استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 01-20-2026, 02:14 AM   #37

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 400 الى صـــ 415
الحلقة (36)





الخامس بعد الثلاثين: اختلف في ضبط (الأريسيين) على أوجه:
أحدها: بيائين بعد السين.
وثانيها: بياء واحدة والهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة في كلا الوجهين.
وثالثها: بهمزة مكسورة وتشديد الراء وياء واحدة بعد السين، ووقع في إحدى روايتي البخاري ومسلم (١)، (…) (٢) وهو ما عزاه النووي وغيره إلى البخاري هنا (٣) بفتح الياء وكسر الراء وبالسين المهملة، ويجوز أن تكون بدلًا من الهمزة في أدنى وبرئ. قَالَ: والهمزة أكثر استعمالًا عند أهل اللغة وفي روايات أهل الحديث (٤).
قَالَ ابن الأعرابي: يقال: أَرَس يَأْرِس أَرْسًا، فهو أَرِيس، وأَرَّس يُؤَرِّس تَأْريسًا، فهو إِريِّس والجمع: أريسيون وأرارسة غيره، وأراريس وأرارس.
قَالَ في «الصحاح»: وهي شامية. قَالَ: ويقولون للأريس: أريسي، وفي «الجامع» وزن أريس: فعيل. ولا يمكن أن تكون الهمزة فيه أصلية؛ لأنه كان تبقى عينه وفاؤه من لفظٍ واحدٍ، وهذا لم يأت في كلامهم في أحرف يسيرة نحو كوكب وديدن، وددن، وبابوس. وقال ابن فارس: الهمزة والراء والسين ليست عربية (٥).
واختلف في المراد به هنا، والصحيح المشهور أنهم الأكارون. أي:

------------------
(١) مسلم (١٧٧٣) من طريق صالح، وزاد: «إثم اليريسيين».
(٢) بياض بالمخطوط قدر كلمتين.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٩.
(٤) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٩.
(٥) «مقاييس اللغة» ص ٥١، مادة: (أرس).



الفلاحون الزراعون، أي: عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك. ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا؛ لأنهم الأغلب في رعاياهم، وأسرع انقيادًا. أي: أكثر تقليدًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا.
وقد جاء مصرحًا به في «دلائل النبوة» للبيهقي (١) والطبري (٢)؛ «فإن عليك إثم الأكارين». ولأبي عبيد: «وإن لم تدخل في الاسلام فلا تَحُل بين الفلاحين والإسلام» (٣).
والبرقاني يعني: الحراثين.
وللإسماعيلي: «فإن عليك إثم الركوسيين»، وهم أهل دين من النصارى والصابئين، يقال لهم: الركوسية.
وكتب معاوية إلى الطاغية ملك الروم لما بلغه أنه يريد قصد بلاد الشام أيام صفين: تالله لئن هممت على ما بلغني، وذكر كلامًا، ثم قَالَ: ولأردنك أريسًا من الأراسة ترعى الدوائل. يعني: ذكور الخنازير.
ويقال: إن الأريسيين الذين كانوا يحرثون أرضهم كانوا مجوسًا، وكان الروم أهل كتاب، فيريد: أن عليك مثل وزر المجوس إن لم تؤمن وتصدق.
وقال أبو عبيد: هم الخدم والخول (٤). يعني: بصدهم إياهم عن الدين كما قَالَ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] أي: عليك مثل إثمهم، حكاه ابن الأثير (٥).

---------------------
(١) «دلائل النبوة» ٤/ ٣٨٤.
(٢) «تاريخ الطبري» ٢/ ١٣٠.
(٣) «الأموال» (٥٥).
(٤) «الأموال» (٥٦).
(٥) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣٨.



وقيل: هم المتخيرون. قَالَ القرطبي: فعلى هذا يكون المراد: عليك إثم من تكبر على الحق (١).
قَالَ ابن سيده: الأريس: الأكار. عند ثعلب، والأرشج: الأمير عند كُراع، والأصل عنده (رئيس) (٢) فعيل من الرياسة (٣)، فقلت: وفي «الجامع»: الأريس: الزارع، وعند قوم: الأمير، كأنه من الأضداد، وقيل: هم اليهود والنصارى، أتباع عبد الله بن أريس الذي ينسب إليه الأروسية من النصارى رجل كان في الزمن] (٤) الأول، قَتَلَ هو ومن معه نبيًا بعثه الله إليهم.
قَالَ أبو الزناد: حذره النبي - ﷺ - إذ كان رئيسًا متبوعًا مسموعًا أن يكون عليه إثم الكفر وإثم من عمله واتبعه. قَالَ - ﷺ -: «من عمل سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة» (٥).
السادس بعد الثلاثين: قوله: و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ تعالَوا هو بفتح اللام وأصله تعاليوا، لأن الأصل في الماضي تعالى، والياء منقلبة عن واو؛ لأنه من العلو، فأبدلت الواو ياء لوقوعها رابعة، ثم أبدلت الياء ألفًا، فإذا جاءت واو الجمع حذفت

----------------------
(١) «المفهم» ٣/ ٦٠٩.
(٢) في الأصل: أريس والمثبت من «المحكم».
(٣) «المحكم» ٨/ ٣٥٩.
(٤) هنا ينتهي السقط والمثبت من (ج).
(٥) رواه مسلم (١٠١٧) كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار. من حديث جرير بن عبد الله. ولفظه: «من سن في الاسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».



لالتقاء الساكنين وبقيت الفتحة تدل عليها، تقول للرجل إذا دعوته: تعال. وللرجلين: تعاليا. وللجماعة: تعالوا. وللمرأة: تعالي. وللمرأتين: تعاليا. وللنسوة: تعالين. بفتح اللام في جميع ذَلِكَ.
وقوله: (و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ هذِه الواو ثبتت في (رواية عبدوس والنسفي والقابسي، وسقطت في) (١) رواية الأصيلي وأبي ذر كما نبه عليه القاضي قَالَ: وقد اختلف المحدثون فيما وقع من الأوهام في نص التلاوة فمنهم مَن أوجب إصلاحها؛ لأنه إنما سيقت للدلالة، ولا حجة إلا في الثابت في المصحف.
ومنهم من قَالَ: ننقلها كما وقعت (وننبه) (٢) عليها؛ لأنه يبعد خفاؤها عن المؤلف والناقل عنه ثم على جميع الرواة حتى وصلت إلينا فلعلها قراءة شاذة، ثم ضُعّفَ بأن الشاذ مروي معلوم لا يُحتج به في حكم، ولا يُقرأ به في صلاة، انتهى.
والحكمة في تخصيص هذِه الآية بالإرسال إلى هرقل دون غيرها من الآي؛ لأنه نصراني، والنصاري (جمعت) (٣) هذِه الأمور الثلاثة فعبدوا عيسى -عليه السلام-، وأشركوا بالله فقالوا: إنه ثالث ثلاثة. واتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله. قَالَ الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣١].
وقوله: (﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]، هي: لا إله إلا الله. كما رواه عبد بن حميد في «تفسيره» عن مجاهد، وابن أبي حاتم، عن

-------------------
(١) سقطت من (ج).
(٢) في (ج): ونبه.
(٣) في (ج): حرمت.



أبي العالية، وعن الحسن قَالَ: دُعُوا إلى الإسلام فأبوا (١). وقال البخاري في التفسير: سواء: قصد (٢).
السابع بعد الثلاثين: الصخب بفتح الصاد والخاء، ويقال: بالسين أيضًا بدل الصاد، وضعفه الخليل (٣)، ومعناها: (اختلاط) (٤) الأصوات وارتفاعها. يقول: صخب: بكسر الخاء فهو صخب وصخاب وصخبان ويقرب منه اللغط وهو بفتح الغين وإسكانها، وكذا وقع في مسلم، وفي البخاري في الجهاد: وكثر لغطهم. وفي التفسير: وكثر اللغط (٥). وهو الأصوات المختلفة. قَالَ أهل اللغة: هو أصوات مبهمة لا تفهم.
الثامن بعد الثلاثين: قوله: (لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابن أَبِي كَبْشَةَ) أما أَمِر فهو بفتح الهمزة وكسر الميم أي: عظم أمره. وأصله من الكثرة، يقال: أَمِر القوم إذا كثروا، وأمرته: كثرته.
قَالَ (ابن سيده) (٦): والاسم منه: الإمرة -بالكسر- (٧). وقال الزمخشري: الأَمِرَة على وزن بركة: الزيادة، ومنه هذا الحديث.
وفي «الصحاح» عن أبي عبيدة: امرته بالمد وأمرته بمعنى: كثرته، وأمر هو أي: كثر، فخرج على تقدير قولهم: علم فلان ذَلِكَ، وأعلمته أنا ذَلِكَ، قَالَ يعقوب: ولم يقله أحد غيره (٨).

-------------------
(١) ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٦٧٠ (٣٦٣٠).
(٢) سيأتي في كتاب: التفسير، باب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ..﴾ قبل حديث (٤٥٥٣).
(٣) «العين» ٤/ ٢٠٣.
(٤) في (ج): اختلاف.
(٥) سيأتي برقم (٤٥٥٣).
(٦) في (ف): ابن أبي سيده، والصواب ما أثبتناه.
(٧) «المحكم» ١١/ ٢٦٤.
(٨) «الصحاح» ٢/ ٥٨١ مادة (أمر).



وقال الأخفش: يقال: أَمرَ أَمْرٌ يَأمر أَمْرًا: اشتد والاسم الأمر، وفي «أفعال ابن القطاع»: أمر الشيء أمرًا، وأمر: كثر (١).
وفي «المجرد» لكراع يقال: زرع أمر وأمر: كثير، وفي «أفعال ابن طريف»: أمر الشيء أمرا وإمارة: كثر، ومن أمثال العرب: من قل ذَلَّ ومن أمِر قل.
وفي «الجامع» أمر الشيء إذا كثر والأمرة: الكثرة والبركة والنماء، ومن كلامهم: في وجه ملك تعرف أمرته، وهو الذي يعرف في أوله الخير، وأمرته زيا دته وخيره وكثرته.
وأما قوله: (ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) فقد أسلفنا أنه كان رجلًا من خزاعة على قول وكان يعبد الشعرى العبور ولم يوافقه أحد من العرب على ذَلِكَ، فشبهوا النبي - ﷺ - به لمخالفته إياهم في دينهم كما خالفهم أبو كبشة فأرادوا مجرد التشبيه دون العيب. وقد قَالَ أُبي بن خلف لما طعنه النبي - ﷺ -: طعنني ابن أبي كبشة (٢).
التاسع بعد الثلاثين: قوله: (إِنَّهُ ليَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ) هو بكسر الهمزة ويجوز على ضعفٍ فتحها على أنه مفعول من أجله.
قَالَ القاضي: ضَعُفَ الفتح لوجود اللام في الخبر لكن جوزه بعض النحاة، وقد قرئ شاذًّا: (إلا أنهم ليأكلون) بالفتح في (أنهم) (٣) والمعنى

--------------------
(١) «الأفعال» ص ٢٥.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ ولكن رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٢٢٦ (١٩٤٦٤) عن عمارة بن أبي حفصة مرسلًا بنحوه وليس فيه الشاهد. وفيه محمد بن مروان بن قدامة العقيلي، قال: يحيى بن معين صالح، وقال أبو زرعة: ليس عندي بذاك، وضعفه أحمد بن حنبل. انظر: «تهذيب الكمال» ٣٨٩، ٣٩٠.
(٣) انظر «البحر المحيط» لأبي حيان ٦/ ٤٩٠.



على الفتح في الحديث عظم أمره - ﷺ - لأجل أنه يخافه ملك بني الأصفر (١).
الأربعون: قوله: (وَكَانَ ابن النَّاطُورِ، صَاحِبَ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُفًّا عَلَى نَصَارى الشَأْمِ، يُحَدِّثُ)، أما ابن الناطور فروي بالطاء المهملة والمعجمة.
قَالَ القاضي: هو بطاء مهملة عند الجماعة وعند الحموي بالمعجمة، قَالَ أهل اللغة: فلان ناظور بني فلان، وناظرهم بالمعجمة المنظور إليه منهم، والناطور بالمهملة حافظ النخل عجمي تكلمت به العرب، قَالَ الأصمعي: هو من النطر، والنبط يجعلون الظاء طاء.
الحادي بعد الأربعين: (صاحب): منصوب على الاختصاص، و(هرقل): بفتح اللام، وهو مجرور معطوف على إيليا أي: صاحب إيليا وصاحب هرقل، وخبر (كان): سُقفٌ، ويجوز أن يكون: يحدِّث أن هرقل وهو أوجه في العربية وأصح في المعنى، كما قَالَ القاضي.
الثاني بعد الأربعين: وقع هنا (سُقُفًّا) بضم السين والقاف وتشديد الفاء، ويروى أُسْقُفا بضم الهمزة مع تخفيف الفاء (وتشديدها ذكرها ابن الجواليقي وغيره، والأشهر ضم الهمزة وتشديد الفاء قاله النووي. وعن غيره أن الرواية فيه تخفيف الفاء) (٢)، وجمعه أساقفة وأساقف، وللإسماعيلي: أساقفة، وفي بعض الأصول سُقِّف بضم

-----------------------
(١) في هامش (ف): بلغ إبراهيم الحلبي قراءة على المصنف وسمعه ابنه نور الدين والحاضري […] والسحوري والشيخ نور الدين وأبو الحسن […] والصفدي ونظام الدين الحموي وأبو محمد السلاوي والبطائحي والشيخ شمس الدين [....] فخر الدين الرزازي وآخرون.
(٢) من (ف).



السين وكسر القاف المشددة أي: جعل أيضًا أسقفا ويقال أيضًا: سُقْف كقُفْل أعجمي معرب.
ولا نظير لأسقف إلا (أسْرب) (١)، وهو للنصارى رئيس دينهم وقاضيهم، قَالَ الخليل: وهو للنصارى رئيس دينهم (٢).
وقال الداودي: هو العالم. قيل: سمي به لانحنائه وخضوعه لتدينه عندهم وهو قيم شريعتهم ودون القاضي. والأسقف: الطويل في انحنائه كأنه لطول عبادته وقيامه يعرض له انحناء.
وفي «الصحاح»: السُّقَفُ بالتحريك: طول في انحناء، يقال: رجل أسْقَف بيَّن السُّقَفِ، قَالَ ابن السكيت: ومنه اشتق أسقف النصارى؛ لأنه يتخاشع وهو رئيس من رؤسائهم في الدين (٣).
الثالث بعد الأربعين: خبثُ النفسِ: كسلها وقلة نشاطها أو سوء خلقها. والبطارقة بفتح الباء قواد الملك وخواص دولته وأهل الرأي والشورى منهم، واحدهم بِطريق -بكسر الباء-، وقيل: هو المختال المتعاظم، ولا يقال ذَلِكَ للنساء.
الرابع بعد الأربعين: قوله: (وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً) هو بفتح الحاء وتشديد الزاي، ويقال فيه: الحازي وهو المتكهن يقال: حزى يحزي ويحزو وتَحَزى. قَالَ الأصمعي: وحزيت الشيء أحزيه حزيًا وحزوًا.
وفي «الصحاح» حزى الشيء يحزيه ويحزوه إذا قدر وخرص، والحازي الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه يتكهن (٤).

--------------------
(١) في (ج): أسَرُّب.
(٢) «العين» ٥/ ٨٢.
(٣) «الصحاح» ٤/ ١٣٧٥ مادة: سقف.
(٤) «الصحاح» ٦/ ٢٣١٢، مادة: (حزا).



وفي «المحكم»: حزى الطير (حَزْيًا) (١): زجرها (٢) وفُسر في الحديث ذَلِكَ بأنه ينظر في النجوم ويمكن أن يكون أراد بيان جهة حزوه؛ لأن التكهن يكون لوجوه منها ذَلِكَ.
الخامس بعد الأربعين: قوله: (مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ) هذا قد ضبط على وجهين:
أحدهما: مَلِك بفتح الميم وكسر اللام.
وثانيهما: ضم الميم وإسكان اللام وكلاهما صحيح، ومعناه: رأيت الملك لطائفة تختتن.
السادس بعد الأربعين: قوله: (فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ) هو بضم الياء يقال: أهمني الأمر: أقلقني وأحزنني والهم: الحزن، وهمني: أذابني (إذا) (٣) بالغ في ذَلِكَ، وهمني المرض: أذابني، ومنه المهموم.
قَالَ الأصمعي: وهممت بالشيء أهم به إذا أردته وعزمت عليه، وهممت بالأمر أيضًا: قصدته، يهمني، وهَم يَهِمُّ -بالكسر- هَمِيمَا: دبَّ، ومراده أنهم أحقر من أن تهتم لهم أو تبالي بهم، والأمر: الشأن.
السابع بعد الأربعين: قوله: (وابعث إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ) يعني: وابعث إلى أهل مدائن ملكك فليقتلوا من بين أظهرهم من اليهود، والمدائن بالهمز أفصح من تَرْكِه وأشهر وبه جاء القرآن (٤).

-----------------------
(١) في الأصول: حزوا، والمثبت من «المحكم».
(٢) «المحكم» ٣/ ٣٢٧.
(٣) في (ج): أي.
(٤) قال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦)﴾ [الشعراء: ٣٦].



قَالَ الجوهري: مدن بالمكان أقام به، ومنه سميت المدينة وهي فعيلة، وتجمع على مدائن بالهمز، وتجمع أيضًا على مدن بإسكان الدال وضمها، وقيل: إنها مفعلة من دنت، أي: ملكت. وقيل: من جعله من الأول همزه أو من الثاني حذفه كما لا تُهمز معايش.
قَالَ الجوهري: والنسبة إلى المدينة النبوية مدني، وإلى مدينة المنصور مديني، وإلى مدائن كسرى مدائني للفرق بين النسب؛ لئلا يختلط (١).
وما ذكره محمول على الغالب وإلا فقد جاء فيه خلاف ذَلِكَ كما ستمر به إن شاء الله تعالى.
الثامن بعد الأربعين: قوله: (فَقَالَ هِرَقْلُ: هذا مَلِكُ هذِه الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ) هو بفتح الميم وكسر اللام ويروى بضم الميم وإسكان اللام وعُزي إلى القاضي أنها رواية الأكثر، لكن الذي عزاه صاحب «المطالع» إلى الأكثر الأولى ومعناها ظاهر، وفيه رواية ثالثة (هذا يَملك) بزيادة ياء مفتوحة على أنه فعل مضارع.
قَالَ القاضي عياض: وأراها ضمة الميم اتصلت بها فَتصحفت ولما حكاها صاحب «المطالع» قَالَ: أظنه تصحيفًا. وأما النووي فقال: كذا ضبطناه عن أهل التحقيق، وكذا هو في أكثر أصول بلادنا. قَالَ: وهي صحيحة أيضًا، ومعناها: هذا المذكور يملك (هذِه) (٢) الأمة وقد ظهر، والمراد بالأمة هنا أهل العصر (٣).

--------------------
(١) «الصحاح» ٦/ ٢٢٠١، مادة: (مدن).
(٢) من (ج).
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٤، ١٠٥.



التاسع بعد الأربعين: قوله (بِرُومِيَةَ) هي بتخفيف الياء كما سلف في أسماء الأماكن.
الخمسون: قوله: (فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ) هو بفتح الياء وكسر الراء أي: لم يفارقها، يقال: ما يريم يفعل أي: ما يبرح. يقال: رامه يريمه ريمًا أي: بَرِحه. ويقال: لا ترمه أي: لا تبرحه، قَالَ ابن طريف: ما رامني ولا يريمني لم يبرح عني، ولا يقال إلا منفيًّا، قَالَ الأعشى يحكي قول بنت له:
أيا أبتا لا ترم عندنا … فإنا بخير إذا لم ترم
وحمص غير مصروفة؛ لأنها عجمية علم مؤنثة كما سلف.
الحادي بعد الخمسين: قوله: (يَا مَعْشَرَ الرُّومِ) قَالَ أهل اللغة: هم الجمع الذين شأنهم واحد فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والفقهاء معشر، والجمع معاشر.
الثاني بعد الخمسين: قوله: (هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ) أما الفلاح فهو الفوز والبقاء والنجاة، وأما الرُشد فبضم الراء وإسكان الشين، وبفتحهما أيضًا لغتان وهو خلاف الغي، قَالَ أهل اللغة: هو إصابة الخير.
وقال الهروي: هو الهدى والاستقامة وهو بمعناه يقال: رَشَدَ يَرْشَدُ ورَشِدَ يَرْشُدُ لغتان، والرشَدُ كالرُشْدِ وهما مصدران.
الثالث بعد الخمسين: قوله: (فتتابعوا هذا النَّبِيَّ؟) هو بمثناة فوق، ثم أخرى مثلها كذا هو في أكثر الأصول من المتابعة وهي: الاقتداء، وفي بعضها فنتابع وهو بمعناه، وفي بعضها فتبايعوا بالباء الموحدة من البيعة، وكله صحيح.


الرابع بعد الخمسين: قوله: (فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ) هو بالحاء والصاد المهملتين أي: نفروا وكروا راجعين، حاص يحيص: نفر.
وقال الفارسي في «مجمع الغرائب»: هو الروغان والعدول عن طريق القصد.
وقال الخطابي: يقال: حاص وجاض بمعنى واحد بالجيم والضاد المعجمة (١). وكذا قَالَ أبو عبيد (٢) وغيره، قالوا: ومعناه: عدل عن الطريق. وقال أبو زيد: معناه بالحاء رجع وبالجيم عدل.
الخامس بعد الخمسين: قوله: (إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا) أي: قريبًا أو بعجلة أو في أول وقت كنا فيه أو الساعة، وكله بمعنى، وهو بالمد والقصر، والمد أشهر، وبه قرأ جمهور القراء السبعة، وروى البزي عن ابن كثير القصر، قَالَ المهدي: المد هو المعروف (٣).
السادس بعد الخمسين: معنى رواية مسلم التي أسلفناها عن رواية صالح: (مشى يعني: قيصر من حمص إلى إيلياء شكرًا لما أبلاه الله تعالى) (٤)، أي: شكرًا لما من الله عليه وأنعم. والبلاء لفظ مشترك يقال في الخير والشر؛ لأن أصله الأختبار، قَالَ تعالى ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨] وأكثر استعماله في الخير مقيدًا وأما في الشر فقد يطلق.

-----------------
(١) «غريب الحديث» للخطابي ١/ ٣٣٢.
(٢) «غريب الحديث» لأبي عبيد ٢/ ٣٢٠.
(٣) «الكوكب الدري» ص ٥٥٣.
(٤) مسلم (١٧٧٣).



الوجه العاشر: في فوائده:
الأولى: خبر الجماعة أوقع من خبر الواحد ولاسيما إذا كانوا جمعًا يقع العلم بخبرهم، وهذِه مأخوذة من قوله: (وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ).
الثانية: تقديم صاحب الحسب في أمور المسلمين ومهمات الدين والدنيا، ولذلك جعلت الخلفاء من قريش؛ لأنهم أحوط من أن يدنسوا أحسابهم، وقد قَالَ الحسن البصري: حدثوا عن الأشراف؛ فإنهم لا يرضون أن يدنسوا شرفهم بالكذب ولا بالخيانة.
الثالثة: استدلال هرقل من كونه ذا حسب ليس بدليل قاطع على (النبوة) (١)، وإنما القاطع المعجز الخارق للعادة المعدوم فيها المعارضة. قاله المازري، قَالَ: ولعل هرقل كان عنده علم بكونها علامات هذا النبي، وقد قَالَ فيه: وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم (٢)، وقطع ابن بطال بهذا.
وقال: إخبار هرقل وسؤاله عن كل (فصل) (٣) إنما كان عن الكتب القديمة وإنما ذَلِكَ كله نعت للنبي - ﷺ - مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل (٤)، وجزم به النووي في «شرحه» فقال: هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا أو نحوه من أعلام نبوته (٥).

---------------------
(١) في (ف): النبوءة.
(٢) «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ١٤٤.
(٣) كررت في الأصول.
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٦.
(٥) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٧.



الرابعة: جواز مكاتبة الكفار، وقد كاتب النبي - ﷺ - سبعة من الملوك فيما قاله الداودي: هرقل، وكسرى، والنجاشي، والمقوقس، وملك غسان، وهوذة بن علي، والمنذر بن ساوى.
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به عن أبي بكر الهذلي قَالَ: بلغني أن رسول الله - ﷺ - خطب ذات يوم بعد عمرته التي صُدَّ عنها يوم الحديبية فقال: «أيُّها الناسُ، إنَّ الله بعثني رحمةً وكافةً، فلا تختلفوا عليَّ كما اخْتَلَفَ الحواريونَ عَلَى عيسى ابن مريم» فقال أصحابه: وكيف اختلفوا؟ فقال: «دعاهم إلى الذي دعوتُكم إليه، فأمَّا مَنْ بعثه إليه مبعثًا قريبًا فرضي وسلَّم، وأما مَنْ بعثه مبعثًا بعيدًا فكَرِه وجهه وتثاقل؛ فشكا ذَلِكَ عيسى -عليه السلام- إلى الله سبحانه وتعالى، فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأُّمَّة التي بُعِثَ إليها»
فبعث رسول الله - ﷺ - رسلًا من أصحابه، وبعث معهم كتبًا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام، بعث دحية إلى قيصر ملك الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية، وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى ابني (١) الجُلُنْدى الأزديين ملكي عَمَّان، وبعث سليط بن عمرو إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي ملكي اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن سَاوى ملك البحرين، وبعث شجاعًا الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام، وبعث شجاع بن وهب إلى جبلة بن الأيهم، وبعث المهاجر بن

--------------------
(١) هما جَيْفَر وعياذ، كما في «سيرة ابن هشام» ٤/ ٢٧٩.


أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن (١).
وذكر ابن سعد أن النبي - ﷺ - لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام فقيل له: إن الملوك لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا، وفيه: فاتخذ خاتمًا من فضة، وختم به الكتب، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد، فكان أول رسول بعثه عمرو بن أمية إلى النجاشي. وفيه: فأخذ كتاب رسول الله - ﷺ - فوضعه على عينيه ونزل عن سريره تواضعًا، ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وكتب له كتابًا آخر يأمره أن يزوجه أم حبيبة (٢).
وفي «صحيح مسلم» أنه - ﷺ - كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلئ عليه رسول الله - ﷺ - (٣). وظاهر هذا أنه نجاشي آخر، فالنجاشي لقب لكل من مَلَكَ الحبشة كما مر.
الخامسة: استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، وقد قَالَ الشعبي فيما ذكره ابن سعد: كان - ﷺ - يكتب كما تكتب قريش: «باسمك اللهم»، حتى نزلت: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١]، فكتب: «بسم الله». حتى نزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]: ١١٠]، فكتب: «بسم الله الرحمن». حتى نزلت: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] فكتبها (٤).

-------------------
(١) «سيرة ابن هشام» ٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩ عن عمرو بن أمية الضمري.
(٣) مسلم (١٧٧٤) في الجهاد والسير، باب: كتب النبي - ﷺ - إلى ملوك الكفار عن أنس ابن مالك.
(٤) «الطبقات» ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤.



السادسة: أن المراد بحمد الله في الحديث السابق أول الكتاب: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع» (١) كما ورد في تلك الرواية الأخرى السالفة، وروي: بـ «بسم الله» كما سلف أيضًا (٢)، وهذا الكتاب كان ذا بال، بل من المهمات ولم يبدأ فيه - ﷺ - بلفظ الحمد وبدأ بالبسملة.
السابعة: أن السنة في المكاتبات والرسائل بين الناس أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول: مِن فلان إلى فلان. وهو قول الأكثر كما حكاه الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه: «صناعة الكتَّاب».
وروي أن هرقل لما أخرج الكتاب فرأى أخو هرقل أنه - ﷺ - بدأ بنفسه أخذ الكتاب ليمزقه، فأخذه هرقل وقال: أنت أحمق صغيرًا، أحمق كبيرًا (٣).
وروى البزار من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد عن دحية أنه لما أعطى الكتاب إلى قيصر كان عنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس فلما قرأ الكتاب نخر ابن أخيه نخرة وقال: لا يقرأ اليوم. فقال له قيصر: لم؟ قَالَ: إنه بدأ بنفسه وكتب صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم فقال (له) (٤) قيصر: لنقرأنَّه (٥) وذكر الحديث.

-------------------
(١) سبق في شرح الحديث، رقم (١).
(٢) سبق في شرح الحديث رقم (١).
(٣) أورده السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٢٢٤، وعزاه لأبي نعيم في «دلائله».
(٤) زيادة من (ج).
(٥) رواه البزَّار في كما في «كشف الأستار» (٢٣٧٤). وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧: رواه البزَّار وفيه: إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى وهو ضعيف، وسبق تخريجه قريبًا.






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* كم من مُسْتَدْرَج وهو لا يعلم
* خرخش.. لكن لا تسئ إلى الرموز
* الأمير الشهيد الشاعر عبد الله بن رواحة
* من مائدة الفقه
* المنان جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* تحريم إنكار وجود الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة
* مجموعة من الاحاديث الضعيفة والموضوعة ---- متجددة إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-20-2026, 02:16 AM   #38

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 416 الى صـــ 435
الحلقة (37)





وروى النحاس فيه أحاديث وآثارًا كثيرة، منها: حديث العلاء بن الحضرمي الذي في أبي داود: وكان عاملًا على البحرين، فكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه. وفي لفظ: بدأ باسمه (١).
(ومنها) (٢): أن ابن عمر كان يقول لغلمانه وأولاده: إذا كتبتم إليَّ فلا تبدءوا بي (٣). وكان إذا كتب إلى الأمراء بدأ بنفسه (٤)، وعن الربيع بن أنس قَالَ: ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله - ﷺ -، وكان أصحابه يكتبون إليه فيبدءون بأنفسهم (٥).
وقال حماد بن زيد: كان الناس يكتبون: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، أما بعد. قَالَ النحاس: وهو إجماع الصحابة. قَالَ: وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان.
وقال غيره: كره جماعة من السلف خلافه، ورخص جماعة من العلماء في أن يبدأ بالمكتوب إليه فيقول في التصدير والعنوان: (إلى فلان أو إلى فلان بن فلان) (٦).

--------------------
(١) أبو داود (٥١٣٤، ٥١٣٥).
(٢) في (ج): وفيها.
(٣) عبد الرزَّاق في «المصنف» ١١/ ٤٢٩ (٢٠٩١٥)، وابن سعد في «الطبقات» ٤/ ١٥٢.
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٤٢٨ (٢٠٩١٣).
(٥) أورده القرطبي في «التفسير» ١٣/ ١٩٢ عن الربيع، عن أنس ولعله تصحيف، ورواه الطبراني ٦/ ٢٤١ (٦١٠٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ١٣٠، عن سلمان الفارسي قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٩٨: وفيه قيس بن الربيع وثقه الثوري وشعبة وضعفه غيرهما وبقية رجاله ثقات. اهـ.
(٦) كذا في (ج)، وفي (ف) (فلان من فلان).



ثم روى بإسناده أن زيد بن ثابت كَتَب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية.
وعن محمد بن الحنفية أنه لا بأس بذلك.
وعن بكر بن عبد الله وأيوب السختياني مثله.
قَالَ: وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه: إلى فلان. ولا يكتب: لفلان؛ لأنه إليه لا له إلا على مجاز، هذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين. ثم روى بإسناده عن ابن عمر قَالَ: يكتب الرجل: من فلان بن فلان، ولا يكتب: لفلان.
وعن إبراهيم النخعي، قَالَ: كانوا يكرهون أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم لفلان بن فلان. وكانوا يكرهونه في العنوان.
قَالَ النحاس: ولا أعلم أحدًا من المتقدمين رخص في أن يكتب: لأبي فلان. في عنوان ولا غيره.
قُلْتُ: وأغرب بعضهم فقال: يقدم الأب، ولا يبدأ ولدٌ باسمه على والده، والكبير السن كذلك، ويرده حديث العلاء السالف، فإنه بدأ فيه بنفسه وحقه أعظم من حق الوالد وغيره.
الثامنة: التوقي في الكتابة واستعمال الورع فيها فلا يُفَرِّط (ولا يُفْرِط) (١)؛ وجه ذَلِكَ أنه - ﷺ - (كتب) (٢): «إلى هرقل عظيم الروم» فلم يقل: ملك الروم. لأنه لا ملك له ولا لغيره بحكم دين الإسلام، ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه الشارع أو نائبه فيه بشرطه، وإنما ينفذ بأحكامهم ما ينفذه للضرورة، ولم يقل: إلى هرقل فقط، بل أتى بنوع من الملاطفة (فقال: «عظيم الروم» أي: الذي تعظمه

-------------------
(١) من (ف).
(٢) في (ف): قال.



الروم وتقدمه، وقد أمر الله تعالى) (١) بإِلَانَةِ القول لمن يدعى (إلى) (٢) الإسلام حيث قَالَ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] وغير ذلك.
التاسعة: جواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوش فيها سام الله للضرورة وإن كان عن مالك الكراهة؛ لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش من ذكر الله، نبه عليه القاضي (٣)، ونقل ابن بطال عن العلماء عدم تمكينهم من الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى (٤).
العاشرة: وجوب العمل بخبر الواحد، وإلا فلم يكن في بعثه مع دحية فائدة، وهذا إجماع من يعتد به، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- (مبسوطًا حيث ذكره البخاري في أواخر «صحيحه» (٥) إن شاء الله) (٦) وقَدَّرَ الوصول إليه، اللهم أعن عليه.
الحادية عشرة: منع ابتداء الكافر من السلام؛ فإنه - ﷺ - قَالَ: «سلام على من اتبع الهدى» ولم يسلم عليه (٧)، وهو مذهب الشافعي وأكثر

----------------
(١) ساقط من (ج).
(٢) ساقطة من (ف).
(٣) «إكمال المعلم» ٦/ ١٢٣.
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٨.
(٥) سيأتي برقم (٧٥٤١) كتاب: التوحيد، باب: ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها.
(٦) ساقط من (ج).
(٧) سئل السيوطي رحمه الله عن رجل سلم على جماعة مسلمين وفيهم نصراني فأنكر عليه، وقيل له: من حقك أن تقول: السلام على من اتبع الهدى فهل يجزئ اللفظ الأول، أو يتعين الثاني؟ فقال: لا يجزئ في السلام إلا اللفظ الأول ولا يستحق الرد إلا به، ويجوز السلام =



العلماء (١)، وأجازه جماعة مطلقًا (٢).
وفيه قول ثالث: جوازه للائتلاف أو لحاجة (٣)، والصواب الأول؛ فإنه صح النهي عنه، ومنه: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام» (٤) كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله- قَالَ البخاري (وغيره) (٥): ولا يسلم على المبتدع ولا على من اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتب منه، فلا يرد عليهم السلام (٦)، واحتج البخاري بحديث كعب بن مالك، وفيه: فنهى رسول الله - ﷺ - عن كلامنا (٧).

-----------------
= على المسلمين وفيهم نصراني إذا قصد المسلمين فقط، وأما السلام على من اتبع الهدى، فإنما شرع في صدور الكتب إذا كتبت للكافر كما ثبت في الحديث الصحيح. اهـ. «الحاوي للفتاوي» ١/ ٢٥٢، وانظر: «المجموع الثمين» ١/ ٤٩.
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٥/ ١٢٨، «الذخيرة» ١٣/ ٢٩١، «طرح التثريب» ٨/ ١١١، «الآداب الشرعية» ١/ ٣٨٧.
(٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٤٢، «الآداب الشرعية» ١/ ٣٨٧.
(٣) انظر: «طرح التثريب» ٨/ ١١١، «الآداب الشرعية» ١/ ٣٨٧.
(٤) رواه مسلم (٢١٦٧) كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يردُّ عليهم، وأبو داود (٥٢٠٥)، والترمذي (١٦٠٢) من حديث عن أبي هريرة.
(٥) من (ف).
(٦) «صحيح البخاري» كتاب: الاستئذان، قبل حديث (٦٢٥٥).
قلت: وهو ما ذهب إليه الحنفية، والمالكية، وللشافعية وجهان:
أحدهما: يسلم عليه؛ لأنه مسلم. والثاني: لا يستحب، بل يستحب أن لا يسلم عليه وهو الأصح، وعند الحنابلة في تحريم السلام على مبتدع غير مخاصم روايتان. انظر: «الفتاوى الهندية» ٥/ ٣٢٦، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١٣٠١، «الفواكه الدواني» ٢/ ٤٢٢، «المجموع» ٤/ ٤٦٧، «الفروع» ٢/ ١٨٤.
(٧) سيأتي برقم (٤٤١٨) كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن ما لك، ورواه مسلم (٢٧٦٩) كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.



الثانية عشرة: استعمال أما بعد في الخطب والمكاتبات.
الثالثة عشرة: دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، وهذا مأمور به، فإن لم تكن بلغتهم الدعوة كان الأمر به واجبًا، وإن كانت بلغتهم كان مستحبًّا، فلو قوتل هؤلاء قبل إنذارهم ودعائهم إلى الإسلام جاز لكن فاتت السنة والفضيلة، بخلاف الضرب الأول.
هذا مذهب الشافعي، وفيه خلاف للسلف سيأتي إن شاء الله في موضعه، وحاصله ثلاثة مذاهب حكاها المازري ثم القاضي، أحدها:
يجب الإنذار مطلقًا قاله مالك وغيره.
وثانيها: لا يجب مطلقًا.
وثالثها: التفصيل السالف. وبه قَالَ نافع والحسن والثوري والليث والشافعي وابن المنذر، وهو الصحيح، وبه قَالَ أكثر العلماء.
الرابعة عشرة: جواز المسافرة إلى أرض الكفار (١).
الخامسة عشرة: جواز البعث إليهم بالآية من القرآن ونحوها، والنهي عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو محمول على المسافرة بكله أو جملة منه، وعلى ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار كما

----------------
(١) قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في «شرح رياض الصالحين» ١/ ١٢ - ١٣:
لا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات.
الثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات.
الثالث: أن يكون محتاجًا إلى ذلك مثل أن يكون مريضًا يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجًا إلى تجارة، فيذهب ويتجر ويرجع، والمهم أن يكون هناك حاجة، ولهذا أرى أن الذين يسافرون إلى بلاد الكفر من أجل السياحة فقط أرى أنهم آثمون، وأن كل قرش دفعوه في هذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم وسيحاسبون عنه يوم القيامة. اهـ.



سيأتي -إن شاء الله تعالى- إيضاحه في موضعه، وأبعد ابن بطال فقال: كان ذَلِكَ في أول الإسلام ولم يكن (بدٌّ) (١) من الدعوة العامة (٢).
السادسة عشرة: استدل أصحابنا به على جواز مس المحدث والكافر كتابًا فيه آية أو آيات يسيرة من القرآن مع غير القرآن (٣).
السابعة عشرة: استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة؛ فإن قوله - ﷺ -: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» في نهاية الاختصار وغاية الإيجاز والبلاغة وجميع المعاني مع ما فيه من بديع التجنيس كقوله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] فإنه جمع بقوله: «تسلم» نجاة الدنيا من الحرب والخزي بالجزية، وفي الآخرة من العذاب.
ومثله من الكلام المعدود في فصاحته - ﷺ - كثير: كقوله: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم» (٤).
وقوله: «الناس كأسنان المشط» (٥).

--------------------
(١) ساقطة من (ج).
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٨.
(٣) انظر: «الشرح الكبير» ١/ ١٧٦، «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» ١/ ١٠٤، «مغني المحتاج» ١/ ٣٦.
(٤) روي ذلك من حديث علي - رضي الله عنه -، وهو لفظ لبعض روايات الحديث الآتي برقم (١١١) كتاب: العلم، باب: كتابه العلم. وهذا اللفظ عند أبي داود وغيره، وسيأتي مفصلا في موضعه إن شاء الله.
(٥) رواه ابن عدي في «الكامل» ٤/ ٢٢٥، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٣/ ٢٧٣ (١٥٠٨)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٤٥ (١٩٥) من حديث أنس.
قال ابن عدي: هذا الحديث وضعه سليمان بن عمرو على إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. =



و«المرء مع من أحب» (١).
و«الناس معادن» (٢).
و«ما هلك أمرؤٌ عرف قدره» (٣).
و«المستشار مؤتمن» (٤).
و«ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا» (٥).
ونهيه عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال (٦)، وشبهه مما لا ينحصر عدًّا.
الثامنة عشرة: أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا - ﷺ - فآمن به له أجران كما صرح به هنا، وفي الحديث الآخر في «الصحيح» كما سيأتي: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين» (٧) منهم (مؤمن) (٨) أهل الكتاب

---------------------
= وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٩٦): ضعيف جدًّا.
(١) سيأتي برقم (٦١٦٩) كتاب: الأدب، باب: علامة الحب في الله -عز وجل- ورواه، ومسلم (٢٦٤٠) كتاب: البر والصلة، باب: الأرواح جنود مجندة.
(٢) سيأتي برقم (٣٣٨٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾، ورواه ومسلم (٢٣٧٨) كتاب: الفضائل، باب: فضائل يوسف -عليه السلام-.
(٣) لم أجده.
(٤) رواه أبو داود (٥١٢٨)، والترمذي (٢٣٦٩)، والنسائي ٧/ ١٥٨ كلهم عن أبي هريرة وأصله في «مسلم» برقم (٢٠٣٨) كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.
(٥) أورده الثعالبي في «تفسيره» ٢/ ٣١٠.
(٦) سيأتي برقم (١٤٧٧).
(٧) سيأتي برقم (٣٠١١) كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل من أسلم من أهل الكتاب.
(٨) في (ف): من.



(من) (١) آمن بنبيه ونبينا واتبعه وصدق به.
التاسعة عشرة: البيان الواضح أن صدق رسول الله - ﷺ - وعلاماته كان معلومًا (لأهل) (٢) الكتاب علمًا قطعيًا، وإنما تَرَكَ الإيمان من تركه منهم عنادًا وحسدًا وخوفًا على فوات مناصبهم في الدنيا.
العشرون: أن من كان سببًا لضلالةٍ أو مَنْع هداية كان آثمًا لقوله - ﷺ -: «فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» وفي هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].
تتمات:
الأولى: فيه أيضا أن الكذب مهجور وعيب في كل أمة.
الثانية: أن العدو لا يؤمن أن يكذب على عدوه وقد سلف.
الثالثة: أن الرسل لا ترسل إلا من أكرم الأنساب؛ لأن من شَرُفَ نسبه كان أبعد له من الانتحال لغير الحق، ومثله الخليفة ينبغي أن يكون من أشرف قومه.
الرابعة: أن الإمام وكل من حاول مطلبًا عظيمًا إذا لم يتأس بأحد يقدمه من أهله ولا طلب رئاسة سلفه، كان أبعد للظنة وأبرأ للساحة.
الخامسة: أن من أخبر بحديث وهو معروف بالصدق قُبل منه بخلاف ضده.
خاتمة: لا عتب على البخاري في إدخاله أحاديث أهل الكتاب في «صحيحه» كهرقل وغيره ولا في ذكر قوله: (وَكَانَ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ)؛ لأنه إنما أخبر أنه كان في الإنجيل ذكر محمد - ﷺ - وكان من

------------------------
(١) زيادة من (ج).
(٢) في (ج): عند أهل.



يتعلق بالنّجامة قبل الإسلام ينذر بنبوته؛ لأن عِلْمَ النجوم كان مباحًا ذَلِكَ الوقت فلما جاء الإسلام منع منه فلا يجوز لأحد اليوم أن يقضي بشيء منه، وكان علم النجوم قبل الإسلام على (التظنين) (١) يصيب مرة ويخطئ كثيرًا، فاشتغالهم بما فيه الخطأ الغالب ضلال، فبعث الله نبيه بالوحي الصحيح ونسخ ذَلِكَ العناء الذي كانوا فيه من أمر النجوم.
وقال: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» (٢)، ونصب الله الأهلة مواقيت للناس في (صيامهم) (٣) وآجال ديونهم (وحجهم ونجوم) (٤) كتابتهم وأوقات بلوغهم، ونصب أوقات الصلوات ظاهرة لم تحتج إلى حساب وغيره مع أنه لو وقف ذَلِكَ على ظن (وحساب) (٥) لأدى إلى الصدق مرة وللكذب أخرى ويقبح في الشريعة ذَلِكَ، فإن الذي يشبه الصواب منه إنما هو اتفاقيات ثم لو أمكن فيه الصدق لكان فيه مفاسد جمة فإنه إذا نجَّم وظن أنه يعيش مائة سنة مثلًا لربما سَوَّف بالتوبة وانهمك على المعاصي، أو أنه يعيش أقل، تنكد عليه عيشه وانفسد النظام، فلله الحمد على الهداية إلى الصراط الأقوم.

-----------------
(١) في (ج): الظن.
(٢) ذكره الطبري في «تفسيره» ١/ ٤١٧ دون إسناد
(٣) في (ج): حسابهم.
(٤) ساقط من (ج).
(٥) في (ف): وحسبان.



(٢) كتاب الإيمان

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (١)

٢ - كتاب الإيمان
١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»
وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَينْقُصُ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وقال: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقال جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].

---------------------
0(١) من (ف).


وَالْحُبُّ في اللهِ وَالْبُغْضُ في اللهِ مِنَ الإِيمَانِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيِّ: إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ -عليه السلام-: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً. وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ. وَقَالَ ابن عُمَرَ: لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]: سَبِيلًا وَسُنَّةً (١)، ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾: [الفرقان: ٧٧] إيمانكم.
-------------------
(١) ورد بهامش (ف) تعليق نصه: بلغ إبراهيم الحلبي قراءة على المصنف، وسمعه ولد المصنف نور الدين والجماعة: … والحاضري والصفدي والبيجوري والبطائحي والعاملي .... تاج الدين والبرموي .... النظام الحموي وآخرون.


٢ - باب دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ
لقوله -عز وجل-: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] (١)

٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بُنِىَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». [٤٥١٥ - مسلم ١٦ - فتح ١/ ٤٩]
نا عبيد الله بن موسى، أنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بُنِىَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: لما فرغ البخاري رحمه الله من ابتداء الوحي عَقَّبَه بذكر الإيمان، ثم بالصلاة بمقدماتها الطهارات ثم بالزكاة ومتعلقاتها، ثم بالحج ومتعلقاته، ثم بالصوم. وقصد الاعتناء بالترتيب المذكور في حديث ابن عمر هذا الذي ساقه، وإن وقع في بعض روايات «الصحيح» تقديم الصوم على الحج.
والكتاب مصدر سمي به المفعول مجازًا، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا كتاب ولفظة (ك. ت. ب) في جميع تصاريفها راجعة إلى معنى الجمع والضم؛ ومنه الكتاب والكتيبة والمكتوب والكاتب وهو في اصطلاح المصنفين كالجنس الجامع لأبواب أو مسائل.
والإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: تصديق خاص، كما ستعلمه.

------------------
(١) من هامش (ف) وبعدها: حدثنا عبيد الله .. إلخ. وانظر كلام المصنف ص ٤٤٧.


ثانيها: ابتداء كتاب الإيمان بالبسملة وهكذا عادته في كل كتاب من كتبه عملًا بالحديث السالف أول الكتاب: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع»، وفي رواية «ببسم الله الرحمن الرحيم»، وفي رواية «بذكر الله» (١). فإن قُلْتَ: البسملة في أول كتابه تُغني عن ذَلِكَ، فالجواب أن فيه مزيد اعتناء ومحافظة على التمسك بالكتاب والسنة.
ثالثها: هذا الحديث أخرجَهُ البخاري هُنا وفي التفسير، وقال فيه: وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِح، عَنِ ابن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بن الأشج، عَنْ نَافِعٍ، عن ابن عُمر (٢).
وأخرجه مُسْلم في الإيمان عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، -عن حنظلةَ به، وعن ابن مُعاذ، عن أبيه، عن عاصِم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده، وعن ابن نُمير، عن أبي خالد الأحمر، عن سَعْد بن طارق، عن سَعْد بن عبيدة، عن ابن عمر، وعن سهل بن عثمان، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن طارق به (٣)، فوقع لمسلم من جميع طرقه خماسيًّا وللبخاري رباعيًّا، فَعَلَاه برجلٍ.
رابعها: في التعريف (بحال) (٤) رواته:
أما عبد الله (ع) بن عمر فهو الإمام الصالح أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المكي، وتقدم. تمام نسبه في ترجمة والده.

------------------
(١) سبقت جميعها في أثناء شرح الحديث رقم (١).
(٢) سيأتي برقم (٤٥١٣) باب: قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
(٣) مسلم (١٦) باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٤) في (ج): برجال.



أمه وأم أخته حفصة رضي الله عنهما زينب، وقيل: ريطة بنت مظعون أخت عثمان، أسلم بمكة قديمًا مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه كما ذكره البخاري في الهجرة (١)، ولا يصح قول من قَالَ: إنه أسلم قبل أبيه وهاجر قبله. واستصغر عن أحد، وشهد الخندق وما بعدها، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية، وأحد العبادلة الأربعة (٢)، وثانيهم: ابن عباس، وثالثهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، ورابعهم: عبد الله بن الزبير.
ووقع في «مبهمات النووي» وغيرها أن الجوهري أثبت ابن مسعود منهم وحذف (ابن عمرو) (٣)، وليس كما ذكره عنه (فالذي في «صحاحه» (٤) إثبات ابن عمرو وحذف ابن الزبير فاعلمه) (٥)، وقد أسلفنا قريبًا التنبيه عليه.
ووقع في «شرح الرافعي» في الجنايات عَدّ ابن مسعود منهم، وحذف ابن الزبير وابن عمرو بن العاص، وهو غريب منه.
روي له ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بأحد وثماثين، ومسلم بأحد وثلاثين. وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة.

