استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-30-2026, 08:41 PM   #355

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 461 الى صـــ 480
الحلقة (355)




بالنهي عن ذَلِكَ، وإنما تلزم الكفارة من تعمد فعل ما نهي عنه في إحرامه، ولو لزمه شيء لبينه له وأمره به، ولم يجز أن يؤخره.
والشافعي أشد موافقة للحديث؛ لأن الرجل كان أحرم في جبة مطيبة، فسأل رسول الله - ﷺ - عن ذَلِكَ، فلم يجبه حَتَّى أوحي إليه وسري عنه، فطال انتفاعه باللبس والتطيب، ولم يوجب عليه كفارة، فإن الشافعي قال: لا تجب مطلقًا. ومال مالك إلى أنه إن نزع وغسل حالًا، فلا شيء عليه. وهذا احتياط؛ لأن الحلق والوطء والصيد نهي عنها المحرم، والسهو والعمد فيها سواء قالوا: وكذا الصوم.
وفيه رد أيضًا على من زعم أن الرجل إذا أحرم وعليه قميص أن له أن يشقه، وقال: لا ينبغي أن ينزعه؛ لأنه إذا فعل ذَلِكَ فقد غطى رأسه، وذلك غير جائز له، فلذا أمر بشقه، وممن قاله الحسن والشعبي وسعيد بن جبير (١)، وجميع فقهاء الأمصار يقولون: من نسي فأحرم وعليه قميص أنه ينزعه ولا يشقه، واحتجوا بأنه - عليه السلام - أمر الرجل بنزع الجبة ولم يأمره بشقها، وهو قول عكرمة وعطاء (٢)، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه نهى عن إضاعة المال (٣)، والحجة في السنة لا فيما خالفها (٤).
قال الطحاوي: وليس نزع القميص بمنزلة اللباس؛ لأن المحرم لو حمل على رأسه ثيابًا أو غيرها لم يكن بذلك بأس، ولم يدخل

---------
(١) رواه عنهم الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٩.
(٢) السابق ٢/ ١٣٩.
(٣) حديث سيأتي برقم (١٤٧٧) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، رواه مسلم (١٧١٥) كتاب: الأقضية، باب؛ النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. من حديث أبي هريرة.
(٤) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢٠ - ٥٢١.



ذَلِكَ فيما نهي عنه من تغطية الرأس بالقلانس وشبهها؛ لأنه غير لابس، فكان النهي إنما وقع من ذَلِكَ على ما يلبسه الرأس لا على ما يغطى به، وكذلك الأبدان نهي عن (لباسها) (١) القميص، ولم ينه عن تجليلها بالأُزر؛ لأن ذَلِكَ ليس بلباس المخيط، ومن نزع قميصه فلاقى ذَلِكَ رأسه فليس ذَلِكَ بلابس منه شيئًا، فثبت بهذا أن النهي عن تغطية الرأس في الإحرام إنما وقع على اللباس المعهود في حال الإحلال إذا تعمد فعل ما نهي عنه من ذَلِكَ قياسًا ونظرًا (٢).
فصل:
وما ذكر في العض بالأسنان في آخره فهو حجة الشافعي، وخالف
فيه مالك، قال يحيى بن عمر: لم يبلغ مالكًا، وقال به من أصحابه ابن وهب. وستأتي المسألة واضحة في موضعها.

------------
(١) كذا بالأصل، وفي «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٨، و«شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢١: إلباسها.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٨ - ١٣٩، وهو أيضًا في «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢١ - ٥٢٢.



٢٠ - باب المُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الحَجِّ
١٨٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ- فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ -أَوْ قَالَ: ثَوْبَيْهِ- وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلَبِّى». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح ٤/ ٦٣]

١٨٥٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تَمَسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح ٤/ ٦٣]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ في الذي أوقصته ناقته بعرفة من طريقين.
ثم ترجم عليه:


٢١ - باب سُنَّةِ المُحْرِمِ إِذَا مَاتَ
١٨٥١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -، أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٤/ ٦٣]
وذكره أيضًا.
وقد سلف في الجنائز واضحًا (١)، وهو قال على أنه لا يتم الحج عنه؛ لأن أثر إحرامه باق. قال المهلب: هو دال على أنه لا يحج أحد عن أحد؛ لأنه عمل بدني كالصلاة لا تدخلها النيابة، ولو صحت فيها النيابة لأمر - عليه السلام - بإتمام الحج عن هذا مع أنه قد يمكن أن لا يتبع ما بقي عليه من الحج في الآخرة؛ لأنه قد بلغ جهده وطاقته، وقد وقع أجره على الله؛ لقوله: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا».
وقال الأصيلي: ثبت الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ..» الحديث (٢).
قلت: أشار إلى العلة، وهي الإحرام، وهي عامة في كل محرم، والأصل عدم الخصوص.

---------
(١) سلف برقم (١٢٦٥) كتاب: الجنائز، باب: الكفن في ثوبين.
(٢) رواه مسلم (١٦٣١) كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان بعد وفاته. من حديث أبي هريرة.



٢٢ - باب الحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنِ المَيِّتِ، وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنِ المَرْأَةِ
١٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ، بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ». [٦٦٩٩، ٧٣١٥ - فتح: ٤/ ٦٤]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْن كُنْتِ قَاضِيَته؟ اقْضُوا اللهَ، فالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ».
هذا الحديث ذكرناه في أوائل الحج بطرقه، وذكرنا فقهه هناك، وقد بوب عليه هنا الرجل يحج عن المرأة، وكأنه أخذه من قوله: «فاقضوا الله» وهو صالح للمذكر والمؤنث، ولا خلاف في حج الرجل عن المرأة وعكسه، إلا الحسن بن صالح فإنه قال: لا يجوز، وعبارة ابن التين: الكراهة فقط، وهو غفلة وخروج عن ظاهر السنة كما قال ابن المنذر؛ لأنه - عليه السلام - أمرها أن تحج عن أمها، وهو عمدة من أجاز الحج عن غيره.
قال الداودي: وفيه دليل أن معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]
إن ما فُعِل عنه من سعيه.
وفيه: أن الحجة الواجبة من رأس المال كالدين وإن لم يوص، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وابن سيرين ومكحول وسعيد بن


المسيب وطاوس (١)، والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور، وقالت طائفة: لا يحج أحد عن أحد. روي هذا عن ابن عمر والقاسم والنخعي (٢)، وقال مالك: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام، ولا ينوب عن فرضه. ونقله ابن التين عن أبي حنيفة أيضًا، وهو غريب؛ فإن أوصى بذلك الميت، فعند مالك وأبي حنيفة: يخرج من ثلثه، وهو قول النخعي، وعند الشافعي:
يخرج من رأس ماله.
حجة أهل المقالة الأولى حديث ابن عباس المذكور قالوا: ألا ترى أنه - عليه السلام - شبه الحج بالدين وهو يقضي وإن لم يوص، ولم يشترط في إجازته ذلك شيئا، وكذلك تشبيهه له بالدين يدل أن ذَلِكَ عليه من جميع ماله دون ثلثه كسائر الديون. وذكر ابن المنذر عن عائشة: اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته (٣). وحجة من منع الحج عن غيره أن الحج عمل بدني كالصلاة بيانه قوله: «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته» (٤). إنما سألها: هل كنت تفعلين ذَلِكَ؛ لأنه لا يجب عليها القضاء عند عدم التركة (٥).

-----------
(١) انظر هذِه الآثار في: «المصنف» ٣/ ٣٢٣، ٣/ ٣٦١ (١٥١١٣ - ١٥١١٦)، و«سنن البيهقي» ٣/ ٣٣٥، ٦/ ٢٧٤.
(٢) رواه ابن أبي شيبة عنهم ٣/ ٣٦١ (١٥١١٧ - ١٥١١٩).
(٣) رواه سعيد بن منصور ١/ ١٢٥ (٤٢٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٩ (٩٦٩٥).
(٤) سلف برقم (١٨٥٢).
(٥) انظر: «الأصل» ٢/ ٥٠٤، ٥٠٥، ٥١١، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٩١ - ٩٤، «المبسوط» ٤/ ١٦٢، «التفريع» ١/ ٣١٥ - ٣١٧، «عيون المجالس» ٢/ ٧٦٩ - ٧٧٢، «القوانين الفقهية» ص ١٢٧، «البيان» ٤/ ٥١ - ٥٢، «المهذب» مع شرحه ٧/ ٧٥ - ٧٦، «روضة الطالبين» ٦/ ١٩٦، "المغني ١٩/ ٢٠.



٢٤ - باب حَجِّ المَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ
١٨٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [انظر: ١٥١٣ - مسلم: ١٣٣٤ - فتح ٤/ ٦٧]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ .. الحديث.
وتقدم أول الحج (١)، والترجمة صريحة، وفي أصل ابن بطال بدلها: باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة (٢)، واستدل بعض الشافعية على أن الولد إذا قال لوالده: أنا أحج عنك. لزمه فرض الحج؛ لأنها قالت: أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وأمرها، على أن الحج واجب على أبيها، فكان الظاهر أن السبب الموجود قولها: أفأحج عنه؟ وخالف مالك وأبو حنيفة فقالا: لا يجب عليه بقول ولده شيء.
وفيه: دليل كما قال بعضهم على حج المرأة بدون محرم، وليس كما قال.

-------------
(١) سلف برقم (١٨١٣) باب: وجوب الحج وفضله.
وورد بهامش الأصل: وفي نسختي قبل باب حج المرأة عن الرجل باب: الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وذكر فيه حديث ابن عباس هذا، فجعله من مسند الفصل، ثم ساقه من سند ابن عباس يعني عبد الله. ثم ذكر باب: حج المرأة عن الرجل.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢٥.



وفيه أيضًا: أن المرأة ليس عليها تغطية وجهها وإنما على الناس أن يصرفوا أعينهم عن النظر إليها (١).
وفيه: أن إحرام المرأة في وجهها ويديها وهو قول الجماعة، وكان الفضل من أجمل أهل زمانه كما سلف.
وفيه: جواز الإرداف إذا كانت مطيقة. وأبعد من قال: إنه خاص بها على اشتراط الاستطاعة، وهي القدرة كما كان سالم مولى أبي حذيفة مخصوصًا برضاعه في حال الكبر (٢)، مع اشتراط تمام الرضاعة في الحولين، وقد أسلفنا هناك اختلاف العلماء في الذي لا يستطيع أن يستوي على الراحلة لكبر أو ضعف أو زمانة، وقد أتى رجل عليًّا فقال: كبرت وضعفت وفرطت في الحج. فقال: إن شئت جهزت رجلًا فحج عنك. وأن مالكًا وغيره منع النيابة، وأن الثلاثة قالوا بها، وبذل الولد الطاعة استطاعة، خلافًا لأبي حنيفة.
واحتج من أجاز بحديث الباب، وفيه دليلان على وجوب الحج على المعضوب أنها قالت: (إن فريضة الله في الحج أدركت أبي) فأقرها - عليه السلام - على ذَلِكَ، ولو لم يلزمه، وهي قد أدعت وجوبه على أبيها بحضرته لأنكره وأنه شبهه بالدين في رواية عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن النبي - ﷺ - حين أمر أن يحج عن الشيخ الكبير، قيل: أو ينفعه ذَلِكَ؟ قال: «نعم كما يكون على أحدكم الدين

--------
(١) قلت: في المسألة خلاف مشهور، وانظر في ذلك:»حجاب المرأة المسلمة«للألباني، ورسائل الشيخ ابن عثيمين والعلامة ابن باز، و»عودة الحجاب" (٣/ ٤١٧ - ٤٢٦) للدكتور محمد إسماعيل المقدم.
(٢) حديث رواه مسلم (١٤٥٣) كتاب: الرضاع، باب: رضاعة الكبير.



فيقضيه وليه عن» (١)، والدين الذي يقضى عن الإنسان يكون واجبًا عليه، ومن قضاه أسقط الفرض والمأثم، فكذا هنا؛ لقولها فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ وروى عبد الرزاق: أينفعه أن أحج عنه؟ قال: «نعم» واعترض بأنها قالت: أدركت. ولم تقل: فرضت على أبي. وإنما قالت: إنها نزلت وأبي شيخ، أي: فرضت في وقت أبي شيخ كبير لا يلزمه فرضها، فلم ينكر قولها، أو أنها توهمت أن الذي فرض على العباد يجوز أن يدخل فيه أبوها، غير أنه لا يقدر على الأداء، ولا يمتنع أن يتعلق الوجوب بشريطة القدرة على الأداء، فيكون الفرض وجب على أبيها، ثم وقت الأداء كان عاجزًا؛ لأن الإنسان لو كان واجدًا للراحلة والزاد وكان قادرًا ببدنه لم يمتنع أن يقال له في المحرم: قد فرض عليك الحج، فإن بقيت كذلك إلى وقت الحج لزمك الأداء وإلا سقط عنك. ومعلوم أن فرض الحج نزل في غير وقت الحج المضيق، فإنما سألته في وقت الأداء عن ذَلِكَ.
وقولها: (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فقالَ: «نَعَمْ») لا يدل أن الأداء كان مقررًا عليه فسقط بفعلها، ولكنه أراد أنها إن فعلت ذَلِكَ نفعه ثواب ما يلحقه من دعائها في الحج، كما لو تطوعت بقضاء دينه، إلا أنه مثل الدين في الحقيقة؛ لأنه حق لآدمي يسقط بالإبراء، ويؤدى عنه مع القدرة والعجز، وبأمره مع الصحة وغير أمره، ولو كان كالدين إذا حجت عنه ثم قوي وصح سقط عنه، كما يقضى دين المعسر ويستغني.
وراجع ما أسلفناه تجد الجواب.

-----------
(١) رواه بهذا الإسناد الحميدي ١/ ٤٤٧ (٥١٧)، والبيهقي ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩.


واختلف العلماء في المريض يأمر من يحج عنه ثم يصح بعد ذَلِكَ ويقدر، فقال الكوفيون والشافعي وأبو ثور: لا يجزئه، وعليه أن يحج. وقال أحمد وإسحاق: يجزئه الحج عنه. وكذلك إن مات من مرضه وقد حج عنه، فقال الكوفيون وأبو ثور: يجزئه من حجة الإسلام (١).
قال ابن بطال: وللشافعي قولان أحدهما: هذا، والثاني: لا يجزئ عنه، قال: وهو أصح القولين (٢).

----------
(١) انظر: «المغني» ٥/ ٢١.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢٨.



٢٥ - باب حَجِّ الصِّبْيَانِ
١٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي- النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. [انظر: ١٦٧٧ - مسلم: ١٢٩٣، ١٢٩٤ - فتح: ٤/ ٧١]

١٨٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ، فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [انظر: ٧٦ - مسلم: ٥٠٤ - فتح: ٤/ ٧١]

١٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. [فتح: ٤/ ٧١]

١٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٦٧١٢، ٧٣٣٠ - فتح: ٤/ ٧١]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي- النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
وحديثه أيضا: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانِ لِي، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدى بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ .. الحديث. وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ.


وحديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَنَا ابن سَبْعِ سِنِينَ.
وفي لفظ: حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
الشرح: الحديث الأول سلف في الباب (١)، والثاني في الصلاة (٢)، والثالث من أفراده.
والثقل بفتح الثاء والقاف، قال ابن فارس: ارتحل القوم بثقلهم (٣).
وضبطه بما ذكرناه، وفي الأصل فيه بإسكان القاف أي: بأمتعتهم، وقال غيره: الثقل في القول، وفي الحديث: يجد للوحي ثقلًا (٤).
و(ناهزت): قاربت، وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وأشهر، ومات رسول الله - ﷺ - وهو ابن أربع عشرة بخلاف، وهذِه الأحاديث دالة على أن الصبي حجه حج؛ خلافًا لأبي حنيفة، ويعضد هذا حديث ابن عباس في مسلم وهو من أفراده أن النبي - ﷺ - لقي ركبًا بالروحاء فرفعت امرأة إليه صبيًّا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر» (٥) وكالصلاة.
وقد اتفق أئمة الفتوى على أنه لا وجوب عليه حَتَّى يبلغ إلا أنه إذا حج به كان له تطوعًا عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء، وعلى هذا المعنى حمل العلماء أحاديث الباب.
وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه (٦) -كما سلف- ولا يلزمه شيء

---------
(١) سلف برقم (١٦٧٧) كتاب: الحج، باب: من قدَّم ضعفه أهله بليل.
(٢) سلف برقم (٤٩٣)، باب: سترة الإمام سترة من خلفه.
(٣) «المجمل» ١/ ١٦٠ مادة [ثقل].
(٤) سلف برقم (٢).
(٥) مسلم (١٢٩٣).
(٦) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢١، «عيون المجالس» ٢/ ٨٣٥، «البيان» ٤/ ١٨.



عليه بارتكاب محظوره، وإنما يفعل به ذَلِكَ، ويجنب محظوراته على وجه التعليم له، والتمرين عليه، كما قالوا في الصلاة أنها لا تكون صلاة أصلًا، وشذ من لا يعد خلافه فقال: إذا حج الصبي قبل بلوغه أجزأه ذَلِكَ عن حجة الإسلام؛ واحتج بحديث ابن عباس الذي ذكرناه، والحجة عليه في نفيه عنه حج التطوع هذا الحديث، وأضاف الحج الشرعي إليه، فوجب أن تتعلق به أحكامه، وأكد هذا بقوله «ولك أجر» فأخبر أنها تستحق الثواب على إحجاجه، وهذا مذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال لرجل حج بابن صبي له أصاب حمامًا في الحرم: اذبح عن ابنك شاة (١). وقام الإجماع على أن جنايات الصبيان لازمة لهم في أموالهم، وأولوا الحديث أنه - عليه السلام - أوجب للصبي حجًّا.
قال الطحاوي: وهذا مما قد أجمع الناس عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجًّا كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه، فكذلك يجوز أن يكون له حج ولا يكون فريضة عليه، قال: وإنما الحديث حجة على من زعم أنه لا حج للصبي، وأما من يقول أنه له حجًّا، وأنه غير فريضة فلم يخالف الحديث، وإنما خالف تأويل مخالفه خاصة (٢).
وقال الطبري: جعل له - عليه السلام - حجًّا مضافًا إليه كما يضاف إليه القيام والقعود والأكل، وإن لم يكن ذَلِكَ من فعله على الوجه الذي يفعله أهل التمييز باختيار.

--------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣١١ (١٤٦٤٥) كتاب: الحج، الصبي يعبث بحمام مكة.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٧.



قال الطحاوي: وهذا ابن عباس وهو راوي الحديث قد صرف حج الصبي إلى غير الفريضة، ثم روي عن ابن خزيمة بإسناده إلى (أبي الصقر) (١) قال: سمعت ابن عباس يقول: يا أيها الناس، أسمعوني ما تقولون، ولا تخرجوا فتقولوا: قال ابن عباس: أيما غلام حج به أهله، فمات فقد قضى حجة الإسلام فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإسلام، فإن عتق فعليه الحج.
وقد أجمعوا (٢) أن صبيًّا لو دخل وقت صلاة فصلاها ثم بلغ في وقتها أن عليه أن يعيدها، فكذلك الحج (٣).
قلت: لا؛ فالأصح فيها لا إعادة. وذكر الطبري: أن هذا تأويل سلف الأمة. وروي أن الصديق حج بابن الزبير في خرقة (٤)، وقال عمر: أحجوا هذِه الذرية (٥)، وكان ابن عمر يجرد صبيانه عند الإحرام، ويقف بهم المواقف، وكانت عائشة تفعل ذَلِكَ (٦)، وفعله عروة بن الزبير (٧).

-----------
(١) كذا بالأصل، وفي «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٥٧): أبي السفر، ولعله الصواب، فقد ترجم المزي في «تهذيبه» ١١/ ١٠١ (٢٣٧٥): سعيد بن يحمد، أبو السفر الهمداني، روي عن البراء بن عازب، وعبد الله بن عباس، والحديث الذي يرويه هنا، هو عن ابن عباس. والله أعلم.
(٢) ورد بهامش الأصل: وأين الإجماع فمذهب الشافعي يستحب القضاء، والصحيح عدم الوجوب.
(٣) انتهى من «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٧.
(٤) رواه ابن الجعد في «مسنده» ص ٢٩٢ (١٩٨٠)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٨ (١٤٨٧٩) كتاب: الحج، الصبي يجتنب ما يجتنب الكبير.
(٥) رواه ابن سعد ٨/ ٤٧٠، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٣ (١٣٥٢٨)، وقال الحافظ في «الإصابة» ٤/ ٤١٦: سنده جيد.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٨ (١٤٨٨٠).
(٧) السابق ٣/ ٣٣٨ (١٤٨٨٤).



وقال عطاء: يجرد الصغير ويلبى عنه، ويجنب ما يجنب الكبير، ويقضى عنه كل شيء إلا الصلاة، فإن عقل الصلاة صلاها، فإذا بلغ وجب عليه الحج (١).
واختلفوا في الصبي والعبد يحرمان بالحج، ثم يحتلم الصبي ويعتق العبد قبل الوقوف بعرفة
فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرام ويتماديان عليه، ولا يجزئهما عن حجة الإسلام. وقال الشافعي: إذا نويا بإحرامهما المتقدم حجة الإسلام أجزأهما. وعند مالك أنهما لو استأنفا الإحرام قبل الوقوف بعرفة أنه لا يجزئهما من حجة الإسلام، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يصح عنده رفض الإحرم، وحجة مالك: أن الرب ﷻ أمر كل من دخل في حج أو عمرة بإتمامه تطوعًا كان أو فرضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومن رفض إحرامه لم يتم حجًّا ولا عمرة، وحجة الشافعي في إسقاط تجديد النية أنه جائز عنده لكل من نوى بإهلاله أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة؛ لأنه - عليه السلام - أمر أصحابه المهلين بالحج أن يفسخوه في عمرة (٢)، فدل أن النية في الأحرام ليست كالنية في الصلاة. وحجة أبي حنيفة: أن الحج الذي كان فيه لما لم يكن يجزئ عنده، ولم يكن الفرض لازمًا له في حين إحرامه، ثم لما لزمه حَتَّى بلغ استحال أن يشتغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه، كمن دخل في نافلة فأقيمت عليه مكتوبة ويخشى فوتها قطعها ودخل في المكتوبة

-----------
(١) السابق ٣/ ٣٣٨ (١٤٨٧٧ - ١٤٨٧٨، ١٤٨٨١).
(٢) سلف برقم (١٥٦٠).



وأحرم لها، فكذلك الحج يلزمه أن يجدد له الإحرام؛ لأنه لم يكن فرضًا (١).
تنبيه:
نقل ابن التين عن الشافعي أن الزائد عن نفقة الحضر في مال الصبي، وهو قول له، قال: وكذا ما لزمه من جزاء، والأشهر عندهم أنه لا يركع عنه.
قال ابن القاسم: ولا يرمل به في الطواف، وخالفه أصبغ، ولو حمله رجل ونوى الطواف عنهما أجزأه عند ابن القاسم ويعيد الرجل أستحبابًا، وقال أصبغ: وجوبًا (٢)، وعن مالك: لا يجزئ عن واحد منهما، والسعي كذلك، وفي الحج بالرضيع قولان عندهم.

----------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨، «المبسوط» ١٤٩ - ١٥٠، «المدونة» ١/ ٣٠٤، «المنتقى» ٣/ ٢٠، «البيان» ٤/ ٢٤، «المغني» ٥/ ٤٥ - ٤٦.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٩.



٢٦ - باب حَجِّ النِّسَاءِ
١٨٦٠ - وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَذِنَ عُمَرُ - رضي الله عنه - لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ [بْنَ عَوْفٍ]. [فتح: ٤/ ٧٢]

١٨٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ». فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٤/ ٧٢]

١٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يدخلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ. فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهَا». [٣٠٠٦، ٣٠٦١، ٥٢٣٣ - مسلم: ١٣٤١ - فتح: ٤/ ٧٢]

١٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: «مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟». قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ -تَعْنِي: زَوْجَهَا- كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِى أَرْضًا لَنَا. قَالَ: «فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي».
رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ١٧٨٢ - مسلم: ١٢٥٦ - فتح: ٤/ ٧٣]
وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: عَنْ عَبدِ الكَرِيمِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الَملِكِ بْنِ عُمَيْرِ، عَنْ


قَزَعَةَ -مَوْلَى زِيَادٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَيْ عَشْرَةَ -غَزْوَةً -قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَعْجَبْنَنِي وَانَقْنَنِي: «أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ: الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ: الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى». [انظر: ٥٨٦ - مسلم: ٨٢٧ - فتح: ٤/ ٧٣]
وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جدِّهِ: أَذِنَ عُمَرُ - رضي الله عنه - لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ.
ثم ساق بإسناده (١) من حديث عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ». فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
ومن حديث أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاس- عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله
عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم، وَلَا يدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ. فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهَا».
ومن حديث عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأنْصَارِيَّةِ: «مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟» .. الحديث، وقد سلف في العمرة، رواه ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس،

-----------
(١) ورد بهامش الأصل: أتى بإسناد نفسه لأن الضمير عائد على الحديث قبله.


عن النبي - ﷺ - (١). وقال عبيد الله عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر، عن النبي - ﷺ -.
ومن حديث زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَي عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -- فَأعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: «أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلًاتيْنِ: بَعْدَ العَصرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصبحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأقصَى».
الشرح:
التعليق الأول أسنده البيهقي من حديث عبدان، أنا إبراهيم -يعني: ابن سعد- به، وفي آخره: فنادى الناس عثمان: ألا لا يدن منهن أحد ولا ينظر إليهن إلا مد البصر وهن في الهوادج على الإبل، وأنزلهن صدر الشعب، ونزل عثمان وابن عوف بذنبه فلم يتعد إليهن أحد، ثم قال: رواه -يعني: البخاري في «الصحيح»- عن أحمد بن محمد، عن إبراهيم بن سعد مختصرًا (٢).
وقال الجياني: أحمد هذا هو ابن محمد بن الوليد الأزرقي أبو محمد المكي (٣). و[إبراهيم] (٤) قال الحميدي في «جمعه» عن البرقاني (٥): إنه

-----------
(١) سلف برقم (١٧٨٢).
(٢) «سنن البيهقي» ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧.
(٣) انظر: «تقييد المسهل» (٣/ ٩٤٨).
(٤) زيادة يقتضيها السياق.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: ما قاله البرقاني لا يصح؛ لأوجه:
أحدها: أن إبراهيم قد ولد سنة عشر أو بعدها، فلهذا لم يعد في الصحابة. وتوفي =



إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. ثم قال: وفيه نظر (١).
وحديث عائشة من أفراده، وسيأتي في باب: جهاد النساء (٢)،
وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وقيل: إن أبا معبد أصدق مواليه، وليس في مواليه ضعيف جدًّا إلا شعبة، قال مالك: لم يكن يشبه الفراء.
وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم أيضًا (٤)، وقد سلف في باب: مسجد بيت المقدس (٥)، وإذن عمر الظاهر أنه في الحج. وقال الداودي: أذن في التقديم ليلًا من مزدلفة إلى مني.
وحديث أبي داود «هذِه ثم ظهور الحصر» (٦) قاله في حجة الوداع

------------
= سنة ٦ وقيل: ٩٥ وهو ابن ٧٥ سنة، كذا قال المزي في «تهذيبه». وقطع بسنه. وتبع فيه ابن عبد البر. ولا يستقيم مع قول ابن عبد البر نقلا عن الواقدي، ولد في حياة النبي - ﷺ -. وقال: ولد أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي عظيم. وقد توفي الأزرقي سنة ٣٢٣.
الوجه الثاني: قوله عن أبيه، عن جده، وعوف ليس بذي صحبة ولا أسلم حتى يروي الوجه.
(١) «الجمع بين الصحيحين» (١/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٢) سيأتي برقم (٢٨٧٥) كتاب: الجهاد والسير.
(٣) مسلم (١٣٤١) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر.
(٤) مسلم (٨٢٧) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر بعد حديث رقم (١٣٣٨).
(٥) سلف برقم (١١٩٧) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة.
(٦) أبو داود (١٧٢٢) كتاب: المناسك، باب: فرض الحج.
ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٢١٨ - ٢١٩، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ١٦٨ (٩٠٣)، وأبو يعلى ٣/ ٣٢ (١٤٤٤)، والطحاوي في «شرح المشكل» ٣/ ٣٦١ (١٨٥٩ - تحفة)، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ١٧٣، والطبراني ٣/ ٢٥٢ (٣٣١٨)، والبيهقي ٤/ ٣٢٧، ٥/ ٢٢٨. والحديث قال عنه الحافظ في =




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2026, 05:24 PM   #356

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 481 الى صـــ 500
الحلقة (356)






يحمل على ملازمة البيوت، فحديثها هنا صريح في الإذن؛ لقوله: «لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ مَبْرُورٌ» ولما سمعت صفية هذا القول منه لم تحج بعدها.
وأعجنني وآنقنني معناهما واحد، قال المهلب: وقوله: «لَكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور» يبطل إفك المتشيعين، وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب عليه - ﷺ - أنه قال لأزواجه في حجة الوداع: «هذِه ثم ظهور الحصر».
قلتُ: قد أسلفنا أن أبا داود أخرجه، قال: وهذا ظاهر الاختلاف؛ لأنه - عليه السلام - حضهن على الحج، وبشرهن أنه أفضل جهادهن، وأذن عمر لهن في الحج، ومسير عثمان وغيره من أئمة الهدى معهن حجة قاطعة على الإجماع على ما كَذَّب به الشارع في أمر عائشة، والتسبب إلى عرضها المطهر.
وكذا قولهم: تقاتلي فلانًا وأنت ظالمة، إفك وباطل لا يصح (١).
وأما سفرها إلى مكة مع غير ذي محرم منها من النسب؛ فالمسلمون كلهم أبناؤها وذوو محارمها بكتاب الله، وكيف أنها كانت تخرج في رفقة

------------
= «الفتح» ٤/ ٧٤: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥١٥).
(١) قال شيخ الإسلام: أما حديث: تقاتلين عليًا وأنت ظالمة له. فهذا لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة، بل هو كذب قطعًا أ. هـ «منهاج السنة النبوية» ٤/ ٣١٦.
وقال العيني في «عمدة القارئ» ٧/ ٤٠١: ليس بمعروف.
قلت: وقع عند المصنف -رحمه الله- هنا: تقاتلين فلانًا، وكذا هو بالأصل. والذي عند شيخ الإسلام والعيني: تقاتلين عليًا وهو أقرب إلى الصواب. والله أعلم.



مأمونة وخدمة كافية، هذِه الحال ترفع تحريج التنازع على النساء المسافرات بغير ذي محرم، كذلك قال مالك والأوزاعي والشافعي: تخرج المرأة في حجة الفريضة مع جماعة النساء في رفقة مأمونة، وإن لم يكن معها محرم. وجمهور العلماء على جواز ذَلِكَ، وكان ابن عمر تحج معه نسوة من جيرانه (١)، وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن البصري (٢)، وقال الحسن: المسلم محرم ولعل بعض من ليس بمحرم أوثق من المحرم، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به (٣).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم. وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور وإبراهيم والحسن وفقهاء أصحاب الحديث (٤)، قال أبو حنيفة: إلا أن يكون بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام. نقله ابن التين عنه، وحملوا نهيه على العموم في كل سفر، وحمله مالك وجمهور الفقهاء على الخصوص، وأن المراد بالنهي الأسفار غير الواجبة عليها، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فدخلت المرأة في هذا الخطاب ولزمها فرض الحج، ولا يجوز أن تمنع المرأة من الفروض كما لا تمنع من الصلاة والصيام، ألا ترى أن عليها أن تهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا أسلمت فيه بغير محرم، وكذلك كل واجب

-------------
(١) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٤٨ وعزاه لسعيد بن منصور.
(٢) انظر «المصنف» ٣/ ٣٦٦ (١٥١٦٢، ١٥١٦٤).
(٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٥١.
(٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٩، «بداية المجتهد» ٢/ ٦٢٨، «البيان» ٤/ ٣٦، «المغني» ٥/ ٣٠.



عليها لها أن تخرج فيه، فثبت بهذا أن نهيه عن سفرها مع غير ذي محرم أنه أراد بذلك سفرًا غير واجب عليها، ثم اعلم أنه جاء في حديث ابن عباس: المحرم. وفي حديث أبي سعيد: الزوج. وسلف في باب كم تقصر الصلاة: «ليس معها حرمة» (١)، وهنا: مسيرة يومين، وهناك: ثلاثة أيام (٢)، ويوم وليلة (٣)، ولمسلم: ليلة (٤). ولأبي داود: بريد (٥). واختلافهما إما بحسب السائل أو لاختلاف المواطن، فأجاب في كلٍّ بما يواقعه، أو يوم وليلة مع جمعهما، أو يكون تمثيلًا لأقل الأعداد وأكثره وجمعه، ويجوز أن يكون الثلاث أولًا ثم رأى المصلحة فيما دونها فمنع من مطلق ما يسمى سفرًا. وعن أحمد رواية ثانية: أن المحرم ليس من شرط لزوم السفر دون الوجوب. وثالثة: أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب، ومذهبه الأولى كما قال ابن قدامة (٦)، وعن الأوزاعي أن القوافل العظيمة والطرق العامرة، مثل البلاد فيها الأسواق والتجار يحصل الأمن لها دون محرم أو امرأة.
فرع:
قال ابن بطال: اتفق الفقهاء أن ليس للرجل منع زوجته حجة الفريضة، وأنها تخرج للحج بغير إذنه، وللشافعي قول أنها لا تخرج

----------
(١) سلف برقم (١٠٨٨) كتاب: تقصير الصلاة. من حديث أبي هريرة.
(٢) سلف برقم (١٠٨٦) من حديث ابن عمر.
(٣) سلف برقم (١٠٨٨) من حديث أبي هريرة.
(٤) مسلم (١٣٣٩/ ٤١٩) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر. من حديث أبي هريرة.
(٥) أبو داود (١٧٢٤) كتاب: المناسك، باب: المرأة تحج بغير محرم.
(٦) «المغني» ٥/ ٣٠.



إلا بإذنه، قال: وأصح قوليه ما وافق سائر العلماء (١). قلت: الذي صححه المتأخرون الثاني، وأن له منعها.
وفيه حديث في الدارقطني من حديث ابن عمر، لكن في إسناده مجهول (٢). وقد أجمعوا أنه لا يمنعها من صلاة ولا صيام فرض (٣)، فكذا الحج (٤).

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٣٣.
(٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٢٣. ورواه أيضًا الطبراني في «الأوسط» ٤/ ٢٩٦ (٤٢٤٧)، وفي «الصغير» ١/ ٣٤٩ (٥٨٢) من طريق العباس بن محمد بن مجاشع: نا محمد بن أبي يعقوب: نا حسان بن إبراهيم: نا إبراهيم الصائغ، قال: قال نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ - به.
والحديث ضعفه جمع من الأئمة، فقال عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٢٥٩: في هذا الحديث رجل مجهول يقال له محمد بن أبي يعقوب الكرماني، رواه عن حسان بن إبراهيم الكرماني أ. هـ وتعقبه ابن القطان فقال: محمد بن إسحاق بن أبي يعقوب الكرماني، فهو ثقة، وثقه ابن معين، وأخرج له البخاري في «جامعه»، روى عنه البخاري بالبصرة، وإذا ثبت هذا، فليس ما أعل الخبر به علة، وعلته إنما هي العباس بن محمد بن مجامع، فإنه لا تعرف حاله، فاعلم ذلك. أهـ «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠.
وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٤٢٠ معقبًا على كلام ابن القطان: تابع العباس، أحمد بن محمد الأزرقي كما أخرجها البيهقي في «سننه» من حديثه عن حسان به، ولم يعله البيهقي من طريقته بل بوب له واحتج به. اهـ. بتصرف.
قلت: هو في «سنن البيهقي» ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤.
وقال في «الخلاصة» ٢/ ٤٦ في إسناده مجهول، وهو العباس بن محمد. وقال الهيثمي ٣/ ٢١٤ - ٢١٥: رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط» ورجاله ثقات!! وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٣٨٩).
(٣) ورد بهامش الأصل: المراد بالصيام: الصيام الموسع لقضاء رمضان حتى يصح القياس، والصحيح أن له منعها كذا ذكر في النفقات من الرافعي.
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٣٣.



فرع:
سفرها مع عبدها كالمحرم؛ لأنه محرم، وفي حديث أبي داود: «إنما هو أبوك وزوجك ومولاك» (١).
وأخرج البزار من حديث إسماعيل بن عياش، عن بزيع بن عبد الرحمن، عن عمر مرفوعًا: «سفر المرأة مع عبدها حجة ضيعة» (٢).

-------------
(١) أبو داود (٤١٠٦) كتاب: اللباس، باب: في العبد ينظر إلى شعر مولاته.
ومن طريقه البيهقي ٧/ ٩٥ كتاب: النكاح، باب: ما جاء في إبدائها زينتها لما ملكت يمينها. قال الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، والضياء في «المختارة» ٥/ ٩١ (١٧١٢) من طريق محمد بن عيسى: ثنا أبو جميع -سالم بن دينار- عن ثابت، عن أنس أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد … الحديث، وفي آخره قال - ﷺ -: «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك».
وتابعه سلام بن أبي الصهباء عن ثابت، رواه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٣١٧.
قال المنذري: في إسناده: أبو جميع، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: مصري لين الحديث أ. هـ «مختصر سنن أبي داود» ٦/ ٥٩.
قلت: والحديث أشار المصنف -رحمه الله- إلى صحته فقال: هذا إسناد جيد، قال الحافظ ضياء الدين في «أحكامه»: لا أعلم بإسناده بأسًا، وقال ابن القطان في كتابه «أحكام النظر»: لا يبالى بقول أبي زرعة، فإن العدول متفاوتون في الحفظ بعد تحصيل رتبة، والحديث صحيح أ. هـ «البدر المنير» ٧/ ٥١٠ بتصرف.
وصححه الألباني في «الإرواء» (١٧٩٩)، وانظر: «الصحيحة» (٢٨٦٨).
(٢) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٧٦)، وابن الأعرابي في «المعجم» ١/ ١٠٢ - ١٠٣ (١٥٨)، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٦٨ (٦٦٣٩) لكنه من طريق إسماعيل بن عياش ثنا بزيع أبو عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا به.
قال الهيثمي ٣/ ٢١٤: فيه: بزيع بن عبد الرحمن، ضعفه أبو حاتم، وبقية رجاله ثقات!
وقال أبو حاتم كما في «العلل» ٢/ ٢٩٨ (٢٤٠٥): هذا حديث منكر، ويرويه ضعيف الحديث، وعزاه الحافظ في «الفتح» ٤/ ٧٧ لسعيد بن منصور وقال: في إسناده ضعف، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٧٠١).



فرع:
قوله في حديث ابن عباس: «اخْرُجْ مَعَهَا» هو للندب لا للوجوب، كما ستعلمه في بابه من الجهاد إن شاء الله تعالى.
فرع:
احتج أبو حنيفة بحديث الباب على أنه أقل ما تقصر فيه الصلاة، ورده البخاري وغيره بحديث أبي هريرة مرفوعًا: «يومًا وليلة» كما سلف في موضعه.
فائدة:
قد أسلفنا: أن ابن مسلمة أضاف إليهن رابعًا وهو: مسجد قباء.
أخرى: قوله: «مَسْجِدِ الأقصَى» هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ففيه المذهبان المشهوران.


٢٧ - باب مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إِلَى الكَعْبَةِ
١٨٦٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟». قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ». [وَ] أَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. [٦٧٠١ - مسلم: ١٦٤٢ - فتح: ٤/ ٧٨]

١٨٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا الخَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ - عليه السلام -: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ». قَالَ: وَكَانَ أَبُو الخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ.
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الَخيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ. فَذَكَرَ الَحدِيثَ. [مسلم: ١٦٤٤ - فتح: ٤/ ٧٨]
حَدَّثَنَا محمد بْنُ سَلَامٍ، أنا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ أخبرني ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأى شَيخًا يُهَادى بَينَ ابنيهِ قَالَ: «مَا بَالُ هذا؟». قَالُوا: نَذَرَ أن يَمشِيَ. قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ». وَأَمَرَهُ أن يَركَبَ.
ثم ساق حديث أَبي الخَيْرِ -وهو مرثد بن عبد الله اليزني (١) - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ - عليه السلام -: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ». قَالَ: وَكَانَ أَبُو الخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ.
ثم ذكره بسند آخر (٢).

---------
(١) بهامش الأصل: هذا التوضيح من الشيخ.
(٢) ورد بهامش الأصل: إنما ذكره بسند آخر؛ لأنه ذكره ثانيا أعلى من الأول. لأنه =



الشرح:
هذا الحديث يأتي في الأيمان والنذور أيضًا (١)، والفزاري هذا هو أبو إسحاق أو مروان بن معاوية، قاله ابن حزم (٢)، وكلاهما ثقة إمام، وأما خلف وأبو نعيم والطرقي في آخرين فذكروا أنه مروان، وأخرجه مسلم في النذور عن أبي عمر، ثنا مروان، ثنا حميد، فذكره (٣)، وأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي أيضًا (٤)، وللترمذي أيضًا من حديث عمران القطان، عن حميد، عن أنس، محسنًا: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله تعالى، فسئل نبي الله - ﷺ - ذَلِكَ فقال: «إن الله لغني عن مشيها مروها فلتركب» (٥).
والرجل المهادى هو أبو إسرائيل كما قال الخطيب (٦)، وقال النووي:

-----------
= رواه في الأول عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، وفي الثاني: عن أبي عاصم، عن ابن جريج، وكذلك (…) ابن جريج (…) وقوله: ثم ذكره لم يذكره (…) وإنما قال: فذكر الحديث.
(١) يأتي برقم (٦٧٠١) باب: النذر فيما لا يملك وفي معصية.
(٢) «المحلى» ٧/ ٢٦٤.
(٣) مسلم (١٦٤٢) كتاب: النذر، باب: من نذر أن يمشي إلى الكعبة.
(٤) أبو داود (٣٣٠١) كتاب: الأيمان والنذور، باب: ما جاء في النذر في المعصية، النسائي ٧/ ١٩ كتاب: الأيمان والنذور، باب: من نذر أن يمشي إلى بيت الله تعالى، الترمذي (١٥٣٧) كتاب: النذور والأيمان، باب: ما جاء فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع.
(٥) الترمذي (١٥٣٦) كتاب: النذور والأيمان، باب: ما جاء فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع: وقال الألباني في «صحيح الترمذي» (١٢٤٢): حسن صحيح.
(٦) قال الحافظ متعقبًا المصنف -رحمه الله: قرأت بخط مغلطاي الرجل الذي يهادى، قال الخطيب: هو أبو إسرائيل، كذا قال وتبعه ابن الملقن وليس ذلك في كتاب الخطيب وإنما أورده من حديث مالك "عن حميد بن قيس وثور أنهما أخبراه أن =



اسمه قيس (١)، وقيل قيصر. قلت: لم أر في الصحابة من اسمه قيصر (٢)، وقيل يسير.
وحديث عقبة أخرجه مسلم أيضًا وقال: أن تحج حافية (٣).
ولما أسنده الإسماعيلي قال: حديث هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن سعيد بن أبي أيوب -يعني: طريق البخاري- هذا الحديث مما لا يعرف ويخشى أن يكون غلطًا، وتابع سعيد بن أبي أيوب يحيى بن أيوب، وليس من شرط أبي عبد الله في هذا الكتاب، وأبو عاصم وروح تابعا هشامًا وهما ثقتان. يعني: وقد اتفقا على خلاف سعيد.
قلت: ورواه ابن عباس عن عقبة أخرجه أحمد بزيادة، وشكى إليه ضعفها.
وفيه: «فلتركب ولتهد بدنة» (٤)، وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث

--------
= رسول الله - ﷺ - رأى رجلا قائمًا في الشمس فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ويصوم، الحديث، قال الخطيب: هذا الرجل هو أبو إسرائيل، ثم ساق حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يخطب يوم الجمعة فرأى رجلًا يقال له أبو اسرائيل فقال: ما باله؟ قالوا: نذر أن يصوم ويقوم في الشمس ولا يتكلم«الحديث أ. هـ»فتح الباري«٤/ ٧٩.
(١)»تهذيب الأسماء واللغات«للنووي ٢/ ١٧٥.
(٢) ورد بالهامش: قال ابن بشكوال: واسم أبي إسرائيل يسير، وساق له شاهدًا، ثم قال: فأخبرت عن أبي عمر بن عبد البر أنه قال: اسم أبي إسرائيل قسير. والله أعلم.
قلت (المحقق): انظر:»غوامض الأسماء المبهمة«(١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
(٣) مسلم (١٦٤٤).
(٤)»مسند أحمد«١/ ٢٣٩. قال الهيثمي في»المجمع" ٤/ ١٨٩: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح أ. هـ وأصل القصة في الصحيحين.



ابن عباس أن أخت عقبة. وفيه: «فإنها لا تطيق ذَلِكَ». وفيه: «ولتهد هديًا» (١)، ورواه عبد الله بن مالك اليحصبي عن عقبة.
أخرجه الترمذي محسنًا بلفظ: نذرت أن تحج حافية غير مختمرة،
فقال: «مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام» وذكره أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن مالك من غير ذكر نسبه (٢)، وزعم ابن عساكر أنه عبد الله بن مالك أبو تميم الجيشاني، وابن أبي حاتم وغيره يفرقون بين هذين الرجلين، وأما ابن يونس فجعلهما واحدًا. وذكر بعضهم أن قول ابن يونس أولى بالصواب.
ورواه أبو موسى المديني في «الصحابة» من حديث يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي سعيد الرعيني، عن

-----------
(١) أبو داود (٣٢٩٦) كتاب: الأيمان والنذور، باب: ما جاء في النذر في المعصية.
قال الحافظ في «التلخيص» ٤/ ١٧٨: إسناده صحيح.
(٢) الترمذي (١٥٤٤) كتاب: النذور والأيمان، وفيه عن عبد الله بن مالك اليحصبي، منسوبًا.
أبو داود (٣٢٩٣) كتاب: الأيمان والنذور، باب: من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، النسائي ٧/ ٢٠. وفيهما عن عبد الله بن مالك غير منسوب، ابن ماجه (٢١٣٤) كتاب: الكفارات، باب: من نذر أن يحج ماشيًا.
ورواه أيضًا وأحمد ٤/ ١٤٥، ١٤٩، ١٥١، والدارمي ٣/ ١٥٠٦ (٢٣٧٩) كتاب: النذور والأيمان، باب: في كفارة النذر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي سعيد الرعيني، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر به.
قلت: وإسناده ضعيف، لضعف عبيد الله بن زحر، ضعفه أحمد، وقال ابن معين: ليس بشيء، ومرة قال: كل حديثه عندي ضعيف، وعن ابن المديني: منكر الحديث. ولهذا ضعف الألباني الحديث في «الإرواء» (٢٥٩٢) مع العلم بأن الحديث أصله بغير هذا الإسناد في الصحيحين كما مر.



عبد الله بن مالك الجهني أن عقبة بن مالك أخبره أن أخت عقبة نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختصرة، فذكره (١). وللطحاوي: نذرت أن تحج حافية ناشرة شعرها (٢).
وأخت عقبة اسمها أم حبان -بكسر الحاء المهملة، ثم باء موحدة- وذكر أنها من المبايعات (٣).
إذا تقرر ذَلِكَ، فأهل الظاهر أخذوا بحديث أنس وعقبة بن عامر وقالوا: من عجز عن المشي فلا هدي عليه اتباعًا للسنة في ذَلِكَ، قالوا: ولا يثبت شيء في الذمة إلا بيقين، وليس المشي مما يوجبه نذر؛ لأن فيه تعب الأبدان، وليس الماشي في حال مشيته في حرمه إحرام فلم يجب عليه المشي ولا بدل منه.
قال ابن حزم: من نذر أن يمشي إلى مكة أو إلى مكان ذكره من الحرم على سبيل التقرب، أو الشكر لله تعالى لا على سبيل اليمين، ففرض عليه المشي إلى حيث نذر للصلاة هنالك أو الطواف بالبيت فقط، ولا يلزمه أن يحج ولا أن يعتمر إلا أن ينذر ذَلِكَ وإلا فلا، فإن شق عليه المشي إلى حيث نذر من ذَلِكَ فليركب ولا شيء عليه، فإن ركب في الطريق كله بغير مشقة في طريقه فعليه هدي، ولا يعوض من ذَلِكَ صيامًا ولا طعامًا، فإن نذر أن يحج ماشيًا فليمش من

--------
(١) رواه بهذا الإسناد أيضًا أحمد ٤/ ١٥١، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٣٠، وفي «شرح المشكل» كما في «التحفة» ٦/ ٧٠ (٣٩٥٣)، والطبراني ١٧/ ٣٢٣ (٨٩٣). وهو ضعيف أيضًا؛ لأن آفته عبيد الله بن زحر، وهو ضعيف، وضعفه الألباني في «الإرواء» (٢٥٩٢) وقد تقدم.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٣١. ورواه أيضًا عبد الرزاق ٨/ ٤٤٩ (١٥٨٦٤).
(٣) انظر ترجمتها في: «أسد الغابة» ٧/ ٣١٣، «الإصابة» ٤/ ٤٣٩.



الميقات حَتَّى يتم حجه (١).
قلت: قد أسلفنا ذكر الصيام، وأما سائر الفقهاء فلهم في هذِه المسألة ثلاثة أقوال غير هذا:
أولها: روي عن علي وابن عمر: أن من نذر المشي إلى بيت الله فعجز أنه يمشي ما استطاع فإذا عجز ركب وأهدى شاة (٢)، وهو قول عطاء والحسن (٣)، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: وكذلك إن ركب وهو غير عاجز، ويكفر عن يمينه لحنثه، وقال الشافعي: الهدي في هذِه احتياط من قبل أنه من لم يطق شيئًا سقط عنه (٤)، وحجتهم ما رواه همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عقبة بن عامر: أن أخته نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فسأله النبي - ﷺ - عن ذَلِكَ فقال: «إن الله لغني عن نذر أختك فلتركب ولتهد» (٥).
ثانيها: يعود فيحج مرة أخرى ثم يمشي ما ركب ولا هدي عليه، هذا قول ابن عمر، ذكره مالك في «الموطأ» (٦)، وروي عن ابن عباس وابن الزبير والنخعي وسعيد بن جبير (٧).

----------
(١) «المحلى» ٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤.
(٢) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤٤٨ - ٤٥٠ (١٥٨٦٣، ١٥٨٦٩)، وابن أبي شيبة ٣/ ٩٤ (١٢٤١٤).
(٣) رواه عن الحسن ابن أبي شيبة ٣/ ٩٤ (١٢٤١٧).
(٤) «المبسوط» ٤/ ١٣٠ - ١٣١، «البيان» ٤/ ٤٩٧.
(٥) رواه من هذا الطريق أبو داود (٣٢٩٦)، وأحمد ١/ ٢٣٩، وابن الجارود ٣/ ٢١٠ (٩٣٦)، والبيهقي ١٠/ ٧٩. وقد تقدم.
(٦) «الموطأ» ص ٢٩٢، ورواه أيضًا البيهقي ١٠/ ٨١.
(٧) انظرها في «المصنف» ٣/ ٩٣ - ٩٤ (١٢٤١٣، ١٢٤١٦، ١٢٤١٩).



ثالثها: يعود فيمشي ما ركب وعليه الهدي، روي عن ابن عباس أيضًا (١)، وروي عن النخعي (٢) وابن المسيب، وهو قول (عن) (٣) مالك جمع عليه الأمرين المشي والهدي احتياطًا؛ لموضع تفريقه بالمشي الذي كان لزمه في سفر واحد، فجعله في سفرين قياسًا على التمتع والقران.
وقال ابن التين: مذهب مالك: إذا عجز عن مشي البعض فإن ركب الكثير فعنه: يبتدئ المشي كله، وعنه: يرجع فيمشي ما ركب، وإن ركب يومًا وليلة رجع فمشى ما ركب، وإن ركب أقل من ذَلِكَ فليس عليه الرجوع، ويجزئه الهدي (٤)، ويمكن أن يتأول لحديث أنس وعقبة بوجه موافق لفقهاء الأمصار حَتَّى لا ينفرد أهل الظاهر بالقول بهما، وذلك أن في نصهما ما يبين المعنى فيهما وهو أنه - عليه السلام - رأى شيخًا يهادى بين ابنيه فقال: «إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه» فبان واتضح أنه كان غير قادر على المشي، وممن لا ترجى له القدرة عليه، ومن كان غير قادر على شيء سقط عنه.
والعلماء متفقون: أن الوفاء بالنذر إنما يكون فيما هو لله تعالى طاعة، والوفاء به بر، ولا طاعةَ ولا برَّ، في تعذيب أحد نفسه، فكأن هذا الناذر قد نذر على نفسه ما لا يقدر على الوفاء به، وكان في معنى أبي إسرائيل الذي نذر ليقومن في الشمس ولا يستظل ويصوم ذَلِكَ اليوم، فأمره رسول الله - ﷺ -: أن يجلس ويستظل ويصوم، ولم يأمره بكفارة.

