استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة
ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة تهتم بعرض جميع المواضيع الخاصة بعقيدة أهل السنة والجماعة
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 05-25-2026, 07:08 PM   #31

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. السادس والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الجهاد (١)


  • الجهاد شعبة عظيمة من شعب الإيمان وقد دلَّت النصوص القرآنية والحديثية على علوّ منزلته وكونه من أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله
  • مفهوم الجهاد في الإسلام أوسع من مجرد القتال فهو يشمل جهاد النفس والشيطان والهوى والأمر بالمعروف والثبات على الحق
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالًا.
  • الجهاد من شعب الإيمان لقوله -تعالى-:{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78)، وقوله -تعالى-: {جَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} (التوبة: 123)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ} (الأنفال: 65)، ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه في (الصحيحين) سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ»، وحديث عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- في صحيح البخاري: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ».
المعنى الإجمالي
الجهاد من أفضل الأعمال قربة إلى الله تعالى فيه تفتح البلاد وتعبد لله قلوب العباد ويعز الدين وتنقذ البشرية من النار، ولقوله -تعالى-: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78)، والجهاد: «هو ذروة سنام الإسلام، وهو في اللغة: بذل واستفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل.
  • وشرعًا: بذل الجهد من المسلمين في قتال الكفار، والبغاة، والمرتدين ونحوهم».
قال القرطبي: قوله -تعالى-: «{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (الحج: 78) قيل: عنى به جهاد الكفار، وقيل: هو إشارة إلى امتثال جميع ما أمر الله به، والانتهاء عن كل ما نهى الله عنه، أي جاهدوا أنفسكم في طاعة الله وردوها عن الهوى، وجاهدوا الشيطان في رد وسوسته، والظلمة في رد ظلمهم، والكافرين في رد كفرهم. قال ابن عطية: وقال مقاتل وهذه الآية منسوخة بقوله -تعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16). وكذا قال هبة الله: (إن قوله: {حَقَّ جِهَادِهِ}، وقوله في الآية الأخرى: {حَقَّ تُقَاتِهِ} (آل عمران: 102) منسوخ بالتخفيف إلى الاستطاعة في هذه الأوامر، ولا حاجة إلى تقدير النسخ، فإن هذا هو المراد من أول الحكم، لأن (حق جهاده) ما ارتفع عنه الحرج.
خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ
وقد روى سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خَيْرُ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ»، وقال أبو جعفر النحاس، وهذا مما لا يجوز أن يقع فيه نسخ، لأنه واجب على الإنسان، كما روى حيوة بن شريح يرفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ لِلهِ»، وكما روى أبو غالب عن أبي أمامة أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم -: (أي الجهاد أفضل؟ عند الجمرة الأولى فلم يجبه، ثم سأله عند الجمرة الثانية فلم يجبه، ثم سأله عند جمرة العقبة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: أين السائل؟ فقال: أنا ذا، فقال -صلى الله عليه وسلم -: «كلمة عدل عند سلطان جائر».
  • قوله: وقوله -تعالى-: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذه ثلاثة أصول لأهل محبة الله: إخلاص دينهم، ومتابعة رسوله، والجهاد في سبيله، فإنه أخبر عن المشركين الذين يتخذون الأنداد أنهم يحبونهم كما يحبون الله، ثم قال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: 165)؛ فالمؤمنون أشد حبًا لله من المشركين الذين يحبون الأنداد كما يحبون الله، فمن أحب شيئًا غير الله كما يحب الله فهو من المشركين لا من المؤمنين.
ومحبة رسوله - صلى الله عليه وسلم - من محبته -سبحانه-؛ ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه في الصحيحين: «فَوَالَّذِي نَفْسِي لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وفي صحيح البخاري أن عمر -رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله، والله لأنت أحب إليّ من كل شيء إلا من نفسي، فقال: لا يا عمرُ حتى أكون أحب إليك من نفسك. قال: فأنت أحبّ إليّ من نفسي. قال: فأنت الآن يا عمر»، وفي الصحيحين أنه قال -صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث من كنّ فيه فقد وجد حلاوة الإيمان، وفي لفظ لا يجد حلاوة الإيمان إلا من كان فيه ثلاث خصال: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار».