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٩١٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة.
(٢) ورد بهامش (ف): ذكر العبادلة.
(٣) «الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات» للنووي ص (٦٠٩)، وورد في (ج): ابن الزبير.
(٤) «الصحاح» ٢/ ٥٠٥، مادة: عبد.
(٥) ساقط من (ج).



روى عنه أولاده: سالم وعبد الله وحمزة وبلال، وخلائق من جلة التابعين.
ومناقبه لا تحصى، ونظيره في المتابعة للآثار وإعراضه عن الدنيا ومقاصدها عزيز، وكذا احتياطه في الفتوى، وعلمه بالمناسك، وكرمه، فربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفًا. وهو أحد الساردين للصوم كوالده وعائشة وأبي طلحة وحمزة (بن عمرو الأسلمي، و) (١) شهد له الشارع بالصلاح (٢)، وعاش بعد ذَلِكَ زيادة على ستين سنة يترقى في الخيرات.
قَالَ الزهري: لا يعدل (برأي) (٣) ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله - ﷺ - ستين سنة فلم يخف عنه شيء من أمره ولا من أمر الصحابة.
مات بفَخٍّ -بفتح الفاء وتشديد الخاء المعجمة- موضع بقرب مكة، قَالَ الصغاني: وهو وادي الزاهر (٤). سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر وقيل: بسنة، عن أربع، وقيل: ست وثمانين سنة، قَالَ يحيى بن بكير: توفي بمكة بعد الحج، ودفن بالمحصب، وبعض الناس يقول: بفخ، قُلْتُ: وقيل: بسرف، وكلها مواضع بقرب مكة (بعضها أقرب إلى مكة) (٥) من بعض (٦).

-------------------
(١) من (ف).
(٢) سيأتي برقم (١١٢٢) كتاب: التهجد، باب: فضل قيام الليل، ورواه مسلم (٢٤٧٩) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل ابن عمر.
(٣) في (ج): به أي.
(٤) «معجم البلدان» ٤/ ٢٣٧.
(٥) زيادة من (ج).
(٦) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٣/ ١٧٠٧، «الاستيعاب» ٣/ ٨٠، «أسد الغابة» ٣/ ٣٤٠.



فائدة:
في الصحابة أيضًا عبد الله بن عمر، جَرْمي، يقال: إن له صحبة، يروى عنه حديث في الوضوء (١).
وأما الراوي عنه فهو الإمام عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المكي الثقة الجليل، سمع ابن عمر وابن عباس وغيرهما، وعنه عمرو بن دينار وغيره من التابعين.
مات بمكة بعد عطاء، ومات عطاء سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة. والعاصي جده هو أخو أبي جهل، قَتَلَ العاصي (هذا عمرُ ببدرٍ كافرًا، وهو خال عمر على قول (٢) (…) (٣).
وفي الصحابة عكرمة) (٤) ثلاثة لا رابع لهم: ابن أبى جهل الخزومي (٥)،

----------------------


(١) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٣/ ٣٤٠، «الإصابة» ٣/ ١٣٧.
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٧٥، «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٨ (٢٢١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٩ (٣٤)، «الثقات» ٥/ ٢٣١، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٢٤٩ - ٢٥١ (٤٠٠٤).
(٣) بياض بالأصل بمقدار كلمة.
(٤) ساقطة من (ج).
(٥) عكرمة بن أبي جهل، واسم أبي جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي المخزومي. كان عكرمة شديد العداوة لرسول الله - ﷺ - في الجاهلية هو وأبوه، وكان فارسًا مشهورًا، هرب حين الفتح، فلحق باليمن، ولحقت به امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام. ولما أسلم عكرمة شكا قولهم عكرمة بن أبي جهل، فنهاهم النبي، وكان مجتهدًا في قتال المشركين مع المسلمين، استعمله رسول الله - ﷺ - على هوازن يُصدقها، قتل في يوم اليرموك. انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٤/ ٢١٧١ - ٢١٧٢ (٢٢٦١)، «الاستيعاب» ٣/ ١٩٠ - ١٩٢ (١٨٥٧)، «أسد الغابة» ٤/ ٧٠ - ٧٣ (٣٧٣٥)، «الإصابة» ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧ (٥٦٣٨).



وابن عامر العبدري (١) وابن عبيد الخولاني (٢).
فائدة ثانية:
ليس في الصحيحين من اسمه عكرمة إلا هذا، وعكرمة بن عبد الرحمن، وعكرمة مولى ابن عباس، وروى مسلم للأخير مقرونًا وتكلم فيه لرأيه، وسيأتي في كتاب العلم (٣).
وعكرمة بن عمار، أخرج له مسلم في الأصول واستشهد به البخاري (ومسلم) (٤) في (كتاب) (٥) البر والصلة (٦).
وأما الراوي عن عكرمة فهو حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن (حذافة) (٧) بن جمح الجمحي المكي القرشي الثقة الحجة، سمع عطاء وغيره من التابعين، وعنه الثوري وغيره من الأعلام. مات سنة إحدى وخمسين ومائة.

-----------
(١) عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، هو الذي باع دار الندوة من معاوية بمائة ألف. وهو معدود في المؤلفة قلوبهم.
انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٣/ ١٩٢ (١٨٥٨)، «أسد الغابة» ٤/ ٧٣ (٣٧٣٦)، «الإصابة» ٢/ ٤٩٧ (٥٦٣٩).
(٢) عكرمة بن عبيد الخولاني، ذكره بعض المتأخرين في الصحابة، وقال: لا يعرف له رواية، وحُكي عن أبي سعيد بن عبد الأعلى؛ أنه شهد فتح مصر، وله إدراك.
انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٤/ ٢١٧٢ (٢٢٦٢)، «أسد الغابة» ٤/ ٧٣ (٣٧٣٧)، «الإصابة» ٢/ ٤٩٧ (٥٦٤٠).
(٣) سيأتي برقم (٧٥) باب: قول النبي - ﷺ -: «اللهم علمه الكتاب».
(٤) من (ج).
(٥) في (ج): باب.
(٦) سيأتي شاهدًا لحديث رقم (٦١٠٣) كتاب: الأدب، باب: من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال.
(٧) في (ج): خزاعة وهو خطأ.






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* كم من مُسْتَدْرَج وهو لا يعلم
* خرخش.. لكن لا تسئ إلى الرموز
* الأمير الشهيد الشاعر عبد الله بن رواحة
* من مائدة الفقه
* المنان جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* تحريم إنكار وجود الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة
* مجموعة من الاحاديث الضعيفة والموضوعة ---- متجددة إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-20-2026, 02:20 AM   #39

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 436 الى صـــ 455
الحلقة (39)





روى له الجماعة (١). واستثنى شيخنا في «شرحه» ابن ماجه وصرح المزي في «تهذيبه» (٢) بخلافه فاعلمه.
وأما الراوي عن حنظلة فهو السيد الجليل أبو محمد عبيد الله بن موسى بن باذام العبسي -بالموحدة- مولاهم الكوفي الثقة، سمع الأعمش وخلقًا من التابعين، وعنه أحمد والبخاري وغيرهما، وروى مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن رجل عنه، وكان عالمًا بالقراءات رأسًا فيها. مات بالإسكندرية سنة ثلاث عشرة ومائتين في ذي القعدة، وقيل: سنة أربع عشرة (٣).
فائدة:
هذا الإسناد كلهم مكيون إلا عبيد الله هذا فإنه كوفي، وكله على شرط الستة إلا عكرمة بن خالد فإن ابن ماجه لم يخرج له.
خامسها: في التعريف بجماعة وقع ذكرهم في هذِه الآثار:
أما عمر (ع) بن عبد العزيز فهو: الإمام العادل، خامس الخلفاء (عمر بن عبد العزيز) (٤) بن مروان بن الحكم بن العاصي بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي، المجمع على جلالته وزهده وعلمه، وترجمته أفردت بالتأليف، سمع عبد الله بن جعفر وأنسًا وغيرهما،

-----------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٩٣، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٤ - ٤٥ (١٦٧)، (١٧٠)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٤١ - ٢٤٢ (١٠٧١)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٤٤٣ - ٤٤٧ (١٥٦١).
(٢) «تهذيب الكمال» ٧/ ٤٤٧.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٤٠٠، «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٠١ (١٢٩٣)، «معرفة الثقات» ٢/ ١١٤ (١١٧١)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥ (١٥٨٢)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٦٤ - ١٧٠ (٣٦٨٩).
(٤) ساقطة من (ج).



وعنه ابناه (وعِدة) (١)، وأمه حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
ولي بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك، وكانت خلافته مثل خلافة الصديق سواء. ومات بدير سمعان قرية بقرى حمص سنة إحدى ومائة لعشر بقين من رجب، عن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر، وكان أشج يقال له: أشج بني أمية، ضربته (دابة) (٢) في وجهه (٣).
فائدة:
ليس له في البخاري سوى حديث واحد رواه في الاستقراض من حديث أبي هريرة في الفلس (٤).
فائدة ثانية:
في الراوة أيضًا عمر بن عبد العزيز بن عمران بن مقلاص (٥) روى له (الترمذي) (٦) فقط.
وأما عدي فهو السيد الجليل أبو فروة عدي (د. ت. ن) بن عدي بن عميرة -بفتح العين- بن زرارة بن الأرقم بن (عمرو) (٧) بن وهب بن ربيعة بن الحارث بن عدي الكندي الجَزَرِي التابعي. روى عن أبيه

---------------------
(١) في (ج): وغيرهما.
(٢) في (ج): دابته.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٣٣٠، «التاريخ الكبير» ٦/ ١٧٤ - ١٧٥ (٢٠٧٩)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٢٢ (٦٦٣)، «الثقات» ٥/ ١٥١، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٤٣١ - ٤٤٧ (٤٢٧٧).
(٤) سيأتي برقم (٢٤٠٢) باب: إذا وجد ماله عند مفلس في البيع.
(٥) أبو حفص المصري الخزاعي، ثقة فاضل. انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٢١/ ٤٣١ - ٤٣٢ (٤٢٧٦)، «الكاشف» ٢/ ٦٥ (٤٠٨٨)، «تقريب التهذيب» ص ٤١٥ (٤٩٣٩).
(٦) في (ف): النسائي وهو خطأ.
(٧) في (ف): عمر، والمثبت من (ج).



وعمه العُرس بن عميرة، وهما صحابيان، وعنه الحكم وغيره من التابعين وغيرهم، قَالَ البخاري: هو سيد أهل الجزيرة (١).
وقال مسلمة بن عبد الملك: في كندة ثلاثة يُنزل الله بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: رجاء بن حيوة، وعدي بن عدي، وعبادة بن نسيء.
وقال أحمد: عدي لا يسأل عن مثله، ووثقه يحيى وأبو حاتم وغيرهما.
(وقال ابن سعد: كان ناسكًا فقيهًا، ولي لسليمان بن عبد الملك الجزيرة وإرمينية وأذربيجان) (٢).
وقال ابن أبي حاتم: كان عامل عمر بن عبد العزيز على الموصل.
مات سنة عشرين ومائة، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه ولم يخرج له في الصحيحين ولا في الترمذي (٣).
فائدة:
إرمينية هذِه بكسر الهمزة كما صرح به البكري (٤)، ووقع بخط النووي في القطعة التي له على هذا الكتاب فتحها ضبطًا، سميت بذلك؛ لكون الأرمن فيها أو بيرمون من ولد يافث بن نوح.
وأما معاذ فستأتي ترجمته في موضعه اللائق به وكذا غيره مما ذكر، وليس في الصحابة من اسمه معاذ بن جبل غيره.

------------------
(١) «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٤ (١٩٣).
(٢) ساقط من (ج) وانظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٨٠.
(٣) انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٧/ ٣ (٦) «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٢ (١٢٢٤)، «الثقات» ٥/ ٢٧٠، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٥٣٤ - ٥٣٦ (٣٨٨٧).
(٤) «معجم ما استعجم» ١/ ١٤١.



الوجه السادس: في اتصال هذِه الآثار التي ذكرها البخاري رحمه الله.
أما أثر عمر بن عبد العزيز فأخرجه أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد (رُسْتَه) (١) في كتاب «الإيمان» تأليفه، فقال: حدثنا ابن مهدي، نا جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم قَالَ: كتب عمر .. فذكره (٢)، وهذا إسنادٌ صحيح.
وأما أثر معاذ فأخرجه أيضًا عن ابن مهدي، نا سفيان، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال عنه (٣)، وهذا أيضًا إسنادٌ صحيح. (ورويناه

-------------------
(١) في (ح): رشد.
ورُسْتة هو الإمام المحدث المتقن، أبو الفرج، وقيل: أبو الحسن، عبد الرحمن ابن عمر بن يزيد بن كثير، الزهري المديني الأصبهاني، ولقبه رُسْته.
سمع يحيى القطان، وعبد الوهاب الثقفي، وعبد الرحمن بن مهدي، وخلقًا سواهم حدث عنه ابن ماجه. توفي سنة خمسين ومائتين.
انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٦٣ (١٢٤٦)، «الثقات» ٨/ ٣٨١، «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٩٦ - ٢٩٩ (٣٩١٤)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ١٧٢ (٣٠٤٣٥)، وفي كتاب «الإيمان» (١٣٥)، والخلال في «السنة» (١١٦٢، ١٥٥٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٧٨ من طريق جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم، عن عدي بن عدي قال: كتب إليَّ عمر بن عبد العزيز ..
قال الألباني في تحقيقه لكتاب «الإيمان» لابن أبي شيبة (١٣٥): والسند إلى عمر صحيح. اهـ.
(٣) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «الإيمان» (٢٠)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩ (٨٢٣)، من طريق سفيان، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ١٦٤ (٣٠٣٥٤)، ٧/ ١٤٢ (٣٤٦٨٧)، وفي كتاب «الإيمان» (١٠٧)، والخلال في «السنة» (١١٢١)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٣٥ من طريق الأعمش.
كلاهما أي: سفيان، والأعمش، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن معاذ به. =



في مجالس أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي بإسنادنا إليه عن عبد الجبار بن العلاء، ثنا وكيع، عن مسعر، عن جامع بن شداد به) (١).
وأما أثر ابن مسعود فأخرجه أيضًا عن أبي زهير، حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة عنه قَالَ: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله (٢). وهذا أيضًا إسنادٌ صحيح.

---------------------
= قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٨: التعليق المذكور وصله أحمد وأبو بكر بسند صحيح إلى الأسود بن هلال. اهـ.
وقال الألباني في تحقيقه لكتاب «الإيمان» لأبي عبيد، وكتاب «الإيمان» لابن أبي شيبة: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(١) من (ج)، والأثر رواه الخلال في «السنة» (١١٢١) من طريق وكيع، عن مسعر.
(٢) روي هذا الأثر موقوفًا، ومرفوعًا، أما الموقوف فرواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» ٣/ ١٠٠ (٣٩٩٣) من طريق أبي معاوية، ورواه الحاكم ٢/ ٤٤٦ من طريق جرير، ورواه البيهقي في «الشعب» ٧/ ١٢٣ من طريق وكيع، كلهم عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة، عن عبد الله به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. وقال الذهبي: صحيح. اهـ.
وقال البيهقي في «الآداب» ص ٣٠٧ (٩٣٢): روي مرفوعًا وموقوفًا عن ابن مسعود والموقوف أصح. اهـ. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٤/ ١٤٠: رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح، وهو موقوف ورفعه بعضهم. اهـ.
وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٥٧: رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله رجال الصحيح. اهـ.
وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٨: وصله الطبراني بسند صحيح. اهـ.
وأما المرفوع فرواه ابن الأعرابي في «المعجم» (٥٩٢)، وأبو القاسم تمام بن محمد في «الفوائد» ٢/ ٤٠ (١٠٨٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٤، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٢٦ - ١٢٧، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ١٢٣، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٢٦، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن محمد بن خالد المخزومي، عن سفيان، عن زبيد، ج عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعًا. =



ثم قَالَ: ونا عبد الله، نا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان بمثله، وروى أحمد في كتاب «الزهد» عن وكيع، عن شريك، عن هلال، عن ابن عكيم قَالَ: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانًا (١) (ويقينًا وفقهًا (٢).
وأما أثر مجاهد فرواه عبد بن حميد في «تفسيره» عن شبابة، عن ورقاء عنه، وهذا إسناد صحيح ورواه ابن المنذر بإسناده بلفظة: وصاه وأنبياءه كلهم دينًا واحدًا (٣).

------------------
= قال أبو علي النيسابوري: هذا حديث منكر لا أصل له من حديث زبيد، ولا من حديث الثوري. اهـ.
وقال أبو نعيم والخطيب: تفرد به المخزومي عن الثوري. اهـ.
وقال البيهقي: تفرد به يعقوب عن المخزومي، والمحفوظ عن ابن مسعود. اهـ.
وقال ابن الجوزي: تفرد به محمد بن خالد عن الثوري، ومحمد مجروح، قال يحيى والنسائي: يعقوب ليس بشيء. اهـ. وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٨: ولا يثبت رفعه. اهـ.
وقال الملا عليّ القاري في: «الأسرار المرفوعة» (٦٢٣): موضوع على ما ذكره الصغاني. اهـ. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٩٩): منكر. اهـ.
(١) يبدأ من هنا سقط طويل من (ج) سنشير إلى نهايته.
(٢) لم أجده في «الزهد» للإمام أحمد، ورواه عبد الله في «السنة» ١/ ٣٦٩ (٧٩٧). قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ٤٨ إسناده صحيح.
(٣) عزاه لـ «تفسير عبد بن حميد» السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ٣٣٩. والحديث رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ١٣٥ من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به. وبه علم أنه قد سقط من الإسناد الذي ساقه المؤلف ابن أبي نجيح، فليعلم.
قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٨: قال شيخ الإسلام البلقيني: وقع في أصل الصحيح في جميع الروايات في أثر مجاهد هذا تصحيف قلَّ من تعرض لبيانه، وذلك أن لفظه: وقال مجاهد: شرع لكم: أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدًا. والصواب أوصاك يا محمد وأنبياءه. كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري وابن المنذر في تفاسيرهم. وبه يستقيم الكلام، وكيف يفرد مجاهد الضمير لنوح =



وأما أثر ابن عباس فرواه الأزهري في «تهذيبه» عن ابن ماهك عن حمزة، عن عبد الرزاق، عن أبي إسحاق، عن التميمي -يعني: أربدة- عن ابن عباس (١)، وأنا: عن حمزة، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:
-------------------
= وحده مع أن في السياق ذكر جماعة. انتهى. ولا مانع من الإفراد في التفسير، وإن كان لفظ الآية بالجمع على إرادة المخاطب والباقون تبع، وإفراد الضمير لا يمتنع؛ لأن نوحًا أفرد في الآية فلم يتعين التصحيف، وغاية ما ذكر من مجيء التفاسير بخلاف لفظه أن يكون مذكورًا عند المصنف بالمعنى. والله أعلم. اهـ.
(١) لم أجد في «تهذيب اللغة» مادة [نهج]، هذا الأثر، وفي مادة [شرع]، ٢/ ١٨٥٧: قال أبو إسحاق: في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قال بعضهم: الشرعة في الدين، والمنهاج: الطريق والأثر.
رواه: سفيان الثوري في «تفسيره» ص ١٠٣ ومن طريقه عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ١٨٧ (٧٢١) عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سبيل وسنة.
ومن هذا الطريق علم أنه قد سقط من الإسناد الذي ساقه المصنف سفيان الثوري؛ لأن عبد الرزاق لا يروي عن أبي إسحاق السبيعي مباشرة، فعبد الرزاق ولد سنة ست عشرين ومائة، وأبو إسحاق توفي سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: ست وعشرين ومائة، وقيل: ثمان وعشرين ومائة، وقيل: تسع وعشرين ومائة، وعلى كلٍّ لا يصح سماعه منه.
انظر: «تهذيب الكمال» ١٨/ ٦١، ٢٢/ ١١٢. ورواه الطبري في «تفسيره» ٤/ ٦١١ من طرق عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنة وسبيلا.
ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١١٥١ (٦٤٨٢) من طريق يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿شِرْعَةً﴾. قال: سبيلًا، ورواه أيضًا في ٤/ ١١٥٢ (٦٤٨٥) من طريق سفيان عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنة.
قال ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» ٢/ ٦٧: وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء الخراساني: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. أي: سنة وسبيلا، والأول أنسب -أي: سبيلا وسنة- فإن الشرعة وهي الشريعة أيضًا هي: ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: =



شرعة ومنهاجًا قال: الدين واحد والشريعة مختلفة (١). وروى ابن المنذر بسنده إليه أنه قال: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]،: لولا إيمانكم (٢).
الوجه السابع: في بيان ألفاظه ومعانيه:
قوله: «الْبُغْضُ فِي اللهِ وَالْحُبُّ فِي اللهِ مِنَ الإِيمَانِ» (في) هنا للسببية -أي: بسبب طاعة الله ومعصيته- كقوله عليه الصلاة والسلام: «في النفس المؤمنة مائة من الابل» (٣) وكقوله في التي حبست الهرة فدخلت النار فيها (٤)، أي: بسببها وأصل (في) للظرفية.
وقوله: (إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَسُنَنًا). قال ابن المرابط: الفرائض: ما فُرِضَ علينا من صلاة وزكاة ونحوهما، والشرائع كالتوجه إلى القبلة، وصفاف الصلاة، وعَدَد شهر رمضان، وعدد جلد القاذف، وعدد الطلاق إلى غير ذلك، والسنن: ما أمر به الشارع من فضائل الأعمال، فمتى أتى بالفرائض والسنن وعرف الشرائع، فهو مؤمن كامل.

---------------------
= شرع في كذا: ابتدأ فيه، وكذا الشريعة، وهي ما يشرع منها إلى الماء. أما المنهاج، فهو الطريق الواضح السهل، والسنن: الطرائق، فتفسير قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم. اهـ.
(١) رواه عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ١٨٧ (٧٢٠)، والطبري ٤/ ٦١٠ (١٢١٣٣)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١١٥٢ (٦٤٨٧)، ووقع فيه عمر، وهو خطأ، والصواب معمر.
(٢) سيأتي برقم (٢٣٦٥) كتاب: المساقاة، باب: فضل سقي الماء.
(٣) رواه النسائي ٨/ ٥٨ - ٦٠، والمروزي في «السنة» (٢٤٤ - ٢٤٦)، والحاكم ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧، وابن حبان ١٤/ ٥٠١ - ٥١٠ (٦٥٥٩)، والبيهقي في «الكبرى» ٨/ ٧٣ من طرق عن عمرو بن حزم.
(٤) سيأتي برقم (٣٣١٨).



وقوله: (فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ) أي: أوضحها إيضاحًا يفهمه كل أحد وإنما أخر بيانها؛ لاشتغاله بما هو أهم منها ولم يعلم أنهم يجهلون مقاصدها، ومعنى: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ليزداد (١)، وهو المعنى الذي أراده البخاري.
وقيل: بالمشاهدة، كأن نفسه طالبته بالرؤية (٢). والشخص قد يعلم الشيء من جهة، ثم يطلبه من أخرى.
وقيل: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: إذا سألتك أجبتني (٣).
وقوله: (اجلس بنا نؤمن ساعة) أي: نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين، فإن ذلك إيمان.
وقال ابن المرابط: نتذاكر ما يُصدق اليقين في قلوبنا؛ لأن الإيمان هو التصديق بما جاء من عند الله تعالى.
وقوله: (الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ)، قال أهل اللغة: اليقين: هو العلم وزوال الشك، يقال: منه يقنت الأمر -بالكسر- يقنًا، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى، وأنا على يقين منه، وذلك عبارة عن التصديق وهو أصل الإيمان فعبر بالأصل عن الجميع كقولهم: الحج عرفة، وفيه دلالة على أن الإيمان يتبعض؛ لأن كُلًّا وأجمعَ لا يؤكد بهما إلا ما يتبعض حسًّا أو حكمًا كما قاله أهل العربية.

-----------------
(١) رواه الطبري ٣/ ٥٢ عن سعيد بن جبير (٥٩٧٧، ٥٩٨٢)، والضحاك (٥٩٧٨)، وقتادة (٥٩٧٩، ٥٩٨٠)، والربيع (٥٩٨١)، ومجاهد وإبراهيم (٥٩٨٤)، ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥١٠ (٢٦٩٨) عن سعيد بن جبير فقط.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥١٠ (٢٧٠١) عن الضحاك.
(٣) رواه الطبري ٣/ ٥٣ (٥٩٨٦)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥٠٩ (٢٦٩٥، ٢٦٩٦) عن ابن عباس.



