![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#319 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 331 الى صـــ 350 الحلقة (319) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، ثَنَا أَبي، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الحَجَّاجِ بْنِ الحَجَّاجٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ أبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيُحَجَّنَّ البَيْتُ، وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوج يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ» قال أبو عبد الله: سمع قتادة عبد الله، وعبد الله أَبا سعيد، تَابَعَهُ أَبَانُ وَعِمْرَانُ، عَنْ قَتَادَةَ. وَقَالَ عَبْدُ الرحْمَنِ، عَنْ شُعْبَةَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ البَيْتُ». وَالأَوَّلُ أكْثَرُ. الشرح: أما الآية فقوله: (﴿قِيَامًا﴾) أي: قوامًا لدينهم، وعصمة لهم، وقيامًا للناس لو تركوه عامًا لم ينظروا أن يهلكوا أو يقومون بشرائعها ﴿وَالشَّهْرَ الحَرَامَ﴾ لا يقاتلون فيه وهو: رجب أو ذو القعدة، أو الأشهر الحرم، ﴿وَالهَدْيَ﴾ كل ما يهدى للبيت من شيء، أو ما يقلد من النعم، وقد جعل على نفسه أن يهديه ويقلده، ﴿وَالقَلَائِدَ﴾ قلائد الهدي، أو كانوا إذا حجوا تقلدوا من (لحاء) (١) الشجر ليأمنوا في ذهابهم وإيابهم، أو كانوا يأخذون لحاء سمر الشجر إذا خرجوا فيتقلدونه، ليأمنوا فنهوا عن نزع شجر الحرم. وقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ الآية، ومجانسته هذا للأول أن الذي ألهمهم هذا يعلم ذلك. وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم أيضًا (٢). ------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: اللحاء بالمد والكسر: القشر (٢) «صحيح مسلم» (٢٩٠٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة = وحديث أبي سعيد من أفراده، وله من حديث ابن عباس يأتي بعد أيضًا: «كأني به أسود أفحج ينقلها حجرًا حجرًا» (١). وأحمد (خ. د. س) السالف هو ابن حفص بن عبد الله بن راشد السلمي مولاهم، قاضي نيسابور، مات سنة ستين، كذا بخط الدمياطي (٢). وقال غيره؛ ثماني وخمسين ومائتين، وهو ما في «الكاشف» (٣). وإبراهيم هو ابن طهمان، وحجاج هو الأحول الثقة مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وله ألقاب: الأسود، وزق العسل، والعسلي، وقيل: هما اثنان، وعبد الله هو مولى أنس مصري صدوق، ولأبي داود الطيالسي من حديث أبي هريرة بإسناد جيد: «يبايع لرجل بين الركن والمقام، وأول من يستحل هذا البيت أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم يجيء الحبشة فيخربونه خرابًا لا يعمر بعده، وهم الذين يستخرجون كنزه» (٤). ولأبي نعيم بسند فيه مجهول: «كأني انظر إلى أصيلع أفدع أفحج على ظهر الكعبة يهدمها بالكرزنة». ولأحمد من حديث ابن عمرو: «يسبيها (٥) حليها ويجردها من --------------- = حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت من النبلاء. (١) سيأتي قريبًا برقم (١٥٩٥) باب: هدم الكعبة. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: ما قاله الدمياطي قاله الكلاباذي وأبو علي الغساني وابن خلفون ومحمد بن طاهر وقيل توفي سنة ٢٥٥ وما قاله في»الكاشف«أصح، والله أعلم وبه جزم الذهبي في»الوفيات«وقال النسائي ومسلمة ثقة وقال النسائي صدوق لا بأس به. وقد روى له مسلم في غير الصحيح. (٣)»الكاشف«١/ ١٩٢ (٢٢) (٤)»مسند أبي داود الطيالسي«٤/ ١٢٧ (٢٤٩٤). (٥) كذا في الأصل، وفي»المسند": يسلبها. كسوتها وكأني انظر إليه أصيلع أفيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله» (١). ولابن الجوزي من حديث حذيفة مرفوعًا: «خراب مكة من الحبشة على يد حبشي، أفحج الساقين، أزرق العينين، أفطس الأنف، كبير البطن، معه أصحابه، ينقضونها حجرًا حجرًا، ويتناولونها حتى يرموا بها البحر -يعني الكعبة- وخراب المدينة من الجوع، وخراب اليمن من الجراد». وفي «غريب أبي عبيد» عن علي: «استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يُحال بينكم وبينه، فكأني برجل من الحبشة أصلع أو أصمع (٢) حمش الساقين قاعد عليها، وهي تهدم» (٣). ورفعه الحاكم، وفيه: «أصمع أفدع، بيده معول، وهو يهدمها حجرًا حجرًا» (٤). وذكر الحُليمي: أنَّ ذلك يكون زمن عيسى، وأنَّ الصريخ يأتيه بأن ذا السويقتين قد سار إلى البيت يهدمه، فيبعث عيسى - عليه السلام - طائفة بين الثمان إلى التسع. وفي «منسك الغزالي» وحكاه ابن التين عن بعضهم: لا تغرب الشمس في يوم إلَّا ويطوف بهذا البيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلَّا طاف بهذا البيت واحد من الأوتاد، وإذا انقطع ----------- (١) «المسند» ٢/ ٢٢٠. (٢) كذا بالأصل، وفي «غريب أبي عبيد»: أصعلٍ أصمع. (٣) «غريب الحديث» ٢/ ١٤٠. (٤) «المستدرك» ١/ ٤٤٨، ٤٤٩ كتاب: المناسك، وقال الألباني في «الضعيفة» ٢/ ٢٣ (٥٤٤): موضوع، رواه الحاكم وسكت عليه وتعقبه الذهبي قائلًا: حصين واه، ويحيى الحماني ليس بعمدة، وأقول -أي: الألباني-: حصين كذاب كما قال ابن خراش وغيره، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، اهـ. ذلك كان سبب رفعه من الأرض، فيصبح الناس وقد رفعت الكعبة ليس فيها أثر، وهذا إذا أتى عليها سبع سنين لم يحجها أحد، ثم يرفع القرآن من المصاحف ثم من القلوب، ثم يرجع الناس إلى الأشعار والأغاني وأخبار الجاهلية، ثم يخرج الدجال، ثم ينزل عيسى فيقتله، والساعة عند ذلك كالحامل المقرب ولادتها. وفي كتاب «الفتن» لنعيم بن حمَّاد: حدثنا بقية، عن صفوان، عن شريح، عن كعب: يخرج الحبشة خرجةً يهبون فيها إلى البيت، ثم يفزع إليهم أهل الشام فيجدونهم قد افترشوا الأرض في أودية بني علي، وهي قريبة من المدينة حتى إنَّ الحبشي يباع بالشملة. قال صفوان: وحدثني أبو اليمان، عن كعب قال؛ يخربون البيت وليأخذن المقام فيدركون على ذلك فيقتلهم الله (١). وفيه: يخرجون بعد يأجوج (ومأجوج) (٢). وعن عبد الله بن عمرو: تخرج الحبشة بعد نزول عيسى، فيبعث عيسى طليعة فيهزمون (٣)، وفي رواية: تهدم مرتين، ويرفع الحجر في المرة الثالثة (٤)، وفي رواية: ويرفع في الثالثة (٥)، وفي رواية: ويستخرجون كنز فرعون يمنعه من الفسطاط، ويقتلون بوسيم (٦). ---------- (١) رواه نعيم بن حماد في «الفتن» ٢/ ٦٧٠ (١٨٧٨)، ٢/ ٦٧٢ (١٨٨٦). (٢) ساقطة من الأصل والمثبت من مصادر التخريج. (٣) «الفتن» ٢/ ٦٧٠ (١٨٧٩). (٤) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٣٥٩ (٧٤٨)، ونعيم بن حماد في «الفتن»٢/ ٦٧١ (١٨٨٤). (٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ٤٦١ (٣٧٢٢٢)، كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها. (٦) «الفتن» ٢/ ٦٧٢ (١٨٨٧). وفي لفظ: فيأتون في ثلاثمائة ألف عليهم أسيس أو أسبس (١)، وقيل: خرابه يكون بعد رفع القرآن من الصدور والمصاحف، وذلك بعد موت عيسى، وصححه القرطبي قال: ولا تعارض بين هذا وبين كون الحرم آمنًا؛ لأنِّ تخريبها إنما يكون عند خراب الدنيا، ولعله لا يبقى إلَّا شرار الخلق، فيكون آمنا مع بقاء الدين وأهله، فإذا ذهبوا ارتفع ذلك المعنى. وتحقيقه أنه لا يلزم من الأمن الدوام، بل إذا حصلت له حرمة وأمن في وقت ما فقد صدق ذلك. وأما حديث: «ثم عادت حرمتها إلى يوم القيامةج فالحكم بالحرمة والأمن لم يرتفع، ولا يرتفع إلى يوم القيامة، وأما وقوع الخوف فيها وترك حرمتها فقد وُجد من ذلك في أيام يزيد وغيره كثيرًا (٢). وقال عياض: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧] أي: إلى قرب القيامة (٣). وقيل: يخص منه قصة ذي السويقتين. فإنْ قلت: ما السر في حراسة الكعبة من الفيل، ولم تحرس في الإسلام بما صنع بها الحَجاج والقرامطة وذو السويقتين؟ قلت: الجواب ما ذكره ابن الجوزي أن حبس الفيل كان من أعلام نبوته ودلائل رسالته، ولتتأكد الحجة عليهم، بالأدلة التي شوهدت بالبصر قبل الأدلة التي ترى بالبصائر، وكان حكم الجيش أيضًا دلالة على وجود الناصر. -------- (١)»الفتن«٢/ ٦٧٢ (١٨٨٨)، ٢/ ٦٧٤ (١٨٩٣). (٢)»المفهم«٧/ ٢٤٦. (٣)»إكمال المعلم" ٨/ ٤٥٤. وقال ابن المنير: دخول هذا الحديث تحت ما ترجم له؛ ليبين أن الأمر المذكور مخصوص بالزمن الذي شاء الله فيه بالأمان، وأنه إذا شاء الله رفعه عند خروج ذي السويقتين، ثم إذا شاء أعاده بعد (١). وقال ابن بطال: حديث أبي هريرة مبين لقوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا البَلَدَ آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] أي: غير وقت تخريبه؛ لأنَّ ذلك لا يكون إلَّا باستباحة حرمتها. وتغلبه عليها، ثم تعود حرمتها ويعود الحج كما أخبر خليله إبراهيم فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٢٧] فهذا شرط الله -عز وجل- لا ينخرم ولا يحول، وإن كان في خلاله وقت يكون فيه خوف فلا يدوم، ولا بدَّ من ارتفاعه، ورجوع حرمتها وأمنها وحج العباد إليها، كما كان إجابة لدعوة خليله - عليه السلام -، يدل عليه حديث أبي سعيد في الكتاب. وعلى ذلك لا تضاد، ولو صح ما ذكره قتادة: لا يحج البيت، لكان ذلك وقتًا من الدهر، ويحتمل أنْ يكون ذلك وقت تخريبها بدليل حديث أبي سعيد (٢). وقال ابن التين: قيل: هذا ليس باختلاف قد ينقطع ثم يعود، قال: وفي حديث آخر: «لا تزول مكة حتى تزول أخشباها» يعني: جبليها، أي: لا يزول الحج، ومعنى خرابه له في وقت يدعه الله إلى ذلك، ابتلاءً منه شقوة له وليسود وجهه، وليعلم من يرتاب من ذلك، ولعله هو الذي يخسف بجيشه، وكأنه مفهوم البخاري فيما ترجمه بعد من ------------- (١) «المتواري» ص ١٣٧. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٧٥. باب: هدم الكعبة، وذكر عن عائشة رفعته «يغزو جيش الكعبة فيخسف بهم» (١). وروي عن علي مرفوعًا: «قال الله -عز وجل-: إذا أردت أن أخرب الدنيا، بدأت ببيتي فخربته، ثم أخرب الدنيا على أثره» (٢). ويخرب رباعي بضم الياء. قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الحشر: ٢] وقد منع الله صاحب الفيل في الوقت الذي شاء كما سلف. ويغزوه جيش كما ذكرناه، ويأذن في هذا الوقت الذي شاء ثم يعود، ولا فرق بين هذا وبين إدالة المشركين على المؤمنين، وقتل الأنبياء، وكلٌ ابتلاء. والحبش: جنس من السودان، وهم الأحباش والحبشان، وقد قالوا: الحبشة، وليس بصحيح في القياس؛ لأنه لا واحد له على مثال فاعل، فيكون مكسرًا على فعلة، والأحبوش: جماعة الحبش، وقيل: هم الجماعة أيّا كانوا؛ لأنهم إذا تجمعوا اسودوا. قال الجوهري: الحبش والحبشة جنس من السودان (٣). وقال ابن دريد: الحبشة على غير قياس، وقد قالوا: حبشان أيضًا، ولا أدري كيف هو (٤). ----------- (١) سيأتي برقم (٢١١٨) كتاب: البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق، ورواه مسلم (٢٨٨٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت. بلفظ مختلف. (٢) أورده العجلوني في: «كشف الخفاء» ١/ ٧٩ (١٩٣) وقال: رواه في «الإحياء»، قال العراقي في تخريجه: لا أصل له. (٣) «الصحاح» ٣/ ٩٩٩. (٤) «جمهرة اللغة» ١/ ٢٧٨. وقال الرشاطي: هم من ولد كوش بن حام، وهم أكثر ملوك السودان، وجميع ممالك السودان يعطون الطاعة للحبش. روى سفيان بن عيينة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا خير في الحبش، إنْ جاعوا سرقوا، وإنْ شبعوا زنوا، وإنَّ فيهم حسنتين: إطعام الطعام، والبأس يوم البأس» (١). وقال ابن هشام في «تيجانه»: أول من جرى لسان الحبشة على لسانه سُحلب بن أداد بن ناهس بن سرعان بن كوش بن حام بن نوح، ثم تولدت من هذِه اللسان ألسن استخرجت منه، وهذا هو الأصل. وقوله في حديث ابن عباس الذي سقناه من عند البخاري: «كأني به أسود أفحج ينقلها حجرًا حجرًا» يعني: الكعبة. والأفحج بحاء ثم جيم: البعيد ما بين الرجلين، وذلك من نعوت الحبشان، ولذلك قال: ذو السويقتين؛ لأن في سوقهم حموشة أي: دقة، وصغرهما لدقتهما ونقصهما، وأتى بالتاء لأنّ الساق مؤنثة، وذكره أبو المعالي في «المنتهى» في الحاء والجيم كما أسلفناه، وقال: هو تداني صدور القدمين، وتباعد العقبين، وفتح الساقين. قال: وهو عيب في الخيل، وقال في الجيم والحاء: الفجح بالتحريك تباعد ما بين الساقين، ومن الدواب ما بين العرقوبين، وهو أقبح من الفحج أي من الأول، وذكره في «المحكم» في الحاء والجيم ------------- (١) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٣٢٣ - ٣٢٤ (٢١٥٠) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة مولى بن عباس - رضي الله عنه -، عن ابن عباس مرفوعًا، والبزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ٣١٦ (٢٨٣٦)، والطبراني ١١/ ٤٢٨ (١٢٢١٣)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ١٠٣، وقال الألباني في «الضعيفة» ٢/ ١٥٨ (٧٢٨): موضوع. أيضًا، وقال في الثاني: هو تباعد ما بين القدمين (١)، وفي «المخصص»: هو تباعد ما بين الفخذين رجل أفحج وامرأة فحجاء. وعن أبي حاتم فخذ فخجاء بخاء معجمة: وهي التي بانت من صاحبتها، والمصدر، الفخج، وقد يكون في إحدى الفخذين (٢). وفي «الجامع»: الجمع فحج. وقال ابن دريد: هو تباعد بين الرجلين (٣). وفي «المجمل» و«المغرب»: هو تباعد ما بين أوساط الساقين في الإنسان والدابة (٤)، واقتصر عليه ابن بطال (٥). وأما حديث عائشة فهو مصدق للآية، ومعناه: أن المشركين كانوا يعظمون الكعبة قديمًا بالستور والكسوة، ويقدمون إليها كلما يفعل المسلمون. وقال الإسماعيلي: جمع أبو عبد الله فيه بين حديث عقيل وابن أبي حفصة في المتن، ولم يبين، وحديث ستر الكعبة في حديث ابن أبي حفصة وحده ثم ساقه، وحديث عقيل ليس فيه ذكر الستر ثم ساقه بدونه. قال: فإن كان أراد بيان اسم الكعبة التي تذكر في الآية فذاك، وإلَّا فليس ما في الباب من الترجمة في شيء. ---------- (١) «المحكم» ٣/ ٦٥. (٢) «المخصص» ١/ ١٧٢ - ١٧٣. (٣) «جمهرة اللغة» ١/ ٤٣٩. (٤) «مجمل اللغة» ٣/ ٧١٣. (٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٧٨. قلتُ: لعل البخاري أراد أصل الحديث على عادته، وإن كان ظاهره غير مطابق للترجمة. وادعى بعضهم أنه أراد من حديث عقيل التصريح بسماع ابن شهاب من عروة، وليس كما ذكر، فإنه لم يأت به. نعم هو عند الإسماعيلي وأبي نعيم. ٤٨ - باب (١) كِسْوَةِ الكَعْبَةِ ١٥٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ. وَحَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا المَجْلِسَ عُمَرُ - رضي الله عنه - فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِى بِهِمَا. [٧٢٧٥ - فتح: ٣/ ٤٥٦] ذكر فيه حديث أبي وائل من طريقين: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ. وفي لفظ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الكُرْسِيِّ فِي الكَعْبَةِ فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هذا المَجْلِسَ عُمَر - رضي الله عنه - فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهُ. قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا. قَالَ: هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا. هذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام في باب الاقتداء بالسنة، وفيه: ما أنت بفاعل؟ قال: لم؟ قلتُ: لم يفعله صاحباك، فقال: هما المرآن يقتدي بهما (٢)، وهذا الحديث جعله الحميدي (٣) وأبو مسعود الدمشقي وقبلهما الطبراني من مسند شيبة (٤)، وهو ابن عثمان بن أبي طلحلة الحجبي، أسلم يوم الفتح، ومات سنة تسع وخمسين (٥)، ------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن بعد العشرين كتبه مؤلفه. (٢) سيأتي برقم (٧٢٧٥). (٣) «الجمع بين الصحيحين» ٣/ ٤٨٥ (٣٠٣٧). (٤) «المعجم الكبير» ٧/ ٣٠٠ (٧١٩٦). (٥) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٢٦٩ (١٢١٠)، و«أسد الغابة» ٢/ ٥٣٤ (٢٤٦٦)، و«الإصابة» ٢/ ١٦١ (٣٩٤٥). وخالف ذلك خلف فذكره في مسند عمر بن الخطاب. وتقديم البخاري الإسناد الأول لمعنيين: أولهما: تصريح سفيان فيه -وهو ابن سعيد- بالسماع. ثانيهما: من عادة الأئمة غالبًا الابتداء بالنازل، ثم العالي (١)، وهو كذلك في الأول إلى أبي وائل أربعة، وفي الثاني: ثلاثة. وعند ابن ماجه عن أبي وائل قال: بعث رجل معي بدراهم هدية إلى البيت، فدخلت البيت، وشيبة جالس على كرسي فناولته إياها فقال: ألك هذِه؟ قلتُ: لا، ولو كانت لي لم آتك بها. قال: أما لئن قلت ذاك، لقد جلس عمر مجلسك الذي أنت فيه، وقال: لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة، الحديث. وفيه: فقلت: لأنه - عليه السلام - قد رأى مكانه، وأبو بكر وهما أحوج منك إلى المال، فلم يحركاه، فقام كما هو فخرج (٢). وقال الإسماعيلي: ليس في الخبر لكسوة الكعبة ذكر. --------- (١) الإسناد العالي هو: الإسناد الذي قلَّ عدد رجاله بالنسبة إلى إسناد آخر لنفس الحديث أو نفس المتن كثر عدد رجاله. والإسناد النازل هو: الإسناد الذي كثر عدد رجاله بالنسبة إلى إسناد آخر لنفس الحديث أو نفس المتن قل عدد رجاله. والإسناد العالي أفضل من النازل؛ لأن عدد رجاله أو وسائطه أقل وكلما قلت الوسائط أو الرجال قلَّ احتمال وقوع الخطأ، والعكس. والإسناد النازل قد يكون أفضل في حالة واحدة، إذا كان رجاله أوثق وأضبط وأتقن من الإسناد العالي، وقد شغف المتقدمون بالإسناد العالي وبذلوا في طلبه الرحلات الطويلة الشاقة. انظر: «علوم الحديث» لابن الصلاح ص: ٢٥٥ - ٢٦٤، و«المقنع في علوم الحديث» للمصنف ٢/ ٤٢١ - ٤٢٦، و«فتح المغيث» للسخاوي ٣/ ٢ - ٢٧. (٢) «سنن ابن ماجه» (٣١١٦) وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٥٢٩). قلتُ: الجواب -كما أفاده ابن بطال-: لأنَّ منْ المعلوم أنَّ الملوك في كل سنة كانوا يتفاخرون بتسبيل الأموال لها، فأراد البخاري أنَّ عمر لمَّا أراد قسمة الذهب والفضة الموقوفين بها على أهل الحاجة صوابًا، كان حكم الكسوة حكم المال يجوز قسمتها، بل ما فضل من كسوتها أولى بالقسمة على أهل الحاجة من قسمة المال، إذ قد يمكن نفقة المال فيما تحتاج إليه الكعبة في إصلاح ما وَهَى منها، وفي (وقيد) (١) وأجرة قيم، والكسوة لا تدعو إليها ضرورة، ويكفي منها بعضها (٢). ونحا نحوه ابن المنير فقال: يحتمل أنْ يكون مقصوده بالترجمة التنبيه على أنَّ كسوة الكعبة مشروعة ومأثورة، ولم تزل تقصد بمال يوضع فيها على معنى الزينة والجمال؛ إعظامًا لحرمتها في الجاهلية والإسلام، والكسوة من هذا القبيل. ويحتمل أن يريد التنبيه على حكم الكسوة، وهل يجوز التصرف فيما عتق منها كما يصنع الآن؟ فنبَّه على أنه موضع اجتهاد، وأنَّ مقتضى رأي عمر أن يقسم في المصالح، وأنَّ رأي الشارع والصديق يخالف رأيه. قال: والظاهر جواز قسمة الكسوة العتيقة إذ بقاؤها تعريض لفسادها بخلاف النقدين، وإذ لا جمال في كسوة عتيقة مطوية، ويؤخذ من قول عمر أن صرف المال في الفقراء والمساكين آكد من صرفه في كسوة الكعبة، لكن الكسوة في هذِه الأزمنة أهم؛ إذ الأمور المتقادمة تتأكد حرمتها في النفوس، وقد صار تركها في العرف غضا في الإسلام، ---------- (١) كذا صورتها في الأصل، وفي «شرح ابن بطال» وهو المصدر المنقول منه وضع محقق الكتاب مكانها بياضًا بين قوسين وعلق قائلًا: كلمة لم أستطع قراءتها في الأصل. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧. واضعًا لقلوب المسلمين (١). ولك أن تقول: لعل البخاري أراد أصل الحديث على عادته في الاستنباط وهو قوله عند ابن ماجه: «مال الكعبة» (٢) وهي داخلة فيه. يؤيده قوله - عليه السلام -: «وهل لك من مالك إلا ما لبست فأبليت» (٣). فجعل اللبس وهو الكسوة مالًا. قال صاحب «التلخيص»: لا يجوز بيع أستارها، وكذا قال أبو الفضيل بن عبدان: لا يجوز قطع أستارها ولا قطع شيء من ذلك، ولا يجوز نقله ولا بيعه ولا شراؤه، قال: ومن عمل شيئًا من ذلك كما تفعله العامة يشترونه من بني شيبة لزمه رده، ووافقه الرافعي. وقال ابن الصلاح: الأمر فيها إلى الإمام يصرفه في بعض مصارف بيت المال بيعًا وعطاء. واحتج بما ذكره الأزرقي: أنَّ عمر كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقسمها على الحاج (٤). وعند الأزرقي عن ابن عباس وعائشة أنهما قالا: تباع كسوتها، ويجعل منها في سبيل الفقراء والمساكين وابن السبيل، قالا: ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارت إليه من حائض وجُنب وغيرهما، وكذا قالته أم سلمة (٥). وذكر ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى -وسُئل عن رجل سرق من الكعبة- فقال: ليس عليه قطع (٦). ----------- (١) «المتواري» ص: ١٣٨ - ١٣٩. (٢) ابن ماجه (٣١١٦). (٣) رواه مسلم (٢٩٥٨). (٤) «أخبار مكة» ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩. (٥) «أخبار مكة» ١/ ٢٦١ - ٢٦٢. (٦) «المصنف» ٦/ ٣ (٢٩٠٠١). وذكر محمد بن إسحاق في «سيره» تبان أسعد كرب، وهو تُبَّعُ الآخر، وجده تُبَّع الأول، ثم ساق نسبه إلى يعرب بن قحطان، قال: كان هو وقومه أصحاب أوثان يعبدونها، وجه إلى مكة حتى إذا كان بين عسفان وأمجَ أتاه نفر من هذيل بن مدركة فقالوا: ألا ندلك على بيت مال داثر؟ قال: بلى، قالوا: مكة. وإنما أراد الهذليون هلاكه؛ ما عرفوا هلاك من أراده من الملوك، فقال له حبران كانا معه: إنما أراد هؤلاء هلاكك، قال: فبماذا تأمراني؟ قالا: تصنع عنده ما يصنع أهله، تحلق وتطوف وتنحو، ففعل، وأقام بمكة ستة أيام ينحر للناس ويطعمهم، فَأُرِيَ في المنام أنْ يكسو البيت، فكساه الخصف، ثم أُرِيَ أن يكسوه أحسن من ذلك، فكساه المعافر، ثم أُريَ أنْ يكسوه أحسن من ذلك، فكساه الملاء والوصائل، فكان تبع فيما يزعمون أول من كسا البيت. وقال في موضع آخر عن ابن إسحاق: أول من كساها الديباج الحجاج، وذكر ابن قتيبة أنَّ هذِه القصة كانت قبل الإسلام بسبعمائة سنة. وفي «معجم الطبراني» من حديث ابن لهيعة ثنا أبو زرعة بن عمرو سمعت سهل بن سعد رفعه: «لا تسبوا تبعًا فإنه قد أسلم». وقال: لا يروى عن سهل إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به ابن لهيعة (١). وفي «مغائص الجوهر في أنساب حمير»: كان يدين بالزبور. وذكر ابن أبي الأزهر في «تاريخه»: أول من كساها عدنان بن أدد، وفي كتاب الكلبي: تبع بن حسان بن تبع بن ملكيكرب، وهو تبع ------------- (١) «المعجم الأوسط» ٣/ ٣٢٣ (٣٢٩٠)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٣١٩)، وانظر: «الصحيحة» ٥/ ٥٤٨ (٢٤٢٣). الأصغر، وآخر التبابعة، أتى مكة وطاف بها وحلق كالذي فعل جده تبع الأوسط، وكسا البيت الملاء والخز والديباج، وهو القائل: كسونا البيت الذي حرَّم الله … .................... وقيل: بل قائله تبع الأوسط، والأول أصح وأكثر، وهو الذي عليه العلماء باليمن. وزعم الزبير أنَّ أول من كساها الديباج عبد الله بن الزبير، زاد أبو بكر التاريخي وغيره جوفها أجمع، وكان يصب الطيب فيما بين أضعاف البنيان. وذكر بعض الحجبة أنه وجد قطعة ديباج من ديباج الكعبة فيها بما أمر به أبو بكر أمير المؤمنين، وكان ينقل بنفسه الحجارة لبنائها، قال عامر ابنه: رأيته يشرب الماء وهو نائم من اللغب. قال أبو بكر بإسناده إلى عمر أنه كان ينزع كسوة الكعبة كل عام يقسمها في الحاج، فيستترون بها ويستظلون بها على الشجر، وهذا سلف في «أخبار مكة وفتوحها» للفاكهي (١)، ويقال: أول من كساها الديباج عبد الملك بن مروان. وفي «الأوائل» لأبي عروبة الحراني من حديث الأشعث، عن الحسن قال: أول شيء كسية الكعبة أن سيدنا رسول الله - ﷺ - كساها قباطي. وذكر الدارقطني أنَّ نتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب كانت قد أضلت العباس صغيرًا فنذرت إن وجدته أن تكسو الكعبة الديباج، ففعلت ذلك حين وجدته، وكانت من بيت مملكة (٢). --------- (١) «أخبار مكة» ٥/ ٢٣٢ (٢١٢). (٢) رواه الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» ١/ ٤٦٦. وللأزرقي عن ابن جريج: كان تبع أول من كسا البيت كسوة كاملة، أُرِيَ في المنام أن يكسوها، فكساها الأنطاع، ثم أُرِي أن يكسوها ثياب حبرة من عصب اليمن (١). ثم كساها الناس بعده في الجاهلية، ثم ذكر أيضًا أن النبي - ﷺ - كساها، ثم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ومعاوية بن أبي سفيان وابن الزبير الديباج، وكانت تُكسى يوم عاشوراء ثم صار معاوية يكسوها مرتين، والمأمون كان يكسوها ثلاثًا: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان (٢). وذكر الماوردي أن أول من كساها الديباج خالد بن جعفر بن كلاب، أخذ لطيمة (٣) تحمل البر ووجد فيها أنماطًا فعلقها على الكعبة. وذكر الجاحظ أن أول من خلَّقها عبد الله بن الزبير. وفي كتاب ابن اسحاق أول من جلاها عبد المطلب بن عبد مناف، لمَّا حفرها بالغزالين اللذين وجدهما من ذهب (٤). وفي ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق، عن عجوز من أهل مكة قالت: أُصيب ابن عفان وأنا ابنة أربع عشرة سنة، قالت: ولقد رأيت البيت وما عليه كسوة إلا ما يكسوه الناس الكساء الأحمر يطرح عليه، والثوب الأصفر والكساء الصوف، وما كسي من شيء علق عليه، ولقد رأيته وما عليه ذهب ولا فضة، قال --------- (١) «أخبار مكة» ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠. (٢) «أخبار مكة» للأزرقي ١/ ٢٥٢ - ٢٥٦. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: اللطيمة: العير التي تحمل الطيب وبز التجار، وربما قيل لسوق العطارين: لطيمة. (٤) «سيرة ابن إسحاق» ص ٦ (١٢). محمد: لم يُكسَ البيت على عهد أبي بكر ولا عمر، وأن عمر بن عبد العزيز كساه الوصائل والقباطي. وعن ليث بن أبي سليم قال: كانت كسوة الكعبة على عهد رسول الله - ﷺ - الأنطاع والمسوح (١). وقال ابن دحية: كساها المهدي القباطي والخز والديباج، وطلى جدرانها بالمسك والعنبر من أسفلها إلى أعلاها (٢). وفي ابن بطال: قال ابن جريج: زعم بعض علمائنا أن أول من كساها إسماعيل، قال: وبلغني أن تبعًا أول من كساها، ولم تزل الملوك في كل زمن يكسونها بالثياب الرقيقة، ويقومون بما تحتاج إليه من المؤنة؛ تبركا بذلك، فرأى عمر أن ما فيها من الذهب والفضة لا تحتاج إليه الكعبة لكثرته، فأراد أن يصرفه في منافع المسلمين؛ نظرًا لهم، فلمَّا أخبره شيبة بأنه - عليه السلام - وأبا بكر لم يتعرضا لذلك أمسك، وصوب فعلهما، وإنما تركا ذلك والله أعلم؛ لأن ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف، ولا يجوز تغيير الأوقاف عن وجوهها، ولا صرفها عن طرقها، وفي ذلك أيضًا تعظيم للإسلام وحرماته، وترهيب على العدو (٣). وقد روى ابن عيينة، عن عمرو، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لو أخذنا ما في هذا البيت -يعني الكعبة- فقسمناه، فقال له أُبي بن كعب: والله ما ذلك لك. قال: ولم؟ قال: لأن الله بين ---------- (١) «المصنف» ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩ (١٥٨١٢، ١٥٨١٤). (٢) انظر: «أخبار مكة للأزرقي» ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣. (٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٧٦. موضع كل مال، وأقره رسول الله - ﷺ -. قال: صدقت (١). وفي الحديث حجة لمن قال: إنه يجوز صرف ما جعل سبيل من سبل الله في سبيل آخر من سُبل الله، إذا كان ذلك صوابًا، وفي فعله - عليه السلام - وفعل أبي بكر حجة لمن رأى بقاء الأموال على ما سبلت عليه، وترك تغييرها عما جُعلت له. وفي قوله: (هُمَا المَرْآنِ أَقْتَدِي بهما)، من الفقه ترك خلاف كبار الأئمة، وفضل الاقتداء بهما، وأن ذلك فعل السلف. وقوله: (الْمَرْآنِ): يقال هذا مرء صالح، وفيه لغة بالضم، ولا يجمع على لفظه، وبعضهم يقول: المرءون. فإن جئت بألف الوصل كان فيه ثلاث لغات: فتح الراء على كل حال، وإعرابها على كل حال، حكاهما الفراء، وضم الراء على كل حال، وإعرابها على كل حال، تقول: هذا امرؤٌ، ورأيت امرأً، ومررت بامرئ، ولا جمع له من لفظه، وهذِه امرأة، مفتوحة الراء على كل حال. --------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٨٨ (٩٠٨٤). ٤٩ - باب هَدمِ الكَعْبَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ». [انظر: ٢١١٨] ١٥٩٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا». [فتح: ٣/ ٤٦٠] ١٥٩٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يُخَرِّبُ الكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ». [انظر: ١٥٩١ - مسلم: ٢٩٠٩ - فتح: ٣/ ٤٦٠] ثم ذكر حديث ابن عباس السالف، وحديث أبي هريرة السالف أيضًا، وقد سبقا. والتعليق الأول عنده مسند وكذا عند مسلم (١). وفيه: إخبار عما يكون من الحدثان والأشراط؛ وذلك يكون في أوقات مختلفة، فحديث عائشة هو في وقت غير هدمها، ويمكن أن يكون هدمه لها عند اقتراب الساعة، ولا يدل ذلك على انقطاع الحج، فقد سلف من حديث أبي سعيد أنه يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج، وعيسى يحج ويعتمر بعد ذلك (٢). ------------ (١) سيأتي مسندًا برقم (٢١١٨) في البيوع، باب: ما ذكر في الأسواق، ورواه مسلم (٢٨٨٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت. (٢) سلف برقم (١٥٩٣). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#320 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 351 الى صـــ 370 الحلقة (320) ٥٠ - باب مَا ذُكِرَ فِي الحَجَرِ الأَسْوَدِ ١٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [١٦٠٥، ١٦١٠ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٣/ ٤٦٢] ذكر فيه حديث عابس بن ربيعة، عَنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنَّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رسول الله - ﷺ - يُقبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من حديث عبد الله بن عمر وعبد الله ابن سرجس عن عمر (١)، والنسائي من حديث ابن عباس عنه، وعنده: قبله ثلاثًا (٢)، وعند الحاكم: وسجد عليه، ثم صحح إسناده (٣)، وعند الترمذي عنه: «نزل الحجر الأسود من الجنة أشد بياضا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم» ثم قال: حسن صحيح (٤)، وعنده عنه: «إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهد لمن استلمه يوم القيامة بحق» وقال: حسن (٥). --------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٧٠) كتاب: الحج، باب: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف. (٢) «سنن النسائي» ٥/ ٢٢٧. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٥. (٤) «سنن الترمذي» (٨٧٧). وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٧٥٦)، وانظر: «الصحيحة» ٦/ ٢٣٠ (٢٦١٨). (٥) «سنن الترمذي (٩٦١). بلفظ:»والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحق«. وصححه الألباني في»صحيح = والحاكم وقال: صحيح الإسناد (١)، وله شاهد صحيح عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «يأتي الركن والمقام يوم القيامة أعظم من أبي قبيس، له لسان وشفتان، يكلم عمن استلمه بالنية، وهو يمين الله التي يصافح بها عباده» (٢). قال: وقد روي لهذا الحديث شاهد مفسر غير أنه ليس من شرطهما، فذكره من حديث أبي سعيد الخدري (٣). وذكر على شرط مسلم من حديث جابر: بدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء وقبَّله ووضع يده عليه، ومسح بها وجهه (٤). وفي «فضائل مكة» للجندي من حديث ابن جريج، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عباس: إن هذا الركن الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه. ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة عنه زيادة: فمن لم يدرك بيعة رسول الله - ﷺ - ثم استلم الحجر فقد بايع الله ورسوله. وللطبراني من حديث إبراهيم بن يزيد المكي زيادة: ما حادى به عبد مسلم يسال الله خيرا إلا أعطاه إياه. ----------- = الجامع«(٧٠٩٨)، وانظر:»صحيح الترغيب والترهيب«٢/ ٢٨ (١١٤٤). (١)»المستدرك«١/ ٤٥٧، باللفظ الذي ذكره المصنف، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(٢١٨٤). (٢)»المستدرك«١/ ٤٥٧ وقال الألباني في»صحيح الترغيب والترهيب«٢/ ٢٩ (١١٤٥): حسن لغيره. (٣)»المستدرك«١/ ٤٥٧ - ٤٥٨. (٤)»المستدرك«١/ ٤٥٤ - ٤٥٥، وقال الألباني في»ضعيف الترغيب والترهيب" ١/ ٣٦٣ (٧٣١): منكر. ومن حديث معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن مجاهد أنه قال: يأتي الحجر والمقام يوم القيامة كل واحد منهما مثل أُحد، فيناديان بأعلى صوتهما، يشهدان لمن وافاهما بالوفاء. وعن أنس رفعه: «الركن والصفا يقوتتان من ياقوت الجنة». قال الحاكم: صحيح الإسناد (١). وعن ابن عمرو مرفوعًا: «الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة، طمس الله نورهما، ولولا ذلك لأضاء ما بين المشرق والمغرب» ذكره شاهدًا (٢)، وأخرجه البيهقي بإسناد جيد بزيادة «ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم، وما مسهما من ذي عاهة إلا شفي، وما على الأرض من الجنة غيره» (٣). قال ابن أبي حاتم عن أبيه: وقفه أشبه على عبد الله بن عمرو، ورجاء بن صبيح الذي رفعه ليس بقوي (٤). وعن عبد الله بن السائب: سمعت النبي - ﷺ - فيما بين ركن بني جُمح والركن الأسود يقول: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار». قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (٥). وعن ابن عباس يرفعه كان يدعو بين الركن: «رب قنعني بما رزقتني، ----------- (١)»المستدرك«١/ ٤٥٦، بلفظ: (الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة) وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(٣٥٥٩). (٢)»المستدرك«١/ ٤٥٦، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(١٦٣٣)، وانظر:»صحيح الترغيب والترهيب«٢/ ٢٩ - ٣٠ (١١٤٧). (٣)»السنن الكبرى«٥/ ٧٥. (٤)»علل الحديث«١/ ٢٩٩ (٨٩٩). (٥)»المستدرك" ١/ ٤٥٥. وبارك لي فيه، واختلف علي كل غائبة لي بخير» وقال: صحيح الإسناد (١). وعن أبي هريرة يرفعه: «وُكِّلَ بالحجر الأسود ملكًا فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. قالوا آمين» رواه ابن ماجه بإسناد فيه: إسماعيل بن عياش، بلفظ «من فاوضه -يعني الركن الأسود- فإنما يفاوض يد الرحمن» (٢). وعن ابن عباس مرفوعًا «ما مزرت على الركن إلَّا رأيت عليه ملكًا يقول: آمين، فإذا مررتم عليه فقولو ا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة» الحديث. ذكره ابن مردويه في «تفسيره» (٣)، وعن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - كان إذا طاف بالبيت مسح أو قال: استلم الحجر والركن في كل طواف. صحيح الإسناد (٤). وعند الجندي عن سعيد بن المسيب: الركن والمقام حجران من حجارة الجنة. --------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٥٥، وقال الألباني: إسناده ضعيف، وقد استغربه الحافظ؛ لأن عطاء بن السائب كان اختلط، وسعيد بن زيد سمع منه آخرًا، على ضعف في حفظه، ورواه غيره عنه موقوفًا ا. هـ. «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٢١٧ (٢٧٢٨). (٢) «سنن ابن ماجه» (٢٩٥٧)، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٥٩ (٧٢١). (٣) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٤١٨، وعزاه لابن مردويه. (٤) رواه ابن خزيمة ٤/ ٢١٦ (٢٧٢٣)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٥٦ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٧٥١)، وانظر: «الصحيحة» ٥/ ١٠٨ (٢٠٧٨). والحديث رواه أبو داود (١٨٧٦) بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في كل طوفة، قال: وكان عبد الله بن عمر يفعله. وكذا رواه النسائي ٥/ ٢٣١، أحمد ٢/ ١٨. وعن ابن عمر أنه - عليه السلام - أتى الحجر الأسود فاستلمه، ووضع شفتيه عليه وبكى بكاءً طويلًا ثم التفت فإذا عمر يبكي خلفه فقال: «يا أبا حفص ها هنا تسكب العبرات»، قال الحاكم فيه: صحيح الإسناد (١). وعنده -أعني: الجندي- عن مجاهد: الركن من الجنة ولو لم يكن منها لغني. وعن ابن عباس رفعه: «لولا ما طبع الله الركن من أنجاس الجاهلية وأوساخها وأيدي الظلمة والأثمة؛ لاستشفي به من كل عاهة، ولألفاه اليوم كهيئة يوم خلقه الله تعالى وإنما غيَّره الله بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة، وإنه لياقوتة من ياقوت الجنة بيضاء وضعه لآدم حيث أنزله في موضع الكعبة قبل أن تكون الكعبة والأرض يومئذ طاهرة، لم يعمل فيها بشيء من المعاصي، وليس لها أهل ينجسونها، ووضع لها صفًا من الملائكة على أطراف الحرم يحرسونه من جان الأرض، وسكانها يومئذ الجن، وليس ينبغي لهم أن ينظروا إليه؛ لأنه شيء من الجنة، ومن نظر إلى الجنة دخلها فهم على أطراف الحرم حيث أعلامه اليوم، محدقون به من كل جانب بينه وبين الحرم» (٢). وللطبراني عن عائشة مرفوعًا «استمتعوا من هذا الحجر الأسود قبل أن يرفع فإنه خرج من الجنة وإنه لا ينبغي لشيء خرج منها أن لا يرجع إليها قبل يوم القيامة». ------------ (١) «المستدرك» ١/ ٤٥٤، وقال الألباني في «الضعيفة» ٣/ ٩١ (١٠٢٢): ضعيف جدًا. (٢) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٨١ - ٨٢، والطبراني ١١/ ٥٥ - ٥٦ (١١٠٢٨)، وفي «الأوسط» ٦/ ٢٢٩ - ٢٣٠ (٦٢٦٣) مختصرًا، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: جماعة لم أجد من ترجمهم ثم أتبعه بالحديث الذي في «الكبير» وقال: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه: من لم أعرفه ولا له ذكر. وضعفه الألباني في «الضعيفة» ١/ ٦١٥ (٤٢٦). ولأحمد عن عمر أنه عليه - ﷺ - قال»: «إنك رسول قوى فلا تزاحم على الحجر فتؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه وإلا فاستقبل وكبر وهلل» (١). وللدارقطني عن عطاء قال: رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن عمر وجابرًا إذا استلموا الحجر قبَّلوا أيديهم (٢). ولمسلم عن ابن عباس يرفعه «يستلم الركن بمحجن، ويقبل المحجن» (٣). وللطبراني: أن ابن عمر كان إذا استلم الركن قال: بسم الله، والله أكبر (٤). وعنده من حديث الحارث عن علي أنه كان إذا استلم الحجر قال: اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك وسُنة نبيك - ﷺ - (٥). إذا تقرر ذلك: فإنما قال ذلك عمر؛ لأن الناس كانوا حديث عهد بعبادة الأصنام. ----------- (١) «المسند» ١/ ٢٨. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩٠. (٣) حديث ابن عباس هذا رواه مسلم (١٢٧٢) لكن بدون ذكر: (ويقبل المحجن)، كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب. واللفظ الذي ذكره المصنف رواه مسلم (١٢٧٥) من حديث أبي الطفيل. (٤) «الدعاء» ٢/ ١٢٠١ (٨٦٢). (٥) «المعجم الأوسط» ١/ ١٥٧ (٤٩٢)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٤٠ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه: الحارث، وهو ضعيف وقد وثق، وضعفه الألباني في «الضعيفة» ٣/ ١٥٦ (١٠٤٩). ٥٤ - باب مَن كَبَّرَ فِي نَوَاحِي الكَعْبَةِ ١٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا وَاللهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ». فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. [انظر: ٣٩٨ - مسلم: ١٣٣١ - فتح: ٣/ ٤٦٨] ذكر فيه حديث ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ، وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَاتَلَهُمُ اللهُ، أَمَا وَاللهِ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ». فَدَخَلَ البَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ، وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. هذا الحديث من أفراد البخاري. وفي رواية: حتى أمر بها فمحيت، خرجهُ في الأنبياء في باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وخرج فيه أيضًا عن ابن عباس: دَخَل النبي - ﷺ - البيت فَوجَد صورة إبراهيم وصورة مريم فقال «أما هم فقد سمعوا أنَّ الملائكة لا تَدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مُصور، فما له يستقسم؟» (١). وأخرجه أيضًا من طريق وهيب: حَدَّثَنَا أيوب، عن عكرمة، عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا (٢). وسَلف في الصَّلاة عن إسحاق بن نصر، ثَنَا ----------- (١) سيأتي برقم (٣٣٥١). (٢) ستأتي عقب حديث رقم (٤٢٨٨). عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن عطاء: سَمعْتُ ابن عباس لما دَخل النبي - ﷺ - البيت. الحديث (١). قَالَ الإسماعيلي: هذا أحسبه وقع غلطًا لا من الكتَّاب، فإني نقلتهُ من كتاب مسموع مُصحح ممن سمع منهُ، ووجدتهُ كذلك في غير نسخة، والحديث إنما هو عن ابن عباس، عن أسامة، وكان هذا في فتح مكة سنة ثمان. وفي أبي داود، عن عبد الرحمن بن صفوان: لمَّا فتح رسول الله - ﷺ - مكة، انطلقت فوافقته قد خرج من الكعبة، وكان قد دخلها بالسيف، فأخرجت الآلهة وهي الأنصاب التي كانت قُريش تعبد، ثم دخل البيت بعد ذَلِكَ، وكبَّر في نواحيه، وكان دَخل مكة حلالًا، ثم اعتمر في ذَلِكَ العام بعد رجوعه من الطائف (٢). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: الأزلام: جمع زُلم وزَلم، وهي: الأقداح أيضًا، واحدها قِدْح، وسُميت بذلك؛ لأنها تُقلم أي: تُبرى، ذكرهُ ابن قُتيبة في كتاب «القداح»، كانت الجاهلية يتخذونها، ويكتبون على بعضها: نهاني ربِّي، وعلى بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نعم، وعلى بعضها: لا، فإذا أراد أحدهم سفرًا، أو غيره دفعوها إلى بعضهم حَتَّى يقبضها، فإن خرج القدح الذي عليه: أمرني ربي مضى، أو نهاني كف. ----------- (١) برقم (٣٩٨) باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. (٢) «سنن أبي داود» (١٨٩٨) كتاب: المناسك، باب: الملتزم. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٢٩). والاستقسام: ما قسم له من أَمر يزعمه، وقيل: كان إذا أراد أحدهم أمرًا أدخل يده في الوعاء الذي فيه الأزلام، فأخرج منها زلمًا وعمل بما عليه (١)، وقيل: الأزلام: حصى أبيض كما نوا يضربون بها (٢)، والاستقسام استفعال من قسم الرزق والحاجات، وذلك طلب أحدهم بالأزلام عَلَى ما قَسم له في حاجته التي يلتمسها من نجاح أو حرمان، فأبطل الرب تعالى ذَلِكَ من فعلهم، وأخبر أنه فسق؛ لأنهم كانوا يستقسمون عند آلهتهم التي يعبدونها، ويقولون: يا إلهنا، أخرج الحق في ذَلِكَ، ثم يعملون بِمَا خرج فيه، فكان ذَلِكَ كُفرًا بالله تعالى؛ لإضافتهم ما يكون من ذَلِكَ من صَواب، أو خطأ إلى أنهُ قسم آلهتهم (٣). فأخبر الشارع عن إبراهيم، وإسماعيل أنهما لم يكونا يستقسمان بالأزلام، وإِنَّما كانا يفوضان أمورهما إلى الله الذي لا يخفَى عليه علم ما كان وما هو كائن؛ لأن الآلهة لا تضر ولا تنفع، ولذلك قَالَ - ﷺ -: «لقدْ علموا أنهما لم يستقسما بها قط»؛ لأنهم قد علموا أنَّ آباءهم أحدثوها، وكان فيهم بقية من دين إبراهيم، منهُ: الخِتان، وتحريم ذوات المحارم، إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين. وقال ابن التين: الأزلام: قداح، وهي أعواد نحتوها، وكتبوا في إحديهما: افعل، وفي الأخرى: لا تفعل، ولا شيء في الآخر. فإن خرجا فقد سلف، وإِنْ خرج الثالث أعاد الضرب حَتَّى يخرج له افعل، أو لا تفعل. ----------- (١) انظر: «الصحاح» ٥/ ٢٠١٢. و«النهاية في غريب الحديث» ٤/ ٦٣. (٢) انظر: «الصحاح» ٥/ ١٩٤٣. «لسان العرب» ٦/ ١٨٥٧ - ١٨٥٨. (٣) «النهاية في غريب الحديث» ٤/ ٦٣. و«لسان العرب» ٦/ ٣٦٢٩. قَالَ: وكانت سبعة عَلَى صيغة واحدة مكتوب عليها: لا، نعم، منهم، من غيرهم، ملصق، العقل، فضل العقل. وكانت بيد قيم الأصنام، وهو السادن، وكانوا إذا أرادوا خروجًا، أو تزويجًا، أو حاجة أتى المُريد بمائة درهم فدفعها إلى السادن، فيسأل الصنم أن يوضح لهم ما يعمل عليه مِنْ مَقام أو خروج، فيضرب له بذينك السهمين الذين عليهما: نعم، ولا، فإِن خرج نعم ذَهب لحاجته، وإِنْ خرج لا كفَّ عنها، وإِنْ شكُّوا في نسب رجل أتوا به دار الأصنام، فضرب عليها بتلك الثلاثة التي هي: منهم، من غيرهم، ملصق. فما خرج فحكمه عَلَى السهم، فإِنْ خرج: منهم. كان من أوسطهم نسبًا، وإن خرج: من غيرهم. كان حليفًا، وإن خرج: مُلصق. لَمْ يكن له نسب، ولا حلف. وكانوا، إذا جنى أحدهم جناية فاختلفوا عَلَى من العقل، ضربوا عليه. فإن خرج العقل عَلَى مَنْ ضرب عليه، عَقَل وبرئ الآخرون. وكانوا إذا عَقلوا العقل، وفضل الشيء منهُ واختلفوا فيه، فأتوا السادن فضرب، فعلى مَنْ وَجب أداه، فهذا هو الاستقسام. وفي «الجامع»: أتى المُريد لحاجته بمائة درهم يدفعها إلى السادن إلى آخر ما سَلف. قَالَ: فأما ما تفعله العرب من رمي السِّهام عَلَى الشيء الذي يتشاح عليه، فليس من هذا، وهو مُباح. قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] لأنهم تشاحوا عليها، فألقوا عَلَى ذَلِكَ سهامًا، فخرج سهم زكريا، فهذا وأمثاله مُباح، والمحظور ما كانوا يرون من فعل الصَّنم. الثاني: في الحديث من الفقه، أنَّهُ يجب عَلَى العالم، والرجل الفاضل اجتناب مواضع الباطل، وأن لا يشهد مجالس الزور، وُينزه نفسه عن ذَلِكَ. الثَّالث: فيه أيضًا من الفقه: الإبانة عن كراهة النبي - ﷺ - دخوله بيتًا فيه صورة، وذلك أَنَّ الآلهة التي كانت في البيت. يومئذٍ إنَّما كانت تماثيل وصورًا، وقد تظاهرت الأخبار عنه - ﷺ - أنه كان يَكره دخول بيت [فيه] (١) صورة، مع أنَّه يُكره دخول البيت الذي فيه ذَلِكَ، ولا يُحرم، وسيأتي ذَلِكَ في كتاب اللباس، والزينة مبسوطًا في باب. من كره القعود عَلَى الصورة (٢)، وفي باب: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة (٣)، إن شاء الله تعالى. الرَّابع: فيه التكبير في نواحي البيت، كما ترجم له. فائدة: سيأتي في الفتح أنَّه كان حول الكعبة ثلاثمائة صنم وستون، وسببه أنهم كانوا يعظمون كل يوم صنمًا، ويخصون أعظمها بيومين (٤). ---------- (١) زيادة ليست في الأصل ولا يستقيم المعنى بدونها. (٢) انظر ما سيأتي برقم (٥٩٥٧ - ٥٩٥٨). (٣) انظر ما سيأتي برقم (٥٩٦٠). (٤) برقم (٤٢٨٧) كتاب: المغازي، باب: أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح. ٥٥ - بَاب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الرَّمَلِ ١٦٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. [٤٢٥٦، ١٦٤٩، ٤٢٥٧ - مسلم: ١٢٦٦ - فتح: ٣/ ٤٦٩] ذكر فيه حديث ابن عباس: قَدِمَ رَسُولُ الله - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ، وَقَدْ وهنتهم حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَأمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. وهو حديث صحيح أخرجه مسلم أيضًا بزيادة: فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أنَّ الحُمَّى وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا (١)، وفي لفظ لهما: إنَّما سعى (٢). ورمل بالبيت، ليُري المشركين قوته. وللبخاري في عمرة القضاء: والمشركون من قبل قعيقعان (٣). ولمسلم: وكانوا يحسدونه (٤). وفي لفظ: وكان أهل مكة قومًا حسدًا (٥). --------------- (١) «مسلم» (١٢٦٦/ ٢٤٠) في الحج، باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة. (٢) سيأتي برقم (١٦٤٩) باب: ما جاء في السعي بين الصفا والمروة. ورواه مسلم برقم (١٢٦٦/ ٢٤١) (٣) سيأتي برقم (٤٢٥٦) كتاب: المغازي. (٤) «صحيح مسلم» (١٢٦٤/ ٢٣٧). (٥) انظر: المصدر السابق. وللإسماعيلي: يقدم عليكم قوم عُراة، فأطلع الله نبيه عَلَى ما قالوا، فأمرهم أنْ يرملوا وأَنْ يمشوا. ولابن ماجه: قَالَ - ﷺ - لأصحابه حين أرادوا دخول مكة في عمرته بعد الحُديبية: «إن قومكم غدًا سيرونكم، فليروكم جلدًا»، فلمَّا دخلوا المسجد استلموا الركن، ورملوا وهو معهم (١). وللطبراني عن عطاء، عن ابن عباس قَالَ: من شاء فليرمل، ومنْ شاء فلا رمل، إنما أمر رسول الله - ﷺ - بالرمل؛ ليري المشركين قوته (٢). وللطبري في «تهذيبه»: لمَّا اعتمر رسول الله - ﷺ - بلغه أن أهل مكة يقولون: إن بأصحابه هزلًا. فقال لهم حين قَدِموا: «شدوا مآزركم وأعضادكم، وأرملوا حَتَّى يرى قومكم أن بكم قوة». قَالَ: ثم حج رسول الله - ﷺ - فلم يرملْ، قالوا: وإِنَّما رَمل في عمرة القضية. في إسناده: حجاج بن أرطاة، ولأبي داود أنه - ﷺ - وأصحابه اعتمروا من جعرانة -يعني في عمرة القضاء- فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، ثم قذفوه عَلَى عواتقهم اليسرى (٣)، وفي لفظ: كانوا إذا بلغوا الركن اليماني، وتغيبوا من قريش مَشوا، ثم اطلعوا عليهم يرملون، تقول قُريش: كأنهم الغُزلان. قَالَ ابن عباس: كانت سُنَّة (٤). ----------- (١) «سنن ابن ماجه» (٢٩٥٣) كتاب: المناسك، باب: الرَّمَلِ حول البيت. (٢) «المعجم الأوسط» ٥/ ١٩١ - ١٩٢ (٥٠٤٨). (٣) «سنن أبي داود» (١٨٨٤) كتاب: المناسك، باب: الاضطباع في الطواف. من حديث ابن عباس، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٤٦). (٤) «سنن أبي داود» (١٨٨٩) باب: في الرمل. وفي لفظ: أنه لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه (١)، صححه الحاكم عَلَى شرط الشيخين (٢)، مِنْ حديث أبي سعيد، وله عَلَى شرطهما أيضًا من حديث أبي سعيد، وابن عباس: رمل رسول الله - ﷺ - في حجته، وفي عمره كلها، وأبو بكر، وعمر، والخُلفاء. إذا تقرر ذَلِكَ: فالرمل هو: الإسراع، وحقيقتهُ إسراع المشي مع تقارب الخطى. قَالَ صاحب «الأفعال»: رمل رملًا: أسرع في الرمل (٣)، وقال صاحب «العين»: الرمل ضرب من المشي (٤)، وقال ابن سيده: يرمل رملًا، ورملانًا: إذا مشى دون العدو (٥)، وقال القزاز: هو العدو الشديد، وقال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة (٦)، وقال الجوهري: هو الهرولة (٧). وقال في «المغيث»: هو الخبب (٨). وقيل: هو أن يهز منكبيه، ولا يسرع العدو. وقَالَ ابن العربي في «مسالكه»: هو مأخوذ من التحريك، وهو أن يُحرك الماشي منكبيه؛ لشدة الحركة في مشيه. والشوط جري مرة إلى الغاية، والجمع أشواط (٩)، قاله صاحب ------------ (١) «سنن أبي داود» (٢٠٠١) باب: الإفاضة في الحج. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٧٤٦). (٢) «المستدرك» ١/ ٤٧٥ كتاب المناسك. (٣) «الأفعال» ص ٩٩. (٤) «العين» ٨/ ٢٦٧. (٥) «المحكم» ١١/ ٢٢٧. (٦) «جمهرة اللغة» ٢/ ٨٠١. (٧) «الصحاح» ٤/ ١٧١٣. (٨) «المغيث» لأبي موسى المديني ١/ ٨٠٥. (٩) «العين» ٦/ ٢٧٥. «العين» مأخوذ من قولهم: جرى الفرس شوطًا، إذا بلغ مجراه ثم عَاد، فكل مَنْ أتى موضعًا ثم انصرف عنهُ فهو شوط. وقال الطبري: يُقال: شاط يشوط شوطًا إذا عدا غلوة بعيدة. و(وهنتهم) بتخفيف الهاء المفتوحة أي: أضعفتهم، وحكى التياني وهن بالكسر. وقال صاحب «العين»: الوهن لغة في الوهن. وقوله: (إلا الإبقاء). هو بكسر الهمزة، ثم باء موحدة ممدود أي: للرفق بهم. قَالَ القرطبي: رويناه بالرفع عَلَى أنَّه فاعل يمنعهم، ويجوز النصب عَلَى أن يكون مفعولًا من أجله، قَالَ: ويكون في (منعهم) ضمير عائد عَلَى رسول الله - ﷺ -، وهو فاعله (١) وقالوه استهزاءً بهم. ويثرب: المدينة شرفها الله تعالى. قوله: وأَنْ يمشوا ما بين الركنين. يُريد اليماني، والحجر الأسود. وقوله: وقد هو بالفاء. قَالَ صاحب «المطالع»: عند ابن السكن بالقاف وللكافة بالفاء وهو الصواب، واختلف في الرمل هل هو سنة من سنن الحج، أم لا؛ لأنه كان لعلة ذهبت وزالت فمن شاء فعله اختيارًا. فروي عن أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عمر الأول، وهو قول الأربعة والثوري وإسحاق (٢)، وقال آخرون: ليس بسنة فمن شاء فعل ومن شاء تركه. -------- (١) «المفهم» ٣/ ٣٧٦. (٢) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٦، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣١، «الهداية» ١/ ١٥٢، «التفريع» ١/ ٣٣٧، «المعونة» ١/ ٣٦٩، «الاستذكار» ١٢/ ١٢٦، «الأم» ٢/ ١٤٩، «البيان» ٤/ ٢٩٢، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٦، «العزيز» ٣/ ٤٠٢، «مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق بن منصور» ١/ ٥٢٩، «المستوعب» ٤/ ٢٠٩، «المغني» ٥/ ٢١٧. روي ذَلِكَ عن ابن عباس وجماعة من التابعين: طاوس وعطاء (١) والحسن والقاسم وسالم، والأول هو ما عليه الجمهور فإن تركه كره. نص عليه الشافعي، ثم الجمهور عَلَى أنه يستوعب البيت بالرمل (٢). وفي قول: لا يرمل بين الركنين اليمانيين بل بين الشاميين؛ لأن فيه كانوا ينكشفون للكفار فيرون جلدهم، إذ سبب الرمل، والاضطباع إظهار القوة للكفار لما قالوا: وهنتهم حمى يثرب كما سلف. لكنه في عمرة القضاء سنة سبع، وحديث جابر الطويل في مسلم (٣)، وكذا حديث ابن عمر فيه: كانا في حجة الوداع سنة عشر، فكان العمل بهما أولى؛ لتأخرهما، وابن عباس لم يكن عام القضية، بخلاف جابر فإنه شاهد، والحكمة فيه مع زوال المعنى الذي شرع لأجله قد قالها الفاروق وهو الاتباع كما سيأتي، وأيضًا الفاعل له يستحضر مسببه، وهو ظهور أمر الكفار خصوصًا في ذَلِكَ المكان الشريف، فيتذكر نعمة الله عَلَى إعزاز الإسلام وأهله. فرع: لا فرق في استحباب الرمل بين الراكب والمحمول وغيرهما عَلَى الأظهر، فيرمل به الحامل ويحرك هو الدابة (٤). وعند المالكية أن طواف الإفاضة ونحوه، وطواف المحرم من التنعيم، وشبهه في ---------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٦٥ (١٤١٦٠، ١٤١٦٢) كتاب: الحج، باب: من رخص في ترك الرمل. (٢) انظر «روضة الطالبين» ٣/ ٨٦. (٣) «صحيح مسلم» (١٢١٨/ ١٤٧) كتاب: الحج، باب: حجة النبي. (٤) انظر «الأم» ٢/ ١٤٩، «البيان» ٤/ ٢٩٣، «المجموع» ٨/ ٥٩. مشروعية الرمل ثلاثة أقوال فيها، ثالثها المشهور مشروع دونه (١). وفي الرمل بالمريض والصبي قولان (٢). وعند الحنفية أنه إذا طاف للركن رمل إن لم يسع ولم يرمل في طواف سالف فيه (٣). فرع: لو ترك الرمل في الطوفات الثلاثة لم يقضه في الأربع الأخيرة؛ لأن هيئتها السكينة فلا تتغير، ولو تذكر عن قرب ففي الإعادة قولان عن مالك، والمشهور عندهم أنه لا دم عليه (٤). وعند أحمد: من نسي الرمل لا إعادة عليه (٥). فرع: يختص الرمل بطواف يعقبه سعي (٦)، وفي قول: يختص بطواف القدوم، وبه قَالَ أحمد (٧). --------- (١) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٨٦، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٥، ٢٤٦. (٢) انظر «الأم» ٢/ ١٤٩، «المجموع» ٨/ ٥٨. (٣) انظر «الأصل» ٢/ ٣٩٣، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤٧، «الهداية» ١/ ١٥٢. (٤) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٣٨، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٥. (٥) انظر «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٢٩، «المستوعب» ٤/ ٢٠٩، «المغني» ٥/ ٢٢٢، «المبدع» ٣/ ٢١٦. (٦) قال الكاساني: «وهو قول عامة الصحابة» «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣١. وقال النووي في «المجموع»: وقد اضطربت طريق الأصحاب فيه، ولخصها الرافعي متفقة فقال: لا خلاف أن الرمل لا يُسن في كل طواف؛ بل إنما يسن في طواف واحد، وفي ذلك الطواف قولان مشهوران أصحهما عند الأكثرين أنه يُسن في طواف يستعقب السعي والثاني: يُسن في طواف القدوم مطلقًا، فعلى القولين لا رمل في طواف الوداع بلا خلاف، «المجموع» ٨/ ٥٨. (٧) قال ابن قدامة في «المغني»: "ولا يُسن الرمل والضطباع في طواف سوى ما ذكرناه -طواف القدوم أو طواف العمرة- لأن النبي - ﷺ - وأصحابه إنما رملوا واضطبعوا = فائدة: المختار أنه لا يكره تسمية الطواف شوطًا كما نطق به ابن عباس، كما سلف، ولأن الكراهة إنما تثبت بنهي الشرع ولم تثبت، وأمَّا الشافعي والأصحاب فقالوا بالكراهة، وسببها كما قَالَ القاضي: أن الشوط هو الهلاك. قَالَ الشافعي في «الأم»: لا يقال: شوط ولا دور، وكره مجاهد ذَلِكَ، قَالَ: وأنا أكره ما كره مجاهد. وعن مجاهد: لا تقولوا شوطًا ولا شوطين، ولكن قولوا: دورًا أو دورين (١). فائدة أخرى: قَالَ المهلب: فيه من الفقه أن إظهار القوة للعدو في الأجسام والعدة والسلاح. ومفارقة الهدوء والوقار في ذَلِكَ من السنة، كما أمر الشارع بالرمل في الثلاثة الأول. قَالَ: ومثله إباحته اللعب للحبشة في المسجد بالحراب لهذا المعنى، والمسجد ليس بموضع لعب بل هو موضع وقار وخشوع لله؛ لما كان من باب القوة والعدة والرهبة عَلَى المنافقين وأهل الكتاب المجاورين لهم أباحه في المسجد؛ لأنه أمر من أمر جماعة المسلمين، والمسجد لجماعتهم. فرع: المرأة لا ترمل بالإجماع؛ لأنه يقدح في الستر وليست من أهل الجلد، ولا هرولة أيضًا في السعي (٢)، ورواه الشافعي عن ابن عمر وعائشة وعطاء. --------- = في ذلك«.»المغني«٥/ ٢٢١، وانظر»كشاف القناع«٢/ ٤٨٠. (١)»الأم«٢/ ١٥٠. (٢)»الاستذكار«١٢/ ١٣٩،»الإجماع«لابن المنذر (٥٢)»المجموع" ٨/ ٦٢. ٥٦ - باب اسْتِلَامِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ حِيَن يَقْدَمُ مَكَّةَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ وَيَرْمُلُ ثَلَاثًا ١٦٠٣ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ. [١٦٠٤، ١٦١٦، ١٦١٧، ١٦٤٤ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٤٧٠] ذكر فيه حديث سالم عن أبيه: قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، إِذَا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ أَوَّلَ مَا يَطُوفُ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ مِنَ السَّبْعِ. وقد أخرجه مسلم أيضًا (١). ولا شك أن سنة الداخل إلى المسجد الحرام أن يبدأ بالحجر الأسود فيقبله إن قدر، فإن عجز أشار، ثم يمضي عَلَى يمينه إلى أن يأتي إليه، فهذِه واحدة، ثم ثانية، ثم ثالثة كذلك بالرمل، والأربعة الأخيرة لا رمل فيها، ثم الخب وهو الرمل إنما يشرع في طواف يعقبه سعي كما سلف، ولا يتصور في طواف الوداع؛ لأن شرطه أن يكون طاف للإفاضة، فإن طاف للقدوم وعزمه السعي بعده رمل وإلا فلا، بل يرمل في طواف الإفاضة. وثم قول آخر أنه يرمل في طواف القدوم وإن لم يرد السعي بعده، وقد سلف. وقد أسلفنا أنه - ﷺ - لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه. وقال عطاء: لا رمل فيه. -------------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٦١) كتاب: الحج، باب: استحباب الرمل. فرع: لو خالف وجعل البيت عَلَى يمينه لم يصح عندنا، وبه قَالَ مالك وأبو ثور؛ لأنه خالف الاتباع (١). وقال أبو حنيفة وأصحابه: يعيد الطواف ما كان بمكة فإذا بلغ الكوفة وأبعد كان عليه دم ويجزئه، واحتجوا بأن الله تعالى لم يفرق بين طواف منكوس أو غيره، فوجب أن يجزئه (٢). فائدة: الخب: ضرب من العدو، يقال: خبت الدابة تخب خبًا إذا أسرعت المشي وراوحت بين قدميها، وكذا الخيل، أما إذا رفعت يديها معًا ووضعتهما معًا فذلك التقريب لا الخب، وقيل: خب الفرس إذا نقل أيامنه وأياسره جميعًا (٣). فائدة ثانية: الاستلام افتعال من السلام وهو: التحية كما قَالَ الأزهري، أو من السِّلام -بكسر السين- وهي: الحجارة، كما قَالَ ابن قتيبة، تقول: استلمت الحجر إذا لمسته. كما تقول؛ اكتحلت من الكحل، وحكى في «الجامع» أنه استفعل من اللأمة وهي الدرع والسلاح؛ لأنه إذا لمس الحجر تحصن من العذاب كما يتحصن باللأمة من الأعداء. ----------- (١) انظر «التفريع» ١/ ٣٣٧، «عيون المجالس» ٢/ ٨١٢، «الاستذكار» ١٢/ ١٢٥، «البيان» ٤/ ٢٨٣، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٩، «مغني المحتاج» ١/ ٤٨٦. (٢) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٤، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٥١٤. (٣) انظر: «الصحاح» ١/ ١١٧، و«لسان العرب» ٢/ ١٠٨٥. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#321 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 371 الى صـــ 390 الحلقة (321) وقال ابن سيده (١): استلم الحجر واستلأمه -بالهمز -أي: قبله أو اعتنقه، وليس أصله الهمز وبخط الدمياطي: الاستلام افتعال من السِّلام وهي الحجارة، وبضم السين: ظاهر عروق الكف. ---------- (١) «المحكم» ٨/ ٣٣٨. ٥٧ - باب الرَّمَلِ فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ ١٦٠٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٤٧٠] ١٦٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ لِلرُّكْنِ: أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللهُ. ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ. [انظر: ١٥٩٧ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٣/ ٤٧١] ١٦٠٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُمَا. قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي لِيَكُونَ أَيْسَرَ لاِسْتِلَامِهِ. [١٦١١ - مسلم: ١٢٦٨ - فتح: ٣/ ٤٧١] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ، ثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعمانِ، ثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: سَعَى النَّبِيُّ - ﷺ - ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً فِي الحَجِّ وَالعُمْرَةِ. تَابَعَهُ اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي كَثيرُ بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. محمد شيخ البخاري هو ابن يحيى الذهلي كما قاله الحاكم، وقيل: ابن رافع، حكاه الجياني، ونسبه ابن السكن: ابن سلام (١). ويقال: محمد بن عبد الله بن نمير، حكاه أبو نعيم في «مستخرجه»، فهذِه أربعة أقوال فيه. وقال المزي: محمد بن رافع عن سريح (٢). روى عنه البخاري وروى عن محمد -غير منسوب- عن سريج (٣) ولم يذكر ابن سلام ولا الذهلي فيمن روى عن سريج. وهذِه المتابعة أخرجها النسائي من حديث شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر: كان يخب في طوافه حين يقدم في حج أو عمرة ثلاثًا ويمشي أربعًا. وقال: كان رسول الله - ﷺ - يفعل ذَلِكَ (٤). ورواه البيهقي من حديث يحيى بن بكير: ثَنَا الليث، ثَنَا كثير بن فرقد (٥). الحديث الثاني: حديث زيد بن أسلم عن أبيه أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب قَالَ لِلرُّكْنِ: أَمَا والله إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - اسْتَلَمَكَ مَا اسْتَلَمْتُكَ. فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا لَنَا وَللرَّمَلِ إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ. -------------- (١) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٣٦ - ١٠٣٧. (٢) «تهذيب الكمال» ٢٥/ ١٩٢ (٥٢٠٩). (٣) «تهذيب الكمال» ١٠/ ٢٢٠ (٢١٩٠). (٤) «سنن النسائي» ٥/ ٢٣٠ كتاب: مناسك الحج، باب: الرمل في الحج والعمرة. (٥) «السنن الكبرى» ٥/ ٨١ كتاب: الحج، باب: الرمل في الطواف في الحج والعمرة. وهو من أفراده، وكذلك قول عمر. الثالث: حديث ابن عمر: مَا تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُنْذ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُمَا. قُلْتُ لِنَافِعٍ: أَكَانَ ابن عُمَرَ يَمْشِي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ؟ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَمْشِي ليَكُونَ أَيْسَرَ لاِسْتِلَامِهِ. واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث ليس من هذا الباب في شيء. قلتُ: لا فإن مشيه بين الركنين يؤذن أنه يرمل فيما عداه، وقد أسلفنا اختلاف العلماء في مشروعية الرمل الآن، ونقلنا أن المشهور عن المالكية أنه لا دم بتركه، وهو المشهور عن ابن عباس، وبه قَالَ عطاء وأبو حنيفة والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وبوجوبه قَالَ الحسن والثوري. قَالَ ابن القاسم: ورجع عنه مالك (١). وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم أن عليه الدم في قليل ذَلِكَ وكثيره. واحتج بقول ابن عباس: من ترك من نسكه شيئًا فعليه دم، وفيه نظر؛ لأن المشهور عن ابن عباس أن من شاء رمل، ومن شاء لم يرمل، ومذهبه أنه لا شيء عليه في تركه. وقال الطبري: قد ثبت أن الشارع رمل، ولا مُشرك يومئذٍ بمكة يراءى الرمل، فكان معلومًا أنه من مناسك الحج، غير أنا لا نرى عَلَى من تركه عامدًا ولا ساهيًا قضاءً ولا فدية؛ لأن من تركه فليس بتارك لعمل، وإنما هو تارك منه لهيئة وصفة كالتلبية التي فيها الحج، ورفع الصوت، فإن خفض صوته بها كان غير مضيع لها ولا تاركها، وإنما ضيع صفة من صفاتها، ولا شيء عليه. ------------ (١) سبق تخريج المسألة. فرع: قام الإجماع عَلَى أنه لا رمل عَلَى من أحرم بالحج من مكة من غير أهلها؛ لأنهم رملوا حين دخولهم مكة حين طافوا للقدوم (١)، واختلفوا في أهل مكة هل عليهم رمل؟ فكان ابن عمر لا يراه عليهم، وبه قَالَ أحمد (٢)، واستحبه مالك والشافعي للمكي (٣)، وعلة الأول أنه من سنة القادم، وليس المكي بقادم، وعلة من استحبه للمكي في طواف الإفاضة؛ لأنه طواف ينوب عن طواف القدوم والإفاضة، فاستحب له؛ ليأتى بسنة هي في أحد الطوافين، فتتم له السنة في ذَلِكَ، كما أنه يسعى فيه، وغيره لا يسعى، إلا في طواف القدوم، كذا وقع في ابن بطال (٤)، ولم نسلم له. ------------- (١) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٤٠، «الإقناع» لابن القطان ٢/ ٨٢٧. (٢) انظر «المستو عب» ٤/ ٢٢٣، «المغني» ٥/ ٢٢١، «المبدع» ٣/ ٢١٨. (٣) انظر «النوادر والزيا دات» ٢/ ٣٧٦، «الاستذكار» ١٢/ ١٤٠، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٦، «العزيز» ٣/ ٤٠٣. (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩. ٥٨ - باب اسْتِلَامِ الرُّكْنِ بِالمِحْجَنِ ١٦٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ. [١٦١٢، ١٦١٣، ١٦٣٢، ٥٢٩٣ - مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٣/ ٤٧٢] حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَيَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَا: ثَنَا ابن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. تَابَعَهُ الدَّرَاوَرْديُّ، عَنِ ابن أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ. هذا الحديث رواه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة عن ابن وهب به (١)، وخالف ابن وهب الليثَ وأسامةَ، وزمعة، فرووه عن الزهري. قَالَ: بلغني عن ابن عباس. والمتابعة أخرجها الإسماعيلي عن الحسن، ثَنَا محمد بن عباد المكي، ثَنَا عبد العزيز بن محمد، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن عبيد الله، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - طاف بالبيت؛ يستلم الركن بمحجن معه. وأخرجه مسلم من حديث أبي الطفيل (٢) وجابر (٣) وعائشة (٤)، ---------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٧٢) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب. (٢) «صحيح مسلم» (١٢٧٥) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب. (٣) «صحيح مسلم» (١٢٧٣). (٤) «صحيح مسلم» (١٢٧٤). وأبو داود من حديث صفية بنت شيبة (١). وأخرجه الحاكم من حديث قدامة بن عبد الله وقال: صحيح عَلَى شرط البخاري (٢). وأما حكم الباب فإذا عجز عن تقبيل الحجر استلمه بيده أو بعصا كما ذكر في الحديث، ثم قبل ما استلم به كما في صحيح مسلم من حديث أبي الطفيل السالف. قَالَ القاضي عياض: وانفرد مالك عن الجمهور فقال: لا يقبل يده (٣). وأصح الأوجه عندنا أن التقبيل بعد الاستلام، وثانيها: قبله، وكأنه ينقل القبلة إليه، وثالثها: يتخير، فإن عجز عن الاستلام أشار بيده (٤)؛ لما سيأتي من حديث ابن عباس، وكذا بما في يده، ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم يُنْقَل ويراعي ذَلِكَ في كل طوفة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه. والمحجن: عصا محنية الرأس أي: معوجة، وكل معطوف معوج كذلك، وهو شبيه الصولجان (٥). وقوله: يستلم. يعني: يصيب السلم، والسلام الحجر، وإنما يستلم يستفعل منه. ------------ (١) «سنن أبي داود» (١٨٧٨) كتاب: المناسك، باب: الطواف الواجب. وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٦٤١). (٢) «المستدرك» ١/ ٤٦٦. (٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٣٤٤ وانظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٤، «المعونة» ١/ ٣٦٧، «الذخيرة» ٣/ ٢٣٦. (٤) انظر «الأم» ٢/ ١٤٦، «البيان» ٤/ ٢٨٤، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٥. (٥) انظر: «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٣٤٧، و«لسان العرب» ٢/ ٧٩١. قَالَ ابن بطال: واستلامه بالمحجن يحتمل أن يكون لشكوى به (١). وقد أخرجه أبو داود، وفي مسلم من حديث عائشة مُعَلِلًا كراهة أن يصرف عنه الناس فيؤذيهم بالمزاحمة (٢)، ويحتمل أيضًا غيره مما ستعلمه. قلتُ: والظاهر أنه للعجز عن التقبيل. قَالَ المهلب: واستلامه به يدل عَلَى أن استلام الركن ليس بفرض، وإنما هو سنة، ألا ترى قول عمر: لولا أني رأيت رسول الله - ﷺ - قبَّلك ما قبلتك. وأما طوافه راكبًا؛ لبيان الجواز وللاستفتاء، وقد ترجم البخاري كما سيأتي قريبا: الطواف راكبًا، وذكر حديث ابن عباس وزينب بنت أم سلمة (٣)، ولأبي داود: أنه قدم مكة وهو مشتك فطاف عَلَى راحلته (٤)، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد (٥). وقال عبدان: الوجه في طوافه راكبًا أنه كان في طواف الإفاضة. وعن طاوس: أنه - ﷺ - أمر أصحابه أن يهجروا بالإفاضة، وأفاض في نسائه ليلًا فطاف عَلَى راحلته (٦). وقال أصحابنا: والأفضل أن يطوف ماشيًا ولا يركب إلا لعذر بمرض أو نحوه، أو كان ممن يحتاج إلى ظهوره، ليستفتى ويقتدى، فإن كان لعذر جاز بلا كراهة، لكنه خلاف الأولى. وقال إمام ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٨٩. (٢) سبق تخريجهما. (٣) يأتيا برقم (١٦٣٢ - ١٦٣٣). (٤) «سنن أبي داود» (١٨٨١) كتاب: المناسك، باب: الطواف الواجب. (٥) لذا ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٢٧) قائلًا: يزيد بن أبي زياد مولاهم، لا يحتج به. (٦) رواه البيهقي ٥/ ١٠١ كتاب: الحج، باب: الطواف راكبًا. الحرمين: في النفس من إدخال البهيمة التي لا يؤمن تلويثها المسجد شيء، فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدخالها المسجد مكروه (١). وجزم جماعة من أصحابنا بكراهة الطواف راكبًا من غير عذر، ومنهم: الماوردي، والبندنيجي، وأبو الطيب، والعبدري، والمشهور الأول (٢). والمرأة والرجل في ذَلِكَ سواء، والمحمول عَلَى الأكتاف كالراكب، وبه قَالَ أحمد وداود وابن المنذر (٣). وطوافه زحفًا عندنا مكروه (٤). وقال أبو حنيفة ومالك والليث: إن طاف راكبًا لعذر أجزأه ولا شيء عليه، وإن كان لغير عذر فعليه دم، وإن كان بمكة أعاد الطواف، واعتذر عن ركوب النبي - ﷺ - بما سلف (٥). وفي مسلم من حديث جابر: طاف النبي - ﷺ - بالبيت في حجة الوداع عَلَى راحلته يستلم الركن بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه (٦). وفيه من حديث ابن عباس: كثر عليه الناس، يقولون: هذا محمد، حتى خرج العواتق من الخدور وكان - عليه السلام - لا يعرف، فلمَّا كثر عليه ركب (٧). ------------ (١) انظر: «المجموع» ٨/ ٣٧. (٢) انظر «الأم» ٢/ ١٤٨، «البيان» ٤/ ٢٨١، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٤. (٣) انظر «المستوعب» ٤/ ٢١٣، «المغني» ٥/ ٢٥٠، «المبدع» ٣/ ٢١٨. (٤) انظر «المجموع» ٨/ ٣٨، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٨٣ «طرح التثريب» ٥/ ١٠٠. (٥) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٤، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٥١٤، «الاستذكار» ١٢/ ١٨٦، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٦. (٦) «صحيح مسلم» (١٢٧٣). (٧) مسلم (١٢٦٤). وفيه من حديث عائشة طاف النبي - ﷺ - في حجة الوداع حول الكعبة عَلَى بعيره، ليستلم الناس كراهية أن يصرف عنه الناس (١). فرع: ينبغي للراكب أن يبعد بحيث لا يؤذى، فإن أُمن قرب كما فعل - ﷺ -. فائدة: في الحديث رد عَلَى من كره تسمية حجة رسول الله - ﷺ - حجة الوداع، والمنكر غالط (٢)، واستدل به من يرى بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه. خلافًا للشافعي وأبي حنيفة (٣). قَالَ المهلب: وفيه أنه لا يجب أن يطوف أحد في وقت صلاة الجماعة إلا من وراء الناس، ولا يطوف بين المصلين وبين البيت فيشغل الإمام والناس ويؤذيهم كما في حديث أم سلمة. وأن ترك أذى المسلم أفضل من صلاة الجماعة، كما قَالَ: «من أكل هذِه الشجرة فلا يقربن مساجدنا» (٤) (٥). ------- (١) مسلم (١٢٧٤). (٢) انظر «المجموع» ٨/ ٢٦٨. (٣) انظر «شرح معاني الآثار» ١/ ١٠٨، «المبسوط» ٦/ ٤٧، «بدائع الصنائع» ١/ ٦١، «إحكام الأحكام» ٣/ ٤٨، «نيل الأوطار» ٣/ ٣٨٣. (٤) سلف برقم (٨٥٣) كتاب: الأذان، باب: ما جاء في الثوم النيئ والبصل والكراث، ورواه مسلم (٥٦٣) كتاب: المساجد، نهى من أكل ثومًا أو بصلًا. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في التاسع بعد العشرين، كتبه مؤلفه. ٥٩ - باب مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلَّا الرُّكْنَين اليَمَانِيَين ١٦٠٨ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ. [فتح: ٣/ ٤٧٣] ١٦٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلاَّ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ. [انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧ - فتح: ٣/ ٤٧٣] وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ (١): أَنَا ابن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ البَيْتِ؟ وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كلها، فَقَالَ لَهُ ابن عَباسٍ: إِنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ. فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ البَيْتِ مَهْجُورًا، وَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما يَسْتَلِمُهُنَّ كُلَّهُنَّ. ثم ذكر حديث سالم عن أبيه قال: لَمْ أَرَ النَّبِيِّ - ﷺ - يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانيِيْنِ الشرح: هذا التعليق أسنده الإمام أحمد من وجه آخر فقال: حَدَّثَنَا عبد الرازق، ثَنَا معمر والثوري ح. وحَدَّثنَا روح، ثَنَا الثوري، عن ابن ----------- (١) وقع في الأصل في المتن: زكرياء، وبالهامش تعليق: كذا، صوابه محمد بن بكر، وكذا هو في أصلنا وهو البرساني. خثيم، عن أبي الطفيل قَالَ: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لا يمر بركن إلا استلمه، فقال له عبد الله، الحديث (١)، وحَدَّثَنَا روح، ثَنَا سعيد وعبد الوهاب، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي الطفيل (٢). وحَدَّثَنَا مروان بن شجاع، حَدَّثَني خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس فذكره (٣). وأخرجه مسلم من حديث عمرو بن الحارث، عن قتادة، دون قصة معاوية، بلفظ: لم أر رسول الله - ﷺ - يستلم غير الركنين اليمانيين (٤). وفي «سؤالات عبد الله بن أحمد»: ثَنَا أبي، ثَنَا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حَدَّثَني قتادة، عن أبي الطفيل قَالَ: حج معاوية وابن عباس، فجعل ابن عباس يستلم الأركان كلها، فقال معاوية: إنما استلم رسول الله - ﷺ - هذين الركنين الأيمنين، فقال ابن عباس: ليس من أركانه شيء مهجور. وقال حنبل: سمعتُ أبا عبد الله يقول: شعبة قلب حديث معاوية وابن عباس، قلب الفعل والكلام قَالَ: وقال شعبة: الناس يخالفوني في هذا الحديث، ولكني سمعته من قتادة هكذا. وأما أثر ابن الزبير فأخرجه ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه أنه رأى ابن الزبير استلم الأركان كلها، وقال: إنه ليس شيء منه مهجور (٥). ورواه الشافعي في «مسنده»: أخبرنا سعيد، أنا موسى الربذي، عن ----------- (١) «المسند» ١/ ٣٧٢. (٢) «مسند أحمد» ١/ ٣٧٢. (٣) «مسند أحمد» ١/ ٢١٧. (٤) «صحيح مسلم» (١٢٦٩) باب: استحباب استلام الركنين اليمانيين ..... (٥) «المصنف» ٣/ ٣٤٨ (١٤٩٩١) كتاب: المناسك، باب: فيما يستلم من الأركان. محمد بن كعب، أن ابن عباس كان يمسح عَلَى الركنين: اليماني والحجر، وكان ابن الزبير يمسح الأركان كلها ويقول: لا ينبغي لبيت الله أن يكون شيء منه مهجورًا، وكان ابن عباس يقول: لقد كان لكم في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة (١). وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم أيضًا (٢). ولابن أبي شيبة من حديث ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن يعلق بن أمية، ورآه عمر يستلم الأركان كلها: يا يعلى ما تفعل؟ قَالَ: أستلمها كلها؛ لأنه ليس شيء من البيت يهجر. فقال عمر: أما رأيت رسول الله - ﷺ - يستلم منها إلا الحجر؟ قَالَ يعلى: بلى. قَالَ: فما لك به أسوة؟ قَالَ: بلى، ثم روى عن مجاهد قَالَ: الركنان اللذان يليان الحجر لا يستلمان (٣). وعن عطاء قَالَ: أدركت مشيختنا: ابن عباس وجابر وأبا هريرة وعبيد بن عمير، لا يستلمون غيرهما من الأركان، يعني: الأسود واليماني، وممن كان يستلم الأركان كلها بإسناد جيد: سويد بن غفلة، وجابر بن زيد، وعروة بن الزبير (٤)، زاد ابن المنذر: وجابر بن عبد الله والحسن والحسين وأنس. قَالَ: وقال أكثر أهل العلم: لا يسن استلامها، يعني: الركنين الشاميين. ------------ (١) «مسند الشافعي» ١/ ٣٤٤ (٨٨٨) كتاب: الحج، باب: فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة. (٢) «صحيح مسلم» (١٢٦٧) كتاب: الحج، باب: استحباب استلام الركنين اليمانيين. (٣) «المصنف» ٣/ ٣٤٨ (١٤٩٨٧، ١٤٩٩١) كتاب: الحج، باب: فيما يستلم من الأركان. (٤) «المصنف» ٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩ (١٤٩٨٥ - ١٤٩٨٦، ١٤٩٩٢ - ١٤٩٩٣). وقال الشافعي: إذا استلم الحجر واليماني استحب له أن يقبله بعد استلامهما، وقد سلف ما فيه (١). وفي البيهقي مضعفًا من حديث جابر أن النبي - ﷺ - استلم الحجر وقبله، واستلم الركن اليماني وقبل يده. ومن حديث ابن عباس: كان - ﷺ - إذا استلم الركن اليماني قبله ووضع خده عليه. وقال: لا يثبت مثله. تفرد به عبد الله بن مسلم بن هرمز، وهو ضعيف (٢). وقال الشافعي في «مسنده»: أنا سعيد، عن ابن جريج: قلتُ لعطاء: هل رأيت أحدًا من الصحابة إذا استلموا قبلوا أيديهم؟ فقَالَ: نعم رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة إذا استلموا قبلوا أيديهم، قلتُ: وابن عباس؟ قَالَ: نعم، قلت: هل تدع أنت إذا استلمت لأن تُقبل يدك؟ قال: فلم أستلمه إذًا (٣)؟! وأجاب الشافعي عن قول معاوية فقال: لم يدع أحد استلامهما هجرًا للبيت، ولكنا نستلم ما استلمه رسول الله - ﷺ -، ونمسك عما أمسك عنه، وجمهور الصحابة عَلَى أنهما لا يستلمان ولا يُقبلان، وأما اليماني الذي لا حجر فيه، فيستلم ولا يُقبل (٤). ------------- (١) فيه نظر؛ فقد قال الشافعي في «الأم»: «وأحب أن يقبل الحجر الأسود وإن استلمه بيده قبل يده وأحب أن يستلم الركن اليماني بيده ويقبلها ولا يقبله لأني لم أعلم أحدا روى عن النبي - ﷺ - أنه قبل إلا الحجر الأسود وإن قبله فلا بأس به». «الأم» ٢/ ١٤٥. (٢) «السنن الكبرى» ٥/ ٧٦ كتاب: الحج، باب: استلام الركن اليماني بيده. (٣) «مسند الشافعي» ١/ ٣٤٣ (٨٨٦) كتاب: الحج، باب: فيما يلزم الحاج بعد دخول مكة إلى فراغه من مناسكه. (٤) «الأم» ٢/ ١٤٧. وروى الدارقطني من حديث ابن عباس أنه - ﷺ - كان يُقبل اليماني ويضع خدَّه عليه (١). ورواه الحاكم أيضًا في «مستدركه» بلفظ: أنه قبَّله ووضع خده عليه، ثم قَالَ: هذا حديث صحيح الإسناد (٢). ورواه البخاري في «تاريخه» بلفظ: أنه كان إذا استلم الركن اليماني قبله (٣). وأما البيهقي فضعفه كما سلف، ثم قَالَ: والأخبار عن رسول الله - ﷺ - إلى ابن عباس في تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه، إلا أن يكون أراد بالركن اليماني الحجر الأسود، فإنه أيضًا يسمى بذلك فيكون موافقًا لغيره (٤). وفي «البدائع» من كتب الحنفية: لا خلاف أن تقبيل الركن اليماني ليس بسنة (٥)، وقال في «الأصل»: إن استلمه فحسن، وإن تركه لا يضره، هذا عند أبي حنفية، وقال محمد: يستلمه ولا يتركه (٦)، وفي «المحيط»: يستلمه ولا يقبله، وعن محمد: يستلمه ويقبله، وعنه: يُقبل يده ولا يستلم الركنين الباقيين عند أئمة الحنفية؛ لأن الأولين عَلَى القواعد. وقال الخرقي: الصحيح عن أحمد أنه لا يقبل الركن اليماني. قَالَ ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم (٧). وزعم ابن المنير أن اختصاص الركن مرجح بالسنة، ومستند التعميم الرأي والقياس، وهو قول معاوية السالف، وهذا يُقال بموجبه وليس ------------ (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩٠ كتاب: الحج، باب: المواقيت. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٥٦ كتاب: الحج. (٣) «التاريخ الكبير» ١/ ٢٩٠ ترجمة (٩٣٠). (٤) «السنن الكبرى» ٥/ ٧٦. (٥) «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤٧. (٦) «الأصل» ٢/ ٤٠٥. (٧) انظر: «المغني» ٥/ ٢٢٦، وذكر قول الخرقي. ترك الاستلام هجرانًا، وكيف يهجرها وهو يطوف، فالحجة مع ابن عمر وغيره (١). وفي كتاب الحميدي من حديث النخعي عن عائشة مرفوعًا: «ما مررت بالركن اليماني قط إلا وجدت جبريل قائمًا عنده» ومن حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله بزيادة: «فيقول: يا محمد، ادن فاستلم» وفي حديث أبي هريرة: «وكَّل الله به سبعين ألف ملك» وفي حديث ابن عمر مرفوعًا: «مسحهما كفارة للخطايا». رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد عَلَى ما بينته من حال عطاء بن السائب (٢)، وكذا قَالَ الطحاوي: إنما لم يستلم إلا اليمانيين؛ لأنهما مبنيان عَلَى منتهى البيت مما يليهما بخلاف الآخرين؛ لأن الحجر وراءهما وهو من البيت، وقام الإجماع عَلَى الأولين (٣)، ومنهم الأربعة وإسحاق، وقد نزع ابن عمر بذلك، حيث قالت له عائشة كما سلف في باب فضل مكة. وروي عن أنس وجابر ومعاوية وابن الزبير وعروة: أنهم كانوا يستلمون الأركان كلها كما سلف والحجة عند الاختلاف في السنة وكذلك قال ابن عباس لمعاوية حين قال له معاوية: ليس شيءٌ من البيت مهجورًا قال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقال ابن التين: إنما كان ابن الزبير يستلمهن كلهن (٤)؛ لأنه ----------- (١) «المتواري» ص ١٤٠ - ١٤١. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٨٩ كتاب: المناسك. (٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٤. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩ (١٤٩٩٠ - ١٤٩٩٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٣ - ١٨٤. استوفي القواعد، والذي في «الموطأ» أنه عروة بن الزبير (١). وقال الداودي: جعلهما عوضًا من الركنين الذين بقيا في الحجر، قَالَ: وظن معاوية أنهما هما ركنا البيت الذي وضع عليه من أول. ------------ (١) «الموطأ» ص ٢٤٠ كتاب: المناسك، باب: الاستلام في الطواف بالبيت. ٦٠ - باب تَقْبِيلِ الحَجَرِ ١٦١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا وَرْقَاءُ، أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ. [انظر: ١٥٩٧ - مسلم: ١٢٧٠ - فتح: ٣/ ٤٧٥] ١٦١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ اسْتِلَامِ الحَجَرِ. فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَالَ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِاليَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. [انظر: ١٦٠٦ - مسلم: ١٢٦٨ - فتح: ٣/ ٤٧٥] ذكر فيه حديث زيد بن أسلم عن أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ قَبَّلَ الحَجَرَ وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَبَّلَكَ مَا قَبَّلْتُكَ. وحديث حماد عن الزبير بن عربي سَأَلَ رَجُلٌ ابن عُمَرَ عَنِ اسْتِلَامِ الحَجَرِ. فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ زُحِمْتُ؟ أَرَأَيْتَ إِنْ غُلِبْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ بِاليَمَنِ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. الشرح: الحديث الأول أخرجه مسلم من طريق ابن عمر أيضًا (١)، والثاني من أفراد البخاري، وروى الزبير هذا الحديث فقط، وفي بعض نسخه: قَالَ الفربري وجدت في كتاب أبي جعفر: قَالَ أبو عبد الله: الزبير بن عربي بصري، والزبير بن عدي كوفي وعند الترمذي من غير رواية الكروخي: الزبير هذا هو ابن عربي روى عنه حماد بن زيد، ----------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٧٠) باب: استحباب تقبيل الحجر الأسود في الطواف. والزبير بن عدي كوفي يكنى أبا سلمة قلت: يروي عن أنس وذكر البخاري وابن أبي حاتم وغيرهما أن أبا سلمة كنية الزبير بن عربي، والزبير بن عدي كنيته أبو عدي (١)، ولمَّا. ذكر أبو داود هذا الحديث من رواية، حماد ثَنَا الزبير بن عربي. الحديث وفيه: اجعل أرأيت مع ذَلِكَ الكوكب (٢). وقال الجياني: وقع في نسخة الأصيلي عن أبي أحمد: الزبير بن عدي -بدال مهملة- وهو وهم، وصوابه: عربي -بباء موحدة- وكذا رواه سائر الرواة عن الفربري (٣). وفقه الباب سلف. ----------- (١) «التاريخ الكبير» ٣/ ٤١٠ (١٣٦١، ١٣٦٣)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٧٩ - ٥٨٠ (٢٦٣٢ - ٢٦٣٣)، وانظر: «تهذيب الكمال» ٩/ ٣١٥، ٣١٨ (١٩٦٩ - ١٩٧٠). (٢) «مسند أبي داود الطيالسي» ٣/ ٣٩٠ (١٩٧٦). (٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٨. ٦١ - باب مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ إِذَا أَتَى عَلَيْهِ ١٦١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ. [انظر: ١٦٠٧ - مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٣/ ٤٧٦] ذكر فيه حديث ابن عباس: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ. وقد سلف بفقهه. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#322 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 391 الى صـــ 410 الحلقة (322) ٦٢ - باب التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْنِ ١٦١٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ. تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ. [انظر: ١٦٠٧ - مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٣/ ٤٧٦] ذكر فيه حديث مسدد: ثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: طَافَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ. تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ. هذا الحديث من أفراده، وُيستحب أن يقول أول طوافه وهو حالة استلام الحجر: باسم الله والله أكبر. ويُستحب أيضًا في كل طوفة. نعم، في الأولى آكد. وقال ابن بطال: التكبير عند الركن دون استلام لا يُفعل اختيارًا، وإنما يفعل؛ لعذر مرض أو زحام الناس عند الحجر (١). وسلف حكم الطواف راكبًا. --------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٩٣. ٦٣ - باب مَنْ طَافَ بِالبَيْتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ، قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا. ١٦١٤ و١٦١٥ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ، قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما مِثْلَهُ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ - رضي الله عنه - فَأَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ، ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَهُ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا. الحديث ١٦١٤ - [١٦٤١ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٣/ ٤٧٧] الحديث ١٦١٥ - [١٦٤٢، ١٧٩٦ - مسلم: ١٢٣٥ - فتح: ٣/ ٤٧٧] ١٦١٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَأ أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٦٢١ - فتح: ٣/ ٤٧٧] ١٦١٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ١٦٠٣ - مسلم: ١٢٦١ - فتح: ٣/ ٤٧٧] ذكر فيه حديث محمد بن عبد الرحمن: ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ، قَالَ: فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيءٍ يدأه بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ .. الحديث. وحديث ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إذا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ العُمْرَة أَوَّلَ ما يَقْدَمْ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطوُفُ بَيْنَ الصَفَا وَالمَرْوَةِ. وحديثه أيضًا: كَانَ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ يَخُبُّ ثَلَاثَةَ أَشواط، وَيَمْشِى أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كَانَ يَسْعَى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. الشرح: أما الحديث الأول: فقوله: (ذكرته لعروة)، فالبخاري اختصره من حديث طويل، وأخرجه مسلم من حديث عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن، أن رجلًا من أهل العراق قَالَ له: سل عروة عن رجل مهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قَالَ: لا يحل، فقل له: إن رجلًا يقول ذَلِكَ. ثم ساقه بطوله (١). وأما حديث ابن عمر فقد سلف بعضه (٢)، وهو في مسلم أيضًا (٣). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: أول الحديث قول عائشة إلى قوله: (ثم حج أبو بكر وعمر مثله)، وقوله: (ثم حَججت مع أبي الزبير) إلى آخره. لعروة بن الزبير ومذهبه الإفراد؛ لأنه قَالَ عن عائشة: إنها لم تكن عمرة، ففيه حجة (علي) (٤) عليها، فيما ذكرت أنه - ﷺ - فسخ، إلا أن يؤول أنه أمر به أو يكون ----------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٣٥) باب: ما يلزم من طاف بالبيت … (٢) برقم (١٦١٦). (٣) «صحيح مسلم» (١٢٦١) باب: استحباب الرمل في الطواف والعمرة .. (٤) كذا صورتها في الأصل ولعلها زائدة. وهمًا من المحدث عنها. وقوله: (ثم حججت مع أبي الزبير) كذا لأبي الحسن، ولأبي ذر: مع ابن الزبير. والصواب الأول، والضمير عائد إلى عروة، أي: أنه حج مع والده الزبير، فافهمه. ثانيها: غرض البخاري في هذا الباب: أن يبين أن سنة من قدم مكة حاجًّا أو معتمرًا، أن يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، فإن كان معتمرًا حل وحلق، وإن كان حاجًّا ثبت عَلَى إحرامه، حَتَّى يخرج إلى منى يوم التروية لعمل حجه، وكذلك قَالَ العلماء: إذا دخل مكة فلا يبدأ بشيء قبل الطواف للاتباع، أو لأنه تحية المسجد الحرام (١). واستثنى الشافعي من هذا، المرأة الجميلة والشريفة التي لا تبرز للرجال، فيُستحب لها تأخيره ودخول المسجد ليلًا؛ لأنه أستر لها وأسلم من الفتنة (٢). فرع: الابتداء بالطواف مستحب لكل داخل وإن لم يكن محرمًا، إلا إذا خاف فوت مكتوبة أو سنة راتبة أو مؤكدة أو جماعة مكتوبة، وإن وسع الوقت أو كان عليه فائتة، فإنه يقدم ذَلِكَ كله عَلَى الطواف، ثم يطوف. ----------------- (١) «تبيين الحقائق» ٢/ ١٥، «حاشية رد المحتار» ٢/ ٤٩٢، ٤٩٣، «المدونة» ١/ ٣١٣، «الفروع» ٣/ ٤٩٥، ٤٩٦، «المبدع» ٣/ ٢١٣، «كشاف القناع» ٢/ ٤٧٧. (٢) «الأم» ٢/ ١٤٥، انظر «البيان» ٤/ ٢٧٣، «المجموع» ٨/ ١٤، ١٥. الثالث: فيه مطلوبية الوضوء للطواف، واختلفوا هل هو واجب أو شرط؟ فعند أبي حنيفة أنه ليس بشرط، فلو طاف عَلَى غير وضوء صح طوافه، فإن كان ذَلِكَ للقدوم فعليه صدقة، وإن كان طواف الزيارة فعليه شاة (١). الرابع: قوله: (ثم لم تكن عمرة). كذا هو في البخاري بعين مهملة من الاعتمار قالوا: وهذا هو الصحيح، ووقع في جميع روايات مسلم: (غيره) بالغين المعجمة ثم ياء وهو تصحيف كما قاله القاضي (٢)، وكأن السائل إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة عَلَى مذهب من يراه، واحتج بأمر النبي - ﷺ - لهم في حجة الوداع. فأعلمه عروة أنه لم يفعل ذَلِكَ بنفسه ولا من جاء بعده. قَالَ: ويدل عَلَى صحة ذَلِكَ قوله في الحديث نفسه: وآخر من فعل ذَلِكَ ابن عمر ولم ينقضها بعمرة. وأما النووي فقال: (غيره) صحيحة وليست تصحيفًا؛ لأن قوله: غيره يتناول العمرة وغيرها، والتقدير: ثم حج أبو بكر. فكان أول ما بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره أي: لم يغير الحج، ولم ينقله، ولم يفسخه إلى غيره، لا عمرة ولا قران (٣). قَالَ القرطبي: وأفادهم ذَلِكَ أن طوافهم الأول لم يكن للعمرة بل للقدوم (٤). --------- (١) «مختصر الطحاوي» ص ٦٤، «المبسوط» ٤/ ٣٨، ٣٩، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢٩. (٢) «كمال المعلم» ٤/ ٣١٤. (٣) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٢٢١/ ٨. (٤) «المفهم» ٣/ ٣٦٢. وقال ابن بطال: قوله: ثم لم تكن عمرة يعني: أنه - ﷺ - طاف بالبيت، ثم لم يحل من حجه بعمرة من أجل الهدي، وكذلك أبو بكر وعمر افردا الحج، وقال ابن المنذر: سنَّ الشارع للقادمين المحرمين بالحج تعجيل الطواف، والسعي بين الصفا والمروة عند دخولهم، وفعل هو ذَلِكَ عَلَى ما روته عائشة وأمر من حل من أصحابه أن يحرموا إذا انطلقوا إلى منى، فإذا أحرم من هو منطلق إلى منى، فغير جائز أن يكون طائفًا وهو منطلق إلى منى. فدل هذا الحديث عَلَى أن من أحرم من مكة من أهلها أو غيرهم أن يؤخروا طوافهم وسعيهم إلى يوم النحر، بخلاف فعل القادمين؛ لتفريق السنة بين الفريقين، وأيضًا فإن هذا هو طواف القدوم، وليس من إنشاء الحج من مكة، واردًا بحجه عليها، فسقط بذلك عنهم تعجيله. وكان ابن عباس يقول: يا أهل مكة، إنما طوافكم بالبيت وبين الصفا والمروة يوم النحر، وأما أهل الأمصار فإذا قدموا، وكان يقول: لا أرى لأهل مكة أن يحرموا بالحج حَتَّى يخرجوا، ولا أن يطوفوا بين الصفا والمروة حَتَّى يرجعوا، هذا قول ابن عمر وجابر. وقالوا: من أنشا الحج من مكة فحكمه حكم أهل مكة. قَالَ ابن المنذر: هذا قول مالك وأهل المدينة وطاوس، وبه قَالَ أحمد وإسحاق، واختلف قول مالك فيمن طاف وسعى قبل خروجه، فكان يقول: يعيد إذا رجع ولا يجزئه طوافه الأول ولا سعيه، وقال أيضًا: إن رجع إلى بلاده قبل أن يعيد فعليه دم (١)، ورخصت طائفة في ذَلِكَ، ورأت المكي ومن دخل مكة إن طافا وسعيا قبل خروجهما، أن ذَلِكَ جائز، هذا قول عطاء والشافعي، غير أن عطاء كان يرى -------- (١) «المدونة» ١/ ٣٠٢. تأخيره أفضل، وقد فعل ذَلِكَ ابن الزبير، أهلَّ لما أهلَّ هلال ذي الحجة، ثم طاف وسعى وخرج، وأجازه القاسم بن محمد، وقال عطاء: منزلة من جاور بمنزله أهل مكة إن أحرم أول العشر، طاف حين يحرم، وإن أخَّرَ إلى يوم التروية أَخَّر الطواف إلى يوم النحر. واختلفوا فيمن قَدم مكة فلم يطف حَتَّى أتى منى، فقالت طائفة: عليه دم، هذا قول أبي ثور، واحتج بقول ابن عباس: من ترك من نسكه شيئًا فليهرق لذلك دمًا. وحكى أبو ثور عن مالك أنه يجزئه طواف الزيارة لطواف الدخول والزيارة والصدر (١)، وحكى غيره عن مالك أنه إن كان مراهقًا فلا شيء عليه، فإن دخل غير مراهق فلم يطف حَتَّى مضى إلى عرفات، فإنه يهريق دمًا؛ لأنه فرط في الطواف حين قدم حَتَّى أتى إلى عرفات (٢)، وقال أبو حنيفة والشافعي وأشهب: لا شيء عليه إن ترك طواف القدوم (٣). قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى أن من ترك طواف القدوم وطاف للزيارة، ثم رجع إلى بلده، أن حجه تام، ولم يوجبوا عليه الرجوع كما أوجبوه عليه في طواف الإفاضة، فدل إجماعهم عَلَى ذَلِكَ أن طواف القدوم ليس بفرض، وفي وجهٍ بعيد عندنا: أنه يلزمه بتركه دم، فإن آخره ففي فواته وجهان حكاهما إمام الحرمين؛ لأنه يشبه تحية المسجد، وكان ابن عمر، وسعيد بن جبير ومجاهد والقاسم بن محمد لا يرون باسًا إذا طاف الرجل أول النهار أن يؤخر -------------- (١) «المدونة» ١/ ٣١٧. (٢) «المدونة» ١/ ٢٩٨. (٣) «المبسوط» ٤/ ٣٤، «البناية» ٤/ ٨١، «البيان» ٢/ ٢٧٣، «المجموع» ٨/ ١٥، ١٦. السعي حَتَّى يبرد (١)، وكذا قَالَ أحمد (٢) وإسحاق: إذا كانت به علة، وقال الثوري: لا بأس إذا طاف أن يدخل الكعبة، فإذا خرج سعى. خامسها: قوله: (وأخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها)، يُريد بأختها: عائشة، وأمه: أسماء رضي الله عنهما. وقوله: (فلما مسحوا الركن حلوا)، يريد: بعد أن سعوا بين الصفا والمروة؛ لأن العمرة إنما هي الطواف والسعي، ولا يحل من قدم مكة بأقل من هذا، فخشي البخاري أن يتوهم متوهم أن قوله: لما مسحوا الركن حلوا أن العمرة إنما هي الطواف بالبيت فقط، فإن المعتمر يحل به دون السعي، وهو مذهب ابن عباس، وروي عنه أنه قَالَ: العمرة الطواف، وقال به إسحاق بن راهويه، ويمكن أن يحتج من قَالَ هذا بقراءة ابن مسعود: (وأتموا الحج والعمرة إلى البيت). أي: أن العمرة لا يجاوز بها البيت، فأراد البخاري بيان فساد هذا التأويل بما أردف في آخر الباب من حديث ابن عمر: أنه - ﷺ - كان إذا قدم مكة للحج أو العمرة طاف بالبيت وسعى. وعلى هذا جماعة فقهاء الأمصار (٣). وقال ابن التين: يُريد بالركن ركن المروة، وأما ركن البيت فلا يحل بمسحه حتى يسعى، ولا بأس بما ذكره، ثم قَالَ: إن كان يريد أنها أخبرته عن حجة الوداع فغلط؛ لأن عائشة لم تدخل بعمرة، وكان ------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤١ (١٣٩٢٢) كتاب: الحج، باب: في التفريق بين الطواف والسعي. (٢) انظر «المغني» ٥/ ٢٤٠. (٣) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٩٥ - ٢٩٧. الزبير وأسماء ممن فسخ الحج في عمرة ذَلِكَ العام، وإن كان غيَّرها بعد رسول الله - ﷺ - فلعلة، وهذا قليل. سادسها: في حديث ابن عمر: أنه بعد أن سجد سجدتين سعى بين الصفا والمروة. وثبت في «صحيح مسلم» من حديث جابر الطويل: أنه - ﷺ - لما فرغ من ركعتي الطواف رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا والسعي بينهما سبعًا، ذهابه من الصفا إلى المروة مرة، وعوده منها إلى الصفا أخرى، وهكذا سبعًا يبدأ بالصفا ويختم بالمروة (١)، وقيل إن الذهاب والإياب مرة واحدة، قَالَه ابن بنت الشافعي، وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا. وقوله: وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة، هذا هو المشهور من فعله - ﷺ - وعليه جماعة الفقهاء. وروي عن ابن عمر التخيير في ذَلِكَ وقال: إن مشيتهُ فقد رأيت النبي - ﷺ - يمشي، وروي عنه: طفت مع رسول الله - ﷺ - فلم أره يسعى ورأيتهم سعوا، ولا أراهم سعوا إلا لسعيه (٢). ويحتمل أن يكون ذَلِكَ في موطن. فرع: موضع السعي بينهما معروف، وقد عملت الخلفاء ذَلِكَ حَتَّى صار إجماعًا، وصفة السعي أن يكون سعيًا بين سعيين وهو الخبب. ------------ (١) «صحيح مسلم» (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -. (٢) رواه ابن عبد البر في «تمهيده» ٢/ ١٠٣. فرع: لو تركه فقال مالك مرة: عليه الدم. ثم رجع. فرع: المرأة لا تسعى بل تمشي؛ لأنه أستر لها، وقيل: إن سعت في الخلوة بالليل سعت كالرجل، وفروع السعي محلها الفروع. ٦٤ - باب طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ ١٦١٨ - وَقَالَ [لِي] عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنَا قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ -إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ- قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ - مَعَ الرِّجَالِ؟! قُلْتُ: أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الحِجَابِ. قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: [انْطَلِقِي] عَنْكِ. وَأَبَتْ. [وَكُنَّ] يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ، فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ البَيْتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ، وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ، قُلْتُ: وَمَا حِجَابُهَا؟ قَالَ: هِىَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ لَهَا غِشَاءٌ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا. [فتح: ٣/ ٤٧٩] ١٦١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، وَهْوَ يَقْرَأُ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ [الطور: ١، ٢]. [انظر: ٤٦٤ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ٣/ ٤٨٠] - وَقَالَ [لِي] عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَا قَالَ: أَنَا قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ -إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ- قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ - ﷺ - مَعَ الرِّجَالِ؟! قُلْتُ: أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ .. الحديث. وهو من أفراده، وهو من باب العرض والمذاكرة أعني قوله: وقال لي عمرو. وفي بعض النسخ إسقاطها، والأول هو ما في الأصول و«أطراف خلف»، وكذا ذكره البيهقي (١)، وصاحبا المستخرجين، زاد أبو نعيم: وهو حديث عزيز ضيق، ثم قَالَ: وحَدَّثَنَا محمد بن إبراهيم، ثَنَا الحميدي، ثَنَا أبو حميد، ثَنَا أبو قرة قَالَ: ذكر ابن جريج: أخبرني عطاء: إذ منع ابن هشام النساء الطواف، فذكره عن قصة الخروج مع عبيد بن عمير، ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج وفيه: إذا دخلن البيت سترن حين يدخلن مكان قمن حتى يدخلن، وابن جريج هو راويه عن عطاء وهو السائل عن هذِه القصة وبينهما جرى الخطاب، وعطاء هو القائل: وكنت آتي عائشة أنا وعبيد بن عمير. وابن هشام هو إبراهيم بن هشام بن إسماعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، خال هشام بن عبد الملك بن مروان ووالي المدينة، كما قاله الكلبي وأخو محمد بن هشام، وكانا خاملين قبل الولاية، وفي إبراهيم يقول أبو زيد الأسلمي: وكان قصده بمدحٍ أوله: يا ابن هشام يا أخا الكرام، فقال إبراهيم: وإنما أنا أخوهم، وكأني لست منهم، ثم أمر به فضرب بالسياط، فقال يهجوه ويذكر حاله وخموله، فيما ذكره المبرد في «كامله». قَالَ الأصمعي: ما رويت للعرب في الهجاء مثلها. قَالَ خليفة بن خياط في «تاريخه»: وفي سنة خمس وعشرين ومائة كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف بن عمر يقدم عليه خالد بن عبد الله القسري ومحمدًا وإبراهيم ابني هشام بن إسماعيل المخزوميين، وأمره بقتلهم فعذبهم حَتَّى ماتوا (٢). ---------- (١) «السنن الكبرى» ٥/ ٧٨ كتاب: الحج، باب: طواف النساء مع الرجال. (٢) «تاريخ خليفة بن خياط» ١/ ١٠١. وقول عطاء: (قد طاف نساء رسول الله - ﷺ - مع الرجال) (١)، يريد: أنهم طافوا في وقت واحد غير مختلطات بالرجال؛ لأن سنتهن أن يطفن ويصلين من وراء الرجال ويستترن عنهم كما في حديث أم سلمة الآتي. وفيه: أنَّ السنة إذا أراد النساء دخول البيت أن يخرج الرجال عنه بخلاف الطواف. وفيه: طوافهن متنكرات. وفيه: طواف الليل. وفيه: سفر نسائه بعده وحجهن. وفيه: رواية المرأة عن المرأة. وفيه: كما قَالَ الداودي: النقاب للنساء في الإحرام. وفيه: المجاورة بمكة، وهو نوع من الاعتكاف، وهو ضربان: مجاورة ليلًا ونهارًا، ومجاورة نهارًا فقط. وفيه: جواز المجاورة في الحرم كله، وإن لم يكن في المسجد الحرام، كذا قَالَ ابن بطال، قَالَ: لأن ثبيرا خارج مكة وهو في طريق منى (٢). قلتُ: ذكر ياقوت أنَّ بمكة شرفها الله سبعة أجبل كل منها يُسمى ثبيرًا بفتح المثلثة ثم باء موحدة ثم ياء مثناة تحت ثم راء. أولها: أعظم جبالها بينها وبين عرفة (٣)، وهو المراد بقولهم: أشرق ثبير كيما نغير، وسيأتي في بابه، قَالَ البكري: ويُقال: ثبير الأثبرة، وقال ------------ (١) «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٦٦ - ٦٧ (٩٠١٨) كتاب: المناسك، باب: طواف الرجال والنساء معًا. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٩٩. (٣) «معجم البلدان» ٢/ ٧٢ - ٧٣. الأصمعي: هو ثبير حراء (١). ثانيها: ثبير الزنج؛ لأن الزنج كانوا يلعبون عنده. ثالثها: ثبير الأعرج. رابعها: ثبير الخضراء. خامسها: ثبير النصع، وهو جبل المزدلفة عَلَى يسار الذاهب إلى منى. سادسها: ثبير غينى (٢). سابعها: ثبير الأحدب. قَالَ البكري: وهو عَلَى الإضافة وكذا ضبطناه، وحكاه ابن الأنباري عَلَى النعت (٣)، وقال الزمخشري: ثبير جبلان متفرقان تصب بينهما أفاعية، وهي واد يصب من منى يُقال لأحدهما: ثبير عيناء، وللآخر: ثبير الأعرج. وقوله: وكانت عائشة تطوف حَجْرَةً من الرجال. أي: ناحية أخرى. كما قَالَ الفراء من قولهم: نزل فلان حجرة من الناس أي: معتزلًا ناحية وهو بفتح الحاء وسكون الجيم. قَالَ صاحب «المطالع»: لا غير. قلتُ: لا. فقد قَالَ ابن سيده: وقعد حجرة. وحجرة أي: ناحية وجمعها: حواجر عَلَى غير قياس (٤). وبخط الدمياطي: الجمع: حجرات، وحكى الضم أيضًا: حجرة ابن عديس في «مثناه»، وفي ابن بطال، وقال عبد الرزاق: يعني محجورًا بينها وبين الناس بثوب (٥). ------------- (١) «معجم ما استعجم» ١/ ٣٣٦. (٢) ذكرهم ياقوت في «معجم البلدان» ٢/ ٧٢ - ٧٣. (٣) انظر: التخريج السابق. (٤) «المحكم» ٣/ ٤٨. (٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٠٠. والتركية: قبة صغيرة من لبود. وذكر فيه أيضًا حديث أم سلمة أم المؤمنين قالت: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكبَةٌ». فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - حِينَئِذٍ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، وَهْوَ يَقْرَأ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾ وهذا الحديث سلف في الصلاة في القراءة في الفجر (١). فإن قراءته بالطور كانت في الفجر، وذكره بعد هذا في باب من صلى ركعتي الطواف خارجًا من المسجد أنه - ﷺ - قَالَ لها: «إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي عَلَى بعيرك والناس يصلون» (٢) ففعلت ذَلِكَ فلم يصل حَتَّى خرجت ولما شكت إليه أنها لا تُطيق الطواف ماشية لضعفها، فقال: «طوفي راكبة». ففيه: إشعار بوجوب المشي لغير المعذور، وقد سلف ما فيه، وعند المالكية تركب بعيرًا غير جلالة لطهارة بوله عندهم، إذ لا يؤمن أن يكون ذَلِكَ منه في المسجد. قالوا: وإن كان محمولًا فيكون حامله لا طواف عليه، وعللوه بأن الطواف صلاة فلا يُصلي عن نفسه وغيره (٣)، وعندنا فيه تفصيل محله كتب الفروع، وفيه: طواف النساء من وراء الرجال. قَالَ ابن التين: ويحتمل أن يكون طوافها طوافًا واجبًا وهو الأظهر. قَالَ: ويحتمل أن يكون طواف الوداع. قَالَ: وفيه: الصلاة بجنب البيت والجهر بالقراءة، وعن سحنون أنها كانت نافلة، وحديث البخاري أنه في الصبح يردّه. --------- (١) سلف معلقًا قبل الرواية (٧٧١). (٢) سيأتي برقم (١٦٢٦). (٣) «المنتقى» ٢/ ٢٩٥. ٦٥ - باب: الكَلَامِ فِي الطَّوَافِ ١٦٢٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ الأَحْوَلُ، أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ، أَوْ بِخَيْطٍ، أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِهِ». [١٦٢١، ٦٧٠٢، ٦٧٠٣ - فتح: ٣/ ٤٨٢] ذكر فيه حديث ابن عباس: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ، أَوْ خَيْطٍ، أَوْ بِشَيءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - بيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: «قُدْهُ بِيَدِهِ» هذا الحديث من أفراده. وترجم له بعد: ٦٦ - باب إِذَا رَأَى سَيْرًا أَوْ شَيْئًا يُكْرَهُ فِي الطَّوَافِ قَطَعَهُ ١٦٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَطَعَهُ. [انظر: ١٦٢٠ - فتح: ٣/ ٤٨٣] وذكره بلفظ: أنه رأى رجلًا يطوف بالكعبة بزمام، أو غيره، فقطعه. وخرجه في كتاب الأيمان والنذور بلفظ: بإنسان يقول إنسانًا بخزامة في أنفه فقطعها النبي - ﷺ -، ثم أمره أن يقوده بيده (١). وفي رواية للحاكم مصححة: مرَّ برجل قد رُبق بسير، أو خيط أو بشيء غير ذَلِكَ، فقطعه وقال: «قده بيدك» (٢). وكأن البخاري أشار أيضًا إلى حديث ابن عباس مرفوعًا: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل لكم فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير». صححه الحاكم، وابن حبان، والبيهقيُّ صحح وقفه (٣)، وقد ---------- (١) سيأتي برقم (٦٧٠٣) باب: النذر فيما لا يملك. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٦٠ كتاب: المناسك، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٩ كتاب: المناسك، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد أوقفه جماعة. «صحيح ابن حبان» ٩/ ١٤٣ - ١٤٤ (٣٨٣٦) كتاب: الحج، باب: دخول مكة. «السنن الكبرى» ٥/ ٨٧ كتاب: الحج، باب: الطواف على طهارة، وقال البيهقي: ووقفه عبد الله بن طاوس، وإبراهيم بن ميسرة في الرواية الصحيحة. أوضحت طرقه في تخريجي لأحاديث الرافعي، فليراجع منه (١). وروى الشافعي، عن سعيد بن سالم، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر أنه قَالَ: أقلوا الكلام في الطواف؛ فإنما أنتم في صلاة (٢). وعن إبراهيم بن نافع قَالَ: كلمت طاوسًا في الطواف فكلمني (٣). وفي كتاب الجندي من حديث إسماعيل بن عياش، ثَنَا حميد بن أبي سويد، سمعتُ أبا هاشم يسأل عطاء بن أبي رباح عن الطواف، فقال: أخبرني أبو هريرة، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «من طاف بالبيت سبعًا ما يتكلم إلا: بسبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، مُحيت عنه عشر سيئات، وكتبت له عشر حسنات، ورفع له عشر درجات» (٤). قلتُ: لا جرم كان عطاء يكره الكلام فيه، إلا الشيء اليسير فيما حكاه ابن عبد البر، وعن مجاهد أنه كان يقرأ عليه القرآن في الطواف (٥)، وقال مالك: لا أرى ذَلِكَ، وليقبل عَلَى طوافه (٦). ------------ (١) «البدر المنير» ٢/ ٤٨٧ - ٤٩٨ والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (١٢١). (٢) «الأم» ٢/ ١٧٣، و«المسند» ١/ ٣٤٨ (٩٨٨). (٣) «الأم» ٢/ ١٧٣. (٤) هذا الحديث رواه ابن ماجه (٢٩٥٧) كتاب: المناسك، باب: فضل الطواف، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٠١ - ٢٠٢ (٨٤٠٠)، وابن عدي في «الكامل» ٣/ ٧٨، وذكره العجلوني في «كشف الخفاء» ٢/ ٢٦٠ وقال: أخرجه الطبراني في «الأوسط» وابن ماجه بسند ضعيف. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٦٨٣)، وانظر: «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٥٩ (٧٢١). (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٩٥ (٩٧٨٥) كتاب: الحج، باب: القراءة في الطواف والحديث، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٠٧ (٣٤٧). (٦) «الاستذكار» ١٢/ ١٩٧. ورواه الحليمي من أصحابنا أيضًا. وقال الشافعي: أنا أحب القراءة في الطواف، وهو أفضل ما تكلم به الإنسان (١). والأصح عند أصحابه أن الإقبال عَلَى مأثور الدعاء أفضل للتأسي، وهو أفضل من غير مأثوره (٢). وعن الجويني أنه يحرص عَلَى أن يختم أيام الموسم في طوافه ختمة. فرع: يكره له الأكل والشرب، والشرب أخف حالًا؛ لأنه - ﷺ - شرب ماءً فيه. رواه الحاكم من حديث ابن عباس، وقال: غريب صحيح (٣). تتمة لما مضى. قَالَ ابن المنذر: أولى ما شغل به المرء نفسه في الطواف: ذكر الله، وقراءة القرآن، ولا يشتغل فيه بما لا يجدي عليه نفعه في الآخرة، مع أنا لا نحرم الكلام المباح فيه، غير أن الذكر أسلم؛ لأن من تخطى الذكر إلى غيره لم يأمن أن يخرجه ذَلِكَ إلى ما لا تحمد عاقبته. وقد قَالَ ابن عباس: الطواف صلاة، ولكن الله قد أذن لكم فيه بالكلام، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير (٤)، وقال عطاء: كانوا يطوفون ويتحدثون (٥). ------------- (١) «الأم» ٢/ ١٤٧. (٢) انظر «البيان» ٤/ ٢٨٧، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٥. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٦٠ كتاب: المناسك. (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٩٦ (٩٧٩١) كتاب: الحج، باب: القراءة في الطواف والحديث، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٣٤ (١٢٨٠٦) كتاب: الحج، في الكلام من كرهه في الطواف. (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٩٥ (٩٧٨٤)، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٠٩ (٣٥٤). قَالَ: وقال مالك: لا بأس بالكلام فيه، فأما الحديث فاكرهه في الواجب (١)، كذا قيده ابن التين به بعد أن حكى خلافًا عن أصحابهم في الكراهة فيه، وعن «الموطأ»: لا أحب الحديث فيه (٢). وعن ابن حبيب: الوقوف للحديث في السعي والطواف أشد بغير وقوف، وهو في الطواف الواجب أشد، ثم حكى خلافًا في الكلام فيه بغير ذكر ولا حاجة (٣). قَالَ ابن المنذر: واختلفوا في قراءة القرآن، فقال ابن المبارك: ليس شيء أفضل من قراءة القرآن، واستحبه الشافعى وأبو ثور، وقال الكوفيون: إذا قرأ في نفسه. وكرهت طائفة قراءة القرآن، وروي ذَلِكَ عن عروة والحسن ومالك، وقال مالك: وما القراءة فيه من عمل الناس القديم، ولا بأس به إذا أخفاه ولا يُكثر منه (٤). وقال عطاء: قراءة القرآن في الطواف مُحدَث (٥). قَالَ ابن المنذر: والقراءة أحب إليَّ من التسبيح، وكل حسن. ومن أباح القراءة في الطُّرق والبوادي، ومنعه الطائف متحكم مدع لا حجة له به. فائدة: ينبغي أن يفتتح الطواف بالتوحيد، كما تفتتح الصلاة بالتكبير، ويخشع لربه، ويعقل بيت مَن يطوف، ولمعروف مَن يتعرض، وليسأل ------------- (١) انظر «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٥. (٢) «الموطأ» ١/ ٥٠٧ (١٣٠٩) كتاب: المناسك، جامع ما جاء في الطواف. (٣) المصدر السابق. (٤) المصدر السابق وانظر «المدونة» ١/ ٣١٨. (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٩٥ (٩٧٨٤). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#323 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 411 الى صـــ 430 الحلقة (323) غفران ذنوبه، والتجاوز عن سيئاته، ويشغل نفسه بذلك وخواطره، ويترك أمور الدنيا، كما فعل ابن عمر حين خطب إليه عروة بن الزبير ابنته في الطواف، فلم يرد عليه كلامًا، فلما جاء إلى المدينة لقيه عروة، فقال له ابن عمر: أدركتني في الطواف، ونحن بمرأى من الله بين أعيننا؛ فذلك الذي منعني أن أرد عليك. ثم زوَّجه (١). والذي سأل عروة باب من أبواب المباح فأبى ابن عمر أن يجيبه تعظيمًا لله، إذ هو طائف ببيته الحرام. تنبيه: في قطعه - عليه السلام - السير من يد الطائف من الفقه أنه يجوز للطائف فعل ما خف من الأفعال، وأنه إذا رأى منكرًا فله أن يغيره بيده، وإنما قطعه -والله أعلم- لأن القَوْد بالأزِمَّة إنما يفعل بالبهائم، وهو مُثلةٌ. وفيه: أن من نذر ما لا طاعة فيه، لا يلزمه. ذكره الداودي، واعترضه ابن التين فقال: ليس هنا نذر ذلك، وغفل أنه ذكره في النذور، كما أسلفناه، قَالَ: وظاهره أنه كان ضرير البصر، وأنه فعله لذلك؛ لأنه قَالَ: «قده بيده». والسير: الشراك. فرع: يجوز له إنشاد الشعر والرجز في الطواف إذا كان مباحًا، قاله الماوردي، واستشهد له بشواهد، وتبعه صاحب «البحر». فرع: يُكره له أيضًا البيع والشراء فيه إلا لحاجة. ------------ (١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٤/ ١٦٧ - ١٦٨، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٠٤ (٣٣٩). فرع: يُكره أن يبصق فيه أو يتنخم أو يغتاب أو يشتم ولا يفسد طوافه بشيء من ذَلِكَ وإن أثم، صرح به الماوردي. فرع: قيل: لا يكره التعليم فيه كما في الاعتكاف، قاله الروياني هناك. فرع: يكره أن يضع يده عَلَى فيه كما في الصلاة، قاله الروياني هنا، نعم لو احتاج إليه في التثاؤب، فلا كراهة كما في الصلاة. فرع: لو طافت منتقبة وهي غير محرمة، فمقتضى مذهبنا كراهته كما في الصلاة (١)، وحكى ابن المنذر عن عائشة أنها كانت تطوف منتقبة (٢)، وبه قَالَ أحمد وابن المنذر (٣)، وكرهه طاوس، وغيره (٤). ------------- (١) انظر «أسنى المطالب» ١/ ٤٨٣، «مغني المحتاج» ١/ ٤٩١، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٨٨. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٢٤ - ٢٥ (٨٨٥٩) كتاب: الحج، باب: طواف المرأة منتقبة، والأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٣٣ (٤٢٨). (٣) انظر «المجموع» ٨/ ٨٣. (٤) رواه عبد الرزاق ٥/ ٢٥ (٨٨٦١) كتاب: الحج، باب: طواف المرأة منتقبة، والأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤ (٤٢٩ - ٤٣٢) وانظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٥. ٦٧ - باب لَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ، [وَلَا يَحُجُّ مُشْرِكٌ] (١) ١٦٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رضي الله عنه - بَعَثَهُ فِي الحَجَّةِ التِي أَمَّرَهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: «أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ». [انظر: ٣٦٩ - مسلم: ١٣٤٧ - فتح: ٣/ ٤٨٣] ذكر فيه حديث أبي هريرة: اُّنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَهُ فِي الحَجَّةِ التِي أَمَّرَهُ عَلَيْهِا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ، يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أن: «لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ». هذا الحديث ذكره في أوائل الصلاة كما سلف، وفي آخره. قَالَ حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله - ﷺ - عليًّا، فأمرهُ أن يؤذن ببراءة. قَالَ أبو هريرة: فأذن معنا عليّ .. الحديث (٢). وفي المغازي قَالَ أبو عبد الله: وذلك في سنة تسع (٣)، وفي لفظ: قَالَ الزهري: فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة (٤). وفي الجزية فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذَلِكَ العام، فلم يحج في العام ----------- (١) ليست في الأصل وهي في اليونينية ٢/ ١٥٣، ولم يعلق عليها. (٢) سلف هذا الحديث برقم (٣٦٩) باب: ما يستر من العورة. (٣) سيأتي برقم (٤٣٦٣) باب: حج أبي بكر بالناس في سنة تسع. (٤) سيأتي برقم (٤٦٥٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿إلاَّ اَلذِينَ عَهَدتُم مِنَ اَلمُشركِينَ﴾. المقبل مشرك (١)، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلمُشرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وكان المشركون يوافون بالتجارة، فقال تعالى: ﴿وَإِن خِفتُم عَيْلَة﴾ [التوبة: ٢٨] الآية، ثم أحل في الآية التي فيها تتبعنا الجزية، ولم تؤخذ قبل ذَلِكَ فجعله عوضًا مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية، فلما أحل الله ذَلِكَ للمسلمين علموا أنه قد عاضهم أفضل مما خافوا، ووجدوا عليه مما كان المشركون يوافون به من التجارة. وقد سلف فقه الباب هناك، وأنه حجة لاشتراط ستر العورة في الطواف. قَالَ السهيلي: كان سيدنا رسول الله - ﷺ - حين قدم من تبوك أراد الحج، فذكر مخالطة المشركين للناس في حجهم، وتلبيتهم بالشرك، وطوافهم عراة بالبيت. وكانوا يقصدون بذلك أن يطوفوا كما وُلدِوا بغير الثياب التي أذنبوا فيها وظلموا، فأمسك عن الحج في ذَلِكَ العام، وبعث أبا بكر بسورة براءة لينبذ إلى كل ذي عهد عهده من المشركين إلا بعض بني بكر الذين كان لهم عهد إلى أجل خاص، ثم أردف بعلي فرجع أبو بكر إلى رسول الله - ﷺ - فقال: هل أُنزل في قرآن؟ قَالَ: «لا، ولكن أردت أن يبلغ عني من هو من أهل بيتي». قَالَ أبو هريرة: فأمرني علي أن أطوف في المنازل من منى ببراءة، فكنتُ أصيح حَتَّى ضحل حلقي فقلتُ له: بم كنت تنادي؟ قَالَ: بأربع: أن لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عهد فله أجل أربعة أشهر، ثم لا عهد له، وكان المشركون إذا سمعوا النداء ببراءة يقولون لعلي: -------------- (١) سيأتي برقم (٣١٧٧) باب: كيف ينبذ إلى أهل العهد. سترون بعد الأربعة الأشهر أنه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلا الطعن والضرب، ثم إن الناس في تلك المدة رغبوا في الإسلام حَتَّى دخلوا فيه طوعًا وكرهًا (١). وكانوا بالبيت عَلَى أصناف ثلاثة فالحمس فيما ذكر ابن إسحاق أن قريشًا ابتدعت بعد الفيل -أو قبله- أن لا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحُمْسِ، فإن لم يجدوا منها شيئًا طافوا عراة، فإن تلوم منهم متلوم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب أحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه، ثم لم ينتفع بها، ولم يمسها. أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع إحداهن ثيابها، إلا درعًا مفرجًا عليها، ثم تطوف فيه. فقالت امرأة وهي تطوف: اليوم يبدو بعضه أو كله … وما بدا منه فلا أحله (٢) والحلة: وهم ما عدا الحمس، كانوا يطوفون عراة إن لم يجدوا ثياب أحمس. والطلس: كانوا يأتون من أقصى اليمن طلسًا من الغبار، فيطوفون بالبيت في تلك الثياب الطلس قَالَ ابن حبيب: فسموا بذلك، وروى المطلب بن أبي وداعة أن قائلة هذا البيت: ------------- (١) انظر: «الروض الأنف» ٤/ ٢٠٠. (٢) انظر: «سيرة ابن أسحاق» ص: ٨٠ - ٨٢. قلت: وقد روى مسلم في «صحيحه» (٣٠٢٨) كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ من حديث ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني تطوفا؟ تجعله على فرجها، وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله … فما بدا منه فلا أحله فنزلت هذِه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. ضباعة بنت عامر، وأنها طافت عريانة واضعة يديها عَلَى فخذيها، وقريش قد أحدقت بها. وعند الرياشي زيادة فيه: كم من لبيب لبه يضله وناظر ينظر ما يمله جهم من الجسم عظيم ظله فطافت أسبوعًا. وفي «تاريخ ابن عساكر»: كانت تغطي جسدها بشعرها، وكانت إذا جلست أخذت من الأرض شيئًا كثيرًا لعظم خلقها (١). وقد أسلفنا أن هذِه الحجة كانت سنة تسع، وحج - ﷺ - في العاشرة. وسيأتي في البخاري في باب الخطبة أيام منى أنه - ﷺ - لما وقف يوم النحر بين الجمرات في حجته وقال: «هذا يوم الحج الأكبر» (٢). وهو نص أخذ به مالك، وهو قول علي (٣)، والمغيرة (٤)، وابن عباس (٥) وابن عمر (٦). -------------- (١) «تاريخ دمشق» ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥. (٢) سيأتي برقم (١٧٤٢) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. (٣) رواه الترمذي (٣٠٨٩) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وابن جرير في «تفسيره» ٦/ ٣١٤ (١٦٤٥٠، ١٦٤٥٥)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨١ إلى ابن أبي شيبة والترمذي وأبي الشيخ، وصححه الترمذي وصححه الألباني في «صحيح الترمذي». (٤) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٦/ ٣١٢ (١٦٤٢٥ - ١٦٤٢٧)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨١ إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير. (٥) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٦/ ٣١٢، ٣١٤ (١٦٤٢٨، ١٦٤٤٧ - ١٦٤٤٩). وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨١ إلى ابن أبي شيبة، وابن جرير. (٦) رواه الطبري ٦/ ٣١٥ (١٦٤٦٦). وروي عن ابن عباس أنه قَالَ: هو يوم عرفة (١). وقاله طاوس (٢) ومجاهد (٣)، وقال ابن سيرين: الحج الأكبر: العام الذي حج فيه رسول الله - ﷺ - اتفق فيه جميع الملل (٤)، وأراد - ﷺ - أن ينظف البيت من المشركين والعراة، ويكون حجه له عَلَى نظافة من هذين الطائفتين، فبعث الصديق أولًا وأردفه بعلي يؤذن ببراءة، ثم حج. وقد اختلف الناس في حجة أبي بكر هذِه إن كانت حجة الإسلام بعد نزول فرضه، وإن كانت عَلَى حج الجاهلية ومواسمها، والذي يعطيه النظرُ الأولَ؛ لأن وقوفه كان بعرفة مع الناس كافة، وإنما كان الحمس -وهم قريش- يقفون بالمشعر الحرام، فلمَّا خالف أبو بكر العادة لقريش وأخرجهم من الحرم إلى عرفات، دل أنه إنما وقف بأمره، وأنه - ﷺ - امتثل قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩] يعني: العربَ كافة، وقوله تعالى هذا هو متقدم بفرض الحج، ووصف لشرائعه كلها، فثبت بهذا ما ذكرناه مع أنه أيضًا حج في ذي الحجة، وكانت العرب لا تتوخى بحجها إلا ما كانت عليه من النسيء، يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا آخر، وقد اختلف الناس في الحج هل هو عَلَى الفور أم لا؟ كما سلف في أول الحج. --------- (١) رواه الطبري ٦/ ٣١١، ٣١٥ (١٦٤٠٥، ١٦٤٦٦)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ١٧٤٨ (٩٢٣٠)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨٢ إلى أبي عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ. (٢) انظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن أبي حاتم ٦/ ١٧٤٨ (٩٢٣٠)، و«معالم التنزيل» للبغوي ٤/ ١١. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٣١٠ (١٦٤٠٤)، وانظر: «معالم التنزيل» ٤/ ١٢. (٤) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٨٢ وعزاه إلى ابن أبي شيبة. ٦٨ - باب إِذَا وَقَفَ فِي الطَّوَافِ وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَطُوفُ فَتُقَامُ الصَّلَاةُ، أَوْ يُدْفَعُ عَنْ مَكَانِهِ: إِذَا سَلَّمَ يَرْجِعُ إِلَى حَيْثُ قُطِعَ فيبني عَلَيْهِ. وَيُذْكَرُ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. قال المروذي: قرئ عَلَى أبي عبد الله، عن عبد الرزاق، أنا معمر، حَدَّثَني يزيد بن أبي مريم السلولي قَالَ: رأيت ابن عمر يطوف بين الصفا والمروة فأعجله البول، فتنحى فبال، ثم دعا بماء، فتوضأ ولم يغسل أثر البول، فاجتمع عليه الناس، فقال سالم: إن الناس يرون أن هذِه سنة، فقال ابن عمر: كلا إنما أعجلني البول. ثم قام فأتم عَلَى ما مضى، فقال أبو عبد الله: ما أحسنه وأتمه (١). قَالَ مالك: لا ينبغي الوقوف ولا الجلوس في الطواف، فإن فعل منه شيئًا بنى فيما خف ولم يتطاول، وأجزأه (٢). وقال نافع: ما رأيت ابن عمر قائمًا قط إلا عند الركن (٣). وقال عمرو بن دينار: رأيت ابن الزبير يطوف فيسرع (٤). قَالَ نافع: ويُقال: القيام في الطواف بدعة (٥)، وأجاز عطاء أن ----------- (١) انظر: «تغليق التعليق» ٣/ ٧٥. (٢) «المدونة» ١/ ٣١٩، وانظر «المنتقى» ٢/ ٢٩٨، «الذخيرة» ٣/ ٢٥١. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٥٦ (٨٩٨١) كتاب: المناسك، باب: الجلوس في الطواف والقيام فيه. (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٥٦ (٨٩٨٢)، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٢٩٣ (١٤٤٥٤) كتاب: الحج، في السرعة والتؤدة في الطواف. (٥) «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٥٦ (٨٩٨٣). يجلس، ويستريح في الطواف (١). وابن بطال خلط هذا الباب بالباب الذي بعده، ثم أبدى سؤالًا فقال: فإن قيل: فما معنى ذكره - ﷺ - طاف أسبوعًا وصلى ركعتين في هذا الباب والبخاري لم يذكره فيه، وإنما ذكره فيما بعده كما ستعلمه؟ قيل: معناه -والله أعلم- أنه صلى حين طاف وركع بإثره ركعتين لم يحفظ عنه أنه وقف ولا جلس في طوافه؛ ولذلك قَالَ نافع: إن القيام فيه بدعة، إلا أن يضعف فلا بأس بالوقوف والقعود اليسير فيه للراحة، ويبني عليه. وإنما كره العلماء الوقوف والقعود فيه لغير عذر؛ لأن من أجاب دعوة أبيه إبراهيم عَلَى بعد الشقة وشدة المشقة لا يصلح إذا بلغ العمل أن يتوانى فيه بوقوف أو قعود لغير عذر، ولهذا المعنى كان ابن الزبير يسرع في طوافه (٢). وجمهور العلماء يرون لمن أقيمت عليه الصلاة البناء عَلَى طوافه إذا فرغ من صلاته، روي ذَلِكَ عن ابن عمر (٣) وعطاء (٤) والنخعي (٥) وابن المسيب (٦) وطاوس (٧). ------------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٣٤٦ (١٤٩٦٧ - ١٤٩٦٩) كتاب: الحج، في الاستراحة في الطواف. (٢) روى ذلك عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٥٦ (٨٩٨٢). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٤ (١٥٣٤٨). (٤) رواه عبد الرزاق ٥/ ٥٤ - ٥٥ (٨٩٧٥) باب: القراءة في الطواف والحديث، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ (١٥٣٤٦) في الرجل يبتدئ الطواف تطوعًا. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ (١٥٣٤٥). (٦) رواه عبد الرزاق ٥/ ٥٥ (٨٩٧٨). (٧) رواه عبد الرزاق ٥/ ٥٤ (٨٩٧٤)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٨٣ (١٥٣٤٦). وبه قَالَ الأربعة (١)، وإسحاق، وأبو ثور، إلا الحسن فإنه قَالَ: يبتدئ الطواف. وحجة الجماعة قيام العذر وغير جائز أن يبطل عمله بغير حجة. وفي المسألة خلاف آخر ذكره عبد الرزاق، عن أبي الشعثاء، أنه أقيمت عليه الصلاة وطاف خمسة أطواف فلم يتم ما بقي (٢)، وعن سعيد بن جبير مثله (٣). وعن عطاء: إن كان الطواف تطوعًا وخرج في وتر، فإنه يجزئ عنه، وكذلك إن عرضت له حاجة فخرج فيها (٤). وعن ابن عباس: من بدت له حاجة فخرج لها، فليخرج عَلَى وتر من طوافه، ويركع ركعتين ولا يعد لبقيته (٥). وقال مالك: من طاف بعد طوافه ثم خرج لصلاة عَلَى جنازة، أو خرج لنفقة نسيها فليبتدئ الطواف ولا يبني، ولا يخرج من طوافه لشيء إلا لصلاة الفريضة. وهو قول الشافعي وأبى ثور (٦). وقال أشهب: يبني إذا صلى عَلَى جنازة. وهو قول أبي حنيفة (٧). ------------- (١) انظر «الأصل» ٢/ ٤٠٣، و«مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٣٣، و«المدونة» ١/ ٣١٨، ٣١٩، «المنتقى» ٢/ ٣٠٣، و«المجموع» ٨/ ٦٥، و«نهاية المحتاج» ٣/ ٢٨٩، و«المستوعب» ٤/ ٢١٧، و«المغني» ٥/ ٢٤٦. (٢) «المصنف» ٥/ ٥٣ (٨٩٧٠). (٣) «مصنف عبد الرزاق» ٥/ ٥٢ (٨٩٦٩). (٤) المصدر السابق ٥/ ٥٤ (٨٩٦٩). (٥) المصدر السابق ٥/ ٥٥ (٨٩٧٧). (٦) انظر «المدونة» ١/ ٣١٨، و«الأم» ٢/ ١٥٢، و«المجموع» ٨/ ٦٥. (٧) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٧٨، و«الأصل» ٢/ ٤٠٣، و«بدائع الصنائع» ٢/ ١٣٠. وقال ابن المنذر: لا يخرج من بِرٍّ هو فيه إلى بِرٍّ وَلْيُتِمَّ طوافه (١). وقال النووي في «شرح المهذب» فيمن حضرته جنازة في أثناء الطواف: إن مذهب الشافعي، ومالك أن إتمام الطواف أولى، وبه قَالَ عطاء وعمرو بن دينار. وقال أبو ثور: لا يخرج، وإن خرج استأنف. وقال أبو حنيفة والحسن بن صالح: يخرج لها (٢). ------------ (١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦. (٢) «المجموع» ٨/ ٨٣. ٦٩ - باب صَلاة (١) النَّبِيُّ - ﷺ - لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي لِكُلِّ سُبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: قُلْتُ لِلزُّهْرِيِّ: إِنَّ عَطَاءً يَقُولُ: تُجْزِئُهُ المَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَي الطَّوَافِ. فَقَالَ: السُّنَّةُ أَفْضَلُ، لَمْ يَطُفِ النَّبِيُّ - ﷺ - سُبُوعًا قَطُّ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. ١٦٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي العُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾. [الأحزاب: ٢١]. [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٤٨٤] ١٦٢٤ - قَالَ: وَسَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما فَقَالَ: لَا يَقْرَبِ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ٣٩٦ - فتح: ٣/ ٤٨٥] ثم ذكر حديث سفيان عن عمرو، سألنا ابن عمر: أيقع الرجل على امرأته في العمرة .. الحديث. وقد سلف بطوله في الصلاة في باب قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] (٢). وترجم له أيضًا بعد باب: من صلى ركعتي الطواف خلف المقام (٣). والسنة أن يصلي بعد فراغه من طوافه ركعتين؛ للاتباع كما قررناه، ----------- (١) كذا في الأصل وفي اليونينة ٢/ ١٥٤: (صلى) ولم يعلق عليها. (٢) برقم (٣٩٥). (٣) سيأتي برقم (١٦٢٧). فإن تعدد طوافه فلكل طواف كذلك، فإن تعدد من غير صلاة، ثم صلى لكل طواف ركعتيه جاز، لكنه تارك للأفضل، ولا يكره، فقد رُوِي عن عائشة رضي الله عنها، والمسور بن مخرمة (١)، حَتَّى قَالَ الضميري من أصحابنا: لوطاف أسابيع متصلة ثم صلى ركعتين جاز. وحكى ابن التين عن بعض أصحابنا أنه - ﷺ - طاف أسابيع وركع لها ركعتين، وقال ابن الجلاب: يُكره أن يطوف أسابيع، ويؤخر ركوعها حَتَّى يركعه في موضع واحد، وليركع لكل أسبوع ركعتين إن فعل ذَلِكَ، هذا هو المشهور من مذهبه (٢). وقَالَ ابن القاسم: يصلي ركعتين فقط كسائر الأسابيع (٣)، وقيل: يجوز أن يُصلي أسابيع عَلَى الوتر، كالثلاثة والخمسة والسبعة، ولا يجوز عَلَى الشفع، وقيل: يجوز واحد وثلاثة، ولا يجوز أكثر من ذَلِكَ، حكاها ابن التين، قَالَ: وهذِه أقاويل ليس منها شيء في مذهب مالك، ولو صلى فريضة أخرى أجزأت عندنا عنهما، كتحية المسجد، نص عليه الشافعي في القديم (٤)، واستبعده الإمام، وهو غلط، نعم هي مسأله خلافية، فمن طاف أسبوعًا ثم وافق صلاة مكتوبة، هل تجزئه من ركعتي الطواف؟ فروي عن ابن عمر: إجازته (٥) خلاف ما ذكره البخاري عنه أنه كان يفعله، وروي مثله عن --------------- (١) سيأتي تخريجه قريبًا. (٢) «التفريع» ١/ ٣٣٩. (٣) «المدونة» ١/ ٣١٨. (٤) «المجموع» ٨/ ٧٣. (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٥٨ (٨٩٩١) باب: هل تجزئ المكتوبة من وراء السبع. سالم وعطاء وأبي الشعثاء (١). قَالَ أبو الشعثاء: ولو طاف خمسة. وقال الزهري ومالك وأبو حنيفة: لا يجزئه (٢). قَالَ ابن المنذر: ويشبه مذهب الشافعي، وهو قول أبي ثور، واحتجاج ابن شهاب عَلَى عطاء في هذا الباب أنه - عليه السلام - لم يطف سبعًا قط إلا صلى ركعتين، في أنه لا تجزئه المكتوبة منهما. وكان طاوس يُصلي لكل أسبوع أربع ركعات، فذكر لابن جريج فقال: حدثنا عطاء أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي كل سبوع ركعتين (٣)، وعلى هذا مذاهب الفقهاء. وقال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - ﷺ - طاف بالبيت سبعًا وصلى ركعتين، وأجمعوا أن من فعل فعلته - ﷺ - فهو مُتبع للسنة (٤). ورخصت طائفة أن يجمع أسابيع، ثم يركع لها كلها. رُوِي ذَلِكَ عن عائشة كما سلف وعطاء وطاوس (٥)، وبه قَالَ أبو يوسف، وأحمد، وإسحاق (٦). وكره ذَلِكَ ابن عمر، والحسن البصري، وعروة، والزهري، وهو قول مالك، والكوفيين، وأبي ثور، وهذا القول أولى؛ لأن فاعلهم متبع للسنة (٧). -------------- (١) رواه عبد الرزاق ٥/ ٥٧ - ٥٨ (٨٩٨٧ - ٩٨٨٨، ٨٩٩٢). (٢) انظر «الأصل» ٢/ ٤٠٢، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٤٩٩، «الذخيرة» ٣/ ٢٤٣. (٣) رواه عبد الرزاق ٥/ ٦٠ - ٦١ (٩٠٠٢). (٤) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٦٦، «المجموع» ٨/ ٧١. (٥) رواه عبد الرزاق ٥/ ٦٤ (٩٠١٤ - ٩٠١٦) باب: قرن الطواف. (٦) انظر «المبسوط» ٤/ ٤٧، «المغني» ٥/ ٢٣٣، «المبدع» ٣/ ٢٢٤. (٧) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٦٦. قَالَ ابن المنذر: وأرجو أن يجزئ القول الأول، وهو كمن صلى وعليه صلاة ثم صلاها بعد طوافه. قَالَ: وثبت أنه - ﷺ - صلى ركعتي الطواف عند المقام، وأجمع العلماء أن الطائف يجزئه أن يركعها حيث شاء، إلا مالكًا، فإنه كره أن يركعهما في الحجر (١)، وقد صلى ابن عمر ركعتي الطواف في البيت (٢) وصلاها ابن الزبير في الحجر. قَالَ مالك: ومن صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر أعاد الطواف والسعي بين الصفا والمروة، وإن لم يركعهما حَتَّى بلغ بلده أهراق دمًا، ولا إعادة عليه (٣). والهدي للتفرقة بين الطواف وصلاته. قَالَ ابن المنذر: ولا يخلو من صلى في الحجر ركوع الطواف أن يكون قد صلاهما، فلا إعادة عليه، أو يكون في معنى من لم يصلهما فعليه أن يعيد أبدًا، فأما أن يكون بمكة في معنى من لم يصلهما، وإن رجع إلى بلاده في معنى من قد صلاهما، فلا أعلم لقائله حجة في التفريق بين ذَلِكَ، ولا أعلم الدم يجب في شيء من أبواب الطواف، وقول عمرو: وسألنا ابن عمرو: أيقع الرجل عَلَى امرأته في العمرة قبل أن يطوف بين الصفا والمروة؟ قَالَ: قدم رسول الله - ﷺ - فذكره، وأنه لا بد من السعي، قال: وسألت جابرًا فذكر مثله، وفيه خلاف للعلماء، والأظهر عندنا: أنه ركن فيها (٤)، فإذا وطئ قبله فسدت، وتقضى كالحج، وخالف داود فقال: لا يُقضى فاسد الحج والعمرة. -------------- (١) انظر: «الإجماع» ٥٣، و«الاستذكار» ١٢/ ١٢٠، ١٦٦، و«المجموع» ٨/ ٨٦. (٢) رواه عبد الرزاق ٥/ ٦٠ (٩٠٠٠) باب: هل تجزئ المكتوبة من وراء السبع. (٣) «الاستذكار» ١٢/ ١٢١. (٤) انظر «البيان» ٤/ ٣٠٢، «المجموع» ٨/ ١٠٣. وفي إرداف الحج عَلَى العمرة قولان في مذهب مالك أجازه ابن الماجشون، ومنعه ابن القاسم. ٧٠ - باب: مَنْ لَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ، وَلَمْ يَطُفْ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ، وَيَرْجِعَ بَعْدَ الطَّوَافِ الأَوَّلِ ١٦٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ، فَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ. [انظر: ١٥٤٥ - فتح: ٣/ ٤٨٥] ذكر فيه حديث ابن عباس: قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ، فَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ. هذا الحديث من أفراده، ومعنى الترجمة: من لم يطف طوافًا آخر غير طواف القدوم؛ لأنه إذا فعله ليس بين يديه طواف غير الإفاضة والوداع، فإذا وقف ومضى نصف ليلة النحر دخل وقت أسباب التحلل، ومنها طواف الإفاضة، وهو معنى حديث الباب، وهو اختيار مالك أن لا يتنفل بطواف بعد طواف القدوم حتى يتم حجه، وقد جعل الله له في ذلك سعة، فمن أراد أن يطوف بعد فله ذَلِكَ ليلًا كان أو نهارًا، لا سيما إن كان من أقاصي البلدان، ولا عهد له بالطواف، وقد قَالَ مالك: الطواف بالبيت أفضل من النافلة لمن كان من البلاد البعيدة؛ لقلة وجود السبيل إلى البيت (١). -------- (١) انظر «مواهب الجليل» ٤/ ١٦٥. وروي عن عطاء والحسن: إذا أقام الغريب بمكة أربعين يومًا كانت الصلاة له أفضل من الطواف (١). وقال أنس: الصلاة للغرباء أفضل (٢). وقال الماوردي: الطواف أفضل من الصلاة. وظاهر كلام غيره أن الصلاة أفضل، وقال ابن عباس وغيره: الصلاة لأهل مكة أفضل والطواف للغرباء أفضل (٣). وأما الاعتمار أو الطواف أيهما أفضل؟ فحكى بعض المتأخرين هنا ثلاثة أوجه: ثالثها: إن استغرق الطواف وقت العمرة كان أفضل، وإلا فهي أفضل. وادعى الداودي أن الطواف الذي طافه - ﷺ - حين قدم مكة من فروض الحج، ولا يكون إلا السعي بعده إلا أنه يجوز للمراهق والمتمتع أن يجعلا مكانه طواف الإفاضة، وما قاله غير صحيح، فإنه - ﷺ - كان عندنا مفردًا، والمفرد لا يجب طواف القدوم عليه، بل لا يجب أصلًا، فمن لم يكن مراهقًا طاف لقدومه، ومن كان مراهقًا سقط عنه عند المالكية (٤)، وأجزأه طواف الإفاضة، والسعي بعده، قالوا: وإن لم يكن مراهقًا ولم يطف ولم يسع عند قدومه طاف للإفاضة، وأجزأه ذَلِكَ من الطوافين، ويهدي، وبئس ما صنع، ولو كان من فروض الحج ما أجزأه الهدي عنه. ------------- (١) رواه عبد الرزاق ٥/ ٧١ (٩٠٣٠) باب: الطواف أفضل أم الصلاة؟ وطواف المجزوم. (٢) رواه عبد الرزاق ٥/ ٧٠ - ٧١ (٩٠٢٨). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٥٣ - ٣٥٤ (١٥٠٣٨ - ١٥٠٤٠) في الطواف للغرباء أفضل أم الصلاة؟ (٤) انظر «المدونة» ١/ ٣١٧، و«المعونة» ١/ ٣٧٤، و«المنتقى» ٢/ ٢٩٦، ٢٩٧. ٧١ - باب: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ وَصَلَّى عُمَرُ - رضي الله عنه - خَارِجًا مِنَ الحَرَمِ. ١٦٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الغَسَّانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنهازَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ وَهْوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالبَيْتِ وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ». فَفَعَلَتْ ذَلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ. [انظر: ٤٦٤ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ٣/ ٤٨٦] ذكر فيه حديث أم سلمة: في طوافها راكبة وهي شاكية. وقد سلف (١)، وانفرد به من حديث عروة عنها. قَالَ أبو نعيم: حديث عزيز جدًّا. وأخرجه مسلم (٢) وغيره من طريق زينب -بنتها- عنها (٣). ويحيى ابن أبي زكريا الغساني (٤) -هو بغين معجمة ثم سين مهملة ثم -------------- (١) برقم (٤٦٤) كتاب: الصلاة، باب: إدخال البعير في المسجد. (٢) ورد فوقها في الأصل (د. س. ق) (٣) رواه مسلم (١٢٧٦) كتاب: الحج، باب: جواز الطواف على بعير وغيره واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب، وأبو داود (١٨٨٢) كتاب: المناسك، باب: الطواف الواجب، والنسائي ٥/ ٢٢٣ كتاب: مناسك الحج، كيف طواف المريض، وابن ماجه (٢٩٦١) كتاب: المناسك، باب: المريض يطوف راكبًا، وأحمد ٦/ ٢٩٠، ٣١٩. (٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: توفي يحيى سنة ١٨٨ قاله في «الكاشف»، وحكى تضعيفه عن أبي داود كذلك في «السير». ألف، ثم نون ثم ياء النسب- ضعفه أبو داود، وقال أبو علي الجياني: وقع لأبي الحسن القابسي في إسناد هذا الحديث تصحيف في نسب يحيى بن أبي زكريا، قَالَ: العُشاني -بعين مهملة مضمومة ثم شين معجمة- والصواب: الغساني -بغين معجمة وسين مهملة- وقال فيه في موضع آخر: العثماني، والصواب ما قلناه (١). وقيل: العشايي -بالياء- منسوب إلى بني عشاة- حكاه ابن التين. قَالَ الدارقطني في كتاب «التتبع»: هذا الحديث مرسل أعني طريق عروة عنها، وقد رواه حفص بن غياث، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة، ووصله مالك عن أبي الأسود (٢). وقال (الغساني) (٣): هكذا رواه أبو علي بن السكن، عن الفربري مرسلًا، لم يذكر بين عروة وأم سلمة زينب، وكذا هو في نسخة عبدوس الطليطلي، عن أبي زيد المروزي، ووقع في نسخة الأصيلي: عروة عن زينب، عنها متصلًا، ورواية ابن السكن المرسلة أصح في هذا الإسناد، وهو المحفوظ (٤). قلت: وسماع عروة لأم سلمة ممكن؛ لأن مولده سنة ثلاث وعشرين، ووفاتها قرب الستين (٥)، وهو قطين بلدها، فيجوز أن يكون سمعه مرة عن زينب عنها، ومرة عنها، يؤيده أنه روى البخاري: أخبرتني أم سلمة، كما ستعلمه. -------------- (١) «تقييد المهمل» ٢/ ٦١٠. (٢) «الإلزامات والتتبع» ص: ٢٤٧، ووصله مالك في «الموطأ». (٣) كذا في الأصل وهو خطأ -أظنه من سبق القلم- وصوابه: الجياني. (٤) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٠٩. (٥) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال الواقدي سنة ٥٩. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#324 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 431 الى صـــ 450 الحلقة (324) وقال الأثرم: قَالَ لي أبو عبد الله: حَدَّثَنَا معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن زينب، عن أم سلمة أن النبي - ﷺ - أمرها أن توافيه يوم النحر بمكة قال: لم يسنده غيره، وهو خطأ، وقال وكيع: عن أبيه مرسل أن النبي - ﷺ - أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، أو نحو هذا. قال: وهذا أيضًا عجيب، النبي يوم النحر ما يصنع بمكة؟! ينكر ذلك. قال: فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته فقال: عن هشام، عن أبيه أن النبي - ﷺ - أمرها أن توافي ليس توافيه. قَالَ: وبين هذين فرق، يوم النحر صلاة الفجر بالأبطح. قَالَ: وقال لي يحيى: سل عبد الرحمن، فسأله، فقال: هكذا توافي، قَالَ الخلال: يرى الأثرم في حكايته عن وكيع: توافيه، وإنما قَالَ وكيع: توافي بمنى، وأصاب في قوله: توافي كما قَالَ أصحابه، وأخطأ وكيع أيضًا في قوله: بمنى. أخبرنا علي بن حرب: ثَنَا هارون بن عمران، عن سليمان بن أبي داود، عن هشام، عن أبيه قَالَ: أخبرتني أم سلمة قالت: قدمني النبي - ﷺ - فيمن قدم من أهل مكة ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ومضيت إلى مكة فصليت بها الصبح، ثم رجعت قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت (١)، وكان ذَلِكَ اليوم الثاني الذي يكون عندها رسول الله - ﷺ -. وأما أثر عمر: فأخرجه البيهقي من حديث ابن بكير: ثَنَا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن: أن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري -------------- (١) رواه الطبراني ٢٣/ ٢٦٨ (٥٧٠) بهذا الإسناد، قال: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن ثنا على بن حرب .. الحديث. وأورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٥٧ وقال: رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه: سليمان بن أبي داود، قال ابن القطان: لا يعرف. أخبره: أنه طاف مع عمر بن الخطاب بعد صلاة الصبح بالكعبة، فلما قضى طوافه نظر، فلم ير الشمس، فركب حَتَّى أناخ بذي طوى، فسبح ركعتين (١). وأخرجه ابن أبي شيبة: حَدَّثَنَا علي بن مسهر ثنا ابن أبي ليلى، عن عطاء قَالَ: طاف عمر بعد الفجر، وفيه: فلما طلعت الشمس وارتفعت صلى ركعتين، ثم قَالَ: ركعتان مكان ركعتين (٢). قَالَ ابن المنذر: اختلفوا فيمن نسي ركعتي الطواف، حَتَّى خرج من الحرم أو رجع إلى بلاده، فقال عطاء والحسن البصري: يركعهما حيثما ذكر من حل، أو حرم (٣)، وبهذا قَالَ أبو حنيفة، والشافعي (٤). وهو موافق لحديث أم سلمة؛ لأنه ليس في الحديث أنها جعلتهما في الحل، أو في الحرم، وقال الثوري: يركعهما حيث شاء، ما لم يخرج من الحرم (٥). وقال في «المدونة»: من طاف في غير إبان صلاة أجزأ الركعتين، وإن خرج إلى الحل ركعهما فيه ويجزئانه ما لم ينتقض وضوؤه، وإن انتقض قبل أن يركعهما، وكان طوافه ذَلِكَ واجبًا، فابتدأ الطواف ------------- (١) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٦٣ كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأمكنة دون بعض. (٢) «المصنف» ٣/ ١٧٦ - ١٧٧ (١٣٢٥٨) من كان يكره إذا طاف بالبيت بعد العصر وبعد الفجر أن يصلي حتى تغيب أو تطلع. (٣) روى ذلك ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٣ (١٤٥٥٩ - ١٤٥٦٠) (٤) انظر «الأصل» ٢/ ٤٠٣، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٣٥، «البناية» ٤/ ٨٠، «البيان» ٤/ ٣٠١، «المجموع» ٨/ ٧٥. (٥) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٧٠. بالبيت وركع، لأن الركعتين من الطواف يوصلان به، إلا أن تتباعد فليركعهما ويهدي ولا يرجع (١). قَالَ ابن المنذر: ليس ذَلِكَ أكثر من صلاة مكتوبة، وليس عَلَى من تركهما إلا قضاؤهما حيث ذكرهما. ---------- (١) «المدونة» ١/ ٣١٨. ٧٢ - باب: مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَلْفَ المَقَامِ ١٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. [انظر: ٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٤٨٧]. حديثه فيها سلف في باب: صلاة رسول الله - ﷺ - لسبوعه ركعتين (١). وأسلفنا فقهه هناك، وهما عندنا مستحبتان، لا واجبتان عَلَى الأصح، خلافًا لمالك، وأبي حنيفة، فإن نسيهما في الحج، أو العمرة أعاده عند مالك ثم ركعهما (٢). وقال ابن القاسم: لا يُعيد الطواف، ولا السعي، ويركعهما، ولو أعاده كان أحب (٣). فائدة: (المقام) حجر. قَالَ مالك في «العتبية»: سمعتُ أهل العلم يقولون: إن إبراهيم قام هذا المقام، فيزعمون أن ذَلِكَ أثر مقامه، فأوحى الله إلى الجبال أن تفرج عنه حَتَّى يرى أثر المناسك. وقال ابن حبيب: نداء إبراهيم كان عليه فتطأطأ له كل شيء (٤). ------------- (١) برقم (١٦٢٣). (٢) انظر «تحفة الفقهاء» ١/ ٤٠٢، «البناية» ٤/ ٧٩، «عيون المجالس» ٢/ ٨١٣، «المنتقى» ٢/ ٢٨٧، «البيان» ٤/ ٢٩٨، «روضة الطالبين» ٣/ ٨٣. (٣) انظر «المنتقى» ٢/ ٢٨٧. (٤) المصدر السابق. ٧٣ - باب: الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ. وَطَافَ عُمَرُ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَرَكِبَ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بِذِي طُوًى. ١٦٢٨ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ عُمَرَ البَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ نَاسًا طَافُوا بِالبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى المُذَكِّرِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلُّونَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: قَعَدُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ التِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ قَامُوا يُصَلُّونَ. [فتح: ٣/ ٤٨٨] ١٦٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا. [مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٣/ ٤٨٨] ١٦٣٠ - حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ -هُوَ: الزَّعْفَرَانِيُّ- حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما يَطُوفُ بَعْدَ الفَجْرِ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. [فتح: ٣/ ٤٨٨] ١٦٣١ - قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وَرَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَيُخْبِرُ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها حَدَّثَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهَا إِلَّا صَلاَّهُمَا. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٣/ ٤٨٨] ثم ذكر أثر عائشة مسندًا أنَّ نَاسًا طَافُوا بِالبَيْتِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى المُذَكِّرِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامُوا يُصَلُّونَ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ قَعَدُوا حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعةُ التِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلاةُ قَامُوا يُصَلُّونَ. ثم ذكر حديث عبد الله -يعني: ابن عمر- قال سمعت النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وعن عبد العزيز بن رفيع، قال: رأيت عبد الله بن الزبير يطوف بعد الفجر ويصلي ركعتين ركعتين، قال عبد العزيز: ورأيت عبد الله بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر ويخبر أن عائشة حدثته أن النبي - ﷺ - لم يدخل بيتها إلاصلاهما. أما أثر ابن عمر فقد أسنده ابن أبي شيبة، عن يعلى، عن الأجلح عن عطاء قَالَ: رأيتُ ابن عمر وابن الزبير طافا بالبيت قبل صلاة الفجر، ثم صليا ركعتين قبل طلوع الشمس. وحَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عطاء قَالَ: رأيت ابن عمر طاف بالبيت بعد الفجر، وصلى الركعتين قبل طلوع الشمس. وحَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن ليث، عن عطاء رأيتُ ابن عمر وابن عباس طافا بعد العصر وصليا. وحَدَّثَنَا ابن فضيل عن ليث، عن أبي سعيد أنه رأى الحسن الحسين طافا بالبيت بعد العصر وصليا. وحدثنا ابن فضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل: أنه كان يطوف بعد العصر ويصلي حين تصفر الشمس (١). قلتُ: وقد رُوِي عن ابن عمر خلاف هذا، بإسناد صحيح، أخرجه الطحاوي، عن ابن خزيمة: حَدَّثَنَا حجاج ثنا همام، ثنا نافع أن ابن عمر: قَدم عند صلاة الصبح فطاف، ولم يصل إلا بعد ما طلعت الشمس (٢). ---------------- (١) مصنف ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٥ - ١٧٦ (١٣٢٤٣ - ١٣٢٤٤، ١٣٢٤٩ - ١٣٢٥٠) و٧/ ٣١٧ (٣٦٤٣٢ - ٣٦٤٣٣، ٣٦٤٣٥ - ٣٦٤٣٦). (٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٧. ولما ذكر ابن أبي شيبة الآثار السالفة، شرع يعيب أبا حنيفة بأنه خالفها، وقال: لا يصلى حَتَّى تغيب، أو تطلع، وتمكن الصلاة! (١). وأما أثر عمر: فذكره مالك في «الموطأ»، عن ابن شهاب (٢)، وقد سلف في الباب قبله، ورواه سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري (٣). قَالَ أحمد: أخطأ سفيان، وقد خالفوه فقالوا: الزهري، عن حميد. قَالَ الأثرم: هذا من وهم سفيان، يقول فيه: عن عروة، فقيل له: هذا نوح بن يزيد، رواه، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري عن عروة أيضًا، فأنكره فرجعتُ إلى نوح فأخرجه لي من أصل كتابه فإذا هو عن عروة، وإذا صالح أيضًا يرويه عن عروة، قَالَ أبو عبد الله: ذاك -يعني: نوحًا- ونوح لم يكن به بأس، كان مستثبتًا (٤). ولعل إبراهيم أن يكون حدَّث من حفظه، وكان ربما حدث بالشيء من حفظه، وكتاب صالح عندي، ما أدري كيف قَالَ فيه؟! وقال أبو حاتم: حديث سفيان خطأ (٥). وأثر عائشة وحديثها من أفراده. وحديث ابن عمر سلف في الصلاة (٦). وعبيدة بن حُميد في حديث عائشة بفتح العين. ----------- (١) انظر: «المصنف» ٧/ ٣١٧. (٢) «الموطأ» ٢٤١. (٣) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٢٦٤ (٥٢٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٧، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٤٦٣ كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيان أن هذا النهي مخصوص ببعض الأمكنة دون بعض. (٤) انظر: «تاريخ بغداد» ١٣/ ٣١٩. (٥) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٨٢. (٦) سلف برقم (٥٩٠ - ٥٩٣) باب: ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها. أمَّا حكم الباب: فقد ذكر البخاري الخلاف فيه عن الصحابة، وكان مذهبه فيه التوسعة، إن صلى فلا حرج، وإن أخرها عَلَى ما فعله عمر فلا حرج، وكان ابن عباس يُصلي بعد الصبح والعصر ركعتي الطواف، وهو قول عطاء وطاوس والقاسم وعروة، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (١). وحجتهم حديث جبير بن مطعم (٢) يبلغ به النبي - ﷺ - قَالَ: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أيَّ ساعة شاء من ليل أو نهار»، رواه أصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم، وزاد: عَلَى شرط مسلم (٣). فعم الأوقات كلها. وروي عن أبي سعيد الخدري مثل قول عمر: لا بأس بالطواف بعد الصبح والعصر، ويؤخر الركعتين إلى بعد طلوع الشمس، وبعد غروبها، -------------- (١) انظر «الاستذكار» ١٢/ ١٧٦، «المجموع» ٨/ ٧٩، «روضة الطالبين» ١/ ١٩٣، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٦١، «المبدع» ٢/ ٣٧. (٢) في هامش الأصل: من خط الشيخ: رواه ابن عباس أيضًا، ذكره في كتاب «الإمام» من وراية سليم بن مسلم. (٣) «سنن أبي داود» (١٨٩٤) كتاب: المناسك، باب: الطواف بعد العصر، «سنن الترمذي» (٨٦٨) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف، و«سنن النسائي» ١/ ٢٨٤ كتاب: المواقيت، إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة، «سنن ابن ماجه» (١٢٥٤) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت، «صحيح ابن حبان» ٤/ ٤٢٠ (١٥٥٢) كتاب: الطهارة، فصل في الأوقات المنهي عنها، «المستدرك» ١/ ٤٤٨ كتاب: المناسك، والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٩٠٠)، وانظر: «الإرواء» ٢/ ٢٣٨ (٤٨١). وهو قول مالك، وأبي حنيفة والثوري (١). قَالَ الطحاوي: فهذا عمر لم يركع حين طاف؛ لأنه لم يكن عنده وقت صلاة، وأخَّر ذَلِكَ إلى أن دخل عليه وقت الصلاة، وهذا بحضرة جماعة من أصحاب رسول الله - ﷺ -، فلم ينكره عليه منهم أحد، ولو كان ذَلِكَ الوقت عنده وقت صلاة الطواف لصلى وما أخر ذَلِكَ؛ لأنه لا ينبغي لأحد طاف بالبيت إلا أن يُصلي حينئذٍ إلا من عذر، وقد رُوِي ذَلِكَ عن معاذ (٢) بن عفراء، وعن ابن عمر (٣). قَالَ المهلب: وما ذكره البخاري عن ابن عمر أنه كان يركعهما ما لم تطلع الشمس، وهو يروي نهيه - ﷺ - عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فيدل أن النهي عنده عن ذَلِكَ إنما هو موافقتهما، وأما إذا أمن أن يوافق ذَلِكَ فله أن يصليهما؛ لأن الوقت لهما واسع، ومن سنتهما الاتصال بالطواف. وقد بين ذَلِكَ ما رواه الطحاوي: حَدَّثَنَا يعقوب بن حميد، حَدَّثَنَا ابن أبي غنية، عن عمر بن ذر، عن مجاهد قَالَ: كان ابن عمر يطوف بعد العصر، ويصلي ما كانت الشمس بيضاء حية، فإذا اصفرت وتغيرت طاف طوافًا واحدًا حَتَّى يُصلي المغرب، ثم يُصلي ويطوف بعد الصبح ما كان في غلس، فإذا أسفر طاف طوافًا واحدًا، ثم يجلس حَتَّى ترتفع الشمس ويمكن الركوع، وهذا قول مجاهد والنخعي وعطاء، وهو قول ثالث في المسألة ذكره الطحاوي (٤). ------------- (١) انظر «الأصل» ٢/ ٤٠٢، «مختصر الطحاوي» ٦٣، «عيون المجالس» ٢/ ٩٠٣، «الاستذكار» ١٢/ ١٧٦. (٢) في هامش الأصل من خط الشيخ: أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد جيد. (٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٨٧. (٤) السابق ٢/ ١٨٨. وفي «مسند أحمد» بإسناد جيد (١) عن أبي الزبير قَالَ: سألتُ جابرًا قَالَ: كنا نطوف فنمسح الركن الفاتحة والخاتمة، ولم نكن نطوف بعد صلاة الصبح حَتَّى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حَتَّى تغرب. وقال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «تطلع الشمس في قرني شيطان» (٢). وقد سلف حديث أم سلمة أنها طافت ولم تصل حَتَّى خرجت (٣). وفي «سنن سعيد بن منصور» و«مصنف ابن أبي شيبة» عن أبي سعيد الخدري أنه طاف بعد الصبح، فلما فرغ، جلس حَتَّى طلعت الشمس (٤). قَالَ سعيد بن منصور: وكان سعيد بن جبير والحسن ومجاهد يكرهون ذَلِكَ أيضًا. قَالَ ابن عبد البر: وهو قول مالك وأصحابه (٥)، ولابن أبي شيبة بإسناد جيد أن المسور بن مخرمة كان يطوف بعد الغداة ثلاثة أسابيع، فإذا طلعت الشمس صلى لكل سبوع ركعتين، وبعد العصر يفعل ذَلِكَ، فإذا غابت الشمس صلى لكل أسبوع ركعتين، وله عن أيوب قَالَ: رأيتُ سعيد بن جبير ومجاهدًا يطوفان بالبيت حَتَّى تصفر الشمس ويجلسان. وعن عائشة أنها قالت: إذا أردت الطواف بالبيت بعد صلاة الفجر، أو بعد صلاة العصر فطف وأخر الصلاة حَتَّى تغيب الشمس، أو حَتَّى ------------- (١) في هامش الأصل: في سنده ابن لهيعة والعمل على تضعيف حديثه. (٢) «مسند أحمد» ٣/ ٣٩٣. (٣) سلف برقم (١٦٢٦). (٤) «المصنف» ٣/ ١٧٧ (١٣٢٥٩) من كان يكره إذا طاف بالبيت بعد العصر وبعد الفجر أن يصلي حتى تغيب أو تطلع. (٥) «الاستذكار» ١٢/ ١٧٦. تطلع، فصل لكل أسبوع ركعتين (١)، وأبعد من أَوَّلَ الصلاة في حديث جبير السالف بالدعاء؛ لأنه خلاف الحقيقة، وكذا من حمله عَلَى غير أوقات النهي؛ لأنه عام في الإباحة. وحديث النهي خاص في التحريم فيحمل عَلَى ما عداه، ولأن الإباحة والتحريم إذا اجتمعتا عمل بالثاني؛ لأنه مقتضى الاحتياط، وما فعله ابن الزبير من صلاة ركعتين بعد العصر تبع فيه رواية عائشة. لكن الصحيح أن المداومة عليهما في هذِه الحالة كانت من خصائصه. وقال ابن التين: انفرد داود من بين الفقهاء، فقال: لا بأس بالنافلة بعد العصر حَتَّى تغرب الشمس، والنصوص ترده (٢). ------------ (١) «المصنف» ٣/ ١٧٦ (١٣٢٥٤ - ١٣٢٥٦) كتاب: الحج، من كان يكره إذا طاف بالبيت بعد العصر وبعد الفجر أن يصلي حتى تغيب، أو تطلع. (٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثلاثين، كتبه مؤلفه. ٧٤ - باب: المَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا ١٦٣٢ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - طَافَ بِالبَيْتِ، وَهْوَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ. [انظر: ١٦٠٧ - مسلم: ١٢٧٢ - فتح: ٣/ ٤٩٠] ١٦٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: «طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ». فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، وَهْوَ يَقْرَأُ بِـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] [انظر: ٤٦٤ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ٣/ ٤٩٠] ذكر فيه حديث ابن عباس (١): والسالف في باب التكبير عند الركن. وحديث أم سلمة في طوافها راكبة (٢) وقد سلف تحريره، وسلف فقهه أيضًا. قَالَ ابن المنذر: أجمع أهل العلم عَلَى جواز طواف المريض عَلَى الدابة، ومحمولًا، إلا عطاء فروي عنه فيها قولان: أحدهما: أن يطاف به، والثاني: أن يستأجر من يطوف عنه (٣). --------------- (١) ورد بهامش الأصل: جاء في أبي داود أنه - ﷺ - كان في طوافه هذا مريضًا، وهذا المعنى الذي أفاده البخاري بترجمته عليه. (٢) برقم (١٦١٣). (٣) «الإجماع» لابن المنذر ٥٣. ٧٥ - باب سِقَايَةِ الحَاجِّ ١٦٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رضي الله عنه - رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. [١٧٤٣، ١٧٤٤، ١٧٤٥ - مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٣/ ٤٩٠] ١٦٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ: «اسْقِنِي». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ. قَالَ: «اسْقِنِي». فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: «اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ -ثُمَّ قَالَ:- لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هَذِهِ». - يَعْنِي: عَاتِقَهُ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ. [فتح: ٣/ ٤٩١] ذكرْ فيه حديث ابن عمر: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رضي الله عنه - رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. وحديث ابن عباس أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ العَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا .. الحديث. أما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم (١)، وأما حديث ابن عباس فهو من أفراده، وانفرد مسلم من وجه آخر عن ابن عباس يأتي (٢). ----------- (١) «صحيح مسلم» (١٣١٥) كتاب: الحج، باب: وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق، والترخيص في تركه لأهل السقاية. (٢) «صحيح مسلم» (١٣١٦). ومن حديث جابر: «انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس عَلَى سقايتكم لنزعت معهم» (١). والثاني: (٢) رواه البخاري، عن إسحاق: حَدَّثَنَا خالد، عن خالد، عن عكرمة، وإسحاق (خ، س) هو ابن شاهين أبو بشر الواسطي، ذكره أبو نعيم، وخالد هو ابن عبد الله الطحان، وخالد الثاني هو ابن مهران الحذاء. إذا عرفت ذَلِكَ: فالسقاية كانت للعباس مكرمة يسقي الناس نبيذ التمر، فأقرها - عليه السلام - في الإسلام، وموضوعها من باب إكرام الضيف، واصطناع المعروف. قَالَ ابن إسحاق في «سيره»: لما ولي قصي بن كلاب البيت كانت إليه الحجابة، والسقاية، والرفادة، والندوة، واللواء، فأعطى ابنه عبد الدار بن قصي ذَلِكَ كله، فلما هلك قصي نازعتْ بنو عبد مناف بني عبد الدار ذَلِكَ، فتصالحوا عَلَى أن يكون لبني عبد مناف السقاية والرفادة، ولأولئك الحجابة واللواء والندوة (٣). قَالَ طاوس: والشرب من سقاية العباس من تمام الحج (٤). قَالَ عطاء: لقد أدركتُ هذا الشراب، وإن الرجل ليشرب فتلتزق شفتاه، من حلاوته، فلما ذهبت الحرية ووليه العبيد، تهاونوا بالشراب واستخفوا به (٥). --------- (١) «صحيح مسلم» (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -. (٢) في الأصل فوقها: يعني: حديث ابن عباس. (٣) «سيرة ابن هشام» ١/ ١٤٢ - ٢٤٤. (٤) رواه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ٥٥، ٥٧ مطولًا، الفاكهي كذلك في «أخبار مكة» ٢/ ٦٠ (١١٤٨). (٥) رواه الفاكهي ٢/ ٦١ - ٦٢ (١١٥١)، والبيهقي في «سننه» ٨/ ٣٠٥ كتاب: الأشربة، باب: ما جاء في الكسر بالماء. وروى ابن أبي شيبة عن السائب بن عبد الله أنه أمر مجاهدًا مولاه بأن يشرب من سقاية العباس، ويقول: إنه من تمام السنة. وفي لفظ: فقد شرب منها المسلمون. وقال الربيع بن سعد: أتى أبو جعفر السقاية فشرب وأعطى جعفرًا فضله. وقال بكر بن عبد الله: أحب للرجل أن يشرب من نبيذها. وممن شرب منها سعيد بن جبير، وأمر به سويد بن غفلة. وروى ابن جريج، عن نافع أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحج، وكذا روى خالد بن أبي بكر، أنه حج مع سالم ما لا يحصى، فلم يره يشرب من نبيذ السقاية (١). وروى الطبري من حديث ابن عباس في قصة السقاية أتم مما ذكره البخاري: حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة، عن ابن عباس قَالَ: لما طاف رسول الله - ﷺ - أتى العباس وهو في السقاية فقال: «اسقوني». فقال العباس: إن هذا قد مُرت -يعني: مُرس- أفلا أسقيك مما في بيوتنا؟ قَالَ: «لا، ولكن اسقوني مما يشرب الناس». فأتى به، فذاقه فقطب، ثم دعا بماءٍ فكسره، ثم قَالَ: «إذا اشتد نبيذكم فاكسروه بالماء». وتقطيبه منه إنما كان لحموضته فقط (٢). وكسره قيل: بغيره ليهون عليه شربه، ومثل ذَلِكَ يحمل عَلَى ما رُوِي عن عمر وعلي فيه لا غير، وإنما أذن للعباس في المغيب عن منى وهو ----------- (١) «المصنف» ٣/ ١٨٢ (١٣٣١١، ١٣٣١٣ - ١٣٣١٥، ١٣٣١٩ - ١٣٣٢٠) في الشرب في نبيذ السقاية. (٢) رواه الطبري في «تهذيب الآثار» السفر الأول من مسند ابن عباس ص: ٥٥ - ٥٦. واجب، ولم يوجب عليه الهدي من أجل السقاية؛ لأنها عمل من أعمال الحج. ألا ترى قوله إذ ورد زمزم وهم يسقون: («اعملوا فإنكم عَلَى عمل صالح»). وقوله: («لولا أن تغلبوا لنزلت») -أي: لاستقاء الماء- فهذِه ولاية للعباس وآله السقاية، وإنما خشي أن يتخذها الملوك سنة يغلبون عليها من وليها من ذرية العباس، ولا تختص رخصة السقي للعباسية عَلَى الأصح؛ لأن المعنى عام، وقيل: يختص ببني هاشم من آل عباس وغيرهم، وقيل: بآل العباس، ولا تختص أيضًا بتلك السقاية عَلَى الأصح بل ما حدث للحاج كذلك. فوائد: الأولى: هذا الحديث أصل في أن المبيت بمنى ليالي منى مأمور به، وإلا فكان يجوز للعباس ذَلِكَ ولغيره دون إرخاص له، وإذا ترك -غير من رخص له الثلاث ليال فدم واحد عَلَى الأصح. وفي قول: لكل ليلة دم، وإن ترك ليلة فالأظهر أنه يجبر بدم، وفي قول: بدرهم. ونقل عن عطاء، وفي قول: بثلاث دم، وإن ترك ليلتين فعلى هذا القياس (١). وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه (٢)، وقال ابن عباس: المبيت بمكة مباح ليالي منى، وعن عكرمة نحوه، ومنع عمر في «الموطأ» أن يبيت وراء العقبة (٣). ----------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٢٨٥ (١٤٣٧٦) من كره أن يبيت ليالي منى بمكة. (٢) انظر «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣٥، «تبيين الحقائق» ٢/ ٣٥، «البناية» ٤/ ١٢٣. (٣) «الموطأ» ١/ ٥٤٢ (١٤٠٩ - ١٤١٠) كتاب: المناسك، باب: البيتوتة بمنى ليالي منى. وهو إجماع لعدم الخلاف فيه إلا شيئًا عن ابن عباس وعكرمة. الثانية: لا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وفي قول: أن الاعتبار بوقت طلوع الفجر، وفي «المدونة»: من بات عنها جل الليل فعليه دم. الثالثة: الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، والثانية الوسطى، وهما بمنى، وثالثها جمرة العقبة، وليست من منى، فمنى من بطن مُحَسِّر إلى العقبة. وقال ابن التين: المبيت بمنى هو أن يبيت من جمرة العقبة إليها. وقال مالك: من بات وراء الجمرة عليه الفدية؛ لأنه بات بغير منى (١). وروى ابن أبي شيبة من حديث ليث، عن طاوس، عن ابن عباس أنه قَالَ: لا يبيتن أحد من وراء العقبة ليلًا بمنى أيام التشريق. ومن حديث عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر كان ينهى أن يبيت أحد من وراء العقبة، وكان يأمرهم أن يدخلوا منى. وعن عروة: لا يبيتن أحد من وراء العقبة أيام التشريق. وقال إبراهيم: إذا بات دون العقبة أهراق لذلك دمًا. وعن عطاء: يتصدق بدرهم أو نحوه (٢)، وعن سالم: يتصدق بدرهم (٣). الرابعة: قَالَ ابن عباس: من كان له متاع بمكة يخشى عليه ضياعه بات بها (٤)، ومقتضاه إباحته للعذر وعليه دم، عَلَى مقتضى قول ابن نافع ------------ (١) انظر «المنتقى» ٣/ ٤٥. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٨٥ (١٤٣٦٨ - ١٤٣٦٩، ١٤٣٧٤ - ١٤٣٧٦). (٣) «المصنف» ٣/ ٢٨٥ (١٤٣٧٨) من حديث بكير بن مسمار عن سالم قال: يتصدق بدينار، يعني إذا بات عن منى. (٤) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٦٥ (١١٦٠). في «مبسوطه»: من زار البيت فمرض وبات بمكة فعليه هدي يسوقه من الحل إلى الحرم، وإن بات الليالي كلها بمكة. قَالَ الداودي: فقيل: عليه شاة، وقيل: بدنة. وروى ابن المغلس في «موضَّحه» عن ابن عباس: أنه كان لا يرى بأسًا إن بات بمكة وقفل إذا رمى. وعن سعيد، عن قتادة أنه كان يكره إذا زار البيت أن يبيت بمكة. قلتُ: فإن بات بها. قَالَ: ما علمتُ عليه شيئًا. وروى ابن أبي شيبة، عن ابن عباس قَالَ: إذا رميت الجمار بن حيث شئت. وعن عطاء: لا بأس أن يبيت الرجل بمكة ليالي منى إذا كان في ضيعته. وعن ابن عمر: أنه كان يكره أن ينام أحد أيام منى بمكة. ومن حديث ليث، عن مجاهد: لا بأس أن يكون أول النهار بمكة وآخره بمنى. ولا بأس أن يكون أول الليل بمنى وآخره بمكة. وعنه أنه كره أن يبيت ليلة تامة عن منى. وعن محمد بن كعب: من السنة إذا زرت البيت أن لا تبيت إلا بمنى. وعن أبي قلابة: اجعلوا أيام منى بمنى (١). الخامسة: هذا الماء مرصد لمصالح المسلمين أرصده العباس للمارة وابن السبيل، لا يُقال: إنه من الصدقات، فإنها محرمة عليه الفرض والتطوع. وفيه: أنه لا يكره الاستسقاء، وقد استسقى اللبن في مخرجه إلى المدينة (٢). --------------- (١) «المصنف» ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦ (١٤٣٧٠ - ١٤٣٧٣، ١٤٣٧٧، ١٤٣٨٠ - ١٤٣٨١). (٢) يشير المصنف رحمه الله استسقاء أبي بكر اللبن له -في مهاجره - عليه السلام -- من الراعي، = وفيه: استعمال التواضع فإنهم كانوا يجعلون أيديهم فيه، وشرب منه ولم يخص بماء، كما أشار إليه العباس تسهيلًا للناس. وفيه: رد ما قد يهدى له. وفيه: حرص أصحابه وقرابته عَلَى إبراره. وفيه: من التواضع أيضًا قوله: «لولا أن تغلبوا لنزلت حَتَّى أضع الحبل عَلَى هذِه» يعني: عاتقه. وفيه: أن أفعاله للوجوب فتركه مع الرغبة في الفضل شفقة أن تتخذ واجبًا للاقتداء. نبه عليه الخطَّابي (١). وقال الداودي: يريد إنكم لا تدعوني إلى الاستقاء، ولا أحب أن أفعل بكم ما تكرهون، وهذا إنما يجيء إذا كان «تغلبوا» مبنيًا للفاعل، والرواية المعروفة مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله. قَالَ ابن بزيزة: وأراد بقوله: «(لولا أن تغلبوا») قصر السقاية عليهم، وأن لا يشاركوا فيها. وقوله: (يعني: عاتقه) أي: ما قاربه. قَالَ ابن سيرين: خرج عليُّ من مكة إلى المدينة فقال للعباس: يا عم، ألا تهاجر؟ ألا تمضي لرسول الله - ﷺ -؟ فقال: أنا أعمر البيت ------- = ويأتي برقم (٢٤٣٩) كتاب: في اللقطة، باب لم يسم ومواضع أخر. أو ما في حديث أم معبد وهو في «المستدرك» ٢/ ٩ عن هشام بن حبيش قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والطبراني ٤/ ٤٨ من حديث حبيش بن خالد الخزاعي والد هشام. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٥٦ - ٥٨، رواه الطبراني وفي إسناده جماعة لم أعرفهم. (١) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٨٣. وأحجبه، فنزلت ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ﴾ (١) [التوبة: ١٩] الآية. أي: هم أرفع منزلة من ذَلِكَ، وهم مشركون، أولئك الذين وصيناهم بالإيمان والهجرة والجهاد، هم الفائزون بالجنة من النار. السادسة: في «شرح الهداية»: يُكره أن لا يبيت بمنى ليالي الرمي؛ لأن الشارع بات بها، وكذا عمر وكان يؤدب عَلَى تركه، فلو بات في غيره متعمدًا لا يلزمه شيء، وقال بعض الشيوخ: المبيت في هذِه الليالي سنة عندنا، وبه قَالَ أهل الظاهر (٢). قَالَ القرطبي: وروي نحوه عن ابن عباس (٣) والحسن البصري قَالَ: والمبيت بمنى ليالي التشريق من سنن الحج بلا خلاف، إلا لذوي السقاية، أو الرعاة، ومن تعجل بالنفر في ترك ذَلِكَ في ليلة واحدة، أو جميع الليالي، كان عليه دم عند مالك (٤)، وللشافعي فيه قولان: أصحهما وجوبه (٥)، وبه قَالَ أحمد (٦). السابعة: من المعذورين عن المبيت: من له مال يخاف ضياعه إن اشتغل بالمبيت، أو يخاف عَلَى نفسه، أو كان به مرض، أو له مريض، أو يطلب آبقًا، وشبه ذَلِكَ ففي هؤلاء وجهان عندنا أصحهما وهو المنصوص: يجوز لهم ترك المبيت ولا شيء ---------------- (١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٩٥ وعزاه إلى الفريابي. (٢) انظر: «المحلى» ٧/ ١٨٤. (٣) في هامش الأصل: من خط الشيخ: رواه ابن عيينة عن عمرو عنه، قاله ابن بطال. (٤) انظر «التفريع» ١/ ٣٤٢، «عيون المجالس» ٢/ ٨٢٤. (٥) انظر «البيان» ٤/ ٣٥٦، «المجموع» ٨/ ١١١، «روضة الطالبين» ٣/ ٩٩، ١٠٤. وانظر «المستوعب» ٤/ ٢٥٧، «المغني» ٥/ ٣٢٥. (٦) انتهى من «المفهم» ٣/ ٤١٤. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|