--------
(١) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤٤٩ (١٥٨٦٥)، والبيهقي ١٠/ ٨١.
(٢) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤٤٩ (١٥٨٦٦).
(٣) من (ج).
(٤) «المدونة» ١/ ٣٤٧.



وقد روي في حديث عقبة بن عامر ما يدل أن أخته كانت غير قادرة على المشي فلذلك لم يأمرها - عليه السلام - بالهدي، روى الطبري من حديث محمد بن أبي يحيى الأسلمي: حَدَّثَني إسحاق بن سالم، عن عقبة بن عامر: أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة وهي امرأة ثقيلة والمشي يشق عليها، فذكر ذَلِكَ عقبة لرسول الله - ﷺ - فقال: «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتركب» (١). فصح التأويل أنها نذرت، وهي في حال من لا ترجى له القدرة على الوفاء بما نذرت كأبي إسرائيل.
والعلماء مجمعون على سقوط المشي عمن لا يقدر عليه فسقوط الهدي أحرى، وإن كان مالك يستحب الهدي لمن عجز عن المشي.
قال الطحاوي: ونظرنا في قول من قال: ليس الماشي في حرمة إحرام، فرأينا الحج فيه الطواف والوقوف بعرفة وجمع، وكان الطواف منه ما يفعله الرجل في حال من إحرامه، وهو طواف الزيارة، ومنه ما يفعله بعد أن يحل من إحرامه، وهو طواف الصدر، وكان ذَلِكَ من أسباب الحج قد أريد أن يفعله الرجل ماشيًا، وكان إن فعله راكبًا مقصرًا، وجعل - عليه السلام - هذا إذا فعله من غير علة فإن فعله من علة فالناس مختلفون في ذَلِكَ، قال أبو حنيفة وصاحباه: لا شيء عليه، وقال غيرهم: عليه دم؛ وهو النظر عندنا؛ لأن العلل إنما تسقط الآثام في انتهاك الحرمات ولا تسقط الكفارات كحلق الرأس في الإحرام (٢)، إن حلقه من غير عذر يسقط الإثم والكفارة، فإن اضطر إلى حلقه فعليه الكفارة ولا إثم عليه، وكذلك المشي الذي قبل

---------
(١) تقدم تخريجه مرارًا بغير هذا الإسناد.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٣١.



الإحرام، فما كان من أسباب الحج كان حكمه حكم المشي الواجب في الإحرام، يجب على تاركه الدم.
وفيه: وجوب الوفاء بالنذر، وأن من نذر ما لا يستطيع لم يلزمه، وكذا ما يجهده، وإن حلف ولم ينذر ذلك وحلف بالمشي إلى مكة لزمه المشي عند سائر أصحاب مالك، وما يعزى لابن القاسم أنه أفتى في النذر بكفارة يمين، لا يصح.
وقال الشافعي: يلزمه المشي بالنذر، ومن حلف به وجبت فعليه كفارة يمين (١)، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم.
وفيه: قبول خبر الواحد.

------------
(١) انظر: «البيان» ٤/ ٤٩٨.


٢٩
فضائل المدينة


[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٢٩ - كتاب] فضائل المدينة
١ - باب مَا جَاءَ في حَرَمِ المَدِينَةِ
١٨٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». [٧٣٠٦ - مسلم: ١٣٦٦ - فتح: ٤/ ٨١]

١٨٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَدِينَةَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي». فَقَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ. فَأَمَرَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٤/ ٨١]

١٨٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي». قَالَ: وَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - بَنِي حَارِثَةَ فَقَالَ: "أَرَاكُمْ


يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ». ثُمَّ التَفَتَ فَقَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ». [١٨٧٣ - مسلم: ١٣٧٢ - فتح: ٤/ ٨١]

١٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». وَقَالَ: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». [قَالَ أبُو عبدِ اللهِ: عَدلٌ: فِدَاءٌ]. [انظر: ١١١ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح: ٤/ ٨١]
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: عن عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ أَنَس بْنِ مالك - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
ثانيها: حديثه أيضًا من حديث أَبِي التَّيَّاحِ -واسمه يزيد بن حميد- قال: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَدِينَةَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا بَني النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي». فَقَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إلى الله. فَأمَرَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ.
ثالثها: حديث أَبِي هُريرَةَ قال: قال النَّبِيُّ - ﷺ -: «حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي». وَأَتَى النَّبِي - ﷺ - بَنِي حَارِثَةَ فَقَالَ: «أَرَاكُمْ يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ». ثُمَّ التَفَتَ فَقَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ».


رابعها: حديث عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَال: مَا عِنْدَنَا شَيءٌ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وهذِه الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ ..» الحديث بطوله.
الشرح:
حديث أنس أخرجه مسلم أيضًا (١)، ويأتي في الاعتصام (٢)، وحديث أنس الثاني سلف في المساجد (٣).
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم لكن بزيادة حدها.
وهذا لفظه: حَرَّم رسول الله - ﷺ - ما بين لابتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى (٤).
وفي رواية له: «ما بين لابتي المدينة حرام» (٥)، وفي رواية أيضًا: «المدينة حرم» (٦).
وحديث علي أخرجه مسلم مطولًا أيضًا بلفظ: «المدينة حرم ما بين عير وثور» (٧). ولم يذكر البخاري ثورًا، وإنما عبر عنه بكذا في طرقه كلها، إلا في رواية الأصيلي في كتاب الجزية والموادعة، فإنه وقع له فيها: «إلى ثور».

------------
(١) مسلم (١٣٦٦) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة.
(٢) سيأتي برقم (٧٣٠٦) باب: إثم من آوى محدثًا.
(٣) سلف برقم (٤٢٨) كتاب: الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية.
(٤) مسلم (١٣٧٢/ ٤٧٢) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة.
(٥) مسلم (١٣٧٢/ ٤٧١).
(٦) مسلم (١٣٧١).
(٧) مسلم (١٣٧٠).




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2026, 05:27 PM   #357

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 501 الى صـــ 520
الحلقة (357)






إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه في وجوه:
أحدها:
قوله: («مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا») وفي رواية: «مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا» (١) وأسلفنا «ما بين عير إلى ثور» بإسقاط الألف واختلف الناس فيهما هل هما بالمدينة أو بمكة، والحق أنهما بالمدينة وأنهما معروفان. قال ابن المنير: قوله: «من عير إلى كذا» سكت عن النهاية، وقد جاء في طريق آخر: «ما بين عير إلى ثور» (٢).
قال: والظاهر أن البخاري أسقطها عمدًا لأن أهل المدينة ينكرون
أن يكون بها جبلٌ يسمى ثورًا، وإنما ثور بمكة، فلما تحقق عنده أنه وهم أسقطه وذكر بقية الحديث، وهو مفيد يعني: بقوله: «من عير إلى كذا» (٣) إذ البداءة يتعلق بها حكم، فلا تترك؛ لإشكال سنح في حكم النهاية (٤).
قلت: قد أسلفنا أنه ذكرها في الجزية والموادعة، نعم أنكر مصعب الزبيري وغيره هاتين الكلمتين -أعني: عيرًا وثورًا- وقالوا: ليسا بالمدينة، عير بمكة.
قال صاحب «المطالع»: بعض رواة البخاري ذكروا عيرًا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا إذ اعتقدوا الخطأ في ذكره. وقال أبو عبيد: كان الحديث «من عير إلى أحد».

---------
(١) أحد روايات أحاديث الباب (١٨٧٠).
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٦٧٥٥) كتاب: الفرائض، باب: إثم من تبرأ من مواليه.
(٣) ستأتي هذِه الرواية برقم (٧٣٠٠) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم …
(٤) «المتواري على تراجم أبواب البخاري» لابن المنير ص ١٤٨.



قلت: وكذا رواه الطبراني في «أكبر معاجمه» من حديث عبد الله بن سلام (١)، وقد ذكر البكري عن أبي عبيد أيضًا أنه بالمدينة (٢)، فلعله رجع آخرًا. وذكر الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه لما خرج رسولًا من صاحب المدينة إلى العراق كان معه دليل يذكر له الأماكن والأجبلة، فلما وصل إلى أحد، إذا بقربه جبيل صغير فسأله: ما اسم هذا الجبل؟ قال: هذا يسمى ثورًا.
قلت: فصح الحديث، ولله الحمد.
وقال المحب الطبري: هو جبل بالمدينة رأيته غير مرة وحددته.
ولما ذكر ياقوت قول عياض قال بعضهم: ليس بالمدينة، ولا على مقربة منها جبل يعرف بأحد هذين الاسمين.
قال: قلت أنا: وهذا من قائله وهمٌ، فإن عيرًا جبل مشهور بالمدينة (٣). قال عياض: وبيَّض آخرون موضع ثور في الحديث، ومنهم من روى «من كذا إلى كذا» (٤).
وفي رواية النسفي وابن السكن: «من عير إلى كذا وكذا»، وفي وراية أبي علي من رواية أبي كثير.
وقال آخرون: بل الرواية الصحيحة أنه حرم ما بين عير إلى أحد، وأن ثورًا بمكة وعيرًا بالمدينة، وما بين ذلك بإجماعهم غير محرم.
وعير اسم جبل بقرب المدينة، وهو بفتح العين، ثم مثناة تحت ساكنة، ثم راء مهملة.

----------
(١) الطبراني ص ١٢٩ - ١٣٠ (١٧٤) قطعة من مسانيد من اسمه عبد الله، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣٠٣: رجاله ثقات.
(٢) «معجم ما استعجم» ١/ ٣٥٠.
(٣) «معجم البلدان» ٢/ ٨٦ - ٨٧.
(٤) «إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٩.



قاله ابن السيد في «مثلثه» (١) وأغرب ابن قدامة حيث قال: يحتمل أن يكون قد أراد قدر ما بين ثور وعير اللذين بمكة، ويحتمل أنه أراد جبلين بالمدينة، وسمَّاهما عيرًا وثورًا تجوُّزًا، وهما احتمالان بعيدان، وعند ثبوت ذلك ومعرفتهما فلا اعتراض ولا احتمال. وكذا قال ابن بطال: عاير جبل بقرب المدينة، ويروى عير، قال: وثور: جبل معروف أيضًا (٢). وكذا قال الداودي: عير؛ جبل بالمدينة.
وخالف ابن فارس فقال: بمكة (٣). وقيل: إنه بريد في بريد في جوانبها كلها، نقله ابن التين عن الشيخ أبي محمد، ولما رأى بعض الحنفية هذا الاختلاف عده اضطرابًا ورتب عليه أن لا حرم لها،
ولا يسلم له.
ثانيها: حرم مدينة سيدنا رسول الله - ﷺ - ما ذكرناه (٤).
واللابتان: الحرتان، وهي أرض بركتها حجارة سود، وهما الطرفان. قال أبو عبيد: وجمعها: لاب ولوب كقارة وقور، وجمعت أيضًا على لابات، ما بين الثلاث إلى العشر، وهما غربية وشرقية (٥).
قال ابن حبيب: وتحريم رسول الله - ﷺ - لابتي المدينة إنما ذلك في الصيد، فأما في قطع الشجر فبريد في بريد في دور المدينة كله، كذلك أخبرني مطرف عن مالك، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وللمدينة حرتان أيضًا؛ حرة في القبلية وحرة في الجوف، وترجع كلها إلى الحرتين؛ لأن

------------
(١) «المثلث» لابن السيد البطليوسي ٢/ ٢٦٨.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٣٧.
(٣) «مجمل اللغة» المجلد الثاني ص ٦٣٩.
(٤) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: ثم بلغ في الحادي بعد الأربعين كتبه مؤلفه.
(٥) «غريب الحديث» لأبي عبيد ١/ ١٨٨ - ١٨٩.



القبلية والجوفية متصلتان بهما، ولذلك حرم رسول الله - ﷺ - ما بين لابتي المدينة، جمع دورها كلها في اللابتين، وقد ردها حسان بن ثابت إلى حرة واحدة فقال:
لنا حرة مأطورة بجبالها … بني العز فيها بيته فتأهلا (١)
وقوله: مأطورة يعني: مقطوعة بجبالها؛ لاستدارتها، وإنما جبالها الحجارة السود التي تسمى الحرار (٢)، وقالوا: أسود لوبي ونوبي، منسوبة إلى اللوبة والنوبة، حكاه في «المحكم» (٣).
ثالثها: فإن قلت: ما إدخال حديث أنس في بناء المسجد في هذا الباب بعد قوله: «لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا». قلت: وجهه كما قال المهلب: ليعرفك أن قطع النخل كان ليبوئ المسلمين مسجدًا.
ففيه من الفقه: أن من أراد أن يتخذ جنانًا في حرم المدينة ليعمرها ويغرس فيها النخل، ويزرع فيها الحبوب، أنه لا يتوجه إليه النهي عن قطع شجرها ولا يمنع من قطع ما فيه من شجر الشعراء (٤) وشوكها؛ لأنه يبتغي الصلاح والتأسيس للسُكنى في موضع العمارة، فهذا يبين وجه النهي أنه موقوف على المفسد لبهجة المدينة ونضرتها وخضرتها لعين المهاجر إليها حتى تبتهج نفسه ويرتاح بمبانيها، وإن كان ابتهاجه بمسجده الذي هو بيت الله -عز وجل-، ومنزل ملائكته، ومحل وحيه أعظم، والسرور به أشد.

-----------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» (٤/ ٥٣٧ - ٥٣٨ ووقع فيه: فتأثلا! وهو خطأ.
(٢) انظر: «التمهيد» ٦/ ٣١٢.
(٣) «المحكم» ١٢/ ٩١.
(٤) ورد في هامش الأصل تعليق نصه: الشجر الكبير حكاه في «الصحاح» [٢/ ٧٠٠]. عن أبي عبيد.



وقيل: قطعه - ﷺ - للنخيل من موضع المسجد يدل على أن النهي توجه إلى ما أنبته الله تعالى من الشجر، مما لا صنع فيه لآدمي؛ لأن النخيل التي قطعت من موضع المسجد كان لغرس الآدميين؛ لأنه طلب شراء الحائط من بني النجار إذ كان ملكًا لهم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، وعلى هذا التأويل حمل نهيه - ﷺ - عن قطع شجر مكة (١).
واستضعف بعضهم جواب المهلب أن القطع كان للبناء، وفيه مصلحة المسلمين، وقال: يلزمه أن يقول به في حرم مكة أيضًا ولا قائل به، ثم ادَّعى أنه هو ما فهمه البخاري، أنها ليست حرامًا، إذ لو كانت كذلك لم يقطع شجرها، وهو بعيد.
رابعها: اتفق مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء على أن الصيد محرم في المدينة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: صيدها غير محرم، وكذلك قطع شجرها، فخالف أحاديث الباب (٢)، واحتج الطحاوي (٣) بحديث أنس أنه - ﷺ - دخل دارهم، وكان لأنس أخ صغير، وكان له نغير يلعب به، فقال له رسول الله - ﷺ -: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» (٤) ولا حجة فيه؛ لأنه ممكن أن يصاد ذلك النغير من

----------
(١) سلف برقم (١٠٤) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ورواه مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج. باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها. وسلف أيضًا برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الاذخر والحشيش في القبر، ورواه مسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس وانظر نص الكلام السالف في «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٣٨.
(٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٣، «المبسوط» ٤/ ١٠٦، «المدونة» ١/ ٣٣٥، «المنتقى» ٢/ ٢٥٣، «المجموع» ٧/ ٤٧٢ - ٤٧٣، «المغني» ٥/ ١٩٣.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٤.
(٤) سيأتي برقم (٦١٢٩) كتاب: الأدب، باب: الانبساط إلى الناس، ورواه مسلم (٢١٥٠) كتاب: الآداب، باب: استحباب تحنيك المولود.



غير حرم المدينة، قالوا: وبدخوله الحرم صار حرميًّا، ولا نسلم لهم ذلك، وروي عن عائشة: كان لآل رسول الله - ﷺ - وحش، فإذا خرج رسول الله - ﷺ - لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله - ﷺ - قد دخل، ربض (١).
قالوا: فحبس الوحش، وإغلاق الباب عليه دليل على إباحته، وفي البيهقي من حديث سلمة بن الأكوع قال: كنت أرمي الوحش، وأهدي لحومها إلى رسول الله - ﷺ -. وفيه: فقال لي رسول الله - ﷺ -: «لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت» (٢) قال البيهقي: حدث به موسى بن إبراهيم، وهو حديث ضعيف، وهو مخالفُ حديث سعد بن أبي وقاص في العقيق (٣).
حجة الجماعة أن الصحابة فهمت من النبي - ﷺ - تحريم الصيد في حرم المدينة؛ لأنهم أُمِروا بذلك وأفتوا به، وهم القدوة الذين يجب اتباعهم.

----------
(١) رواه أحمد ٦/ ١١٢ - ١١٣، والبزار كما في «كشف الأستار» (٢٤٥٠) كتاب: علامات النبوة، باب: أدب الحيوانات معه، وأبو يعلى في «المسند» ٧/ ٤١٨ (٤٤٤١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٥، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٤٨ (٦٥٩١)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٤: رجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) «معرفة السنن والآثار» (٧/ ٤٤١ - ٤٤٢) (١٠٦١٨، ١٦٢٢) وحديث سلمة بن الأكوع رواه أيضا الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٥، والطبراني ٧/ ٦ (٦٢٢٢)، قال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٢/ ١٥١: رواه الطبراني بإسناد حسن وتبعه الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤، وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٨٦٩): منكر جدًّا؛ فيه: موسى بن محمد التيمي متفق على تضعيفه.
(٣) وحديث سعد بن أبي وقاص رواه مسلم (١٣٦٤) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة.



ورووه أيضًا أبو هويرة وغيره ممن سلف، وسعد في مسلم، ورافع بن خديج، وجابر، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وسهل بن حنيف، وأبو سعيد الخدري، وعدي بن حاتم، وعبادة، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت (١)، وروى جعفر بن محمد قال: اطلع عليَّ علىُّ بن حسين وأنا أنتف صدغي عصفور فقال: خل سبيله هذا حَرَمُ رسول الله - ﷺ -. وروي عن أبي سعيد الخدري: كان يضرب بنيه إذا صادوا فيه، ويرسل الصيد (٢). وأخذ سعد بن أبي وقاص سلب من صاد في
حرمها وقطع شجرها، ورواه عن النبي - ﷺ - (٣)، إلا أن أئمة الفتوى لم

----------
(١) حديث سعد رواه مسلم (١٣٦٣).
وحديث رافع بن خديج رواه مسلم أيضًا (١٣٦١).
وحديث جابر رواه مسلم (١٣٦٢).
وحديث عبد الله بن زيد سيأتي برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع النبي - ﷺ -، ورواه مسلم (١٣٦٠).
وحديث سهل بن حنيف رواه مسلم (١٣٧٥).
وحديث أبي سعيد رواه مسلم (١٣٧٤).
وحدث عبادة رواه البيهقي ٥/ ١٩٨ كتاب: الحج، باب: ما جاء في حرم المدينة.
وحديث عبد الرحمن بن عوف رواه الطحاوي ٤/ ١٩١ كتاب: الصيد، باب: صيد المدينة، والبيهقي ٥/ ١٩٨ كتاب: الحج، باب: ما جاء في حرم المدينة، وحديث زيد بن ثابت أخرجه أحمد ٥/ ٨١، والطحاوي ٤/ ١٩٢، والبيهقي ٥/ ١٩٩.
وورد بهامش الأصل: حديث زيد في «المسند» وكذلك حديث عبادة بن الصامت من طريقين: أحدهما: رواه عبد الله بن أحمد، عن محمد بن عباد المكي وأبو مروان العثماني، وفيه؛ مما لم يذكره الشيخ، حديث عبد الله بن سلام في تحريم الصيد وقطع الشجر، وكذلك حديث أبي حسن وهو غنم بن عبد عمرو.
(٢) رواه مسلم (١٣٧٤/ ٤٧٨) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة.
(٣) رواه مسلم (١٣٦٤) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، مقتصرًا على من قطع شجرها. =



يقولوا بأخذ سلبه، وإن كان هو المختار.
قال أبو عمر: واحتج لأبي حنيفة بحديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: «من وجدتموه يصيد في حدود المدينة، أو يقطع شجرها فخلوا سبيله» (١) قال: وقد اتفق العلماء على أنه لا يؤخذ سلبُ من صاد في المدينة، فدل على أنه منسوخ. قال: ويحتمل أن يكون معنى النهي عن صيدها وقطع شجرها؛ لأن الهجرة كانت إليها، وكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في (تزينها) (٢) ويدعو إلى إلفها، كما روى ابن عمر أن النبي - ﷺ - نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة (٣)، قال: وليس في حديث سعد حجة؛ لضعفه، ولو صح لم

---------
= وأما أخذه سلب من صاد في حرمها فرواه أبو داود (٢٠٣٧) كتاب: المناسك، باب: في تحريم المدينة، وأحمد ١/ ١٧٠، وأبو يعلى في «المسند» ٢/ ١٣٠ (٨٠٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩١. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٧٥) «يصيد»: منكر، والمحفوظ: يقطع شجرًا.
(١) في بعض نسخ «التمهيد»: «فخذوا سلبه» وقد سبق تخريجه.
(٢) في (ج) تزيينها.
(٣) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١١٨٩)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٤، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١٠٩٨ من طريق عبد الله بن عمر بن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - نهى عن آطام المدينة أن تهدم.
قال الذهبي: غريب، وقال الحافظ في «مختصر زوائد البزار» ١/ ٤٧٨ (٨١٧): إسناده حسن، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣٠١: رواه البزار عن الحسن بن يحيى، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ.
ورواه الطحاوي ٤/ ١٩٤، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٣١١ - ٣١٢، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٧٢ من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - نهى عن هدم الآطام، وقال: «إنها من زينة المدينة».
وأورد الحافظ في «الفتح» ٤/ ٨٣ الحديث بهذا اللفظ، وسكت عليه. =



يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة (١).
وقوله: («حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِها عَلَى لِسَانِي») يريد أن تحريمها كان بالوحي، فوجب تحريم صيدها وقطع شجرها، إلا أن جمهور العلماء -كما قاله المهلب- على أنه لا جزاء في حرمها، لكنه آثم عندهم من استحله، فإن قال الكوفيون: لما أجمعوا على سقوط الجزاء في حرمها دل أنه غير محرم، فالجواب: أنه لا حجة في هذا؛ لأن صيد مكة قد كان محرمًا على غير هذِه الأمة، ولم يكن عليهم فيه جزاء، وإنما الجزاء على أمة محمد، فليس إيجاب الجزاء فيه علة للتحريم.
وشذ ابن أبي ذئب، وابن نافع صاحب مالك، والشافعي في أحد قوليه، فأوجبوا فيه الجزاء، و(استدل) (٢) على سقوطه بأنه - ﷺ - لمَّا حرمها وذكر ما ذكر، لم يذكر جزاءً على من قتل الصيد، وما كان من جهته - ﷺ - ليس ببيان لما في القرآن، فليس بمحرم تحريم القرآن، وإنما هو مكروه حتى يكون بين تحريمه وبين تحريم القرآن فرق.
وحديث سعد السالف في أخذ سلبه فلم يصح عند مالك ولا رأى العمل عليه بالمدينة، ولو صح لأوجب الجزاء على من لا سلب له،

------------
= وأورده الألباني أيضًا بهذا اللفظ في «الضعيفة» (٤٨٥٩) وقال: منكر، ثم قال: وجملة القول: أن الحديث بتمامه منكر، وأما شطره الأول، فمن الممكن تحسينه بمجموع الطريقين الضعيفين عن نافع، ولعل هذا هو وجه سكوت الحافظ على الحديث في «الفتح»، وتحسينه إياه فيما تقدم -قلت: يعني في «مختصر الزوائد» كما أوردته- وإلا فإني أستبعد جدًّا أن يحسن اسنادًا تفرد به العمري- عبد الله بن عمر- الذي جزم هو نفسه بتضعيفه. اهـ.
قلت: ترجمه الحافظ في «التقريب» (٣٤٨٩) وقال: ضعيف.
(١) انتهى من «التمهيد» ٦/ ٣١٠ - ٣١١.
(٢) في (ج): استدلوا.



ولو لم يكن على القاتل إلا ما يستر به عورته لم يجز أخذه، وكشف عورته، فثبت أن الصيد ليس مضمونًا أصلًا، ألا ترى أن صيد مكة لما كان مضمونًا لم يفترق حكم الغني والفقير، ومن له سلب ومن لا سلب له في أنه مضمون عليه أي وقت قدر، وقد قال مالك: لم أسمع أن في صيد المدينة جزاء، ومن مضى أعلم ممن بقي، فقيل له: فهل يؤكل؟ فقال: ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لا أكرهه.
خامسها: قول عَلِيٍّ - رضي الله عنه - (قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ سوى كِتَابُ اللهِ، وَما فِي هذِه الصَّحِيفَةُ).
فيه: رد على ما يدَّعيه الشيعة من أن عليًّا عنده وصية من سيدنا رسول الله - ﷺ - بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد من الدين.
وفيه: جواز كتابة العلم.
سادسها: في حديث أنس وعلي لعنة أهل المعاصي والمعاند لأوامر الشرع، وفيه: أن المحدث في حرم المدينة والمئوي للمحدث في الإثم سواء كما في حرم مكة، وأن من فعل ذلك فهو كبيرة؛ لأن اللعن لا يكون إلا عليها، لاسيما ما في هذا من المبالغة في الطرد والإبعاد عن الجنة لا عن الرحمة، كلعن الكفار.
والمراد باللعن هنا: العذاب الذي يستحقه على ذنبه.
قال الخطابي: روي: محدَثًا -بفتح الدال، معناه: الرأي المحدث في الدين والسنة، أراد الإحداث نفسه، قال: ويروى بكسر الدال، يريد: الذي أحدث وفعله وجاء به (١).
قال أبو عبيد: الحدث كل حد لله تعالى يجب على صاحبه أن يقام

---------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٢٦.