حبهم لله ورسوله
وقد قال الله -تعالى-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة: 24)؛ فلم يرضَ منهم أن يكون حبهم لله ورسوله كحب الأهل والمال، وأن يكون حب الجهاد في سبيله كحب الأهل والمال، بل حتى يكون الجهاد في سبيله، الذي هو تمام حبه وحب رسوله، أحبَّ إليهم من الأهل والمال، فهذا يقتضي أن يكون حبهم لله ورسوله مقدّمًا على كل محبة ليس عندهم شيء يحبونه كحب الله بخلاف المشركين، ويقتضي الأصل الثاني، وهو أن يكون الجهاد في سبيله أحبَّ إليهم من الأهل والمال، فإن ذلك هو تمام الإيمان الذي ثوابه حب الله ورسوله، كما قال -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (الحجرات: 15).
وصف أهل المحبة
وبذلك وصف أهل المحبة في قوله -تعالى:{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة: 54)، فأخبر -سبحانه- بذلهم للمؤمنين وعزهم على الكافرين وجهادهم في سبيله، وأنهم لا يخافون لومة لائم، فلا يخافون لوم الخلق لهم على ذلك، وهؤلاء هم الذين يحتملون الملام والعذل في حب الله ورسوله والجهاد في سبيله، والله يحبهم وهم يحبونه، ليسوا بمنزلة من يحتمل الملام والعذل في محبة ما لا يحبه الله ورسوله، ولا بمنزلة الذين أظهروا من مكروهات الحق ما يلامون عليه ويسمّون بالملامتية، ظانين أنهم لما أظهروا ما يلومهم الخلق عليه من المنكرات مع صحتهم في الباطن كان ذلك من صدقهم وإخلاصهم، وهم في ذلك إنما يتّبعون الظن وما تهوى الأنفس، فإن ذلك المنكر الذي يكرهه الله ورسوله لا يكون فعلُه مما يحبه الله ورسوله، ولا يكون من الصدق والإخلاص في حب الله ورسوله والناس يلامون عليه، وسنام ذلك الجهاد في سبيل الله، فإنه أعلى ما يحبه الله ورسوله، واللائمون عليه كثير؛ إذ كثير من الناس الذين فيهم إيمان يكرهونه، وهم إما مُخذِّلون مُفتِّرون للهمة والإرادة فيه، وإما مرجفون مضعفون للقوة والقدرة عليه وإن كان ذلك من النفاق، قال الله -تعالى-: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا} (الأحزاب: 18)، وقال -تعالى-: {لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} (الأحزاب: 60). وأما متابعة السنة والشريعة النبوية قال الله -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (آل عمران: 31)، قال طائفة من السلف: فقد ادعى قوم على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يحبون الله، فأنزل الله هذه الآية، فجعل حبّ العبد لربه موجبًا ومقتضيًا لاتباع رسوله، وجعل اتباع رسوله موجبًا ومقتضيًا لمحبة الرب عبده، فأهل اتباع الرسول يحبهم الله، ولا يكون حبا لله إلا من يكون منهم».
كيفية الجهاد
  • قوله: وقوله -تعالى-: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} (التوبة: 123)، قال القرطبي: فيه مسألة واحدة: «وهو أنه -سبحانه- عرفهم كيفية الجهاد، وأن الابتداء بالأقرب فالأقرب من العدوّ؛ ولهذا بدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالعرب، فلما فرغ قصد الروم وكانوا بالشام. وقال الحسن: نزلت قبل أن يؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتال المشركين؛ فهي من التدريج الذي كان قبل الإسلام. وقال ابن زيد: المراد بهذه الآية وقت نزولها العرب، فلما فرغ منهم نزلت في الروم وغيرهم: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} (التوبة: 29). وقد روي عن ابن عمر أن المراد بذلك الديلم. وروي عنه أنه سئل: بمن يبدأ بالروم أو بالديلم؟ فقال: بالروم، وقال الحسن: هو قتال الديلم والترك والروم. وقال قتادة: الآية على العموم في قتال الأقرب فالأقرب، والأدنى فالأدنى. قلت: قول قتادة هو ظاهر الآية، واختار ابن العربي أن يبدأ بالروم قبل الديلم؛ على ما قاله ابن عمرَ -رضي الله عنهما- لثلاثة أوجه:
أحدها: أنهم أهل كتاب، فالحجة عليهم أكثر وآكد. الثاني: أنهم إلينا أقرب أعني أهل المدينة. الثالث: أن بلاد الأنبياء في بلادهم أكثر، فاستنقاذها منهم أوجب. والله أعلم.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* التعريف والدعوة وحسن الأسوة
* ثق بربك لا بنفسك
* صفات الرجولة ومعالمها
* حاجة الشباب إلى الإيمان
* حقيقة غائبة!
