![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#25 |
|
|
المَطْلَب الأوَّلُ: قيامُ الحُجَّة الصَّحيحُ مِن أقوالِ أهلِ العِلمِ أنَّه لا يُكَفَّرُ أحدٌ مِمَّن تَلَبَّسَ بالشِّركِ أو الكُفرِ قَبلَ بُلوغِ الحُجَّةِ التي يَكفُرُ تارِكُها، وقد يكونُ بُلوغُ الحُجَّةِ بالبَيانِ، وقد يكونُ بالحالِ في المَسائِلِ الظَّاهِرةِ الجَلِيَّةِ. ومِنَ الأدِلَّةِ التي استدَلَّ بها أهلُ السُّنَّةِ على أنَّ التكفيرَ وإيقاعَ العُقوبةِ في الدُّنيا، والعذابَ في الآخِرةِ، لا يكونُ إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ: قَولُه تعالى: وَمَا كُنا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] . قال ابنُ جريرٍ: (يقولُ تعالى ذِكْرُه: وما كُنَّا مُهلِكي قومٍ إلَّا بعد الإعذارِ إليهم بالرُّسُلِ، وإقامةِ الحُجَّةِ عليهم بالآياتِ التي تَقطَعُ عُذْرَهم) . وقال ابنُ كثير: (قَولُه تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا إخبارٌ عن عَدْلِه تعالى، وأنَّه لا يُعَذِّبُ أحدًا إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليه بإرسالِ الرَّسولِ إليه، كما قال تعالى: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ [الملك: 8، 9]، كذا قَولُه تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ [الزمر: 71]، وقال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: 37] ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ الدَّالَّةِ على أنَّ اللهَ تعالى لا يُدخِلُ أحدًا النَّارَ إلَّا بعد إرسالِ الرَّسولِ إليهـ) . وقال الشنقيطيُّ: (ظاهِرُ هذه الآيةِ الكريمةِ: أنَّ اللهَ جَلَّ وعلا لا يعَذِّبُ أحَدًا من خَلْقِه لا في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، حتى يبعَثَ إليه رسولًا يُنذِرُه ويُحَذِّرُه، فيَعصِي ذلك الرَّسولَ، ويستمِرُّ على الكُفرِ والمعصيَّةِ بعد الإنذارِ والإعذارِ، وقد أوضَحَ جَلَّ وعلا هذا المعنى في آياتٍ كثيرةٍ) . وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165] . قال ابنُ كثيرٍ: (قَولُه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ أي: يُبشِّرون من أطاع اللهَ واتَّبَع رِضوانَه بالخيراتِ، ويُنذِرون من خالف أمْرَه وكَذَّب رسُلَه بالعقابِ والعذابِ. وقَولُه: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا، أي: أنَّه تعالى أنزل كُتُبَه وأرسل رُسُلَه بالبِشارة والنِّذارةِ، وبين ما يحِبُّه ويرضاه ممَّا يكرَهُه ويأباه؛ لئلَّا يبقى لمعتَذِرٍ عُذرٌ، كما قال تعالى: وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى [طه: 134] ، وكذا قَولُه تعالى: وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين [القصص: 47] . وقد ثبت في الصَّحيحينِ عن ابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا أحَدَ أغيَرُ من اللهِ؛ من أجْلِ ذلك حَرَّم الفواحِشَ ما ظهر منها وما بطن، ولا أحَدَ أحَبُّ إليه المدحُ من اللهِ؛ من أجْلِ ذلك مَدَح نفسَه، ولا أحَدَ أحَبُّ إليه العذرُ من الله؛ من أجْلِ ذلك بعث النبيِّينَ مُبَشِّرين ومُنذِرين )) . وقال اللهُ تعالى: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ [الملك: 8-9] . قال ابنُ كثيرٍ: (يذكُرُ تعالى عَدْلَه في خَلْقِه، وأنَّه لا يعَذِّبُ أحدًا إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ عليه وإرسالِ الرَّسولِ إليه، كما قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15] ) . وقال اللهُ سُبحانَه: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [الأنعام: 130] . قال الشوكاني: (هذا إقرارٌ منهم بأنَّ حُجَّةَ اللهِ لازمةٌ لهم بإرسالِ رُسُلِه إليهم) . وقال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ [القصص: 59] . قال ابنُ عَطِيَّةَ: (معنى الآية: أنَّ اللهَ تعالى يُقيمُ الحُجَّةَ على عِبادِه بالرُّسُلِ، فلا يُعَذِّبُ إلَّا بعد نذارةٍ، وبعد أن يتمادى أهلُ القُرى في ظُلمٍ وطُغيانٍ) . وقال السَّعديُّ: (من حِكمتِه ورَحمتِه ألَّا يُعَذِّبَ الأُمَمَ بمجَرَّدِ كُفرِهم قبل إقامةِ الحُجَّةِ عليهم، بإرسالِ الرُّسُلِ إليهم؛ ولهذا قال: وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى أي: بكُفْرِهم وظُلْمِهم حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا أي: في القريةِ والمدينةِ التي إليها يَرجِعونَ، ونحوَها يتردَّدون، وكُلُّ ما حولَها ينتَجِعُها، ولا تخفى عليه أخبارُها. رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا الدَّالَّةَ على صِحَّةِ ما جاء به، وصِدْقِ ما دعاهم إليه، فيَبلُغُ قَولُه قاصِيَهم ودانِيَهم، بخلافِ بَعْثِ الرُّسُلِ في القُرى البعيدةِ، والأطرافِ النائيةِ؛ فإنَّ ذلك مَظِنَّةُ الخَفاءِ والجَفاءِ، والمُدُنُ الأمَّهاتُ مَظِنَّةُ الظُّهورِ والانتشارِ، وفي الغالِبِ أنَّهم أقلُّ جفاءً مِن غَيرِهم. وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُها ظَالِمُونَ بالكُفرِ والمعاصي، مستحِقُّون للعقوبةِ. والحاصِلُ: أنَّ اللهَ لا يعذِّبُ أحدًا إلَّا بظُلْمِه، وإقامةِ الحُجَّةِ عليهـ) . وقال اللهُ تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة: 115] . قال البغويُّ: (معناه: ما كان اللهُ ليَحكُمَ عليكم بالضَّلالةِ بتركِ الأوامِرِ وباستغفارِكم للمُشرِكين، حتى يبيِّنَ لهم ما يتَّقون، يريدُ: حتى يتقَدَّمَ إليكم بالنَّهيِ، فإذا بَيَّن ولم تأخُذوا به، فعند ذلك تستحِقُّون الضَّلالَ) . وقال اللهُ عزَّ وجلَّ: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر: 37] . ويختَلِفُ قيامُ الحُجَّةِ بحَسَبِ الأمكِنَةِ والأزمِنَةِ. قال ابنُ تَيميَّةَ: (إنَّ الأمكِنةَ والأزمِنةَ التي تَفتُرُ فيها النُّبوَّةُ، لا يكونُ حُكمُ مَن خَفِيَت عليه آثارُ النبُوَّةِ حتى أنكر ما جاءت به خطأً: كما يكونُ حُكمُه في الأمكِنةِ والأزمِنةِ التي ظهَرَت فيها آثارُ النبوَّةِ) . وقال أيضًا: (فإنَّا بعدَ مَعرِفةِ ما جاء به الرَّسولُ نعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّه لم يَشرَعْ لأمَّتِه أن يدعوَ أحدًا من الأمواتِ لا الأنبياءَ ولا الصَّالحينَ ولا غيرَهم، لا بلَفظِ الاستغاثةِ ولا بغَيْرِها، ولا بلَفظِ الاستعاذةِ ولا بغيرِها، كما أنَّه لم يَشرَعْ لأمَّتِه السُّجودَ لِمَيِّتٍ ولا لغيْرِ ميِّتٍ ونحو ذلك، بل نعلَمُ أنَّه نهى عن كُلِّ هذه الأمورِ، وأنَّ ذلك من الشِّركِ الذي حَرَّمه اللهُ ورَسولُه. لكِنْ لغلَبةِ الجَهلِ وقِلَّةِ العِلمِ بآثارِ الرِّسالةِ في كثيرٍ من المتأخِّرين؛ لم يمكِنْ تكفيرُهم بذلك حتى يتبيَّن لهم ما جاء به الرَّسولُ ممَّا يخالِفُهـ) . وقال أيضًا: (في أوقاتِ الفَتَراتِ وأمكِنةِ الفَتَراتِ: يثابُ الرَّجُلُ على ما معه من الإيمانِ القليلِ، ويغفِرُ اللهُ فيه لمن لم تَقُمِ الحُجَّةُ عليه ما لا يَغفِرُ به لِمن قامت الحُجَّةُ عليه، كما في الحديثِ المعروفِ: ((يأتي على النَّاسِ زَمانٌ لا يَعرِفونَ فيه صلاةً ولا صيامًا ولا حَجًّا ولا عُمرةً إلَّا الشَّيخُ الكبيُر، والعجوزُ الكبيرةُ. ويقولون: أدرَكْنا آباءَنا وهم يقولون: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فقيل لحُذَيفةَ بن ِاليمانِ: ما تغني عنهم لا إله إلَّا اللهُ؟ فقال: تنَجِّيهم من النَّارِ )) . وأصلُ ذلك أنَّ المقالةَ التي هي كُفرٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ يقالُ: هي كفرٌ، قَولًا يُطلَقُ كما دَلَّ على ذلك الدَّلائلُ الشَّرعيَّةُ؛ فإنَّ الإيمانَ من الأحكامِ المتلَقَّاةِ عن اللهِ ورَسولِه؛ ليس ذلك ممَّا يحكُمُ فيه النَّاسُ بظُنونِهم وأهوائِهم، ولا يجِبُ أن يحكُمَ في كُلِّ شَخصٍ قال ذلك بأنَّه كافِرٌ حتى يثبُتَ في حَقِّه شروطُ التكفيرِ وتنتفي موانِعُه؛ مِثلُ من قال: إنَّ الخَمرَ أو الرِّبا حَلالٌ؛ لقُربِ عَهْدِه بالإسلامِ، أو لنُشوئِه في باديةٍ بعيدةٍ أو سَمِعَ كلامًا أنكره ولم يعتَقِدْ أنَّه من القرآنِ ولا أنَّه من أحاديثِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كما كان بَعضُ السَّلَف يُنكِرُ أشياءَ حتى يَثبُتَ عنده أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالها، وكما كان الصَّحابةُ يشكُّون في أشياءَ مِثلِ رؤيةِ اللهِ وغيرِ ذلك) . وقال الذهبيُّ: (لا يأثَمُ أحدٌ إلَّا بعد العِلمِ، وبعد قيامِ الحُجَّةِ عليه، واللهُ لَطيفٌ بعبادِه رَؤوفٌ بهم؛ قال اللهُ تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، وقد كان سادةُ الصَّحابةِ بالحَبَشةِ، وينزِلُ الواجِبُ والتَّحريمُ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فلا