عليه، وهو شبيه بحديث في الرجل يأتي حدًّا من الحدود ثم يلجأ إلى الحرم أنه لا يقام عليه فيه، ولكنه يلجأ حتى يخرج منه، فإذا خرج منه أقيم عليه، فجعل الشارع حرمة المدينة كحرمة مكة في المأثم في صاحب الحد أن لا يئويه أحد حتى يخرج منه فيقام عليه الحد (١). وقد سلف ما في هذا.
وقوله: («آوى») قال القاضي: أوى وآوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح، والمد في المتعدي أشهر وأفصح وبالأفصح جاء القرآن (٢)، قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] فهذا في اللازم، وقال في المتعدي ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠].
سابعها: في قول بني النجار: (لا نطلب ثمنه إلا إلى الله).
فيه من الفقه: إثبات الأحباس المراد بها وجه الله؛ لأنهم وهبوا البقعة للمسلمين حبسا موقوفًا عليهم، وطلبوا الأجر على ذلك من الله.
ثامنها: في حديث أبي هريرة من الفقه: أن للعالم أن يقول على غلبة الظن، ثم ينظر فيصحح النظر ويقول بعد ذلك، كما قال - ﷺ - لبني حارثة.
تاسعها: قوله: («لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْف وَلَا عَدْلٌ») هذا يمكن أن يكون في وقت دون وقت إن أنفذ الله عليه الوعيد، ليس هذِه حالهُ عند الله أبدًا؛ لأن الذنوب لا تخرج من الدين إنما يخرج منه الكفر، أعاذنا الله منه.
ومعنى «أَخْفَرَ مُسْلِمًا» نقض عهده. قال الخليل: أخفرت الرجل إذا لم تف بذمته، والاسم الخفور (٣)، قال ابن فارس، يقال: أخفر عهده:

----------
(١) «غريب الحديث» ١/ ٤٥٥.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٦.
(٣) «العين» ص ٢٥٦ مادة: (خفر).



نقضه، وخفره إذا أمنه، وأخفرته: جعلت معه خفيرًا. قال: وأخفرت الرجل: نقضت عهده (١).
والذمة: العهد والأمان، فأمان المسلم للكافر صحيح ويحرم التعرض له ما دام في الأمان.
وقوله: «يسعى بها أدناهم» حجة لمن أجاز أمان العبد والمرأة وهو مذهب مالك والشافعي، لأنهما أدنى من الأحرار الذكور، وأبى ذلك أبو حنيفة فقال: إلا أن يكون سيده أذن له في القتال (٢).
والصرف والعدل قال أبو عبيدة: العدل: الحيلة. وقيل: المثل.
وقيل: الصرف: الدية، والعدل: الزيادة. وقال أبو عبيد عن مكحول: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية. قال أبو عبيد: تصديقه في القرآن قوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] وأما الصرف فلا أدري قوله تعالى: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. [الفرقان: ١٩] من هذا أم لا، وبعض الناس يحمله على هذا. ويقال: إن الصرف النافلة، والعدل: الفريضة. قال أبو عبيد: والتفسير الأول أشبه بالمعنى (٣).
وعكس الحسن فقال: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقال الأصمعي: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، وروي ذلك مرفوعًا (٤).

------------
(١) «المجمل» ٢/ ٢٩٧.
(٢) انظر: «التمهيد» ٢١/ ١٨٨، «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» ٢/ ٧٣٩.
(٣) «غريب الحديث» ١/ ٤٥٥.
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٣٠٧ (٨٨٧) قال: حدثني نجيح بن إبراهيم قال: حدثنا علي بن حكيم، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية -من أهل الشام أحسن عليه الثناء- قيل يا رسول الله - ﷺ -: ما العدل؟ قال: «العدل الفدية». =



وقال يونس: الصرف: الاكتساب، والعدل: الفدية. وقال أبو علي البغدادي: الصرف: الحيلة والاكتساب، والعدل: الفدية والدية، صحيح في الاشتقاق، فأما من قال: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، والصرف: الدية، والعدل: الزيادة على الدية، فغير صحيح في الاشتقاق.
وقال الطبري: الصرف مصدر من قولك: صرفت نفسي عن الشيء، أصرفها صرفًا. وإنما عني به في هذا الموضع صرف راكب الذنب وهو المحدث في الحرم حدثًا من سفك دم، أو استحلال محرمٍ، فلا تقبل توبته، والعدل: ما يعدله من الفدية والبدل، وكل ما عادل الشيء من غير جنسه وكان له مثلًا من وجه الجزاء لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة فهو له عدل -بفتح العين- ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] بمعنى وإن تفد كل فدية. وأما العدل -بكسر العين- فهو مثل الحمل المحمول على الظهر، يقال: عندي غلام عِدل غلامك، وشاة عِدل شاتك -بكسر العين- إذا كان يعدله، وذلك في كل مثل الشيء من جنسه، فإذا أراد أن عنده قيمته من غير جنسه فتحت العين، فتقول: عندي عَدل شاتك من الدراهم. وقد ذكر عن بعض العرب أنهم يكسرون العين من العِدل الذي هو الفدية، وذلك لتقارب معنى العدل عندهم.

-----------
= قلت: وهو حديث ضعيف؛ فيه مبهم، وهذا المبهم ليس صحابيًا، إذ لو كان صحابيًا لصح الحديث؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر الحديث؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وهذا الرجل المبهم الراجح أنه تابعي؛ لأن الراوي عنه وهو عمور بن قيس الملائي، ترجمة الحافظ في «التقريب» (٥١٠٠) قال: ثقة متقن عابد، من السادسة مات سنة بضع وأربعين، والطبقة السادسة عند الحافظ كما أوضح في مقدمة كتابه: طبقة لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة فالحديث مرسل فيه مبهم.


وفي «المحكم»: الصرف: الوزن، والعدل: الكيل، وقيل: الصرف: القيمة، والعدل: الاستقامة (١).
قال عياض: قيل في معنى ذلك: أي لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضى وإن قبلت قبول جزاء. وقيل: القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بها. قال: وقد تكون بمعنى الفدية هنا؛ لأنه لا يجد في القيامة فداء يفتدي به، بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله على من شاء منهم بأن يفديه من النار، يهودي أو نصراني (٢)، كما ثبت في الصحيح (٣).
وقال ابن التين: تحصلنا على ستة أقوال في الصرف: الحيلة، النافلة، التوبة، الفريضة، الاكتساب، الوزن، والعدل أربعة: النافلة، الفدية، الفريضة -قاله البخاري وغيره- الكيل، قاله القزاز عن غيره. وقال ابن فارس: العدل: الفداء هنا (٤).
عاشرها: معنى قوله: «غَيْرِ مَوَالِيهِ» يحتمل الحلف والموالاة، ولم يجعل إذن الموالي شرطًا في جواز ادعاء نسب أراد، لكن ذكره توكيدًا للتحريم، يبينه الحديث الآخر: «مَنْ تَوَلَّى غيرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ» (٥).

----------
(١) «المحكم» ٨/ ٢٠١.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٧. بتصرف.
(٣) روى مسلم (٢٧٦٧) كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله. عن أبي
موسى الأشعري مرفوعًا: «إذا كان يوم القيامة دفع الله -عز وجل- إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول:»هذا فكاكك من النار«.
(٤)»مجمل اللغة" ٣/ ٦٥٢.
(٥) رواه مسلم (١٥٠٨) كتاب: العتق، باب: تحريم تولي العتيق غير مواليه، من حديث أبي هريرة مرفوعًا.



٢ - باب فَضْلِ المَدِينَةِ، وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ
١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ». [مسلم: ١٣٨٢ - فتح: ٤/ ٨٧]
ذكر فيه حديث مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١) قال ابن عبد البر: كذا هو في «الموطأ» عند جماعة الرواة، ورواه إسحاق بن عيسى الطباع، عن مالك، عن يحيى، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وهو خطأ (٢). ورواه الدارقطني في «غرائب مالك» كما رواه الطباع من حديث أحمد بن بكر بن خالد السلمي، عن مالك، وأخرجه مسلم بلفظ: «ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها نفي الكبير خبث الحديد» (٣).
وفي كتاب «أسباب الحديث» لعبد الغني بن سعيد أنه - ﷺ - قال هذا لما جاءه الأعرابي يستقيله البيعة.
وفي «الموطأ» للدارقطني: قال يونس: قال ابن وهب: قلت

-----------
(١) مسلم (١٣٨٢) كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها.
(٢) «التمهيد» ٢٣/ ١٧٠.
(٣) مسلم (١٣٨١).



لمالك: «ما تأكل القرى؟» قال: تفتحها. وفي رواية ابن حبيب عنه: بفتح القرى، وتفتح منها القرى؛ لأن من المدينة افتتحت المدائن كلها بالإسلام.
وقال ابن بطال: معنى «تأكل القرى» أي: بفتح أهلها القرى، فيأكلون أموالهم، ويسبون ذراريهم، ويقتلون مقاتلتهم، وهذا من فصيح كلام العرب، تقول: أكلنا بني فلان، وأكلنا بلد كذا. إذا ظهروا على أهله وغلبوهم، وقال الخطابي: «تأكل القرى» يريد أن الله ينصر الإسلام بأهل المدينة وهم الأنصار- وتفتح على أيديهم القرى، ويغنمها إياهم فيأكلونها، وهذا في الاتساع والاختصار كقوله تعالى: ﴿وَسئَلِ اَلقَريَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهلها. وكان - ﷺ - قد عرض نفسه على قبائل العرب أيهم ينصره فيفوز بالفخر في الدنيا والثواب في الآخرة، فلم يجد في القوم من يرضى بمعاداة من جاوره، ويبذل نفسه وماله لله، فمثل الله تعالى المدينة في منامه، ورأى أنه يؤمر بالهجرة إليها، ووصف ذلك للصديق، وقد كان عاقد قومًا من أهلها، وسألوه أن ينظروا فيما يريدون أن يعقدوا معه، فخرج مع الصديق إلى المدينة، ففتح الله بها جميع الأمصار، حتى مكة التي كانت موطنه (١).
وقال ابن التين: معنى «تأكل القرى»: تفتحها منها، ويأكل أهلها غنائم القرى. قال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: «تأكل القرى» إلا رجوع فضلها عليها وزيادتها على غيرها.
وقال النووي: معناه: أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر، وأن

---------
(١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٤٣.


أكلفا وميرتها يكون من القرى المفتتحة، وإليها تساق غنائمها (١).
وقوله: («أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ») يريد: أمرت بالهجرة إليها، قاله ابن بطال (٢)، وابن التين، فإن كان قاله بمكة فلا نسخ، وإن كان بالمدينة فبسكناها.
وقوله: («يَقُولُونَ: يَثْرِبُ») يعني: أن بعض الناس من المنافقين يسمونها كذلك، فكره أن تسمى باسمها في الجاهلية، وسماها الله فلا تسمى بغير ما سماها، وكانوا يسمونها يثرب باسم أرض بها، فغير النبي - ﷺ - اسمها وسماها طيبة وطابة (٣)؛ لحسن لفظها؛ كراهة التثريب، وهو التوبيخ والملامة، وإنما سميت في القرآن بها على وجه الحكاية لتسمية المشركين، وفي «مسند أحمد» كراهية تسميتها بذلك (٤)، وقد روي عنه أنه قال: «من قال: يثرب فكفارته أن يقول: المدينة، عشر مرات» (٥)، يريد بذلك التوكيد أن يقال لها: المدينة،

--------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٥٤.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٤٢.
(٣) ورد بهامش الأصل: في مسلم مرفوعًا أن الله تعالى سماها طابة، وفي غيره من قوله - ﷺ -: «هي طابة هي طابة» كأن الشيخ أشار، إلى ما رواه أحمد فقال: حدثنا إبراهيم بن مهدي: ثنا صالح ابن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: قال النبي - ﷺ -: «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله -عز وجل- هي طابة، هي طابة» والظاهر أنه متمسك عيسى بن دينار.
(٤) «مسند أحمد» ٤/ ٢٨٥ من حديث البراء مرفوعًا: «من سمى المدينة يثرب فليستنفر الله -عز وجل- هي طابة هي طابة». وكذا رواه ابن شبة في «تاريخ المدينة» ١/ ١٦٥، وأبو يعلى ٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨ (١٦٨٨)، والروياني ١/ ٢٤٠ (٣٤٦)، وابن عدي في «الكامل» ٩/ ١٦٥، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٦٠٧).
(٥) أورده البخاري في «التاريخ الكبير» ٦/ ٢١٧، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٦/ ١٤٨، ورواه العقيلي في «الضعفاء» ٣/ ١٩٨، وأورده ابن عدي في =



وصارت معرفة بالألف والسلام لأنها انفردت بجميع خصال الإسلام، ولا يقول أحد: المدينة لبلد فيعرف ما يريد القائل إلا لها خاصة.
وقال عيسى بن دينار: من سماها بذلك كتبت عليه خطيئة.
قلت: كان سيدنا رسول الله - ﷺ - يحب الاسم الحسن ويكره القبيح (١)، وطيبة من الطيب، وهو الرائحة الحسنة، والطاب والطيب لغتان بمعنى، وقال الخطابي: لطهارة تربتها، وقيل: من طيب العيش بها. وقال البكري في «معجمه»: سميت بيثرب بن قابل بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها (٢).
وفي «مختصر الزاهر» لأبي إسحاق الزجاجي (٣): سميت بيثرب بن

-----------
= «الكامل» ٦/ ٢٩٨ في ترجمة عثمان بن خالد (١٣٣٤)، وقال منكر الحديث، وكذا أورده الذهبي في «الميزان» ٣/ ٤٢٩، والحافظ في «اللسان» ٤/ ١٣٣ من طريق إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن عثمان بن حفص، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - من قال: «يثرب مرة مرة فليقل المدينة عشرًا».
قلت: عثمان بن حفص قال البخاري: في إسناده نظر، وقال بعد أن أورد هذا الحديث في ترجمته: لا يتابع عليه.
(١) دل على ذلك حديث رواه أحمد ١/ ٤٢٧، ٣٠٤، ٣١٩، والطيالسي ٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩ (٢٨١٣)، وابن حبان ١٣/ ١٣٩ - ١٤٠ (٥٨٢٥)، وابن عدي ٦/ ٤٤٨، والبغوي في «شرح السنة» ١٢/ ١٧٥ (٣٢٥٤) من حديث عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله - ﷺ - يتفاءل ولا يتطير وكان يحب الاسم الحسن. قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٤٧: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف بغير كذب، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٧٧٧).
(٢) «معجم ما استعجم» ٤/ ١٣٨٩.
(٣) قلت: هو شيخ العربية أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق -لا أبو إسحاق كما ذكر المصنف رحمه الله- الزجاجي البغدادي النحوي، توفي سنة أربعين وثلاث مائة بطبرية. انظر: «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٤٧٥ (٢٦٨) قال حاجي خليفة في "كشف =



(قابلة) (١) بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام؛ لأنه أول من سكنها عند الغرق وبناها، ونزل أخوه خيبر بن قابلة بخيبر.
واشتقاق المدينة من دان إذا أطاع، أو من مدن بالمكان إذا أقام به، وجمعها: مدن بإسكان الدال وضمها، ومدائن بالهمز وتركه، وهو الفصيح، وبه جاء القرآن. قال ابن سيده: المدينة: الحصين يبنى في أُصْطُمَّةِ الأرض، وعن الفارسي: مدينة، فعيلة، وإذا نسب إلى المدينة فالرجل والثوب مدني، والطير ونحوه مديني (٢).
قال سيبويه: وأما قولهم: مدائني، كأنهم جعلوا هذا البناء اسمًا للبلد.
وفي «الجامع»: قيل: هي مفعلة، أي: تملكت وفي «الصحاح»: إذا
نسبت إلى مدينة المنصور قلت: مديني، وإلى مدائن كسرى، قلت: مدائني (٣). وفي «مختصر العين»: رجل مديني، وحمام مدني.
وقوله: («تَنْفِي النَّاسَ») قال ابن فارس: نفي الشيء ينفيه نفيًا، وانتفي هما (٤). وحكى الهروي عن أبي منصور: نفيت الشيء نفيًا، قال: وهو حرف صحيح غريب في اللغة.

----------
= الظنون«(٢/ ٩٤٧):»الزاهر«في معاني الكلام الذي يستعمله الناس لأبي بكر محمد بن أبي محمد القاسم الأنباري النحوي، المتوفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، وهو مجلد، شرحه واختصره الشيخ الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي المتوفي سنة أربعين وثلاثمائة.
(١) كذا بالأصل، وفي»معجم ما استعجم«(٤/ ١٣٨٩)، و»معجم البلدان«(٥/ ٤٣٠): قانية، ولعله الصواب.
(٢)»المحكم«١٠/ ٧١.
(٣)»الصحاح«٦/ ٢٢٠١.
(٤)»مجمل اللغة" ٤/ ٨٧٧.



ومعنى الحديث: من أراد الله -عز وجل- نقص حظه من الأجر قيضه للخروج منها؛ رغبة عنها.
قال ابن عبد البر: وأراد شرارهم، ألا ترى أنه مثل ذلك وشبهه بما يصنع الكبير في الحديد، والكير إنما ينفي رديء الحديد، وخبثه ولا ينفي جيده. قال: وهذا عندي -والله أعلم- إنما كان في حياته، فحينئذ لم يكن يخرج من المدينة؛ رغبة عن جواره فيها إلا من لا خير فيه، وأما بعد وفاته فقد خرج منها الخيار والفضلاء والأبرار (١). وكذا قال القاضي: الأظهر أنه يختص بزمنه؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه إلا من ثبت إيمانه (٢).
قال النووي: وهذا ليس بظاهر؛ لأن في «صحيح مسلم»: «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكبير خبث الحديد» (٣) وهذا -والله أعلم- زمن الدجال (٤).
والكير هو قار الحديد والصائغ، وليس الجلد الذي تسميه العامة كيرًا، قال أهل العلم باللغة: ومنه حديث أبي أمامة وأبي ريحانة مرفوعًا: «الحمى كير من جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار» (٥).

-------
(١) «التمهيد» ٢٣/ ١٧١.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٠٠.
(٣) مسلم (١٣٨١).
(٤) «شرح صحيح مسلم» ٩/ ١٥٤.
(٥) حديث أبي أمامة رواه أحمد ٥/ ٢٥٢، ٢٦٤، وأحمد بن منيع في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٤/ ٤١٤ (٣٨٥٣)، والروياني في «مسنده» ٢/ ٣١٢ (١٢٦٩)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ٧/ ٣٦٨ - ٣٦٩ (٥٣٥٥ - تحفة)، والطبراني ٨/ ٩٣ (٧٤٦٨)، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ١٦١ (٩٨٤٣)، والخطيب في «تالي التلخيص» ٢/ ٣٦٢ (٢١٨)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٣٥٩، =




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2026, 05:29 PM   #358

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 521 الى صـــ 540
الحلقة (358)






وفي «المحكم»: الكبير: الزق الذي ينفخ فيه الحداد، والجمع: أكيار وكيرة. وأما ثعلب فقال في «فسيره» مقاديم كيران ضخام الأرانب: إن مقاديم الكيران تسوَد من النار، فكسَّر كيرًا على كيران.
قال: وليس ذلك بمعروف في كتب اللغة، إنما الكيران جمع الكور، وهو الرحل. ولعل ثعلبًا إنما قال: مقاديم الأكيار (١).
قلت: قد ذكر ابن دريد وغيره أكيارًا في الجمع. وفي «الجامع» للقزاز: الكبير هو الذي ينفخ فيه؛ ولذلك قال الشاعر: غير مستعار، وإنما يريد الزق. وقال قوم: الكبير: الزق، والكور: هو البناء، وأنكره أكثرهم. وفي الحديث ما يدل على صحة اللغتين. وفي «الصحاح» و«المجمل»: عن أبي عمرو: كير الحداد، هو زق أو جلد غليظ ذو حافات (٢).
وقال ابن التين: إنه الفرن المبني يحمى، فيخرج منه خبث الحديد، وفيه لغتان: كير وكور، ثم ذكر ما نقله القزاز السالف قبل، والصواب أن يكون الكبير المذكور في الحديث الفرن؛ لأنه هو الذي يسبك فيه الحديد، ففيه يخرج الخبث.

-------------
= ٢٣/ ١٧١، والمزي في «التهذيب» ٣٣/ ٤١٤ - ٤١٥، وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٣٠٥ فيه أبو حصين الفلسطيني ولم أر له راويًا غير محمد بن مطرف. وانظر: «الصحيحة» (١٨٨٢) وحديث أبي ريحانة رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٦٣، والطحاوي ٧/ ٣٦٩ (٥٣٥٦ - تحفة)، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ٣٤٥، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ١٦١ - ١٦٢ (٩٨٤٦)، وابن عبد البر ٦/ ٣٦٠.
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في «التخويف من النار» ص ٢٥١: حديث: «الحمى حظ المؤمن من النار». إسناده ضعيف. وانظر «الصحيحة» (١٨٨٢).
(١) «المحكم» ٧/ ٨١.
(٢) «الصحاح» ٢/ ٨١١، «المجمل» ٣/ ٧٧٤.



ومثله الحديث الآخر: «مثل الجليس السوء كمثل صاحب الكبير، إن لم يلحقك شرره لحقك نتنه» (١) قال أبو عبد الله بن أبي صفرة: هذا الحديث حجة لمن فضَّل المدينة على مكة؛ لأنها هي التي أدخلت مكة وسائر القرى في الإسلام، فصارت القرى ومكة في صحائف أهل المدينة، وإليه ذهب مالك وأهل المدينة، وروي عن أحمد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وقد أوضحنا المسألة في باب: فضل مسجد مكة والمدينة، فراجعه.
قال أبو محمد ابن حزم: روى القطع بتفضيل مكة على المدينة عن سيدنا رسول الله - ﷺ - جابر وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عدي -منهم ثلاثة مدنيون- بأسانيد في غاية الصحة (٢)، قال: وهو قول

------------
(١) سيأتي برقم (٢١٠١) كتاب: البيوع، باب: في العطار وبيع المسك، ورواه مسلم (٢٦٢٨) كتاب: البر والصلة، باب: استحباب مجالسة الصالحين. من حديث أبي موسى الأشعري.
(٢) حديث جابر رواه ابن ماجه (١٤٠٦) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي - ﷺ -، وأحمد ٣/ ٣٤٣، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» -عز وجل- «تحفة» ١/ ٤٣٧ (٤٢٣)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٧.
بلفظ: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه». قال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ١٣: إسناده صحيح، رجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١١٥٥).
وحديث أبي هريرة رواه النسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٨٠ (٤٢٥٤)، وأبو يعلى ١٠/ ٣٦٢ (٥٩٥٤) أن رسول الله - ﷺ - قال وهو بسوق في مكة: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله -عز وجل-، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت».
وحديث ابن عمر رواه الطبراني ١٢/ ٣٦١ - ٣٦٢ (١٣٣٤٧) بنحو حديث أبي هريرة. =



جماعة الصحابة وجمهور العلماء (١).
واحتج (٢) مقلدو مالك بأخبار ثابتة، منها قوله: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم» (٣).

-----------
= وحديث ابن الزبير رواه أحمد ٤/ ٥، وعبد بن حميد في: «المنتخب» ١/ ٤٦٥ (٥٢٠)، والفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٨٩ - ٩٠ (١١٨٣)، والبزار كما في «الكشف» (٤٢٥)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» كما في «التحفة» ١/ ٤٣٦ (٤٢١)، وابن حبان ٤/ ٤٩٩ (١٦٢٠)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣، والبيهقي ٥/ ٢٤٦، وابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٤ - ٢٥. بنحو حديث جابر. قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٤ - ٥: رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد
والبزار رجال الصحيح.
والحديث أصله سلف برقم (١١٩٠)، ورواه مسلم (١٣٩٤).
وحديث عبد الله بن عدي، رواه الترمذي (٣٩٢٥) كتاب: المناقب، باب: في فضل مكة، وابن ماجه (٣١٠٨) كتاب: المناسك، باب: فضل مكة، وأحمد ٤/ ٣٠٥، والدارمي ٣/ ١٦٢٣ - ١٦٣٣ (٢٥٥٢) كتاب: السير، باب: إخراج النبي - ﷺ - من مكة، ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٢٤٤ - ٢٤٥، والفاكهي ٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧ (٢٥١٤)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨ (٦٢١ - ٦٢٢)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (٤٢٥٢ - ٤٢٥٣)، وابن حبان ٩/ ٢٢ (٣٧٠٨)، والحاكم ٣/ ٢٨٠، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٢٨٩، والمزي في «التهذيب» ١٥/ ٢٩١ - ٢٩٢. بنحو حديث أبي هريرة.
وهذا الحديث أشار الترمذي إلى صحته، وكذا أبو حاتم وأبو زرعة كما في «العلل» ١/ ٢٨٠ (٨٣٠)، وصححه الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٥٠٩.
(١) «المحلى» ٧/ ٢٩٠.
(٢) من هذا الموضع هو من كلام ابن حزم، وسيطيل المصنف -رحمه الله- النفس في النقل عنه، وأحيانًا يتكلم المصنف في أثناء كلام ابن حزم، ويصدره بقوله: قلت: ثم يستكمل النقل عنه. انظر: «المحلى» ٧/ ٢٧٩ - ٢٨٩.
(٣) سيأتي برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع النبي - ﷺ -، ورواه مسلم (١٣٦٢) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، من حديث جابر.



وهذا لا حجة لهم فيه، إنما فيه الحرمة فقط، وبقوله: «اللهم بارك لنا في تمرنا ومدنا» (١) وبقوله: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» (٢) ولا حجة فيه، إنما فيه الدعاء للمدينة، وليس من باب الفضل في شيء، وبقوله: «المدينة كالكير» (٣) ولا حجة فيه؛ لأن هذا إنما هو في وقت دون وقت، وقوم دون قوم، وخاص دون عام، وبقوله في النسائي: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا المدينة ومكة» (٤) ومعنى وطئه: أَمره وتقويه، لا يمكن غير هذا تفسير لما أسلفناه.
قلت: لكن ظاهر حديث فاطمة بنت قيس في مسلم: «فلا يدع قرية إلا هبطها» (٥) يخالفه، وفي «الأوسط» للطبراني من حديث أبي هريرة وابن عمر مرفوعًا «ينزل الدجال خندق المدينة، فأول من يتبعه النساء والإماء» الحديث (٦).