* القلب بين العلائق والعوائق ء
* أنت الجماعة ولو كنت وحدك

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2026, 06:39 AM   #32

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان- السابع والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: المرابطة في سبيل الله -تعالى-


  • الرِّبَاطَ في الثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ مُجَاوِرَةِ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَاد وَالْمُجَاوَرَةُ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ وَجِنْسُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ
  • المرابطة في الثغور من أهم الوسائل لحفظ الدين من خطر الأعداء ويترتب عليها أجر عظيم لكل مرابط
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
المرابطة في سبيل الله من شعب الإيمان لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)، ولحديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - في صحيح البخاري: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»، والمرابطة تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة.
المعنى الإجمالي
المرابطة في الثغور من أهم الوسائل لحفظ الدين من خطر الأعداء عليه ورتب عليها أجر عظيم لكل مرابط.
  • قوله: لقوله -تعالى-:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200)، قال القرطبي: قال الحسن: على الصلوات الخمس، وقيل: إدامة مخالفة النفس عن شهواتها، فهي تدعو وهو ينزع. وقال عطاء والقرظي: صابروا الوعد الذي وعدتم، أي: لا تيأسوا وانتظروا الفرج، قال - صلى الله عليه وسلم -: «انتظار الفرج بالصبر عبادة»، واختار هذا القول أبو عمر -رحمه الله تعالى- والأول قول الجمهور، ومنه قول عنترة:
فلم أرَ حيًّا صابَروا مثْلَ صبرنا ولا كافحوا مثلَ الذين نكافحُ
  • قوله (صابروا) مثل صبرنا، أي صابروا العدو في الحرب، ولم يبدُ منهم جبن ولا خَور، والمكافحة: المواجهة والمقابلة في الحرب، ولذلك اختلفوا في معنى قوله: {وَرَابِطُوا} فقال جمهور الأمَّة: رابطوا أعداءكم بالخيل، أي ارتبطوها كما يرتبطها أعداؤكم، ومنه قوله -تعالى-:{وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ} (الأنفال: 60) وفي الموطأ عن مالك عن زيد بن أسلم قال: كتب أبو عبيدة ابن الجراح - رضي الله عنه - إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يذكر له جموع الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزل شدة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله -تعالى- يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران: 200). وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن - رضي الله عنه -: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمان رسول الله - شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان- السابع والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: المرابطة في سبيل الله -تعالى-- غزو يرابط فيه، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه. واحتج أبو سلمة بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط» ثلاثًا.
الملازمة في سبيل الله
قال ابن عطية: والقول الصحيح هو أن الربط الملازمة في سبيل الله، أصلها من ربط الخيل، ثم سمي كل ملازم لثغر من ثغور الإسلام مرابطًا، فارسًا كان أو راجلًا، والمرابط في سبيل الله عند الفقهاء هو الذي يشخص إلى ثغر من الثغور ليرابط فيه مدة ما، قاله محمد بن المواز (ورواه) وأما سكان الثغور دائمًا بأهليهم الذين يعمرون ويكتسبون هنالك، فهم وإن كانوا حماة فليسوا بمرابطين، قال ابن عطية، وقال ابن خويز منداد: وللرباط حالتان: حالة يكون الثغر مأمونًا منيعًا يجوز سكناه بالأهل والولد، وإن كان غير مأمون جاز أن يرابط فيه بنفسه إذا كان من أهل القتال، ولا ينقل إليه الأهل والولد لئلا يظهر العدو فيسبي ويسترق، والله أعلم.
فضل الرباط
وجاء في فضل الرباط أحاديث كثيرة، منها ما رواه البخاري عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «رباط يوم في سبيل الله خير عند الله من الدنيا وما فيها»، وفي صحيح مسلم عن سلمان قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجري عليه رزقه وأمن الفتان»، وروى أبو داود في سننه عن فضالة ابن عبيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتان القبر»، وفي هذين الحديثين دليل على أن الرباط أفضل الأعمال التي يبقى ثوابها بعد الموت، كما جاء في حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وهو حديث صحيح انفرد بإخراجه مسلم؛ فإن الصدقة الجارية والعلم المنتفع به والولد الصالح الذي يدعو لأبويه ينقطع ذلك بنفاد الصدقات وذهاب العلم وموت الولد.