و(حاك) بالحاء المهملة، وفتح الكاف المخففة: ما يقع في القلب، ولا ينشرح له صدره، وخاف الإثم فيه، يقال فيه: حاك يحيك، وحك يحك، وأحاك يحيك، وفي «صحيح مسلم» من حديث النواس بن سمعان - رضي الله عنه - قال سألت رسول الله - ﷺ - عن البر والإثم فقال: «البرُّ حُسْنُ الخُلق، والإثمُ ما حاكَ في نفسِكَ، وكرهتَ أن يطلعَ عليه الناسُ» (١) فالذي يبلغ حقيقة التقوى تكون نفسه متيقنة الإيمان سالمة من الشكوك. وعبّر هنا بالصدر عن النفس والخلد.
وقولهم: (﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]): أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وإيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا) معناه أن هذا الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصه، هو شرع الأنبياء قبل نبينا كما هو شرع نبينا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية. ويقال: جاء نوح بتحريم الحرام وتحليل الحلال (٢)، وهو أول من جاء من الأنبياء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ونوح أول نبي جاء بعد إدريس -عليه السلام-.
وقوله في: (﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، سبيلًا وسنة.
﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم): يعني: أن ابن عباس فسر قوله تعالى: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بسبيل وسنة، وفسر قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، قال المراد بالدعاء: الإيمان، فمعنى (دعاؤكم): إيمانكم.
قال ابن بطال: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ الذي هو زيادة في إيمانكم (٣).

--------------------
(١) مسلم (٢٥٥٣) كتاب البر والصلة والآداب، باب: تفسير البر والإثم.
(٢) رواه الطبري ١١/ ١٣٥ (٣٠٦٣٥) عن قتادة.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٦١.



وقال النووي: وهذا الذي قاله حسن، أي: فإن أصل الدعاء النداء والاستغاثة ففي «الجامع»: سئل ثعلب عنه، فقال: هو النداء.
ويقال: دعا اللهَ فلانُ بدعوة فاستجاب له، وقال ابن سيده: هو الرغبة إلى الله تعالى، دعاهُ دعاءً ودعوى حكاها سيبويه (١)، وفي «الغريبين» الدعاء: الغوث، وقد دعا، أي: استغاث قَالَ تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
ثم اعلم أنه يقع في كثير من نسخ البخاري هنا باب: دعاؤكم إيمانكم، ثم ساق حديث ابن عمر السالف، وعليه مشى شيخنا في «شرحه»، وليس ذَلِكَ بجيد؛ لأنه ليس مطابقًا للترجمة؛ ولأنه ترجم أولًا لقوله - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس» ولم يذكره قبل هذا؛ إنما ذكره بعده، والصواب ما أسلفناه، وحكئ أبو إسحاق عن بعضهم أن الشرعة: الدين.
والمنهاج: الطريق. وقيل: هما جميعًا الطريق، والطريق هنا: الدين. لكن اللفظ إذا اختلف أُتي فيه بألفاظ للتأكيد (٢).
وقال محمد بن يزيد (٣): شرعة معناها: ابتداء الطريق. والمنهاج

--------------------
(١) «المحكم» ٢/ ٢٣٤.
(٢) كذا بالأصل، وجاء في «تهذيب اللغة» ٢/ ١٨٥٧ مادة: شرع، ولكن اللفظ إذا اختلف أُتي به بألفاظ تؤكد بها القصة والأمر. اهـ.
(٣) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي، البصري، أبو العباس، المبرِّد إمام النحو، كان إمامًا، علّامة، جميلا، فصيحًا، مفوّها، موثّقا، صاحب نوادر وطرف.
قال الذهبي: له تصانيف كثيرة، يقال: إن المازني أعجبه جوابه، فقال له: قم فأنت المبرِّد، أي: المثبت للحق، ثم غلب عليه: بفتح الراء. اهـ. مات في أول سنة ست وثمانين ومائتين. =



الطريق المستمر (١).
وقال ابن عرفة: الشرعة والشريعة سواء، وأصل الشريعة: مورد الماء. وذكر الواحدي وغيره في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨]، قَالَ: الشريعة: الدين والملة والمنهاج والطريقة والسنة والقصد (٢)، قالوا: وبذلك سميت شريعة النهر؛ لأنه يتوصل منها إلى الانتفاع (٣).
والشارع: الطريق الأعظم، وقال مجاهد في معنى الآية السالفة: ما يفعل بكم ربي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه (٤). وقيل: معناه: ما يعبأ بخلقكم لولا توحيدكم إياه.
ومعنى: «بني الاسلام»: أسس.

------------------
= انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٣/ ٣٨٠ - ٣٨١، «المنتظم» ٦/ ٩ - ١١، «وفيات الأعيان» ٤/ ٣١٣ - ٣٢٢، «الوافي بالوفيات»، ٥/ ٢١٦ - ٢١٨، «السير» ١٣/ ٥٧٦.
(١) انظر: «معاني القرآن» لأبي جعفر النحاس ٢/ ٣١٩، «تهذيب اللغة» ٢/ ١٨٥٧ مادة «شرع».
(٢) «تفسير الواحدي» ٤/ ٩٧.
(٣) انظر: «تفسير البغوي» ٧/ ٢٤٣، ٢٤٤، «زاد المسير» ٧/ ٣٦٠.
(٤) «تفسير مجاهد» ٢/ ٤٥٧ وفيه: لولا دعاؤكم إياه. قال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ١/ ٢١: وأما قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] للمفسرين قولان:
أحدهما: أن المراد لولا دعاؤكم إياه، فيكون الدعاء بمعنى الطاعة، كما ذكرنا.
والثاني: لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: لأدعوهم إلى عبادتي.
وإنما اختلف المفسرون في ذلك لأن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول أخرى. اهـ.



وقوله: «على خمس» أي: خمس دعائم أو قواعد، وفي رواية لمسلم: «على خمسة» (١) بالهاء وهو صحيح أيضًا، أي: خمسة أشياء أو أركان أو أصول، وتحتمل الرواية السالفة وجهًا آخر وهو أن المراد خمسة أشياء، وإنما حذف الهاء؛ لكون الأشياء لم تذكر كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، والمعنى: عشرة أشياء، وكقوله - ﷺ -: «من صام رمضان وأتبعه ستًّا» (٢) ونحو ذَلِكَ.
وقوله: «وإقام الصلاة»: أصله: إقامة الصلاة، حذفت التاء، وقوله: «وإيتاء الزكاة» أي: أهلها، فحذف المفعول، والإيتاء: الإعطاء.
الوجه الثامن:
مقصود الباب بيان زيادة الإيمان ونقصانه، وإطلاقه على الأعمال كالصلاة والصيام والذكر وغيرها، ومذهب السلف والمحدثين وجماعات من المتكلمين أن الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص، ومعنى هذا أنه يطلق على التصديق بالقلب، وعلى النطق باللسان، وعلى الأعمال بالجوارح كالصلاة وغيرها، ويزيد بزيادة هذِه وينقص بنقصها، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصه، وقالوا: متى قَبِل الزيادة والنقص كان شكًّا وكفرًا، قَالَ المحققون منهم: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته ونقصانها وهي الأعمال، وفي هذا جمع بين ظواهر النصوص الواردة بالزيادة مع أقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون.

------------------
(١) مسلم (١٦) كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٢) رواه مسلم (١١٦٤) كتاب الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعًا لرمضان، من حديث أبي أيوب.



قَالَ النووي: وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر المختار خلافه، وهو أن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، وانشراح الصدر، واستنارة القلب؛ ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشُّبه، ولا يتزلزل إيمانهم لعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت الأحوال عليهم.
وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفسَ تصديقِ الصديق لا يساوي تصديق آحاد الناس، ولهذا ذكر البخاري كما سيأتي في بابه عن ابن أبي مليكة قَالَ: أدركت ثلاثين من الصحابة كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل (١).
ويدل له ظواهر نصوص الكتاب والسنة، فمن الآيات: التي ذكرهن البخاري وغيرهن، ومن السنة: أحاديث كثيرة في «الصحيح» ستأتي في مواضعها كحديث: «يخرج من النار من كان في قلبه وزن شعيرة من إيمان» وكذا: «من كان في قلبه وزن برة من إيمان» وكذا: «من كان في قلبه وزن ذرة» (٢) فهذا هو الصحيح الموافق لظواهر النصوص القطعية ولما قاله سلف الأمة، ولما يقضي به الحسُّ، وأما إطلاق اسم الإيمان عَلَى الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله لا تحصى من الكتاب والسنة.

-------------------
(١) «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٤٨ - ١٤٩، وحديث ابن أبي مليكة سيأتي معلقًا قبل حديث (٤٨) باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
(٢) سيأتي برقم (٤٤) كتاب الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه.



قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم، بإجماع (١).
ومثله الآيات التي ذكرها البخاري في الأحاديث، وأما الأحاديث فَسَتمرُّ بها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وهذا المعنى أراد البخاري في «صحيحه» بالأبواب الآتية بعد هذا كقوله: باب أمور الإيمان، الصلاة من الإيمان، الزكاة من الإيمان، الجهاد من الإيمان، وسائر أبوابه.
وأراد الرد على المرجئة في قولهم الفاسد: إن الإيمان قول بلا عمل، وبيّن غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم الكتاب والسنة والإجماع.
قَالَ ابن بطَّال: مذهب جميع أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (٢). فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمن هو إتيانه بهذِه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح؛ وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل بلا اعتقاد، أو اعتقد وعمل وجحد بلسانه لا يكون مؤمنًا، وكذا إِذَا أقر واعتقد ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فأخبرنا تعالى أن المؤمن لا يكون إلا مَنْ هذِه صفتُه؛ ولهذا قَالَ - ﷺ -: «لا يَسْرقُ السَّارقُ حينَ يَسْرقُ وهو مُؤمِنٌ» (٣).

---------------
(١) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٤٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٥٦.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٧٥) كتاب المظالم، باب: النُهبى بغير إذن صاحبه.



فالحاصلُ أنَّ الذي عليه أهل السنة أو جمهورهم أن من صدق بقلبه، ونطق بلسانه بالتوحيد ولكنه قصر في الأعمال الواجبة كترك الصلاة، وشرب الخمر لا يكون كافرًا خارجًا من الملة، بل هو عاصٍ فاسق يستحق العذاب، وقد يُعْفَى عنه، وقد يُعَذَّب، فإن عُذب ختم له بالجنة، وسيأتي بيان هذا في بابه -إن شاء الله- وأبعد بعضهم فقال: إِذَا اعتقد بقلبه، ولم ينطق بلسانه من غير عذر يكون فائزًا في الآخرة حكاه في «الشفا» (١).
وقد ساق الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي (٢) في كتاب «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» عن عمر بن الخطاب وخمسةَ عشرَ من الصحابة: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وعن خلق من التابعين وأتباعهم فوق الخمسين (٣).
وقال سهل بن المتوكل: أدركت ألف أستاذ كلهم يقول: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.
وقال يعقوب بن سفيان: أدركت أهل السنة والجماعة على ذَلِكَ بمكة، والمدينة والبصرة والشام والكوفة منهم: عبد الله بن يزيد المقرئ وعددهم فوق الثلاثين (٤).

-------------------
(١) «الشفا» ٢/ ٥.
(٢) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري، وكنيته: أبو القاسم صاحب كتاب: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» طبري الأصل نسبة إلى طبرستان، ثم قدم بغداد واستوطنها، توفي سنة ٤١٨ هـ، انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١٤/ ٧٠ (٧٤١٨)، و«سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٤١٦.
(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٥/ ٩٦٢ - ٩٦٣.
(٤) رواهما اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٥/ ١٠٣٥ - ١٠٣٦.



وذكر أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر في كتاب «الإيمان» ذَلِكَ (١) عن خلق قَالَ: ولو كان الإيمان قولًا لكان المنافقون مؤمنين؛ لأنهم قد تكلموا بالقول.
وأيضًا فلم يبعث الله نبيًّا قط إلا دعا قومه إلى القول والعمل وأمر بالقول والعمل، أولهم آدم، ثمَّ ساق ذَلِكَ، وأما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان؛ فخشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج.
فوائد:
الأولى: اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين -على ما قَالَ النووي- عَلَى أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القِبلة ولا يُخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق مع ذَلِكَ بالشهادتين، قَالَ: فإن اقتصر عَلَى أحدهما لم يكن من أهل القِبلة أصلًا، بل يخلد في النار، إلا أن يعجز عن النطق بخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية، أو لغير ذَلِكَ، فإنه حينئذٍ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ، وإذا نطق بهما لم يشترط معهما أن يقول: وأنا بريء من كل دين خالف الإسلام عَلَى الأصح، إلا أن يكون من كفار يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب فلا يحكم بإسلامه حتَّى يتبرأ، ومن أصحابنا من شرط التَبرُّؤ مطلقًا وهو غلط؛ لقوله - ﷺ -: «أمرتُ أن أقاتل الناس حتَّى يشهدوا أن لا إلة إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (٢).
ومنهم من استحبه مطلقًا كالاعتراف بالبعث، أما إِذَا اقتصر الكافر

----------------------
(١) بهامش (ف) تعليق نصه: قائله هو رسته.
(٢) سيأتي برقم (٢٥) كتاب الإيمان، باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة. عن ابن عمر.



على قوله: لا إله إلا الله ولم يقل: محمد رسول الله. فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يكون مسلمًا، ومن أصحابنا من قَالَ: يصير مسلمًا، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإنْ أبى جعل مرتدًا، واحتج له بقوله - ﷺ - في روايات: «أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا: لا إلة إلا الله» (١) وحجة الجمهور الرواية السالفة وهي مقدمة عَلَى هذِه؛ لأنها زيادة من ثقة، وليس فيها نفي للشهادة الثانية، وأيضًا فإن فيها تنبيهًا عَلَى الأخرى (٢).
وأغرب القاضي الحسين فشرط في ارتفاع السيف عنه أن يقر بأحكامها مع النطق بها، فأما مجرد قولها فلا، وهو عجيب منه.
الثانية: اشترط القاضي أبو الطيب من أصحابنا الترتيب بين كلمتي الشهادة في صحة الإسلام فيقدم الإقرار بالله عَلَى الإقرار برسوله، ولم أر من وافقه ولا من خالفه (٣).
وذكر الحليمي في «منهاجه» ألفاظًا تقوم مقام لا إله إلا الله، في بعضها نظر؛ لانتفاء ترادفها حقيقة، فقال: ويحصل الإسلام بقوله: لا إله غير الله، ولا إله سوى الله، أو ما عدا الله، ولا إله إلا الرحمن أو البارئ، أو لا رحمن أو لا باري إلا الله، أو لا ملك أو لا رازق إلا الله، وكذا لو قَالَ: لا إله إلا العزيز أو العظيم أو الحليم أو الكريم أو القدير، قَالَ: ولو قَالَ: أحمد أو أبو القاسم رسول الله فهو كقوله: محمد رسول الله (٤).

------------------------
(١) سيأتي برقم (٢٩٤٦) في الجهاد، باب: دعاء النبي - ﷺ - الناس. عن أبي هريرة.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٤٩.
(٣) انظر: «المجموع» ١/ ٤٧٦.
(٤) انظر: «الشرح الكبير» ١١/ ١١٨، «روضة الطالبين» ١٠/ ٨٥.



الثالثة: لو أقرَّ بوجوب الصلاة، أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام وهو عَلَى خلاف ملته التي كان عليها، فهل يصير بذلك مسلمًا؟
فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: لا؛ لظاهر الحديث. ومن قَالَ: يصير، قَال: (كل ما) (١) يَكْفُر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلمًا (٢).
الرابعة: يصح الإسلام بالعجمية مع العجز عن العربية قطعًا، وكذا مع القدرة عَلَى الأصح؛ لوجود الإقرار والاعتقاد (٣).
الخامسة: اختلف السلف والخلف في إطلاق الإنسان: أنا مؤمن مقتصرًا عليه. فمنعت طائفة ذَلِكَ وقالوا: يقرنه بالمشيئة، وحكي هذا عن أكثر المتكلمين، وجوزته أخرى وهو المختار، وقول أهل التحقيق.
وذهبت طائفة ثالثة إلى جواز الأمرين وهو حسن، والمقالات الثلاث صحيحة باعتبارات مختلفة. فمن أطلق نظر إلى الحال؛ فإن أحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن استثنى أراد التبرك أو اعتبار العاقبة، ومن خير نظر إلى الحالين ورفع الاختلاف (٤).

--------------------
(١) في (ف): كلما، وفي (ج): كما، والمثبت هو الصحيح إن شاء الله.
(٢) انظر: «الوسيط» ٦/ ٤٨.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ٨/ ٢٨٢.
(٤) قال ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» ص ٣٣٩:
والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال. اهـ. ثم ذكر قول من يوجبه ومن يمنعه وأجاب عن حججهم ثم قال: وأما من يُجوّز الاستثناء وتركه، فهم أسعد بالدليل من الفريقين، وخير الأمور أوسطها، فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه مُنع من الاستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه. وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ =



فرع: الكافر أجرى أصحابنا الخلاف فيه أيضًا، وهو غريب، والمختار الإطلاق ولا نقول: هو كافر إن شاء الله.
السادسة: مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل البدع والأهواء.
الوجه التاسع:
أدخل البخاري في هذا الباب حديث ابن عمر؛ ليبين أن الإسلام يطلق عَلَى الأفعال، وأن الإسلام والإيمان قَدْ يكونان بمعنًى. وهذِه المسألة فيها خلاف شهير للسلف، فقيل: معناهما واحد، وهو مذهب البخاري وغيره، وقيل: بينهما عموم وخصوص.
قَالَ الخطابي: ما أكثر ما يغلط الناس في هذِه المسألة. فأما الزهري فقال: الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل (١)، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤].
وقال غيرهما بمعنًى، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٦].
وقد تكلم في هذِه المسألة رجلان من كبراء أهل العلم، وصار كل

------------------
= وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢: ٤] وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. فالاستثناء حينئذ جائز. وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقًا للأمر بمشيئة الله، لا شكّا في إيمانه، وهذا القول في القوة كما ترى. اهـ.
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٤٠٠ (٣١٧٧٦).





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* كم من مُسْتَدْرَج وهو لا يعلم
* خرخش.. لكن لا تسئ إلى الرموز
* الأمير الشهيد الشاعر عبد الله بن رواحة
* من مائدة الفقه
* المنان جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* تحريم إنكار وجود الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة
* مجموعة من الاحاديث الضعيفة والموضوعة ---- متجددة إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-20-2026, 02:24 AM   #40

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 456 الى صـــ 475
الحلقة (40)





واحد إلى قول من هذين القولين، ورد الآخر عَلَى المتقدم، وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه مائتين.
قَالَ الخطابي: والصحيح في هذا أن يقيد الكلام، وذلك أن المسلم قَدْ يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم ولا عكس (١).
وإذا تقرر هذا استقام تأويل الآيات واعتدل القول فيها، وأصل الإيمان التصديق، وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن، وقد يكون صادقًا في الباطن غير منقاد في الظاهر.
وقال البغوي في حديث جبريل: جعل النبي - ﷺ - الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذَلِكَ؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذَلِكَ تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين؛ ولهذا قَالَ - ﷺ -: «أتاكم جبريل يعلمكم دينكم» (٢).
والتصديق، والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] و﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، و﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٣) [آل عمران: ٨٥].

-------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٠ - ١٦١.
(٢) انظر: «شرح السنة» ١/ ١٠، والحديث رواه مسلم (٨) كتاب الإيمان، باب: بيان الإسلام والإيمان.
(٣) انقطع الكلام في (ف) بسبب سوء التصوير وتمام الكلام كما في «شرح السنة» للبغوي: فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولن يكون =



وسيكون لنا عودة إليه إن شاء الله حيث ذكره البخاري رحمه الله قريبًا.
وقال أبو عبد الله محمد بن الإسماعيلي الأصبهاني في «شرح مسلم»: الإيمان لغةً: التصديق. فإن عني به ذَلِكَ فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق ليس شيئًا يتجزأ حتَّى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى، والإيمان في لسان الشرع هو: التصديق بالقلب، والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص، وهذا مذهب أهل السنة.
فالخلاف إذًا إنما هو إِذَا صدق بقلبه ولم يضم إليه العمل بموجب الإيمان هل يسمى مؤمنًا مطلقًا أم لا؟
الوجه العاشر:
اختلف في الأسماء الشرعية (١) كالصلاة، والصوم، والإيمان هل هي واقعة أم لا؟
فالمشهور وقوعها، وأبعد القاضي وأبو نصر القشيري فصمما عَلَى إنكارها، وأغرب أبو الحسين فحكى عن بعضهم أنه منع من إمكانها وهو واهٍ (٢).

---------------------
= الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل أهـ.
(١) قال الزركشي في «البحر المحيط» ٣/ ٢٤: من الأصوليين من ترجم هذِه المسألة بأن الحقيقة الشرعية هل هي واقعة أم لا؟ كما في «المحصول»، ومنهم من ترجمها بالأسماء الشرعية كما عبر به ابن الحاجب في «المنتهى» والبيضاوي في «منهاجه» وهو الصواب؛ ليشمل كلا من الحقائق الشرعية، والمجازات الشرعية؛ فإن البحث جارٍ فيهما وفاقًا وخلافًا. اهـ.
والحقيقة الشرعية هي: اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع.
انظر: «المعتمد» ١/ ١٨، «البحر المحيط» ٣/ ١٣، «الإبهاج» ١/ ٢٧٥، «إرشاد الفحول» ١/ ١٣٦.
(٢) انظر: «المعتمد» ١/ ١٨ - ١٩، «الإبهاج» ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، «الإحكام» للآمدي =



واختلف القائلون بالوقوع هل هي حقائق مبتكرة (١) أو مأخوذة من الحقائق اللغوية؟ فذهبت المعتزلة إلى الأول، وغيرهم إلى الثاني، وقالوا: إنها مجازات لغوية، حقائق شرعية (٢)، ومحل الخوض في هذِه المسألة كتب الأصول.
قَالَ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: هذِه أول مسألة نشأت في الاعتزال؛ لأنه لما قتل عثمان، ونشأت الفتنة، ثمَّ جاءت المعتزلة قدحوا في الصحابة، وقالوا: لا نجعلهم مؤمنين بل منزلة بين منزلتين، قيل لهم: إنهم مؤمنون، لأن الإيمان هو التصديق، قالوا: اسم الإيمان نقل لمن لم يعمل كبيرة. قَالَ الشيخ: يمكننا أن نقول: إن الأسماء منقولة إلا هذِه المسألة فيحترز عنها (٣).
الوجه الحادي عشر:
حديث ابن عمر هذا حديث عظيم، أحد قواعد الإسلام وجوامع الأحكام ولم يُذكر فيه الجهاد؛ لأنه لم يكن فرض إذ ذاك، أو لأنه من فروض الكفايات، وتلك فرائض الأعيان.
قَالَ الداودي: لما فتحت مكة سقط فرض الجهاد على من بَعُدَ من

---------------------
= ١/ ٥٦، «شرح غاية السول» ص ١٢٤ - ١٢٥، «إرشاد الفحول» ١/ ١٣٦ - ١٣٧.
(١) أي وضعها الشارع مبتكره لم يلاحظ فيها المعنى اللغوي أصلا، وليس للعرب فيها تصرف. انظر: «البحر المحيط» ٣/ ١٨.
(٢) انظر: «شرح اللمع» ١/ ١٨٣، «الإحكام» للآمدي ١/ ٥٦ - ٦٩، «إرشاد الفحول» ١/ ١٣٦ - ١٣٧، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٧/ ٢٩٨: والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة كما يستعمل نظائرها. اهـ. ثم استفاض في الكلام عليها كعادته رحمه الله، فليراجع.
ولمزيد بيان أيضًا يراجع كتاب: «شرح العمدة» لابن تيمية ٢/ ٢٧ - ٣٢.
(٣) «شرح اللمع» ١/ ١٧٢ - ١٧٣.



الكفار، وبقي فرضه عَلَى من يليهم، وكان أولًا فرضًا عَلَى الأعيان، وقيل: إنه مذهب ابن عمر، والثوري، وابن شبرمة إلا أن ينزل العدو فيأمر الإمام بالجهاد.
وجاء في البخاري لما أورده في التفسير أن رجلًا قَالَ لابن عمر: ما حملك عَلَى أن تحج عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد؟ وفي بعضها في أوله: أن رجلًا قَالَ لابن عمر: ألا تغزو؟! فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الاسلام بني على خمسة» (١) الحديث.
فهذا دال عَلَى أن ابن عمر كان لا يرى فرضه إما مطلقًا -كما نقل عنه- أو في ذَلِكَ الوقت، وجاء هنا: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ». وجاء في بعض طرقه: «عَلَى أن يوحد الله» وفي أخرى: «على أن يعبد الله، ويكفر بما دونه» (٢) بدل الشهادة، والظاهر أن ما عدا الأولى من باب الرواية بالمعنى.
وجاء هنا تقديم الحج عَلَى رمضان وفي طريقين لمسلم، وفي بعض الطرق عكسه، وفي بعضها فقال رجل (٣): الحج وصيام رمضان. فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج. هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ - (٤). فأبعد بعضهم وَوَهَّمَ رواية تقديم الحج وهو بعيد.
والصواب التأويل، إما بنسيان ابن عمر الرواية الأخرى عند الإنكار، أو كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى، أو أن الواو للترتيب،

--------------------
(١) سيأتي برقم (٤٥١٤) في التفسير، باب: قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
(٢) رواه مسلم (١٦) كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٣) ورد في بهامش الأصل: هذا الرجل اسمه: يزيد بن بشر الكي، نبه عليه الخطيب في «مبهماته».
(٤) روى هذِه الطرق مسلم (١٦) الموضع السابق.