-------------
(١) يأتي برقم (١٨٨٩) كتاب: فضائل المدينة، باب: كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة، ورواه مسلم (١٣٧٦) كتاب: الحج، باب: الترغيب في سكنى المدينة. من حديث عائشة.
(٢) يأتي برقم (١٨٨٥) كتاب: فضائل المدينة، ورواه مسلم (١٣٦٩) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، من حديث أنس.
(٣) يأتي برقم (١٨٨٣) كتاب: فضائل المدينة، باب: المدينة تنفي الخبث، ورواه مسلم (١٣٨٣) كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها، من حديث جابر.
(٤) يأتي برقم (١٨٨١) كتاب: فضائل المدينة، باب: لا يدخل الدجال المدينة، ورواه مسلم (٢٩٤٣) كتاب: الفتن، باب: قصة الجساسة، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٨٥ (٤٢٧٤) كتاب: الحج، باب: منع الدجال من المدينة. من حديث أنس.
(٥) مسلم (٢٩٤٢) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قصة الجساسة.
(٦) حديث ابن عمر رواه أحمد ٢/ ٦٧، والطبراني في «الكبير» ١٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨ =



وفي حديث النواس بن سمعان في الصحيح: شدة إسراعه (١).
وبقوله: «والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون» (٢) وهذا إنما هو إخبار أنها لهم خير من اليمن والشام والعراق، وهو أيضًا في خاص لا عام.
وبقوله: («تَأْكُلُ القُرى») وهذا إنما هو المدينة تفتح الدنيا، وقد فتحت خرسان وسجستان وفارس وكرمان من البصرة وليس في ذلك دلالة على فضل البصرة على مكة، وبقوله: «إن الإيمان يأرز إلى المدينة كلما تأرز الحية إلى جحرها» (٣) وهذا إنما هو خبر عن وقت دون وقت، وفيه زيادة توضح لو صح ما ذكرناه رواها مسلم: «إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها» (٤) ففيه بيان أن الإيمان يأرز بين المسجدين: مسجد مكة والمدينة، وبقول أنس: كان - ﷺ - إذا قدم من سفر فنظر إلى جدرات المدينة أوضع راحلته من حبها (٥)، وهذا ليس

---------
= (١٣١٩٧)، «الأوسط» ٤/ ٢٤٦ (٤٠٩٩) وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣٤٧: في الصحيح بعضه، رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط»، وفيه ابن إسحاق، وهو مدلس، وقال الألباني في «قصة المسيخ الدجال» ص ٨٨: إسناده حسن لولا عنعنة محمد بن إسحاق.
وحديث أبي هريرة رواه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ٣٣١ - ٣٣٢ (٥٤٦٥)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣٤٩: رجاله رجال الصحيح، غير عقبة بن مكرم الضبي، وهو ثقة.
(١) رواه مسلم (٢٩٣٧) كتاب: الفتن، باب: ذكر الدجال، وفيه أن سرعته كالغيث استدبرته الريح.
(٢) سيأتي قريبًا برقم (١٨٧٥).
(٣) سيأتي قريبًا برقم (١٨٧٦).
(٤) مسلم (١٤٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريبًا.
(٥) سيأتي برقم (١٨٨٦) كتاب: فضائل المدينة.



فيه إلا حبها فقط، وبقوله: «لا يكيد أحد أهل المدينة إلا انماع كما ينماع الملح في الماء» (١) وقال: «لا يريد أحد أهل المدينة بشر إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص» (٢) «ومن أخاف أهل المدينة أخافه الله» (٣) وقال مثل هذا فيمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا، وهذا إنما فيه الوعيد لمن كاد أهلها، ولا يحل كيد مسلم، وبقوله: «لا يثبت على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة» (٤).
وإنما فيه الحث على الثبات على شدتها، وأنه يكون له شفيعًا، وقد صح أنه شفيع لجميع أمته (٥)، وبقوله: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد» (٦) وإنما هذا دعاء لا تفضيل، وبقوله: «لقاب قوس أحدكم

----------
(١) سيأتي قريبًا برقم (١٨٧٧).
(٢) رواه مسلم (١٣٦٣) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، من حديث سعد بن أبي وقاص.
(٣) رواه أحمد ٤/ ٥٥ - ٥٦، وابن أبي عاصم في»الآحاد والمثاني«٤/ ١٧١ (٢١٥٢)، والنسائي في»الكبرى«٢/ ٤٨٣ (٤٢٦٥ - ٤٢٦٦)، وابن قانع في»معجم الصحابة«١/ ٢٩٩، والطبراني ٧/ ١٤٣ - ١٤٤ (٦٦٣١ - ٦٦٣٧)، وأبو نعيم في»الحلية«١/ ٣٧٢ من حديث عطاء بن يسار عن السائب بن خلاد. ورواه ابن حبان ٩/ ٥٥ (٣٧٣٨) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. من حديث محمد بن جابر بن عبد الله، عن أبيه جابر بن عبد الله الأنصاري. والحديث صححه الألباني في»الصحيحة" (٢٣٠٤، ٣٦٧١).
(٤) رواه مسلم (١٣٧٨) كتاب: الحج، باب: الترغيب في سكنى المدينة، من حديث أبي هريرة.
(٥) حديث الشفاعة سيأتي برقم (٦٥٦٥) كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، ورواه مسلم (١٩٣) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة، من حديث أنس.
(٦) سيأتي برقم (١٨٨٩) كتاب: فضائل المدينة، باب (١٢)، ورواه مسلم (١٣٧٦) كتاب: الحج، باب: الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها. من حديث عائشة.



من الجنة خير من الدنيا وما فيها» (١) وقال أيضًا: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي» (٢) وأرادوا أن يبينوا من هذا أن مكة من الدنيا كموضع قاب قوس من تلك الروضة خير من مكة، وليس كما ظنوه، ولو كانت كذلك لكانت مصر والكوفة وهيت (٣) خيرًا من مكة والمدينة؛ لأنه قد صح أنه قال: «سيحان وجيحان والفرات والنيل من أنهار الجنة» (٤) (٥) وهذا ما لا يجوز قوله، وليس هذان الحديثان كما يظنه بعض الأغبياء أن تلك الروضة قطعة مقتطعة من الجنة، وأن هذِه الأنهار تهبط من الجنة، وهذا باطل؛ لأن الله تعالى يقول في الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ الآية [طه: ١١٨].
فهذِه صفة الجنة بلا شك، وليست هذِه صفة الأنهار المذكورة

-------------
(١) سيأتي برقم (٢٧٩٣) كتاب: الجهاد، باب: الغدوة والروحة في سبيل الله، من حديث أبي هريرة.
(٢) سيأتي برقم (١١٩٦) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ورواه مسلم (١٣٩١) كتاب: الحج، باب: ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة، من حديث أبي هريرة.
(٣) بكسر أوله، وبالتاء المعجمة باثنتين من فوقها، مدنية مذكورة في تجديد العراق، وهي على شاطئ الفرات، والهيت: الهوة، وسميت هيت؛ لأنها في هوة. «معجم ما استعجم» (٤/ ١٣٥٧)، وانظر: «معجم البلدان» (٥/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٤) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ في الهامش: روى البخاري من حديث مقاتل عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا: «أنزل الله إلى الأرض خمسة أنهار -بزيادة: دجلة- من عين واحدة من عيون الجنة في أسفل درجة من درجاتها على جناح جبريل، ثم يرفع عنه خروج ما خرج إلى السماء».
(٥) رواه مسلم (٢٨٣٩) كتاب: الجنة، باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة. من حديث أبي هريرة.



ولا تلك الروضة، فصح أن قوله: «من الجنة» إنما هو لفضلها، وأن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة، وأن تلك الأنهار لبركتها أضيفت إلى الجنة كما تقول في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة. وكما قيل في
الضأن: إنها من دواب الجنة.
قلت: قد أخرجه ابن ماجه من طريق ابن عمر، والبزار من طريق جابر: «أحنوا إلى المعز فإنها من دواب الجنة» (١) ومن طريق أم هانئ في «الأوسط» نحوه، وكما قال - ﷺ -: «الجنة تحت ظلال السيوف» (٢) فهذا في أرض الكفر بلا شك، وليس في هذا فضل لها على مكة، ثم لو صح
ما ادعوه لما كان الفضل إلا لتلك الروضة خاصة لا لسائر المدينة (٣)،

------------
(١) رواه ابن ماجه (٢٣٠٦) كتاب: التجارات، باب: اتخاذ الماشية، من حديث ابن عمر مرفوعًا: «الشاة من دواب الجنة»، وقال البوصيري في «الزوائد» ص ٣١٥ (٧٦٦): هذا إسناد فيه زربي بن عبد الله بن يحيى الأزدي، وهو متفق على ضعفه، ورواه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ١٧٤ (١١٠٢) وقال: هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: زربي يروي ما لا أصل له.
وروى نحوه من حديث أبي هريرة مرفوعًا، مالك في «الموطأ» ص ٥٨٠، وأحمد ٢/ ٤٣٦، والبخاري في «الأدب المفرد» (٥٧٢)، والبزار كما في «كشف الأستار» (٤٤٤)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢٩١ (٥٣٤٦)، والبيهقي ٢/ ٤٤٩ - ٤٥٠ كتاب: الصلاة. وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٢٧: رواه البزار وفيه عبد الله بن جعفر بن نجيح وهو ضعيف، وقال أحمد بن عدي: يكتب حديثه ولا يحتج به. والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (١١٢٨).
(٢) سيأتي برقم (٢٨١٨) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجنة تحت بارقة السيوف، ورواه مسلم (١٧٤٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهية تمني لقاء العدو. من حديث عبد الله بن أبي أوفى.
(٣) ورد بهامش الأصل: تنبيه: أفضل الأرض إذ فيها سيد الأولين والآخرين وقد صحح الحاكم من حديث أبي سعيد «إن المرء يدفن في التربة التي خلق منها» والأصل أن تربته أفضل الترب.



وهذا خلاف قولهم، فإن قالوا: ما قرب منها أفضل مما بعد. قلنا: فلزمكم أن تقولوا: الجحفة ووادي القرى وخيبر أفضل من مكة؛ لأنها أقرب من تلك الروضة إلى مكة، وهذا لا يقولونه.
وقد روينا من طريق النسائي من حديث عطاء بن السائب عن ابن جبير، عن ابن عباس يرفعه: «إن الحجر الأسود من الجنة» (١) فهذا بمكة كالذي بالمدينة أنه في كل منهما شيء من الجنة.
واحتجوا أيضًا بقوله: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (٢) وتأولوه أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من مكة بدون «ألف». وقلنا نحن: بل هذا الاستثناء؛ لأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجد المدينة، وكلاهما محتمل.

--------------
(١) «سنن النسائي» ٥/ ٢٢٦ ومن هذا الطريق ورواه أيضًا الترمذي (٨٧٧) كتاب: الحج، باب: بما جاء في فضل الحجر الأسود والركن والمقام، وأحمد ١/ ٣٠٧، ٣٢٩، ٣٧٣، وابن عدي ٣/ ٥٥، والبيهقي في «الشعب» ٣/ ٤٥ (٤٠٣٤)، والخطيب ٧/ ٣٦٢. بلفظ: «نزل الحجر الأسود من الجنة، أشد بياضًا من الثلج فسودته خطايا بني آدم». قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وعنده: اللبن، مكان: الثلج، قال الألباني في «الصحيحة» ٦/ ٢٣٠: هو شاذ عندي لمخالفته للفظ الجماعة.
وصحح الحديث أيضًا ابن خزيمة ٤/ ٢١٩ (٢٧٣٣)، وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٤٦٢: فيه عطاء بن السائب وهو صروم، ولكنه اختلط، وحماد ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط.
قلت: حماد بن سلمة هو راويه هنا عن عطاء. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٦١٨).
(٢) سلف برقم (١١٩٠) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ورواه مسلم (١٣٩٤) كتاب: الحج، باب: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة.



وفيه: تأويل ثالث وهو: «إلا المسجد الحرام» فإن الصلاة فيهما سواء، فلا يجوز المصير إلى أحد هذِه التأويلات دون الآخر إلا بنص آخر.
وبقوله: «لا يدخلها الطاعون» (١) وليس فيه تفضيل عليها؛ لأنه أخبر أن مكة لا يدخلها الدجال أيضًا (٢) -قلت: الكلام في الطاعون، مع أنه ورد بإسناد ضعيف أنها لا يدخلها طاعون أيضًا (٣) - وبقوله: «هي طيبة» (٤) وما لهم خبر صحيح سوى ما ذكر، وكلها لا حجة في شيء منها على ما بينا.
واحتجوا بالخبر الصحيح أن عمر قال لعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال له عبد الله: هي حرم الله وأمنه، وفيها بيته، فقال له عمر: لا أقول في حرم الله ولا بيته شيئًا (٥).

--------------
(١) حديث يأتي برقم (١٨٨٠) كتاب: فضائل المدينة، باب: لا يدخل الدجال المدينة، ورواه مسلم (١٣٧٩) كتاب: الحج، باب: صيانة المدينة من دخول الطاعون والدجال إليها.
(٢) يأتي أيضًا برقم (١٨٨١)، ورواه مسلم (٢٩٤٣) كتاب: الفتن، باب: قصة الجساسة، من حديث أنس.
(٣) رواه أحمد ٢/ ٤٨٣ من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون». قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣٠٩: رجاله ثقات. وأخرجه أيضًا ابن شبة في «تاريخ مكة» كما في «الفتح» ١٠/ ١٩١، وقال: رجاله رجال الصحيح وذكره ابن كثير في كتاب «الفتن والملاحم» ص ٨٩ من طريق أحمد، وقال: هذا غريب جدًّا، وذكر مكة في هذا ليس بمحفوظ.
(٤) قطعة من حديث سيأتي برقم (٤٠٥٠) كتاب: المغازي، باب: غزوة أحد، ورواه مسلم (١٣٨٤) كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها، من حديث زيد بن ثابت.
(٥) رواه مالك ص ٥٥٧، والفاكهي وفي «أخبار مكة» ٢/ ٢٦٢.



وهذا حجة عليهم لا لهم؛ لأن ابن عياش لم ينكر لعمر أنه قال ما قرره عليه بل احتج لقوله ذلك بما لم يعترض فيه، فصح أن ابن عياش -وهو صحابي (١) - كان يقول بأن مكة أفضل من المدينة، وليس في قول عمر تفضيل لإحداهما على الأخرى وإنما فيه تقرير عبد الله على قوله فقط ونحن نوجدهم عن عمر تصريحًا بأن مكة أفضل منها، ثم ساق بإسناده عنه: «صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في مسجد رسول الله» (٢) قال: وهذا سند كالشمس في الصحة، فهذان صاحبان لا يعرف لهما من الصحابة مخالف، ومثل هذا حجة عندهم. وعن ابن المسيب: من نذر أن يعتكف في مسجد إيلياء فاعتكف في مسجد المدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد المدينة فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه (٣) فهذا فقيه أهل المدينة يفضل مكة على المدينة.
قال: واحتجوا بأحاديث موضوعة يجب التنبيه عليها والتحذير منها، منها: أنه رأى رجلًا دفن بالمدينة فقال: «لمن تربتها خلق» وهو خبر موضوع بسبب ابن زبالة، وهو ساقط بالجملة متفق على إطراحه (٤)،

--------------
(١) يكنى أبا الحارث، حفظ عن النبي - ﷺ - وروى عنه، وذكر أنه ولد بأرض الحبشة، واسم جده -أبي ربيعة: عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
انظر تمام ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٧٣٩ (١٧٢١)، «الاستيعاب» ٣/ ٩٠ (١٦٤٦)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٦٠ (٣١١٣)، «الإصابة» ٢/ ٣٥٦ (٤٥٧٦).
(٢) تقدم باستيفاء.
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٥٠ - ٣٥١ (٨٠٢٥)، ٨/ ٤٥٥ (١٥٨٨٩).
(٤) ابن زبالة هو: محمد بن الحسن بن أبي الحسن القرشي المخزومي المدني.
قال ابن معين: والله ما هو بثقة. وقال مرة: كذاب خبيث لم يكن بثقة ولا مأمون يسرق. وقال البخاري: عنده مناكير، وقال أحمد بن صالح المصري: كتبت منه =



ثم هو من طريق أنيس بن يحيى، ولا ندري من أنيس (١) هذا (٢).
----------
= مائة ألف حديث، ثم تبين لي أنه كان يضع الحديث فتركت حديثه، وقال الجوزجاني: لم يقنع الناس بحديثه وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان: واهي الحديث، وزاد أبو حاتم: ذاهب الحديث، ضعيف عنده مناكير، منكر الحديث. وليس بمتروك الحديث.
وقال أبو داود: كذابا المدينة: ابن زبالة ووهب بن وهب. وقال النسائي: متروك الحديث. انظر تمام ترجمته في: «تاريخ الدوري» ٢/ ٥١٠، «تاريخ البخاري» ١/ ٦٧ (١٥٤)، «ضعفاء النسائي» (٥٣٥)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٢٧ (١٢٥٤)، «المجروحين» لابن حبان ٢/ ٢٧٤، «الكامل» لابن عدي ٧/ ٣٧٠ (١٦٥٥)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٠ (٥١٤٨). ولم أعثر على هذا الحديث بإسناد فيه ابن زبالة، بل كل من يترجم له يذكر فيما أنكر عليه الحديث الآتي: فتحت المدائن … والله أعلم.
(١) ورد بهامش الأصل: أنيس بن أبي يحيى (د، ت) ثقة توفي سنة ١٤٢ لان كان ابن (…) من هو.
(٢) هكذا وقع في الأصل، وكذا هو في «لمحلى» ٧/ ٢٨٦: أنيس بن يحيى، والصواب: أنيس بن أبي يحيى، بزيادة أبي.
وأنيس بن أبي يحيى، اسمه: سمعان الأسلمي مولاهم، وقيل مولى خزاعة، أبو يونس المدني، وهو أخو محمد بن أبي يحيى. قال يحيى بن سعيد: لم يكن به بأس، ووثقه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي والنسائي والحاكم. وقال الحافظ في «التقريب»: ثقة. انظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٤٢ (١٦٢٤)، «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٣٤ (١٢٦٧)، «ثقات ابن حبان» ٦/ ٨١، «تهذيب الكمال» ٣/ ٣٨٢ (٥٧١)، «التقريب» (٥٦٨).
أما قول ابن حزم: ولا ندري من أنيس هذا، لا يعني تضعيف أو تجهيل أنيس، فهو موثق كما مر، فمن الجائز أن يكون ابن حزم لا يعرفه.
وأما الحديث من طريق أنيس فرواه البزار كما في «كشف الأستار» (٨٤٢)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٦٦ - ٣٦٧، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ١٧٣ (٩٨٩١) من طريقين عن أنيس بن أبي يحيى عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري أن النبي - ﷺ - مر بالمدينة فرأى جماعة يحفرون قبرًا. فسأل عنه، فقالوا: حيشيٌّ قدم فمات، فقال - ﷺ - «لا إله إلا الله سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها»، قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأنيس ثقة.



وروي أيضًا من طريق أبي خالد -وهو مجهول- عن يحيى البكاء -وهو ضعيف (١) - ثم لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه إنما كان يكون
-------------
(١) رواه من هذا الطريق أبو نعيم في «أخبار أصبهان» ٢/ ٣٠٤، والخطيب في «الموضح» ٢/ ٢١٧ من طريق عمر بن شبة وعقبة بن مكرم البصري كلاهما عن - أبي خلف- عبد الله بن عيسى الخزاز عن يحيى البكاء أن ابن عمر قال: دفن حبشي بالمدينة فقال رسول الله - ﷺ -: «دفن في طينته التي خلق منها». قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٤٢: فيه عبد الله بن عيسى الخزاز، وهو ضعيف.
وله شاهد من حديث أبي الدرداء، رواه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢١٦ (٥١٢٦).
قال الهيثمي ٣/ ٤٢: فيه الأحوص بن حكيم، وثقه العجلي وغيره وضعفه الجمهور. والحديث أورده الألباني في «الصحيحة» (١٨٥٨) من طرقه الثلاثة وقال: الحديث عندي حسن بمجموع طرقه.
تنبيه هام: جاء في الأصل من طريق أبي خالد، وكذا هو في «المحلى» ٧/ ٢٨٦: أبي خالد، ولعله خطأ أو تصحيف وقع في «المحلى»؛ فالحديث مروي -كما مر تخريجه- من طريق عبد الله بن عيسى، عن يحيى البكاء، وعبد الله بن عيسى كنيته أبو خلف، فلعلها تحرفت إلى أبي خالد لتقارب الكلمتين، أو أن ابن حزم أخطأ في نقلها أو كتابتها، وعلى كلا الأمرين فقد نقلها المصنف على الخطأ أو التحريف، فيما أظن، والله أعلم.
أما عبد الله بن عيسى فهو الخزاز، أبو خلف البصري، صاحب الحرير، قال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: مضطرب الحديث، وليس ممن يحتج به. وقال الحافظ في «التقريب»: ضعيف.
انظر تمام ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ١٢٧ (٥٨٥)، «الكامل» لابن عدي ٥/ ٤١١ (١٠٨٦)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤١٦ (٣٤٧٤)، «التقريب» (٣٥٢٤).
وأما البكاء فهو: يحيى بن مسلم، ويقال: ابن سليم، ويقال: ابن سليمان، ويقال: ابن أبي خليد، الأزدي. قال ابن معين: ليس بذاك، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال في موضوع آخر: متروك الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله. انظر تمام ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٧/ ٢٤٥، «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٦٤ (٢٩٣٦)، ٨/ ٢٨١ (٣٠٠٢)، «ضعفاء النسائي» (٦٣٦)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٥٣٣ (٦٩٢٠)، «تاريخ الإسلام» ٨/ ٥٦٤.



الفضل لغيره فقط، وإلا فقد دفن فيها المنافقون ودفن معظم الأنبياء بالشام، ولا يقول مسلم إنها أفضل من مكة.
ومنها: «فتحت المدائن بالسيف والمدينة بالقرآن» من وضع ابن زبالة (١)، ثم لو صح فاليمن والبحرين وصنعاء والجند وغيرها لم يفتحوا (بالسيف، فتحن) (٢) بالقرآن، وليس ذلك بموجب فضلها على
مكة.
قلت: تابعه محمد بن موسى الأنصاري وغيره (٣)، كما بينه ابن

-------------
(١) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١١٨٠)، وأبو يعلى في «معجم شيوخه» (١٧٣)، والعقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٥٨، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٣٧٠ - ٣٧١، والخليلي في «الإرشاد» ١/ ١٦٩ - ١٧٠، والبيهقي في «الشعب» ٢/ ١٤٥ - ١٤٦ (١٤٠٧)، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٥٩٦ (١١٦٧) من طريق محمد بن الحسن بن زبالة عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا به.
ورواه أبو يعلى كما في «المطالب العالية» ٧/ ١٤٤ (١٣١٦) من نفس الطريق، لكنه عن عروة مرسلًا.
قال ابن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: هذا منكر لم يُسمع من حديث مالك ولا هشام، إنما هذا قول مالك، لم يروه عن أحد، وقد رأيت هذا الشيخ -يعني: محمد بن الحسن- كان كذابًا.
وكذا قال الحافظ في «المطالب»: تفرد به محمد بن الحسن وكان ضعيفًا جدًّا، وإنما هذا قول مالك، فجعله محمد بن الحسن مرفوعًا وأبرز له إسنادًا. وقال البيهقي: لم يثبت لضعف رواته، وقال الألباني في «الضعيفة» (١٨٤٧): منكر. وانظر: «الإرشاد» ١/ ١٧٠.
(٢) زيادة من (ج).
(٣) محمد بن موسى هو ابن مسكين، أبو غزية القاضي المدني الفقيه، من شيوخ الزبير ابن بكار. قال البخاري عنده مناكير، وقال ابن حبان: كان يسرق الحديث، ويروي عن الثقات الموضوعات، واتهمه الدارقطني بالوضع. =



عساكر في «مجموع الرغائب».
ومنها: «ما على الأرض بقعة أحب إليَّ من أن يكون قبري فيها منها» وآفته ابن زبالة (١)، ثم لو صح فالشارع كره للمهاجرين وهو سيدهم أن يرجعوا إلى مكة ليحشروا غرباء مطرودين عن وطنهم في ذاته، فلهذا أراد ذلك.
ومنها: «فأسكني في أحب البلاد إليك» وهو موضوع من رواية ابن زبالة ومرسل (٢).

-----------
= انظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ٢٣٨ (٧٥٣)، «ضعفاء العقيلي» ٤/
١٣٨ (١٦٩٩)، «المجروحين» ٢/ ٢٨٩، «تاريخ الإسلام» ١٤/ ٣٧٦ (٣٥٤)، «لسان الميزان» ٥/ ٣٩٨.
ومتابعته رواها ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠ من طريق سليمان بن داود القزاز عن محمد بن موسى عن مالك به.
وتابعهما ذؤيب بن عمامة السهمي، كما في «ميزان الاعتدال» ٢/ ٢٢٣، عن مقدام بن داود الرعيني عن ذؤيب، عن مالك به، بلفظ: «افتتحت أم القرى بالسيف والمدينة بالقرآن».
قال الذهبي: هذا منكر مما تفرد به ذؤيب.
وقال الحافظ في «اللسان» ٢/ ٤٣٦: هذا الحديث معروف بمحمد بن الحسن بن زبالة عن مالك، وهو متروك متهم، وكأن ذؤيبًا إنما سمعه منه فدلسه عن مالك.
(١) رواه الديلمي كما في «الفردوس» ٤/ ٩٥ (١٢٩٨) عن أبي هريرة.
وروى مالك في «الموطأ» ٢/ ٤٦٢ عن يحيى بن سعيد قال: كان رسول الله - ﷺ - جالسًا وقبر يحفر بالمدينة .. الحديث، وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -: «لا مثل للقتل في سبيل الله، ما على الأرض بقعة هي أحب أن يكون قبري بها منها»، ثلاث مرات، يعني: المدينة.
قال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٩٢: هذا الحديث لا أحفظه مسندًا.
وقال الألباني في «إزالة الدهش والولة» ص ٣٨: هذا معضل ضعيف.
(٢) رواه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٣، وعنه البيهقي كما في «سيرة ابن كثير» ٢/ ٢٨٤ من طريق موسى الأنصاري عن سعد بن سعيد المقبري عن أخيه، عن أبي هريرة به. =



ومنها: «المدينة خير من مكة» كذا تصريحا رويناه من طرق، فمنها ابن زبالة صاحب هذِه الفضائح كلها، المنفرد بوضعها (١)، ومنها: محمد بن عبد الرحمن، وهو مجهول لا يدريه به أحد (٢)، ومنها:
عبد الله بن نافع، وهو ضعيف بلا خلاف (٣).

