![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#517 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 159 - 163]. قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: الفاء للتفريع، أو استئنافية، والباء حرف جر تفيد السببية، و«ما»: زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى؛ كما في قوله تعالى: ﴿ ﭑﭒﭓ﴾ [النساء:155]، ﴿ رَحْمَةٍ ﴾: مجرورة بالباء، والجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿ لِنْتَ ﴾، ونكرت «رحمة» للتعظيم؛ أي: فبسبب رحمة من الله لك ولأصحابك لنت لهم، أو أي شيء جعلك لينًا لهم لولا رحمة الله بك وبهم، وفي هذا امتنان من الله - عز وجل - عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته. ﴿ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: كنت لينًا لأصحابك وأمتك، رفيقًا بهم: ألنت لهم جانبك، وخفَضت لهم جَناحك، فأحبوك، واجتمعوا عليك. فقد كان صلى الله عليه وسلم لينًا حسن الخلق والتعامل مع أصحابه، كما كان صلى الله عليه وسلم رؤوفًا رحيمًا بأمته؛ كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا»[1]، وقال صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا»[2]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين»[3]. وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»[4]. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾: الواو: عاطفة، والجملة معطوفة على ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾، وفيها بيان وإيضاح لمعنى ﴿ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: لنت لهم، ولم تكن فظًّا غليظ القلب؛ أي: ولم تكن شديدًا، وبضدها تتميز الأشياء. و«لو»: شرطية، وهي حرف امتناع لامتناع، ﴿ كُنْتَ﴾: فعل الشرط، ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: جواب الشرط، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ﴿ فظًّا ﴾: خبر كان، و«الفظ»: السيئ الخلق، الجافي الطبع، غليظ القول والفعل؛ قال الشاعر: أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ ![]() وكنت أخشى عليها من أذى الكلم[5] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: يُبكى علينا ولا نبكي على أحد ![]() لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل[6] ![]() ![]() ![]() ﴿ غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾ غلظ القلب: قساوته، وغليظ القلب: قاسي القلب الذي لا يلين، وليس في قلبه رأفة ولا رحمة، وهذا هو سبب الفظاظة. وفي حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي»[7]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «مَن لا يَرحم لا يُرحم»[8]. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقَبِّلون الصبيان فما نُقَبِّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوَأَمْلِكُ لك أن نَزع الله من قلبك الرحمة»[9]. ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾: اللام واقعة في جواب «لو»، أي: لتفرق أصحابك من حولك وانصرفوا وتركوك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾ [الجمعة: 11]. وفي قوله: ﴿ مِنْ حَوْلِكَ﴾: دلالة على شدة ابتعادهم عنه، أي: لتفرَّق من حولك، وابتعدوا عنك كل البعد. عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن مما جاء في صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة: «ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح»[10]. ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾: الفاء عاطفة للتفريع على قوله: ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾؛ أي: فتجاوز عن أصحابك، وسامحهم، ولا تؤاخذهم فيما يقع منهم من تقصير في حقك، من ترك واجبٍ لك، أو ارتكاب منهي في حقك. وما أكثر ما حصل له صلى الله عليه وسلم من الأذى، وخاصة من بعض المنافقين؛ عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة كبعض ما كان يقسم، فقال رجل من الأنصار: «والله إنها لقسمة ما أُريد بها وجه الله»، قلت: أمَّا أنا لأَقولنَّ للنبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته وهو في أصحابه، فساررته، فشقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وتغيَّر وجهه، وغضب حتى وَدِدت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: «قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر»[11]. وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يُقْسِمُ، جاء عبدالله بن ذي الخُوَيْصِرَة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل»، قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: «دعه فإن له أصحابًا يُـحَقِّر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يَمرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»[12]. ولما خاصَم الأنصاري الزبير- رضي الله عنه - في شِرَاج الحَـرَّةِ التي يسقون بها النخل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم»[13]. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُـرْد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فَجَبَذَهُ جَبْذَةً شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء»[14]. ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: واطلُب لهم المغفرة من الله فيما يقع منهم من تقصير في حق الله تعالى، سواء كان بسبب تقصيرهم في حقك، أو في غير ذلك من حقوق الله تعالى؛ لأن ما يجب للرسول صلى الله عليه وسلم، بل وما يجب لغيره من الخلق، كل ذلك من حق الله تعالى؛ لأن الله هو الذي أوجب ذلك كله. ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: المشورة: استطلاع رأي المستشار، أي: شاوِر أصحابك واستطلع آراءهم، واطلب منهم المشورة. ﴿ فِي الْأَمْرِ ﴾؛ أي: في الشأن، و﴿ الأمر ﴾ واحد الأمور، أي: شاورهم في الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر وتجربة، ونحو ذلك. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في كثير من الأمور؛ تشجيعًا لهم وتطييبًا لخواطرهم، واستئناسًا برأيهم، فعن أنس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان..»[15]. واستشارهم في أسرى بدر، فأشار عليه أبو بكر - رضي الله عنه - باستبقائهم وفدائهم، وأشار عليه عمر - رضي الله عنه - بقتلهم، وكان صلى الله عليه وسلم يميل إلى رأي أبي بكر - رضي الله عنه - فاستبقاهم، فعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67 - 69][16]. كما استشار صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إلى أُحد، فأشار أكثرهم بالخروج فخرج[17]، كما استشارهم يوم الأحزاب، فأشار عليه سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بحفر الخندق حول المدينة[18]. كما استشارهم في قصة الإفك، فقال صلى الله عليه وسلم: «أشيروا عليَّ أيها الناس في رجل بلغني أذاه في أهلي»[19]. قال البخاري - رحمه الله[20]: «وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة، لم يتعدوه إلى غيره»، وقال: «وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولًا؛ كانوا أو شبانًا، وكان وقافًا عند كتاب الله عز وجل». وقد تشاور الصحابة - رضي الله عنهم - في أمر الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشار أبو بكر - رضي الله عنه - الصحابة في قتال أهل الردة، وجعل عمر - رضي الله عنه - الأمر شورى بعده في ستة عيَّنهم رضـي الله عـنه وعنهم. والاستشارة كما تكون في أمور الأمة الهامة والعامة، تكون في الأمور الخاصة بين الناس بين أفراد المجتمع، بين الأقارب والأزواج والإخوان والأصدقاء، وسائر أفراد المجتمع؛ كما قال تعالى في الزوجين: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ [البقرة: 233]. وقد امتدح الله - عز وجل - هذه الأمة بقوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38]، وقد قيل: «ما خاب مَن استخار، ولا ندم مَن استشار»[21]. وقال الشاعر: شاور سواك إذا نابتك نائبة ![]() يومًا وإن كنت من أهل المشورات ![]() فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ![]() ولا ترى نفسها إلا بمرآة[22] ![]() وقال الآخر: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ![]() برأي نصيح أو نصيحة حازم ![]() ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ![]() فإن الخوافي قوة للقوادم[23] ![]() وقال الآخر: خليلي ليس الرأي في صدر واحد ![]() أشيرا عليَّ بالذي تريان[24] ![]() ![]() ![]() والشورى في الأصل مما جُبل عليه الإنسان في فطرته السليمة في طلب الصلاح والنجاح في المساعي، إذا سلم من آفة الأنانية والاستبداد أو الاستكبار، ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر، فقد قال تعالى عن بلقيس: ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ [النمل: 32]، والاستشارة ليست لكل أحد، وإنما يُستشار أهل الدين والعقل والعلم والحكمة، والرأي والتجربة، والحزم والعزم والقوة والنصح والأمانة، ونحو ذلك، وأهل التخصص كل في مجال تخصصه، ولا يستشار من لا يُطْمَأَن إلى نصحه للأمة؛ كأهل الكفر والفسق والنفاق، وأهل البدع والأهواء، وأرباب الشهوات، ونحوهم. وليس من شرط الشورى في الإسلام أن يؤخذ فيها رأي أكثر الناس، كما يزعم أدعياء الديمقراطية الموهومة، فإن أكثر الناس ودهماءهم أتباع كل ناعق، والحكم في الإسلام لشرع الله تعالى وَفق الكتاب والسنة، والشورى إنما تكون فيما ليس فيه حكم شرعي مما يستجد من القضايا والنوازل، فسيتطلع رأي أهل الشورى فيها بما يتفق مع ما جاء في الكتاب والسنة ولا يتعارض معهما. ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ ﴾ الفاء للتفريع، و«إذا» ظرفية مضمنة معنى الشرط؛ أي: فإذا صممت على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه إن كان يحتاج إلى استشارة، سواء كان مما استظهرته من أهل الشورى، أو مما تبين لك سداده من بين آراء أهل الشورى، كما يقال في المثل: «ما بين الرأيين رأي». ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط؛ أي: فاعتمد على الله تعالى، وعلى حوله وقوته وحده، لا على مشورتك وحدك. وفي هذا أمر له صلى الله عليه وسلم بفعل السبب باستشارة أصحابهم واستطلاع رأيهم، وبالاعتماد على الله - عز وجل - وحده، والمضي قدمًا فيما عزم عليه من أمر بعد التوكل على الله، وعدم التردد. و«التوكل على الله»: صدق الاعتماد على الله تعالى في جلب النفع ودفع الضر، مع تمام الثقة به - سبحانه وتعالى - وحسن الظن به، وفعل الأسباب. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ الجملة: تعليل لما قبلها، وترغيب بالتوكل على الله، أي: فتوكل على الله؛ لأن الله يحب المتوكلين عليه، أي: يحب المعتمدين عليه وحده المفوضين أمورهم إليه، ومن أحبه الله تعالى أكرمه؛ نسأل الله تعالى من فضله. قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. قوله: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ﴿ إِنْ ﴾: شرطية، ﴿ يَنْصُرْكُمُ ﴾: فعل الشرط، وقوله: ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾: جواب الشرط، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية، أي: إن يقدر الله نصركم؛ كما حصل في بدر. ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾، «لا»: نافية للجنس نص في العموم، ﴿ غَالِبَ ﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم؛ أي: إن ينصركم الله فلا أحد يغلبكم أيًّا كان، ومهما كان عليه من القوة عدة وعددًا. وهذا مما يوجب التعلق بالله تعالى وحده، وطاعته والحذر من معصيته وسبب خِذلانه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]. ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾ «الخذلان»: عدم النصر، بدليل مقابلته لقوله: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ ﴾، وقوله بعده: ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾؛ أي: وإن يقدِّر الله خذلانكم، ويتخلَّ عن نصركم ويَكلكم إلى أنفسكم بسبب معصيتكم له، ومخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما حصل في أُحد، ومن وكل إلى نفسه هلك، ولهذا جاء في الدعاء: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت»[25]. ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾: جملة جواب الشرط في قوله: ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾، وربط بالفاء؛ لأنه جملة اسمية. و«من» في قوله: ﴿ فَمَنْ ذَا ﴾ اسم استفهام بمعنى النفي مشرب بالتحدي، أي: فلا أحد ينصركم من بعده، كأنه يقول: وإن يقدر الله خذلانكم، فنتحداكم أن ينصركم أحد من بعده، ولو اجتمع لكم من بأقطارها، و﴿ ذا ﴾: اسم إشارة، أي: فمن هذا الذي ينصركم من بعده؟! وفي الآية مقابلة بين قوله: ﴿ يَنْصُرُكُمْ ﴾ و﴿ يَخْذُلْكُمْ ﴾، وبين قوله: ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾، وقوله: ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾. ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الواو: عاطفة، وقدم الجار والمجرور «على الله». على متعلقه «يتوكل»؛ لإفادة الحصر، أي: وعلى الله وحده لا على غيره فليعتمد المؤمنون. والفاء في قوله: ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ ﴾ رابطة لشرط مقدر، واللام للأمر؛ أي: وعلى الله وحده، لا على غيره، فليعتمد المؤمنون حقًّا، وخص المؤمنين لأن إيمانهم يوجب عليهم التوكل على الله وحده، ولا إيمان لأحد بدون التوكل على الله تعالى وحده. قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «فقدوا قطيفة يوم بدر، فقالوا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾؛ أي: يخون»[26]. قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿ يغلَّ ﴾ بفتح الياء وضم الغين على البناء للفاعل، وقرأ الباقون: «يُغَل» بضم الياء وفتح الغين بالبناء للمفعول، و«نبي»: نكرة في سياق النفي فتعم، أي: وما كان لنبي من الأنبياء أن يغل، والغُلول: أخذ شيء من الغنيمة خُفيةً قبل قسمتها، ويطلق على الخيانة في كل ما يتولاه الإنسان من الأموال لغيره. والمعنى على قراءة (يَغُل) بالبناء للفاعل، أي: وما كان لنبي من الأنبياء أن يقع منه الغلول لا شرعًا وقدرًا؛ لا غلول المال بأخذه من الغنيمة خفية، أو من غيرها، ولا غلول العلم بكتمان بعض ما أنزل إليه، فلا يبلغه أمته، بل هم كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39]، وقد أخذ الله عليهم الميثاق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظً ﴾ [الأحزاب: 7]، والمعنى على قراءة (يُغَل) بالبناء للمفعول، أي: ما كان لنبي أن يَغُلَّه غيره شرعًا بأن يكسب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه غنيمة، ثم يقوم أحد بإخفاء شيء منها وأخذه، هذا أمر محرم لا يجوز شرعًا؛ لأن الغنيمة لجميع المسلمين، لكن هذا قد يقع قدرًا، وقد وقع هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم «رأى رجلًا يتقلب في النار في بُردة غلَّها»[27]. وقيل: النفي بمعنى النهي، أي: لا يُغله أحد، وقيل: معنى (يُغَل) يتهم بالغلول. ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ ﴾ الواو: عاطفة، و«من»: شرطية تفيد العموم، ﴿ يَغْلُلْ ﴾: فعل الشرط، أي: ومن يغلل بإخفاء المال وأخذه من نبي أو غيره، على سبيل افتراض وقوع الغلول من أي نبي؛ لأن الله نفى أن يقع ذلك من الأنبياء شرعًا وقدرًا. ﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ﴿ يَأْتِ ﴾: فعل الشرط مجزوم بحذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. و«ما» في قوله: ﴿ بِمَا ﴾: موصولة، تفيد العموم، أي: يأت بجميع الذي غلَّ وأخفى وأخذ من المال يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، حاملًا له على ظهره، حيوانًا كان أو متاعًا أو غير ذلك؛ فضيحة له وعذابًا معنويًّا له يوم القيامة. ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ ﴿ ثم ﴾: عاطفة، أي: ثم بعد أن تأتي كل نفس بما غلَّت يوم القيامة فضيحة لها، ﴿ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ ﴿ ما ﴾: موصولة أو مصدرية، أي: تُعطى كلُّ نفس من أهل الغلول أو غيرهم الذي كسبت، أو كسبها وافيًا، أي: تعطى جزاءَ عملها وافيًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وجعل الكسب مكان الجزاء؛ لبيان أن الجزاء من جنس العمل والكسب، وبحسبه. ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: حال، أي: حال كونهم لا يظلمون، أي: لا ينقصون من أجورهم وحسناتهم شيئًا، ولا يزادون في سيئاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: 40]. وذلك لكمال عدل الله عز وجل؛ لأن الصفات المنفية تدل على كمال ضدها، فنفي الظلم عنه - عز وجل - يدل على كمال عدله، كما أن نفي الموت عنه في قوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ [الفرقان: 58]، يدل على كمال حياته، وهكذا. قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾: الهمزة للاستفهام, ومعناه: الإنكار والنفي. والفاء: عاطفة، وقُدمت همزة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة، والفاء العاطفة محلها في الأصل قبل الهمزة، والتقدير: «فأمن اتبع»، وقيل: الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام. و«من»: اسم موصول، أي: أفيستوي ويكون الذي اتبع وطلب رضوان الله بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، من ترك الغلول وغيره في جزائه في الحياة وبعد الممات، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه. ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: الكاف: للتشبيه، بمعنى «مثل»، و﴿ بَاءَ ﴾ بمعنى: رجع، ﴿ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: الباء: للملابسة والمصاحبة، وسخط الله: غضبه وعدم رضاه، أي: كالذي رجع متلبسًا بغضب من الله بتركه ما أمر الله به، وارتكابه ما نهى الله عنه من الغلول وغيره، واستحق عقاب الله, وعظيم عذابه. وبين قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾، وقوله: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ مقابلة. ﴿ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ الواو: عاطفة، أي: ومرجعه الذي يأوي إليه ويستقر فيه، ﴿ جهنم ﴾: اسم من أسماء النار، سميت به؛ لشدة ظلمتها وجهمتها وحرِّها، وبُعد قعرها. ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾: «بئس»: فعل جامد لإنشاء الذم، و﴿ الْمَصِيرُ ﴾ فاعله، وهو المرجع، والمآل والمآب. والمخصوص بالذم محذوف، أي: وبئس المصير ﴿ جَهَنَّمُ ﴾، أو وبئس المصير «مصيره». فنفى عز وجل أن يكون من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله، أي: لا يستوي هذا وهذا، أي: لا يستويان في حكم الله وجزائه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وشتان بينهما، فالأول: مؤمن، والثاني: كافر، وشتان بين عمل كل منهما، فالمؤمن: اتبع في عمله رضوان الله، والكافر: اتبع في عمله ما يُسخط الله، وشتان بين جزاء كل منهما، فالمؤمن مأواه جنات النعيم، والكافر مأواه جهنم وبئس المصير. قوله تعالى: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾. نفى عز وجل أن يكون من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله، ثم أتبع ذلك ببيان أنهم درجات عند الله. والضمير في قوله: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ ﴾ يعود إلى الفريقين مَن اتبع رضوان الله ومَن باء بسخط من الله، وجاء بضمير الجمع ﴿ هُمْ ﴾ مراعاة لمعنى «من» في قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ ﴾، وقوله: ﴿ كَمَنْ بَاءَ ﴾؛ لأن معناها الجمع. ﴿ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾؛ أي: منازل مختلفة متفاوتة عند الله تعالى بحسب تفاوتهم في أعمالهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ [الأنعام: 132]. فالذين اتبعوا رضوان الله في أعالي الدرجات، وكل مَن كان منهم لرضوان الله أتبع كانت درجته أرفع. والذين باؤوا بسخط في أسافل الدركات، وكل مَن كانت مباءته بسخط الله أعظم، كانت دركته أسفل. فهم درجات عند الله، فالذين آمنوا فوق الذين كفروا، وأهل الإيمان درجات في إيمانهم، ودرجات في نعيمهم وثوابهم، وأهل الكفر درجات في كفرهم، ودرجات في عذابهم وعقابهم. ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾؛ أي: مطَّلع على الذين يعملون، وعلى عملهم، مشاهد له عالم به، لا يخفى عليه منه شيء، ظاهرًا كان أو باطنًا، حقًّا كان أو باطلًا. وفي هذا وعد لمن عمل صالحًا، ووعيد لمن عمل خلاف ذلك. [1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (3038)، ومسلم في الأشربة (1733)، من حديث أبي بردة عن أبيه عن جده رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في العلم (69)، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، من حديث أنس رضي الله عنه. [3] أخرجه البخاري في الوضوء (220)، وأبو داود في الطهارة (380)، والنسائي في الطهارة (56)، والترمذي في الطهارة (147)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في الحدود (6786)، ومسلم في الفضائل (2327)، وأبو داود في الأدب (4785). [5] البيت لإسحاق بن خلف، انظر: «شرح حماسة أبي تمام» (2/ 183). [6] البيت لمهلهل بن ربيعة، وقيل: للمخبل؛ انظر: «شرح ديوان الحماسة للمرزوقي» (ص420). [7] أخرجه الترمذي في الزهد (2411)، وقال: «حديث حسن غريب». [8] أخرجه البخاري في الأدب (5997)، ومسلم في الفضائل (2318)، وأبو داود في الأدب (5218)، والترمذي في البر والصلة (1911). [9] أخرجه البخاري في الأدب (5998)، ومسلم في الفضائل (2317)، وابن ماجه في الأدب (3665). [10] أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة الفتح (4838)، وأحمد (2/ 174). [11] أخرجه البخاري في الأدب (6100)، ومسلم في الزكاة (1062). [12] أخرجه البخاري في استتابة المرتدين (6933)، ومسلم في الزكاة (1064). [13] أخرجه البخاري في المساقاة (2360)، ومسلم في الفضائل (2357)، وأبو داود في الأقضية (3637)، والنسائي في آداب القضاة (5407)، والترمذي في الأحكام (1363)، من حديث عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما. [14] أخرجه البخاري في فرض الخمس (3149)، ومسلم في الزكاة (1057). [15] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1779). [16] أخرجه مسلم في الجهاد والسير- الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (1763)- وسيأتي ذكره وتخريجه بتمامه في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى. [17] سبق تخريجه في ذكر سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]. [18] انظر: «تفسير ابن كثير» (6/ 384). [19] أخرجه البخاري في المغازي (4141)، ومسلم في التوبة (2770)، وأبو داود في النكاح (2138)، والترمذي في التفسير (3180)، وابن ماجه في النكاح (1970)، وأحمد (6/ 194)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [20] انظر: «صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الاعتصام- باب قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] (13/ 339). [21] انظر: «أدب الدنيا والدين» للماوردي (ص300). [22] البيتان للأرجاني؛ انظر: «ديوانه» (1/ 246). [23] البيت لبشار بن برد؛ انظر: «ديوانه» (4/ 173). [24] البيت لابن الدمينة؛ انظر: «حماسة الخالدين» (ص70). [25] أخرجه أبو داود في الأدب (5090)، من حديث عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه. [26] أخرجه أبو داود في الحروف (3971)، والترمذي في التفسير (3009)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 194، 195)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 803)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (5601، 5602) - وقال الترمذي: «حسن غريب». والحديث من رواية خصيف بن عبدالرحمن. وقد قال عنه الإمام أحمد: «شديد الاضطراب». «تهذيب التهذيب» (3/ 124)، وقال ابن حجر في «التقريب»: «سيئ الحفظ خلط بآخرة»، وقد اضطرب فيه خصيف فجعله تارة من حديث عكرمة عن ابن عباس، وتارة من حديث مقسم عن ابن عباس، وتارة من حديث عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس، ولهذا أورده ابن عدي في «الكامل في الضعفاء والمتروكين» (3/ 72) في ترجمة خصيف بن عبدالرحمن. [27] سيأتي ذكره وتخريجه بتمامه، قريبًا. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#518 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 159 - 163]. 