أو أنه رواه عَلَى الأمرين.
لكنه لما رد عليه الرجل قَالَ: لا ترد ما لا علم لك به، كما رواه في أحدهما. أو أن ابن عمر أرشده إلى التاريخ؛ لأن فرض رمضان في الثانية والحج بعده، إما في سنة خمس أو ستٍّ أو تسع (١).

----------------
(١) بهامش النسخة: (بلغ … قراءة على المصنف، …) وسماع غير واضح.


٣ - باب أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. وَقَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١] الآية.

٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ الجعفي: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ». [مسلم ٣٥ - فتح ١/ ٥١]
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجعفي، حَدَّثنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَار، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاء شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: التعريف برواته.
أما أبو هريرة فاختلف في اسمه واسم أبيه عَلَى أقوال كثيرة، أفرد في جزء، وأقربها عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي.
وهو أول من كُنَّي بهذِه الكنية؛ لهرةٍ كان يلعب بها كناه النبي - ﷺ - بذلك، وقيل: والده، وكان عريف أهل الصفة، أسلم عام خيبر


بالاتفاق وشهدها مع رسول الله - ﷺ -، وسيأتي -حيث ذكره البخاري- ما يدل على أنه حضر فتحها (١).
وقيل: إنه خرج معه إليها، رواه البخاري من طريق ثور (٢)، وقال موسى بن هارون: وَهِمَ ثور، إنما قدم بعد خروجه ثمَّ لزمه وواظب عليه، وحمل عنه علمًا جمَّا، وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع.
روي له خمسة آلاف حديث، وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا. اتفقا عَلَى ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين ومسلم بمائة وتسعين. روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع منهم: ابن عباس وجابر وأنس. وهو أزدي دوسي يماني ثمَّ مدني، كان ينزل بذي الحليفة بقرب المدينة، لَهُ بها دار تصدَّق بها على مواليه.
ومن الرواة عنه ابنه المحرر -بحاء مهملة ثمَّ راء مكررة- مات بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان. ودفن بالبقيع، وتوفيت عائشة تلك السنة، وصلى عليها أبو هريرة، وتوفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ومناقبه جَمَّةٌ (٣).
فائدة:
ما اشتهر أن قبره بقرب عَسْقلان (٤) لا أصل لَهُ فاجتنبه، نعم، هناك

-------------------
(١) سيأتي برقم (٤٢٠٣ - ٤٢٠٤) كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٢) سيأتي برقم (٤٢٣٤) كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٣) انظر: «معرفة الصحابة» ٤/ ١٨٤٦ (١٨٦٠)، «الاستيعاب» ٤/ ٢٣٢ - ٢٣٥ (٣٢٤١)، «أسد الغابة» ٣/ ٤٦١ (٣٣٢٨)، «الإصابة» ٤/ ٢٠٢ (١١٩٠).
(٤) قال ياقوت: بفتح أوله وسكون ثانيه ثم قاف وآخره نون، وهي مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين، ويقال لها: عروس الشام. انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٢٢ بتصرف.



قبر خيْشَنة بن خَنْدَرَة (١) الصحابي فاعلمه، وقد نبهت عَلَى ذَلِكَ في «شرح العمدة» (٢).
فائدة ثانية:
أبو هريرة من الأفراد، ليس في الصحابة من اكتنى بهذِه الكنية سواه.
وفي الرواة آخر اكتنى بهذِه الكنية، يروي عن مكحول، وعنه أبو المليح الرقي لا يعرف، وآخر اسمه محمد بن فراس الضبعِيُّ روى لَهُ الترمذي، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين (٣).
وفي أصحابنا الشافعية: آخر اكتنى بهذِه الكنية واسمه: ثابت بن (سنبل) (٤)، قَالَ (عبد القادر) (٥) في حقه: شيخ فاضل مناظر، ذكرته عنه في «الطبقات» (٦).
وأما الراوي عنه فهو أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، ووقع في شرح شيخنا أنه مولى جويرية بنت الحارث، امرأة من قيس.
سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه جمع من التابعين منهم: عطاء، وسمع الأعمش منه ألف حديث، وروى عنه أيضا بنوه:

------------------------
(١) في (ف): خيشنة بن جندرة. وهو خطأ، واختلف في ضبط اسمه وإعجامه، انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٥٦٨، و«معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ١٥١ (١٥٨)، و«معرفة الصحابة» ٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥ (٥٤٢)، و«أسد الغابة» ١/ ٣٦٤.
(٢) انظر ترجمته في: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢١٥.
(٣) «الجرح والتعديل» ٨/ ٦٠ (٢٧٢)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٧٢ - ٢٧٤ (٥٥٤١).
(٤) في (ف): شبل، والمثبت كما في «الذيل».
(٥) كذا في (ف)، وفي «الذيل» عبد الغافر.
(٦) «الذيل على العقد المذهب» لابن الملقن ص (٤٤٤).



عبد الله وسهيل وصالح، واتفقوا عَلَى توثيقه. مات بالمدينة سنة إحدى ومائة (١).
فائدة:
أبو صالح في الرواة جماعة سلف بيانهم في الحديث الرابع من باب: بدء الوحي.
فائدة:
في الصحيحين أيضًا ذكوان، أبو عمرو مولى عائشة أم المؤمنين (٢)، وليس في الكتب الستة ذكوان غيرهما.
وأما الراوي عن أبي صالح فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار، أخو عمرو بن دينار ذكره النووي في «شرحه» القرشي العدوي المدني، مولى ابن عمر سمع مولاه وغيره، وعنه: ابنه عبد الرحمن وغيره، وهو ثقة باتفاق. مات سنة سبع وعشرين ومائة (٣).
فائدة:
في الرواة أيضًا عمرو بن دينار (البصري) (٤) ليس بالقوي، وليس في الكتب الستة عمرو بن دينار غيرهما.

-----------------------
(١) انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٢٦، «تاريخ الدارمي» (٩٥٦)، «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١ (٨٩٥)، «والأنساب» ٦/ ٣٣٢، «تهذيب الكمال» ٨/ ٥١٣ - ٥١٧ (١٨١٤)، «تهذيب التهذيب» ١/ ٥٧٩، ٥٨٠.
(٢) انظر: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٢٩٥، «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٦١ (٨٩٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٤٥١ (٢٠٤٠).
(٣) انظر: «تاريخ الدارمي» (٥٢٢)، «التاريخ الكبير» ٥/ ٨١ (٢٢١)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٧ (٨٧٥)، «الثقات» لابن شاهين (٦١٧)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٧١ - ٤٧٦ (٣٢٥١)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٥٣ - ٢٥٥ (١١٧).
(٤) في (ف): الحمصي والصواب ما أثبتناه. =



وأما الراوي عن عبد الله فهو أبو محمد، ويقال: أبو أيوب سليمان ابن بلال القرشي التيمي المدني مولى آل الصديق.
سمع عبد الله بن دينار وجمعًا من التابعين وعنه الأعلام: كابن المبارك وغيره. قَالَ محمد بن سعد: كان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة عاقلًا، وكان يفتي بالبلد، وولي خراج المدينة، ومات بها سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقال البخاري عن هارون بن محمد: سنة سبع وسبعين ومائة (١).
فائدة:
ليس في الكتب الستة من اسمه سليمان بن بلال سوى هذا.
وأما الراوي عن سليمان فهو أبو عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس العَقَدي -بفتح العين والقاف- البصري، سمع مالكًا وغيره، وعنه: أحمد والناس، واتفق الناس عَلَى ثقته وجلالته، مات سنة خمس، وقيل: أربع ومائتين (٢).
والعقد: قوم من قيس وهم بطن من الأزد كذا في «التهذيب» (٣)

----------------------
= انظر: «تاريخ الدارمي» (٤٤٩)، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٩ (٢٥٤٥)، «التاريخ الصغير» ١/ ٣٠٣، «المجروحين» ٢/ ٧١، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٣ - ١٦ (٤٣٦١)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٣٠٧، ٣٠٨ (١٤٥).
(١) انظر: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٢٠، «التاريخ الكبير» ٤/ ٤ (١٧٦٣)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٠٣ (٤٦٠)، «تهذيب الكمال» ١١/ ٣٧٢ (٢٤٦٩)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٤٢٥ - ٤٢٧ (١٥٩)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٨٠.
(٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٩، «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٢٥ (١٣٨٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٥٩ (١٦٩٨)، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٣٦٤ - ٣٦٩ (٣٥٤٥)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٦٩ - ٤٧١ (١٧٣)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٤.
(٣) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٥١٢ مادة (عقد).



وتبعه النووي في «شرحه» وشيخنا أيضًا. ونقل شيخنا في «تاريخه» عن أهل النسب أن العقد بطن من بجيلة، وقيل: من قيس بالولاء.
قَالَ أبو الشيخ الحافظ: إنما سموا عقدًا؛ لأنهم كانوا لئامًا. وقال الحاكم: العقد مولى الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وقال صاحب «العين»: العقد قبيلة من اليمن من بني عبد شمس بن سعد، وجمل عقدي: قوي.
وأما الراوي عن أبي عامر فهو: أبو جعفر (خ ت) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان بن أخنس بن خنيس الجعفي البخاري المسنَدي -بفتح النون-. سمي بذلك؛ لأنه كان يطلب المسندات ويرغب عن المرسل والمنقطعات.
قَالَ صاحب «الإرشاد»: كان يتحرى المسانيد من الأخبار (١)، وقال الحاكم أبو عبد الله: عرف بذلك؛ لأنه أول من جمع مسند الصحابة عَلَى التراجم مما وراء النهر وهو ابن عم عبد الله بن سعيد بن جعفر بن اليمان.
واليمان هذا: هو مولى أحد أجداد البخاري، ولاء إسلام كما سلف أول الكتاب، سمع وكيعًا وخلقًا، وعنه الذهلي وغيره من الحفاظ، مات سنة تسع وعشرين ومائتين، وانفرد البخاري [به] (٢) عن أصحاب الكتب الستة، وروى الترمذي عن البخاري عنه (٣).

-------------------
(١) «الإرشاد» ٣/ ٩٥٩.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) «التاريخ الكبير» ٥/ ١٨٩ (٥٩٧)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٦٣ (٧٤٥)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٥٩ (٣٥٣٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٦٥٨، (٢٣٨)، «شذرات الذهب» ٢/ ٦٧.



فائدة:
هذا الإسناد كلهم مدنيون إلا العقدي فبصري، وإلا المسندي وكلهم على شرط الستة إلا المسندي كما بيناه، وفيه رواية تابعي عن تابعي وهو عبد الله بن دينار، عن أبي صالح.
الوجه الثاني:
هذِه الترجمة ساقها البخاري للدلالة عَلَى إطلاق اسم الإيمان عَلَى الأعمال كما أسلفناه في الحديث قبله. وأراد به الرد عَلَى قول المرجئة: إن الإيمان قول بلا عمل فلا تضر المعصية مع الإيمان، ومقابله قول الخوارج أنها تضر ويكفر بها، وغالت المعتزلة فقالت: يخلد بها فاعل الكبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر لكن يوصف بأنه فاسق، والحق مذهب الأشعرية أنه مؤمن، وإن عذب فلا بد من دخول الجنة (١).
الوجه الثالث:
هذا الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله كما سلف، ورواه مسلم في الإيمان عن عبيد الله بن سعيد وعبد بن حميد، عن العقدي به، وقال فيه: «بضع وسبعون» (٢)، ورواه أيضًا، عن زهير، عن جرير، عن سهيل بن عبد الله، عن ابن دينار عنه، وقال فيه: «بضع وسبعون أو بضع وستون» (٣) عَلَى الشك.

-------------------
(١) وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة لا مذهب الأشاعرة تحديدًا. وانظر: «الحجة في بيان المحجة» ١/ ٤٧٨ - ٤٨٠، «شرح العقيدة الواسطية» ٢/ ٦٤٤.
(٢) مسلم (٣٥/ ٥٧) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.
(٣) مسلم (٣٥/ ٥٨) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.



الوجه الرابع: في بيان ألفاظه ومعانيه.
الأول: البرُّ: اسم جامع للخير كله.
قَالَ ابن سيده: إنه الصدق والطاعة (١).
وقال الهروي: هو الاتساع في الإحسان والزيادة منه، ومنه يقال: أبر فلان عَلَى فلان بكذا أي: زاد عليه، ومنه سميت البرية؛ لاتساعها (٢).
وقال السدي: في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] يعني: الجنة (٣).
والبر أيضًا: الصلة، وهو اسم جامع للخير كله. وفي «الجامع» و«الجمهرة»: إنه ضد العقوق (٤)، وقال ابن السيد في «مثلثه»: إنه الخير (٥)، وكذا ذكره ابن عديس عنه، ونقل صاحب «الواعي» عنه أنه الإكرام.
وفي «الشريعة» للآجري من حديث المسعودي عن القاسم عن أبي ذرٍّ: أن رجلًا سأله عن الإيمان، فقرأ عليه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية، فقال الرجل: ليس عن البر سألتُك، فقال أبو ذر: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فسأله كما سألتني، فقرأ عليه كما قرأتُ عليك، فأبى أن يرضى كما أبيتَ أن ترضى، فقال: «ادن مني» فدنا منه. فقال: «المؤمن الذي يعمل حسنة فتسره، ويرجو ثوابها، وإن عمل سيئة تسوؤه، ويخاف عاقبتها» (٦).

---------------------
(١) «المحكم» ١١/ ٢١٣.
(٢) «تهذيب اللغة» ١/ ٣١٠ مادة: برر.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٤٥ (٧٣٨٦).
(٤) «جمهرة اللغة» ١/ ٦٧ مادة: [برر].
(٥) «المثلث» ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٦) «الشريعة» ٢/ ٦١٧.



الثاني: معنى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ أي: ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية. أي: بِرُّ من آمن (١) كذا قدره سيبويه، وقال الزجاج: ولكن ذا البر فحذف المضاف كقوله ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، أي: ذوو درجات.
والأول فيه حذف المضاف كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، وما قدره سيبويه أولى؛ لأن المنفي هو البر، فيكون هو المستدرك من جنسه. وبقية تفسير الآية محل الخوض فيها كتب التفسير، فلا نطول به، وكذا الآية التي بعدها.
الثالث: قوله: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً» كذا وقع هنا في بعض الأصول «بضع» وفي أكثرها «بضعة» بالهاء، وأكثر الروايات في غير هذا الموضع: «بضع» بلا هاء، وهو الجاري عَلَى اللغة المشهورة، ورواية الهاء صحيحة أيضًا عَلَى التأويل.
الرابع: البضع والبضعة -بكسر الباء عَلَى اللغة المشهورة- وبها جاء القرآن العظيم، ويجوز فتحها في لغة قليلة (٢) كما في قطعة اللحم (٣)، وهو مستعمل فيما بين الثلاثة والعشرة.
هذا هو الصحيح المشهور في معناه، وفيه أقوال أخر.

-------------------
(١) انظر: «إعراب القرآن» للنحاس ١/ ٢٣٠.
(٢) البَضْع والبِضْعُ بالفتح والكسر، ولم ينص كثيرٌ على أنها بالفتح قليلة، لكن قال الجوهريُّ: وبعض العرب يفتحها.
(٣) يقال: بَضَعَ اللَّحْمَ يَبْضَعُهُ بَضْعًا وبَضَّعَهُ تَبْضِيعًا: قَطَّعَهُ، والبَضْعَةُ، بالفتح: القطعة منه، تقول: أعطيته بَضْعَةً من اللحم، إذا أعطيته قطعة مجتمعة منه.



قَالَ ابن التياني في «الموعَب» (١) عن الأصمعي: يقال: بضعة عشر في جمع المذكر، وبضع عشرة في جمع المؤنث، وقال قطرب: أنا الثقة عن النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] ما بين خمس إلى سبع» وقالوا: ما بين الثلاث إلى الخمس.
وقال الفراء: البضع: نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، كذلك رأيت العرب تفعل، ولا يقولون: بضع ومائة، ولا بضع وألف، ولا يذكر إلا مع عشر أو مع العشرين إلى التسعين.
وقال الزجاج (٢): معناه القطعة من العدد، ويجعل لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع وهو الصحيح، وقال أبو عبيدة: هو ما بين الواحد إلى الأربعة (٣)، وفي «المحكم»: البضع ما بين الثلاث إلى العشر وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة (٤).
وقال قوم في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، يدل على أن البضع سبع؛ لأن يوسف -عليه السلام- لبث كذلك فيه، وفي «الصحاح»: لا تقول: بضع وعشرون (٥).

-------------------
(١) قال محمد صديق حسن خان في «البلغة» ص (٥١٤ - ٥١٥: «الموعَب» بفتح العين على صيغة اسم المفعول للإمام ابن التياني أبي غالب، واسمه تمام، المتوفي سنة ٤٣٦ بالأندلس. كتاب عظيم الفائدة، أتى فيه بما في «العين» من صحيح اللغة مقتصرًا على الشواهد الصحيحة، طارحًا ما فيه من الشواهد المختلفة والأبنية المختلفة والكلمات المصحفة، ثم قال: و«الموعب» قليل الوجود؛ لأن الناس تركوا نقله مع كونه من أصح ما ألف في اللغة على حروف المعجم.
(٢) «معاني القرآن وإعرابه» ٣/ ١١٢.
(٣) «مجاز القرآن» ٢/ ١١٩.
(٤) «المحكم» ١/ ٢٥٩.
(٥) «الصحاح» ٣/ ١١٨٦ مادة (بضع).



وقال المطرز في «شرحه»: المختار أنه من أربعة إلى تسعة، والنيف من واحد إلى ثلاثة.
وقال ابن السيد في «مثلثه»: البضع بالفتح والكسر: ما بين واحد إلى خمسة في قول أبي عبيدة. وقال غيره: ما بين واحد إلى عشرة. وهو الصحيح (١).
الخامس: الشعبة -بضم الشين-: القطعة والفرقة، وهي واحد الشعب، وهي: أغصان الشجرة.
قَالَ ابن سيده: الشعبة: الفرقة والطائفة من الشيء (٢). وكذا قَالَ القاضي: إن أصلها الفرقة والقطعة، ومنه شعب الآباء، وشعوب القبائل، وشعبها الأربع، وواحد شعب القبائل: شعب -بفتح الشين وقيل بكسرها- وهم العظام، وكذا شَعب الإناء: صدعه -بالفتح أيضًا-، ومنه قوله في الحديث: فاتخذ مكان الشعب سلسلة (٣) وقال الخليل: الشعب: الاجتماع والافتراق (٤) أي: فهما ضدان. والمراد بالشعبة في الحديث: الخصلة. أي أن الإيمان ذو خصال متعددة.
السادس: قوله: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً». كذا وقع هنا من طريق أبي زيد المروزي، وثبت في «صحيح مسلم» وغيره من حديث سهيل عن عبد الله بن دينار: «بضع وسبعون أو بضع وستون» (٥) كما سلف. ورواه

----------------------
(١) «المثلث» ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٢) «المحكم» ١/ ٢٣٥.
(٣) سيأتي برقم (٣١٠٩) كتاب: فرض الخمس، باب: ما ذكر في درع النبي - ﷺ -.
(٤) «العين» ١/ ٢٦٣.
(٥) رواه مسلم (٣٥/ ٥٨) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء كونه من الإيمان.



أيضًا من حديث العقدي عن سليمان: «بضع وسبعون شعبة» (١).
وكذا وقع في البخاري من طريق أبي ذر الهروي، ورواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وغيرهما من رواية سهيل: «بضع وسبعون» بلا شك.
ورجحها القاضي عياض (٤) وقال: إنها الصواب، وكذا رجحها الحليمي وجماعات منهم النووي (٥)؛ لأنها زيادة من ثقة فقبلت وقدمت. وليس في رواية الأقل ما يمنعها، وقال ابن الصلاح: الأشبه ترجيح الأقل؛ لأنه المتيقن والشك من سهيل، كما قاله البيهقي (٦)، وقد روي عن سهيل عن جرير: «وسبعون» من غير شك، وكذا رواية سليمان بن بلال في مسلم وفي البخاري: «بضع وستون» (٧).
السابع: قد بين - ﷺ - أعلى هذِه الشعب وأدناها كما ثبت في الصحيح من قوله - ﷺ -: «أعلاها لا إله إلا الله» (٨)، وفي لفظ أنه «أفضلها» (٩) وفي

-------------------
(١) رواه مسلم (٣٥/ ٥٧) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها ..
(٢) أبو داود (٤٦٧٦)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٢٦٢٧).
(٣) الترمذي (٢٦١٤)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢١٠٨).
(٤) «إكمال المعلم» ١/ ٢٧٢.
(٥) «شرح مسلم» ٢/ ٥٠٣.
(٦) «شعب الإيمان» ١/ ٣٤.
(٧) قال ابن الصلاح في «صيانة صحيح مسلم» ص ١٩٦: والأشبه بالإتقان والاحتياط ترجيح رواية الأقل. أهـ. وإلى ذلك ذهب الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ٥٢ قائلًا: وترجيح رواية بضع وسبعون لكونها زيادة ثقة كما ذكرهُ الحليمي ثم عياض، لا يستقيم، إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المخرج. وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري اهـ.
(٨) رواه ابن حبان (١٩١).
(٩) مسلم (٣٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ..



آخر أنها «أرفعها» (١) وآخر «أقصاها»، وآخر «أعظمها» (٢). «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». ولفظ اللالكائي (٣): «العظم» (٤) بدل «الأذى» ورواه محمد بن عجلان عن ابن دينار عن أبي صالح: «الإيمان ستون بابًا أو سبعون أو بضع» (٥) واحد من العددين.
ورواه قتيبة، عن بكر بن مضر، عن عمارة بن غزية، عن أبي صالح: «الإيمان أربع وستون بابًا» (٦).
وروى المغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عن جدي -وكانت لَهُ صحبة- أنه - ﷺ - قَالَ: «الإيمان ثلاثمائة وثلاثون شريعة، من وافي الله بشريعة منها دخل الجنة» (٧).

---------------------
(١) رواه الترمذي (٢٦١٤) وابن ماجه (٥٧)، وأحمد ٢/ ٣٧٩، ٢/ ٤٤٥، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٢٥ (٤٢٤)، ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧ (٤٢٧)، وابن حبان (١٨١)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٧٥ (٤٧١٢)، والبيهقي في«الشعب» ١/ ٣٣ (٢). قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢١٠٨).
(٢) ورد في هامش (ف): ذكره ابن شاهين في «خصال الإيمان».
والحديث رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٢١٣، (٢٥٣٣٠) والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٢٩ (٤٢٩)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٣) ورد في هامش (ف) حاشية: ذكره اللالكائي.
(٤) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ٥/ ٩٧٨ (١٦٢٩).
(٥) رواه ابن ماجه (٥٧)، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٦، (٢٦٣٣٤)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٢٦ (٤٢٥)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٩/ ٢٣٥ - ٢٣٦، والشجري في «الأمالي» ١/ ١٨، وصححه الألبانى «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٨).
(٦) رواه الترمذي (٢٦١٤)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٧٥ (٤٧١٢)، وقال الألباني: شاذ بهذا اللفظ.
(٧) رواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٢١٥ (٧٣١٠)، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٣٦٦ (٨٥٤٩) وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٦: رواه الطبراني في «الكبير» وفي =



وروى ابن شاهين من حديث الإفريقي، عن عبد الله بن راشد مولى عثمان بن عفان عن أبي سعيد مرفوعًا: «إن بين يدي الرحمن -عز وجل- لوحًا فيه ثلاثمائة وتسع عشرة شريعة يقول -عز وجل-: لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئا فيه واحد منهن إلا أدخلته الجنة (١)».
ومن حديث عبد الواحد بن زيد، عن عبد الله بن راشد، عن مولاه عثمان مرفوعًا: «إن لله تعالى مائة خلق من أتى بخلق منها دخل الجنة» (٢).
قَالَ لنا أحمد: سُئِلَ إسحاق: ماذا في الأخلاق؟ قَالَ: يكون في الإنسان حياء، يكون فيه رحمة، يكون فيه سخاء، يكون فيه تسامح، هذا من أخلاق الله تعالى.
وروى أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد (٣) من حديث ابن مهدي، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن صلة، عن حذيفة: الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، الصلاة سهم، والزكاة سهم،

----------------------
= إسناده عيسى بن سنان القسملي وثقه ابن حبان وابن خراش، وضعفه الجمهور، وعبد الله بن عبيد لم أر من ذكره.
(١) رواه أبو يعلى ٢/ ٤٨٤ (١٣١٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٣٦٧ (٨٥٥١) بلفظ: «خمس عشرة شريعة»، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٦: في إسناده عبد الله بن راشد وهو ضعيف.
(٢) رواه الطيالسي في «مسنده» ١/ ٨٢ (٨٤)، وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» ص ٦ (٢٧) والبزار في مسنده ٢/ ٩١ - ٩٢ (٤٤٦) بلفظ: «لله مائة وسبع عشرة شريعة من وافاه» والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٣٦٦ (٨٥٥٠).
قال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، وعبد الواحد بن زيد ليس بالقوي، وعبد الله بن راشد لا نعلم حدث عنه إلا عبد الواحد.
وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٦: في إسناده عبد الله بن راشد وهو ضعيف.
(٣) المعروف برُسْته.



