) «المعجم الكبير» ٨/ ٢٢٢ - ٢٢٣ (٧٨٨٣). سليم بن عامر عنه (١). ثانيها: أخرج البخاري طرفًا من الحديث الثاني في الرقاق عن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رفعه: «لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ». قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَته، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا». (٢) وله في حديث آخر: «وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (٣). ثالثها: في التعريف برواة الحديث: أما أبو هريرة فسلف. وأما سعيد فهو أبو سعد -بإسكان العين- سعيد بن أبي سعيد، واسمه كيسان المقبري المدني، والمقبري يقال: بضم الباء وفتحها نسبة إلى مقبرة بالمدينة كان مجاورًا لها، وقيل: كان منزله عند المقابر وهو بمعنى الأول، وقيل: جعله عمر على حفر القبور؛ فلذلك قيل له: المقبري، حكاه الحربي وغيره، ويحتمل أنه اجتمع فيه ذَلِكَ كله فكان على حفرها و(كان) (٤) نازلًا عندها، والمقبري صفة لأبي سعيد، وكان مكاتبًا لامرأة من بني ليث بن بكر. سمع جمعًا من الصحابة منهم. أبو هريرة وابن عمر وخلقًا من التابعين منهم أبوه، وعنه يحيى الأنصاري، وغيره من التابعين، --------------- (١) «المعجم الكبير» ٨/ ١٧٠ (٧٧١٥). (٢) سيأتي برقم (٦٤٦٣) باب: القصد والمداومة على العمل. (٣) سيأتي برقم (٦٤٦٤) من حديث عائشة رضي الله عنها. (٤) من (ج). ومالك، وغيره من الأعلام. قَالَ أبو زرعة: ئقة. وقال أحمد: لا بأس به. وقال (محمد) (١) بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، ولكنه كبر وبقي حتى اختلط قبل موته، وقدم الشام مرابطًا وحدث ببيروت. وقال غيره: اختلط قبل موته بأربع سنين. قُلْتُ: فلعل معن بن محمد سمع من سعيد قبل اختلاطه؛ فلذا أخرج البخاري عنه. مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل: سنة ست وعشرين (٢). وأما معن فهو ابن محمد بن معن بن نضلة الغفاري الحجازي، سمع جمعًا، وعنه جمع منهم: ابن جريج، أخرج له البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه، وذكره ابن حبان في «ثقاته» (٣). وأما عمر فهو أبو حفص عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المُقَدَّمِي البصري، سمع جمعًا من التابعين منهم: هشام بن عروة، وعنه خلق من الأعلام منهم: ابنه عاصم، وعمرو بن علي، وهو أخو أبي بكر وكان مدلسًا. قَالَ أحمد: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة يدلس تدليسًا شديدًا يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش. وقال عفان: كان رجلًا صالحًا، ولم يكونوا ينقمون عليه غير التدليس، ولم -------------- (١) في (ف) و(ج): أحمد. والصواب ما أثبتناه. (٢) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» القسم المتمم (٥٣)، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٧٤ (١٥٨٥)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٥٧ (٢٥١)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٦٦ (٢٢٨٤)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢١٦ (٨٨). (٣) انظر: «التاريخ الكبير» ٧/ ٣٩٠ (١٦٩٩)، «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٧٧ (١٢٦٨)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٤٩٠، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٣٤١ (٦١١٨). أكن أقبل منه حتى يقول: ثنا (١). قَالَ البخاري: قَالَ ابنه عاصم: مات سنة تسعين ومائة. وقيل: سنة اثنتين وتسعين (٢). قُلْت فلعل البخاري ثبت عنده سماع (عمر) (٣) (من) (٤) معن وإن أتى فيه بالعنعنة. وأما عبد السلام (خ. د) فهو أبو ظَفَر -بفتح الظاء المعجمة والفاء- ابن مُطَهَّر بن حسام بن مِصَكّ بن ظالم بن شَيْطان الأزدي البصري، روى عن جمع من الأعلام منهم شعبة، وعنه الأعلام: البخاري وأبو داود. قَالَ أبو حاتم: صدوق. مات في رجب سنة أربع وعشرين ومائتين (٥). فائدة: هذا الإسناد ما بين مدني وبصري. رابعها: في ألفاظه: قوله: («الدِّينُ يُسْرٌ») أي: ذو يسر. كما قَالَ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، واليسر -بإسكان السين وضمها: نقيض العسر، ومعناه: التخفيف. ---------------- (١) «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩١. قال الحافظ في «تعريف أهل التقديس» ص ١٣٠ - ١٣١ (١٢٣). وصفه بذلك أحمد وابن معين والدارقطني وغير واحد، ثم ساق كلام ابن سعد ثم قال: وهذا ينبغي أن يسمى تدليس القطع. اهـ. (٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٨٠ (٢٠٩٨)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٢٤ (٦٧٨)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٤٧٠ (٤٢٩٠). (٣) من (ج). (٤) في (ج): عن. (٥) انظر: «الطبقات» لابن سعد ٧/ ٣٠٨، «التاريخ الكبير» ٦/ ٦٧ (١٧٣٢)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٤٨ (٢٥٥)، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٩١ (٣٤٢٦). وقوله: («وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ إِلَّا غَلَبَهُ») هكذا وقع للجمهور من غير لفظة «أحد»، وأثبتها ابن السكن وهو ظاهر، والدين على هذا منصوب، وأما على الأولى فروي بنصبه، وهو ضبط أكثر أهل الشام على إضمار الفاعل في «يشاد» للعلم به، ورفعه وهو رواية الأكثر كما حكاه صاحب «المطالع»، وهو مبني لِمَا لَمْ يسم فاعله. قَالَ أهل اللغة: المشادة: المغالبة (١)، يقال: شاده يشاده مشادة إذا غالبه وقاواه (ومعنا ٥) (٢): لا يتعمق أحد في الدين ويترك الرفق إلا غلبه الدين، وعجز ذَلِكَ المتعلم وانقطع عن عمله كله أو بعضه. ومعنى «سَدِّدُوا»: اقصدوا السداد في الأمور، وهو: الصواب، «وَقَارِبُوا» في العبادة، «وَأَبْشِرُوا»: أي بالثواب على العمل وإن قَلَّ، والغدوة: السير أول النهار. قَالَ في «المحكم»: الغدوة البكرة، وكذا الغداة (٣). قَالَ الجوهري: (الغدوة) (٤) ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، يُقال: أتيته غدوة غير مصروفة؛ لأنها معرفة مثل سَحَر إلا أنها من الظروف المتمكنة، تقول: سِيْرَ على فرسك غُدوةَ وغُدوةً وغُدوةُ وغدوةٌ فما نُوِّنَ من هذا فهو نكرة، وما لم ينون فهو معرفة، والجمع: غُدًا. والغدو: نقيض الرواح (٥). وفي شرح شيخنا قطب الدين أن الغدو: السير أول النهار إلى الزوال. --------------- (١) انظر: «العين» ٢٣٢/ ٣ مادة: (شدد). (٢) من (ج). (٣) «المحكم» ٦/ ٢٩. (٤) من (ف). (٥) «الصحاح» ٦/ ٢٤٤٤ مادة: (غدو). والروحة: آخر النهار؛ وذكر ابن سيده: أنه العشي (١). وقيل: من لدن زوال الشمس إلى الليل، ورحنا رواحًا وتروحنا: سرنا ذَلِكَ الوقت أو