1- رحمه الله - عز وجل - بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأمته بأن جعله لينًا لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، وفي هذا امتنان من الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته. 2- أن اللين صفة محمودة امتدح الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم وجعلها بسبب رحمته - عز وجل - له ولأمته، لهذا ينبغي لولاة أمور المسلمين وأصحاب المسؤوليات في الأمة كبيرها وصغيرها الاتصاف بها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا، فشَقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا، فرفق بهم فارفق به»[1]. ولكن اللين الممدوح ما كان لينًا من غير ضعف، مع قوة من غير عنف، كما كانت صفته صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا لما أنشد النابغة الجعدي قصيدته المشهورة التي ختمها بقوله: ولا خير في حلم إذا لم تكن له ![]() بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ![]() ولا خير في جهل إذا لم يكن له ![]() حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا ![]() قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده هذين البيتين: «أحسنت أو أجدت،لا يفضض الله فاك»، قيل: فعاش مائة وعشرين سنة لم تسقط له سنٌّ، أو كلما سقطت له سن نبتت[2]. 3- امتداح الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن كان لينًا لأمته غير فظ ولا غليظ القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾. 4- ذم الفظاظة وغلظة القلب وقساوته، وأنها سبب لنفور الناس ممن اتصف بها، والحيلولة دون استفادة الناس من علمه ودعوته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. 5- ميل النفوس بطبيعتها لمن لان لها وأحسن التعامل معها، ونفورها ممن كان بضد ذلك، وكما قيل: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ![]() فطالما استعبد الإنسان إحسان[3] ![]() ![]() ![]() 6- الترغيب في لين الجانب وحُسن الخلق، والتحذير من الفظاظة وغلظة القلب وقساوته وسوء الخلق. 7- ينبغي للآباء والموجهين والمربين والمعلمين والدعاة وغيرهم - أن يكون لهم أسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم في لين جانبه، وحُسن خلقه في تعاملهم، وأن يبتعدوا كل البعد عن الفظاظة والغلظة والجفاء وسوء الخلق؛ لكي تثمر جهودهم، فكم من مربٍّ وعالم وداعية لم يستفد الناس من علمه، ولا من جهوده بسبب فظاظته وغلظته وسوء خلقه، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي لو كان فظًّا غليظ القلب، لانفض أصحابه من حوله، فكيف بمن دونه صلى الله عليه وسلم؟! ومن المؤسف أن تجد كثيرًا من دعاة النصرانية وغيرها من الملل من هم ألين في التعامل وأحسن خلقًا من كثير من دعاة الإسلام. 8- فضل العفو عن الناس والترغيب فيه؛ لأن الله - عز وجل - أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، كما امتدح به المتقين في قوله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]، وأمر به ورغَّب فيه، فقال: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]، وتكفَّل بثوابه إذا كان على سبيل الإصلاح، فقال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40]. 9- أن ما كان من حق للرسول صلى الله عليه وسلم ولو خاصًّا، فهو من حق الله تعالى؛ لأن الله تعالى لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالعفو عن حقه بقوله: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾، أمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار عن حق الله تعالى، فقال: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾، ولأن الله تعالى هو الذي أوجب حق الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أوجب حقوق غيره من الخلق، فكل ذلك من حق الله، والتقصير فيه تقصير في حق الله. 10- ينبغي الجمع بين العفو والإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾، فالاستغفار بعد العفو من قبيل الإحسان. 11- أمر الله - عز وجل - للنبي صلى الله عليه وسلم باستشارة أصحابه، وذلك والله أعلم، فيما ليس فيه وحي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، وذلك لما في مشورته لهم من تطييب خواطرهم، واستظهار آرائهم، وتعليم الأمة المشورة. 12- مشروعية الشورى في الإسلام؛ لأن الله - عز وجل - أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، والأصل في الأمر: الوجوب، وقد يكون للندب حسب الحاجة إلى المشورة، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورًا بالاستشارة، فغيره من ولاة أمور الأمة من باب أولى، فيتأكد في حقهم استشارة من تحت ولايتهم في أمور الأمة، فيستشار العلماء فيما يشكل من أمور الدين، ويستشار العارفون بالسياسة وشؤون القتال والحرب فيما يعرفون، ويستشار كل فيما يخصه ويختار للشورى في الأمور الهامة أهل الدين والنصح والعقل والحنكة، وسداد الرأي والخبرة والتجربة. ويجب على من استشير محض النصح لمن استشاره؛ لأن المستشار مؤتمن؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن»[4]. وقال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[5]. والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم- وإن كانت مطلوبة دائمًا إلا أنها في حال طلبهم المشورة والنصيحة أوجب وأوكد. 13- سمو مبادئ الإسلام وتعاليمه وأحكامه في أمره بالشورى لما فيها من المصالح العظيمة. فهي في المقام الأول: طاعة لله تعالى، وهي في المقام الثاني: صمام أمان للأمة بإذن الله تعالى، توفق بالأخذ بها إلى الرأي الأرشد والأصوب في قراراتها في قضاياها ومشكلاتها الداخلية والخارجية، والسلامة من المزالق الخطيرة التي قد تحصل بسبب الأنانية واستبداد المسؤول أو ولي الأمر وتفرده بالرأي؛ لأن الفرد مهما كان عليه من الحذق والدهاء وحُسن التدبير سيفوته الكثير، ويَصعُب عليه وحده المقارنة بين المصالح والمفاسد، والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات. وهي في المقام الثالث: سبب لاجتماع الأمة وسلامتها من الاختلاف والتفرق بسبب الاعتراض على ما يصدر من ولي الأمر من قرارات؛ لعلم الناس أن هذه القرارات قد أخذ فيها رأي أهل الحل والعقد والرأي والمعرفة في الأمة. وبهذا تسلم الأمة من الاضطراب والفوضى، وتسد الطريق أمام المتربصين بها من الداخل والخارج. وقد أحسن حافظ إبراهيم - رحمه الله - في قوله في قصيدته العمرية[6] التي تعتبر من روائع الشعر العربي مشيدًا بمواقف عمر - رضي الله عنه - في جعل الأمر بعده شورى: يا رافعًا راية الشورى وحارسها ![]() جزاك ربك خيرًا عن محبيها ![]() لم يلهك النزع عن تأييد دولتها ![]() و للمنية آلام تعانيها ![]() لم أنس أمرك للمقداد يحمله ![]() إلى الجماعة إنذارًا وتنبيها ![]() إن ظل بعد ثلاث رأيهم شعبًا ![]() فجرد السيف واضرب في هواديها ![]() فاعجب لقوة نفس ليس يصرفها ![]() طعم المنية مرًّا عن مراميها ![]() درى عميد بني الشورى بموضعها ![]() فعاش ما عاش يبنيها ويعليها ![]() و ما استبد برأي في حكومته ![]() إن الحكومة تغري مستبديها ![]() رأي الجماعة لا تشقى البلاد به ![]() رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها ![]() كما أن المشورة دليل على رجحان عقل المستشير وحكمته وتواضعه، وحُسن قصده في البحث عن الأصلح غالبًا، وفيها مصلحة عظيمة له؛ لأنه بالاستشارة يضيف إلى عقله وتجاربه عقول مَن استشارهم وتجاربهم ويأخذ خلاصة أفكارهم، فيسلم من الاستبداد بالرأي الذي قد يكون هو أول ضحاياه، وفيها ستر لعيوبه وعدم تحميله المسؤولية وحده عند الخطأ. كما أن المشورة أيضًا مصلحة للمستشار تجعله يشعر بقيمته في الأمة، ويشارك في حل قضاياها ومشكلاتها، فينشط في تقديم محض المشورة والنصح لها، ولكل من استشاره. 14- ينبغي بعد المشورة والعزم على الأمر التوكل على الله تعالى والمضي قدمًا فيه، بعد الجمع بين فعل السبب والاعتماد عليه عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾. 15- ينبغي الحذر من التردد الذي به فساد الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾، فينبغي الجمع بين تدبر الأمر وإبرام الرأي وعدم العجلة، وبين العزم والتوكل على الله، والمضي قدمًا وعدم التردد؛ كما قال الشاعر: إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر ![]() فإن فساد الرأي أن تتعجلا[7] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ![]() فإن فساد الرأي أن تترددا[8] ![]() ![]() ![]() 16- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يحتاج كغيره من البشر إلى المشورة، وخاصة فيما ليس فيه وحي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾. 17- محبة الله تعالى للمتوكلين عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. 18- إثبات المحبة لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، ومن آثارها الثواب، وليست هي الثواب كما يقوله منكروها من أهل البدع. 19- عدم محبة الله تعالى للذين لا يتوكلون عليه؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾؛ أي: ولا يحب من لم يتوكل عليه. 20- فضل التوكل على الله والترغيب فيه؛ لأن الله رتب عليه محبته تعالى لأهله. 21- أن من قدَّر الله نصره فلا غالب له؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾. وتحقُّق نصر الله مرهون بالإيمان وعمل الصالحات، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55]، وقال تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 40، 41]. 22- كمال قوة الله عز وجل وقدرته، ووجوب طاعته والتعلق به والاستعانة به وحده في طلب النصر وغير ذلك. 23- أن من قَدَّر الله خذلانه فلا ناصر له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾. 24- وجوب الحذر من أسباب الخذلان، بمعصية الله تعالى، ومخالفة أمره، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. 25- وجوب التوكل على الله تعالى وحده، والاعتماد عليه دون سواه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. 26- أن التوكل على الله من مقتضيات الإيمان، ومن صفات المؤمنين خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. 27- نفي وقوع الغلول من الأنبياء شرعًا وقدرًا، فلا يجوز وقوعه منهم شرعًا، ولا يمكن أن يقع منهم قدرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾. 28- أنه لا يجوز شرعًا لأحد أن يغل من الغنيمة التي اكتسبها النبي في حربه؛ لقوله تعالى: (أن يُغَلَّ) على قراءة ضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول. 29- شدة حرمة الغلول؛ لأن الله - عز وجل - نزَّه منه أنبياءه، وتوعد عليه بأن من يغلل يأت بما غل يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، فهو محرم بالإجماع وكبيرة من كبائر الذنوب. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: «لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، حتى أتوا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بن الخطاب، اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»، قال: فخرجت فناديت، ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»[9]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فذكر الغلول، فعظَّمه وعظَّم أمره، قال: «لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حَمْحَمَة، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك»[10]. وعن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة»، قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك، قال: «وما»؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: «وأنا أقوله الآن، من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى»[11]. وعن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: كان على ثَقَلِ النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كَرْكَرَةُ، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلَّها»[12]. وعن زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «صلوا على صاحبكم»، فتغيَّرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم قد غلَّ في سبيل الله»، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين»[13]. عن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: «استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللُّتْبِية على الصدقة، فجاء، فقال: هذا لكم، وهذا أُهدي إليَّ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: «ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت ثلاثًا»[14]. 30- أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. 