الرباط يضاعف أجره
والرباط يضاعف أجره إلى يوم القيامة؛ لأنه لا معنى للنماء إلا المضاعفة، وهي غير موقوفة على سبب فتنقطع بانقطاعه، بل هي فضل دائم من الله -تعالى- إلى يوم القيامة؛ وهذا لأن أعمال البر كلها لا يتمكن منها إلا بالسلامة من العدو والتحرز منه بحراسة بيضة الدين وإقامة شعائر الإسلام، وهذا العمل الذي يجري عليه ثوابه هو ما كان يعمله من الأعمال الصالحة، أخرج ابن ماجة بإسناد صحيح عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مات مرابطًا في سبيل الله أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه، وأمن من الفتان، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع»، وفي هذا الحديث قيد ثانٍ وهو الموت حال الرباط، والله أعلم.
المرابطة هي الثبات واللزوم
قال ابن القيم: «فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حاله في الصبر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم، والإقامة على الصبر والمصابرة؛ فقد يصبر العبد ولا يصابر وقد يصابر ولا يرابط، وقد يصبر ويصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى، فأخبر -سبحانه- أن ملاك ذلك كله التقوى، وأن الفلاح موقوف عليها فقال: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته».
خير من الدنيا وما عليها
  • قوله: ولحديث سهل بن سعد الساعدي في صحيح البخاري: «رباط يوم في سبيل الله -تعالى- خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها»، قال ابن بطال: «قال المهلب: إنما صار رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها؛ لأنه عمل يؤدي إلى الجنة، وصار موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، من أجل أن الدنيا فانية، وكل شيء في الجنة وإن صغر في التمثيل لنا، وليس فيها صغير؛ فهو أدوم وأبقى من الدنيا الفانية المنقطعة، فكان الدائم الباقي خيرًا من المنقطع»، قال ابن تيمية: «قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّ الرِّبَاطَ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوِرَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُرَابَطَةَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ، وَالْمُجَاوَرَةُ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ وَجِنْسُ الْجِهَادِ أَفْضَلُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِنْسِ الْحَجِّ، كَمَا قَالَ -تعالى-: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} (التوبة: 19 - 22).»، والمرابطة تنزل من الجهاد والقتال منزلة الاعتكاف في المساجد من الصلاة؛ لأن المرابط يقيم في وجه العدو مثل قيامه متأهبًا مستعدا له.
فوائد الرباط السلوكية
  • الرباط في سبيل الله يعوّد النفس على الصبر وتحمل المشاقّ والشدائد.
  • ينمّي الرباط في سبيل الله حبّ أوطان المسلمين وأهلها.
  • يشعر المسلم بعظيم حقوق إخوانه المسلمين؛ إذ يرابط لحماية نفوسهم وأعراضهم وأموالهم.
  • يفرح المسلم ويسرّ بالرباط في سبيل الله رجاء ثوابه.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* التعريف والدعوة وحسن الأسوة
* ثق بربك لا بنفسك
* صفات الرجولة ومعالمها
* حاجة الشباب إلى الإيمان
* حقيقة غائبة!
* القلب بين العلائق والعوائق ء
* أنت الجماعة ولو كنت وحدك

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-22-2026, 11:22 AM   #33

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الثامن والعشرون: الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف


  • الثبات أمام الأعداء وعدم الفرار من الزحف من أعظم مظاهر الانتصار ويقابله انتصار المسلم على شهواته وأهواء نفسه
  • على المؤمن إذا ابتُلي أن يصبر ويثبت ويقوم بواجباته بيقين ولا يتحقق ذلك إلا بالصبر
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الهداية ورفعة الدرجات في الدنيا والآخرة، وقد وردت في الحديث المشهور الذي ذكر أعلاها وأدناها وذكر أن منها شعبة الحياء، ولما كانت مصنفات العلماء في بيانها؛ كالحليمي والبيهقي، مطولةً، قلَّ إقبال كثير من الناس عليها، فجاء اختصار القزويني لكتاب الحافظ البيهقي تيسيرًا للانتفاع بها، ومن هنا شرحته بأسلوب سهل مختصر، مدعَّم بالنصوص والنقول المفيدة.
الثبات للعدو وترك الفرار من الزحف؛ لقوله -تعالى-: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال: 45)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال)، وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (الأنفال: 65)، ولحديث عبدالله بن أبي أوفى ت في صحيح البخاري: «لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف».