عملنا. «والدُّلْجَة» -بضم الدال وإسكان اللام- هكذا الرواية، ويجوز في اللغة فتحها، ويقال: بفتح اللام أيضًا، وهي بالضم: سير آخر الليل، (وبالفتح سير الليل)، وأدلج بالتخفيف: سير الليل كله، وبالتشديد: سير آخر الليل، هذا هو الأكثر، وقيل: يقال (فيهما بالتخفيف والتشديد. قَالَ ابن سيده: الدُّلجة: سير السحر، والدَّلْجة: سير الليل كله، والدَّلَج والدَّلْجة والدَّلَجة -الأخيرة عن ثعلب- الساعة) (٢) من آخر الليل. وأدلجوا: ساروا الليل كله، وقيل: الدلج: الليل كله من أوله إلى آخره، وأي ساعة سرت من الليل من أوله إلى آخره فقد أدلجت على مثال أخرجت. والتفرقة بين أدلجت وادَلَجت قول جميع أهل اللغة إلا الفارسي (٣)، فقد حكى أدْلَجْت وادَّلَجْت لغتان في المعنيين جميعًا (٤). --------------- (١) «المحكم» ٣/ ٣٩٣ مادة: (روح). (٢) ما بين قوسين من (ف). (٣) هو أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي النحوي، ولد بمدينة فسا واشتغل ببغداد، وكان إمام وقته في علم النحو ومن تصانيفه: «التذكرة» و«المقصور والممدود» توفي سنة سبع وسبعين وثلاثمائة. ترجم له ابن خلكان في «وفيات الأعيان» ٢/ ٨٠، وابن النديم في «الفهرست» ص ٦٤ والخطيب في «تاريخ بغداد» ٧/ ٢٧٥ وياقوت في «معجم الأدباء» ٧/ ٢٣٢. (٤) «المحكم» ٧/ ٢٣٣ - ٢٣٤. وفي «جامع القزاز» (١): الدُّلجة والدَّلجة لغتان بمعنى وهما: سير السحر. وقال قوم: الدُّلجة: سير السحر، والدَّلجَة بالفتح سير (٢) [أول الليل، كلاهما بمعنى عند أكثر العرب، كما تقول: مضت بُرهة من الدهر وبَرهة، وغلَّط ابن درستويه ثعلبًا (٣) في تخصيص ادَّلج بالتشديد بسير أول الليل، وبالتخفيف بسير آخره، قَالَ: وإنما هما عندنا جميعًا: سير الليل في كل وقت، من أوله ووسطه وآخره (٤). خامسها: في معنى الحديث: ومعناه كالأبواب قبله، أن الدين اسم يقع على الأعمال، والدين والإيمان والإسلام بمعنى، والمراد بالحديث: الحث على ملازمة --------------- (١) القزاز القيرواني: محمد بن جعفر بن أحمد التميمي أبو عبد الله النحوي المعروف بالقزاز القيرواني ولد سنة ٣٤٢ وتوفي سنة ٤١٢. له من الكتب: «أدب السلطان»، «جامع اللغة»، «شرح مثلثات قطرب»، «شرح المقصورة لابن دريد»، «ضرائر الشعر»، «العشرات في اللغة»، «كتاب التعريض فيما دار بين الناس من المعاريض»، «كتاب الضاد والظاء»، «كتاب المعترض»، «كتاب المفترق في النحو»، «ما أخذ على المتنبي»، وغير ذلك. انظر: «معجم الأدباء» ١٨/ ١٠٥، «هدية العارفين» ٢/ ٦١. وهو مترجم في «السير» ١٧/ ٣٢٦. (٢) من هنا يبدأ سقط من (ف). (٣) هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار النحوي الشيباني بالولاء المعروف بثعلب، كان إمام الكوفيين في النحو واللغة وكان ثقة حجة صالحًا مشهورًا بالحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربية ورواية الشعر القديم، ولد سنة مائتين وتوفي سنة إحدى وتسعين ومائتين. ومن تصانيفه: «الدر المصون» و«اختلاف النحويين» و«معاني القرآن». ترجم له الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ٥/ ٢٠٤، وابن خلكان في «وفيات الأعيان» ١/ ١٠٢، والنديم في «الفهرست» ص ٧٤، وياقوت في «معجم الأدباء» ٥/ ١٠٢. (٤) «تصحيح الفصيح» لابن درستويه ص ١٢٣ - ١٢٤. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|