--------
= قال الحاكم: حديث رواته مدنيون من بيت أبي سعيد المقبري.
وقال الحافظ ابن عبد البر في «الاستذكار» ص ١٢٦ حديث موضوع منكر، لا يختلف أهل العلم في نكارته وضعفه، وأنه موضوع وينسبون وضعه إلى محمد بن الحسن بن زبالة، وحملوا عليه فيه وتركوه.
وقال الحافظ ابن كثير في «السيرة» ٢/ ٢٨٤: حديث غريب جدًّا. وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ٢/ ٣٦: حديث موضوع كذب، لم يروه أحد من أهل العلم. وقال الذهبي في «التلخيص» ٣/ ٣: موضوع فقد ثبت أن أحب البلاد إلى الله مكة، وسعد ليس بثقة، وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» (١٧٠): أخو سعد بن سعيد هو: عبد الله وهو ضعيف جدًّا وهذا الحديث من منكراته. اهـ.
وبنحو هذا الحديث روى الحاكم أيضًا ٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨ في حديث طويل بإسناد آخر.
وأورده الألباني بالإسنادين في «الضعيفة» (١٤٤٥) وقال: موضوع.
(١) لم أهتد للحديث من طريق محمد بن الحسن بن زبالة.
(٢) رواه الطبري في «تاريخه» ١/ ١٦٠، والطبراني ٤/ ٢٨٨ (٤٤٥٠)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٤٠١ من طريقه عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن رافع بن خديج به.
قال ابن عدي: هذا عن يحيى بن سعيد بهذا الإسناد، ولم يروه غير ابن الدواد، وعامة ما يرويه غير محفوظ. وقال الذهبي في «الميزان» ٥/ ٦٩: ليس بصحيح، وقد صح في مكة خلافه، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٩٨ - ٣٩٩: فيه محمد بن عبد الرحمن، وهو مجمع على ضعفه، ومحمد بن عبد الرحمن هو ابن الردَّاد، مديني، من ولد ابن أم مكتوم، قال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال أبو زرعة: لين، وقال الأزدي: لا يكتب حديثه.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ١/ ١٦٠ (٤٧٦)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٣١٥ (١٧٠٥)، «الكامل» لابن عدي ٧/ ٤٠٠ (١٦٦٦)، «لسان الميزان» ٥/ ٢٤٩.
(٣) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: وثقه النسائي وغيره، وخرج له مسلم. =



وهذا الخبر رويناه من طريق مسلم بإسناد في غاية الصحة: خطب مروان فذكر مكة وأهلها وحرمتها فناداه رافع بن خديج، فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمها ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمها، وقد حرم رسول - ﷺ - ما بين لابتيها (١)، فبدله أهل الجهل قال: ومما. يدل على فضله، فذكر أمورًا.
منها: عن ابن عمر مرفوعًا في حجة الوداع: «أي بلد تعلمونه أعظم حرمة؟» قالوا: لا إلا بلدنا هذا، الحديث (٢) وعن جابر أيضًا (٣)، فهذان ابن عمر وجابر يشهدان أن رسول الله - ﷺ - قرر الناس على أي بلد أعظم حرمة فأجابوه بأنه مكة، فصدقهم فيه، وهذا إجماع في إجابتهم من جميع الصحابة له أنه بلدهم ذلك، وهم بمكة، وذكر حديث أبي هريرة، وعبد الله بن عدي بن الحمراء قال رسول الله - ﷺ -: «إنك خير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولو تركت فيك ما خرجت منك» (٤) ثم

---------
= قلت: والحديث من طريقه رواه المفضل الجندي في «فضائل المدينة» (١٢) عنه عن محمد بن عبد الرحمن بن الردَّاد به. والحديث أورده الألباني في «الضعيفة» (١٤٤٤) وقال: باطل.
(١) رواه مسلم (١٣٦١).
(٢) سيأتي برقم (٦٧٨٥) كتاب: الحدود، باب: ظهر المؤمن حمى.
(٣) رواه مسلم (١٢١٨) مطولًا.
ورواه أحمد ٣/ ٣١٣، ٣٧١، وابن أبي شيبة ٧/ ٤٥٣ (٧٣١٥٤)، وابن أبي عاصم في «الديات» ص ٢٤ وغيرهم بلفظ: «فأي بلد أعظم حرمة؟».
(٤) حديث أبي هريرة رواه أحمد ٤/ ٣٠٥، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٨٠ (٤٢٥٤)، وأبو يعلى ١٠/ ٣٦٢ (٥٩٥٤)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٢/ ٢٦١، ٣/ ٣٢٨، والبيهقي في «الدلائل» ٢/ ٥١٨ من طرق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
وحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء رواه الترمذي (٣٩٢٥)، وابن ماجه =



قال: وهذا خبر في غاية الصحة، رواه عن رسول - ﷺ - هذان (١).
------------
= (٣١٠٨)، وأحمد ٤/ ٣٠٥، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٣٧٩ - ٤٨٠ (٤٢٥٢ - ٤٢٥٣)، والحاكم ٣/ ٧، ٤٣١، والبيهقي في «الدلائل» ٢/ ٥١٧ - ٥١٨، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٢٨٨، ٢٨٩، وفي «الاستذكار» ٢٦/ ١٥ - ١٦ (٣٨٥٢٨)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٣/ ٣٣٦، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٩٠، ٢٩١، ٢٩٢ من طرق عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عدي.
واختلف في أي الحديثين أصح، قال الترمذي: حديث الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي عندي أصح.
وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: حديث أبي هريرة خطأ، وحديث عبد الله بن عدي هو الصحيح. اهـ. «العلل» ١/ ٢٨٠ بتصرف. وكذا قال البيهقي في «الدلائل» أن الصحيح حديث عبد الله بن عدي. وقال الحافظ في «الإصابة» ٢/ ٣٤٥: المحفوظ حديث عبد الله بن عدي.
وقال الحاكم ٣/ ٧: حديث عبد الله بن عدي: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢٦/ ١٦: هو حديث لا يختلف أهل العلم بالحديث في صحته. وصححه الألباني أيضًا في «الثمر المستطاب» ١/ ٥٥٩.
ولينظر: «علل الدارقطني» ٩/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
(١) انتهى كلام ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٢٧٩ - ٢٨٧ بتصرف من المصنف رحمه الله، وورد بهامش الأصل: آخر ٨ من ٧ من تجزئة المصنف.



٣ - باب المَدِينَةُ طَابَةُ
١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ - رضي الله عنه -: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «هَذِهِ طَابَةُ». [انظر: ١٤٨١ - مسلم: ١٣٩٢ - فتح ٤/ ٨٨]
ذكر فيه حديث أَبِي حُمَيْدٍ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشْرَفْنَا عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ: «هذِه طَابَةُ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا مطولا.
وفي آخره: «هذا أحد جبل يحبنا ونحبه» (١).
وطابة مشتقة من الطيب، ووزن طَيبة: فعلة، وقد يقال لها أيضًا: طيبة، وزنها فِعلة وفَعلة وفِعّلة، يتعاقبان على معنًى واحد، فاشتق لها - عليه السلام - هذا الاسم من الطيب، وكره اسم يثرب، لما فيه من التثريب وقد أوضحنا ذلك في الباب قبله. وقد قال بعض أهل العراق: وأمر المدينة عجيب في ترابها، وهو أنها دليل شاهد وبرهان على قوله: «إنها طيبة، تنفي خبثها وينصع طيبها» (٢)؛ لأن من دخلها وأقام بها يجد من تربتها وحيطانها رائحة طيبة ليس لها اسم في الأرائح، وبذلك السبب طاب طيبها، والمعجونات من الطيب فيها أحد رائحة، وكذلك العود وجميع البخور يتضاعف طيبه في تلك البلدة على كل بلدة استعمل ذلك الطيب بعينه فيها.

------------
(١) مسلم (١٣٩٢).
(٢) حديث يأتي قريبًا برقم (١٨٨٣) بلفظ: «المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها».
ورواه مسلم (١٣٨٣).



٤ - باب لَابَتَيِ المَدِينَةِ
١٨٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ». [انظر: ١٨٦٩ - مسلم: ١٣٧٢ - فتح: ٤/ ٨٩]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ ترتع بِالمَدِينَةِ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ النبي - ﷺ -: «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا كما أسلفناه (١)، وأسلفنا أيضًا تفسير الآية.
و(ذعرتها): نفرتها، فالإذعار والتنفير هو أقل ما ينهى عنه من أمر الصيد، وما فوقه من الأذى للصيد وقتله أكثر من الإذعار، وإنما أخذ أبو هريرة ذلك من قوله في مكة «لا ينفر صيدها» (٢) والتنفير والإذعار واحد. وقال ابن التين: معنى ذعرتها: أخفتها، وهو بمعناه، والذعر: الفزع، وذعر فهو مذعور.

---------------
(١) مسلم (١٣٧٢).
(٢) سيأتي برقم (٢٤٣٤)، ورواه مسلم (١٣٥٥).




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2026, 05:31 PM   #359

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 541 الى صـــ 560
الحلقة (359)







٥ - باب مَنْ رَغِبَ عَنِ المَدِينَةِ
١٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العَوَافِ - يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ - وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا». [مسلم: ١٣٨٩ - فتح: ٤/ ٨٩]

١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ - رضي الله عنه - أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «تُفْتَحُ اليَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ». [مسلم: ١٣٨٨ - فتح: ٤/ ٩٠]
ذكر فيه حديث أَبَي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: «يَتْرُكُونَ المَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا العَوَافِ -يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ- وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ المَدِينَةَ، يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا».
وحديث سفيان بن أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: "تُفْتَحُ اليَمَنُ فَيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ العِرَاقُ، فَيَأتِي قَوْمٌ يُبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالمَدِينَةُ


خير لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ».
الشرح:
الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١)، والكلام عليهما من أوجه: وسفيان هذا فرد (٢) في الصحابة أزدي من أزد شنوءة (٣).
أحدها: العافية والعفاة والعفا: الأضياف وطلاب المعروف، قاله ابن سيده وقيل: هم الذين يعتفونك، أي: يأتونك يطلبون مما عندك (٤). والعافي أيضًا الرائد والوارد؛ لأن ذلك كله طلب.
والعافية: طلاب الرزق من الدواب والطير، وعن الأخفش: واحدها: عافية، والمذكر: عاف. وقال ابن الجوزي: اجتمع في العوافي شيئان: طلبها لأقواتها، وطلبها العفا، وهو المكان الخالي الذي لا أنيس به ولا ملك عليه.
ثانيها: في مسلم: «يتركون المدينة على خير ما كانت» (٥) روي بتاء الخطاب، ومراده غير المخاطبين، لكن نوعهم من أهل المدينة ونسلهم،

------------
(١) مسلم (١٣٨٨ - ١٣٨٩).
(٢) ورد بهامش الأصل: يعني بالفرد سفيان بن أبي زهير، وأما سفيان مجرد ليس بفرد بل في الصحابة جماعة يسمون بسفيان فاعلمه.
(٣) هو سفيان بن أبي زهير الشنوئي، وقال بعضهم: النمري، ويقال: النميري، والأول أكثر، وهو من أزد شنوءة، له صحبة لا يختلفون فيه، وربما كان في أسماء أجداده نمر أو نمير فنسب إليه، يعد في أهل المدينة، له حديثان عن النبي - ﷺ -، أحدهم حديث الباب هذا.
انظر تمام ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ١٩٠ (١٠٠٦)، «أسد الغابة» ٢/ ٤٠٤ (٢١١١)، «تهذيب الكمال» ١١/ ١٤٥ (٢٤٠٣)، «الإصابة» ٢/ ٥٤ (٢٣١٠).
(٤) «المحكم» ٢/ ٢٦٧.
(٥) مسلم (١٣٨٩/ ٤٩٩).



وبياء الغيبة، ذكرهما القرطبي (١).
ومعنى «على خير ما كانت» أي على أحسن حال كانت بعده من الرخاء، وكثرة الثمرة والخيرات، وفي معدن الخلافة وموضعها، ومقصد الناس، ومعقلهم وحين تنافسوا فيها وتوسعوا في خططها، وغرسوا وسكنوا فيها ما لم يسكن قبل، وبنوا وشيدوا، وحملت إليها الخيرات، فلما انتهت حالها انتقلت الخلافة منها إلى الشام فغلبت عليها الأعراب، وتعاورتها الفتن، خاف أهلها فارتحلوا عنها.
وذكر أهل الأخبار أنها خلت من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي كما أخبر الصادق، ثم تراجع الناس إليها، وفي حال خلوها عدت الكلاب على سواري المسجد. وعن مالك: في هذا الحديث: «لتتركن المدينة خير ما كانت، حتى يدخل الكلب أوالذئب فيعدي على بعض سواري المسجد» (٢).
وقال: الظاهر أن هذا الترك يكون في آخر الزمان (٣).
وقال عياض: هذا ما جرى في العصر الأول وانقضى، وهذا من معجزاته (٤).
ثالثها: فيه دلالة كما قال المهلب أنها تسكن إلى يوم القيامة وإن خلت في بعض الأوقات لقصد هذين الراعيين بعنزهما إلى المدينة، وهذا يكون قريب قيام الساعة، وأن آية قيام الساعة عند موت هذين الراعيين أحرى أن يصير غنمهما وحوشًا.

-----------
(١) «المفهم» ٣/ ٥٠١.
(٢) «الموطأ» ص ٥٥٤، ومن طريقه ابن حبان ١٥/ ١٧٦ - ١٧٧ (٦٧٧٣).
(٣) القائل هو القرطبي، انظره وما قبله في «المفهم» ٣/ ٥٠١ - ٥٠٢.
(٤) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٠٧.



وأما قوله: («آخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ») ولم يذكر حشرهما، وإنما ذكر أنهما يخران على وجوههما أمواتًا، فلا شك أنه لا حشر إلا بعد الموت، فهما. آخر من يموت بالمدينة، وآخر من يحشر بعد ذلك كما قال - عليه السلام -. وقال الداودي: يكونان في إثر من يبعث منها، ليس أن بعض الناس يخرج بعد بعض من الأجداث إلا بالشيء المتقارب.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُم جَمِيعٌ لَّدَينَا تُحفَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] وفي «أخبار المدينة» لابن شبة من حديث أبي هريرة قال: «آخر من يحشر رجلان: رجل من مزينة، وآخر من جهينة، فيقولان: أين الناس؟ فيأتيان المدينة، فلا يريان إلا الثعالب، فينزل إليهما ملكان فيسحبانهما على وجوههما حتى يلحقاهما بالناس» (١).
رابعها: «يَنْعِقَانِ» قال صاحب «العين»: نعق بالغنم ينعق نعاقًا ونعيقًا إذا صاح بها (٢). قال الأزهري عن الفراء وغيره: وهو دعاء الراعي الشاء، يقال: انعِق بضأنك أي: ادعها، وقد نعق الراعي بها نعيقًا (٣).
وعن الفراء في قوله تعالى: ﴿كمَثَلِ اَلَّذِى يَنعِقُ﴾ [البقرة: ١٧١] قال: أضاف المثل إلى الذين كفروا، ثم شبههم بالراعي، ولم يقل: كالغنم. والمعنى -والله أعلم- إن مثلهم كمثل البهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من الصوت (٤).
وفي «الموعب»: نعيقًا ونعاقًا: إذا صاح بها الراعي زجرًا، ونعقًا،

-----------
(١) «تاريخ المدينة المنورة» ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) «العين» ١/ ١٧١.
(٣) «تهذيب اللغة» للأزهري ٤/ ٣٦١٣.
(٤) «معاني القرآن» للفراء (١/ ٩٩).



ونعقانًا، وقد نعق ينعق، ونعق الغراب -بالمهملة والمعجمة (١) أيضًا- صاح. وقال الداودي معناه: يطلبان الكلام.
خامسها: «وحوشًا» ولمسلم «وحشًا» (٢) أي: خالية ليس فيها أحد.
وقال الحربي: الوحش من الأرض: الخلاء، والصحيح أن معناه: يجدانها ذات وحوش. وأصل الوحش: كل شيء توحش من الحيوان، وقد يعبر بواحده عن جمعه. وعن ابن المرابط معناه: أن غنمهما تصير وحوشًا، وإما تتقلب ذواتها أو تنفر وتتوحش من (أصواتها)، وأنكره عياض (٣).
سادسها: «يبسون»، بفتح أوله، وبضم الباء الموحدة بعدها، وبكسرها ثلاثية ورباعية، فالحاصل ثلاثة أوجه. وعبارة ابن التين: وقيل في يبسون ثلاث لغات: فتح الباء، وكسر الباء، وضمها من

-----------
(١) ورد بالهامش: قال في «الجمهرة»: نعق الغراب بالعين والغين وهو بالمعجمة أعلى وأفصح. وفي «المحكم» أن الغين في الغراب أحسن من الأول، نعق الغراب ونغق يعني بالمعجمة؛ للرواية، قال: الجوهري: النغاق من .. يقولون نغق … بالغرب ينعق الغراب بالمعجمة، ونعَق الراعي بالمهملة، انتهى. فالمعجمة ابن قتيبة روى غيره عطاء. الطوسي وصاحب كتاب العين أنه قال …
(٢) مسلم (١٣٨٩/ ٤٩٩).
فائدة:
قول المصنف -رحمه الله-: ولمسلم (وحشًا) يفهم منه أنها ليست في البخاري، والطبعة التي بين أيدينا بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، وكذا في «فتح الباري» (١٨٧٤) وقع أيضًا: وحشًا كما في مسلم، وجاء في اليونينية ٣/ ٢١ أنه وقع في رواية كل من أبي ذر الهروي والأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت: وحوشًا، فيحمل كلام المصنف أنه اعتمد على أحد هذِه الروايات الأربع أو بعضها، ويدل لذلك أيضًا -كما هو واضح جلي- أنه قال: خامسها: (وحوشًا)، فذكرها كما هي لديه.
(٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٠٨.



بسست. وقيل: هو رباعي من أبسست، إلا أن الذي يقتضيه الإعراب إذا كان ثلاثيًا أن يكون بفتح الياء وكسر الباء؛ لأنه ثلاثي مضاعف على ما ذكره ابن فارس (١)، ومعناه: يتحملون بأهليهم، أو يدعون الناس إلى بلاد الخصب، أو يسوقون. والبس: سوق الإبل، أقوال.
وقال ابن وهب: يزينون لهم البلاد يحببونها إليهم، ونحوه حديث مسلم «هلم إلى الرخاء» (٢).
وقال الداودي: يزجرون الدواب إلى المدينة فيبسون ما يطئون من الأرض فيفتونه فيصير ترابًا من قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ [الواقعة: ٥] ويفتنون نيات من في المدينة بما يصفون لهم من رغد العيش في غيرها. وقال مالك: البس: السير، قال صاحب: «المطالع» عن أبي مروان بَس بِس بفتح الباء وكسرها، يقال في زجر الإبل: بس بكسر السين، منونًا وغير منون، وبإسكانها. وقال النووي: الصواب والذي عليه المحققون أن معناه: الإخبار عمن خرج من المدينة متحملًا بأهله باسًّا في سيره، مسرعًا إلى الرخاء في الأمصار التي أخبر بفتحها، وهو من أعلام نبوته (٣). وقال الخطابي: البس: السير الرفيق (٤). وفي «الواعي»: وبس: زجر للحمار. وقال أبو عبيد: يقال في الزجر إذا سقت حمارًا أو غيره: بس بس، وهو من كلام أهل اليمن، وفيه لغتان: بسست وأبسست، فيكون على هذا يبسون بفتح الياء وضمها (٥)، كما سلف.

-----------
(١) «المجمل» ١/ ١١٢.
(٢) مسلم (١٣٨١).
(٣) «مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٥٩.
(٤) «غريب الحديث» ١/ ٢٦١.
(٥) «غريب الحديث» ١/ ٤١٨.



وقال الخليل: بس: زجر للبغل والحمار بضم الباء وفتح السين، تقول: بُسَ بُسَ (١).
قال أبو عمرو الشيباني: يقال بس فلان كلابه: أي: أرسلها. وقال: ابن فارس: بسست الإبل إذا زجرتها عند السوق (٢).
سابعها: قوله: («وَالمَدِينَةُ خير لَهُمْ») أي: في الآخرة لمن صبر عليها ابتغاء وجهه تعالى، قاله الداودي، وقال ابن بطال: يعني: لفضل الصلاة في مسجده، ولما في سكنى المدينة، والصبر على لأوائها وشدتها، فهو خير لهم مما يصيبون من الدنيا في غيرها.
والمراد بالحديث: الخارجون عن المدينة رغبة عنها وكرهًا، فهؤلاء المدينة خير لهم، وهم الذين جاء فيهم الحديث أنها تنفي خبثها (٣)، وأما من خرج منها لحاجة أو طلب معيشة أو ضرورة ونيته الرجوع إليها، فليس بداخل في معناه (٤).
ثم فيه برهان جليل بصدق الشارع بإخباره بما يكون قبل وقته، فأنجز الله تعالى لرسوله ما وعد به أمته، فتحت اليمن ثم الشام، ثم العراق، وكمل ذلك كله.
ثامنها: ثنية الوداع موضع قريب من المدينة مما يلي مكة (٥).

----------
(١) «العين» ٧/ ٢٠٤.
(٢) «المجمل» ١/ ١١٢.
(٣) سيأتي قريبًا برقم (١٨٨٣) من حديث جابر، ورواه مسلم (١٣٨٣).
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٤٧ - ٥٤٨.
(٥) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٨٦.



٦ - باب الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ
١٨٧٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا». [مسلم: ١٤٧ - فتح: ٤/ ٩٣]
ذكر فيه حديث عُبَيْد اللهِ، عَنْ خُبَيْب بْنِ عَبْدِ الرحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا».
و(عبيد) الله هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (١). و(خبيب) -بضم الخاء المعجمة- هو خاله (٢) - ابن عبد الرحمن بن خبيب بن يساف بن عِنَتة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم، أخي زيد، وكانا توأمين، ابني الحارث بن الخزرج، توفي خبيب الأعلى في خلافة عثمان، وكان شهد بدرًا وما بعدها (٣)، وتوفي الأدنى في زمن مروان بن محمد بن مروان (٤).
و(يأرز) بمثناة تحت، ثم همزة، ثم راءٍ مكسورة، ثم زاي، هذا هو المشهور، وحكاه ابن قرقول عن أكثر الرواة، قال: وقال أبو الحسين بن

-----------
(١) تقدمت ترجمته في حديث (١٤٨).
(٢) يقصد أنه خال عبيد الله بن حفص، وهو كذلك.
(٣) خبيب الأعلى هو جد خبيب بن عبد الرحمن الراوي، انظر: تمام ترجمته في «معرفة الصحابة» ٢/ ٩٨٨ (٨٥٢)، ٢/ ٢٥ (٦٥١)، «أسد الغابة» ٢/ ١١٨ (١٤١٣)، «الإصابة» ١/ ٤١٨ (٢٢١٩).
(٤) خبيب الأدنى هو ابن عبد الرحمن الراوي، انظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٠٩ (٧١٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٣٨٧ (١٧٧٥)، «تهذيب الكمال» ٨/ ٢٢٧ (١٦٧٨)، «تاريخ الإسلام» ٨/ ٨٧.



سراج: ليأرز. بضم الراء. وعن القابسي (١): فتحها.
ونقل ابن التين عن الشيخ أبي عمران أنه قال: الذي جرى على ألسنتهم -يعني: المحدثين- فتح الراء، والصواب كسرها، ومعناه فيما ذكره ابن سيده: ثبتت في مكانها ولاذت بجحرها ورجعت إليه (٢).
وقال أبو عبيد: عن الأصمعي: يأرز: ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض (٣).
وقال أبو الأسود الديلي: إن فلانا إذا سئل أرز، وإذا دعي اهتز. قال أبو عبيد: يعني إذا سئل المعروف تضامَّ، وإذا دعي إلى طعام أو غيره مما يناله اهتز لذلك (٤). وقال الداودي معناه: يرجع ويجتمع ويأتي، وكان هذا في زمن رسول الله - ﷺ - ومن يليه، و(الجحر): الكوة، والمراد بالمدينة هنا أهلها، قاله أبو مصعب الزبيري، وفيه تنبيه على صحة مذهبهم وسلامتهم من البدع، وأن عملهم حجة، كما رأى مالك.
وقال المهلب: فيه أن المدينة لا يأتيها إلا مؤمن، وإنما يسوقه إليها إيمانه ومحبته في رسول الله - ﷺ -، فكأن الإيمان يرجع إليها كما خرج منها أولًا ومنها انتشر كانتشار الحية من جحرها، ثم إذا راعها شيء رجعت إلى جحرها، فكذلك الإيمان دخلته الدواخل لم يقصد المدينة إلا مؤمن كامل الإيمان (٥).

-----------
(١) في هامش الأصل: حكاه عن المروزي.
(٢) «المحكم» ٩/ ٦٥ - ٦٦.
(٣) «غريب الحديث» ١/ ٣٢.
(٤) السابق ١/ ٣٢.
(٥) «شرج ابن بطال» ٤/ ٥٤٨.



٧ - باب إِثْمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ المَدِينَةِ
١٨٧٧ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَخْبَرَنَا الفَضْلُ، عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ [هِيَ بِنْتُ سَعْدٍ] قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ، كَمَا يَنْمَاعُ المِلْحُ فِي المَاءِ». [مسلم: ١٣٨٧ - فتح: ٤/ ٩٤]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَكِيدُ أَهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ، كَمَا يَنْمَاعُ المِلْحُ فِي المَاءِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بزيادة أبي هريرة (١).
ومعنى «انماع» ذاب، يقال منه: قد امَّاع العسل في الماء فهو مماع امَّاعًا، وهو عسل مائع، وقد ماع يميع ميعًا ميوعًا، وتميع الشراب إذا ذهب وجاء، فهو يتميع تميعًا.
ومعنى «لا يكيد» لا يدخلها بمكيدة ولا بمكر يطلب فيها غرتهم، ويفترس عورتهم.