قواعد ضرورية في الحروب
  • قوله: لقوله -تعالى-: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال: 45)، قال الزحيلي: «هذه الآيات تعليم من الله لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء، وهي قواعد ضرورية في الحروب، وأسس للجندية الحقة الحازمة، وأول هذه الآداب والقواعد: الثبات أمام العدو حين اللقاء معه، بتوطين النفوس على الصمود والصبر على المبارزة وعدم التحدث بالتولي والفرار، ونظرا لأن هذا العنصر أهم عناصر المواجهة الحربية، فقد بدأ الله به، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} (الأنفال:45) أي إذا حاربتم جماعة من أعدائكم الكفار، فاثبتوا أمامهم في القتال، وإياكم من الفرار من الزحف وتولي الأدبار، فالثبات ركيزة الحروب وسبب للانتصار، والفرار جريمة كبري يعاقب عليها الله تعالى لأنها خطأ فادح في حق الأمة قاطبة.».
الشجاعة الإيمانية
  • قوله: وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الأنفال)، قال الإمام السعدي: «يأمر الله -تعالى- عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ } بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابًا للكافرين.
قال -تعالى-: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ} أي: رجع {بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهُ} أي: مقره {ِوَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير}، وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد. ومفهوم الآية: أن المتحرّف للقتال- وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى- ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه لم يولِّ دبره فارًا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز، فإن كانت الفئة في العسكر، فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة، كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين، والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز، ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمدُ عاقبة، وأبقى عليهم، أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد -في هذه الحال- أن تكون من الأحوال المرخص فيها؛ لأنه -على هذا- لا يتصور الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد».
التعوذ من الجبن
فائدة: قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ بالله من الجبن، والجبن خلق مذموم عند جميع الخلق، وأهل الجبن هم أهل سوء الظن بالله، وأهل الشجاعة والجود هم أهل حسن الظن بالله، كما قال بعض الحكماء في وصيته عليكم بأهل السخاء والشجاعة، فإنهم أهل حسن الظن بالله، والشجاعة جُنّة للرجل من المكاره، والجبن إعانة منه لعدوه على نفسه، فهو جند وسلاح يعطيه عدوه ليحاربه به، وقد قالت العرب: (الشجاعة وقاية والجبن مقتلة) وقد أكذب الله -سبحانه- أطماع الجبناء في ظنهم أن جبنهم ينجيهم من القتل والموت، فقال الله -تعالى-: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ} (الأحزاب: 16)، اعتبر ذلك في معارك الحروب بأن من يُقتل مدبرًا أكثر ممن يُقتل مقبلًا، وفي وصية أبي بكر الصديق لخالد بن الوليد -رضي الله عنهما-: (احرص على الموت توهب لك الحياة)، وقال خالد بن الوليد - رضي الله عنه -: (حضرت كذا وكذا زحفًا في الجاهلية والإسلام، وما في جسدي موضع إلا وفيه طعنة برمح أو ضربة بسيف، وها أنا ذا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء)، ولا ريب عند كل عاقل أن استقبال الموت إذا جاءك خير من استدباره، والله أعلم».
  • قوله: وقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (الأنفال: 65)، قال الإمام الطبري: «قال أبو جعفر: يقول -تعالى- ذكره لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}، حُثَّ متبعيك ومصدِّقيك على ما جئتهم به من الحق، على قتال من أدبر وتولى عن الحق من المشركين {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ} رجلًا {صَابِرُونَ}، عند لقاء العدو، ويحتسبون أنفسهم ويثبتون لعدوهم {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، من عدوهم ويقهروهم {إِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ}، عند ذلك {يَغْلِبُوا}، منهم {أَلْفًا} {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُو}، يقول: من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير رجاء ثواب، ولا لطلب أجر ولا احتساب، لأنهم لم يفقهوا أن الله مُوجبٌ لمن قاتل احتسابًا، وطلب موعود الله في الميعاد، ما وعد المجاهدين في سبيله، فهم لا يثبتون إذا صدقوا في اللقاء، خشية أن يُقتلوا فتذهب دنياهم، ثم خفف -تعالى ذكره- عن المؤمنين، إذ علم ضعفهم، فقال لهم: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ}، يعني: أن في الواحد منهم عن لقاء العشرة من عدوهم ضعفًا {فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ}، عند لقائهم للثبات لهم { يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} منهم { وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ} منهم {بِإِذْنِ اللَّهِ} يعني: بتخلية الله إياهم لغلبتهم، ومعونته إياهم {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}، لعدوهم وعدو الله، احتسابًا في صبره، وطلبًا لجزيل الثواب من ربه، بالعون منه له، والنصر عليه».