31- إثبات القيامة والبعث والحساب والجزاء على الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. 32- كمال قدرة الله - عز وجل - حيث يجعل الغال يأتي بما غل يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، وهو - عز وجل - على كل شيء قدير. 33- موافاة كل نفس ومجازاتها بما عملت من غير زيادة أو نقصان؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾. وهذا لا ينافي مجازاة الإنسان بثواب دعاء غيره له، وثواب القربات التي أُهديت له أو تُصدِّق بها عليه، من صدقة أو حج، وغير ذلك؛ لثبوت ذلك بالأدلة الصحيحة. كما لا ينافي مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف؛ إلى أضعاف كثيرة، كما ثبت بالأدلة. 34- انتفاء الظلم في محاسبة الخلائق يوم القيامة؛ لأن حسابهم عند الحَكم العَدل الذي لا يَظلم أحدًا سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. 35- شتان بين من اتبع رضوان الله تعالى، ونال رضا الله تعالى، وسعد في الدنيا والآخرة، وبين من رجع بسخط من الله، فشقي في الدنيا والآخرة وكان مأواه إلى النار؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: لا يستوي هذا وهذا. 36- إثبات صفة الرضا لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾. 37- إثبات صفة السخط لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾. 38- أن مَن سخط الله تعالى عليه عذَّبه بالنار، وانتقم منه؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الزخرف: 55]. 39- وجوب الحذر من التعرض لسخط الله تعالى وغضبه؛ لأنه سبب للمصير إلى النار. 40- إثبات النار وأنها موجودة الآن، وأن من أسمائها «جهنم»؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. 41- أن النار مظلمة شديدة القعر شديدة الحر؛ لهذا سميت «جهنم». 42- ذم النار وأنها بئس المصير والمرجع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. 43- أن الناس درجات عند الله، فأهل الإيمان فوق أهل الكفر، وأهل الإيمان فيما بينهم درجات في إيمانهم، وفي نعيمهم، كما أن أهل الكفر درجات في كفرهم، ودرجات ودركات في عذابهم. 44- اطلاع الله - عز وجل - التام وعلمه الواسع بما يعمل العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، وفي هذا وعدٌ لمن أحسَن العمل، ووعيدٌ لمن أساء؛ لأن مُقتضى علمه مُجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. [1] أخرجه مسلم في الإمارة (1828)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [2] ومطلع هذه القصيدة: خليلي غضا ساعة وتهجرا= ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا قيل: لما أنشد هذا البيت قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أين المظهر يا أبا ليلى؟»، قال: الجنة. قال: «أجل، إن شاء الله»؛ انظر: «ديوان النابغة الجعدي» ص (69)، وانظر: «المطالب العالية» (16/383 رقم 4032)، «أحاديث الشعر» (ص109)، «مجمع الزوائد» (8/126)، «كنز العمال» (13/600 حرف النون/ 375رقم 42). [3] البيت لأبي الفتح البستي؛ انظر: «حياة الحيوان الكبرى» (1/250). [4] أخرجه الترمذي في الأدب (2822)، وابن ماجه في الأدب (3745)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: «حديث حسن». [5] أخرجه مسلم في الإيمان (55)، وأبو داود في الأدب (4944)، والنسائي في البيعة (4197)، من حديث تميم الداري رضي الله عنه. [6] انظر: «ديوانه» (ص91). [7] البيت لعيسى بن موسى؛ انظر: «زهر الآداب» (1/257). [8] البيت للمنصور؛ انظر: «زهر الآداب» (1/257). [9] أخرجه مسلم في الإيمان، غلظ تحريم الغلول (114)، وأحمد (1/30). [10] أخرجه البخاري في الجهاد (3073)، ومسلم في الإمارة (1831)، وأحمد (2/426). [11] أخرجه مسلم في الإمارة (1833)، وأبو داود في الأقضية (358)، وأحمد (4/192). [12] أخرجه البخاري في الجهاد - القليل من الغلول (3074)، وابن ماجه في الجهاد (2849). [13] أخرجه أبو داود في الغلول - تعظيم الغلول (2710). [14] أخرجه البخاري في الهبة (97)، ومسلم في الإمارة (1832)، وأبو داود في الخراج (2946)، وأحمد (5/423-424). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#519 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 164 - 168]. قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾. نفى عز وجل في الآية السابقة أن يستوي مَن اتبع رضوان الله بمن باء بسخط من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير، ثم أتبع ذلك ببيان مِنته على المؤمنين في بعث الرسول صلى الله عليه وسلم منهم، وإنقاذهم به، وبما جاء به من الوحي والعلم، مما كانوا فيه من الضلال المبين، وهي المنة العظمى والنعمة الكبرى التي هي أصل كل نعمة ومنة؛ كما قال تعالى في سورة الجمعة: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [الجمعة: 2]، وهذا استجابة لدعوة إبراهيم - عليه السلام - بقوله: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 129]. قوله: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ اللام: لام القسم لقسم مقدَّر؛ أي: والله لقد مَنَّ الله على المؤمنين؛ أي: أنعم عليهم وتفضل، و«قد» للتحقيق، فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، و«قد». ﴿ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ﴿ إِذْ ﴾: ظرفية بمعنى «حين»؛ أي: حين بعث فيهم رسولًا من أنفسهم، ويحتمل أن تكون «إذ» للتعليل، أي: لأنه بعث فيهم رسولًا من أنفسهم، ففيها بيان لمحل المنة ومبدئها، وهو حين بعث صلى الله عليه وسلم فيهم، وفيها تعليل للمنة، أي: لأنه بعثه فيهم. ومعنى ﴿ بَعَثَ فِيهِمْ ﴾؛ أي: أرسل فيهم، وسُميت الرسالة «بعثًا»؛ لأن بها إخراج الناس من حال إلى حال؛ كما قال تعالى: ﴿ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: 1]. ﴿ فيهم ﴾ «في» للظرفية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث في واسطة المؤمنين نسبًا وقرابة، ولهذا قال الله تعالى له: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ [الشورى: 23]. ﴿ رَسُولًا ﴾ أي: مرسلًا من عند الله - عز وجل - ونكر للتعظيم، أي: عظيم القدر، جليل الشأن. ﴿ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾؛ أي: منهم ومن جنسهم، فهو منهم نسبًا يتكلم بلسانهم، وبشر مثلهم، كما قال تعالى في سورة الجمعة: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [الجمعة: 2]، وقال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]؛ أي: من جنسكم، فكونه منهم ومن أنفسهم أبلغُ في المنة، وأتم للنعمة؛ ليألفوه ويفهموا خطابه، ويكون أنصح لهم وأشفق عليهم، بل ولتقوم الحجة به عليهم، بخلاف ما لو كان من غير جنسهم، كأن يكون من الملائكة أو الجن، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4]، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ﴾ [الأنعام: 9]. ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾، الجملة في محل نصب، صفة لـ﴿ رسولًا ﴾، والمعنى: يقرأ عليهم آياته، وهو القرآن الكريم. والتلاوة: تطلق على التلاوة لفظًا بقراءة القرآن عليهم، وتطلق على التلاوة معنى ببيان معانيه لهم، وتطلق على التلاوة حكمًا ببيان أحكامه لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 44]. وفي حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك ربَّنا وبحمدك، يتأوَّل القرآن»[1]؛ يعني: يعمل به ويطبِّقه. لكن قد يحسن هنا أن يحمل قوله تعالى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ على تلاوة آيات القرآن وقراءتها عليهم لفظًا؛ لقوله بعده: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾. ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾؛ أي: ويطهِّرهم طهارة معنوية بأمرهم بالتوحيد والإيمان والعمل الصالح والأخلاق الفاضلة، ونهيهم عن الشرك والمعاصي، والأخلاق الذميمة، مما كانوا عليه في الجاهلية. كما يطهِّرهم من الأحداث والنجاسات الحسية؛ بأمرهم بالوضوء من الحدث الأصغر، والغسل من الحدث الأكبر، والحث على النظافة عمومًا. ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾. و﴿ الْكِتَابَ ﴾: القرآن، سُمي بذلك؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾ [الواقعة: 77 - 79]. ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة؛ كما قال تعالى: ﴿ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ *مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴾ [عبس: 13 - 16]. ومكتوب بالمصاحف بأيدي المؤمنين، والمعنى: ويعلمهم القرآن؛ ألفاظه، ومعانيه، وأحكامه، والعمل بها. وقال بعضهم: المراد بالكتاب في الآية «الكتابة»؛ أي: ويعلمهم الكتابة؛ لأن العرب كانوا أُميين، فلما نزَل القرآن العظيم تعلموا الكتابة، فصاروا يكتبونه للرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا تعلموا الكتابة. ولا منافاة بين القولين، فالرسول صلى الله عليه وسلم علَّمهم القرآن بألفاظه ومعانيه وأحكامه، وعلمهم الكتابة بأمره لهم بكتابة القرآن الكريم، فتعلموا القرآن وتعلموا الكتابة. ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾: معطوف على ﴿ الكتاب ﴾، والمراد بالحكمة عند أكثر أهل العلم: السنة، أي: ويعلمهم القرآن والسنة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [النساء: 113]؛ أي: القرآن والسنة. وقال بعض أهل العلم: المراد بالحكمة في الآية: الحكمة في مشروعية الأحكام، أي: ويعلمهم الحكمة في مشروعية الأحكام، أي: أسرار الشريعة؛ كحكمة مشروعية الصلاة، وأنها صلة بين العبد وربه، ونحو ذلك، وحكمة مشروعية الزكاة، وأن بها تزكية المال، وتزكية نفس الغني ونفس الفقير، وهكذا. ولا منافاة بين القولين، فيجوز حمل قوله: ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾ على تعليم السنة، وتعليم أسرار الشريعة، والحكم في مشروعية الأحكام مما يقوي الإيمان ويزيده. ﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ الواو: حالية، و«إن» مخففة من الثقيلة؛ ولهذا جاءت اللام في خبرها ﴿ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾، واسمها: ضمير الشأن محذوف، والضمير في ﴿ كَانُوا ﴾ يعود إلى المؤمنين. ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾؛ أي: من قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم. ﴿ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ اللام هي الفارقة التي تشعر بكون «إن» مخففة، و«في» للظرفية. ﴿ ضَلَالٍ ﴾ بُعد وتيه عن الحق وجهل. ﴿ مُبِينٍ ﴾؛ أي: بيِّن واضح ظاهر لكل ذي بصيرة وعقل. أي: وإنهم كانوا من قبل بعثته صلى الله عليه وسلم لفي ضلال وتيه وبُعد عن الحق بيِّن واضح، قد أحاط بهم إحاطة الظرف بمظروفه، وإحاطة السوار بالمعصم، وفي هذا تعظيم لمنة الله تعالى ونعمته عليهم، حيث أنقذهم به من هذا الضلال المبين. قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾. قوله: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾: الهمزة للاستفهام، وفيه معنى الإنكار والتقريع والتقرير والتعجب، والواو: عاطفة، وقدِّمت همزة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة، أي: وألما أصابتكم مصيبة، و«لما» هنا: شرطية بمعنى: «حين»؛ أي: أوحين أصابتكم مصيبة. و﴿ أَصَابَتْكُمْ ﴾: فعل الشرط، وجملة ﴿ قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ﴾: جواب الشرط. ومعنى ﴿ أَصَابَتْكُمْ ﴾: حلَّت ووقعت بكم. ﴿ مُصِيبَةٌ ﴾: هي ما حصل لهم يوم أُحد من قتل سبعين رجلًا منهم، وإدالة المشركين عليهم. والمصيبة في الأصل: تشمل كل ما يصيب الإنسان من نقص، في النفس والأهل والولد والمال، وغير ذلك. ﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ﴾: الجملة في محل رفع صفة لـ﴿ مصيبة ﴾، وفيها تسلية لهم وتخفيف لمصابهم، بتذكيرهم بما أصابوه قبل من عدوِّهم. و﴿ قد ﴾: للتحقيق، أي: قد أصبتم مثلها مرتين من عدوكم؛ يعني يوم بدر؛ حيث قتل المسلمون منهم سبعين رجلًا، وأسروا سبعين، فالمجموع مائة وأربعون، كُثْر من قتل من المسلمين يوم بدر مرتين، وجعل الأسرى كالقتلى؛ لأن الأسر لا يقل عن القتل لما فيه من إذلال المأسور، وكونه عرضة للقتل؛ لأن الإمام مخير في الأسرى بين الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الرق، أو القتل، أو المن عليهم بإطلاق سراحهم بلا شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ﴾ [محمد: 4]. ﴿ قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ﴾، ﴿ أَنَّى ﴾: هنا: استفهامية، فيها معنى الإنكار والتعجب. ﴿ هذا ﴾؛ أي: ما حصل لهم من قتل وهزيمة، أي: من أين أصابنا هذا الذي أصابنا، كما في قوله: تعالى: ﴿ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا ﴾ [آل عمران: 37]؛ أي: من أين لك هذا الرزق؟ وقال بعضهم: المعنى: كيف أصابنا هذا المصاب ونحن نقاتل مع رسول الله؟ كقوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا ﴾ [البقرة: 247]؛ أي: كيف يكون له الملك علينا؟ ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾: الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ هُوَ ﴾؛ أي: الذي أصابكم، ﴿ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ ﴿ مِنْ ﴾ للسببية، أي: هو بسبب منكم، وهو ما حصل منهم من الفشل والتنازع والعصيان، ومخالفة الرماة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وتركهم مواقعهم التي أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بلزومها فوق الجبل، حيث ظنوا أن المعركة قد انتهت، فنزلوا للمشاركة في الغنائم، فحصل ما قدر الله تعالى من مصاب على المسلمين؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 79]. ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ختم عز وجل الآية بهذه الجملة، للدلالة على أنه سبحانه لو شاء لنصركم؛ لأنه على كل شيء قدير، ينصر مَن يشاء بفضله، ويخذل مَن يشاء بعدله، وله في ذلك كله الحكمة البالغة والحجة الدامغة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد: 4]، ويوضح هذا ويبيِّنه قوله بعده: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. «إنَّ»: حرف توكيد ونصب، ولفظ الجلالة اسمها، و﴿ قدير ﴾ خبرها، وهو على وزن «فعيل»، يدل على كمال قدرته وعظمته. وقوله: ﴿ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ﴾ متعلق بـ «قدير»، وقدِّم عليه؛ لتأكيد عموم قدرته على كل شيء. قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. ذكَّر الله - عز وجل - في الآية السابقة المؤمنين؛ تسليةً لهم وتخفيفًا لمصابهم في «أُحد»، بأنهم قد أصابوا مثليه من عدوهم؛ يعني في بدر، مبينًا أن ما أصابهم في أُحد هو من عند أنفسهم، ثم أتبع ذلك ببيان أن ذلك بإذن الله - عز وجل - الكوني وقضائه القدري، فجمع لهم بين بيان أنهم السبب فيما أصابهم يوم أُحد، مع تسليتهم وتخفيف مصابهم بذكر ما أصابوا قبل من عدوهم، وبيان أن ما أصابهم إنما هو بقضاء الله وقدره. قوله: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾: الواو: استئنافية، و«ما»: شرطية، و﴿ أَصَابَكُمْ ﴾ فعل الشرط، ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ جواب الشرط؛ أي: وما أصابكم من القتل والهزيمة ﴿ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾؛ أي: يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين، أي: جيش المسلمين وجيش المشركين، وذلك في أُحد. ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾: جواب الشرط، ورُبط بالفاء؛ لأنه جملة اسمية، أي: فهو كائن بإذن الله، أي: بإذن الله الكوني وقضائه القدري؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا ﴾ [آل عمران: 145]. والباء في قوله: ﴿ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ للسببية؛ ولهذا صح أن يعطف عليه قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. ﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الواو: عاطفة، واللام: للتعليل، أي: وليعلم الله المؤمنين، أي: وليتبين ويتميَّز ويظهر أهل الإيمان حقًّا الذين صدقوا في إيمانهم، وقالوا فيما أصابهم إنه بقدر الله ورضوا به، وتابوا إلى الله، مما سبب لهم ذلك، وهو العصيان والمخالفة. فالعلم هنا علم ظهور، أي: وليعلم المؤمنين علمًا يترتب عليه الجزاء، وذلك بعد أن يقع ويظهر منهم الإيمان؛ كما في قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]. وهو سبحانه وتعالى قد علم أزلًا المؤمنين والمجاهدين من غيرهم، أي: علم من سيؤمن ومن سيجاهد، ومن ليس كذلك، ولكنه لا يترتب على هذا العلم ثواب ولا عقاب. ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ معطوف على ما قبله. والذين نافقوا هم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وعلى رأسهم عبدالله بن أبي فقد كان ممن لا يرى الخروج إلى أُحد، ولما خرج صلى الله عليه وسلم، انخذل عبدالله بن أبي أثناء الطريق، ورجع بثُلث الجيش. قال ابن القيم[2]: «ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير، وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين عن الآخر تميزًا ظاهرًا، وكان من حكمة هذا التقدير تكلم المنافقين بما في نفوسهم، فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم، وجوابه لهم، وعرفوا مؤدَّى النفاق وما يؤول إليه». ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا ﴾ الجملة: معطوفة على ﴿ نَافَقُوا ﴾، أو حال على تقدير: «قد»، أي: وقد قيل لهم: تعالوا، «أو»: استئنافية، وأضمر القائل في قوله: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ ﴾؛ ليعم كل من قال لهم ذلك، سواء الرسول صلى الله عليه وسلم أو غيره، والضمير (لهم) يعود إلى الذين نافقوا. ﴿ تعالوا ﴾؛ أي: هلمُّوا وأقبِلوا. ﴿ قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾؛ أي: قاتلوا وجاهدوا؛ لإعلاء كلمة الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله»[3]. ﴿ أَوِ ادْفَعُوا ﴾ ﴿ أَوِ ﴾: عاطفة، والجملة: معطوفة على ﴿ قَاتِلُوا ﴾؛ أي: ادفعوا العدو عن أنفسكم وحرماتكم وأموالكم وأوطانكم؛ أي: إن لم تكن لديكم رغبة في القتال في سبيل الله، فعلى الأقل ادفعوا العدو عن أنفسكم وحرماتكم وأموالكم وأوطانكم. ﴿ قَالُوا ﴾؛ أي: قال هؤلاء المنافقون لمن يقول لهم: ﴿ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ﴾. ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾: ﴿ لَوْ ﴾: شرطية، ﴿ نَعْلَمُ ﴾: فعل الشرط، وجوابه ﴿ لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾؛ أي: قال هؤلاء المنافقون؛ تبريرًا لانخذالهم ورجوعهم من الجيش، وتركهم القتال: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾؛ أي: لو نعلم قتالًا يحصل بينكم وبين العدو، ﴿ لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾، وذهبنا معكم، ولكننا لن نتبعكم لعِلمنا أنه لن يكون هناك قتال، وهم في الحقيقة يعلمون أنه سيحصل قتال؛ لأن المشركين جاؤوا من بلاد بعيدة، وهم يتحرقون غيظًا على المسلمين، بسبب ما أصيب من سراتهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين. وقيل: معنى قولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا ﴾؛ أي: ما هو إلا إلقاء النفس في التهلكة. ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ ﴾ أي: هم للكفر في هذا اليوم أو هذا الوقت الذي انخذلوا فيه عن المسلمين، ورجعوا وبرروا لأنفسهم بقولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾. ﴿ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾، لنفاقهم، ولهذا قال: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾: الجملة: استئنافية لا محل لها، أو في محل نصب على الحال. أي: يقولون قولًا ظاهرًا بأفواههم، أي: بألسنتهم، من دعوى الإيمان والتبرير الكاذب لانخذالهم بقولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾، ونحو ذلك. ﴿ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾: «ما» موصولة، أو نكرة موصوفة، أي: الذي ليس في قلوبهم، أو قولًا ليس في قلوبهم من الكفر، والعلم بأنه سيقع قتال ونحو ذلك؛ لأن القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان. وقيل: إن قوله: ﴿ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾ للتأكيد والمبالغة، كما يقال: «أبصرت بعيني، وسمعت بأذني». ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾: ﴿ أَعْلَمُ ﴾ أفعل تفضيل، و«ما» موصولة، أو مصدرية، أي: بالذي يكتمون أو بكتمانهم، ﴿ يَكْتُمُونَ ﴾: يخفون ويضمرون ويسرون؛ أي: والله أعلم من غيره بالذي يخفون ويضمرون في قلوبهم من الكفر ونحو ذلك؛ ولهذا فضحهم عز وجل، وبيَّن أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾. قوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾ هنا صفة لـ«الذين» في قوله: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾ [آل عمران: 167]. ﴿ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾؛ أي: قالوا لإخوانهم ظاهرًا ممن استشهدوا يوم أُحد؛ لأن المنافقين إخوان في الظاهر للمسلمين، وإن كان بينهم في الباطن أبعد مما بين المشرق والمغرب، وشتان بين أهل الكفر وأهل الإيمان، وقيل: المراد إخوانهم في النسب. واللام في قوله: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ بمعنى: «عن» أو بمعنى: «في»؛ لأن «إخوانهم» هؤلاء قد ماتوا، فالمعنى: قالوا عن إخوانهم أو في إخوانهم؛ أي: بعد ما قتلوا. ﴿ وَقَعَدُوا ﴾: الجملة: في محل نصب على الحال بتقدير «قد»، أي: وقد قعدوا؛ أي: قالوا لإخوانهم حال كونهم قعودًا: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾، فجمعوا بين سوء الفعل بالتخلف عن القتال، وسوء القول بالاعتراض على قضاء الله وقدره. وقيل: جملة ﴿ وَقَعَدُوا ﴾ معطوفة على ﴿ قَالُوا ﴾، فتكون معترضة بين ﴿ قَالُوا ﴾ ومعمولها وهو: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾؛ أي: لو أطاعونا في مشورتنا عليهم بعدم الخروج إلى أُحد، وفي الرجوع وترك القتال. ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾: قرأ هشام عن ابن عامر: «ما قُتِّلوا» بالتشديد، والتقتيل: المبالغة في القتل، وربما المُثلة. وقرأ الباقون بالتخفيف: ﴿ مَا قُتِلُوا ﴾؛ أي: ما قُتلوا مع مَن قُتل، كما لم نقتل نحن، وكأنهم بهذا دفعوا عن أنفسهم الموت، ولهذا قال تعالى: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾: الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: قل يا محمد لأصحاب هذه المقالة. ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ ﴾؛ أي: فادفعوا عن أنفسكم الموت. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في زعمكم أنهم لو أطاعوكم ما قُتلوا، لا تقدرون على ذلك ولا تستطيعونه. وهذا من باب التحدي لهم، أي: لستم بصادقين في أنهم لو أطاعوكم ما قُتلوا، وليس بإمكانكم دفع الموت عن أنفسكم، ولو تخلفتم، فالموت سيأتيكم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 78]. وكما قيل: ومن لم يمُت بالسيف مات بغيره ![]() تعددت الأسباب والموت واحد[4] ![]() ![]() ![]() [1] أخرجه البخاري في الأذان (817)، ومسلم في الطهارة (484)، وأبو داود في الصلاة (877)، والنسائي في التطبيق (1122)، وابن ماجه في إقامة الصلاة (889). [2] انظر: «بدائع التفسير» (1 /527). [3] سبق تخريجه. [4] البيت لابن نباتة السعدي؛ انظر: «الدر الفريد» (7 /447)، «وفيات الأعيان» (3 /193). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#520 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ * الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 164 - 168]. 1- منة الله تعالى العظمى ونعمته الكبرى على المؤمنين ببعث رسول فيهم من أنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾؛ ولهذا أكد عز وجل هذه المنة بالقسم. 2- إثبات رسالة النبي صلى الله عليه وسلم وتشريفه بكونه مبعوثًا من الله تعالى. 3- أن المنة ببعث الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي على المؤمنين خاصة؛ لأنهم هم المتبعون له المنتفعون بهذه النعمة والمنة؛ لقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ الآية، علمًا أنه صلى الله عليه وسلم رسول للناس كافة؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف: 158]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]. 4- أن من عِظم المنة ببعث الرسول صلى الله عليه وسلم في المؤمنين، كونه منهم؛ يعرفونه ويعرفهم، ويفهمون عنه كلامه؛ لقوله تعالى: ﴿ منهم ﴾. 5- وجوب شكر نعمة الله تعالى علينا وفضله ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم، بطاعة الله - عز وجل - واتباع رسوله صلى الله عليه وسلم. 6- لا ينبغي أن يُدل الإنسان بإيمانه أو بعمله على الله تعالى؛ لأن المنة في هداية من اهتدى للإيمان، إنما هي لله عز وجل؛ ولهذا قال عز وجل ردًّا على الأعراب: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الحجرات: 17]. 