وصوم رمضان سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له (١).
الثامن: بين - ﷺ - في الحديث الذي سقناه أن أَعْلَى الشعب التوحيد المتعين عَلَى كل مكلَّفٍ، والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته، وأن أدناها ما يتوقع منه ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام العدد، فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده، كما نؤمن بالأنبياء والملائكة صلوات الله وسلامه عليهم، وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم.
وقد صنف العلماء في تعيين هذِه الشعب كتبًا كبيرة، من أغزرها فوائد، وأعظمها محلًّا: كتاب «المنهاج» لأبي عبد الله الحليمي (٢)، ثمَّ كتاب البيهقي (٣).

--------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٧ (١٩٥٥٤) عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق به، موقوفًا، والبزار في «مسنده» ٧/ ٣٣٠ (٢٩٢٧) من طريق يزيد بن عطاء قال: أخبرنا أبو إسحاق به مرفوعًا، ومن طريق شعبة، عن أبي إسحاق به موقوفًا، وقال: هذا الحديث لا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء عن أبي إسحاق، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٩٤ (٧٥٨٩) من طريق شعبة عن أبي إسحاق به، وقال: هذا موقوف، وأورد الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٨ وقال: فيه يزيد بن عطاء، وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.
(٢) الحليمي: هو القاضي العلامة، رئيس المحدِّثين والمتكلمين بما رواء النهر، أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن حليم البخاري الشافعي، ولد سنة (٣٣٨ هـ)، ومات سنة (٤٠٣ هـ). من تصانيفه: «المنهاج في أصول الديانة». انظر: «المنتظم» ٧/ ٢٦٤ (٤١٦)، «اللباب» ٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣، «وفيات الأعيان» ٢/ ١٣٧ - ١٣٨ (١٨٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٢٣١ - ٢٣٤، «الأعلام» ٢/ ٢٣٥.
(٣) البيهقي: هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الإمام الحافظ، العلامة، شيخ خراسان، من أكابر فقهاء الشافعية في عصره، ولد في ٣٨٤ هـ نشأ في بيهق، ورحل =





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* كم من مُسْتَدْرَج وهو لا يعلم
* خرخش.. لكن لا تسئ إلى الرموز
* الأمير الشهيد الشاعر عبد الله بن رواحة
* من مائدة الفقه
* المنان جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* تحريم إنكار وجود الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة
* مجموعة من الاحاديث الضعيفة والموضوعة ---- متجددة إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-20-2026, 02:29 AM   #41

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 476 الى صـــ 495
الحلقة (41)





وصنف عبد الجليل القصري (١) فيه أيضًا، وإسحاق بن إبراهيم القرطبي (٢) في «النصائح».
وقال أبو حاتم ابن حبان (٣) -بكسر الحاء المهملة- في كتاب «وصف الإيمان وشعبه»: تتبعت معنى هذا الحديث مدة، وعددت الطاعات، فإذا هي تزيد عَلَى هذا العدد شيئًا كثيرًا، فرجعت إلى السنن، فعددت كل طاعة عدها الشارع من الإيمان، فإذا هي تنقص

--------------------
= إلى بغداد، ثم الكوفة، ومكة، وغيرها. صنَّف زُهاء ألف جزء لم يُسبق إليها، منها: «شعب الإيمان» و«السنن الكبرى»، و«السنن الصغرى»، و«دلائل النبوة»، وغيرها. توفي سنة ٤٥٨ هـ.
انظر ترجمته في: «الأنساب» ٢/ ٣٨١ - ٣٨٣، «وفيات الأعيان» ١/ ٧٥، ٧٦ (٢٨)، «سير أعلام النبلاء» ١٨/ ١٦٣ - ١٧٠ (٨٦٠)، «البداية والنهاية» ١٢/ ٥٥٦، «معجم المؤلفين» ١/ ١٢٩ (٩٦٧)، «الأعلام» ١/ ١١٦.
(١) هو العلامة الزاهد أبو محمد عبد الجليل بن عموسى الأنصاري الأندلسي القصري، له «تفسير القرآن»، و«شعب الإيمان». واختلف في سنة وفاته فقال الذهبي مرة سنة ٦٠٨ هـ، ومرة سنة ٦٠١ هـ انظر: «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ٤٢٠ (٢١٥)، «معجم المؤلفين» ٢/ ٥٠.
(٢) هو الإمام الزاهد العابد أحد أعلام قرطبة، وكان فقيهًا مهيبًا حافظًا للمسائل صاحب الديوان الشريف المسمى «النصائح». توفي سنة ٣٥٢ هـ، وقيل: سنة ٣٥٤ هـ. انظر: «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ١٠٧ - ١٠٨، «كشف الظنون» ٢/ ١٤٦٧، «شجرة النور الزكية» ص ٩٠ (١٩٩).
(٣) هو الإمام الحافظ الفاضل المتقن المحقق الحافظ العلامة محمد بن حبَّان بن أحمد بن حبَّان أبو حاتم التميمي البُستي السجستاني، ونسبته التميمي نسبة إلى تميم جد القبيلة المشهورة، الذي يرتفع نسبهُ إلى عدنان، فهو عربي الأرومة، إلا أنه أفغاني المولد. توفي سنة ٣٥٤ هـ.
انظر ترجمته في: «الأنساب» ٢/ ٢٠٩، «معجم البلدان» ١/ ٤١٥ - ٤١٩، «الكامل في التاريخ» ٨/ ٥٦٦، «اللباب» ١/ ١٥١، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٩٢ - ١٠٤ (٧٠)، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٣١٧، ٣١٨ (٧٦٨) «شذرات الذهب» ٣/ ١٦.



عن البضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله تعالى، وقرأته بالتدبر، وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان، فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممتُ إلى الكتابِ السنةَ وأسقطت المُعَاد، فإذا كل شيء عده الله ورسوله من الإيمان بضع وسبعون لا يزيد عليها ولا ينقص، فعلمت أن مراد النبي - ﷺ - أن هذا العدد في الكتاب والسنة.
التاسع: الحديث ناصٌّ على إطلاق اسم الإيمان الشرعي عَلَى الأعمال وقد سلف بيان هذا.
العاشر: قوله - ﷺ -: «وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمَانِ»، وفي رواية أخرى في «الصحيح»: «الحياء من الإيمان» (١)، وفي أخرى: «الحياء لا يأتى إلا بخير» (٢)، وفي أخرى: «الحياء خير كله» (٣). فالحياء: ممدود هو الاستحياء (٤).
قَالَ الواحدي (٥) عن أهل اللغة: الاستحياء من الحياء، واستحيا

------------------------
(١) ستأتي برقم (٢٤) كتاب الإيمان، باب: الحياء من الإيمان.
(٢) ستأتي برقم (٦١١٧) كتاب الأدب، باب: الحياء.
(٣) رواه مسلم (٣٧) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان.
(٤) قاله الجوهريُّ في «الصحاح» ٦/ ٢٣٢٤.
(٥) هو الإمام العلامة أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن على الواحدي النسابوري، ولد بنيسابور، سمع التفسير من أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، وسمع النحو من أبي الحسن الضرير، وأخذ اللغة عن أبي الفضل أحمد بن محمد بن يوسف العروضي، ومن تلاميذه أحمد بن عمر الأرغياني، وعبد الجبار بن محمد الخواري، وطائفة أخرى. له من المصنفات: في التفسير ثلاثة كتب: «الوجيز»، «الوسيط»، «البسيط» و«أسباب النزول»، وله كتاب «الدعوات»، «المحصول»، «المغازي» وغيرها الكثير، توفي بنيسابور سنة ٤٦٨ هـ.
انظر: «الكامل في التاريخ» ١٠/ ١٠١، «وفيات الأعيان» ٣/ ٣٠٣ - ٣٠٤ (٤٣٨) و«سير أعلام النبلاء» ١٨/ ٣٣٩ - ٣٤٢ (١٦٠)، «مرآة الجنان» ٢/ ٩٦ - ٩٧، =



الرجل من قوة الحياء لشدة علمه بمواقع العيب. قَالَ: فالحياء من قوة الجبن ولطفه.
وقال الجنيد: حيي حياء رؤية الآلاء أي: النعم ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء (١). وإنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأنه قد يكون تخلقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة، ولكن استعماله على قوة قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان لهذا؛ ولكونه باعثًا عَلَى أفعال الخير، ومانعًا من المعاصي، ورب حياء يمنع من الخير، ويجبن عن قول الحق وليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وخور، وتسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف، أطلقوه مجازًا؛ لشبهه الحقيقي، وإنما حقيقته خلق يبعث عَلَى اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق ونحوه.
فائدة: الحياء أيضًا بالمد والقصر: الفرج من إناث الخف والظلف والسباع، وخصَّ ابن الأعرابي الشاة والبقرة والظبية، وبالقصر: الخصب والمطر، وحكي المد فيها أيضًا (٢).

-------------------------
= «شذرات الذهب» ٣/ ٣٣٠.
(١) أورده ابن القيم في «مدارج السالكين» ٢/ ٢٥٩.
(٢) قال الجوهري: والحياء أيضًا: رحم الناقة، وقال الليث: حَيَا الناقة يُقْصَرُ ويُمَدُّ لغتان. وقال الأزهري: حياء الناقة والشاة وغيرهما ممدود إلا أن يقصره شاعر ضرورة، وما جاء عن العرب إلا ممدودًا، وإنما سُمِّي حياءً باسم الحياء من الاستحياء، لأنه يُستر من الآدمي ويكنى عنه من الحيوان ويُستفحش التصريح بذكره واسمه الموضوع له، وُيستحى من ذلك ويُكنى عنه. وقال الليث: يجوز قَصْرُ الحياء ومدُّه. قيل: وهو غلط لا يجوز قصره لغير الشاعر؛ لأن أصله الحياء من الاستحياء، انظر: «الصحاح» ٦/ ٢٣٢٤، «تهذيب اللغة» ١/ ٩٥٦.



٤ - باب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِى السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِىِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما -، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -هو ابن أبي هند- عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ -وهو ابن عمرو- عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. [٦٤٨٤ - مسلم ٤٠ - فتح ١/ ٥٣].
حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ -هو ابن أبي هند- عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ -وهو ابن عمرو- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
الكلام عليه من وجوه بعد أن تعرف أنه يجوز في قوله: (باب: المسلم) التنوين والإضافة. وكذا نظائر هذا الباب مما هو كلام مستقل، وتكون الإضافة إلى الجملة.
أحدها: التعريف برواته غير من سلف.
أما عبد الله (ع) بن عمرو فهو: أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو نُصير -بضم النون- عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد -بضم السين وفتح العين- بن سهم بن عمرو بن هُصيص -بضم الهاء وبصادين مهملتين- بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي


السهمي الزاهد العابد الصحابي ابن الصحابي.
أُمُّه: ريطة بنت منبه بن الحجاج، أسلم قبل أبيه وكان بينه وبين أبيه في السن اثنتا عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة، وكان غزير العلم، مجتهدًا في العبادة، وكان أكثر حديثًا من أبي هريرة؛ لأنه كان يكتب وأبو هريرة لا يكتب، كما سيأتي حيث ذكره البخاري (١)، ومع ذَلِكَ فالذي روي له قليل بالنسبة إلى ما رواه أبو هريرة، روي له سبعمائة حديث، اتفقا منها عَلَى سبعة عشر، وانفرد البخاري بثمانية، ومسلم بعشرين.
مات بمكة أو بالطائف أو بمصر في ذي الحجة بعد الستين، سنة خمس أو ثلاث أو سبع. وقيل: سنة ثلاث وسبعين عن ثنتين وسبعين سنه (٢).
فائدة:
في الصحابة عبد الله بن عمرو جماعات أخر عدتهم ثمانية عشر نفسًا (٣).

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١١٣) كتاب العلم، باب: كتابة العلم.
(٢) انظر: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٧٢٠ - ١٧٢٥ (١٦٩٩)، «الاستيعاب» ٣/ ٨٦ - ٨٨ (١٦٣٦)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٤٩ - ٣٥١ (٣٠٩٠)، «الإصابة» ٢/ ٣٥١ - ٣٥٢ (٤٨٤٧).
(٣) هكذا عدهم ابن الأثير في كتابه «أسد الغابة في معرفة الصحابة» وهم: عبد الله بن عمرو الأحوص، عبد الله بن عمرو بن بحيرة، عبد الله بن عمرو الجمحي، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبد الله بن عمرو بن حزم، وعبد الله بن عمرو بن الحضرمي، وعبد الله بن عمرو بن طلحة، وعبد الله بن عمرو بن الألهاني، وعبد الله بن عمرو بن الطفيل، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو ابن عوف، وعبد الله بن عمرو بن قيس، وعبد الله بن عمرو بن الوعيد، وعبد الله بن =



وأما الشعبي هو الإمام العلامة التابعي الجليل الثقة أبو عمرو عامر (ع) بن شراحيل، وقيل: ابن عبد الله بن شراحيل الكوفي.
والشعبي -بفتح الشين- نسبة إلى شعب: بطن من همذان، أُمُّه من سبي جلولاء (١). ولد لست سنين مضت من خلافة عمر. روى عن خلق من الصحابة منهم: عمر وسعد وسعيد، وروينا عنه أنه قَالَ: أدركت خمسمائة صحابي (٢).
قال أحمد بن عبد الله (٣): ومرسله صحيح (٤). روى عنه قتادة، وخلق من التابعين، ومناقبه جَمَّةٌ وَلِي قضاء الكوفة. مات بعد المائة، إما سنة أربع، أو ثلاث، أو خمس، أو ست، ابن نَيِّفٍ وثمانين سنة (٥).
فائدة:
إِذَا أطلق الشعبي فالمراد به هذا الإمام، وإن كان جماعة بما وراء النهر يطلق عليهم ذَلِكَ لكنهم متأخرون جدًّا، وقد أسلفنا أن هذِه النسبة إلى شعب بطن من همذان، وكذا قَالَ ابن قتيبة: الشعبي يقال: هو من

-----------------------
= عمرو أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن هلال، وعبد الله بن عمرو بن وهب، وعبد الله بن عمرو بن وقدان، وعبد الله بن عمرو بن اليشكري. انظر: «أسد الغابة» ٣/ ٣٤٥ - ٣٥٥.
(١) جَلولاء: بالمد، ناحية من نواحي السواد في طريق خراسان. انظر: «معجم البلدان» ٢/ ١٥٦. بتصرف.
(٢) «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٤.
(٣) هو العجلي صاحب «معرفة الثقات».
(٤) «معرفة الثقات» ٢/ ١٢.
(٥) انظر: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٢٤٦ - ٢٥٦، «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٥٠ (٢٩٦١)، «المعارف» لابن قتيبة ص ٤٤٩ - ٤٥١، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٢٨ (٣٠٤٢)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢٩٤ - ٣١٩.



حمير، وعداده في همدان، ونسب إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الحميري هو وولده، ودفن به.
وقال الهمداني: الشعب الأصغر: بطن، منهم عامر بن شراحيل.
قَالَ: والشعب الأصغر بن شراحيل بن حسان بن الشعب الأكبر بن عمرو بن شعبان.
وقال الجوهري: شعب: جبل باليمن وهو عَلَى شعبين نزله حسان بن عمرو الحميري وولده فنسبوا إليه، وإن من نزل من أولاده بالكوفة يقال لهم: شعبيون منهم: عامر الشعبي، ومن كان منهم بالشام قيل لهم: شعبانيون، ومن كان منهم باليمن يقال: لهم آل ذي شعبين، ومن كان منهم بمصر والمغرب يقال لهم: الأشعوب (١).
وأما إسماعيل (ع) فهو: ابن أبي خالد هرمز، وقيل: سعد، وقيل: كثير البجلي الأحمسي. مولاهم الكوفي، سمع خلقًا من الصحابة، منهم أنس بن مالك، وجماعة من التابعين، وعنه الثوري وغيره من الأعلام. وكان عالمًا متقنًا صالحًا ثقة، وكان يسمى: الميزان، وكان طحانًا.
قَالَ ابن المديني: له نحو ثلاثمائة حديث، مات سنة خمس وأربعين ومائة (٢).
وأما عبد الله (ع) بن أبي السَّفَر -بفتح السين والفاء-، وحكي إسكانها، واسم أبي السفر: سعيد بن يُحمَد -بضم الياء وفتح الميم-

---------------------
(١) «الصحاح» ١/ ١٥٦، مادة: (شعب).
(٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٤٠، «طبقات خليفة» ص ١٦٧، «التاريخ الكبير» ١/ ٣٥١، ٣٥٢ (١١٠٨)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٨٥، «الكامل في التاريخ» ٥/ ٥٧٢، «تهذيب الكمال» ٣/ ٦٩ (٤٣٩)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ١٧٦ - ١٧٨ (٨٣). «شذرات الذهب» ١/ ٢١٦.



كذا ضبطه النووي في «شرحه» (١)، وغيره ضبطه بخطه بكسرها، ويقال: أحمد الثوري الهمداني الكوفي.
روى عنه شعبة وغيره، مات في خلافة مروان بن محمد. قَالَ أحمد ويحيى بن معين: ثقة، روى لَهُ الجماعة إلا الترمذي (٢).
فائدة:
السفر كله بإسكان الفاء في الاسم وبتحريكها في الكنية، ومنهم من سكن الفاء في عبد الله السالف كما سلف.
وأما شعبة (ع) فهو العلامة الحافظ أمير المؤمنين، أبو بسطام، شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم الواسطي البصري مولى عبدة بن الأغر، وعبدة مولى يزيد بن المهلب من تابعي التابعين، رأى الحسن وابن سيرين، سمع أنس بن سيرين وغيره من التابعين.
قَالَ الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. وقال أحمد: كان أمةً وحده في هذا الشأن.
وقال أبو بحر البكراوي (٣): ما رأيت أعبد لله تعالى منه، عَبدَ حتَّى جف لحمه عَلَى عظمه.

--------------------
(١) قال النووي في «شرحه» على مسلم ١١/ ٦٠: بفتح الفاء على المشهور وقيل بإسكانها.
(٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٣٨، «طبقات خليفة» ص ١٦٢، «التاريخ الكبير» ٥/ ١٠٥ (٣٠٦)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٧١، ٧٢ (٣٣٧)، «الثقات» ٧/ ٢٥، «تهذيب الكمال» ١٥/ ٤١، ٤٢ (٣٣٠٨).
(٣) هو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي، أبو بحر البكراوي البصري.
انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٧١.



مات بالبصرة أول سنة ستين ومائة عن سبع وسبعين سنة، وهو أكبر من الثوري بعشر سنين، والثوري أكبر من ابن عيينة بذلك (١).
فائدة:
ليس في الكتب الستة شعبة بن الحجاج غيره. وفي النسائي: شعبة بن دينار الكوفي (٢): صدوق، وفي [أبي] (٣) داود: شعبة بن دينار عن مولاه ابن عباس ليس بالقوى (٤).
وفي الضعفاء: شعبة بن عمرو يروي عن أنس، قَالَ البخاري: أحاديثه مناكير (٥).
وفي الصحابة: شعبة بن التوأم (٦) وهو من الأفراد والظاهر أنه تابعي.
وأما آدم (خ ت س ق) بن أبي إياس فهو أبو الحسن آدم بن عبد الرحمن، وقيل: ناهية بن محمد. أصله من خراسان، نشأ ببغداد، وكتب عن شيوخها، ثمَّ رحل إلى الكوفة وغيرها من الأمصار، واستوطن عسقلان.

---------------------
(١) انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٨٠، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥ (٦٧٨)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٤٧٩ (٢٧٣٩)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٢٠٢ - ٢٢٨ (٨٠)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٤٧.
(٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٤ (٢٦٧٦)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٦٨ (١٦٠٦)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٤٦٥ (٢٧٤٠)، «التقريب» (٢٧٩٢) وقال: لا بأس به.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٤ (٢٦٧٣)، «الثقات» لابن حبان ٤/ ٣٦٢ وقال: في أحاديثه مناكير كثيرة، روى عنه الخليل بن مرة، البلية في أخباره من الخليل بن مرة، وقد ذكرنا الخليل في كتاب «الضعفاء» بأسبابه وما يجب الوقوف على أنبائه.
(٥) انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٩ (١٦١٣)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٨ (٩٧٠)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٠١ (٢٩٤).
(٦) انظر: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٤٣ (٢٦٧٢)، «أسد الغابة» ٢/ ٥٢٥ (٢٤٤١).



سمع شعبة وغيره من الأعلام، وروى عنه البخاري، وروى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه. وكان ثقة مأمونًا متعبِّدًا.
مات بعسقلان سنة عشرين ومائتين، وقيل: إحدى وعشرين عن ثمان وثمانين سنة، وقيل: عن نيف وتسعين سنة (١).
ولما حضرته الوفاة ختم القرآن وهو مسجى، ثمَّ قَالَ: بحبك لي إلا ما رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤملك لهذا اليوم، كنت أرجوك ثمَّ قَالَ: لا إله إلا الله. ثمَّ قضى (٢).
قَالَ الخطيب: حدَّث عنه: بشر بن بكر التنيسي وإسحاق ابن إسماعيل الرملي، وبين وفاتيهما ثمانون، وقيل: ثلاثة وثمانون سنة (٣).

----------------------
(١) انظر: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٩ (١٦١٣)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٨ (٩٧٠)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٠١ (٢٩٤)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٣٣٥ - ٣٤١ (٨٢)، «شذرات الذهب» ٢/ ٤٧.
(٢) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٧/ ٢٩. بلفظ: بحبِّي لك إلا رفقت بي هذا المصرع.
(٣) «السابق واللاحق في تباعد ما بين وفاة راويين عن شيخ واحد» للخطيب البغدادي ص ١٦٠ (٣٦).
والسابق واللاحق هو: أن يشترك في الرواية عن شيخ راويان أحدهما متقدم والأخر متأخر، بين وفاتيهما زمن طويل.
من فوائده تقرير حلاوة علو الإسناد في القلوب، ومن أمثلته: ما ذكره المصنف هنا، وكذلك محمد بن إسحاق السراج، روى عنه البخاري في «تاريخه»، وروى عنه أبو الحسين الخفاف النيسابوري، وبين وفاتيهما مائة وسبع وثلاثون سنة أو أكثر، وذلك أن البخاري مات سنة ست وخمسين ومائتين، ومات الخفاف سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.
انظر: «علوم الحديث» ص ٣١٧ - ٣١٨، «المقنع» ٢/ ٥٤٧ - ٥٤٨، «تدريب الراوي» ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨.



فائدة:
ليس في هذِه الكتب آدم بن أبي إياس غير هذا، وفي مسلم، والترمذي، والنسائي: آدم بن سليمان الكوفي (١)، وفي البخاري، والنسائي آدم بن علي العجلي الكوفي أيضا (٢) فحسب.
وفي الرواة آدم بن عيينة، أخو سفيان لا يحتج به (٣)، وآدم بن فائد عن عمرو بن شعيب مجهول (٤).
وأما أبو معاوية (ع) فهو: محمد بن خازم -بالخاء المعجمة والزاي- الضرير الكوفي التيمي السعدي مولى سعد بن زيد مناة بن تميم. يقال: عمي وهو ابن أربع سنين أو ثمان.
وروى عن الأعمش وغيره، وعنه: أحمد وإسحاق وهو ثبت في الأعمش، وكان مرجئًا. مات في صفر سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة (٥).

-----------------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٨ (١٦١٠)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٨ (٩٦٧)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٠٧ (٢٩٥).
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٧ (١٦٠٩)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٦ (٩٦٢)، «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٠٨ (٢٩٦).
(٣) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٧ (٩٦٤)، «المغني في الضعفاء» ١/ ٦٤ (٥٠٦)، «ميزان الاعتدال» ١/ ١٧٠ (٦٨٦)، «لسان الميزان» ١/ ٣٣٦.
(٤) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ٢٦٨ (٩٨٨)، «الضعفاء والمتروكين» للذهبي (٩٠)، «لسان الميزان» ١/ ٣٣٦.
(٥) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٩٢، «التاريخ الكبير» ١/ ٧٤ (١٩١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٤٦ - ٢٤٨ (١٣٦٠)، «الثقات» لابن حبان ٧/ ٤٤١، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ١٢٣ - ١٣٣ (٥١٧٣)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٧٣ - ٧٨ (٢٠).



