![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#31 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (29) الشيخ خالد بن علي الجريش الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فمرحبًا بكم أيها الأفاضل في برنامجكم خاتم النبيِّين، وقد ذكرنا أيها الكِرام في الحلقة السابقة شيئًا من السرايا والبعوث التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم لأقوام وقبائل من العرب دعوةً لهم وأيضًا غزوًا لهؤلاء ونحو ذلك، وذيَّلْناها أيضًا بالدروس والعِبَر المستفادة منها، وفي حلقتنا هذه نتعرَّض لأحداث صُلْح الحديبية وما فيه من أحداث ووقائع ودروس وأحكام، والحديبية هي اسم لبئر تقع على بُعْدِ اثنين وعشرين كيلومترًا من الشمال الغربي لمكة، وتُعرَف اليوم بالشميسي، ففي شهر ذي القعدة من العام السادس الهجري أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه أنه يريد العمرة، وأنه رأى في منامه أنه دخل البيت هو وأصحابه رضي الله عنهم محلقين رؤوسهم ومقصرين، فما أنْ سَمِع الصحابة رضي الله عنهم بذلك حتى أسرعوا وتهيَّأوا للخروج معه، وفرحوا بذلك أشدَّ الفرح، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استنفر معه العرب من البوادي ممن أسلموا ليخرجوا معه خشيةَ أن تتعرَّض له قريش ويصدُّونه عن البيت الحرام، فنفر بعضهم وتأخَّر كثيرٌ منهم، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [الفتح: 11]، وهم قد تخلَّفُوا عن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى العمرة في عام الحديبية، وقد ظنُّوا أنه سيُهزَم، فاعتذروا بالأموال والأولاد عن الصُّحْبة، والقرآن في هذا العرض يعالج أمراض النفوس والقلوب، ويُعالِج الضعف والانحراف، ثم يُوضِّح القِيَم والحقائق الواقعة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة متوجِّهًا إلى مكة في يوم الاثنين من شهر ذي القعدة من العام السادس للهجرة، ومعه من أزواجه أُمُّ سلمة رضي الله عنها، وخرج معه من أصحابه ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، ومَنْ لحِقَ به أيضًا من الأعراب، ولم يكن معه سلاح إلَّا سلاح المسافر وهي السيوف، وساق معه الهَدْي وعددُها سبعون بدنةً، ومع هذا الهَدْي جَمَل لأبي جهل جاء به ليغيظ به المشركين، وبعث الهَدْي مع ناجية بن جندب الأسلمي، فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذي الحليفة صلَّى الظهر، ثم دعا بالهَدْي فقلَّده وأشعرَه- أي: جعل عليه شعارًا ليكون علامةً على أنه هدي- وأحرم بالعمرة ولبَّى، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامه بشر بن سفيان عينًا له إلى قريش ليأتيه بخَبَرهم، وأكمل النبي صلى الله عليه وسلم طريقه ومساره إلى مكة حتى إذا كان قريبًا من عسفان أتاه الذي أرسلَه لينظر في خبر قريشٍ وهو عينه، فقال له: إنَّ قريشًا قد جمعوا لك جموعًا من الأحابيش وغيرهم، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن المسجد الحرام، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في ذلك وقال: ((أشيروا أيها الناس عليَّ))، فقال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد قَتْلَ أحَدٍ ولا حَرْبَ أحدٍ، فتوجَّه له، فمَنْ صدَّنا عنه قاتلناه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((امضوا على اسم الله))؛ أخرجه البخاري، فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى عسفان اقترب إليه خالد بن الوليد- وذلك قبل إسلامه- في مائتي فارس، فكانوا بين المسلمين وبين القبلة، وفي تلك الحال نزل الوحي بصلاة الخوف وبصفتها، فصلَّى المسلمون صلاةَ الظهر، فلمَّا قُضِيت الصلاة قال المشركون بعضُهم لبعضٍ: لو أصَبْناهم وهم في حال صلاتهم، لكان إتيانًا لهم على غِرَّة؛ ولكن ستأتي عليهم صلاةٌ أخرى- يعنون صلاة العصر- ولنفعل ذلك، فنزلت صفة صلاة الخوف بين الظهر والعصر، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ﴾ [النساء: 102]، فحضرت صلاة العصر، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا السلاح في صلاتهم، وهذه هي الصفة المشهورة بحيث إن المأمومين في تلك الحال لا يكونون جميعًا في حال السجود، فيسجد الصَّفُّ الأوَّل ويقوم الصَّفُّ الثاني باتجاه العدوِّ، فهذه أوَّلُ صلاةِ خوفٍ صلَّاها المسلمون، كما ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري، وقد ورد في صلاة الخوف صفات مُتعدِّدة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تفادَى الاشتباك مع قريش، فذهب بأصحابه إلى الحديبية عند بئر هناك فيها شيء من الماء، فنزحوها حتى انتهى ماؤها، فشكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم شِدَّةَ العطش فيهم، وفي ركائبهم، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم سهمًا من كنانته، فأمرهم أن يجعلوه فيه، فما زال البئر يفور بالماء حتى رَوَوا وسقوا ركائبهم؛ رواه البخاري، وأيضًا معجزة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري في كتاب المغازي، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: "عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة- والركوة هي جلد صغير فيه ماء قليل- فتوضَّأ فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل الناس نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما لكم?))، قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضَّأ منه ولا نشرب إلَّا ما في ركوتك هذه، فقال: فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يَدَه في الركوة، فجعل الماء يفور بين أصابعه كأمثال العيون، قال جابر رضي الله عنه: فشربنا وتوضَّأنا، فقيل لجابر: كم كنتم يومئذٍ? قال: كُنَّا ألفًا وخمسمائة، ولو كُنَّا مئة ألف لكفانا"؛ أخرجه البخاري، وفي الحديبية أصاب المسلمين مطرٌ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يُصلُّوا في رحالهم، وعندما صَلَّى بهم بعد ذلك أقبل عليهم بوجهه، وقال: ((أتدرون ماذا قال ربُّكم?))، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((قال الله: أصبح من عبادي مؤمنٌ بي، وكافرٌ بي، فأمَّا مَن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأمَّا مَن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا؛ فذلك كافرٌ بي مؤمِنٌ بالكوكب))؛ متفق عليه. وفي مكث النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية جاء إليه بديل بن ورقاء وكان من خزاعة، وكانت خزاعة مسالمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له بديل: إنَّ قريشًا صادُّوك عن البيت ومقاتلوك، فأخبره صلى الله عليه وسلم أنهم لم يجيئوا مقاتلين؛ وإنما جاءوا إلى البيت، فمَنْ قاتلنا قاتلناه، فانطلق بديل إلى قريش وأخبرَهم بما قال، فقالوا: والله، لا يدخلها قهرًا وغلبةً وتتحدَّث العرب بذلك، ثم بعد ذلك أرسلت قريش رُسَلَها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتفاوُض، فأوَّل رسول لهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو مكرز بن حفص، فقد بعثَتْه قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أقبل ورآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا رجل فاجر))، فلما تحدَّث مع النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم كما رَدَّ بديل بن ورقاء، ثم رجع إلى قريش، ثم بعثت قريش رسولًا آخر، وهو الحلس بن علقمة، فلمَّا رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هذا من قوم يُعظِّمون البُدْن، فابعثوها له))، فبعثوا الهَدْي، واستقبله الناس يُلبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل رجع مباشرةً إلى قريش بعد رؤيته البدن وسماعه للتلبية، وقال لهم: رأيت البُدْن قد قُلِّدَتْ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت? فردُّوا عليه ردًّا سيئًا، فغضب عليهم وسبَّهم، ووعدهم أن ينفر بالأحابيش فلا يقاتلون معهم، ثم ذهب رسول ثالث لقريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عروة بن مسعود قبل أن يسلم، فقال عروة للنبي صلى الله عليه وسلم: أتجمع أوباش الناس وتستأصل بهم بيضتك وأمْر قومِك، ثم ردَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يأتِ للحرب، ثم أخذ عروة ينظر في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فما بصق النبي صلى الله عليه وسلم بصاقًا إلَّا كان بيد أحدِهم فدَلَكَ به وجهه وجِلْده، وإذا أمرهم ابتدروا، وإذا توضَّأ اقتتلوا على فضل وضوئه، وإذا تكلَّموا خفضوا أصواتهم، وما كانوا يُحِدُّون النظر إليه؛ تعظيمًا له واجلالًا له، فلَمَّا رجع عروة إلى قريش ذكر لهم ما رأى من ذلك الواقع الجليل في مَحبَّة الصحابة رضي الله عنهم للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نردُّه عن البيت في عامِنا هذا، ويرجع من قابل فيدخُل مكة ويطوف بالبيت، أيها الأفاضل الكِرام للحديث بإذن الله تعالى بقية، ونختم حلقتنا هذه بشيءٍ من الدروس والعِبَر؛ لكننا بإذن الله تعالى سنستكمل الحديث عن صلح الحديبية في الحلقة القادمة إن شاء الله عز وجل، فمن الدروس والعِبَر ما يلي: الدرس الأول: أن رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هي نوع من أنواع الوحي؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنه دخل البيت هو وأصحابه، وإن كانت هذه الرؤى للأنبياء وَحْيًا فهي لغيرهم من المُبشِّرات، يراها المسلم أو تُرى له، وهذه الرُّؤى تنقسم إلى قسمين: الأول: رؤيا ظاهرها الصلاح والارتياح والاطمئنان والسكينة، فهي رؤيا صالحة يسأل عنها الرائي ويحمد الله تبارك وتعالى عليها، ويخبر بها مَنْ يُحِبُّ؛ ولكنه لا يغترُّ بتأويلها، ويسأل الله تعالى الإعانة والسداد ويحمده عليها، وتكون تلك الرؤيا الصالحة مقربةً إلى الله تبارك وتعالى. النوع الثاني من الرؤى: رؤيا ظاهرها السوء والضيق، فهذه موقف المسلم منها ما يلي: لا يُحدِّث بها أحدًا، ويستعيذ بالله تعالى من الشيطان وشر تلك الرؤيا، وأيضًا كذلك لا يسأل عن تأويلها، ولا يُفكِّر بها، ولا تستولي عليه، فإنه إذا فعل ذلك، فإنها لا تضُرُّه بإذن الله عز وجل؛ حيث إنَّ أحد الصحابة شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه يرى الرؤيا السيئة فتُمرِضه أيامًا، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا يخبر بها أحدًا، ويستعيذ بالله من شرِّها والشيطان، فيقول ذلك الصحابي: فعلتُ ذلك، فأذهب الله عني أذاها في حين أن بعض الناس كُلَّما رأى تحدَّث للناس بما رأى، وسأل أيضًا عمَّا رأى سواء كان حسنًا أو سيئًا، وهذا لا شَكَّ أنه منهج جهل وحُمْق. الدرس الثاني: عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى مكة عام الحديبية اعتذر أناس بأعذارٍ واهيةٍ يظنُّون أنهم سيسلمون بعدها من العتاب؛ لكن القرآن نزل بعتابهم وفضَحَهم، وهذا يُعطينا معنًى تربويًّا إيمانيًّا بأن المسلم إذا انتدب إلى ما فيه صلاح للإسلام والمسلمين وهو قادر عليه، فليمتثل ذلك الأمر، فهو خيرٌ له من بقائه بعُذْرٍ مكذوبٍ ولا حقيقة له، وهذا يجري مع الحاكم والوالد والصديق والقريب ودائرة العمل، وفي المجال الدعوي ونحوهم، وهذا يكسبه أجرًا وعملًا صالحًا وطاعةً وبرًّا، فإذا صدر من هؤلاء ونحوهم أمْرٌ فيه صلاحٌ، فليُبادر ذلك المأمور، ولا يختلق الأعذار الوهميَّة ما دام قادرًا ومؤثرًا، فليحتسب في ذلك الأجر والثواب عند الله تبارك وتعالى. الدرس الثالث: رحمة الله تعالى بعباده وحفظه لهم من أعدائهم؛ حيث شرع لهم صلاة الخوف بهذه الصفة المذكورة؛ بحيث يجمعون بين صلاتهم ومراقبة عدوِّهم. الدرس الرابع: في استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حَثٌّ على الشورى، والاستشارة تكون في جميع الأمور التي تشكل على الإنسان، فالاستشارة هي جَمْع خلاصة عقول الآخرين، وقد يتَّضِح بعد الاستشارة أمورٌ هي غائبةٌ قبل الاستشارة، وهي أيضًا مُهِمَّةٌ، ففي البيع والشراء والبناء وغيرها من شؤون الحياة تكون الاستشارة غايةً في الأهمية، فأنت قبل الاستشارة تعمل بعقل واحد، أما بعدها فتعمل بخلاصة عدد من العقول؛ مما يجعل المشروع أقرب إلى النجاح منه إلى الفشل، فالاستشارة والاستخارة أمرانِ مُهِمَّانِ في هذا الجانب. الدرس الخامس: في مشروعية صلاة الخوف بيان واضح لأهمية الصلاة وإقامتها جماعة، فهم رضي الله عنهم وهم أمام عدوِّهم مأمورون بأداء الصلاة وأيضًا جماعة، وهذا يُعطينا درسًا أن نُعيدَ حساباتنا مع الصلاة، فهؤلاء صلَّوها وفي وقتها جماعةً وهم أمام العدوِّ، وفي المقابل أناس يُؤخِّرونها وأيضًا فُرادى مع الأمن دون خوف، فسبحان مَن وفَّق هؤلاء المصلِّين وحَرَمَ أولئك المؤخِّرين! وهل يظُنُّ هؤلاء المؤخِّرون لصلاتهم أو يصلُّونها فُرادى، هل يظنُّون أنهم حقَّقُوا بذلك فوزًا دنيويًّا أو أخرويًّا؛ إنما خالفوا نصوصًا كثيرةً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفاتهم من الأجور الشيء الكثير، فخسروا تلك الخُطَى إلى المساجد، وخسروا انتظار الصلاة، وخسروا الجماعة، وخسروا دعوات المسلمين باجتماعهم، وخالفوا نصوصًا من