7- أن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم تبليغ رسالة ربه بتلاوة آيات الله على من أرسل إليهم، وتطهيرهم من الأرجاس المعنوية والحسية، وتعليمهم الكتاب والحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾. 8- جواز إضافة الشيء إلى سببه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾، فأضاف التزكية - وهي التطهير - إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو سبب لذلك، والمزكي والمطهر حقًّا هو الله - عز وجل - كما قال تعالى: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]. 9- أن بالإيمان زكاء النفوس وطهارتها، كما أن في الوضوء والغسل طهارة الأبدان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾. 10- قيام الإسلام في دعوته على العلم، وعلى تزكية النفوس، والطهارة المعنوية والحسية؛ لقوله تعالى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾، وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾. 11- أن الناس قبل بَعثته صلى الله عليه وسلم كانوا في ضلال مبين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾، وفي هذا زيادة لمنة الله تعالى على المؤمنين ببعثه صلى الله عليه وسلم، وهدايتهم به من الضلال المبين. 12- توبيخ الله تعالى للذين قالوا لما أُصيبوا يوم أُحد ﴿ أَنَّى هَذَا ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا ﴾. 13- تسلية المؤمنين، وتخفيف مصابهم في أُحد، بتذكيرهم ما أصابوا من عدوهم في بدر؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ﴾، وأن ما أصابهم بقضاء الله وقدره؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. 14- ينبغي مقارنة ما يحصل مِن مِحَن ورزايا بما يقابل ذلك - مما هو أعظم - من منح وعطايا؛ فإن هذا مما يعين على تحمل المصائب، ويهوِّن وَقْعَها، وأحرى بشكر النعم وعدم كفرها؛ لقوله تعالى: ﴿ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ﴾. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «انظروا لمن هو دونكم، ولا تنظروا لمن هو فوقكم، فإن ذلك أحرى ألا تزدروا نعمة ربكم»[1]. 15- أن ما أصاب المسلمين يوم أُحد من الهزيمة إنما هو من عند أنفسهم، أي: بسبب منهم، وهو العصيان والمخالفة. 16- أن ما يصيب الناس من المصائب إنما هو بسبب أنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ [النساء: 79]، وفي هذا إثبات الأسباب. 17- إثبات صفة القدرة التامة لله - عز وجل – وأنه – سبحانه - ذو قدرة تامة على كل شيء وتأكيد ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. 18- في ختم الآية بهذه الجملة ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: دلالة على قدرة الله تعالى التامة على نصر مَن يشاء بفضله، وخِذلان من يشاء بعدله، وله الحكمة في ذلك، ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23]. 19- لا تنافي بين كون مصاب المؤمنين سببه من عند أنفسهم بما حصل منهم من العصيان والمخالفة، وكون ذلك بإذن الله؛ أي: بقضاء الله وقدره. 20- أن كل ما يجري في الكون من المصائب وغيرها، كل ذلك بقضاء الله تعالى الكوني؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. 21- أن الله - عز وجل - قد يقدِّر المصيبة على المؤمن؛ لأسباب وحِكَمٍ يَعلَمها. 22- أن من حكمة مصاب المؤمنين يوم أُحد أن يتميز ويظهر المؤمنون حقيقةً من المنافقين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾. 23- إثبات النفاق، وقدَّمه في هذه الأمة، ولم يبرز إلا في المدينة، لما قويت شوكة المسلمين، فأصبح أناس يظهرون الإسلام نفاقًا، ويبطنون الكفر خوفًا من المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ﴾. 24- نكوص المنافقين عن القتال في سبيل الله، والدفاع عن الأنفس والحرمات والأوطان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ﴾. 25- أن من لم يرغب في القتال في سبيل الله بنية خالصة، فلا يُعذَر في ترك الدفاع عن الحرمات والأوطان؛ لقوله تعالى: ﴿ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ﴾. 26- فعل أدنى المصلحتين للعجز عن أعلاهما؛ لأن المنافقين أُمروا أن يقاتلوا في سبيل الله، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن الحرمات والأوطان. 27- تبرير المنافقين لموقفهم المخزي في النكوص عن القتال بالكذب الذي لا يمكن تصديقه، ولا ينطلي على أحد؛ لقولهم: ﴿ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾. 28- أن ما حصل من المنافقين يوم أُحد من النكوص عن القتال، ومن الاعتراض على قضاء الله وقدره، ونحو ذلك - يدل على أنهم وإن كانوا في الظاهر من المؤمنين، فهم للكفر أقرب منهم للإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾. 29- تعليم الاحتراس في الحكم على الأشخاص؛ لقوله تعالى: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾؛ ولهذا لا ينبغي الحكم من بعض الظواهر على ما في البواطن. 30- تذبذُب المنافقين بين الإيمان والكفر، وبين أهل الإيمان وأهل الكفر؛ كما قال تعالى: ﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ﴾ [النساء: 143]. 31- أن الكفر والإيمان صنوان؛ لقوله تعالى: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾. 32- الإشارة إلى أن الإيمان يزيد وينقص، كما أن الكفر يزيد وينقص، وأنهما مراتب، وأن الإنسان قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان، وأن الإنسان قد يكون فيه خصلة كفر وخصلة إيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾. 33- فضح المنافقين، وأن ما في قلوبهم يخالف ما يقولونه بأفواههم؛ لقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾. 34- أن القول باللسان لا ينفع دون مواطأة القلب لذلك، فمن أظهر الإيمان بقوله، أو بقوله وفعله، دون اعتقاد ذلك في قلبه، فليس بمؤمن؛ لقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ﴾ [المائدة: 41]، وقال تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [المنافقون: 1]، فشهد عز وجل بكذبهم لقولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. 35- أن القول عند الإطلاق ما تواطأ عليه القلب واللسان؛ لقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾. 36- أن الله تعالى أعلم من غيره بما يكتمه المنافقون، ويخفونه مما يخالف ما يظهرون؛ ولهذا فضحهم وأظهر نفاقهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ﴾. 37- اعتراض المنافقين على قضاء الله وقدره؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾. 38- أن المنافقين في الظاهر إخوان للمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾. 39- جمع المنافقين بين الفعل القبيح بالقعود عن القتال، والقول القبيح بالاعتراض على قدر الله، والتثبيط عن القتال في سبيله. 40- تحدي المنافقين الذين قالوا لإخوانهم: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، بدفع الموت عن أنفسهم، إن كانوا صادقين في مقالتهم هذه؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وفي هذا تأكيد وتحقيق لكذبهم. 41- أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلِّغ عن الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. 42- أن ما قدَّر الله تعالى نافذ لا محالة، ولا يمكن ردُّه بحال من الأحوال. [1] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق (2963)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#521 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 169- 175]. قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾. ذكر الله - عز وجل - في الآيات السابقة ما يدل على جبن المنافقين، وحبهم للحياة، وخوفهم من الموت، وظنهم أن الحذر ينجي من القدر، وأن القتل في سبيل الله خسارة، ثم ذكر في هذه الآية وما بعدها إلى قوله: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، فضل الشهادة في سبيل الله، وما أعده الله للشهداء في الحياة البرزخية الكريمة عنده من ألوان النعيم الذي لا يناله سواهم، والذي يغبطهم عليه من مات على فراشه من الجبناء، إضافة إلى ما في الآيات من تعزية وتسلية للمسلمين بقتلاهم. سبب النزول: عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما أُصيب إخوانكم بأُحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نُرزق؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عند الحرب، فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ إلى آخر الآية»[1]. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾»[2]. قوله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾، قرأ ابن عامر: «قُتِّلوا» بالتشديد. وقرأ الباقون: ﴿ قُتلوا ﴾ بالتخفيف. والخطاب في قوله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ ﴾: للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل من يصلح خطابه، والمعنى: ولا تظنن. ﴿ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾؛ أي: الذين قُتلوا في الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله»[3]. وهذا عام لكل من قُتل في سبيل الله في «بدر» أو في «أُحد»، أو في غير ذلك. و﴿ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: دينه وطريقه وشرعه. ﴿ أمواتًا ﴾: مفعول ثان لـ«تحسب»، ومفعولها الأول: الاسم الموصول ﴿ الذين ﴾؛ أي: لا تظنن الذين قتلوا في الجهاد لإعلاء كلمة الله أمواتًا، ولا يخطر ذلك ببالك. ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾، ﴿ بل ﴾: للإضراب الانتقالي، ﴿ أَحْيَاءٌ ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، أي: بل هم أحياء، أي: بل هم - وإن ماتت أبدانهم - أحياء بأرواحهم حياة برزخية خاصة بهم، بها يحسون ويتلذذون ويتنعمون ويشعرون. ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ بالقرب منه في دار كرامته؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش تَسرَح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل»؛ الحديث[4]. ﴿ يُرْزَقُونَ ﴾: الرزق: العطاء، أي: يُعطون رزقهم في الجنة، فعن مسروق قال: سألنا عبدالله عن هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾، قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: «أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش، تَسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطَّلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يُتركوا مِن أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نُقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُرِكوا»[5]. قوله تعالى: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾. قوله: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ﴿ فَرِحِينَ ﴾: حال. والفرح: السرور، وهو دليل كمال الرضا، أي: مسرورين مغتبطين. ﴿ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ ﴾، «ما»: موصولة تفيد العموم، أي: بالذي أعطاهم الله، من ألوان النعيم، الذي لا يعلم وصفه إلا من أنعم به عليهم، حسنًا وكثرة وعظمة ولذة، من غير مكدر ولا منغِّص. ﴿ مِنْ فَضْلِهِ ﴾، ﴿ من ﴾: للسببية، أي: بسبب تفضُّله عليهم، وزيادته لهم مما لم يستحقوه بعملهم، لكن بتفضله - عز وجل - عليهم، وبهذا جمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم القلب والروح بالفرح بما آتاهم من فضله. ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾: معطوف على ﴿ فرِحين ﴾، أو على ﴿ يُرْزَقُونَ ﴾، أي: فتم لهم النعيم والسرور، وجعلوا يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم. وقوله: ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ ﴾؛ أي: يبشر بعضهم بعضًا. والبشارة: الإخبار بما يسر، مأخوذة من البشرة؛ لأن الإنسان إذا بشِّر بما يسرُّه استنارت بشرته. ﴿ بِالَّذِينَ ﴾؛ أي: بإخوانهم المجاهدين الذين ﴿ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾؛ أي: الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم، ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾؛ أي: من بعدهم، أي: ينتظرون قتلهم في سبيل الله ولحوقهم بهم؛ لينالوا ما نالوه من الشهادة والمنزلة الرفيعة، والثواب العظيم. ﴿ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ الجملة في محل جر بدل من قوله: ﴿ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ ﴾؛ أي: بأن لا خوف عليهم؛ أي: ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ بأن لا خوف عليهم، و﴿ أَلَّا ﴾ أصلها: «أن لا» أدغمت «أن» المصدرية بـ«لا» النافية. وقوله: ﴿ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾؛ أي: فيما يُستقبل من أمرهم. ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾: معطوف على ما قبله، أي: ولا هم يحزنون على ما مضى من أمرهم، ولا على ما خلفوه وراءهم. وبانتفاء الخوف والحزن عنهم، يتم لهم الفرح والسرور، بحصول المطلوب من النعيم الحسي والمعنوي، وزوال المرهوب من الخوف والحزن. قوله تعالى: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. ذكر عز وجل في الآية السابقة فرح الذين قُتلوا في سبيل الله بما أعطاهم الله من فضله، واستبشارهم بالذين لم يَلحقوا بهم من إخوانهم، ثم أتبع ذلك بذكر استبشارهم بما هو أعظم؛ أي: بنعمة من الله وفضل وما ادَّخر الله لهم من عظيم الأجر. قوله: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ الجملة: استئنافية. ﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾؛ أي: يبشر بعضهم بعضًا، ويهنِّئ بعضهم بعضًا، بنعمة من الله وتفضل وزيادة منه تعالى من النعم والفضل العظيم في جنات النعيم. ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: قرأ الكسائي بكسر همزة «إنَّ»: «وإنَّ الله» فتكون الجملة: استئنافية، وقرأ الباقون بفتحها: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ ﴾، فتكون معطوفة على «نعمة» أي: وبأن الله لا يضيع أجر المؤمنين؛ أي: لا يضيع ثواب أعمالهم فيتركها سُدًى، بل يشكرهم عليها وينميها لهم، ويجازيهم عليها أعظم الجزاء، وسمى ثوابهم أجرًا؛ لأن الله ضمنه وتكفل به لهم. قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾. عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لما انصرف المشركون عن أُحد وبلغوا الروحاء[6]، قالوا: لا محمدًا قتلتموه، ولا الكواعب أردفتم، وبئس ما صنعتم، ارجعوا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فندب الناس، فانتدبوا، حتى بلغوا حمراء الأسد[7]، وبئر أبي عتبة، فأنزل الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ﴾»[8]. وعن عائشة رضي الله عنها: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ قالت لعروة: يا بن أختي، كان أبواك منهم، الزبير وأبو بكر، لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أُحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، قال: «من يذهب في إثرهم»، فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال: كان فيهم أبوبكر والزبير»[9]. قال ابن القيم[10]: «ولما انقضت الحرب انكفأ المشركون، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة لإحراز الذراري والأموال، فشقَّ ذلك عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإنْ هُمْ جنَّبوا الخيل وامتطوا الإبل، فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل، وساقوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده، لئن أرادوها لأسيرن إليهم، ثم لأُنحرن فيها، قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون، فجنَّبوا الخيل وامتطوا الإبل، ووجَّهوا إلى مكة ولما عزموا على الرجوع إلى مكة، أشرف على المسلمين أبو سفيان، ثم ناداهم: موعدكم الموسم ببدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا: نعم، قد فعلنا، قال أبو سفيان: فذلكم الموعد، ثم انصرف هو وأصحابه، فلما كان في بعض الطريق، تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنادى في الناس وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم، وقال: لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، فقال له عبدالله بن أبي: أركب معك، قال: لا. فاستجاب له المسلمون على ما بهم من القرح الشديد والخوف، وقالوا: سمعًا وطاعة، واستأذنه جابر بن عبدالله، وقال: يا رسول الله، إني أحب ألا تشهد مشهدًا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته، فأذن لي أسير معك، فأذن له، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد، وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيُخذِّله، فلحقه بالروحاء - ولم يعلم بإسلامه - فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال: محمد وأصحابه قد تحرَّقوا عليكم وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم، فقال: ما تقول؟ فقال: ما أرى أن ترتحل حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة، فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم، قال: فلا تفعل؛ فإني لك ناصح، فرجعوا على أعقابهم إلى مكة». قوله: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾، ﴿ الَّذِينَ ﴾: اسم موصول في محل جر صفة لـ﴿ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ في قوله: ﴿ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، وقد يكون في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين استجابوا لله والرسول. ومعنى ﴿ اسْتَجَابُوا ﴾: أجابوا، والسين والتاء؛ للتأكيد والمبالغة؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبًا، أي: أجابوا دعوة الله تعالى وانقادوا لأمره. ﴿ وَالرَّسُولِ ﴾ الواو: عاطفة، وحذف الفعل واللام من المعطوف، فلم يقل: «واستجابوا للرسول» في إشارة إلى أن الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم استجابة لله تعالى، كما أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أمر لله تعالى، أي: الذين استجابوا وانقادوا لأمر الله والرسول صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى الخروج، والذي أمرهم بذلك هو الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى له. و«أل» في الرسول للعهد الذهني، أي: الرسول المعهود بالأذهان محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف وأبو بكر عن عاصم: «القُرح» بضم القاف، وقرأ الباقون بفتحها: «القَرح»، و«ما»: مصدرية، أي: من بعد إصابة القرح لهم. وهو ما حصل لهم في أُحد من القتل والجراح، والتعب والألم النفسي؛ حيث قُتل منهم سبعون، وجُرح النبي صلى الله عليه وسلم، وشُجَّ في وجهه، وكُسرت رَباعيته، وغير ذلك. ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ ﴾، أي: للذين أحسنوا بالاستجابة لله والرسول، واتباع أمر الله تعالى ورسوله. ﴿ وَاتَّقَوْا ﴾؛ أي: واتقوا الله تعالى بترك مخالفة أمر الله تعالى ورسوله. ﴿ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾؛ أي: ثواب عظيم من حيث كمُّه وكيفه ونوعُه، وغير ذلك، لا يقدر قدرَ عظمته إلا مَن وصفه بأنه «عظيم»، وهو العظيم سبحانه وتعالى. قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾. لما ثَنَى معبدُ أبا سفيان ومن معه كما تقدم، مرَّ بأبي سفيان ركب من عبدالقيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولمَ؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلِّغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدًا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد جمعنا المسير إليه، وإلى أصحابه لنستأصل بقيَّتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾»[11]. قوله: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾: صفة ثانية للمؤمنين، والمراد بالناس هنا الركب الذين أوصاهم أبو سفيان من عبدالقيس فيهم نعيم بن مسعود الأشجعي. ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾ المراد بـ﴿ النَّاسَ ﴾ هنا أبو سفيان ومن معه من المشركين، ﴿ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾؛ أي: جمعوا لكم الجموع من الرجال والعدة والعتاد للكرة عليكم واستئصال بقيتكم. ﴿ فَاخْشَوْهُمْ ﴾ الفاء: عاطفة؛ لربط السبب بالمسبب، أي: فخافوهم واحذروهم، فإنه لا طاقة لكم بهم. ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ﴾ الفاء: عاطفة، أي: فزادهم هذا القول إيمانًا إلى إيمانهم، ولم يَثنهم ذلك عن المضي قدمًا لما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا فإن المصائب تلو المصائب تمحص المؤمنين وتزيدهم إيمانًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141]. ولهذا لما رأى المؤمنون الأحزاب يوم الخندق قد حاصروا المدينة، قالوا: ﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 22]. ﴿ وَقَالُوا ﴾ ثقة بالله، وتوكلًا عليه. ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ ﴾، «الحسب» بمعنى «الكافي»؛ أي: كافينا الله إياهم، وكافينا كل شيء، ومهما جمعوا لنا من جموع، فلا نخشى سوى الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 64]. ﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾: الوكيل: اسم من أسماء الله - عز وجل - أي: الوكيل على خلقه، ومعناه: المفوض إليه أمور خلقه القائم بمصالحهم الذي يُعتمد عليه في دفع الضر وجلب النفع، الكافي لمن توكل عليه، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: ونعم الوكيل الله، أو هو. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾، قالها إبراهيم - عليه السلام - حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾[12]. وعن عائشة - رضي الله عنها - «أنها تفاخرت هي وزينب - رضي الله عنهما - فقالت زينب: زوجني الله، وزوجكنَّ أهاليكن، وقالت عائشة: أنزلت براءتي من السماء في القرآن، فسلَّمت زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل؟ فقالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت زينب: قلتِ كلمة المؤمنين»[13]. قوله تعالى: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾؛ أي: فرجعوا عائدين إلى المدينة بعد أن بلغوا حمراء الأسد، وأقاموا بها ثلاثة أيام، وبعد أن تأكدوا من رجوع أبي سفيان وأصحابه إلى مكة. ﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: حيث كفاهم من ملاقاة العدو والقتال. ﴿ وَفَضْلٍ ﴾؛ أي: وتفضُّل وزيادة من الله تعالى لهم بأن كتب لهم أجر هذه الغزوة وثوابها تامًّا دون قتال. وفضل الله واسع، فإن من نوى عملًا وحال العذر بينه وبين ذلك العمل، فإن الله يكتب له أجر ذلك العمل تامًّا. ﴿ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ ﴾؛ أي: لم يُصبهم أي سوء، لا من قتل ولا جراح ولا أي أذى. ﴿ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم بضم الراء: «رُضوان»، وقرأ الباقون بكسرها: ﴿ رِضْوَانَ ﴾؛ أي: واتبعوا ما يرضي الله تعالى باستجابتهم لله تعالى والرسول، واستكفائهم بالله وتوكلهم عليه، فحصل لهم السلامة من ملاقاة العدو والقتال، والفوز برضوان الله تعالى بالاستجابة له وطاعته والتوكل عليه، وهو كما يقال: «غنيمة باردة». ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾؛ أي: صاحب فضل عظيم على عباده، ومن ذلك تفضله - عز وجل - على المؤمنين بأن صرف عدوَّهم عنهم، فرجعوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، وكتب لهم أجر هذه الغزوة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. قوله: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾، ﴿ إِنَّمَا ﴾: أداة حصر، وهي كافة ومكفوفة، أي: دخلت فيها «ما» النافية على «إنَّ» المؤكدة، فكفَّتها عن العمل. والإشارة في قوله: ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ إلى ما قيل لهم: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ﴾، أو إلى من قال ذلك، أو إلى الأمرين معًا. والخطاب للمؤمنين، والميم للجماعة. ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾، ﴿ يُخَوِّف ﴾: ينصب مفعولين، الأول محذوف، والتقدير: يخوفكم، والمفعول الثاني: ﴿ أَوْلِيَاءَهُ ﴾؛ أي: يخوفكم أولياءه المشركين، أي: يوهمكم أنهم ذوو بأس وقوة وشدة، ويعظمهم في نفوسكم؛ لتخافوهم، وتتركوا الجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب تخويف الشيطان لكم. وأولياء الشيطان هم أتباعه وحزبه من المشركين، وأهل الكفر والمعاصي. ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ ﴾: الفاء: رابطة لجواب شرط مقدَّر، و«لا»: ناهية، أي: فلا تخافوا أولياء الشيطان، فتتركوا الجهاد خوفًا منهم، فنواصيهم بيدي، وهم أذل وأحقرُ وأضعف من أن تخافوهم. ﴿ وَخَافُونِ ﴾؛ أي: وخافوني وحدي، فأطيعوني، ولا تخالفوا أمري، وأنا أكفيكم إياهم؛ كما قال تعالى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ [الزمر: 36]. ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾: جملة شرطية، وجواب الشرط دل عليه ما قبله، أي: إن كنتم مؤمنين فلا تخافوهم وخافوني؛ لأن الإيمان يقتضي إيثار خوف الله تعالى على خوف غيره. [1] أخرجه أحمد (1/ 265-266)، وأبو داود في الجهاد (2520)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 228)، والحاكم في الجهاد (2/ 88)، وفي التفسير (2/ 297). [2] أخرجه الحاكم وقال: «صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وانظر: «تفسير ابن كثير» (2/ 141). [3] سبق تخريجه. [4] سيأتي تخريجه بتمامه. [5] أخرجه مسلم في الإمارة، بيان أن أرواح الشهداء في الجنة (1887)، والترمذي في التفسير (301)، وابن ماجه في الجهاد (2801)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 228-229، 235). [6] الروحاء قرية بين مكة والمدينة تبعد عن المدينة نحو ثلاثة وسبعين كيلًا. [7] حمراء الأسد موضع على ثمانية أميال من المدينة. [8] أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير- قوله: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ [آل عمران: 174]، (11083)، وأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 816) عن عكرمة مرسلًا، وقال ابن حجر في «فتح الباري» (8/ 77): «رجاله رجال الصحيح إلا أن المحفوظ إرساله عن عكرمة ليس فيه ابن عباس». [9] أخرجه البخاري في المغازي، باب ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [آل عمران: 172] (4077). [10] في «زاد المعاد» (3/ 241-242)، وانظر: «بدائع التفسير» (1/ 528-529)، «جامع البيان» (6/ 240) وما بعدها، «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 121). [11] انظر: «جامع البيان» (6/ 248)، «السيرة النبوية» لابن هشام (1/ 121)، «زاد المعاد» (3/ 242)، «بدائع التفسير» (1/ 529-530). [12] أخرجه البخاري في التفسير (4563). [13] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (17/ 194-195)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (6/ 25). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#522 |
![]() ![]() ![]()
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ * الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 169- 175]. 1- أن من قتلوا في سبيل الله، فليسوا بأموات، بل أحياء عند ربهم حياة برزخية خاصة ولا ينبغي أن يظن بأنهم أموات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ﴾. 2- فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله؛ لعِظم ما أعد الله لمن قتل في سبيله عنده من الرزق والفضل وألوان النعيم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ الآيات. وعن أنس - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من عبد يموت له عند الله خير يسرُّه أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا فيُقتَل مرة أخرى»[1]. وعن جابر - رضي الله عنه - قال: لما قُتل أبي يوم أُحد، جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينهوني، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يَنْهَ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تبكيه، أو ما تبكيه، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رُفع»[2]. وعنه - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما علمت أن الله أحيا أباك، فقال له: تمنَّ عليّ، فقال له: أرد إلى الدنيا، فأقتل مرة أخرى، فقال: إني قضيت الحكم، أنهم إليها لا يرجعون»[3]. وفي رواية عنه - رضي الله عنه - قال: «لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: «يا جابر، ما لي أراك منكسرًا»؟ قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك عيالًا ودَينًا، قال: «أفلا أبشرك بما لقي الله به أباك»؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: «ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وأحيا أباك فكلمه كفاحًا، فقال: يا عبدي، تمنَّ عليَّ أُعطِك، قال: تحييني فأُقتل فيك ثانية، قال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني أنهم لا يرجعون، وأنزلت هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾»[4]. 3- تسلية الأحياء عن قتلاهم وتعزيتهم، وتنشيطهم للقتال والتعرض للشهادة. 4- إثبات أن الأنبياء أحياء عند ربهم حياة برزخية بأرواحهم؛ لأنه إذا ثبت هذا للشهداء، فالأنبياء من باب أَولى؛ لأن مرتبة الأنبياء أعلى من مرتبة الشهداء، مع ما خصَّ الله تعالى به الأنبياء من تحريم أجسادهم على الأرض[5]. كما أن في الآية إبطالًا لمن زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره، محتجًّا بالآية، وبأن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الشهادة، ولا إشكال في أن مرتبة النبوة أعلى من مرتبة الشهادة، والآية إنما فيها دلالة على حياة الشهداء حياة برزخية بأرواحهم فقط دون حياة أبدانهم، فكيف يستدل بها على حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره ببدنه، والصحيح أن حياة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي حياة برزخية حياة الروح فقط. 5- إثبات نعيم البرزخ، وعِظم ما أعده الله للشهداء في حياتهم البرزخية من علو درجتهم عنده في دار كرامته وقربهم منه، ورزقهم، وفرحهم واستبشارهم بمن سيلحق بهم من إخوانهم، وسلامتهم من الخوف والحزن، واستبشارهم بنعمة من الله وفضل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. وبهذا جمع الله لهم بين نعيم البدن بالرزق، ونعيم الروح بالفرح والاستبشار، والأمن من الخوف والحزن، بين النعيم الحسي، والنعيم المعنوي، بين حصول المطلوب، وزوال المرهوب. 6- تلاقي أرواح الشهداء وتبشير بعضهم بعضًا. 7- ينبغي نسبة النعم إلى مسديها وهو الله - عز وجل - وإسناد الفضل إليه، فهو أهل الفضل سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، فمنه - عز وجل - جميع النعم، وهو صاحب الفضل كله. 8- تكفل الله - عز وجل - بأجر المؤمنين وضمانه لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، فأخبر بعدم إضاعة أجرهم، وسماه «أجرًا» تأكيدًا لضمانه لهم؛ كما قال تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 172]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [التوبة: 120]، وقال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ [آل عمران: 195]. 9- في قوله تعالى: ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، مع الشهادة بإيمان هؤلاء - إشارة إلى أن كل عمل من جهاد وغيره، فهو مبني على أصل الإيمان، كما أن فيه إشارة إلى واسع رحمة الله تعالى وفضله، بعموم هذا الوعد لجميع المؤمنين مَن قَاتل أو قُتل في سبيل الله، ومن لم يُقاتل. 10- ثناء الله تعالى على الصحابة - رضي الله عنهم - باستجابتهم لله والرسول بالخروج إلى المشركين بعد أُحد مع ما هم فيه من المصاب العظيم، والإحسان والتقوى وزيادة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾. 11- أن الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم استجابة لله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ مع حذف العامل: «استجابوا»، واللام من المعطوف، وهو قوله: ﴿ وَالرَّسُولِ ﴾. 12- جواز عطف اسم الرسول صلى الله عليه وسلم أو وصفه على اسم الله تعالى بالواو التي تقتضي التشريك، في باب التشريع والأمر والنهي والطاعة والمعصية والاستجابة، ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾. 13- أن المؤمن حقًّا يزداد بالمصائب ثباتًا ورسوخًا وإقدامًا وإيمانًا. 14- أن استجابة الصحابة - رضي الله عنهم - لله والرسول من الإحسان والتقوى؛ لقوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. 15- عِظم ما أعدَّه الله تعالى للذين أحسنوا واتقوا من الأجر؛ لأن الله وصفه بأنه ﴿ عَظِيمٌ ﴾، ولا يقدر عظمة هذا الأجر إلا العظيم سبحانه، وفي هذا ترغيب بالإحسان والتقوى. 16- قوة إيمان الصحابة - رضي الله عنهم - ويقينهم وتوكُّلهم على الله تعالى، وخشيتهم منه وحده، واستكفاؤهم به وحده، وعدم خشيتهم من الناس؛ لقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾. 17- إثبات زيادة الإيمان ونقصانه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾. 18- ينبغي التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه وخشيته دون سواه، والحذر من المرجفين. 19- أن المصائب والشدائد تمحِّص الناس، وتزيد في الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. 20- أن الله تعالى هو الحسب والكافي وحده، فمن استكفاه كفاه، وحفظه ووقاه من جميع الشرور، ولو اجتمع عليه جميع الخلق ما نالوه بسوء؛ لقوله تعالى: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾، وقوله: ﴿ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. 21- أن الله - عز وجل - نعم «الوكيل» الموكول إليه شؤون خلقه، الكافي لمن توكل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾. 22- إثبات اسم الله تعالى: ﴿ الْوَكِيلُ ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. 23- استحباب قول هذه الكلمة ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾، وبخاصة عند الغم والأمور العظيمة؛ لما لها من الأثر العظيم فقد قالها إبراهيم - عليه السلام - حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ ﴾. فجعل الله النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وانقلب محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. 24- تحصيل الصحابة - رضي الله عنهم - باستجابتهم لله والرسول، واستكفائهم بالله - عز وجل - وتوكُّلهم عليه المصلحتين معًا؛ الأولى رجوعهم بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء، والثانية اتباعهم رضوان الله تعالى. فسلموا من مُلاقاة العدو والحرب، ونالوا أجر هذه الغزوة، وفازوا باتباع رضوان الله باستجابتهم لله والرسول، ومَن اتَّبع رضوان الله أثابه الله وأكرمه. 25- نعمة الله تعالى على هؤلاء بتسليمه لهم من الحرب ولقاء العدو، وتفضُّله عليهم بأجر هذه الغزوة دون عناء أو قتالٍ. 26- إثبات صفة الرضا لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾، وهو من الصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة. 27- أن الله - عز وجل - صاحب الفضل العظيم على الخلق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾. 28- تحقير وتهوين أمر الشيطان، وإرجافه بالتخويف من أوليائه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾. 29- عداوة الشيطان للمؤمنين، ودفاعه عن أوليائه الكافرين، بتخويف المؤمنين منهم. 30- يجب ألا يخاف المؤمنون من أولياء الشيطان؛ لضعف كيده وإياهم، ويجب عليهم الخوف من الله وحده؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 76]. 31- أن من شرط صحة الإيمان أن لا يخاف المؤمن إلا من الله؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾. [1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (2795)، ومسلم في الإمارة (1877)، وأحمد (3/ 126). [2] أخرجه البخاري في المغازي، غزوة أُحد (4080). [3] أخرجه أحمد (3/ 361)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 231)، و«الحاكم» (2/ 119-220). [4] أخرجه الترمذي في تفسير القرآن (3010)، وابن ماجه في المقدمة (190)، وفي الجهاد، فضل الشهادة في سبيل الله (2800)، وابن حبان (15/ 490)، والحاكم (2/ 203)، وقال الترمذي: «حسن غريب». [5] سبق تخريجه. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 1924 | 08-24-2026 04:51 AM |
| منهاج السنة النبوية ( لابن تيمية الحراني )**** متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم الفرق والنحل | 42 | 07-13-2026 02:47 PM |
| تفسير سورة المائدة تفسير السعدي(من كتاب تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 3 | 12-26-2025 02:48 PM |
| كتاب تفسير توفيق الرحمن في دروس القرآن | أبوالنور | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 07-24-2024 04:32 PM |
|
|