فائدة:
في الرواة أيضًا: أبو معاوية النخعي عمرو (١)، وأبو معاوية شيبان (٢). وأما داود بن أبي هند فهو: أحد الأعلام الثقات، بصري، واسم أبي هند دينار مولى امرأة من قشير، ويقال: مولى عبيد الله بن عامر ابن كريز، رأى أنسًا، وسمع: الشعبي وغيره من التابعين، وعنه: شعبة والقطان. لَهُ نحو مائتا حديث. وكان حافظا صوامًا دهره قانتًا لله، مات سنة أربعين ومائة بطريق مكة عن خمس وسبعين سنة (٣).
فائدة:
داود هذا خرَّج له الستة -كما أعلمت له- والبخاري استشهد به هنا خاصة، وليس لَهُ في «صحيحه» ذكر إلا هنا.
وأما عبد الأعلى (ع) فهو: ابن عبد الأعلى السامى القرشي البصري، من بني سامة بن لؤي بن غالب.
روى عن: الجريري وغيره، وعنه: بندار وغيره. وهو ثقة قدري لكنه

-----------------------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٤٩ (٢٥٩٨)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٤٣ (١٣٤٩)، «الثقات» ٧/ ٢١٥، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١١٥ - ١١٧ (٤٤٠٢)، «التقريب» (٥٠٦٧).
(٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٧٧، «تاريخ الدارمي» (٥٦)، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٥٤ (٢٧٠٩)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٥٥، ٣٥٦ (١٥٦١)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٩٢ - ٥٩٨ (٢٧٨٤)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٥٩.
(٣) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٥٥، «تاريخ الدارمي» (٢٩٨، ٢١٣)، «التاريخ الكبير» ٣/ ٣١ (٧٨٠)، «التاريخ الصغير» ٢/ ٤٩، «أسماء التابعين» (٢٩١)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٤٦١ - ٤٦٦ (٧٩٠)، «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٣٧٦ - ٣٧٩ (١٥٦).



غير داعية، كما نبه عليه ابن حبان في «ثقاته» (١)، وأطلقه صاحب «الكاشف» (٢). مات في شعبان سنة تسع وثمانين ومائة (٣).
فائدة:
في الصحيحين عبد الأعلى ثلاثة بهذا (٤)، وفي ابن ماجه: آخر واهٍ، وآخر كذلك (٥)، وآخر صدوق (٦)، وفيه وفي النسائي آخر ثقة (٧)، وفيه

---------------------
(١) «الثقات» ٧/ ١٣٠ - ١٣١.
(٢) «الكاشف» ١/ ٦١١.
(٣) انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧٣ (١٧٤٨)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٨ (١٤٧)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٥٩ - ٣٦٣ (٣٦٨٧) «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٢٤٢: ٢٤٣ (٦٩)، «شذرات الذهب» ١/ ٣٢٤.
(٤) أحدهما المذكور. والثاني: عبد الأعلى بن حماد بن نصر، انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» للبخاري ٦/ ٧٤ (١٧٥٢)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٩ (١٥٤)، و«تهذيب الكمال» ٦/ ٧٤ (١٧٥٢)، و«سير أعلام النبلاء» ١١/ ٢٨ (١٢).
والآخر: عبد الأعلى بن مسهر الغساني.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧٣ (١٧٥١)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٩ (١٥٣)، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٦٩ (٣٦٩١)، و«سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٢٢٨ (٦٠).
(٥) أحدهما: عبد الأعلى بن أبي المساور الزهري، انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧٤ (١٧٥٣)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٦ (١٥٣)، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٦٦ (٣٦٩٠). والآخر: عبد الأعلى بن أعين الكوفي.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ٢٨ (١٤٨)، و«المجروحين» لابن حبان ٢/ ١٥٦، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٤٧ (٣٦٨٢).
(٦) هو عبد الأعلى بن القاسم الهمداني، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٠ (١٥٥)، و«الثقات» لابن حبان ٨/ ٤٠٩، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٦٤ (٣٦٨٩).
(٧) هو عبد الأعلى بن عدي البهراني.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧٢ (١٧٤٧)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥ (١٣١)، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٦٣ (٣٦٨٨).



وفي الترمذي آخر ثقة (١)، وفي الأربعة آخر لين (٢) ضعفه أحمد، فالجملة تسعة، وفي الضعفاء سبعة.
فائدة أخرى:
هذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة إلا آدم فليس من شرط مسلم، وأبي داود.
الوجه الثاني:
قوله: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى) هذا من تعليقات البخاري، وقد أسلفت لك أول الكتاب حكمها في الفصول (٣).
وحديث أبي معاوية أخرجه ابن حبان في «صحيحه» فقال: أنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتُسْتَر (٤)، نا محمد بن العلاء بن غريب، حَدَّثَنَا أبو معاوية، نا داود بن أبي هند، عن الشعبي قَالَ: سمعت عبد الله بن عمرو -ورب هذِه البنية- يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المهاجر من هاجر السيئات، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٥).

----------------------
(١) هو عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٦/ ٣٠ (١٥٧)، و«الثقات» لابن حبان ٨/ ٤٠٩، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٧٩ (٣٦٩٢).
(٢) هو عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٧١ (١٧٤٣)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥ (١٣٤)، و«المجروحين» لابن حبان ٢/ ١٥٥، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٥٢ (٣٦٨٤).
(٣) سبق في المقدمة.
(٤) قال الحموي: أعظم مدينة بخوزستان، «معجم البلدان» ٢/ ٢٩.
(٥) ١/ ٤٢٤ ابن حبان (١٩٦) كتاب الإيمان، باب: فرض الإيمان.



الوجه الثالث في فقهه:
بعد أن تعلم أن هذا الحديث انفرد البخاري عن مسلم بجملته فأخرجه هنا. وفي: الرقاق عن أبي نعيم، عن زكريا، عن عامر (١).
وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا: أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: أيُّ الإسلام خير؟ قَالَ: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام عَلَى من عرفت ومن لم تعرف» (٢).
وأخرج من حديثه أيضًا: أن رجلًا سألَ رسولَ اللهِ - ﷺ -: أيُّ المسملين خير؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المسْلِونَ مِنْ لِسَانهِ وَيده» (٣).
ولم يخرِّج البخاريُ هذا اللفظ ولا الذي قبله، وانفردَ مسلم بإخراجهِ من حديثِ جابرٍ رفعه: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٤).
فمعنى قوله - ﷺ -: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» المسلم الكامل الجامع لخصال الإسلام، من لم يؤذِ مسلمًا بقوْلٍ ولا فعْلٍ، وكذلك المهاجر الكامل، فأَعْلَمَ المهاجرين أن يهجروا ما نهى الله عنه، ولا يتكلوا على هجرتهم.
ويحتمل أنه قَالَ ذَلِكَ لما شق فوات الهجرة عَلَى بعضهم، فأعلمهم أن هذا هو المهاجر المطلوب الكامل.
والهجر لغةً: ضد الوصل (٥). ومنه قيل للكلام القبيح: الهُجر -بضم

---------------------
0(١) سيأتي برقم (٦٤٨٤).
(٢) مسلم (٣٩) كتاب الإيمان، باب: تفاضل الإسلام وأي أموره خير.
(٣) مسلم (٤٠).
(٤) مسلم (٤١).
(٥) يقال: هَجَرَهُ يَهْجُر هَجْرًا، بالفتح، وهجْرَانًا بالكِسر: صَرَمَهُ وقَطَعَهُ، والهَجْرُ: ضدُّ الوَصْلِ. وهَجَرَ الشيء يَهْجُرهُ هَجْرًا: تركه وأغفله وأعرض عنه.
انظر: «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٧١٧ مادة (هجر).



الهاء-؛ لأنه ينبغي أن يهجر. والهاجرة: وقت يهجر فيه العمل، والمهاجر هو الذي فارق عشيرته ووطنه.
وهذا الحديث من جوامع كلمه - ﷺ -، وفصيحه كما يقال: المال الإبل، والناس العرب، عَلَى التفضيل لا عَلَى الحصر.
وقد أورد البخاري عقبه ما بين هذا التأويل وهو قول السائل: أيُّ الإسلام أفضل؟ قَالَ: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» (١) ثم أورد عقبه: أيُّ الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام» (٢) إلى آخره، وخصَّ اليد بالذكر؛ لأن أكثر الأفعال بها، وكذا اللسان؛ لأنه يعبر به عن ما في النفس.
وفي «جامع الترمذي» والنسائي من حديث أبي هريرة: «والمؤمن من أمنه الناس عَلَى دمائهم وأموالهم» (٣).
وفيه: الحثُّ عَلَى ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي، وسِرُّ الأمر في ذَلِكَ حسن التخلق مع العالم، كما قَالَ الحسن -رحمه الله- في تفسير الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذَّر (٤)، ولا يرضون الشَّرَّ. وفيه رد عَلَى المرجئة، فإنه ليس عندهم إسلام ناقص (٥).

-------------------
(١) سيأتي برقم (١١) باب: أي الإسلام أفضل.
(٢) سيأتي برقم (١٢) باب: إطعام الطعام من الإسلام.
(٣) الترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي ٨/ ١٠٤ - ١٠٥، ورواه أحمد ٢/ ٣٧٩، وابن حبان (١٨٠)، والحاكم ١/ ١٠ وقال: لم يخرجا هذِه الزيادة وهي صحيحة على شرط مسلم.
وصححه الألباني في «الصحيحة» (٥٤٩).
(٤) روى نحوه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٨٤٦ (٤٦٨١).
(٥) آخر الجزء الرابع من تجزئة المصنف، وورد ج بهامش (ف) بلغ الشيخ الإمام برهان الدين الحلبي قراءة على مؤلفه وسمع الصفدي …



بسم الله الرحمن الرحيم
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠]

٥ - باب أَىُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟
١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ». [مسلم ٤٣ - فتح ١/ ٥٤]
نَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ القُرَشِيِّ نا أَبِي نا أَبُو بُرْدةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِه».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من هذا الوجه. وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن أبي بردة، وفيه: أي المسلمين أفضل؟
ثانيها: في التعريف برواته:
أما أبو موسى فهو عبد الله (ع) بن قيس بن سُليم -بضم السين- بن حضار- بفتح الحاء المهملة وتشديد الضاد المعجمة، وقيل: بكسر الحاء وتخفيف الضاد- الأشعري الصحابي الكبير استعمله - ﷺ - عَلَى زبيد وعدن، وساحل اليمن، واستعمله عمر عَلَى الكوفة والبصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة بالأردن، وخطبة عمر بالجابية، وقدم دمشق عَلَى معاوية.


لَهُ ثلاثمائة وستون حديثًا، اتفقا منها عَلَى خمسين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر. روى عنه أنس بن مالك، وطارق بن شهاب، وخلق من التابعين، وبنوه: أبو بردة، وأبو بكر، وإبراهيم، وموسى.
مات بمكة أو بالكوفة سنة خمسين أو إحدى أو أربع وأربعين عن ثلاث وستين، وكان من علماء الصحابة ومفتيهم، قَالَ علي في حقه: صبغ في العلم صبغة ثمَّ أخرخ منه (١).
فائدة:
أبو موسى في الصحابة أربعة: هذا والأنصاري (٢) والغافقي مالك بن عبادة أو ابن عبد الله (٣) وأبو موسى الحكمي (٤).
وفي الرواة أبو موسى جماعة منهم في «سنن أبي داود» اثنان (٥)،

----------------------
(١) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٤٩ - ١٧٥٤ (١٧٣٤)، «الاستيعاب» ٣/ ١٠٣، ١٠٤ (١٦٥٧)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٦٧ - ٣٦٩ (٣١٣٥)، «الإصابة» ٢/ ٣٥٩، ٣٦٠ (٤٨٩٨).
(٢) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٤/ ١٧٥٥ (١٧٣٦)، «الاستيعاب» ٣/ ١٠٥ (١٦٦٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٦٧، ٣٦٨ (٣١٣١)، «الإصابة» ٢/ ٣٦٥ (٤٩٠٠).
(٣) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٦٥ (٢٦٠٤)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٠٨ (٢٢٩٩)، «أسد الغابة» ٦/ ٣٠ (٤٦٠٢)، «الإصابة» ٣/ ٣٤٧ (٧٦٤١).
(٤) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٠١٥ (٣٤٣٤)، «الاستيعاب» ٤/ ٣٢٨ (٣٢٢٧)، «أسد الغابة» ٦/ ٣٠٨ (٦٢٩١)، «الإصابة» ٤/ ١٨٧ (١١٠٢).
(٥) أحدهما: أبو موسى الهلالي، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ٤٣٨ (٢١٩٧)، و«الثقات» لابن حبان ٧/ ٦٦٤، و«تهذيب الكمال» ٣٤/ ٣٣٤ (٧٦٥٩)، وقال ابن حجر في «التقريب» (٨٤٠٣): مقبول.
والآخر: أبو موسى شيخ لمعاوية بن صالح، انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٣٤/ ٣٣٥ (٧٦٦١)، وقال ابن حجر في «التقريب» (٨٤٠٣): مجهول.



وآخر في «سنن النسائي» (١).
وأما الراوي عنه فهو: أبو بردة عامر (ع)، وقيل: الحارث، وقيل: اسمه كنيته ابن أبي موسى الكوفي التابعي الثقة الجليل، قاضي الكوفة بعد شريح، وبها مات سنة ثلاث أو أربع ومائة، سمع أباه وعليًّا وغيرهما، وعنه خلق من التابعين وغيرهم، قيل: توفي هو والشعبي في جمعة واحدة (٢).
فائدة:
في الصحابة أبو بردة سبعة منهم: ابن نيار البلوي هانئ أو الحارث أو مالك (٣) وفي الرواة: أبو بردة الآتي بريد بن عبد الله.
وأما الراوي عنه فهو أبو بردة (ع) بُريد -بضم أوله- بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الكوفي، يروي عن أبيه وجده والحسن وعطاء، وعنه: ابن المبارك وغيره من الأعلام، وثَّقه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بالمتقن، يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بذاك القوي. وقال

----------------------
(١) هو أبو موسى الحذاء، انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ٤٣٨ (٢١٩٥)، و«الثقات» لابن حبان ٥/ ٥٨٤، و«تهذيب الكمال» ٣٤/ ٣٣٢ (٧٦٥٨)، وقال ابن حجر في «التقريب» (٨٤٠٠): مقبول.
(٢) انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٦٦ (٧٢٢٠).
(٣) هانى بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذبيان بن هشيم بن كاهل بن ذهل بن بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة حليف للأنصار، أبو بردة بن نيار، غلبت عليه كنيته … شهد العقبة وبدرًا وسائر المشاهد. وهو خال البراء بن عازب. يقال: إنَّهُ مات سنة خمس وأربعين. وقيل: بل مات سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، لا عقب لهُ. روى عنه البراء بن عازب وجماعة من التابعين.
انظر: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٧٤٦ - ٢٧٤٧ (٢٩٩٠)، «الاستيعاب» ٤/ ٩٦ (٢٦٩٩)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٨٢ - ٣٨٣ (٥٣٣٢)، «الإصابة» ٣/ ٥٩٦ (٨٩٢٦).



أحمد بن عبد الله: كوفي ثقة (١).
وقال ابن عدي: روى عنه الأئمة، وأدخلوه في صحاحهم وهو صدوق، وأرجو أن لا يكون به بأس. وأنكر ما روي عنه ما رواه مرفوعًا عن جده. «إذا أراد الله بأمة خيرًا، قبضر نبيها قبلها» وهذا طريق حسن، رواته ثقات (٢).
قُلْتُ: أخرجه مسلم في كتاب الفضائل معلقا (٣).
فائدة:
ليس في الكتب الستة بريد غير هذا. وفي الأربعة: بريد بن أبي مريم مالك (٤)، وفي «مسند علي» للنسائي: بريد بن أصرم (٥) وهو مجهول، كما قَالَ البخاري. وليس في الصحابة من اسمه بريد، ويشتبه بُرَيد بأربعة أشباه وهم: يزيد، وبَرِيد، وبرند، تزيد وقد أوضحتهم في «مشتبه النسبة».

-------------------
(١) «معرفة الثقات» ١/ ٢٤٤.
(٢) انظر: «الكامل في الضعفاء» ٢/ ٢٤٥.
(٣) رواه مسلم (٢٢٨٨) كتاب الفضائل، باب: إذا أراد الله بأمة خيرا قبض نبيها قبلها. قال النووي في «شرح صحيح مسلم» ١٥/ ٥٢: قال المازري والقاضي: هذا الحديث من الاْحاديث المنقطعة في مسلم فإنَّهُ لم يُسم الذي حدَّثهُ عن أبي أسامة. قلت: وليس هذا حقيقة انقطاع وإنما رواية مجهول، وقد وقع في حاشية بعض النسخ المعتمدة: قال الجلودي حدثنا محمد بن المسيب الأرغياني قال: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري بهذا الحديث عن أبي أسامة بإسناده. اهـ.
(٤) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ١٤٠ (١٩٧٥)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٢٦ (١٦٩٣)، و«تهذيب الكمال» ٤/ ٥٢ (٦٦٠).
(٥) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ١٤٠ (١٩٧٤)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦ (١٦٩٢)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٤٩ (٦٥٨).





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* كم من مُسْتَدْرَج وهو لا يعلم
* خرخش.. لكن لا تسئ إلى الرموز
* الأمير الشهيد الشاعر عبد الله بن رواحة
* من مائدة الفقه
* المنان جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* تحريم إنكار وجود الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة
* مجموعة من الاحاديث الضعيفة والموضوعة ---- متجددة إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 01-20-2026, 02:32 AM   #42

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 496 الى صـــ 515
الحلقة (42)





وأما الراوي عنه فهو: أبو أيوب يحيى (ع) بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي الكوفي، سكن بغداد، سمع الأعمش وغيره من التابعين فمن بعدهم، وعنه: أحمد والأعلام. وهو ثقة، مات في شعبان سنة أربع وتسعين ومائة، وبلغ الثمانين، وقيل: ابن أربع وسبعين (١).
فائدة:
في الكتب الستة يحيى بن سعيد أربعة: أحدهم هذا، وثانيهم: التيمي الكوفي (٢)، وثالثهم: القطان (٣)، ورابعهم: الأنصاري قاضي المدينة (٤)، وفي مسلم: يحيى بن سعيد بن العاص الأموي تابعي (٥)، وذكر في الصحابة وهو فرد فيهم إن صحت (٦).
وفي الرواة يحيى بن سعيد العطار ضعيف (٧)، ويحيى بن سعيد

-----------------------
(١) انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٧٧ (٢٩٨٤)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٥٢٦، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣١٨ (٦٨٣١)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ١٣٩ (٤٧).
(٢) ستأتي ترجمته في حديث رقم (٥٠).
(٣) ستأتي ترجمته في حديث رقم (١٣).
(٤) سبقت ترجمته في حديث رقم (١).
(٥) سبقت ترجمته في حديث رقم (١).
(٦) قال ابن الأثير: وهذا يحيى هو أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، الذي قتلهُ عبد الملك بن مروان وليس له صحبة ولا إدراك فإنَّ أباه سعيد بن العاص، كان مولده سنة إحدى من الهجرة، وهذا يحيى ليس أكبر أولاده، فمن كل وجه لا صحبة له أهـ
وقال مغلطاي: ولا خفاء في عدم صحبته؛ فإنَّ أباه ولد سنة إحدى من الهجرة، وهذا بين واضح. وذكرهُ جماعة في التابعين البخاري فمن بعده. انظر: «أسد الغابة» ٥/ ٤٧١ - ٤٧٢ (٥٥٠٦)، و«الإنابة» ٢/ ٢٤٢ (١٠٩٤).
(٧) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ١٥٢ (٦٢٨)، «الكامل في ضعفاء الرجال» ٩/ ١٦، وقال ابن حبان في «المجروحين» ٣/ ١٢٣: كان ممن يروي =



الفارسي قاضي شيراز ضعيف أيضًا (١)، قَالَ ابن الجوزي في «ضعفائه» بعد ذكرهما؛ وجملة من يجيء في الحديث يحيى بن سعيد ستة عشر ما عرفنا طعنًا إلا في هذين (٢) قلت: ويحيى بن سعيد الراوي عن سالم القداح، صالح الحديث له مناكير، ويحيى بن سعيد السعدي. وقيل: ابن سعد. وهَّاه ابن حبان (٣).
وأما الراوي عنه فهو أبو عثمان سعيد بن يحيى البغدادي، سمع أباه وغيره، وعنه الأعلام: أبو زرعة وغيره، وروى لَهُ الجماعة إلا ابن ماجه، مات في ذي القعدة سنة تسع وأربعين ومائتين.
وثقوه، وقال علي بن المديني: هو أثبت من أبيه، وقال صالح بن محمد: هو ثقة إلا أنه كان يغلط (٤).
فائدة:
في الرواة أيضًا سعيد بن يحيى الواسطي. روى له مسلم وابن

---------------------
= الموضوعات عن الأثبات والمعضلات عن الثقات، ولايجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار لأهل الصنعة.
(١) انظر ترجمته في: «الكامل في ضعفاء الرجال» ٩/ ١٧ (٢٠٩٩)، وقال ابن حبان في «المجروحين» ٣/ ١١٨: شيخ يروي عن عمرو بن دينار المقلوبات لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.
(٢) «الضعفاء والمتروكين» ٣/ ١٩٥.
(٣) انظر ترجمته في: «الضعفاء» للعقيلي ٤/ ٤٠٤ (٢٠٢٧)، «الكامل في ضعفاء الرجال» ٩/ ١٠٦ (٢١٤٢)، وقال ابن حبان في «المجروحين» ٣/ ١٢٩: شيخ يروي عن ابن جريح المقلوبات وعن غيره من الثقات الملزقات، لا يحل الاحتجاج به إذا انفرد أهـ.
(٤) انظر: «التاريخ الكبير» ٣/ ٥٢١ (١٧٤٥)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٧٤ (٣١٤)، «ثقات ابن حبان» ٨/ ٢٧٠، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٠٤ (٢٣٧٧).



ماجه (١)، وسعيد بن يحيى الكوفي روى له البخاري، والنسائي، وابن ماجه (٢) وسعيد بن يحيى الحميري روى لَهُ البخاري والترمذي (٣).
الوجه الثالث:
معنى (أيُّ الإسلام أفضل؟): أيُّ خصاله، وجاء في هذا الحديث أنه: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» وفي الحديث الآتي: أيُّ الإسلام خير؟ قَالَ: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام» .. إلى آخره.
والجمع بينهما أنه بحسب اختلاف حال السائل، فظهر من أحدهما قلة المراعاة لليد واللسان. ومن الآخر كبر وإمساك عن الإطعام، أو تخوف - ﷺ - عليهما ذَلِكَ، أو الحاجة في وقت سؤال كل واحد منهما أمس بما أجاب به.
قَالَ الخطابي: فجعل أعلاها الإطعام الذي هو قوام الأبدان، ثمَّ جعل خير الأقوال في البر والإكرام إفشاء السلام الذي يعم ولا يخص بمن عرفه حتَّى يكون خالصًا لله تعالى بريئًا من حظ النفس والتصنع؛ لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع (٤)، وقد روي في حديث: أن السلام في آخر الزمان يكون للمعرفة (٥) وإنما أجاب عليه

----------------------
(١) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٤/ ٧٥ (٣١٥)، «ثقات ابن حبان» ٨/ ٢٧١، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٠٢ (٢٣٧٦).
(٢) انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٤/ ٢٤٩ (١٢٥٠)، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٠٦ (٢٣٧٨).
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٥٢١ (١٧٤٤)، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٠٨ - ١١١ (٢٣٧٩)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٣٢ (١٥٩).
(٤) «أعلام الحديث» ١/ ١٤٨.
(٥) كما جاء عن ابن مسعود «أن يسلم الرجل على الرجل للمعرفة» رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٣/ ١٥٥ (٥١٣٧). وأحمد ١/ ٤٠٦، والبزار كما في «كشف الأستار» =



- ﷺ - بالذات، والسؤال عن المعنى وهو خصال الإسلام؛ لأن المقصود السؤال عن الذات التي تشرف بالمعنى.
----------------------
= (٣٤٠٧) والطبراني ٩/ ٢٩٦ - ٢٩٧. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٧/ ٣٢٩: رواه كله أحمد والبزار ببعضه وزاد: «وأن يجتاز الرجل بالمسجد فلا يصلي فيه» ورجال أحمد والبزَّار رجال الصحيح.


٦ - باب إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ
١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ عَنْ أَبِى الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو - رضي الله عنهما - أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِىَّ - ﷺ - أَىُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ». [٢٨، ٦٢٣٦ - مسلم ٣٩ - فتح ١/ ٥٥]
نا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ: نَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بن أبي حبيب، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَبِيَّ - ﷺ - أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِف».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن عمرو بن خالد، وبعده بأبواب في: الإيمان (١) أيضًا في باب: السلام من الإسلام عن قتيبة، وفي: الاستئذان (٢) في باب: السلام للصرفة وغير المعرفة عن ابن يوسف قالوا كلهم: نا الليث، عن يزيد به، وأخرجه مسلم هنا، عن قتيبة وابن رمح، عن يزيد به (٣).
ثانيها: في التعريف برجاله.
أما عبد الله بن عمرو والليث فتقدما.
وأما أبو الخير (ع) فهو: مرثد بن عبد الله اليزني -بفتح المثناة تحت ثمَّ زاي ثمَّ نون- المصري التابعي، ويزن: بطن من حمير. روى عن جمع

----------------------
(١) سيأتي برقم (٢٨) باب: إفشاء السلام من الإسلام.
(٢) سيأتي برقم (٦٢٣٦) باب: السلام للمعرفة وغير المعرفة.
(٣) مسلم (٣٩) كتاب الإيمان، باب: بيان تفاضل الإسلام وأي موارده أفضل.