الكِتاب والسُّنَّة صريحةً في حضور الجماعة، وفي المقابل هل ينتظرون بذلك رشدًا في عقولهم أو زكاةً في نفوسِهم أو انسجامًا في حياتهم فلا تستقيم الحياة كما نريد إذا لم تستقِم الصلاة، ولو تأمَّلوا أيضًا أن تلك الصلاة هي أول ما يُحاسَبُون عليه لهرعوا إلى تحقيقها كما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن الله عز وجل يهدي مَنْ يشاء ويضل مَنْ يشاء، وربَّما تسلَّل هذا الخَلَل إلى أولادِهم، فباءوا به؛ حيث إنهم هم الذين ربَّوهم عليه. الدرس السادس: في أحداث صلح الحديبية معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم، وهي من دلائل النبوة، فإن المسلم عندما يقرأ هذه المعجزات يقوى إيمانه، ويزداد ثباتًا على دينه، وكم هو جميل جِدًّا أن نضع لأنفسنا وأولادنا جلسات أسريَّة مع تلك المعجزات? تقويةً لهم وتصحيحًا لمفاهيمهم وتعريفًا بنبيِّهم، ونستخرج منها أيضًا الدروس والعِبَر ليعرفوا تلك الدلائل بوضوح. الدرس السابع: عندما نزل المطر في صُلْح الحديبية أرشدَهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يقولوا: مطرنا بفضل الله ورحمته، وهذا هو المشروع عند نزول المطر مع حسر الرأس ليُصيبه المطر، كما فَعَل النبي صلى الله عليه وسلم، ويشرع أيضًا أن يقول المسلم: اللَّهُمَّ اجعله صَيِّبًا نافعًا، فهذا ممَّا يشرع عند نزول المطر كما يشرع أيضًا كثرة الدعاء، فهو موطِن من مواطِن استجابة الدعاء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثنتانِ لا تردان: الدعاء عند النداء، وعند المطر))؛ حسَّنَه الألباني. الدرس الثامن: يحسن مقابلة الناس بما يُناسبهم من المحاسن، فعندما أقبل عليهم الحلس رسولًا من قريش، وكان من قوم يحبون البُدْن، أقاموا له البُدْن، فأعجب بذلك، فلتكن مقابلتنا للناس وحديثنا معهم هو بما يناسبهم، وفيما هو من اهتمامهم وبما يعجبهم، إذا كان ذلك من المحاسن والمحامد؛ وذلك تأنيسًا لهم، واستفادة منهم، وتأليفًا لقلوبهم، وتقريبًا أيضًا لنفوسهم، ويظهر الفرق جليًّا واضحًا في فعل ما يضادُّ ذلك، فقد تخبو المجالس ويتسلَّل إليها المَلَل والكَلَل، وهذا مُشاهَد من الواقع. الدرس التاسع: في تلك الأحداث يظهر حُبُّ الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أعجب رسول قريش بما يفعله الصحابة رضي الله عنهم مع النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمًا له وإجلالًا له، وإن كان هذا حال الصحابة الكِرام مع نبيِّهم في حياته، فلنا بهم أسوةٌ في محبَّتِنا لسُنَّتِه بعد مماته، وتطبيقها والحرص عليها، وتربية أبنائنا عليها، فهي منهجنا مع القرآن في جميع شؤون حياتنا؛ في ديننا ودُنْيانا، فمَنْ حادَ عنهما، فقد ضَلَّ بقدر ذلك الميل والحياد، ومَنْ تمسَّك بهما عاشَ حياةً سعيدةً ومطمئنَّةً؛ سواء مع النفس أو الأقربين أو شرائح المجتمع المختلفة، فلنتعلم تلك السُّنَّة، ومن ذلك حفظ أذكارها فيما يُعرَف بعمل اليوم والليلة لأنفسنا وأولادنا، فلو جعلنا في هذا منهجًا محررًا، لكان خيرًا عظيمًا لأولادنا وأحفادنا، ففي كل أسبوع نوعان من الأذكار يتم تعلُّمُها وتطبيقهما وحفظهما، فسنأتي على كثيرٍ من السُّنَّة في زمن يسير، فاعزم العقد أخي الكريم على تطبيق ذلك مع نفسك وأولادك، لعلَّ الله عز وجل أن يجعل في ذلك الخير العظيم، ثم إنَّ دراسة السيرة هي غاية في الأهمية، فهي اقتداء وعِلْم وعمل وخير عظيم وتعلُّم للشمائل والأحكام الشرعية والآداب والأخلاق وما إلى ذلك، كما أنَّ مَنْ سَلَك ذلك التعلُّم لهذه السيرة فقد سَلَك طريقًا يلتمِسُ فيه عِلْمًا، والحاصل أنَّ اللهَ عَزَّ وجلَّ سيُسَهِّل له طريقًا إلى الجنة؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَنْ سَلَكَ طريقًا يلتمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لهُ بِهِ طريقًا إلى الجنة))، ولو كانت قراءتُك في السيرة أو غيرها من العلوم قراءةً يسيرةً ومقتضبةً، وحتى لو كانت صفحةً في كل يوم، فإنك ستقرأ في السنة الكاملة ما لا يقل عن ثلاثمائة وستين صفحةً، وهذا لا شَكَّ أنه رِبْحٌ كبيرٌ، وعِلْمٌ غزيرٌ. أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا الهُدَى والتُّقَى والسَّداد والرَّشاد، اللهُمَّ أوْصِلْنا دارَ السلام بسلام، وعافِنا واعْفُ عَنَّا، واغفر لنا وارحمنا ووالدينا والمسلمين، وصَلَّى الله وسلِّم على سيِّدنا محمدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِه أجمعين. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#32 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (30) الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على مَن أُرْسِل رحمةً للعالمين، وعلى آلِهِ وصَحْبه والتابعين، وبعد:الشيخ خالد بن علي الجريش فمرحبًا بكم أيها الكرام في برنامجكم خاتم النبيِّين، أيها الأكارم سبق معنا في الحلقة الماضية الحديث عن صلح الحديبية، وكيف خرج النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه يريدون العُمْرة لا غيرها؟ وكيف وقفت لهم قريش صادَّةً لهم عن البيت؟ وذكرنا أيضًا المراسلة بين قريش والنبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث إن قريشًا ردَّت النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول إلى مكة، فجاءت الرسل للمفاهمة حيال هذا الرد، وذكرنا أيضًا نزول آية الخوف وشيئًا من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وفي حلقتنا لهذا الأسبوع نذكر إكمالًا لهذا الصُّلْح في الحديبية؛ فقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية إلى قريش ليخبرهم بأنه قد جاء زائرًا إلى البيت وليس للقتال، فذهب خراش إلى مكة ووصل إليهم فأساءوا إليه وأرادوا قتله، فمنعهم الأحابيش من ذلك فخلَّوا سبيله، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره بما لقي، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عثمان بن عفان إلى قريش، فلما دخل مكة لقِيَه أَبَانُ بن سعيد وقد أسلم أَبَانُ بعد الحديبية، فحمله على دابَّتِه وأجاره حتى يُبلِّغ ما كلَّفَه به النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وكِبار قريش، فبلَّغَهم رسالةَ النبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا فرغ عثمان من كلامه، قالوا له: إنْ شئت أن تطوف بالبيت فافعل، فقال عثمان رضي الله عنه: ما كنت لأطوف قبل أن يطوف رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، واحتبست قريش عثمان عندهم ليتشاوروا في ردِّهم على النبي صلى الله عليه وسلم، فطال هذا الاحتباس شيئًا من الوقت فشاعَ بين المسلمين أن عثمان قد قُتِل، فلما بلغت تلك الإشاعة النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نبرح حتى نُناجِز القوم))، ثم دعاهم إلى البيعة فبايعوه رضي الله عنهم، ثم إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده اليُمْنى وقال: ((هذه يدُ عثمان))، فضرب بها على يده اليُسْرى، وقال: ((هذه لعثمان))، وكانت تلك البيعة على ألَّا يفرُّوا إذا حصل قتال مع قريش، وقد بايع الجميع النبي صلى الله عليه وسلم إلَّا رجلٌ واحدٌ وهو الجَدُّ بن قيس، وقد اختبأ خلف جَمَلِه الأحمر، وقد روى مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّكم مغفورٌ له إلَّا صاحِبُ الجَمَل الأحْمَر))، فأتيناه فقلنا: تعالى يستغفر لك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: والله، لأنْ أجِدَ ضالَّتي أحبُّ إليَّ مِن أنْ يستغفِرَ لي صاحِبُكم، وكان ينشد ضالَّةً له. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخُل النارَ أحَدٌ بايَعَ تحتَ الشجرةِ))؛ رواه أحمد، ولم يُعرَف موضع الشجرة بعد ذلك، فقد روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: رجعنا من العام المُقْبِل فلم نعرف موضِعَ الشجرة التي حصلت عندها البيعة، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده؛ حتى لا يُفتتن بها. ثم بعد أن تمت البيعة رجع عثمان رضي الله عنه إلى المسلمين، ولمَّا علمت قريش بالبيعة خافَ بعضُهم ورغبوا بالصلح، في حين رأى البعض الآخر اللجوء إلى الحرب، فقرَّرُوا التسلُّل إلى معسكر المسلمين ليشعلوا الحرب، فتسلَّل منهم ثمانون رجلًا على معسكر المسلمين، فتم أسْرُهم جميعًا، وأُحضِرُوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعد حديثه صلى الله عليه وسلم معهم عفا عنهم وأطلقهم؛ وذلك رغبة منه في الصلح، وأنه لم يأتِ للحرب، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ﴾ [الفتح: 24]، ولما رأت قريش ذلك أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو ومَن معه، وقالوا له: ايتِ محمدًا فصالحه، ولا يكون في صلحه إلا أن يرجع هذا العام ويعتمر من العام القادم، فلما أتاه سهيل ورآه النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ((قد سهل الله لكم أمركم))، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل، فلما تحدَّث سهيل مع النبي صلى الله عليه وسلم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((تخلوا بيننا وبين البيت نطوف به))، فقال سهيل: والله لا تتحدَّث العرب إنكم دخلتم عَنوة- أي: قهرًا- ولكن لتطوفوا من العام القابل، ثم اتفقوا على شروط الصلح، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ليكتب الكِتاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اكتب بسم الله الرحمن الرحيم))، فقال سهيل: أمَّا الرحمن فوالله ما أدري ما هي؟ ولكن اكتب "باسمك اللهم"، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اكتب باسمك اللهم))، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: ((هذا ما قاضى عليه محمدٌ رسولُ اللهِ سهيلَ بن عمرو))، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صدَدْناك عن البيت ولا قاتلناك؛ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((واللهِ إني لرسول الله وإنْ كذبتموني))، ثم قال لعلي رضي الله عنه: ((امْحُها))، فقال عليٌّ: والله لا أمحوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أرني مكانها)) فمحاها بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم. ولما كتب الصلح أشهد عليه النبي صلى الله عليه وسلم عددًا من الصحابة، ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان، وشهد عليه من المشركين من كان مع سهيل في الصلح، ونسخت هذه الشروط لهذا الصلح، فكانت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومثلها مع قريش، وكانت بنود الصلح كما يلي: أولًا: يرجع محمد عامَه هذا فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل أتَوا إلى مكة ليعتمروا. ثانيًا: وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين. ثالثًا: من أحب أن يدخل مع محمد دخل فيه، ومن أحَبَّ أن يدخل مع قريش دخل معهم. رابعًا: مَنْ أتى من قريش إلى المسلمين فيردُّونه إلى قريش، ومَن أتى من المسلمين إلى قريش فلا يردُّونه إلى المسلمين، وكان هذا أشدَّ الشروط على المسلمين. فكانت تلك هي شروط صلح الحديبية بين قريش والمسلمين، فتعاقدوا عليها، وفي هذه الأثناء جاء أبو جندل- وهو ابن سهيل بن عمرو كاتب الصلح- إلى المسلمين مسلمًا، فقال أبوه سهيل: أول ما أقاضيك به يا محمد ابني أبو جندل، فطلب النبي صلى الله عليه وسلم إجازته أن يذهب إلى المسلمين فلم يُجِزْه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حينها لأبي جندل: ((يا أبا جندل، اصبر واحتسب؛ فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا، فأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عليه عهدًا، وإنا لن نغدر بهم))، وقد حزن المسلمون على تلك الشروط وهم قد عزموا على أداء العمرة، وإنهم على الحق، وكان من أشدِّهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فذهب عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: ألست نبيَّ اللهِ حقًّا? قال: ((بلى))، قال عمر: ألسنا على الحق وهم على الباطل? فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بلى))، فقال عمر: فلمَ نعطي الدنيَّة في ديننا? فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني رسول الله، ولستُ أعصيه وهو ناصري))، وقال عمر مثل ذلك لأبي بكر، فرَدَّ عليه أبو بكر بقوله: إنه لرَسُول الله وليس يعصي ربَّه وهو ناصِرُه، فاستمسِكْ بغرزه، فوالله إنه على الحق؛ أخرجه البخاري، فلمَّا نزلت سورة الفتح بعد ذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عُمَر فقرأها عليه، فطابت نفسُ عمر، فكان عمر يقول: ما زلتُ أتصدَّق وأصلِّي وأعتق مما صنعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخافة من عقوبة كلامي معه. معاشر الأفاضل الكرام، لعلنا نختم حلقتنا هذه ببعض الدروس والعِبَر المستفادة على أمل بإذن الله تعالى أننا سنُكمِل في الحلقة القادمة بإذن الله عز وجل ما تبقَّى من أحداث صلح الحديبية، فمن الدروس ما يلي: الدرس الأول: أن التفاهم بين كل طرفين هو من أهم الأخلاق والآداب بخلاف العنجهية والإقدام من غير تفكير، فهو له مفاسد