لا تتمنّوا لقاء العدو
  • قوله: ولحديث عبد الله بن أبي أوفى في صحيح البخاري: «لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»، قال ابن حجر العسقلاني: «فأمر بترك التمني؛ لما فيه من التعرض للبلاء، وخوف اغترار النفس، إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع، ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع؛ تسليمًا لأمر الله -تعالى»-.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْعَى فِيمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ فَيَبْخَلُ بِالْوَفَاءِ؛ وَكَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُعَاهِدُ اللهَ عُهُودًا عَلَى أُمُورٍ، وَغَالِبُ هَؤُلَاءِ يُبْتَلَوْنَ بِنَقْضِ الْعُهُودِ، وَيَقْتَضِي أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اُبْتُلِيَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَصْبِرَ وَيَثْبُتَ، وَلَا يَتَّكِلَ حَتَّى يَكُونَ مِنْ الرِّجَالِ الْمُوقِنِينَ الْقَائِمِينَ بِالْوَاجِبَاتِ، وَلَابُدَّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مِنْ الصَّبْرِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّبْرُ وَاجِبًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ.
الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ
وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ عَنْ أَنْ يَجْزَعَ فِيهَا، وَالصَّبْرُ عَنْ اتِّبَاعِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ فِيمَا نَهَى اللهُ عَنْهُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ الصَّبْرَ فِي كِتَابِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ مَوْضِعًا وَقَرَنَهُ بِالصَّلَاةِ فِي قَوْله -تعالى-: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45), {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة: 153) وَقَوْلِهِ: {اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (هود: 114) إلَى قَوْلِهِ: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (هود: 115), {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} (طه: 130), {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} (غافر:55) الْآيَةَ وَجَعَلَ (الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ) مَوْرُوثَةً عَنْ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ بِقَوْلِهِ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة: 24) فَإِنَّ الدِّينَ كُلَّهُ عِلْمٌ بِالْحَقِّ وَعَمَلٌ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِهِ لَابُدَّ فِيهِ مِنْ الصَّبْرِ، بَلْ وَطَلَبُ عِلْمِهِ يَحْتَاجُ إلَى الصَّبْرِ كَمَا قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -]- عَلَيْكُمْ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ طَلَبَهُ لِلهِ عِبَادَةٌ، وَمَعْرِفَتَهُ خَشْيَةٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ. بِهِ يُعْرَفُ اللهُ وَيُعْبَدُ، وَبِهِ يُمَجَّدُ اللهُ وَيُوَحَّدُ، قَالَ -تعالى-: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم: 1 - 2) فَلَا يُنَالُ الْهُدَى إلَّا بِالْعِلْمِ وَلَا يُنَالُ الرَّشَادُ إلَّا بِالصَّبْرِ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ: أَلَا إنَّ الصَّبْرَ مِنْ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ -فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّأْسُ بَانَ الْجَسَدُ- ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ: أَلَا لَا إيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ».
الفوائد السلوكية لشعبة الشجاعة
  • القرآن والإيمان يعززان في نفس المؤمن القوة والشجاعة.
  • يشعر المسلم بعزته أمام جموع الكافرين إذ يجد من الله تثبيتا وتصبيرا وعونا وحسن موعود.
  • الثبات أمام الأعداء وعدم الفرار من الزحف أعظم انتصار للإنسان، وهذا ينعكس على سلوك المسلم بانتصاره على شهوات النفس وملذاتها وقهر أهوائها الجامحة ورغباتها.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* التعريف والدعوة وحسن الأسوة
* ثق بربك لا بنفسك
* صفات الرجولة ومعالمها
* حاجة الشباب إلى الإيمان
* حقيقة غائبة!
* القلب بين العلائق والعوائق ء
* أنت الجماعة ولو كنت وحدك

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
مُخْتصر, الإيمان, شَرْحُ, شُعَب
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الحياء من الإيمان ام هُمام ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 19 07-01-2025 04:57 AM
حياة الإيمان عبده نصار ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية 1 01-28-2019 07:13 AM
فقد استكمل الإيمان أبو دعاء ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية 6 05-14-2013 11:07 PM
الإيمان في القلب آمال ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 6 11-28-2012 11:46 PM
الإيمان يزيد وينقص جندالاسلام ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 2 01-16-2012 10:10 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009