من كبار الصحابة منهم: أبو أيوب، وعبد الله بن عمرو، وعنه خلق من التابعين منهم: يزيد بن أبي حبيب، وابن شُماسة، ضبطه النووي بخطه بضم الشين.
قَالَ ابن يونس: كان مفتي أهل مصر، وكان عبد العزيز بن مروان يحضره، فيجلسه للفتيا. مات سنة سبعين (١).
وأما الراوي عنه فهو: الإمام البارع المتقن أبو رجاء يزيد (ع) بن أبي حبيب. واسم أبي حبيب: سويد المصري التابعي، مولى شريك بن الطفيل من الأزد، وقيل: غيره، وكان نوبيا من أهل دمقلة، سمع عبد الله بن الحارث بن جزء، وأبا الطفيل الصحابيين. وعنه الأعلام: سليمان التيمي وغيره.
قَالَ ابن يونس: كان مفتي أهل مصر في زمانه، وكان حليمًا عاقلًا، وهو أول من أظهر العلم والفقه والكلام بالحلال والحرام، وكانوا قبل ذَلِكَ إنما يتحدثون في الفتن والملاحم، وكان يزيد أحد الثلاثة الذين جعل إليهم عمر بن عبد العزيز الفتوى بمصر.
قَالَ الليث بن سعد: يزيد سيدنا وعالمنا، ولد سنة ثلاث وخمسين، ومات سنة ثمان وعشرين ومائة، وجلالته وإمامته وتوثيقه مجمع عليها (٢).
وأما الراوي عنه فهو أبو الحسن (خ ق) عمرو بن خالد بن فروخ بن سعيد بن عبد الرحمن بن واقد بن ثابت بن عبد الله الحرَّاني. سكن مصر،

--------------------
(١) انظر: «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٩٩ (١٣٨٠)، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٣٥٧ (٥٨٥٠)، «سير أعلام النبلاء» ٤/ ٢٨٤ (١٠٥)، «تذكرة الحفاظ» ١/ ٧٣.
(٢) انظر: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٦٦ (٣٢٢٦)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٦٧ (١١٢٢)، «الثقات» ٥/ ٥٤٦، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ١٠٢ (٦٩٧٥)، و«السير» ٦/ ٣١ (١٠).



روى عن الليث وغيره من الأعلام، وعنه البخاري وغيره من الأعلام، وروى ابن ماجه عن رجل عنه. قَالَ: أبو حاتم صدوق.
وقال أحمد بن عبد الله: هو ثبت ثقة، مات بمصر سنة تسع وعشرين ومائتين (١).
وفي الرواة أيضًا عمرو بن خالد القرشي، انفرد عنه بالإخراج ابن ماجه وهو كذاب (٢).
الوجه الثالث:
هذا الإسناد كله مصريون أعلام وهو من لطائف الإسناد.
الرابع:
في فقه الحديث، وقد سلف في الباب قبله. «وتطعم» بضم أوله؛ لأن ماضيه رباعي، وفيه: الحث على مكارم الأخلاق والجود، وخفض الجناح للمسلمين والتواضع، ورؤية حرمات المؤمنين، وإفشاء شعار هذِه الأمة وهو السلام، وأما الكافر فلا يبدأ بالسلام؛ للنهي عنه في «الصحيح»، كما ستعمله في موضعه، وقيل: ليس شيء أجلب للمحبة وأثبت للمودة وأسل للسخائم، وأتقى للجرائم من إطعام الطعام، وإفشاء السلام.

--------------------
(١) انظر: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٧ (٢٥٤٢)، و«الثقات» لابن حبان ٨/ ٤٨٥، «معرفة الثقات» ٢/ ١٧٥، و«تهذيب الكمال» ٢١/ ٦٠١ (٤٣٥٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٤٢٧ (١٣٠).
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٨ (٢٥٤٣)، و«المجروحين» لابن حبان ٢/ ٧٦، وقال: كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها من غير أن يدلس، كذبه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
وقال ابن حجر في «التقريب» (٥٠٢١): متروك، ورماه وكيع بالكذب.



وأول ما قدم النبي - ﷺ -، وتكلم أن قَالَ: «يا أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».
رواه عنه: عبد الله بن سلام، رواه الترمذي وصححه، وزاد ابن ماجه: «وصلوا الأرحام، وهذِه عادة العرب الكرام ينعقد به عليكم العهد والذمام» (١).
فائدة:
معنى «السلام عليكم» أي: لكم، أو اسم الله عليكم أو معكم.
فائدة ثانية:
قَالَ أبو حاتم: تقول: اقرأ عليه السلام، وأقرئه الكتاب، ولا تقول: أقرئه السلام إلا في لغة سوء، إلا أن يكون مكتوبًا، فتقول: أقرئه السلام أي: اجعله يقرؤه. وفي «الصحاح»: وفلان قرأ عليك السلام، وأقرأك السلام بمعنًى (٢).

----------------------
(١) الترمذي (٢٤٨٥)، وابن ماجه (١٣٣٤)، (٣٢٥١) وصححه الألباني في «الإرواء» (٧٧٧).
(٢) «الصحاح» ١/ ٦٥.



٧ - باب مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ - قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». [مسلم ٤٥ - فتح ١/ ٥٦]
نا مُسَدَّدٌ نا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَعَنْ حُسَيْنٍ المُعَلِّمِ نَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه مسلم عن ابن المثنى وابن بشار، عن غندر، عن شعبة (١). وعن زهير، عن يحيى القطان، عن حسين المعلم، كلاهما عن قتادة، عن أنس (٢) ولفظه: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ حتَّى يحبَّ لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه». وأخرجه النسائي في: الإيمان بلفظ: «حتَّى يحب لأخيه من الخير» (٣). والترمذي في الزهد، وقال: صحيح (٤)، وابن ماجه في السنة (٥) وليس في السماع.

-----------------
(١) مسلم (٤٥/ ٧٠) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير.
(٢) مسلم (٤٥/ ٧٢).
(٣) النسائي ٨/ ١١٥.
(٤) الترمذي (٢٥١٥).
(٥) ابن ماجه (٦٦). وانظر: «تحفة الأشراف» (١٢٣٩).



ثانيها: في التعريف برواته:
أما أنس (ع) فهو السيد الجليل أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم -بفتح المعجمتين- بن زيد بن حرام -بالراء- بن حبيب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري النجاري البصري. خادم رسول الله - ﷺ -، خدمه عشر سنين، أُمُّه: أُمُّ سليم بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام. روي له ألفا حديث، ومائتا حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا منها عَلَى مائة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين.
وهو أحد المكثرين، ومناقبه جَمَّة. وسيأتي في كتاب: المناقب -إن شاء الله تعالى وقدره- جملة منها، ودعاؤه لَهُ - ﷺ - بكثرة المال والولد وطول العمر والجنة مشهور (١).
مات بالبصرة سنة ثلاث وتسعين، وقيل خمس، وقد جاوز المائة.
ودفن في قصره عَلَى نحو فرسخ ونصف من البصرة. وكني بأبي حمزة -بالحاء المهملة- لبقلة كان يجتنيها (٢).
فائدة:
أنس بن مالك في الصحابة اثنان لا ثالث لهما أحدهما هذا وهو الأشهر، والثاني: أبو أمية الكعبي (٣) لَة حديث: «إن الله وضع عن

-----------------------
(١) سيأتي برقم (١٩٨٢)، (٦٣٣٤)، (٦٣٤٤).
(٢) انظر ترجمته في:»معجم الصحابة«لابن قانع ١/ ١٤ - ١٥ (١٠)،»معرفة الصحابة«١/ ٢٣١ - ٢٣٨ (٨٩)،»الاستيعاب«١/ ١٩٨ - ٢٠٠ (٨٤)،»أسد الغابة«١/ ١٥١ - ١٥٣ (٢٥٨)،»الإصابة«١/ ٧١ - ٧٢ (٢٧٧).
(٣) انظر ترجمته في»معرفة الصحابة«١/ ٢٤٠، ٢٤١ (٩٢)،»الاستيعاب«١/ ٢٠٠ (٨٥)،»أسد الغابة«١/ ١٥٠ (٢٥٧)،»الإصابة" ١/ ٧٢ (٢٧٨).



المسافر الصوم وشطر الصلاة» (١). وفيهم: أنس بدون ابن مالك فوق العشرين.
وفي الرواة غيرهم: أنس بن مالك ثلاثة ذكرتهم في «شرح العمدة» (٢).
فائدة ثانية:
أنس يشتبه بأتش -بالمثناة فوق بدل النون وشين معجمة-، وهو محمد بن الحسن بن أتش الصنعاني المتروك (٣) وأخوه علي بن الحسن فاعلم ذَلِكَ.
وأما الراوي عنه فهو الإمام أبو الخطاب قتادة (ع) بن دعامة -بكسر الدال- بن قتادة بن عزيز -بعين مهملة مفتوحة وزاي مكررة الأولى مكسورة- بن عمرو بن ربيعة بن عمرو بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل -بضم الذال المعجمة- بن ثعلبة بن عكابة -بالباء الموحدة- بن صعب بن بكر بن وائل، السدوسي البصري، التابعي الثقة الجليل، الحافظ البارع. وكان أكمه. روى عن أنس وأبي الطفيل وغيرهما من الصحابة، وخلائق من التابعين.

-----------------------
(١) رواه أبوداود (٢٤٠٨)، والترمذي (٧١٥)، والنسائي ٤/ ١٨٠ - ١٨١، وابن ماجه (١٦٦٧)، وأحمد ٤/ ٤٧. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٥٧٥) حسن صحيح.
(٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٤٢٥ - ٤٢٦.
(٣) وثقه أبو حاتم، وابن حبان، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مرة: متروك، وتعقبه ابن حجر فقال: كلام النسائي فيه غير مقبول؛ لأن أحمد وعلي بن المديني لا يرويان إلا عن مقبول. انظر ترجمته- في: «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٢٦، و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٥٦ - ٥٧، و«تهذيب التهذيب» ٣/ ٥٤٠.



قَالَ الترمذي: لا نعرف لقتادة سماعًا من أحد من الصحابة إلا من أنس وأبي الطفيل (١)، وروى عنه خلق من التابعين فمن بعدهم، وثناء الحفَّاظ عليه مشهور، وإن رمي بالتدليس والقدر.
مات كهلًا سنة سبع عشرة ومائة، أو ثماني عشرة عن ستًّ أو سبع وخمسين سنة (٢).
قَالَ معمر: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيتُ حمامة التقمت لؤلؤة، فخرجت منها أعظم مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة، فخرجت أصغر مما دخلت، ورأيت حمامة أخرى التقمت لؤلؤة، فخرجت كما دخلت سواء. فقال لَهُ ابن سيرين: أما الأولى: فذاك الحسن يسمع الحديث فيجوده بمنطقه ثمَّ يصل فيه من مواعظه، وأما الثاني: فذاك محمد بن سيرين ينقص منه ويشك فيه، وأما الثالث: فقتادة وهو أحفظ الناس (٣).
فائدة:
ليس في الكتب الستة من اسمه قتادة بن دعامة سوى هذا.
وأما حسين (ع) المعلم: فهو ابن ذكوان المكتب العوذي نسبة إلى بن سود بطن من الأزد، البصري. سمع قتادة وعطاء وغيرهما،

-----------------------
(١) «سنن الترمذي» عقب حديث رقم (٢٩٤١).
(٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٢٩، «طبقات خليفة» ص ٢١٣، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٨٥، ١٨٦ (٨٢٧)، «التاريخ الصغير» ١/ ٢٨٢، «الجرح والتعديل» ٧/ ١٣٣ (٧٥٦) «الثقات» لابن شاهين (١١٤٥) «تهذيب الكمال» ٢٣/ ٤٩٨ - ٥١٧ (٤٨٤٨)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٦٩، «شذرات الذهب» ١/ ١٥٣.
(٣) رواه أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» ٢/ ٣١٥ (٢٣٩٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٣٣٤ ترجمة: قتادة بن دعامة، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٤/ ١٩٣ - ١٩٤ (٤٧٧٧).



وعنه: شعبة ويحيى القطان وغيرهما، وهو ثقة كما قاله يحيى بن معين وغيره (١).
قَالَ أبو داود: ولم يَرْوِ عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - شيئًا. إنما يروي عن عبد الله بن بريدة، عن غير أبيه، ولعله أراد أن غالب روايته كذلك.
وإلا فقد روى في السير عن عبد الله، عن أبيه مرفوعًا: «من استعملناه عَلَى عمل فرزقناه رزقًا» (٢) .. الحديث.
وأما شعبة فقد سلف.
وأما يحيى: فهو الإمام الحافظ أبو سعيد يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي، أبو سعيد البصري الأحول، يقال: مولى بني تميم وليس لأحد عليه ولاء، سمع الثوري وغيره من الأعلام، وعنه: السفيانان وأحمد وخلق. والإجماع قائم عَلَى جلالته وإمامته وعظم علمه وإتقانه وبراعته. أقام عشرين سنة يختم القرآن في كل يوم وليلة، ولم يَفُتْه الزوال في المسجد أربعين سنة.
رئي في المنام وعلى قميصه مكتوب بين كتفيه: بسم الله الرحمن الرحيم براءة ليحيى بن سعيد من النار، وبُشِّر قبل موته بعشر سنين بأمان من الله يوم القيامة، ولد سنة عشرين ومائة، ومات سنة عشرين ومائتين (٣).

-------------------------
(١) انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٧٠، «تهذيب الكمال» ٦/ ٣٧٢ (١٣٠٩)، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٣٤٥ - ٣٤٦ (١٤٧).
(٢) رواه أبوداود (٢٩٤٣) وابن خزيمة (٢٣٦٩) والحاكم ١/ ٤٠٦ وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي ٦/ ٣٣٥ (١٣٠٢٠)، وصححه الألباني في «غاية المرام» (٤٦٠).
(٣) تقدم في «المقدمة».



قَالَ إسحاق بن إبراهيم الشهيدي (١): كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني وسليمان بن داود وأبو أيوب الشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام عَلَى أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب، لا يقول لواحد منهم اجلس، ولا يجلسون هيبةَ لَهُ وإعظامًا.
فائدة:
يحيى بن سعيد جماعة تقدم بيانهم قريبًا في باب: أيُّ الإسلام أفضل.
وأما مسدد: فهو أبو الحسن مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مغربل بن مرعبل بن أرندل بن سرندل بن عرندل بن ماسك بن المستورد بن أسد بن شُرَيك -بضم الشين- بن مالك بن عمرو بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، الأزدي الدوسي، البصري الحافظ الثقة. وفي نسبه اختلاف كبير، قَالَ ابن الجوزي: مسدد ومسرهد لقبان واسمهما عبد الملك بن عبد العزيز.
روى عن جماعة من الأعلام منهم: حماد ويحيى، وعنه الأعلام:
البخاري، وأبوداود، وأبو حاتم وغيرهم. وروى النسائي عن رجل عنه، وروى لَهُ الترمذي أيضًا، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين (٢).

---------------------------
(١) هو إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد الشهيدي، أبو يعقوب البصري. انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٢/ ٣٦١.
(٢) انظر: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٣٠٧، و«التاريخ الكبير» ٨/ ٧٢ (٢٢٠٩)، و«تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٤٣ (٥٨٩٩)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٥٩١ - ٥٩٥ (٢٠٨)، «شذرات الذهب» ٢/ ٦٦.



فائدة: ليس في الكتب الستة مسدد غيره.
وكان أبو نعيم يقول عند سماع نسبه: هذِه رقية عقرب، وقيل: إنه كان يقول: لو كان في هذِه النسبة: بسم الله الرحمن الرحيم، كانت رقية عقرب (١). ومما يقاربه: جخدب بن جرعب أبو الصقعب كوفي يروي عن عطاء بن أبي رباح وعنه: سفيان الثوري (٢).
الوجه الثالث:
قوله: (وعن حسين المعلم) يعني: أن يحيى حدث به عن شعبة وعن حسين كلاهما عن قتادة.
الوجه الرابع:
معنى الحديث لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان حاصل وإن لم يكن بهذِه الصفة. والمراد: يحب لأخيه من الخير كما سلف في رواية النسائي، وهذا قَدْ يُعَدُّ من الصعب الممتنع. وليس كذلك كما نبه عليه ابن الصلاح.
أو معناه: لا يكمل إيمان أحدكم حتَّى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه. والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذَلِكَ من جهة لا يزاحمه فيها، بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه. وذلك سهل عَلَى القلب السليم، وإنما يعسر عَلَى القلب الدغل. عافانا الله أجمعين (٣)، فيحب الخير لأخيه في الجملة دون زيادة الفضل.

-----------------------
(١) أورده المزي في «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٤٤٧.
(٢) انظر: «المنفردات والوحدان» ص ٢٤٣ (١٢٧٩)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٥٥١ (٢٢٨٧).
(٣) «صيانة صحيح مسلم» ص ٢٠٣.



وقال أبو الزناد والقاضي: ظاهره التسوية وحقيقته التفضيل؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه كان هو من المفضولين (١). ألا ترى أن الإنسان يحب أن ينتصف من حقه ومظلمته، فإذا كمل إيمانه وكانت لأخيه عنده مظلمة، بادر إلى إنصافه من نفسه، وآثر الحق وإن كان عليه فيه بعض مشقة.
وقد أشار إلى هذا المعنى الفضيل بن عياض بقوله لسفيان: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أديت لله الكريم النصيحة، فكيف وأنت تودُّ أنهم دونك (٢).
وعن الأحنف بن قيس: أنه سُئِلَ ممن تعلمت العلم؟ فقال: من نفسي؟ قيل: وكيف ذلك؟ قَالَ: كنت إِذَا كرهتُ شيئًا من غيري، لم أفعل باحد مثله.

--------------------
(١) «إكمال المعلم» ١/ ٢٨٢.
(٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٣٠٣ (٢٨٥٩).



٨ - باب: حُبُّ الرَّسُولِ - ﷺ - مِنَ الإِيمَانِ
١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ». [مسلم ٤٤ - فتح ١/ ٥٨]

١٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - ح، وَحَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». [مسلم ٤٤ - فتح ١/ ٥٨]
نا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَنَا شُعَيْبٌ نا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ».
نَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ثنَا ابن عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَثنَا آدَمُ ثنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
الكلام عليهما من وجوه:
أحدها:
حديث أبي هريرة الأول، هو من أفراد البخاري دون مسلم، وحديث أنس أخرجه مسلم عن ابن المثنى وابن بشار، عن غندر عن شعبة (١)، وعن زهير عن ابن علية، وعن شيبان بن فروخ، عن

-------------------------
(١) مسلم (٤٤/ ٧٠) كتاب الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل.


عبد الوارث كلاهما، عن عبد العزيز، عن أنس (١)، وفي لفظ له: «من أهله وماله».
ثانيها: في التعريف برواته غير ما سلف.
أما حديث أبي هريرة فسلفت ترجمته (٢)، وترجمة أبي اليمان (٣) وشعيب (٤).
وأما الأعرج فهو أبو داود (ع) عبد الرحمن بن هرمز المدني القرشي التابعي الثقة.
والأعرج لقب، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، ويقال: مولى محمد بن ربيعة. سمع أبا هريرة وغيره من الصحابة، وعنه الزهري وغيره من التابعين والأعلام.
مات بالأسكندرية سنة سبع عشرة ومائة، ووهم مَن قَالَ: سنة عشر (٥).
فائدة:
ليس في الكتب الستة من اسمه عبد الرحمن بن هرمز سواه.

-----------------------
(١) مسلم (٤٤/ ٦٩) كتاب الإيمان، باب: وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل.
(٢) في شرح حديث رقم (٩).
(٣) في شرح حديث رقم (٧).
(٤) في شرح حديث رقم (٧).
(٥) انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٦٠ (١١٤٤)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٢٩٧ (١٤٠٨)، و«ثقات ابن حبان» ٥/ ١٠٧، و«تهذيب الكمال» ١٧/ ٤٦٧ (٣٩٨٣)، و«سير أعلام النبلاء» ٥/ ٦٩ - ٧٠ (٢٥)، «شذرات الذهب» ١/ ١٥٣.



فائدة:
حيث يذكر مالكٌ ابنَ هرمز أو يحكي عنه فليس هذا إنما هو عبد الله بن يزيد بن هرمز الفقيه، قليل الرواية ترجم لَهُ ابن سعد. ومات سنة ثمان وأربعين ومائة (١).
وأما الأعرج، فإنه روى عنه بواسطة، فاعلم ذَلِكَ، فإنه قَدْ التبس عَلَى بعض الفقهاء ذَلِكَ.
فائدة:
الأعرج لقب لجماعة: هذا أحدهم، وثانيهم: سلمة (ع) بن دينار (٢)، وثالثهم: ثابت (خ م ت ن) بن عياض، روى عن أبي هريرة (٣).
وأما أبو الزناد فهو: الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن ذكوان (٤) وأبو الزناد لقب لَهُ اشتهر به، وكان يغضب منه، القرشي مولاهم المدني أمير المؤمنين في الحديث، التابعي.
روى عن أنس وأبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وشهد معه جنازة، وغيرهم. وأرسل عن عبد الله بن عمرو، وعمر بن أبي سلمة، وعنه: هشام وجمع من التابعين وغيرهم. وجلالته وثقته مجمع عليها.
قَالَ عبد ربه بن سعيد: رأيت أبا الزناد دخل مسجد النبي - ﷺ -، ومعه

----------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات» لابن سعد ٥/ ٢٨٤، و«التاريخ الكبير» ٥/ ٢٢٤ (٧٣٣)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ١٩٩ (٩٢٤).
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٧٨ (٢٠١٦)، و«الجرح والتعديل» ٤/ ١٥٩ (٢٧٠١)، و«تهذيب الكمال» ١١/ ٢٧٢ (٢٤٥٠).
(٣) انظر: «الجرح والتعديل» ٢/ ٤٥٤ (١٨٣٣)، و«تهذيب الكمال» ٤/ ٣٦٧ (٨٢٥).
(٤) ورد في هامش (ف): قيل: إن ذكوان كان أخا أبي لؤلؤة قاتل عمر.



من الأتباع مثل ما مع السلطان فمن سائل عن فريضة، ومن سائل عن الحساب، ومن سائل عن الشعر، ومن سائل عن الحديث، ومن سائل عن معضلة (١).
وقال الليث: رأيت أبا الزناد وخلفه ثلاثمائة طالب، من طالب فقه وعلم وشعر وصنوف، ثمَّ لم يلبث أن بقي وحده، وأقبلوا عَلَى ربيعة (٢).
وكان ربيعة يقول: شبر من حظوة خير من ذراع من علم (٣).
وقال محمد بن سلام الجمحي: قيل لأبي الزناد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: إنها وإن أدنتني منها فقد صانتني عنها (٤).
مات في رمضان فجأة في مغتسله سنة إحدى وثلاثين ومائة عن ست وستين سنة، وقيل: سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث (٥).
فائدة: لا أعلم في الكتب الستة من اكتنى بهذِه الكنية سواه، ولا من اسمه عبد الله بن ذكوان غيره (٦).

----------------------
(١) انظر: «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٩ - ٥٠، و «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٨٠، و«سير أعلام النبلاء» ٥/ ٤٤٦.
(٢) انظر: «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٨٠، و«سير أعلام النبلاء» ٥/ ٤٤٧.
(٣) ذكره المزي في «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٨٠، والذهبي في «السير» ٥/ ٤٤٧.
(٤) ذكره المزي في «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٨٢، والذهبي في «السير» ٥/ ٤٤٨.
(٥) انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ٨٣ (٢٢٨)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٤٩ (٢٧٧)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٧٦ (٣٢٥٣)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٤٤٥ - ٤٥١ (١٩٩).
(٦) ورد في هامش (ف): قُلْتُ: بلى، عبد الله بن أبي صالح، واسم أبي صالح: ذكوان، روى لَهُ مسلم، هذا المشهور في اسم أبي صالح هذا، ويقال أيضًا عباد.





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* كم من مُسْتَدْرَج وهو لا يعلم
* خرخش.. لكن لا تسئ إلى الرموز
* الأمير الشهيد الشاعر عبد الله بن رواحة
* من مائدة الفقه
* المنان جل جلاله، وتقدست أسماؤه
* تحريم إنكار وجود الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة
* مجموعة من الاحاديث الضعيفة والموضوعة ---- متجددة إن شاء الله

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009