----------
(١) مسلم (١٣٨٧).
وورد بهامش الأصل: أي مع سعد، وليس في مسلم: «انماع كما ينماع» وإنما فيه: «أذابه الله كلما يذاب» وليس فيه: «لا يكيد» وإنما فيه: «من أراد أهل المدينة بسوء».



٨ - باب آطَامِ المَدِينَةِ
١٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ سَمِعْتُ أُسَامَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ القَطْرِ».
تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٢٤٦٧، ٣٥٩٧، ٧٠٦٠ - مسلم: ٢٨٨٥ - فتح: ٤/ ٩٤]
ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عن الزهري، عن عُرْوَةُ عن أسَامَةَ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أُطُمِ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ فَقَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرى؟ إِنِّي لأَرى مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتكُمْ كَمَوَاقِعِ القَطْرِ».
تَابَعَهُ مَعْمَرٌ وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الزهْرِيِّ.
الشرح:
متابعة معمر رواها البخاري في: الفتن عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق، عن معمر به (١)، ومتابعة سليمان رواها مسلم (٢) عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن سليمان عنه (٣)، وسليمان هو ابن كثير

-------------
(١) حديث سيأتي برقم (٧٠٦٠)، باب: قول النبي - ﷺ -: ويل للعرب من شر قد اقترب.
(٢) ورد بالهامش حاشية: لم يروها مسلم، إنما روى مسلم حديث معمر عن الزهري، لا حديث سليمان والله أعلم.
(٣) هذِه المتابعة لم يروها مسلم كما ذكر المصنف -رحمه الله- وتبعه على ما ذكر، العيني في «عمدة القاري» ٨/ ٤٣٢ وفيه نظر، فالذي في مسلم (٢٨٨٥/ ٩): حدثنا عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري بهذا الإسناد نحوه، فليس في الإسناد سليمان بالمرة.
ويدل لذلك ما ذكره الحافظ في «التغليق» ٣/ ١٣٤ - ١٣٥ أن المتابعة هذِه رواها البخاري بإسناده في كتاب «بر الوالدين، من تأليفه خارج»الصحيح": ثنا محمد بن =



العبدي البصري (١)، كان أكبر من أخيه محمد بخمسين سنة (٢)، كذا بخط الدمياطي الحافظ على أصله.
و(الآطام) بالمد والقصر: القصور، نقله ابن التين عن أبي عبد الملك، وقال ابن فارس: الأطم: الحصن، وجمعه: آطام (٣).
زاد الخطابي: المبني بالحجارة (٤). وقيل: هو كل بيت مربع مسطح، حكاه ابن سيده (٥).
والجمع القليل من كل ذلك: آطام، والكثير: أطوم. وعن ابن الأعرابي: الأطوم: القصور. وقال الداودي: المنازل. وقال الجوهري: الواحدة: أطمة، مثل أكمة (٦).
وخلال: معناه: بين، ومثلت الفتن التي بعده فرآها عيانًا، فأنذر بها قبل وقوعها، فالرؤية هنا العلم، وهذِه إحدى علامات نبوته وهي الإخبار

------------
= كثير؛ ثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد أن النبي - ﷺ - قال: «هل ترون ما أرى، أرى الفتن خلال بيوتكم». ثم ساقه بإسناده إلى البخاري بهذا الإسناد. وقال في «الفتح» ٤/ ٩٥: أما متابعة سليمان بن كثير فوصلها المؤلف في «بر الوالدين» له خارج الصحيح.
(١) أبو داود، ويقال أبو محمد البصري، عن يحيى بن معين: ضعيف وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس، إلا في الزهري فإنه يخطئ عليه.
انظر تمام ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٣٣ (١٨٧٣)، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٣٨ (٦٠٣)، «المجروحين» لابن حبان ١/ ٣٣٤، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٦ (٢٥٥٧)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٢٩٤ (٩١).
(٢) هو محمد بن كثير العبدي، أبو عبد الله البصري، تقدمت ترجمته في حديث (٩٠).
(٣) «مجمل اللغة» ١/ ٩٨.
(٤) «غريب الحديث» ١/ ١٠٥.
(٥) «المحكم» ٩/ ١٧١.
(٦) «الصحاح» ٥/ ١٨٦٢.



بالمغيبات، فكانت الفتن بعده كالقطر كما أخبر، وخبره الصادق المصدوق، وشبهها بمواقع القطر لكثرتها وعمومها كقتل عثمان (١)، ويوم الحرة (٢) (٣).
--------
(١) من ذلك ما سيأتي برقم (٣٦٧٤) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا»، ورواه مسلم (٢٤٠٣) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عثمان بن عفان. من حديث أبي موسى الأشعري، وفيه: أن عثمان استأذن على رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: «ائذن له وبشره بالجنة ..».
ومن ذلك أيضًا ما سيأتي برقم (٣٦٧٥) من حديث أنس أن النبي - ﷺ - صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، وغير ذلك من الأحاديث، انظر: «المنتخب من دلائل النبوة» لأبي نعيم ٢/ ٥٥١ - ٥٥٢، «دلائل النبوة» للبيهقي ٦/ ٣٨٨ - ٣٩٢.
(٢) انظر: «البداية والنهاية» ٨/ ٦١٦ - ٦٢٣، «تاريخ الإسلام» ٥/ ٢٣ - ٣٢.
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثاني بعد الأربعين، كتبه مؤلفه.



٩ - باب لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ
١٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ». [٧١٢٥، ٧١٢٦ - فتح: ٤/ ٩٥]

١٨٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ المُجْمِرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. «عَلَى أَنْقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ». [٥٧٣١، ٧١٣٣ - مسلم: ١٣٧٩ - فتح: ٤/ ٩٥]

١٨٨١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إِلَّا مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، لَيْسَ لَهُ مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ المَلَائِكَةُ صَافِّينَ، يَحْرُسُونَهَا، ثُمَّ تَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيُخْرِجُ اللهُ كُلَّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ». [٧١٢٤، ٧١٣٤، ٧٤٧٣ - مسلم: ٢٩٤٣ - فتح: ٤/ ٩٥]

١٨٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَنْ قَالَ: «يَأْتِى الدَّجَّالُ -وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ- بَعْضَ السِّبَاخِ التِي بِالمَدِينَةِ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، هُوَ خَيْرُ النَّاسِ -أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ- فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ، الذِي حَدَّثَنَا عَنْكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَدِيثَهُ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي اليَوْمَ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَقْتُلُهُ فَلَا أُسَلَّطُ عَلَيْهِ». [٧١٣٢ - مسلم: ٢٩٣٨ - فتح: ٤/ ٩٥]


ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها:
حديث إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ -وهو ابن إبراهيم-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ -وهو نفيع بن الحارث- عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:- «لَا يَدْخُلُ المَدِينَةَ رُعْبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ».
وحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «على أنقاب المدنية ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال».
وحديث أبي سعيد: حدثنا رسول الله - ﷺ - حديثًا طويلًا عن الدجال، فكان مما حدثنا به أن قال: «يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، ينزل بعض السباخ التي بالمدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس -أو من خير الناس- فيقول: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله - ﷺ - حديثه، فيقول الدجال: أرأيت إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟ فيقولان: لا. فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت قط أشد بصيرة من اليوم، فيقول الدجال: أقتله، فلا يسلط عليه».
وحديث أبي عمرو -هو الأوزاعي- عبد الرحمن بن عمرو، ثنا إسحاق، حدثني أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - قال: «ليس من بلدٍ إلا سيطؤه الدَّجَّال، إلا مكةَ والمدينة، ليس من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجفُ المدينةُ بأهلِها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كلُّ كافرٍ ومنافقٍ».


الشرح:
حديث أبي بكرة من أفراده، وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أخرجه مسلم (١).
وحديث أبَي سَعِيدٍ أيضًا. وسيأتي مطولًا في ذكر بني إسرائيل (٢).
وحديث أَنَسٍ أخرجه مسلم في الفتن، والنسائي في الحج (٣).
وأنقاب ونقاب: جمع نقب، قال ابن وهب: يعني مداخلها. وقال غيره: هي أبوابها وفوّهات طرقها التي يدخل منها إليها.
قال الخطابي: هي طريق في رأس الجبل (٤). وقال الداودي: هي الطرق التي يسهلها الناس، ومنه: ﴿فَنَقَّبُواْ فِي اَلبلَادِ﴾ [ق: ٣٦] وضبط ابن فارس أنه بالسكون يقتضي ألا يكون جمعه أنقابًا (٥) كما رواه أبو هريرة (٦)، وإنما يجمع على نقاب كما رواه أبو سعيد (٧).
وقال أبو المعالي في «المنتهى»: النقب: الطريق في الجبل، وكذلك النقب والمنقب والمنقبة عن يعقوب.
وقال ابن سيده: النقب والنقب في أي شيء كان نقبه ينقبه نقبًا (٨).
وعن القزاز: ويقال أيضًا: نقب، بكسر النون. وقال الأخفش: أنقابها: طرقها، الواحد: نقب وهو من الآية السالفة أي: جعلوا فيها طرقًا ومسالك، وقال غيره: ونقاب أيضًا جمع نقب (٩)، ككلب وكلاب،

-----------
(١) مسلم (١٣٨٠).
(٢) يأتي برقم (٧١٣٢) كتاب: الفتن، باب: لا يدخل الدجال المدينة.
(٣) مسلم (٢٩٤٣)، النسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٨٥ (٤٢٧٤).
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٣٢.
(٥) «مجمل اللغة» ٤/ ٨٨٠.
(٦) سيأتي برقم (١٨٨٠).
(٧) حديث (١٨٨٢).
(٨) «المحكم» ١/ ٢٧٧.
(٩) ورد بهامش الأصل: في «القاموس» النقب، النقَب جمعه أنقاب ونقاب.



وتجمع فَعْل اسمًا على فعال وفعول قياسًا مطردًا.
وفي هذِه الأحاديث برهان ظهر لنا صحته وعلمنا أن ذلك من بركة دعائه للمدينة، وقد أراد عمر والصحابة أن يرجعوا إلى المدينة حين وقع الوباء بالشام (١)، ثقة منهم بقوله - عليه السلام - الذي أمنهم من دخول الطاعون بلدهم (٢)، وكذلك نوقن أن الدجال لا يستطيع دخولها البتة، وهذا فضل عظيم لها. وقد أخبر الله أنه يوكل الملائكة بحفظ من شاء من عباده من الآفات والعدو والفتن، فقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ [الرعد: ١١] يعني بأمر الله لهم بحفظه، ومازالت الملائكة تنفع المؤمنين بالنصر لهم والدعاء والاستغفار لذنوبهم، وسيأتي معنى حديث الدجال وفتنته في موضعه، وهو كتاب: الفتن، إن شاء الله (٣). وفي حديث أنس أن الدجال لا يدخل مكة أيضًا (٤)، وهو فضل كبير أيضًا لها وللمدينة على سائر الأرض.
وقوله: «لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال» لا يعارضه حديث أنس «ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات» والرجف رعب، وإنما الرجفة تكون من أهل المدينة على من فيها من المنافقين والكافرين، فيخرجونهم من المدينة بإخافتهم إياهم تغليظًا عليهم وعلى الدجال، فيخرج المنافقون إلى الدجال فرارًا من أهل المدينة ومن قوتهم (عليه) (٥).

-----------
(١) سيأتي هذا الحديث (٥٧٢٩) كتاب: الطب، باب: ما يذكر في الطاعون، من حديث ابن عباس، ورواه مسلم (٢٢١٩) كتاب: السلام، باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها.
(٢) حديث (١٨٨٠)، ورواه مسلم (١٣٧٩).
(٣) انظر شرح الحديث الآتي برقم (٧١٣٢).
(٤) حديث الباب (١٨٨١).
(٥) هذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال» (٤/ ٥٥١): (عليهم) وهو أصح وأصوب.



والرعب: الخوف، يقال: رعبته فهو مرعوب، ولا يقال: أرعبته.
قال ابن التين: وضبط المسيح هنا بكسر الميم وتشديد السين، سمي بذلك لأنه يمسح الأرض -أي يقطعها- أو لأنه ممسوح العين اليمنى، وسلف الاختلاف في عيسى - ﷺ - لم سمي مسيحًا؟
والدجال مشتق من الدجل، وهو التمويه أو التغطية. وقال ابن دريد: لأنه يغطي الأرض بالجمع الكثير (١). والطاعون: الوباء.
قال الداودي: والدجالون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبيٌّ (٢) إلا الأعور فإنه يزعم أنه إله. وهو في مسلم بدون الاستثناء (٣)، والذي أعطي من قتله للرجل وإحيائه، فقد أتبع ذلك بأنه يريد قتله فلا يطيقه، فيكون ذلك سبب هلاكه، وينزل ابن مريم - ﷺ - حكمًا عدلًا فيقتله.
ومعنى رجف المدينة: اضطرابها، ويكون بها زلزلة وأمر يرعب عنه كل منافق، ويثبت الله المؤمنين.
واحتج القاضي في «معونته» بهذا الحديث على فضل المدينة على البقاع التي لم تحرس من ذلك (٤)، وحديث أنس يرده، فإن فيه أن مكة أيضًا محروسة من الدجال.

------------
(١) «جمهرة اللغة» ١/ ٤٥٠.
(٢) سيأتي حديث بنحو هذا الكلام برقم (٣٦٠٩) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.
(٣) مسلم (١٥٧) بعد حديث (٢٨٨٨) كتاب: الفتن، باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما.
(٤) «المعونة» ٢/ ٦٠٦.



١٠ - باب المَدِينَةُ تَنْفِي الخَبَثَ
١٨٨٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَايَعَهُ عَلَى الإِسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الغَدِ مَحْمُومًا، فَقَالَ: أَقِلْنِي، فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: «المَدِينَةُ كَالكِيرِ، تَنْفِى خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا». [٧٢٠٩، ٧٢١١، ٧٢١٦، ٧٣٢٢ - مسلم: ١٣٨٣ - فتح: ٤/ ٩٦]

١٨٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ. فَنَزَلَتْ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينِ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ». [٤٠٥٠، ٤٥٨٩ - مسلم: ١٣٨٤ - فتح: ٤/ ٩٦]
ذكر فيه حديث جَابِرٍ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَبَايَعَهُ عَلَى الِإسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الغَدِ مَحْمُومًا، فَقَالَ: أَقِلْنِي بيعتي. فَأَبَى ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: «المَدِينَةُ كَالكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا، وَينْصَعُ طَيِّبُهَا».
وحديث زيدِ بْنِ ثَابِتِ قال: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ إِلَى أحُدٍ رَجَعَ ناسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَقْتُلُهُمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقْتُلُهُمْ. فَنَزَلَتْ ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّهَا تَنْفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الحَدِيدِ».
الشرح:
حديث جابر وزيد أخرجهما مسلم أيضًا (١).

-------------
(١) حديث جابر رواه برقم (١٣٨٣)، وحديث زيد رواه برقم (١٣٨٤).


وفي رواية للبخاري في المغازي: «تنفي الذنوب» (١)، وفي رواية: «وأنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الحديد» (٢) وكان هذا الأعرابي من المهاجرين كما قاله بعض العلماء (٣)، فأراد أن يستقيل النبي - ﷺ - في الهجرة فقط، ولم يرد أن يستقيله في الإسلام، فأبى - ﷺ - من ذلك في الهجرة؛ لأنها عون على الإثم، وكان ارتدادهم عن الهجرة من أكبر الكبائر، ولذلك دعا لهم - ﷺ - فقال: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولاتردهم على أعقابهم» (٤) ويحتمل كما قال القاضي أن بيعته كانت بعد الفتح وسقوط الهجرة إليه، وإنما بايع على الإسلام وطلب الإقالة ولم يقله (٥).
وفيه من الفقه:
أن من عقد على نفسه أو على غيره عقدًا لله فلا ينبغي له حله؛ لأن في حله خروجًا عما عقد، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] والدليل على أنه لم يطلب الارتداد عن الإسلام أنه لم يرد حل ما عقده إلا بموافقة الشارع على ذلك، ولو كان

------------
(١) سيأتي برقم (٤٠٥٠) باب: غزوة أحد.
(٢) سيأتي برقم (٤٥٨٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨].
(٣) قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٩٧: لم أقف على اسمه، إلا أن الزمخشري ذكر في «ربيع الأبرار» أنه قيس بن أبي حازم، وهو مشكل؛ لأنه تابعي كبير مشهور صرحوا بأنه هاجر فوجد النبي - ﷺ - قد مات، فإن كان محفوظًا فلعله آخر وافق اسمه واسم أبيه، وفي «الذيل» لأبي موسى: في الصحابة قيس بن أبي حازم المنقري، فيحتمل أن يكون هو هذا أهـ. وقال هذا الكلام بنصه العيني في «عمدة القاري» ٨/ ٤٣٦.
(٤) سلف برقم (١٢٩٥)، ورواه مسلم (١٦٢٨).
(٥) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٠٠.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-03-2026, 05:33 PM   #360

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 561 الى صـــ 580
الحلقة (360)




خروجه عن المدينة خروجًا عن الإسلام لقتله حين خرج، وإنما خرج عاصيًا، ورأوا أنه معذور لما نزل به من الوباء، ولعله لم يعلم بفرضية الهجرة، وكان من الذين قال الله فيهم: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧] فقال فيه: «إن المدينة كالكير».
ولا يرد أن المنافقين قد سكنوها وماتوا فيها ولم تنفعهم؛ لأنها كانت دارهم، ولم يسكنوها اغتباطًا بالإسلام ولا حبًّا لها، وإنما كان لأجل معاشهم، ولم يرد بضرب المثل إلا من عقد على الإسلام راغبًا فيه ثم خبث قلبه، ولم يصح أن أحدًا ممن لم تكن له المدينة دارًا فارتد عن الإسلام ثم اختار السكنى فيها، بل كلهم فر إلى الكفر راجعًا، فبمثل أولئك ضرب المثل، وكان المنافقون الساكنون بالمدينة قد ميزهم الله حتى كأنهم بارزون عنها لما وسمهم به من قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩] ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة: ٦١] وبقوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] وكانوا معروفين، وأبقاهم لئلا يقول الناس: إن محمدًا يقتل أصحابه (١)، أو ينفيهم، والنفي كالقتل، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] منكرًا عليهم اختلافهم في قتلهم، فعرفهم الله تعالى أنه أركسهم

-----------
(١) انظر ما سيأتي برقم (٣٥١٨) كتاب: المناقب، باب: ما ينهى من دعوة الجاهلية، ورواه مسلم (٢٥٨٤/ ٦٣) كتاب: البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، من حديث جابر قال: غزونا مع النبي - ﷺ - .. الحديث، وفيه: وقال عبد الله بن أُبي ابن سلول: قد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟ لعبد الله، فقال النبي - ﷺ -: «لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه».


بنفاقهم، فلا يكون لهم صنع ولا جمع، ولا يسمع لهم قول مع أنه قد حسم أنهم لا يجاورونه فيها إلا قليلًا، فنفتهم المدينة بعد؛ لخوفهم القتل، قال تعالى: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦١] فلم يأمنوا فخرجوا، فصح إخباره أنها تنفي خبثها لكن ليس ذلك ضربة واحدة بل شيئًا فشيئًا، حتى يخلص أهلها الطيبين الناصعين وقت الحاجة إليهم في العلم؛ لأنهم في حياته مستغنى عنهم به، فلما احتيج إليهم بعده في العلم خلصتهم بركة المدينة، فنفت خبثها.
وقوله: («كالكير») تمثيل منه وتنظير، ففيه جواز القياس بين الشيئين إذا اشتبها في المعنى، فشبَّه المدينة في نفيها من خبثها من خبث قلبه بالكير الذي ينفي خبث الحديد حتى يصفو.
وقوله: («وينصع طيبها») هو مثل ضربه للمؤمن المخلص الساكن فيها الصابر على لأوائها وشدتها مع فراق أهله والمال والتزام المخافة من العدو، فلما باع نفسه من الله والتزم هذا الأمر بان صدقه ونصع إيمانه، وقوي اغتباطه بسكنى المدينة، وبقربه من رسول الله - ﷺ -، كما ينصع ريح الطيب فيها ويزيد عبقًا على سائر البلاد، خصوصية خص الله بها بلد رسوله التي اختار تربتها لمباشرة جسده الطيب الطهور.
وقد جاء في الحديث أن المؤمن يقبر في التربة التي خلق منها (١)،

-------------
(١) تقدم تخريجه في حديث (١٨٧١) من حديث أبي سعيد الخدري وابن عمر. وانظر: «الصحيحة» (١٨٥٨). ونضيف هنا أنه روي أيضًا عن ابن مسعود وعبد الله بن سوار وابن عباس موقوفًا.
حديث ابن مسعود رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ٢/ ٣١٣، ١٣/ ٤٠ - ٤١،
والديلمي كما في «الفردوس» ٤/ ٢٨ - ٢٩ (٦٠٨٨)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ١٩٣ (٣١٠) مرفوعًا بلفظ: "ما من مولود يولد إلا وفي سرته من تربته =



وكانت بها تربة المدينة أفضل الترب كما هو أفضل البشر؛ فلهذا -والله أعلم- يتضاعف ريح الطيب فيها على سائر البلاد.
وقوله: («طيبها») هو بضم الباء، وهو الصحيح، وروي فتحها (١).
قال ابن التين: والصواب الأول؛ لأن الطيب هو الذي ينصع -أي: يخلص ويصفو- ومنه: أبيض ناصع. وينصع -بالنون- قال القزاز: لم أجد له في الطيب وجهًا، وإنما الكلام يتضوع طيبها أي: يفوح، قال: ويروى: ينضخ، بضاد وخاء معجمتين، قال: ويروى بحاء مهملة، وهو أقل من النضخ. قلت: الرواية «طيبها» بتشديد المثناة تحت، ونصع الشيء: خلص، وخشب ناصع: خالص، وحق ناصع: واضح، والناصع من الجيش: القوم الذين لا يخالطهم غيرهم، فنصع الطيب من هذا، وقال أبو موسى: ويقال أيضًا أنصع: أظهر ما في نفسه وبرز لونه. وضبطه الزمخشري في «فائقه»: بمثناة تحت مضمومة، ثم باء موحدة، ثم ضاد معجمة (٢). فرشقه الصغاني فقال:

---------
= التي ولد منها، فإذا رد إلى أرذل العمر رد إلى تربته التي خلق منها حتى يدفن فيها، وأنا وأبو بكر وعمر خلقنا من تربة واحدة وفيها ندفن«.
وأما حديث عبد الله بن سوار فرواه أحمد في»فضائل الصحابة«١/ ٤٤٤ - ٤٤٢ (٥٢٨): أن النبي - ﷺ - مر بقبر يحفر، فقال: قبر من هذا؟ قالوا: قبر فلان الحبشي، قال: يا سبحان الله سيق من أرضه وسمائه إلى التربة التي خلق منها، ....
وأما حديث ابن عباس فرواه عبد الرزاق في»المصنف«٣/ ٥١٥ - ٥١٦ (٦٥٣١)، والعقيلي في»الضعفاء الكبير«٣/ ١٨٠ عن ابن عباس قال: يدفن كل إنسان في التربة التي خلق منها. هكذا موقوفًا. والأحاديث الثلاثة هذِه لا تخلو أسانيدها من مقال، لكن الحديث صح عن أبي سعيد وابن عمر، انظر:»الصحيحة«(١٨٥٨).
وورد بهامش الأصل هنا: هو في»المستدرك«.
(١) عند الحموي والمستملي وأبي ذر الهروي. انظر اليونينية ٣/ ٢٢.
(٢)»الفائق" ٣/ ٢٩٠.



خالف الزمخشري في ذلك جميع الرواة.
وفي «مجمع الغرائب»: «ينصع طيبها» أي يصفها ويخلطها.
والنصوع لازم، فإن صحت أن الرواية ينصع من الثلاثي فهو غريب، وإلا فالوجه أن يقال: ينصع. يقال: أنصع الرجل: إذا أظهر ما في نفسه، أو يقال: ينصع طيبها بالرفع على أنه فاعل، وهو لازم. وقال
ابن التين: «ينصع طيبها» أي: يخلص ويصفو.
ومما استدل على تفضيل المدينة بهذا الحديث، وقد سلف.
والخبث: الكفر والنفاق.
وقوله: (ورجع ناس من أصحابه) هو عبد الله بن أبي، أي: رجع بثلث العسكر، ثلاثمائة رجل.


- باب (١)
١٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ». تَابَعهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ. [مسلم: ١٣٦٩ - فتح: ٤/ ٩٧]

١٨٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا. [انظر: ١٨٠٢ - فتح: ٤/ ٩٨]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ». تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ يُونُسَ.
وحديثه أيضا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا.
وهذا سلف في باب: من أسرع ناقته إذا قدم المدينة (٢) (٣). والأول أخرجه مسلم أيضًا (٤).
وقوله: (تابعه عثمان بن عمر) يعني: تابع جريرًا الراوي عن يونس الأول.

-----------
(١) ورد بهامش الأصل: ليس في نسختي هذا الباب، وإنما فيها الأحاديث من غير فصل بباب.
(٢) سلف برقم (١٨٠٢).
(٣) ورد بهامش الأصل: في هذِه الطريق النص باستماع حميد من أنس بخلاف الأولى.
(٤) مسلم (١٣٦٩).



وقال الإسماعيلي: حدثنا أبو يعلى عن أبي خيثمة وقاسم بن أبي شيبة قالا: ثنا وهب بن جرير، ثم قال: وقال القاسم بن أبي شيبة عن أبيه، عن يونس الأيلي، فذكره وأبو شيبة ليس من شروط هذا الكتاب، وكذلك ابنه، قال: وقال الحسن: عن أنس أن رسول - ﷺ - قال، فذكره (١)، وقال: يعني المدينة واستدل به من يفضل المدينة؛ لأن تضعيف الدعاء (٢) إنما هو لفضلها، وقد سلف، وكذا حبه إياها وتعجيل سيره إذا نظر إليها، من أجل أن قرب الدار يجدد الشوق إلى الأحبة والأهل، ويولد الحنين إلى الوطن، ولنا به الأسوة الحسنة.
وقال مالك لهارون: استوص بأهل المدينة خيرًا فإنهم أفضل من على الأرض، فقال: بم؟ فقال: لأنه ليس على وجه الأرض قبر نبي يعرف إلا القبر الذي بهذِه البلدة.