عظيمة، فهؤلاء الرسل بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش. كل ذلك فعله النبي صلى الله عليه وسلم لجلب المصلحة ودرء المفسدة، وإن كان ذلك التفاهم في الصلح؛ إلا أنه يمكن اعتباره في جميع شؤون الحياة، خصوصًا في الشؤون الأسرية، فالتفاهم بين الزوجين، وبين الأب وابنه، والقريب وقريبه، والجار وجاره، كل ذلك غاية في الأهمية، أمَّا مَنْ يستعجل في اتخاذ القرار دون تفاهُمٍ أو مناقشة، فإن هذا يحصل عليه من المفاسد الشيء الكثير، كما أنه سيخسر شيئًا من المصالح، وسيشعر بعد ذلك بالندم، فيا معاشر الأزواج والآباء، والأقارب والجيران، لا تستعجلوا في اتخاذ القرار بينكم؛ لأن القرار إذا تمَّ اتخاذه وحصلت عليه المفسدة يصعب إرجاع المياه إلى مجاريها، فتأمَّلوا أحوالكم، وليتحمَّل بعضُكم بعضًا مقابل المصالح المرجوَّة، فلو فكَّر الزوجان قبل الفِراق وتفاهما، ففي الغالب لم يفترقا؛ لأن الأسباب أحيانًا تكون في موازين العقول السليمة أوهنَ من بيت العنكبوت، ومثل ذلك أيضًا الاستعجال بلفظ الكلمات في أوقات الأزمات، فهي تحتاج إلى تأمُّل وتفكير حتى لا يحصل الندم، فهذا الصلح لما كان فيه هذا التفاهُم حصل على إثره خيرٌ كبيرٌ؛ وهو الفتح والاستقرار وغيرهما، والحمد لله. الدرس الثاني: عندما ذهب عثمان إلى قريش للتفاهُم معهم أُشِيع أنه قُتِل، فالإشاعة لها سلبياتها، وأيضًا على مَنْ سَمِعَها أن يتثبت فيها؛ لأنه يترتب على الإشاعة أحيانًا فهومات سلبية ونظرات سيئة. ومن المنهج السلبي عند بعض الناس أن يكون هو الأسبق في نشر الخبر بغض النظر عن التثبُّت فيه، وهذا ليس منهجًا سليمًا في استقبال المعلومات؛ بل اجعل الناس لا يعرفون عنك إلَّا الحقيقة، أمَّا ما خرج عن دائرة الحقيقة فلا تتبعه نفسك لا استقبالًا ولا إفادة للغير، والله عز وجل يقول في استقبال الأخبار: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [الحجرات: 6]، فلا تكن درجة من درجات الكذب، ولا مرحلة من مراحل الوهم؛ بل كن مع الحقيقة فقط. الدرس الثالث: عندما تسلَّل ثمانون رجلًا من قريش وأُسِروا، عفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان ذلك العفو هو لإدراك مصلحة كبرى؛ وهي الصلح، فكم هو جميل أن نعفو عمَّن أخطأ علينا لننال المصلحة الأكبر؛ وهي التآخي والتصافي، فالاستمساك بالحال الراهنة من دون نظر للمآلات والعواقب ليس من أخلاق الكبار؛ بل أخلاق الكبار تتجه حيث اتجهت المصالح الكبرى ولو خسروا بعض المصالح الدنيا، فلو كنا في شؤوننا ننظر للمآلات وعواقب الأمور والمصالح الكبرى لكانت حالنا أحسن وبكثير؛ بل لا أبالغ إن قلت: إن القضايا في الجهات الرسمية ستكون أقل عددًا وكمًّا، وسيرتاح الطرفان لو تفاهما ونظرا إلى المآلات والعواقب؛ ولكن كل مشكلة خلفها شيطان يؤزُّ عليها ويُحرِّكها، ويُعْمي عن المصالح المشتركة؛ ولكنها تحتاج إلى تأمُّل يسير. الدرس الرابع: عندما قدم سهيل بن عمرو للصلح قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سهل أمركم)) وهذا جانب كبير من التفاؤل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التفاؤل، فإن النفس تنشرح وتبتهج إذا عاشت التفاؤل صفة لها وسجية من سجاياها، فلنجعل حياتنا تفاؤلًا بالخير حتى ولو ضاقت نسبيًّا، فلا تُفكِّر في هذا الضيق بقدر ما تفكر بالإيجابية الموجودة فيه ولو كانت يسيرة فانطلق منها، فالمرض مثلًا ضيق، والفقر أيضًا ضيق ونحو ذلك؛ ولكن فيهما زاوية إيجابية؛ وهي تكفير الذنوب في الأمراض، وربما أن الفقر كان حائلًا عن كثير من الشرور ونحو ذلك، فالله عز وجل حكيمٌ عليمٌ. الدرس الخامس: في بداية الصلح لم ترض قريش أن يكتب "بسم الله الرحمن الرحيم"، ولم يرضوا أيضًا أن يكتب "محمد رسول الله"، وفي هذا ظهرت غيرة الصحابة رضي الله عنهم غيرة شديدة، وهكذا المسلم يغار على دينه أن ينتقص منه شيء، فالغيرة على محارم الله هي صفة جليلة للمسلم يزداد بها قُرْبًا من الله عز وجل، وثباتًا على دينه، وبراءةً لذمته، وأمرًا ونهيًا لمن انتقص بفعل أو قول، وأمَّا إذا زالت الغيرة فقد يختم على القلب فلا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلَّا ما أُشْرِب مِن هواه، فالغيرة على النفس وعلى المحارم وعلى المسلمين أمرٌ عظيمٌ حثَّ عليه الشرعُ وأمَرَ به. الدرس السادس: أهمية صفة الوفاء بالعهد والعقد بأمانة وصدق، وذلك مقتبس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأبي جندل عندما ذكر له أن هذا عقد تم مع قريش، وسيجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا، فصفة الأمانة صفة عظيمة يدخل فيها الوفاء بالعهود والعقود والوعود، ويدخل فيها أيضًا الصدق في التعامل؛ سواء كان له أو عليه، وليعلم المُخْلِف للعهد والعقد والناقض لهما، وليعلم أيضًا الخائن للأمانة، وليعلم أيضًا المتعامل بالكذب، ليعلم هؤلاء جميعًا أن من ورائهم يومًا ثقيلًا وهو يوم القيامة، فإن أفلتوا من أيدي البشر بما يسمُّونه ذكاءً وفطنةً، فإن الله تعالى سيسألهم في يوم أحوج ما يكونون فيه إلى الرحمة والمغفرة، فماذا هم قائلون يومئذٍ?! وقد نقضوا العهود والعقود، وتعاملوا بالكذب والغش ونحو ذلك، فليتدارك هؤلاء أمْرَهم، وليشكروا الله عز وجل أن أحياهم إلى أن يتوبوا ولم يأخذهم على غِرَّة من أمرهم، فإن الحياة الدنيا هي يوم أو بعض يوم، وأمَّا الآخرة فهي الحياة الخالدة الباقية. الدرس السابع: في قول أبي بكر رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه: فاستمسك بغرزه، فوالله إنه على الحق، درس عظيم في قوَّة إيمان أبي بكر وثباته وقوَّته وتصديقه، فالاستجابةُ ظاهرةٌ، فقد أزال عن نفسه كل شكٍّ وريب، فلا تزعزعه الرياح، وهذا كقوله رضي الله عنه في قصة الإسراء: "إن كان قاله فقد صدق"- يعني: النبي صلى الله عليه وسلم- فما أعظمَه من ثبات! وما أكملَه من إيمان! وما أبيضَه من قلب رضي الله عنه! فلنكن كذلك. الدرس الثامن: محاورة عمر للرسول صلى الله عليه وسلم حصل بعدها عند عمر إحساس بالخطأ في أنه تجاسَر بالكلام على النبي صلى الله عليه وسلم، فاعتبر ذلك خطأً كبيرًا وهو غيرة منه رضي الله عنه؛ ولكنه مع ذلك قال رضي الله عنه: ما زلت أتصدَّق وأصلِّي وأعتق؛ ليكون كفَّارةً لكلامي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف، فأين مَنْ يفعل المعاصي الظاهرة والباطنة?! وأيضًا ما لهؤلاء العصاة لماذا لا يُقدِمون على كثرة الأعمال الصالحة؛ لتكون كفَّارةً للسيئات ومنهاةً عنها؟! فإن الحسنة إذا زاحمت السيئة أزالتها بإذن الله عز وجل، فالمسلم الحق إذا فعل السيئة حاكت في نفسه أيامًا؛ لأنها مخالفة للخالق المنعم المتفضِّل الذي يقدر كل خير وشر لهذا العاصي، فجديرٌ بفاعل المعصية أن يخاف من شؤمها وأثرها ومن تتابعها، ويتأمَّل مستقبله الأخروي مُكثِرًا من الحسنات الماحية للسيئات، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، وإذا تاب هذا العاصي من معصيته، فإنه يُبشِّر ببشائر عظيمة، فمن البشائر أن الله عز وجل يقلب سيئاته إلى حسنات، فيوفِّقْه لفعل حسنات يعملها بعد تلك التوبة، وأيضًا كذلك يُبشِّر بفرح الله تبارك وتعالى بتوبته تلك؛ لأنه عندما تاب فإن الله عز وجل يفرح فرحًا شديدًا بتوبة ذلك التائب، وأيضًا ممَّا يُبشِّر به هذا التائب من المعصية أن الملائكة تدعو له؛ بل وتدعو له ولوالديه ولزوجه وذريته؛ حيث يقول الله تبارك وتعالى على لسان الملائكة: ﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ [غافر:7- 8] إلى آخر الآيات، فهذه بشريات متعددة عظيمة لمن تاب وأناب إلى الله تبارك وتعالى، فأين المسرفون والعاصون عن هذه البشائر؟ لماذا لا يقدمون? ما دام أن الله عز وجل أعطاهم المهلة، وأنه أبقاهم ولم يأخذهم على غِرَّة، فحريٌّ بنا جميعًا أيها الأخوة الكِرام أن نطبق قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، وهكذا السيرة هي كلها دروس وعِبَر وحِكَم وأحكام وشمائل وأخلاق نستفيد منها في حياتنا أخلاقًا وعِلْمًا وعملًا. أسأل الله تبارك وتعالى للجميع الهُدْى والتُّقَى، والسَّداد والرشاد، والعفو والعافية، والصَّلاح والإصلاح في النية والذرية ولجميع المسلمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. __________________ |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#33 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (31) الشيخ خالد بن علي الجريش كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والزعماء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبه والتابعين، وبعد:فمرحبًا بكم أيها الكِرام في برنامجكم خاتم النبيين، أيها الأكارم، ذكرنا في حلقة الأسبوع الماضي كيف تحلَّل النبي صلى الله عليه وسلم من إحرامه عندما منع من أداء النسك في صُلْح الحديبية، وعرَّجنا كذلك على نزول سورة الفتح بعد ذلك، وتمَّ أيضًا التوضيح للمصالح في هذا الصلح، وذكرنا قصة أبي بصير رضي الله عنه ومَن معه من المهاجرين، وكيف جاءهم فرجُ الله تبارك وتعالى وتوفيقه؟ وكيف بايَعَ النبي صلى الله عليه وسلم النساء المهاجرات? إلى غير ذلك مع ذكرنا للدروس والعِبَر المستفادة، وفي حلقتنا هذه نتعرَّض لشيء من كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والزعماء. فلمَّا استقر الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية كانت الفرصة سانحةً بشكل أكبر للدعوة إلى الله تعالى خارج نطاق الجزيرة؛ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم الرُّسُل ومعهم الكُتُب إلى رؤساء العرب والعَجَم، يدعوهم إلى الإسلام، فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى كِسْرى وقيصر وغيرهما يدعوهم إلى الله تعالى، واتَّخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتمًا كتب عليه محمد رسول الله، يختم به الكُتُب والرسائل التي يرسلها، وفيما يلي ذكر بعض الملوك والرؤساء الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الرسائل، فمنهم: الكتاب الأول:كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة، واسم النجاشي أصحمة، وأمَّا لقب النجاشي فهو لقب لكُلِّ مَن ملك الحبشة، وأرسل كتابه إليه مع عمرو بن أُميَّة الضمري رضي الله عنه، وأرسل معه كتابينِ: أحدهما يدعوه إلى الإسلام، والآخر يطلب منه فيه أن يبعث إليه مَن عنده من المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة. وفيما يلي نصُّ رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، وهي: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلام على مَنِ اتَّبَع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأدعوك بدعاية الله، فإنِّي أنا رسول الله، فأسْلِمْ تسلم ﴿ قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 64] فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك؛ انتهى الخطاب. فلمَّا وصل الكتاب إلى النجاشي وقُرئ عليه، أخذ الكتاب فوضعه على رأسه، ونزل عن سريره على الأرض تواضُعًا، ثم أسلَمَ وشهِدَ شهادةَ الحَقِّ، وقال: لولا ما أنا فيه من الملك لأتيتُه حتى أحمِلَ نعليه، ثم رَدَّ النجاشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابته وتصديقه وإسلامه وإيمانه، وأهدى له مع الكِتاب بعض الهدايا، وقد توفي النجاشي رحمه الله في السنة التاسعة في شهر رجب، ونعاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوم وفاته، وقال عليه الصلاة والسلام: ((مات اليوم رَجُلٌ صالِحٌ، فقُومُوا فصلُّوا على أخيكم أصحمة واستغفروا له))؛ رواه البخاري. وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب، وقد نزل في النجاشي قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران: 199] الآية، وبعد وفاته تولَّى الحبشة نجاشيٌّ آخر، فكتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا آخر يدعوه فيه إلى الإسلام. الكتاب الثاني: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الرُّوم، وأرسله مع دحية بن خليفة الكلبي رضي الله عنه يدعوه فيه إلى الإسلام، وأمره أن يدفعه إلى أحد أمرائه ليدفعه إلى هرقل، فلمَّا وصل الكتاب إلى هرقل سأل: هل أحد من قوم هذا النبي عندنا نسأله عنه؟ وكان عنده أبو سفيان مع رجال من قريش في تجارة لهم، فأرسل إليه، فأتوا بهم، فقال هرقل لترجمانه: إني سائله وقل لأصحابه: إن كذب عليَّ فكذَّبوه، فقال أبو سفيان: والله، لولا الحياء أن يأثر أصحابي عني الكذب لكذبْتُ عليه؛ ولكني استحييت منهم فصدقته، وهذا قبل إسلام أبي سفيان رضي الله عنه، فقال هرقل: ما نسبه فيكم؟ قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب، فقال هرقل: هل قال هذا منكم أحدٌ قبله؟ قال أبو سفيان: لا، فقال هرقل: هل كان من آبائه مَلِك؟ قال أبو سفيان: لا، فقال هرقل: وهل يتبعه الأشراف أم الضعفاء؟ قال أبو سفيان: بل يتبعه الضعفاء، فقال هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟ قال أبو سفيان: بل يزيدون، فقال هرقل: هل يرتدُّون عنه؟ قال أبو سفيان: لا يرتدُّون، فقال هرقل: هل تتهمونه بالكذب؟ قال أبو سفيان: لا والله، لا نتِّهمه، فقال هرقل: فهل هو يغدر؟ قال أبو سفيان: لا والله، لا يغدر، فقال هرقل: بمَ يأمرُكم؟ قال أبو سفيان: كان يأمرنا بالتوحيد وعدم الشرك، ويأمرنا بالصلاة والصدق والصلة، فقال هرقل: فإن كان ما تقول حقًّا فسيملك موقِعَ قدميَّ هاتينِ. ولمَّا قُرئ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم على هرقل اهتزَّ وتأثَّر وتحدَّث هرقل أنه سيسلم؛ ولكن لم توافقه حاشيتُه ومجالسوه على ذلك، وأكرم هرقل هذا الرسول الذي حمل الكِتاب وردَّ معه كتابًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال فيه: إني مسلم، وبعث بدنانير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قُرئ عليه كتاب هرقل: ((كذب عدوُّ الله، ليس بمسلمٍ، وهو على النصرانية))، ثم قسم النبي صلى الله عليه وسلم الدنانير على أصحابه، وكان هرقل آثر مُلْكَه وحاشيتَه على الإسلام والإيمان، وقد حارب هرقل المسلمين في غزوة مُؤْتة وهي بعد ذلك الكتاب بسَنَةٍ. الكتاب الثالث: كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كِسْرى ملك الفرس، وقد بعثه مع عبدالله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، فلمَّا وصل الكِتاب إلى كِسْرى وقرئ عليه الكتاب أخذه ومزَّقَه، وقال: أيكتب إليَّ هذا وهو عبدي؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحاشاه من ذلك، فلمَّا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه أن يُمزِّقَه الله؛ أخرجه البخاري، وبعث كِسْرى إلى عامله، وقال له: ابعث رجلينِ جلدينِ قويينِ ليأتياني بهذا الرجل الذي خرج في الحجاز، ويزعم أنه نبيٌّ، ففعل الأمير ذلك، وذهب الرجلانِ إلى المدينة وقابلا النبي صلى الله عليه وسلم وقالا له ذلك الطلب، فتبسَّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ودعاهما إلى الإسلام ثم أمرهما أن يأتياه من الغد، فجاءاه من الغد، فأخبرهما أن الله عز وجل قتل كِسْرى؛ حيث سلَّط عليه ابنَه، فرجعا إلى بلدهما، فوجدا أنَّ كِسْرى قد قُتِل، فأسلم الرجلانِ، وأسلم ذلك الأمير الذي أرسلهما، وأسلم من تحت يده، فسبحان من كانت الهداية بيده! وبعد هلاك قيصر سقطت دولتهم في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد أخرج البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا هلك كِسْرى فلا كِسْرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتفتحنَّ كنوزَهما في سبيل الله))؛ رواه البخاري ومسلم. الكتاب الرابع: كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس في مصر، وأرسله مع حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه، فلمَّا استلم المقوقس هذا الكتاب وقرأه، أكرم حاطبًا، وأخذ بتقبيل هذا الكتاب، وجمع بطارقته، وأخذ يحاور حاطبًا، ثم قال له بعد المحاورة: أنت حكيم جاء من عند حكيم، وأرسل ردًّا على كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان ردًّا حسنًا؛ لكنه لم يسلم، وبعث مع الكِتاب بجاريتينِ، وكسوة وبغلة، ورجع حاطب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((ضَنَّ الخبيث بمُلْكه ولا بقاء لملكه))، وأخذ هديته، والجاريتانِ هما مارية القبطية وأختُها سيرين، فهذه مارية هي أمُّ إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم، وأمَّا الأخرى فأهداها النبي صلى الله عليه وسلم لجهم بن قيس رضي الله عنه، وقد ولدت زكريا الذي كان واليًا على مصر بعد عمرو بن العاص رضي الله عنه. الكتاب الخامس: كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحارث والي دمشق، فلمَّا وصل إليه الكتاب وقرأه رمى به، وقال: هذا محمد يريد أن ينتزع مني مُلْكي، وحشد الجيش ليُقاتل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة؛ ولكن هرقل نقض عزمه عن ذلك، فلمَّا رجع الذي نقل الكتاب إلى المدينة، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((بادَ مُلْكُه)) وهذا بمثابة الدعاء عليه، فمات وباد مُلْكُه بحمد الله تعالى. الكتاب السادس: كتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ملك اليمامة يدعوه إلى الإسلام، وقال فيه: ((اعلم أن ديني سيظهر على منتهى الخف والحافر، فأسْلِم تَسْلَم))، فلم يسلم، ودعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فمات، هذه بعض الكتب التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض الأقوام يدعوهم إلى الإسلام، وكلها كانت في شهر المُحرَّم من السنة السابعة، ويُلاحظ في تلك الرسائل أنه لم يُقتَل أحدٌ من حامليها إلى هؤلاء الأقوام والرؤساء؛ لأنها جَرَتْ عادتُهم أن الرُّسُل لا تُقتَل ولا تُسلَب. أيُّها الكِرام، لعلَّنا نختم حلقتنا هذه ببعض الدروس والعِبَر، ونُكمِل فيما بعد من الحلقات تلك السيرة العطرة، فمن الدروس ما يلي: الدرس الأول: أن كتابة الرسائل الدعويَّة من النبي صلى الله عليه وسلم للملوك والزُّعماء تعطي المسلم منهجًا في تواصي المسلم مع إخوانه وأحبابه عن طريق المراسلة والمكاتبة؛ سواء كانت المقروءة منها أو المسموعة، فما أجمل أن يصدر منك رسالةٌ مقروءة أو مسموعة أو تأتيك رسالة كذلك من أحد إخوانك وأحبابك فيها التوصية بالحقِّ والدلالة على الخير والترغيب فيه، فيا أخي، هل جرَّبْت هذا؟ إن لهذا وقعًا كبيرًا على أخيك عندما يقرأ أو يسمع رسالتك، ويكون ذلك سببًا للودِّ بينكما، وقد كان ذلك بين الصالحين من السابقين واللاحقين، وكم هو جميل أيضًا أن يطبقه المسلم مع غير المسلمين، يدعوهم فيه إلى الله تبارك وتعالى مُبيِّنًا محاسن الإسلام، ولا تيأس؛ لأنك أنت تفعل السبب والتوفيق بيد الله تبارك وتعالى، فقد يكون السبب سهلًا ويسيرًا؛ ولكن النتيجة عظيمة أمثال الجبال، وما أكثرَ تلك الوقائعَ عند الدُّعاة أو جمعيات الدعوة في بلدنا المبارك وفي غيره أيضًا! فلا نغفل عن هذا. الدرس الثاني: لا تستبعد هداية أحد، فهذا النجاشي عندما أرسل إليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم الكتاب آمن وصلحت حالُه ومات على الإسلام، فعندما ترى خللًا في إخوانك، أو ترى كافرًا صادًّا عن سبيل الله تعالى ونحو ذلك، فلا تيأس؛ فقد يكون القدر بهدايته على يديك، ولو بذلت شيئًا يسيرًا من الجُهْد فلا تنظر إلى حجم جهدك؛ وإنما انظر إلى أن جهدك مهما كان يسيرًا فهو سبب، وأن الهداية من عند الله تبارك وتعالى، وقد يهتدي أحد على يديك وأنت لا تشعُر حيث اقتدى بك. الدرس الثالث: مشروعية الصلاة على الغائب على خلاف بين أهل العِلْم متى تكون? فقال بعضهم: هي فيمن مات ولم يُصَلَّ عليه لظرف أو لآخر، وهو رواية عن أحمد، وقال به ابن تيمية وابن القيم وابن عثيمين وغيرهم، وقال آخرون: هي مشروعة على مَنْ كان له نفع للمسلمين وجاه، وهو رواية أيضًا عن أحمد، وقال به السعدي واللجنة الدائمة، وقيل في المسألة أقوال أخرى. الدرس الرابع: في مقابلة هرقل لأبي سفيان قبل إسلامه، وسؤاله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو سفيان: لولا الحياء من أصحابي أن يأثروا عليَّ الكذب لكذبتُ عليه، قال هذا وهو على الكفر، فكيف بالمسلم الذي أمره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بالصِّدْق في القول والعمل، فإن المسلم أوْلَى أن يكون صادقًا في قوله وفعله فيما يتعلَّق بعبادته أو معاملته مع المخلوقين؛ لأن الله عز وجل يراه ويسمعه قبل أن يراه ويسمعه الآخرون، وممَّا لا شكَّ فيه أن الكذب ضَعْفٌ في الشخصية، فلو تكاملت الشخصية ما احتاج إلى الكذب، ثم إنَّ الكذب من كبائر الذنوب، وأيضًا لو عرَف الناس كذبَه ما صدَّقُوه حتى فيما صدق فيه، وكل شيء بُنِي على الكذب فهو ممحوق البركة، والكذب حكمه التحريم؛ سواء في المزاح أو الجد؛ بل قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ويلٌ لمن يُحدِّث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له))؛ حديث حسن. وإذا تتابع الكذب صار صاحبُه عند الله كذَّابًا، وما أجمل الصدق ولو كان عليك! فنجاة الآخرة أوْلَى من نجاة الدنيا، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]، وإذا كان الصادقون سيسألون عن صدقهم كما في قوله تعالى: ﴿ لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 8]، فكيف بالكاذبين؟ والكذب مُحرَّم سواء كان على صغير أو على بهيمة أو غيرهما؛ ولهذا يقول الشاعر: عوِّد لسانَك قولَ الخيرِ تَحْظَ به ![]() إنَّ اللِّسانَ لما عوَّدْتَ معتاد ![]() ![]() ![]() وها هي وسائل التواصُل ترسلها فتبلغ الآفاق في وقت قصير، فاحذر الكذب كله صغيره وكبيره تفلح وتربح وُفِّقْت وبُورِكْتَ. الدرس الخامس: أن هرقل عندما قرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم أعجبه الإسلام؛ بل وكاد أن يسلم؛ لكن الجلساء والحاشية كانوا عائقًا له بقدر الله تعالى الكوني، وذلك مماثل لما حصل لأبي طالب عندما كاد أن يُسلِم، فكان تأثير الجلساء عائقًا له عن ذلك، ومن هذا نأخذ درسينِ عظيمينِ: الأول أن هداية التوفيق هي بيد الله تبارك وتعالى، فلنسأله إيَّاها لنا ولغيرنا مع بذلنا لهداية الدلالة والإرشاد، والثاني أن الجليس له أثره الإيجابي أو السلبي على صاحبه، فاختر جلساءك، فمن خلالهم ستملأ ميزانك بالحسنات، إن كانوا صالحين وإيجابيين، وقد يمتلئ ميزانك بالسيئات إن كانوا فاسدين سلبيين، والأمر جد خطير؛ فهو له تعلُّق كبير في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فكم ستجني من الخير إذا كان جليسُك صالحًا، وكم ستجني من الشَّرِّ إذا كان جليسُك سيئًا? وها هي الحياة ستسير على هذا المنوال وأنت فرس الميدان، والتوفيق بيد الله تبارك وتعالى، فاعرف ما ينفعك دنيا وأُخْرى وتمسَّك به. الدرس السادس: من دلائل النبوة ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر الصحابة بقتل كِسْرى مباشرة من دون إعلام وإخبار من أحد من البشر؛ حيث بُعْد المسافة؛ ولكنه الوحي الإلهي للرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وهذا ممَّا يقوِّي عقيدة المؤمن برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها حَقٌّ من ربِّ العالمين، وهذه المعجزات هي من المثبتات على الحق بإذن الله تبارك وتعالى؛ لأنها خوارق للعادة على يد النبي صلى الله عليه وسلم، والقراءة فيها هي من مقويات الإيمان ومغذياته. أيُّها الكرام، إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي مجموعة الأحكام والأخلاق والشمائل، والقراءة فيها ممتعة ومفيدة، فأقترح عليك أيها الأب المبارك، ويا أيتها الأم المباركة، أن تجعلا لأسرتكما درسًا أسبوعيًّا ولو مختصرًا بوقت يسير تقرؤون في تلك السيرة بالتسلسل المعروف؛ لتعرفوا هَدْيَ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتُصحِّحُوا مفاهيمَ أولادِكم، وتُصحِّحُوا أيضًا أخلاقهم وألفاظهم، وأيضًا لتكون زادًا علميًّا لكم ولهم، وكافيكم حضور الملائكة في منازلكم، وغشيان الرحمة لكم، ونزول السكينة عليكم، وأيضًا كذلك ذكر الله تعالى لكم في الملأ الأعلى، فيالها من أرباح عظيمة لو تفهمناها، فلنعمل ذلك لينشأ أولادُنا عليه ويُنشِّئوا أيضًا أولادَهم كذلك، فيكون صدقةً جاريةً لكم، أملي كبير أن تقبلوا ذلك المقترح، وأن يكون واقعًا عمليًّا، ومن الكُتُب المقترحة في ذلك ما يلي: الكتاب الأول اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون للشيخ موسى العازمي، والكتاب الثاني كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري؛ فهما كتابانِ شيقان وسلسان ومتممان للفائدة، فيهما من الخير والعلم والدروس والعِبَر ما الله به عليم، فإن هذا إذا كان دأبًا لنا ولأولادنا؛ فإن هذا من باب طلب العلم، ومن باب تصحيح المفاهيم، ومن باب أيضًا الاقتداء ومعرفة حالة النبي عليه الصلاة والسلام في مأكله ومشربه وملبسه ومركبه، وفي لفظه وعبادته ومع أهله وأصحابه حتى مع غير المسلمين، فما أحوجنا أيها الكِرام إلى معرفة ذلك عن نبيِّنا عليه الصلاة والسلام عن كثب! حتى نقتدي به الاقتداء اللازم، وحتى تهدأ أفكارُ أولادِنا فيما هو صواب لها ونافع لها في دُنْياها وأُخْراها، أمَّا أن يتشرَّدُوا في قراءات أخرى من هنا أو هناك، فإن هذا قد يكون ضررًا عليهم، أمَّا قراءتهم وإشرافنا عليهم من السيرة، فإن هذا لا شَكَّ أنه خيرٌ عظيمٌ سيق إلينا. أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا أن يصلح نيَّاتنا وذريَّاتنا، وأن يغفر لنا ولوالدينا والمسلمين، وأن يوصلنا دار السلام بسلام، وأن يجعلنا ممَّن يؤتنا الحكمة، وصلَّى الله وسلِّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. __________________ |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#34 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (32) الشيخ خالد بن علي الجريش أحداث السنة السابعة من الهجرة الحمد لله رب العالمين، وأُصلِّي وأسلِّم على مَنْ بَعَثَه الله تعالى رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبه والتابعين، وبعد: أيها الأكارِم، مرحبًا بكم في برنامجكم خاتم النبيين، أيها الأفاضل، كان حديثنا في الحلقة الماضية عن الكُتُب والرسائل التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والزعماء خارج الجزيرة العربية، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وقد ذكرنا أنه أرسل عليه الصلاة والسلام إلى هرقل وإلى النجاشي، وكذلك أرسل إلى كِسْرى وإلى المقوقس في مصر، وإلى غيرهم، فمنهم من آمن؛ كالنجاشي، ومنهم من كاد أن يسلم ويؤمن؛ كهرقل، ومنهم مَن بقي على غيِّه وضلاله، وختمنا الحلقة بذكر بعض الدروس والعِبَر من تلك الرسائل، وفي حلقتنا لهذا الأسبوع نزدلف إلى أحداث السنة السابعة من الهجرة، فكان من أوائل تلك الأحداث غزوة خيبر، وكانت في آخر شهر الله المُحرَّم من السنة السابعة، وسببها أن خيبر كانت مكانَ تجمُّعٍ لليهود ومركزًا لإثارة القلاقل والفتن، وحيث كان اليهود في خيبر يعتمدون على إمداد قريش لهم، وقد انقطع ذلك الإمداد بحمد الله تعالى في هدنة صلح الحديبية، فتفرَّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهؤلاء اليهود في خيبر بعد ذلك الصلح الذي كان فيه عدم إمداد اليهود، فغزا خيبر وهي ذات حصون ومزارع، وقد وعد الله عز وجل نبيَّه عليه الصلاة والسلام بفتح خيبر؛ حيث يقول الله جل جلاله: ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا ﴾ [الفتح: 20]، فلمَّا تجهَّز رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لغزو خيبر جاء الذين تخلَّفُوا عنه في الخروج إلى الحديبية، فلم يأذن لأحَدٍ منهم، وأمر مُناديًا يُنادي ألَّا يخرج معنا إلا راغب في الجهاد، فلم يخرج معه إلَّا أصحاب الشجرة، وهم ألف وأربعمائة، وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي طلحة: ((الْتَمِس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني حتى أخرج إلى خيبر))، فالتمس أبو طلحة رضي الله عنه أنس بن مالك رضي الله عنه، وأنس قد قارب البلوغ، فكان يخدمه، فيقول أنس: كثيرًا ما أسمعه وهو يقول: ((اللهُمَّ إني أعوذ بك من الهَمِّ والحزن، والعجز والكَسَل، والبُخْل والجُبْن، وضَلَعِ الدَّيْن، وغَلَبَة الرجال))؛ رواه البخاري ومسلم، وهذا الذكر عظيم، فما أحوجَنا لحفظه وتحفيظه لأولادنا والدعاء به كثيرًا! فهو علاج لكثير من المشاكل النفسية والاجتماعية والمالية وغيرها. وفي مسير النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ( كان يُصلِّي عليه الصلاة والسلام وهو في مسيره على الدابَّة)؛ رواه مسلم، والمراد بهذه الصلاة هو النفل وليست الفريضة؛ لأن الفريضة لا تُصلَّى على الراحلة إلا في الضرورة، وأخرج البخاري ومسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، فسِرْنا ليلًا، فقال رجل لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هنياتك? وكان عامر شاعرًا ذا صوتٍ جميلٍ، فجعل يقول من الحداء لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ((مَنِ الحادي?))، قالوا: عامر بن الأكوع، فقال: ((يرحمه الله))؛ متفق عليه. ولما اقترب الجيش من خيبر باتوا قريبًا منها، ثم استيقظوا وصلَّوا الصبح بغلس، ثم ساروا إلى خيبر، ولما أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على خيبر قال: ((اللَّهُمَّ رب السماوات وما أظلَلْن، ورب الأراضين وما أقلَلْنَ، ورب الشياطين وما أضلَلْنَ، ورب الرياح وما أذريْنَ، فإنَّا نسألك خير هذه القرية، وخير أهلها، وخير ما فيها، ونعوذُ بِكَ من شرِّ هذه القرية، وشرِّ أهلِها، وشرِّ ما فيها))، ثم أتَوا إليهم مع بزوغ الشمس، وكان اليهود قد خرجوا حينها من حصونهم لمزارعهم ومواشيهم، فلمَّا رأوا جيش المسلمين مُقْبِلًا فزعوا وهربوا إلى حصونهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين))؛ رواه البخاري. وخيبر في ذلك العهد ممتلئة من الحصون؛ لكن أعظم تلك الحصون هي ثمانية، فأول حصن هاجمه جيش المسلمون هو حصن ناعم، وكان رئيسه مرحب اليهودي، فخرج يُنادي بالمبارزة، فخرج إليه عامر بن الأكوع، فاختلفا ضربتين فوقع سيف مرحب على ترس عامر، فلم يُصِبْه، وأراد عامر رضي الله عنه أن يضرب مرحبًا في قدمه ليسقط، فانطلق ذباب سيف عامر عليه، فمات عامر رضي الله عنه، فقال بعض الناس: إنه قَتَل نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذب مَنْ قال ذلك؛ إنَّ له لأجرين، إنه لجاهِدٌ مُجاهِدٌ))؛ رواه البخاري، وقد وجد المسلمون شِدَّة قويَّةً عند هذا الحصن، وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم الرايةَ لأبي بكرٍ، وقاتل قِتالًا شديدًا، ولم يفتح له، ثُمَّ في اليوم الثاني أعطى الراية لعمر بن الخطاب فقاتل قِتالًا شديدًا، فلم يُفتَح له أيضًا، وظلُّوا تسعة أيام يريدون فتح هذا الحصن فعجزوا عنه، وهو حصن ناعم، وفي ليلة العاشر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأُعطينَّ الرايةَ غدًا رجُلًا يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويُحِبُّه اللهُ ورسولُه، ولا يرجع حتى يُفتَح له))، قال عمر: فما أحببْتُ الإمارة إلَّا يومئذٍ؛ لهذه الفضيلة، وقال بريدة رضي الله عنه: وأنا فيمن أنتظرها، فبات الناس تلك الليلة يدوكون ليلتهم ويتحدَّثون أيهم يُعطاها، فهي فضيلةٌ عظيمةٌ؛ حيث يُحِبُّ الله ورسوله، ويُحبُّه الله ورسوله ويفتح الله عليه، فلما أصبحوا? قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أين عليُّ بنُ أبي طالب?))، قالوا: يا رسول الله، هو يشتكي عينيه، فأرسلوا إليه، فجاء به محمد بن مسلمة يقوده، فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، ودعا له فبرأ تمامًا كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب من حقِّ الله فيه، فوالله، لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم))؛ متفق عليه، فذهب إليهم عليٌّ رضي الله عنه، ومن معه من الصحابة، فأدَّوا ما عليهم تجاه ذلك، فخرج بعد ذلك مرحب بطلب المبارزة قائلًا في أرجوزته: قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ ![]() شاكي السلاح بَطَلٌ مُجَرَّبُ ![]() إذا الليوثُ أقبلتْ تَلَهَّب ![]() فبرز إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يرتجز أيضًا قائلًا: أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ ![]() كَلَيْثِ غَابَاتٍ شَدِيدِ الْقَسْوَرَهْ ![]() أوْفِيهم بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ ![]() فضرب عليٌّ مرحبًا، ففلق رأسه فلقتين فقتله، ثم بعد ذلك افتتح الحصن بعد قتل مرحب، وكان ذلك على يد علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ رواه مسلم. ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر، وطلب المبارزة فخرج إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه، فتبارز فقتله الزبير، ثم خرج رجل بعد ذلك من المسلمين وقاتل قتالًا شديدًا مع المسلمين، فكان يقطف الرؤوس من اليهود، فأعجب به الصحابة رضي الله عنهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هو من أهل النار))، وقاتل هذا الرجل حتى كثرت عليه الجراح وأوجعته، فاستخرج من كنانته سهمًا فقتل نفسه، فأخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالًا، وقال له: ((يا بلالُ، قُمْ فأذِّن أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإنَّ الله ليُؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر))؛ متفق عليه. واشتدَّت مقاومة اليهود في هذا الحصن حتى فتحه المسلمون، فخرج اليهود منه هاربين إلى الحصن الثاني؛ وهو حصن الصعب بن معاذ، وكان هذا الحصن هو الحصن الثاني من حيث القوة والمنعة بعد حصن ناعم، فبدأ الحصار عليه حتى فتحه المسلمون خلال ثلاثة أيام. أيها الكِرام، ما أجمل الاطِّلاع والقراءة في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكِرام رضي الله عنهم! فهي دروسٌ وشمائل وأحكام وأخلاق وتربية وعلم وعمل، ولعلَّنا نختم حلقتنا هذه ببعض الدروس والعِبَر مما سبق ذكره على أمل أننا بإذن الله تعالى سنُكمِل في الحلقة القادمة أحداث تلك الغزوة، فمِن الدروس ما يلي: الدرس الأول: أن المسلمين عندما منعوا من إكمال نُسُكهم في الحديبية كرهوا ذلك كراهةً شديدةً؛ ولكنه كان خيرًا عظيمًا جاء بتلك الصورة فتمَّ فتح مكة وكتابة الرسائل للملوك والزعماء، وكذلك انتشر الإسلام، وأيضًا انقطع إمداد قريش لليهود، وهذه وأمثالها مصالحُ عظيمةٌ، ويُستفاد من ذلك أيضًا درسٌ عظيمٌ؛ وهو عدم كراهية ما يُقدِّره الله علينا، ولو كرهته نفوسُنا، وقد يحصل لأحدنا شيءٌ ممَّا يكرهه؛ ولكن المؤمن الحق يعلم أن ما اختاره الله تعالى هو الخير، فلا تكره ما يُصيبك من قدر الله تعالى ممَّا لا ترغبه نفسك، فقد يكون الخير فيه وأنت لا تعلم، فلا تغرق في الولولة أو الحزن أو التأسُّف عندما يفوتك مرغوبك، فلا تعلم ما في القَدَر، ولا تعلم أين يكون الخير، أمَّا من قدر فوات هذا المرغوب فهو يعلم كل شيء، وهو أرحم بك وأرأف، فعليك بتسليم الأمر لله تعالى، ولا تقلق ولا تحزن. الدرس الثاني: أن أنَسًا رضي الله عنه عندما خدم النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة كان يلاحظ أقوال النبي عليه الصلاة والسلام وأفعاله، فيستفيد منها، وهذا منهج قويم؛ فعلينا جميعًا كبارًا وصغارًا أننا إذا صحبنا أحدًا من أهل الفضيلة والإيمان أن نستفيد من سلوكهم وأفعالهم وأقوالهم، فقد يثبت في حياتنا عمل صالح نملأ به موازيننا بسبب صحبة فلان، فما أجمل تربية أنفسنا وصغارنا على ذلك! فهذا سلوك تربوي علمي إيماني كبير في القدوة والاقتداء، وعلى الآباء والأمهات الكِرام توجيه أولادهم إلى استحضار ذلك واستثماره، وهو وجه من أوجه التربية على الخير؛ بل أوصي الآباء الكِرام أنهم إذا أرادوا التعامل مع أهل الفضيلة والتربية أن يجعلوا أولادَهم أحيانًا وسيلةً بينهم وبين هؤلاء ليستفيد الأولاد، وإن أمكن توصية الأولاد بالاستفادة، وأيضًا توصية أصحاب الفضيلة بالإفادة، فهذا نور على نور، والله تعالى يهدي لنوره من يشاء. الدرس الثالث: في سفر النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر للجهاد في فتحها ذكر الراوي أنه كان يُصلِّي النافلة على الدابَّة وهو يسير، وهذه سنة شبه مهجورة في حال السفر عند بعض المسافرين، فإن النافلة تُصلَّى على الدابَّة حال السفر مع السير فيه، ويُومئ المصلِّي برأسه للركوع والسجود كما ورد في حديث ابن عمر، ويُلاحَظ على كثيرٍ من المسافرين أنهم ينشغلون بسفرهم وحديثهم عن تلك السنة، ففي تلك السنة مواضع عظيمة لاستجابة الدعاء، وهي حال السجود، وقد اجتمع مع تلك الحال أيضًا السفر، وهو موضع إجابة، فالإجابة قريبة؛ فلنحافظ على ذلك معاشر المستمعين، فهي مما خفَّ عملُه وعظُمَ أجْرُه وأثره، ولا يُشترَط في تلك السنة استقبال القبلة. الدرس الرابع: حيث إن الجيش في غزوة خيبر كان مسافرًا من المدينة إلى خيبر، وحيث أرادوا إزالة المَلَل والتَّعَب والكَلَل عنهم، كانوا يرتجزون ببعض الحداء الأشعار، وهذا من المحاسن حتى يزول كلل المسافر وتَعَبُه؛ ولكن هذا مشروط بما هو مباح من الألفاظ والمعاني، وغير مصاحب للمعازف المُحرَّمة والمؤثِّرات الصوتيَّة التي تُشبه المعازف، فكم هو جميل أن يحدو المسافر مع رفاق بحداء يزيل المَلَل والكَلَل، ويفيد سامعيه بمعانيه الجميلة وأدائه الرائع، ومثله الأحاديث الوديَّة بين المسافرين هي مِمَّا تُزيل المَلَل؛ ولكن لا يصحبها شيء من الغيبة أو النميمة أو الكذب أو نحو ذلك، فإن كانت مصاحبة لشيء من آفات اللسان وعلله، فوالله، إنَّ المَلَل والكَلَل أطيب منها وأذكى، وإنَّ ممَّا يزيل المَلَل والكَلَل كذلك مناقشةَ هؤلاء الرفقة خلال سيرهم في سفرهم عن شيء ينفعهم في دينهم ودنياهم، فاجتماعُهم فرصةٌ أن يستفيد بعضُهم من بعض. الدرس الخامس: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه ((لأن يهدي اللهُ بك رجلًا واحدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ)). إن مجال دعوة الناس إلى الخير هو ميدان فسيح للتنافس والمنافسة؛ لأن هؤلاء المهتدين على يديك هم رصيدٌ لك في موازينك، ولا تحتقر شيئًا ولو كان يسيرًا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((مَنْ دَلَّ على خيرٍ فله مِثْلُ أجْرُ فاعِلُه))؛ رواه مسلم. وكلمة ((خير)) هنا نكرة؛ فتشمل الخير كله؛ صغيره وكبيره، وقليله وكثيره؛ ولهذا نماذج كثيرة من الدلالة على الخير، فأحدُهم يقول: عندما كنت في العاشرة من عمري علَّمني أحدُهم سيد الاستغفار، وهو سبب من أسباب دخول الجنة، فكنتُ أُكرِّر سيد الاستغفار كل صباح ومساء مع الأذكار، وقد بلغتُ الآنَ السبعين من عمري وأنا أكرِّره طوال تلك السنين، ويقول الآخر: دلَّني فلان على صيام يوم الاثنين، فبعد تلك الدلالة صمتُه ثلاثين عامًا، وما أزال أصومه، ويقول آخر: أرسل إليَّ أحدُهم رسالةَ جوَّال فيها فضيلة صلاة الضُّحْى، فصليتها بعد تلك الرسالة عشر سنوات وما زلت أُصلِّيها، ويقول الآخر: أقرأ الأذكار الصباحية والمسائية كل يوم وليلة منذ ثلاثين عامًا، علَّمني إيَّاها فلان، ويقول آخر: أقرأ آية الكرسي منذ خمسة وثلاثين عامًا، حفَّظني إيَّاها فلان، فيا بُشْرى هؤلاء وأمثالهم في دلالة الآخرين على الخير، فإن لهم مثل أجورهم. أخي الكريم، هل فكَّرت أن تجعل لك مشروعًا في هذا الميدان? فما عليك إلا أن تختار الأعمال والأقوال