-------------
(١) للحافظ تعقب على هذا الموضوع، انظره في «الفتح» ٤/ ٩٨ - ٩٩ فهو هام.
(٢) ورد بالهامش: صوابه: تضعيف المدعو به.



١١ - باب كَرَاهِيَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ تُعْرَى المَدِينَةُ
١٨٨٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تُعْرَى المَدِينَةُ، وَقَالَ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ. أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!». فَأَقَامُوا. [انظر: ٦٥٥ - فتح: ٤/ ٩٩]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تُعْرى المَدِينَةُ، وَقَالَ: «يَا بَنِي سَلِمَةَ. أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكُمْ؟!». فَأَقَامُوا.
وقد سلف في الصلاة (١).
وإنما أراد أن لا تعرى المدينة وأن تعمر؛ ليعظم المسلمون في أعين المنافقين والمشركين إرهابًا وغلظًا عليهم.
وقوله: «ألا تحتسبون آثاركم» يعني في الخُطى إلى المسجد، ولذلك قال أبو هريرة: إن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا، قيل: لم يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطى (٢)، وهذا لا يكون إلا توقيفا.
وقد ترجم له في الصلاة باب: احتساب الآثار (٣).

-----------
(١) برقم (٦٥٥).
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ٤٦، وقال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» ١٦/ ٢٠١: هكذا هذا الحديث موقوف في الموطأ لم يتجاوز به أبا هريرة ولم يختلف على مالك في ذلك.
(٣) سلف برقم (٦٥٥ - ٦٥٦) كتاب: الأذان.



«وبنو سلمة» -بكسر اللام- بطن من الأنصار ليس في العرب سلمة غيرهم، ذكره ابن فارس (١) (٢).
قال الداودي: وفيه دليل أنهم كانوا ممن سكن المدينة، وكان لهم آثار خطاهم، وهم إحدى الطائفتين اللتين قال تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢].

-----------
(١) «مقاييس اللغة» ص ٤٦٦.
(٢) ورد بهامش الأصل: وكذا ابن دريد في «الجمهرة».



١٢ - باب (١)
١٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي». [انظر: ١١٩٦ - مسلم: ١٣٩١ - فتح: ٤/ ٩٩]

١٨٨٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ … وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَ: اللَّهُمَّ العَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الوَبَاءِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ». قَالَتْ: وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ، وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللهِ. قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِى نَجْلًا. تَعْنِي: مَاءً آجِنًا. [٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧، ٦٣٧٢ - مسلم: ١٣٧٦ - فتح: ٤/ ٩٩]

١٨٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ - ﷺ -.

-------
(١) ورد بهامش الأصل: وكذلك هذا الباب ليس هو في نسختي، إنما فيها حديث أبي هريرة تلو حديث أنس.


وَقَالَ ابْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ زيدِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَفْصَةَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رضي الله عنه. [فتح: ٤/ ١٠٠]
ذكر حديث خُبَيْب -بالخاء المعجمة- بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: «ما بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي». وهذا سلف في باب: فضل ما بين القبر والمنبر (١).
وحديث عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - المَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الحُمَّى يَقُولُ:
كُلُّ اَمْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ … وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ ويَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً … بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ … وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَة وَطَفِيلُ
قَالَ: اللَّهُمَّ العَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأمَيةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا إِلَى أَرْضِ الوَبَاءِ، ثُمَّ قَالَ النبي - ﷺ -: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحْفَةِ». قَالَتْ: وَقَدِمْنَا المَدِينَةَ وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ الله. قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا. تَعْنِي: مَاءً آجِنًا.

----------
(١) سلف برقم (١١٩٦).


وذكر فيه عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ - ﷺ -.
وَقَالَ ابن زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ القَاسِمٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ نحْوَهُ وقال هشام، عن زيد، عن أبيه، عن حفص سمعت عمر.
الشرح:
حديث أبي هريرة سلف (١).
وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وفي رواية: فدخلت عليهما فقلت: يا أبه كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ ذكره في المرضى، وفيه: قالت عائشة: فجئت رسول الله - ﷺ - فأخبرته فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة» وقال: «في صاعها وفي مدها» (٣)، وفي «موطأ معن بن عيسى» (٤): عرض علي مالك، عن يحيى بن سعيد قالت عائشة: وكان عامر بن فهيرة يقول:

----------
(١) برقم (١١٩٦).
(٢) مسلم (١٣٧٦).
(٣) سيأتي برقم (٥٦٥٤) كتاب: المرضى، باب: عيادة النساء الرجال.
(٤) هو ابن يحيى بن دينار، الإمام الحافظ المثبت، أبو يحيى المدني القزاز، حدث عن أبي ذئب ومالك، وحدث عنه أحمد -فيما قيل- وابن المديني وابن معين، قال معن: وكل شيء من الحديث في «الموطأ» سمعته من مالك إلا ما استثنيت أني عرضته عليه، وكل شيء من غير الحديث عرضته على مالك إلا ما استثنيت أني سألته عنه، وقال أبو إسحاق في «الطبقات»: كان معن يتوسد عتبة مالك، فلا يلفظ مالك بشيء إلا كتبه وكان ربيبه، وهو الذي قرأ «الموطأ» للرشيد وبنيه على مالك. انظر تمام ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٣٧، «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٣٣٦ (٦١١٥)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٣٠٤ (٩١)، «شذرات الذهب» ١/ ٣٥٥.



لقد رأيت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه
كالثور يحمي جلده بروقه (١)
وهذا لعمرو اللخمي أخي عمرو بن عبد الملك ذكره المرزباني، وفيه رد لقول أبي عمر: لم يذكره مالك عن يحيى بن سعيد، قال أبو عمر: ورواه ابن عيينة وإسحاق، عن هشام، عن أبيه عنها، فجعل الداخل على أبي بكر وبلال وعامر رسول الله - ﷺ - لا عائشة. وفيه: فقال: «اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة، وأنا عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة، اللهم بارك لنا في مدينتنا» الحديث، وفيه: «وانقل وباءها إلى خُمّ والجحفة» (٢).
وفي لفظ ابن إسحاق: «وانقل وباءها إلى مهيعة» (٣).
قلت: والذي في «سيرة ابن إسحاق» عن هشام كما في البخاري أولًا.
قال: وفي رواية ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «رأيت في المنام امرأة سوداء ثائرة الشعر

----------
(١)»الموطأ«ص ٥٥٦ (١٨٥٩)، وليس فيه قوله: كالثور يحمي جلده بروقه.
وبنحوه رواه أحمد ٦/ ٦٥، ٦/ ٢٢١ - ٢٢٢، ٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠، والنسائي في»الكبرى«٤/ ٣٦١ (٧٥١٩)، وابن حبان ١٢/ ٤١٣ - ٤١٤ (٥٦٠٠)، وابن عبد البر في»التمهيد«٢٢/ ١٩٢، والمزي في»تهذيب الكمال«٣٣/ ٨٣ - ٨٤.
(٢) رواه الحميدي في»مسنده«١/ ٢٦٨ - ٢٦٩ (٢٢٥) عن سفيان بن عيينة، هكذا، وفيه قوله: كالثور يحمي جلده بروقه، ورواه من طريق الحميدي أيضًا، ابن عبد البر في»التمهيد«٢٢/ ١٩٢.
(٣) رواه ابن إسحاق بهذا اللفظ كما في»سيرة ابن هشام«٢/ ٢٢٠ - ٢٢١، وانظر»التمهيد" ٢٢/ ١٩١ - ١٩٣.



تفلة أخرجت من المدينة فأسكنت مهيعة، فأولتها وباء المدينة ينقله الله إلى مهيعة» (١) وذكر ابن الكلبي أن العماليق أخرجوا بني (عبيل) (٢)، وهم إخوة عاد من يثرب، فنزلوا الجحفة، وكان اسمها مهيعة، فجاءهم سيل فأجحفهم، فسميت الجحفة.
وتعليق ابن زريع وصله أبو نعيم فقال: حدثنا أبو علي الصواف، ثنا إبراهيم بن هشام (٣)، ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، ثنا روح بلفظ: سمعت عمر وهو يقول: اللهم قتلًا في سبيلك ووفاة في بلد نبيك، قال: قلت: وأنى يكون لك هذا؟ قال: يأتي به الله جل وعلا إذا شاء. وقال الإسماعيلي: أخبرنا إبراهيم بن هاشم، ثنا أمية بن بسطام، نا يزيد بن زريع، ثنا روح بن القاسم به (٤).

-----------
(١) «التمهيد» ٢٢/ ١٩٣. وهذا الحديث بهذا الإسناد رواه أحمد ٢/ ١٣٧، والدارمي ٢/ ١٣٧٩ - ١٣٨٠ (٢٢٠٧) كلاهما عن سليمان بن داود الهاشمي، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، به.
والحديث سيأتي برقم (٧٠٣٨ - ٧٠٤٠) كتاب: التعبير، من طريق سليمان بن بلال وفضيل بن سليمان كلاهما عن موسى بن عقبة، به.
(٢) في الأصل: عبير، والمثبت من «فتح الباري».
(٣) كذا بالأصل، ولعل صوابه: هاشم؛ وذلك لأن طريق الإسماعيلي الذي أورده المصنف -رحمه الله- بعد جاء فيه: هاشم وكذلك -كما سيأتي- كل من وصل التعليق كالطبراني وأبي نعيم والحافظ، قال: هاشم، وأضيف أيضًا أني وجدت في ترجمة أبي علي الصواف -شيخ أبي نعيم في السند الذي ساقه المصنف- من «السير» ١٦/ ١٨٤ - ١٨٥ فيمن سمع منه: إبراهيم بن هاشم البغوي ولم أجد له شيخًا أو أحدًا سمع منه. يسمى: إبراهيم بن هشام. وكذلك في ترجمة إبراهيم بن هاشم البغوي من «تاريخ الإسلام» ٢٢/ ١٠٣ أنه سمع أمية بن بسطام. والله أعلم.
(٤) قلت: وصله الطبراني في «الأوسط» ٣/ ١٥٥، ١٥٩ (٢٧٩٥): حدثنا: إبراهيم بن هاشم، بإسناد إلاسماعيلي سواء وباللفظ الذي ذكره المصنف، وعنه أبو نعيم الأصبهاني في «الحلية» ١/ ٥٣ - ٥٤ ومن طريقهما وصله الحافظ في «التغليق» ٣/ ١٣٦.



وتعليق هشام وصله ابن سعد في «طبقاته»: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن حفصة، فذكره كما ذكره أبو نعيم قبل (١)، قال: وأخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبد الله بن عمرو، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، عن أبيه قال: رأى عوف بن مالك زمن أبي بكر رؤيا، فيها: وأن عمر شهيد مستشهد فقال عمر في خلافته لما قصها عليه ثانيًا: أنى لي بالشهادة وأنا بين ظهراني جزيرة العرب؛ لست أغزو والناس حولي، ثم قال: ويلي ويلي يأتي بها الله إن شاء الله -عز وجل- (٢).
إذا تقرر ذلك فالكلام على ذلك من أوجه:
أحدها:
قوله - ﷺ -: («روضة من رياض الجنة») قد أسلفنا أنه يحتمل أن يكون حقيقة، وأن يكون مجازًا، وجه الأول: أن يكون الموضع الذي بين المنبر والقبر يوم القيامة في الجنة روضة، يؤيده قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] فدلت أن الجنة تكون في الأرض يوم القيامة.
ووجه الثاني: أن يكون معناه أن من صلى فيما بين القبر والمنبر فقد استوجب روضة في الجنة يجازى بها يوم القيامة على قصده وصلاته في

-------
(١) «الطبقات الكبرى» ٣/ ٣٣١ ووصله الحافظ في «التغليق» ٣/ ١٣٦ بإسناده إلى ابن سعد.
(٢) «طبقات ابن سعد» ٣/ ٣٣١.



هذا الموضع كما قال - ﷺ -: «ارتعوا في رياض الجنة» يعني: حلق الذكر والعلم (١)، لما كانت مؤدية إلى الجنة، ويكون معناه التحريض على
------------
(١) روي من حديث أبي هريرة وابن عمر وأنس وجابر بن عبد الله وابن عباس.
أما حديث أبي هريرة فرواه الترمذي (٣٥٠٩) من طريق حميد المكي عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» قلت: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: «المساجد ..» الحديث.
والحديث أورده الألباني في «الضعيفة» (١١٥٠، ٢٧١٠) وقال: ضعيف.
وأما حديث ابن عمر فرواه أبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٥٤، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» ١/ ٩٣ (٣٨) بلفظ: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا»، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر».
قال أبو نعيم: غريب من حديث مالك، لم نكتبه إلا من حديث محمد بن
عبد الله بن عامر. والحديث أورده النووي في «الأذكار» (٤) عن ابن عمر بريادة: «فإن لله تعالى سيارات من الملائكة يطلبون حلق الذكر فإذا أتوا عليهم حفوا بهم».
قال الحافظ في «نتائج الأفكار» ١/ ٢١: لم أجده من حديث ابن عمر ولا بعضه لا في الكتب المشهورة ولا الأجزاء المنثورة! وانظر: «الضعيفة» ٣/ ٢٩١.
وأما حديث أنس فرواه الترمذي (٣٥١٠)، وأحمد ٣/ ١٥٠، وأبو يعلى ٦/ ١٥٥ (٣٤٣٢)، وابن حبان في «المجروحين» ٢/ ٢٥٢، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٣١١ - ٣١٢، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٣٩٨ (٥٢٩)، والحافظ في «نتائج الأفكار» ١/ ٢٣ من طريق محمد بن ثابت البناني عن أبيه، عن أنس مرفوعًا: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» قالوا: وما رياض الجنة، قال: «حلق الذكر».
قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ثابت عن أنس، وقال في «العلل الكبير» ٢/ ٧٩٧: سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرف شيئًا، وقال: لمحمد بن ثابت عجائب.
وقال الحافظ في «النتائج»: حديث غريب.
وتابع محمد بن ثابت زائدة بن أبي الرقاد عن زياد النميري، رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٣٠٦٣)، والطبراني في «الدعاء» ٣/ ١٦٤٣ - ١٦٤٤ (١٨٩٠)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٦٨، والخطيب في «الفقيه» (٣٩)، والحافظ في «النتائج» ١/ ٢٤ وقال: غريب من هذا الوجه، وهي متابعة جيدة. =



زيارة قبره - ﷺ - (١)، والصلاة في مسجده، وكذلك يدل قوله: «صلاة في
---------
= وحديث أنس هذا ضعفه الألباني من طريقيه في»الضعيفة«٣/ ٢٩٠ - ٢٩١.
وأما حديث جابر فرواه عبد بن حميد في»المنتخب«٣/ ٥٤ (١١٠٥)، والبزار كما في»الكشف«(٣٠٦٤)، وأبو يعلى ٣/ ٣٩٠ (١٨٦٥)، ٤/ ١٠٦ (٢١٣٨)، وابن حبان في»المجروحين«٢/ ٨١، والطبراني في»الدعاء«٣/ ١٦٤٤ (١٨٩١)، والحاكم في»المستدرك«١/ ٤٩٤ - ٤٩٥، والبيهقي في»الشعب«١/ ٣٩٧ - ٣٩٨ (٥٢٨)، وفي»الدعوات الكبير«(٦)، والحافظ في»النتائج«١/ ٢٢ من طريق عمر بن عبد الله، عن أيوب بن خالد بن صفوان عن جابر قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال:»إن لله -عز وجل- سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض، فارتعوا في رياض الجنة .. «الحديث.
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال الحافظ ١/ ٢٣: هذا حديث غريب، صححه الحاكم فوهم؛ فإن مداره على عمر بن عبد الله، وهو ضعيف. وقال الهيثمي في»المجمع«١٠/ ٧٧: فيه عمر بن عبد الله، وقد وثقه غير واحد، وضعفه جماعة وبقية رجالهم رجال الصحيح.
وضعفه الألباني في»الضعيفة«(٦٢٠٥). وأورد حديث أنس وابن عمر وأبي هريرة وجابر وصححه بمجموع طرقه في»الصحيحة«(٢٥٦٢)، فلينظر، ففي ذيل التخريج فائدة هامة.
وأما حديث ابن عباس فرواه الطبراني ١١/ ٩٥ (١١١٥٨) بلفظ:»إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا«، قيل: يا رسول الله وما رياض الجنة؟ قال:»مجالس العلم«. قال الهيثمي في»المجمع«١/ ١٢٦: فيه رجل لم يسم.
وفي الباب أيضًا عن ابن عمرو وابن مسعود، رواه عنهما الخطيب في»الفقيه«(٤١ - ٤٢) لكن إسنادهما ضعيف. والله أعلم.
(١) قلت: هذِه مجازفة وكلام فيه نظر؛ فسئل شيخ الإسلام ومفتي الأنام والعالم العامل الزاهد الورع ناصر السنة وقامع البدعة، تقي الدين أبو العباس ابن تيمية: هل صح عن النبي - ﷺ - أنه قال:»من زار قبري وجبت له شفاعتي" أم لا؟ وهل صح في فضل زيارة قبر النبي - ﷺ - شيء من الأحاديث أم لا؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، الزيارة تنقسم إلى قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية. =



مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه» (١) على الحض والندب على قصده والصلاة فيه والزيارة له، وقد بسطنا القول في ذلك في فضل ما بين القبر والمنبر فراجعه منه (٢).
الثاني:
قول عمر: (اللهم اجعل موتي في بلد رسولك)، احتج به من فضل
المدينة، وقالوا: لو علم عمر بلدة أفضل من المدينة لدعا ربه أن يجعل

-------------
= فالزيارة الشرعية، السلام على الميت والدعاء له.
وأما الزيارة البدعية: فمن جنس زيارة اليهود والنصارى وأهل البدع الذين يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وقد استفاض عن النبي - ﷺ - في الكتب الصحاح وغيرها أنه قال عند موته: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر ما فعلوا، قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدًا. فالزيارة البدعية مثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده أو الدعاء عنده أو به، أو طلب الحوائج منه، ونحو ذلك هو من البدع التي لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان أهـ «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٣٣ - ٣٣٥). بتصرف.
وقال في موضع آخر (٢٤/ ٣٥٦ - ٣٥٩): الحديث المذكور في زيارة قبر النبي - ﷺ - فهو ضعيف. وليس في زيارة قبر النبي - ﷺ - حديث حسن ولا صحيح، بل عامة ما يروى في ذلك أحاديث مكذوبة موضوعة. ثم قال: كره مالك أن يقول الرجل: زرت قبر النبي - ﷺ - ومالك قد أدرك الناس من التابعين، وهم اعلم الناس بهذِه المسألة، فدل على أنه لم تكن تعرف عندهم ألفاظ زيارة قبر النبي - ﷺ -. وقال: فلا يمكن أحدًا أن يروي بإسناد ثابت عن النبي - ﷺ -، ولا عن أصحابه شيئا في زيارة قبر النبي - ﷺ -، بل الثابت عنه في الصحيحين يناقض المعنى الفاسد الذي ترويه الجهال: بهذا اللفظ، كقوله - ﷺ -: «لا تتخدوا قبري عيدا». اهـ بتصرف.
وقال في موضع آخر (٢٧/ ١٦): كل حديث يروى في زيارة قبر النبي - ﷺ - فإنه ضعيف بل موضوع.
(١) سلف برقم (١١٩٠)، ورواه مسلم (١٣٩٤).
(٢) راجع حديثي (١١٩٥ - ١١٩٦) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب: فضل ما بين القبر والمنبر.



موته وقبره فيها، وكان مما استدل به على فضلها أن الله تعالى لما اختارها لنبيه علم أنه لم يختر له إلا أفضل البقاع.
وقد جاء أن ابن آدم إنما يدفن في التربة التي خلق منها، وقد سلف ذلك (١).
الثالث:
حديث عائشة ووعك أبي بكر وبلال وإنشادهما في ذلك، فإن الله تعالى لما ابتلى نبيه بالهجرة وفراق الوطن ابتلى أصحابه بما يكرهون من الأمراض التي تؤلمهم، فتكلم كل إنسان حسب علمه ويقينه بعواقب الأمور فتعزى الصديق عند أخذ الحمى له بما ينزل به من الموت في صباحه ومسائه، ورأى أن ذلك شامل للخلق، فلذلك قال:
كل امرئ مصبح في أهله
يعني: تصبحه الآفات وتمسيه وأما بلال فإنه تمنى الرجوع إلى مكة وطنه الذي اعتاده ودامت فيه صحته، فبان فضل الصديق وعلمه بسرعة فناء الدنيا حتى مثل الموت بشراك نعله، فلما رأى - عليه السلام - وما نزل بأصحابه من الحمى والوباء خشي منهم كراهية البلد؛ لما في النفوس من استثقال ما تكرهه، فدعا ربه تعالى في رفع الوباء عنهم، وأن يحبب إليهم المدينة كحبهم مكة أو أشد، فدل ذلك أن أسباب التحبيب والتكرمة بيد الله تعالى وهبة منه يهبها لمن يشاء، وفي هذا حجة واضحة على من كذب بالقدر إذ الذي ملك النفوس فيحبب إليها ما أحب ويكره إليها

-----------
(١) تقدم تخريجه باستفاضة في حديث (١٨٧١) عن أبي سعيد الخدري وابن عمر، وعنهما صححه الألباني في «الصحيحة» (١٨٥٨) وتقدم تكملة تخريجه عن ابن مسعود وعبد الله سوار وابن عباس موقوفًا، في حديث (١٨٨٣) ولكنها طرق ضعيفة.


ما أكره هو الرب ﷻ، فأجاب الله دعوة نبيه، فأحبوها حبا دام في نفوسهم حتى ماتوا عليه، وفيه رد على الصوفية إذ قالوا: إن الولي لا تتم ولايته إلا إذا تم له الرضى بجميع ما نزل به، ولا يدعو الله في كشف ذلك عنه، فإن دعا فليس في الولاية كاملًا. وقد أزروا في قولهم هذا بنبيه وأصحابه، وقد كان - ﷺ - إذا نزل به شيء يكثر عليه الرقى والدعاء في كشفه (١).
وفيه: أن الله تعالى أباح للمؤمن أن يسأل ربه صحة جسمه، وذهاب الآفات عنه إذا نزلت به، كسؤاله إياه في الرزق والنصر، وليس في دعاء المؤمن ورغبته في ذلك إلى الله لوم ولا قدح في دينه، وكان من دعائه - ﷺ - كثيرًا «وقوتي في سبيلك» (٢).

------------
(١) من ذلك ما سلف برقم (٢٤٠)، ورواه مسلم (١٧٩٤) عن عبد الله بن مسعود، في قصة وضع كفار قريش سلى الجزور على ظهره الشريف - ﷺ -، الحديث، وفيه: فرفع - ﷺ - رأسه ثم قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بأبي جهل، وعليك بعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة ..» الحديث.
ومن ذلك أيضًا ما روا مسلم (١٧٦٣) عن عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر، نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين .. الحديث، وفيه: فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذا العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»، فما زال يهتف بربه، مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبه .. الحديث.
ومن ذلك أيضًا ما سلف برقم (١٠٠٣) عن أنس قال: قنت النبي - ﷺ - شهرًا يدعو على رعل وذكوان، ومن ذلك أيضا ما سلف برقم (٩٣٣)، وغير ذلك مما لا ينفسح المجال لذكره، فهي مسألة تستحق أن تفرد بالبحث أو التأليف.
(٢) روى مالك في «الموطأ» ص ١٤٩ عن يحيى بن سعيد أنه بلغه أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو فيقول: «اللهم فالق الإصباح وجاعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا، اقض عني الدين وأغنني من الفقر، وأمتعني بسمعي، وبصري، وقوتي في سبيلك».
ورواه ابن أبي شيبة ٦/ ٢٥ (٢٩١٨٤) عن أبي خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، =



قال القاضي في «معونته»: لا يجوز أن يسأل الشارع ربه أن يحبب إليه الأدون دون الأعلى (١)، ودعاؤه بالبركة في الصالح والمد عبر به عن الطعام الذي يكال بهما (٢).
وقوله: («وانقل حماها إلى الجحفة»)؛ لأنها كانت يومئذ دار شرك، وكان - ﷺ - كثيرًا ما يدعو على من لم يجبه إلى الإسلام، إذا خاف منه معونة أهل الكفر، ويسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه، وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئس منهم فقال: «اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف» (٣) ودعا على أهل الجحفة بالحمى، ليشغلهم بها فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمى، وإنه ليتقى شرب الماء من عينها التي يقال لها: عين خُمّ، فقل من شرب منه إلا حمّ، وهو متغير الطعم. وقال الخطابي: كان أهل الجحفة إذ ذاك يهودًا (٤). وقيل: إنه لم يبق أحدٌ من أهلها حينئذ إلا أخذته الحمى.

------------
= عن مسلم بن يسار: كان من دعاء النبي - ﷺ -، به سواء.
قال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٥٠: لم تختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث ولا في متنه. وروى الطبراني (٢٠) (٣٣٢) عن معاذ بن جبل، في حديث طويل أمره فيه النبي - ﷺ - أن يدعو بدعوات، في آخرها: «اللهم أغنني من الفقر واقض عني الدين، وتوفني في عبادك وجهاد في سبيلك»، قال الهيثمي: ١٠/ ١٨٦: في إسناده من لم أعرفه.
وروى الديلمي كما في «الفردوس» ١/ ٤٨٧ (١٩٨٩) عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، بلفظ حديث «الموطأ»، وفي آخره: «وقوني على الجهاد في سبيلك». قال الزبيدي في «إتحاف السادة المتقين» ٥/ ١١١: قال العراقي: سنده ضعيف.
(١) «المعونة» ٢/ ٦٠٦.
(٢) وهو قوله - ﷺ - في حديث الباب: «اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا وصححها لنا».
(٣) سلف برقم (١٠٠٧)، ورواه مسلم (٢٧٩٨) من حديث ابن مسعود.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٣٨.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* انخرط في مشروع
* هل تحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حقًا؟
* الحسن بن علي بن أبي طالب
* صفة البصر
* أفضل الكلام وأحبه إلى الله
* تدبر آية: “فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ”
* تدبر: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون)

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 16 ( الأعضاء 0 والزوار 16)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009