الفاضلة الثابتة مما تيسَّر تنفيذه وعظم أجره، واجعله مشروعًا لك بين أهلك وجيرانك وزملائك، وأيضًا في وسائل التواصُل لديك، فستنهمر عليك الأجور بإذن الله عز وجل وتملأ ميزانك منها، واسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبَّل منك وأن يعينك، ومن أمثلة تلك الأعمال والأقوال ما يلي: ركعتا الضُّحَى، وصلاة الوتر، والتسبيح مئة مرة في اليوم، وأذكار الصباح والمساء، ونحو ذلك مما ثبَتَ في السُّنَّة، فإنهم كثيرون أولئك الذين يعلمون تلك الأعمال؛ ولكنهم يغفلون أو ينشغلون عنها، فإذا خاطبتهم كنت دللتهم على هذا، ونِلْتَ مثل أجورهم، فاجعل ذلك واقعًا عمليًّا لك، فهو تجارةٌ مع الله تبارك وتعالى، وهي رابحةٌ بإذن الله عز وجل ولا تعرف الخسارة. الدرس السادس: أن قصة هذا الرجل الذي قاتل مع المسلمين ثم قتل نفسه عمدًا قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((هو من أهل النار)) فيه درس عظيم في الثبات على دين الله تعالى، فقد كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ((يا مُقلِّب القلوبِ، ثبِّت قلبي على دينك، وإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقلِّبها كيف يشاء))، فلنحرص جميعًا على أسباب الثبات على الدين، ولعلِّي أذكر شيئًا من تلك الأسباب، فمن ذلك ما يلي: أولًا: الدعاء دائمًا بالثبات على دين الله تبارك وتعالى في الدنيا وفي الآخرة، الثاني: مُجالسة الأخيار الذين يُعينونك على الثبات والتمسُّك، ثالثًا: من أسباب الثبات طلب العلم فهو سلاح متين للتعرُّف على الله تعالى وأحكامه وشرعه، الرابع: من أسباب الثبات على الحَقِّ دعوة الآخرين إلى الخير، فهذه الدعوة هي عبارة عن تثبيت لنفسك على الحق الذي هداك الله تعالى إليه، الخامس من أسباب الثبات: إذا رأيت مُبْتلًى فاحمد الله تعالى وادْعُ له ولا تشمت به، فيُصيبك ما أصابه، السابع من أسباب الثبات: عليك بالإكثار من العمل الصالح؛ فهو من المثبتات والمُعزِّزات، الثامن من أسباب الثبات: القراءة عن الضالِّين لتتجنَّب طُرُقَهم، التاسع من أسباب الثبات: تأمُّل وتدبُّر آيات الله تعالى المتلوَّة والمرئية في ملكوت السماوات والأرض، هذه جملةٌ أيُّها الكِرام من أسباب الثبات لنجعلها واقعًا عمليًّا لنا ولأولادنا وأهلنا، فما أحوجنا إليها! الدرس السابع: أن الشدة يتبعها الرخاء بإذن الله تعالى، وأن العسر يتبعه اليُسْر، إذا كان ذلك كله فيما يرضي الله عز وجل، فالصحابة رضي الله عنهم وجدوا مشقَّةً شديدةً في الحصن الأول من حصون خيبر؛ ولكن الشدة مع الصبر والعمل تزول، وفي هذا درسٌ عظيمٌ بأن الصبر هو مِفْتاح اليُسْر والرخاء، فنوصي شبابنا وأنفسنا بالصبر على الأعمال دُنْيا وأخرى، ولو كانت شاقَّةً على النفس فإن العاقبة حميدة، وذلك بخلاف من لا يصحب الصبر في أعماله، فقد يُخفِّق ويذهب جهده بلا فائدة تُذكَر، فالصبر مِفْتاح للنتائج والمخرجات الطيبة، وإن كان مذاقُه مُرًّا إلا أنه أحلى من العسل في نتائجه ومخرجاته، وعند عملك لأمور دينك أو دنياك خُذْ بهاتينِ القاعدتينِ الآتيتين، وهما: القاعدة الأولى: فكِّر في المكاسب قبل أن تُفكِّر في المتاعب، والقاعدة الثانية: قاوِم ما تكره لتصل إلى ما تحب، اللهم وفِّقْنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، وأوصلنا دار السلام بسلام، واغفر لنا ولوالدينا والمسلمين وصلَّى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#35 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (33) الشيخ خالد بن علي الجريش الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: فمرحبًا بكم أيها الإخوة الكرام في برنامجكم خاتم النبيين، أيها الأفاضل أسلفنا الحديث في الحلقة الماضية عن بداية غزوة خيبر؛ في سببها وزمانها وشيء من التفصيل عن الحصون فيها، وأيضًا ذكرنا كيف كان المسير إليها؟ ومتى بدأ القتال فيها؟ وأيضًا ذكرنا كيف وماذا لاقى المسلمون من الشدة في ذلك? وأيضًا كيف كان النصر للمسلمين؟ وختمناها بالدروس المستفادة منها. وفي حلقتنا هذه ما زال الكلام عن واقع تلك الغزوة التي هي غزوة خيبر، فقد أصاب المسلمين فيها جوعٌ شديدٌ، فروى البخاري ومسلم عن عبدالله بن أبي أوفى أنه قال: (أصابتنا مجاعةٌ يومَ خيبر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أصبنا للقوم حُمُرًا خارجة عن المدينة، فنحَرْناها، وإنَّ قدورنا لتغلي إذ نادى منادي الرسول صلى الله عليه وسلم أنِ اكْفَؤُا القدور ولا تطعموا من لحوم الحُمُر شيئًا)؛ متفق عليه، فاستجابوا لذلك رضي الله عنهم وهم على حالة من الجوع، فأكْفَؤا القُدُور ومع شدة الجوع كانت أرضهم أيضا أرضًا وخمة وشديدة الحَرِّ، فصبروا رضي الله عنهم وأرضاهم، ومع توفيق الله تعالى لهم وإعانته إياهم فتحوها حصنًا حصنًا، وكان عدد القتلى من اليهود ثلاثة وتسعين رجلًا، وعدد القتلى من المسلمين خمسة عشر رجلًا، وقد صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا بأنفسهم ولا يحملوا معهم شيئًا من السلاح ولا من غيره، وعند البخاري ومسلم: (أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يخرج أهل خيبر سألوه أن يعملوا ويزرعوا فيها ولهم شطر ما يخرج منها)؛ متفق عليه، فوافقهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الشرط، فزرعوا ولهم الشطر وللمسلمين الشطر؛ وقد كان لذلك أثر كبير في حياة المسلمين حتى قالت عائشة رضي الله عنها بعد ذلك لما فتحت خيبر (قلنا: الآن نشبع من التمر)؛ رواه البخاري، وقال ابن عمر رضي الله عنه: (ما شبعنا حتى فُتِحت خيبر)؛ رواه البخاري، وكان مع تلك المجاعة وشدة الحر في زمن غزوة خيبر الشدة في فتح حصون خيبر الثمانية؛ حيث كان اليهود كلما فتح عليهم حِصْن هربوا إلى الحصن الثاني، فلمَّا فُتِح حصن ناعم وهو أكبرُها وأشدُّها ودام ذلك عشرةَ أيَّامٍ اتَّجَه المسلمون إلى حصن الصعب بن معاذ، ففتحوه في ثلاثة أيام، ثم فتح حصن قلعة الزبير وفتحوه أيضًا خلال ثلاثة أيام، ثم تتابع المسلمون على الحصون يفتحونها حصنًا بعد حصن بحمد الله تعالى، فظهر عليهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، وقتلوا مقاتلتهم وسبَوا ذراريهم، وبعد ذلك الفتح والمشارطة في البقاء في خيبر على شطر ثمارها، قال عليه الصلاة والسلام لهم: ((نترككم على ذلك ما شئنا))؛ رواه البخاري، ثم أجلاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم خيبر بين أهل الحديبية؛ لأن الله عز وجل وَعَدهم إيَّاها، وفي غزوة خيبر جاء أعرابي وأسلم وخرج مع المسلمين إلى خيبر، وكان مع الجيش يحمي ظهورهم، فلمَّا قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم أرسل إلى هذا الأعرابي نصيبه، فلمَّا أتوا به إليه، قال: ما هذا? قالوا: قسمه لك رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم، ثم أخذه فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ما على هذا بايعْتُك؛ ولكني بايعْتُك على أن أُجاهِدَ فيرميني سَهْمٌ من ها هنا وأشار إلى حلقه، فأموت وأدخل الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ))، ثم لبثوا وقتًا حتى نهضوا للقتال، فقاتل هذا الرجل حتى قُتِل رضي الله عنه، وأتوا به مقتولًا قد أصابه سَهْمٌ في حَلْقِه حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أهو هو?))، قالوا: نعم، قال عليه الصلاة والسلام: ((صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ))، فصلَّى عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال في دعائه: ((اللهُمَّ هذا عبدُك، خرج مُهاجِرًا في سبيلك، فقُتِل شهيدًا، فأنا عليه شهيد)). وروى الإمام أحمد والحاكم (أنَّ رجلًا من أشجع مات فلم يصلِّ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقال: ((صَلُّوا على صاحبِكم))، قال الراوي: فتغيَّرت وجوهُ القوم لذلك، فلمَّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بهم، قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))، قال الراوي: فنظرنا في متاعه فوجدنا فيه خَرَزًا من خَرَز اليهود لا يساوي درهمين، وكان رجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزو أصابه سَهْمٌ فقتله، فقالوا: هنيئًا له الشهادة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كَلَّا والذي نفسي بيده، إنَّ الشَّمْلة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا))، فجاء رجل آخر بشِراك أو شِراكين، وقال: هذا كنت أصبته من المغانم يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((شِراك أو شِراكان من نار))؛ رواه البخاري. وفي غزوة خيبر قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من الحبشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففرح به النبي عليه الصلاة والسلام فرحًا شديدًا، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما أدري بأيهما أنا أُسَرُّ؛ بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر?))، وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا وهو في خيبر مهاجرة الحبشة، وقدم أيضًا الأشعريُّون، وقدم أيضًا الدوسيُّون وفيهم الطفيل بن عمرو الدوسي، وقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى دوس يدعوهم إلى الإسلام، ومكث فيهم حتى قريبًا من سنة خيبر؛ أي: السنة السابعة، ثم قدم بمن أسلم معه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد نزلوا بسبعين أو ثمانين بيتًا من المدينة، فيهم أبو هريرة رضي الله عنه، وكان من سبايا خيبر صفية بنت حيي رئيس اليهود، فدعاها النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فأسلمت فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، وكانت قبل ذلك زوجة لكنانة بن أبي الحقيق أحد رجال كبار اليهود، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم في وجهها أثرًا فسألها عنه، فقالت: كان رأسي في حجر زوجي ابن أبي الحقيق وأنا نائمة، فرأيت في المنام كأنَّ قمرًا وقع في حجري، فأخبرته في ذلك فلطمني وقال: هل تتمنين أن تتزوَّجي ملك يثرب? وقالت صفية: كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلامي من أبغض الناس إليَّ، فقد قتل زوجي وأبي وأخي، فأوضح لها النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قائلًا: ((إنَّ أباك قلَّب عليَّ العرب، وفعل وفعل))، فقالت: فذهب ما في نفسي، وقد كانت وليمة النبي صلى الله عليه وسلم في زواجه بحفصة هي عبارة عن حيس، وهو طعام مخلوط من السمن والتمر والأقط ونحوها، وقد رجع الجيش إلى المدينة بعد أن غاب عنها شهرًا كاملًا، ففي عودتهم إلى المدينة حدث أحداث، ومن هذه الأحداث ما يلي: الحدث الأول: أن المسلمين في رجوعهم كلما أشرفوا على وادٍ رفعوا أصواتهم بالتكبير والتهليل، فيقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((ارْبَعُوا على أنفسكم- أي: ارفقوا- إنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا بصيرًا، وهو معكم))، وكان عبدالله بن قيس رضي الله عنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أدلُّك على كنز من كنوز الجنة? لا حول ولا قوة إلا بالله))؛ رواه البخاري. الحدث الثاني: فوات صلاة الفجر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ساروا ليلة من الليالي في رجوعهم فباتوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: ((اكْلأْ لنا الليل))، فناموا وقام بلال يصلي، ولما تقارب الفجر استند بلال إلى راحلته فنام، فما أيقظَهم إلا حَرُّ الشمس، فاستيقظ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((أي بلال))، فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك يا رسول الله، فانتقلوا من مكانِهم إلى مكان آخر فصلوها؛ رواه البخاري. الحدث الثالث: وصول الجيش إلى المدينة؛ حيث أقبلوا عليها، ولما قربوا من جبل أُحُد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا جبل أُحُد يحبُّنا ونحبُّه))، فلما أشرف على المدينة قال: ((اللهُمَّ إني أُحرِّم ما بين جبليها مثلما حرَّمَ إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهِم وصاعِهم، ثم قال: آيبون تائبون عابدون، لربِّنا حامدون))، فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة؛ رواه البخاري ومسلم. أيها الكرام في ختام هذه الحلقة نتطرَّق لبعض الدروس والعِبَر من غزوة خيبر، فمن ذلك ما يلي: الدرس الأول: عندما حصل الجهد والجوع في غزوة خيبر نحَرَ الصحابةُ رضي الله عنهم بعض الحُمُر الأهليَّة، وذلك قبل تحريمها، فطبخوها وغلَتْ بها القُدُورُ، ثم جاءهم النهي عن أكلها وهم على تلك الحال من التعب والألم والجوع، فاستجابوا مباشرةً، فأكفأوا القُدُور، وهكذا شأن المسلم مع الأوامر والنواهي الشرعية ممتثلًا ومستجيبًا، فيا أخي الكريم، اجعل لك مع نفسك وقفة محاسبة في الأوامر والمنهيَّات الشرعية، فالذي أنْعَم عليك من النِّعَم ما لا تحصيه هو الذي أمرك ونهاك ألَّا تعصيه، فكيف يتمتع بنعمه ذلك العاصي في قلبه أو جوارحه?! ولكن كما استجاب هؤلاء الصَّحْب الكِرام، فلنكن نحن كذلك، فلنا بهم أسوة وقدوة وإيَّاك والاستدامة والإصرار على الذنب؛ فإنه مهلكة إن لم يعْفُ الله عز وجل، فسارِعْ في التصحيح قبل أن يفوت زمانه، فما أحوجنا لذلك! الدرس الثاني: في قول عائشة رضي الله عنها وابن عمر رضي الله عنهما "إننا بعد فتح خيبر سنشبع من التمر" فيه درس عظيم على توالي النِّعَم علينا في أصناف المأكولات والمشروبات وغيرها، وأن تلك النعم لها قيد يثبتها ويزيدها بإذن الله وهو الشكر بأركانه الثلاثة؛ وهي: الاعتراف بها في القلب، والتحدُّث بها في اللسان، وأيضًا صرف تلك النِّعَم في طاعة المنعم جل جلاله، فطبق تلك الأركان الثلاثة على كل نعمة مهما كانت لتكشف شكرك، هل هو حقيقي أم سراب? فلنعمل على توعية المجتمع في ذلك وهذا المجتمع هو أنا وأنت وأولادي وأولادك، ولنستثمر مجالسنا ووسائل تواصلنا في تلك التوعية؛ لعل الغافل ينتبه، والمسرف يرجع، والعاصي ينيب ويتوب، ومن شكر النعمة التصرُّف الحسن فيما يتبقى من المأكولات في البيوت والمناسبات بأن يصرف في مصارفه المناسبة، ففي مناسباتك اتِّصل على الجمعيات المعنية بذلك، فهم قريبون منك، فيأخذون ما تبقى من وليمتك، وأمَّا في بيتك فاجعل ما تبقَّى في تلك الأواني البلاستيكية وادفعها إلى المحتاجين فهم بانتظارك، أمَّا أولئك الذين يرمون ما تبقَّى من مأكولهم في النفايات العامة والعياذ بالله، فماذا ينتظر هؤلاء مقابل ذلك العمل؟ فيا ليتهم يفقهون ويرجعون. الدرس الثالث: في خيبر أخذ أحدهم خَرَزًا يسيرًا من المغانم، وأخذ آخر شَمْلة، وأخذ آخر شِراكًا أو شِراكين، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوعيد هؤلاء؛ حيث أخذوا من مال المسلمين ما لا يحِلُّ لهم، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [آل عمران: 161] فالأخذ بغير حق مهما كان المُسمَّى هو يأخذ حطامًا من الدنيا، ربما أنه غني عنه؛ ولكنه ليته يعلم بأنه إذا أخذه فإنه سيرجعه في يوم عصيب شديد تشيب منه الولدان، فما دام أن الأمر كذلك فالعاقل يرجع وينيب، وأمَّا من لم يخف ذلك فالموعد أمامه، وعليه غرمه ولغيره غنمه، فلا تستكثر أخي الكريم بما ليس لك، فإنَّ أمامك قنطرة الحساب يوم القيامة وأنت وحيد عارٍ وليس معك إلَّا حسناتك وسيئاتك، فتمثل ذلك اليوم عندما تأخذ ما لا يحل لك، فرجوعك الآن هو خيرٌ لك من ندمك وحسرتك يوم القيامة. الدرس الرابع: عندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم الطفيل بن عمرو إلى دوس يدعوهم إلى الله تعالى، ففعل ذلك رضي الله عنه، وأقام عندهم سنين حتى أسلم على يديه المئات والآلاف، ولنكن كذلك نحن في دعوة الآخرين ودلالتهم على الخير، فكُلُّ مَن عمل حسنةً بسببك، فلك مثل أجره، فاستثمر حياتك في ذلك من خلال أهل بيتك وجُلَسائك وزُمَلائك، وأيضًا وسائل التواصُل لديك، ولعلِّي أذكر صورتين من صور كثيرة لا تُحْصى في الدلالة على الخير، فالصورة الأولى: أحدهم دلَّ صاحبه على فضيلة صيام يوم الاثنين من كل أسبوع، فبدأ ذلك المدلول على ذلك يصوم هذا اليوم من كل أسبوع، فيقول هذا الصائم: صمتُ ثلاثين عامًا وما زلت أصوم. والصورة الثانية: أحدهم دلَّ شابًّا يافعًا لا يتجاوز عمره العاشرة، دلَّه على نوع من الذكر، وهو سيِّد الاستغفار الذي هو أحد أسباب دخول الجنة، فيقول ذلك الشابُّ: حافظت عليه، والآن بلغت السبعين سنة وأنا أُكرِّره كل صباح ومساء، ودلَلْتُ عليه غيري، فهؤلاء لهم مثل أجر ما عمل أولئك، فلنكن مثلهم، فما أجمل أن تجعل لك رصيدًا أخرويًّا في دلالة الآخرين على الخير! والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((مَنْ دَلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجْرِ فاعلِه))؛ رواه مسلم، فاستثمر ذلك حقَّ الاستثمار. الدرس الخامس: كانت وليمة صفية رضي الله عنها هي عبارة عن حيس وهو التمر والسمن والأقط، وكانت متواضِعةً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أعظم النساء بركةً أيسرُهُنَّ مؤونةً)) وإن كانت تلك الوليمة في ذلك الوقت قد تتناسب نوعًا ما مع قلة ذات اليد؛ لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قادر على أن يضع أكثر من ذلك؛ لكنه القدوة والأسوة عليه الصلاة والسلام إلى قيام الساعة، وقد انفتحت الدنيا على الناس في وقتنا الحاضر بمآكلها ومشاربها بحمد الله عز وجل إلا أن حكم الإسراف هو باقٍ إلى قيام الساعة، وأنه مُحرَّم ومذموم، وأنه ليس من علامات البركة، فعلى أصحاب الولائم والأفراح الكِرام أن يجتهدوا في التقدير، وقد يزيدون قليلًا؛ لكن ما نراه اليوم هو نوعٌ من الإسراف في كثير من الأفراح والمناسبات، ويا ليت من أسرف كفر عن إسرافه بالمحافظة على ما تبقَّى، ويتم صرفه بعناية في مصرفه الصحيح بطريقة أو بأخرى، وليعلم صاحب الوليمة أنَّ ما بيده من المال ليس هو حُرَّ في التصرُّف فيه؛ بل هو على أمر الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وقد نهى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عن الإسراف، والمال مال الله فاتقوا الله في مناسباتكم، ومِمَّا يُنبِّه عليه في المناسبات كثرةُ المقبلات التي قبل الولائم التي هي في حقيقتها كأنها وليمة، فهناك أكباد جائعة، وأجساد عارية، وديون باهظة، فلنحمد الله تعالى ونتَّقيه ونشكُره على ما أعطانا؛ ولكن في مناسباتنا نجعلها على أمر الله ورسوله، فهو أعظمُ بركةً وأقربُ إلى السُّنَّة. الدرس السادس: أن المسافر قد يُصيبه المَلَل والتَّعَب والكَلَل من خلال سفره، فإشغال نفسه بذكر الله عز وجل أحيانًا هو ممَّا يزيل ذلك الكَلَل والتَّعَب كما كان حال الرسول عليه الصلاة والسلام وصحابته رضي الله عنهم، فكانوا إذا علوا نشزًا كبَّروا، وإذا نزلوا واديًا سبَّحوا، وكانوا يذكرون دعاء السفر، ويُصلُّون النافلة على الراحلة، وغير ذلك من العبادات والأذكار المطلقة والمقيَّدة، وهكذا كان حال رجوعهم من غزوة خيبر، فيا أخي المسافر، اجعل لك نصيبًا في طريقك من ذكر الله تعالى بأنواعه، فهو يسيرٌ في تنفيذه وعظيمٌ في أجره، فالكلمات الأربع: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، هي أحَبُّ الكلام إلى الله تعالى وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام بعد القرآن، فكرِّرها، وأيضًا لا تَنْسَ أن تدعو في سَفَرِك، فأنت في ساعةِ إجابةٍ، وهذه الأذكار كما أنها تزيل عنك التعب، فهي أيضًا تدخل عليك البهجة والسرور، وأيضًا تملأ ميزانك من الخير، وأيضًا كذلك صلِّ من النوافل ما كتب الله تعالى لك أن تصلي، فما أجملها من حال وسكينة وطُمَأْنينة، وعتابًا ثم عتابًا آخر على من اشتغل في سفره في غيبة أو نميمة أو سماع ما لا يحِلُّ سماعُه، نعوذ بالله من ذلك، ولنعلم أن القضية توفيق وحرمان وثواب وعقاب، فاختر منها ما ينفعُك. الدرس السابع: في رجوعهم من غزوة خيبر ناموا عن صلاة الفجر، وهذا النوم هم معذورون فيه؛ لأنهم جعلوا مَن يوقظهم؛ ولكن نام هذا الموقظ لهم وهم وضعوا أسبابًا للاستيقاظ؛ لذلك كان نومهم عن عذر، أمَّا من ينام عن صلاة الفجر ويصليها خارج وقتها بنوم لا يعذر فيه حيث لم يتخذ الأسباب الممكنة للاستيقاظ، فهذا لا يُعذَر بنومه هذا، ورُبَّما بعضهم تعمَّد وجعل المُنبِّه على وقت الضُّحَى، فإذا استيقظ صلَّى ثم ذهب إلى عمله، فهؤلاء إن لم يتوبوا ويرجعوا فهم على خطرٍ عظيمٍ؛ لأن تلك الصلاة هي على غير وقتها، فلا تقبل كمن حجَّ في غير وقته، أو صام رمضان في غير وقته من غير عذر، فليتدارك هؤلاء أمرهم قبل أن يلقَوا ربَّهم وهم على تلك الحال والعياذ بالله. الدرس الثامن: إن ممَّا يُقال في الرجوع من السفر دعاء السفر، فكما قاله عند ابتداء السفر، فهو أيضًا يقوله إذا ابتدأ الرجوع من السفر، وكذلك إذا أقبل على بلده قال: ((آيبون تائبون عابدون، لربِّنا حامدون))، فلنحرص على التمسُّك بسُنَّة المصطفى عليه الصلاة والسلام. إن هذه الدروس والعِبَر أيها الكِرام ينبغي أن تُؤخَذ بعناية، وأن تكون سلوكًا لنا حتى نعمل على ما يُرضي الله تعالى ويُرضي رسولَه عليه الصلاة والسلام، فهكذا كانت السيرة تُصحِّح المفاهيم، وتُعلِّم الجاهلين، وتُربِّي الناس على سُنَّة نبيِّهم عليه الصلاة والسلام، فما أحْرَانا أن نتعرَّف على سيرته صلى الله عليه وسلم، وأن نقرأ فيها، وأن نستلهم منها الدروس والعبر! حتى نكون مقتدين به عليه الصلاة والسلام. أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا الهدى والتُّقى والسداد والرشاد والعفو والعافية والصلاح والإصلاح في النيَّة والذُّريَّة، وصلَّى الله وسلِّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#36 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (34) الشيخ خالد بن علي الجريش أحداث وقعت بعد غزوة خيبر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأُصلِّي وأسلِّم على خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه ومن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.أيها الأكارم، مرحبًا بكم في برنامجكم خاتم النبيين، وقد أسلفنا في الحلقة الماضية الحالة الشديدة من الجوع والجهد الذي أصاب المسلمين في غزوة خيبر، وأيضًا ذكرنا كيف وفَّقَهم الله تعالى للنصر مع تلك الحال، وذكرنا أيضًا كيف فتحوا تلك الحصون لليهود على شِدَّتها، وذكرنا أيضًا كذلك قدوم مهاجري الحبشة على النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، وأيضًا ذكرنا كيف فرح النبي صلى الله عليه وسلم بقدومِهم مع انتصاره على أعدائه، وذكرنا كذلك الأحداث التي حصلت في رجوعهم إلى المدينة، ثم ختمنا الحلقة بالدروس والعِبَر المستفادة منها، ونزدلف أيها الكِرام في حلقتنا هذه إلى أحداث كانت بعد خيبر، ومنها غزوة ذات الرقاع، وهذه الغزوة اختُلِف في تاريخها؛ فقال بعضهم: هي في الرابعة من الهجرة، وقال آخرون: هي في الخامسة، والصحيح الذي عليه أكثرُ أهل العلم أنها في السابعة بعد خيبر، كما ذكر ذلك في صحيح البخاري، وأيضًا كذلك ذكره ابن كثير وابن القيم وغيرهما، وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن جموعًا من اليهود قد أجمعوا على حربه عليه الصلاة والسلام، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة من أصحابه حتى وصل إليهم، فهرب رجالهم على رؤوس الجبال، وبقي النساء، فأخذهن سبيًا، ثم خاف المسلمون أن يُغِيرَ هؤلاء اليهود عليهم، وقد حضرت الصلاة فصلَّى بهم صلاة الخوف، ومكثوا هناك صولات وجولات لمدة خمسة عشر يومًا، ولم يُقتَل بحمد الله أحدٌ من المسلمين، ورجعوا منتصرين بهذا السَّبْي من النساء، وكان مع السَّبْي امرأة وضيئة لرجل من اليهود؛ ففي صحيح البخاري (أن هذا الرجل كان غائبًا فلمَّا رجع بعد انصراف المسلمين بالسَّبْي ومعهم زوجته أقسم أن يَلحَق بالمسلمين فيمسك بزوجته أو يصيبهم بدم وقتل، فخرج يتبع أثرهم، وكان المسلمون قد نزلوا بشعب من الشعاب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رجل يكلؤنا ليلتنا هذه؟)) فقال عمار بن ياسر وعباد بن بشر: نحن يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فكونا على فم الشعب))، فخرج الرجلان إلى فم الشعب، فقال عباد لعمار: أي الليل تريد أوَّله أو آخره؟ فقال عمار: آخره، فاضطجع عمَّار فنام أول الليل، وقام عبَّاد رضي الله عنهما يُصلِّي، فوصل الرجل زوج المرأة إلى الشعب، فلمَّا رأى سواد عباد علم أنه حارسُهم، فرماه بسهم فأصابه، فانتزعه عباد من جسده، فرماه الرجل بسهم ثانٍ فانتزعه عباد من جسده، فرماه الرجل بسهم ثالث فانتزعه كذلك عباد، ثم ركع وسجد فأنهى صلاته، وأيقظ عمارًا، فقال: قم، فلمَّا رأى زوجُ المرأة عمارًا قد قام عرَف أن القوم علموا به، فهرب، فقال عمار لعباد: سبحان الله! أفلا أيقظتني أول ما رمى؟ فقال عباد: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها؛ رواه البخاري في صحيحه. ومن الأحداث التي حدثت بعد خيبر ما ورد عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم؛ وهو مرداس بن ناهيك، فلما غشيناه قال الرجل: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا المدينة بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: ((يا أسامة، أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟))، قلت: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، فقال عليه الصلاة والسلام: ((فهلا شقَقْتَ عن قلبه حتى تعلم أنه إنما قالها فَرَقًا من السلاح، كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة)) وأخذ يُكرِّرها النبي صلى الله عليه وسلم فقال أسامة رضي الله عنه: تمنيتُ أنِّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم؛ متفق عليه، وقال أسامة بعد ذلك: أعاهد الله ألا أقاتل أحدًا يشهد أن لا إله إلا الله؛ ولذلك تخلَّف أسامة عن موقعتي الجَمَل وصفِّين، وكان سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه يقول: لا أُقاتِل أحدًا حتى يقاتله أسامة، وفي نهاية السنة السابعة في غرة ذي القعدة أحرم المسلمون لعمرة القضاء، والمراد بالقضاء ليس هو قضاء عمرة الحديبية؛ لأنها لم تكن قد فسدت، فقد حلوا منها بالحلق والنَّحْر؛ لأنهم أحصروا؛ ولكن المراد بالقضاء- وتُسمَّى أيضًا عمرة القضية- هو ما وقع من المقاضاة بين المسلمين والمشركين الذي وقع في الحديبية السنة السادسة، فقد اتفقوا على عدة شروط، ومنها أن يعتمروا من قابل عمرة أخرى وليست بديلةً عن الأولى، فلو قلنا بديلة؛ لكانت الأولى فاسدة؛ ولكنها لم تفسد، فقد فعلوا الواجب عند الإحصار وهو الحلق والنحر؛ فقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك العمرة الأخرى ولم يتخلَّف عنه أحد ممن شهد الحديبية إلَّا مَن توفي، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بألفين سوى النساء والصبيان، وساق النبي صلى الله عليه وسلم معه ستين بدنة، وحمل معه السلاح والرماح والدروع؛ خوفًا من غدر المشركين، فلما وصل إلى ذي الحليفة أحرم ولبَّى ولبَّى معه المسلمون، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة رضي الله عنه أن يتقدَّم بالخيل والسلاح إلى مَرِّ الظهران، وهو مكان بين مكة وعسفان؛ وذلك لاستقبالهم هناك، فلمَّا وصل محمد بن مسلمة إلى مَرِّ الظهران وجد فيها نفرًا من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة عن ذلك فقال: إنَّ محمدًا عليه الصلاة والسلام يُصبِّحكم غدًا في هذا المكان، فخرج هؤلاء النفر إلى قريش فأخبروهم، فلمَّا وصل النبي صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه إلى مَرِّ الظهران، ومكثوا فيه، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لو نحرنا من أظهرنا شيئًا وأكلناه لنقدم مكة شباعًا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمعوا أزوادهم بدل أن ينحروا ظهورهم، فجمعوها فدعا بالبركة فيها فأكلوا وشبعوا، وأخذوا الفضلة معهم، ثم ساروا حتى قربوا من مكة، فبعثت قريش مكرز بن حفص، فقابل النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة بقليل، فحدَّثه عن مجيئه، فعلم مكرز أنه جاء معتمرًا، فرجع إلى قريش، فأخبرهم بذلك، وأنه الشرط المشروط في صلح الحديبية، وقد أشيع في مكة أن أهل المدينة أصابتهم الحُمَّى، فخرج كثيرٌ من أهل مكة إلى الجبال المحيطة بالمسجد الحرام حتى لا تُصيبهم العدوى من تلك الحُمَّى، فلمَّا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالرمل في الطواف؛ وهو الإسراع بالخطى مع تقارُبها، فلمَّا رأى المشركون ذلك النشاط منهم، قال بعضهم لبعض: ليس فيهم من حُمَّى، هؤلاء كأنهم الغزلان، وعند دخول النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة يقول عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه: (سترناه وحرصناه من المشركين وغلمانهم أن يؤذوه، وقد صف المشركون صفوفًا ينظرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يدخل المسجد الحرام مُلبِّيًا ومن معه بقوة ونشاط، فلمَّا اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه جلسوا ثلاثة أيام، فلمَّا انقضت الثلاثة أيام جاءت قريش إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقالوا: أخرج عنا صاحبك فقد مضى الأجل الذي بيننا وبينه، فذكر عليٌّ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((نعم)) فخرج)؛ رواه البخاري. وهكذا أتمَّ الله تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام ولأصحابه العمرة، قال ابن هشام: فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 27]، وهو فتح خيبر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في دخوله إلى مكة سأل عن خالد بن الوليد، فقال: ((أين خالد؟)) وكان أخوه الوليد بن الوليد ممَّن اعتمر مع النبي صلى الله عليه وسلم، فكتب الوليد لأخيه خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عنك، وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما مثله جهل الإسلام))، وكان خالد قد خرج من مكة كراهية للنبي صلى الله عليه وسلم والإسلام، فلمَّا اطَّلع خالد على الكِتاب وقَعَ الإسلامُ في قلبِه؛ فأسلم رضي الله عنه قبيل الفتح. أيها الكرام، في ختام تلك الحلقة أذكر شيئًا من الدروس والعِبَر المستفادة مما سبق، ومنها الدروس التالية: الدرس الأول: في قصة عباد بن بشر وصلاته أثناء حراسته للصحابة رضي الله عنهم أخذ يصلي، فضُرِب بالسهام فصبر، وأقبل على صلاته، وهذا يعطينا درسًا عظيمًا في المحافظة على روح الصلاة وعلى لُبِّها وهو الخشوع، فهو متلذِّذ من جهة ومُعظِّم لها من جهة أخرى أن يقطعها، فإذا كان هذه حاله في الحرب، فكيف بحاله في السلم؟! فيا أيها الكرام الأفاضل، هل من عودة حازمة وجازمة في حضور القلب في الصلاة وعدم الاسترسال مع الخواطر والأفكار؟ ولنعلم جميعًا أن الشيطان هو من سيضيع تلك الصلاة في هذه الخواطر، فكن أخي الكريم ذا حزمٍ وعزمٍ في محافظتك على صلاتك، واعلم أنه لا يُكتَب لك إلَّا ما حضر قلبك فيه منها، فهذا المكان الصغير الذي تُصلِّي فيه، والذي لا يتجاوز مترًا في نصف متر، هو ميدان الجهاد بينك وبين الشيطان في الصلاة في المحافظة عليها أو تضييعها، فالحزمَ الحزمَ والعزمَ العزمَ على الاجتهاد في خشوعنا في صلواتنا، وأمَّا في انتقاص الصلاة سيُقال يوم القيامة: ((انظروا هل لعبدي من تطوُّع؟)) فعليك بالإكثار منها لعلها تكون مُتمِّمة، وكلٌّ أعلم بحاله في صلاته. الدرس الثاني:في قتل أسامة بن زيد رضي الله عنه للرجل الذي قال: "لا إله إلا الله" عاتبه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يُعطينا قاعدةً عظيمةً اجتماعيةً وشرعيةً ونفسيةً وتربويةً، وهي أنك تتعامل مع الناس حسب ظواهرهم، وتترك البواطن إلى الله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((أشققت عن قلبه؟)) فلو أن الناس تعاملوا بتلك القاعدة، لزال كثير من المشاكل بأنواعها، وإنَّما الواقع عند البعض- وربما أنهم قلة ولله الحمد- أنهم يظنُّون ظنونًا أخرى بالآخرين، والله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾ [الحجرات: 12] فسلموا رحمكم الله صدوركم ولا تُنقِّبوا عن البواطن؛ فذلك أزكى لكم وأربح وأنجح، أمَّا من تابَعَ الظنون السيئة فهو المتضرِّر الأول سلوكًا وسوءًا، فالأخذ بالظواهر هو الأيْسَر في الأفعال والأقوال، وأيضًا في سلامة الصدور ونقاء القلوب، وليس لذلك توابُع سيئة، أمَّا من كان غير ذلك فهو من سوء إلى سوء ولن تنتهي مشاكِلُه عند حدٍّ؛ بل هي تتكاثر وتتفرَّع. الدرس الثالث: في قصة قتل أسامة لهذا الرجل حصل ذلك التأثُّر الكبير من أسامة رضي الله عنه، فعندما كرَّر عليه النبي صلى الله عليه وسلم: ((أشقَقْتَ عن قلبه؟)) تأثَّر رضي الله عنه وأرضاه، ونحن في هذه القرون المتأخِّرة ها هي سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم نقرؤها ونسمعها، فهل المخالفون لها يتأثَّرون كما تأثَّر أسامة؟ فهي تُقرأ عليهم وهم يقرؤونها، فالمُسبِل لثوبه مثلًا يقرأ ويسمع قول النبي عليه الصلاة والسلام ((ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار))؛ رواه البخاري، وأيضًا كذلك النمَّام يسمع ويقرأ قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا يدخل الجنَّةَ نمَّام))، وأيضًا كذلك التارك لصلاته يقرأ قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاةُ، فمَنْ تَرَكَها كَفَر))، وهكذا جميع المنهيات، فلنتأثَّر عند المخالفة أسوةً بهؤلاء الصَّحْب الكِرام حتى تمنَّى أسامة رضي الله عنه أنه لم يسلم إلَّا اليوم، وإن هذا التأثُّر له أثره الإيجابي على السلوك، وإيَّاك أخي الكريم واستدامة المعصية أيًّا كانت، فهي سبب لملء كِفَّة السيئات، وربَّما حصل في القلب الران؛ وهو تتابُع الذنوب على القلب، واعلم أن السيئة تجُرُّ أختها كما الطاعة تجُرُّ أختها، فلنحذر من سيئات أعمالنا، ولنعمل أيضًا على تكفيرها ومحوها. الدرس الرابع: فيه بركة النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه؛ حيث جمعوا ما تبقَّى من طعامهم، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة فيه، فأكلوا وشبعوا، وبقي شيء كثير، وإن كان ذلك استجابة من الله تبارك وتعالى لدعاء نبيِّه عليه الصلاة والسلام، وبركة في هذا النبي الكريم، فنقول أيضًا: ممَّا يساهم في بركة الطعام أن يجتمع الناس عليه؛ ولذلك لما سأل بعضُ الصحابةِ النبي صلى الله عليه وسلم إنهم يأكلون ولا يشبعون، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لعلَّكم تتفرَّقون))، فقالوا: نعم، فأمرهم بالاجتماع، فإن الاجتماع على الطعام سببٌ ايجابيٌّ في كفايته لهم بإذن الله تعالى وحلول البركة فيه. الدرس الخامس: لقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن خالد بن الوليد في عمرة القضاء، وكان ذلك قبل إسلامه رضي الله عنه، وكان خالد قد خرج من الحرم كراهيةً للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلمَّا سمع الوليد ذلك وهو أخ لخالد سمع ذلك السؤال فبلَّغَه أخاه خالدًا، فكان ذلك سببًا في إسلام خالد، فكم هو جميل أننا في مناسباتنا نسأل عن الغائب ونطمئنُّ عليه، فإن هذا السؤال سيبلغه وسيزيد من الأُلْفة بيننا خصوصًا إذا رافق ذلك السؤال إرسال السلام أو المهاتفة ونحو ذلك، فهو نور على نور، وسلوك يوجب التآلف والتكاتُف، ومثل ذلك إذا ذكر فلان في المجلس فلنذكر إيجابيَّاته، فإن هذا سيبلغه فتزيد الأُلْفة والمحبَّة، وهذه سلوكيات طيبة يدعو إليها الإسلام وهي من محاسنه. الدرس السادس: إذا وصل المعتمر إلى مكة فإن الأفضل له أن يبدأ بالعمرة مباشرةً كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يُؤجِّلها؛ لكن إن كان متعبًا وقد لا يؤدي العمرة بارتياح وطُمَأْنينة، فله تأجيلها إلى الغد، ويبقى على إحرامه، وسبب ذلك؛ لأن النظر إلى ذات العبادة أفضل من النظر إلى زمانها ومكانها، ومثال ذلك صلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد من حيث المكان؛ لكن إن كان يحصل على المصلي بصلاته لها في البيت انشغالٌ وذهولٌ بينما في المسجد أخشع، فصلاتُه لها في المسجد أفضلُ، وهكذا باقي النوافل، أمَّا الفرائض المحدَّدة بوقت معين فلا تُؤخَّر عن وقتها ويُؤدِّيها المسلم حسب قدرته وطاقته، وهذا كله من أجل أن تُؤدَّى العبادة بخشوع وطُمَأْنينة وحضور قلب. الدرس السابع: في قتل أسامة للرجل الذي قال: "لا إله إلا الله" عاتبه النبي صلى الله عليه وسلم عتابًا شديدًا، وتأثَّر أسامة أيضًا رضي الله عنه تأثُّرًا بالغًا وهو يظنُّ أن هذا الرجل غير مسلم، فكيف بمَن يقتل المسلم عمدًا، أو رُبَّما حصل شجار وخصام ثم تماسُك بالأيدي؛ فأغوى الشيطان أحدهما على قتل صاحبه بضربة يظنُّ أنَّها لا تقتله؛ لكنها قتلته، فإن كان العتاب على فعل أسامة وهو في الجهاد، فكيف بهذا الفعل في إغواء الشيطان بخصومة ربما على أشياء تافهة لا تستحق الذكر، فيا ليتنا جميعًا قبل أن نفعل أو نقول شيئًا نتفكَّر في العواقب والمآلات، فإنها قد تكون وخيمةً وشديدةً على أشياء يسيرة يندم صاحبها أشد الندم؛ فلنحذر ذلك أشد الحذر، فإن الخصومة والشجار قد يبدآن صغيرين ثم يكبران وينموان من كلا الطرفين، والشيطان يؤزُّهم أزًّا، ثم يقع ما لا تُحمَد عُقْباه. فيا أخي الكريم، كُنْ عاقِلًا حكيمًا حتى في خصومتك، واستعذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم، فإنَّه أصلح وأفلح لك في دُنْياك وأُخْراك، وما أجملَ الحكمةَ والعقل حتى في الخصومة! وما أجمل أيها الأخوة في أفعالنا وأقوالنا أن ننظر إلى مآلات الأمور! لا نستحضر اللحظة الحاضرة التي نعيشها الآن، وإنما ننظر ونتأمَّل ونتفكَّر فيما هو قادم، وفي نهايات الأشياء، فإن الأشياء قد تكون في لحظتها الحاضرة أمرًا سهلًا؛ لكنها في مآلاتها وعواقبها شيء شديد، فلنكن أيها الكرام على مستوى التفاعُل والحكمة مع هذه السيرة النبوية مقتبسين منها ما يفيدنا قولًا وفعلًا تربيةً لأولادنا وذلك بقراءتها والاطِّلاع عليها والمناقشة فيها، وأيضًا كذلك سماع كلام أهل العلم فيها، فإن هذا أيها الأخوة يُؤصِّل عندنا قاعدةً عظيمةً؛ وهي أن نتعامل مع أنفسنا ومع غيرنا سواء من الأقربين أو الأبعدين أن نتعامل حسب ما تُمْليه علينا تلك السيرة العَطِرة لا على ما تُمليه أهواؤنا ونفوسنا، فإن نفوسنا قد تُخْطئ وتُصيب، أمَّا هذه السيرة فهي سيرة المعصوم عليه الصلاة والسلام، وهو قدوتنا، والله عز وجل يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]، اللهُمَّ إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة لنا ولجميع المسلمين، اللهُمَّ أوصلنا السلام بسلام، ووفِّقْنا لهُداك، واجعل عملنا في رِضاك، وصلَّى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| عدي بن حاتم | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 0 | 04-24-2026 09:04 PM |
| قصص النبيين للأطفال كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 05-10-2025 11:27 AM |
| حاتم مجمع مقطع 1 مصحف حاتم فريد الواعر فيديو بكامل الصفحة مصور | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 04-19-2025 06:59 PM |
| حاتم بخط كبير 114 سورة مكتوب المصحف المصور فيديو كامل ل حاتم فريد الواعر | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 12-05-2023 06:37 PM |
| فلاش.. خاتم المرسلين | Dr Nadia | قسم السيرة النبوية | 3 | 02-14-2017 09:25 AM |
|
|