يَبلُغُهم تحريمُه إلَّا بعد أشهُرٍ، فهم في تلك الأشهُرِ معذورونَ بالجَهْلِ حتَّى يَبلُغَهم النَّصُّ) . وقال ابنُ القيم: (قيامُ الحُجَّةِ يختَلِفُ باختلافِ الأزمِنةِ والأمكِنةِ والأشخاصِ؛ فقد تقومُ حُجَّةُ اللهِ على الكُفَّارِ في زمانٍ دونَ زمانٍ، وفي بقعةٍ وناحيةٍ دون أُخرى، كما أنَّها تقومُ على شَخصٍ دون آخَرَ؛ إمَّا لعَدَمِ عَقْلِه وتمييزِه؛ كالصَّغيرِ والمجنونِ، وإمَّا لعَدَمِ فَهْمِه؛ كالذي لا يفهَمُ الخِطابَ، ولم يحضُرْ تَرجمانٌ يُترجِمُ له. فهذا بمنزلةِ الأصَمِّ الذي لا يسمَعُ شيئًا ولا يتمكَّنُ من الفَهمِ) . ومن أقوالِ العُلَماءِ في عَدِمِ تكفيرِ الجاهِلِ قبل قيامِ الحُجَّةِ عليه ما يلي: 1- قال الشَّافعيُّ: (للهِ أسماءٌ وصِفاتٌ لا يَسَعُ أحدًا قامت عليه الحُجَّةُ ردُّها، فإن خالفَ بَعْدَ ثُبوتِ الحُجَّةِ عليه، فهو كافِرٌ، فأمَّا قبل ثُبوتِ الحُجَّةِ عليه فمعذورٌ بالجَهلِ؛ لأنَّ عِلمَ ذلك لا يُدرَكُ بالعَقلِ، ولا بالرَّوِيَّةِ والفِكرِ، ويُثبتُ هذه الصِّفاتِ وينفي عنها التشبيهَ، كما نفى عن نَفْسِه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير [الشورى: 11] ) . 2- قال ابنُ تيميَّةَ: (ليس لأحَدٍ أن يُكَفِّرَ أحدًا مِنَ المسلِمينَ وإن أخطَأَ وغَلِطَ، حتَّى تُقامَ عليه الحُجَّةُ، وتُبَيَّنَ له المحَجَّةُ، ومَن ثَبَت إسلامُه بيقينٍ لم يَزُلْ ذلك عنه بالشَّكِّ، بل لا يَزولُ إلَّا بَعْدَ إقامةِ الحُجَّةِ، وإزالةِ الشُّبهةِ) . وقال أيضًا: (الشِّركُ إذا قامت على الإنسانِ الحُجَّةُ فيه ولم يَنْتَهِ، وَجَب قَتْلُه، كقَتْلِ أمثالِه مِنَ المُشرِكينَ، ولم يُدفَنْ في مقابِرِ المُسلِمينَ، ولم يُصَلَّ عليه، وأمَّا إذا كان جاهِلًا لم يَبلُغْه العِلمُ، ولم يَعرِفْ حقيقةَ الشِّركِ الذي قاتَلَ عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المشركينَ، فإنَّه لا يُحكَمُ بكُفرِه، ولا سِيَّما وقد كَثُر هذا الشِّركُ في المنتَسِبينَ إلى الإسلامِ، ومن اعتَقَد مِثلَ هذا قُربةً وطاعةً فإنَّه ضالٌّ باتِّفاقِ المُسلِمينَ، وهو بَعْدَ قيامِ الحُجَّةِ كافِرٌ) . وقال أيضًا: (الكتابُ والسُّنَّةُ قد دلَّا على أنَّ اللهَ لا يُعَذِّبُ أحدًا إلَّا بعد إبلاغِ الرِّسالةِ، فمن لم تبلُغْه جملةً لم يُعَذِّبْه رأسًا، ومن بلغَتْه جملةً دون بعضِ التفصيلِ لم يُعَذِّبْه إلَّا على إنكارِ ما قامت عليه الحُجَّةُ الرِّساليَّةُ). ثم ذكر عددًا من الأدِلَّةِ... إلى أن قال: (فمن كان قد آمَنَ باللهِ ورَسولِه، ولم يعلَمْ بعضَ ما جاء به الرَّسولُ، فلم يؤمِنْ به تفصيلًا، إمَّا أنَّه لم يسمَعْه، أو سَمِعَه من طريقٍ لا يجِبُ التصديقُ بها، أو اعتقد معنًى آخَرَ لنوعٍ من التأويلِ الذي يُعذَرُ به، فهذا قد جعل فيه من الإيمانِ باللهِ ورَسولِه ما يوجِبُ أن يُثيبَه اللهُ عليه، وما لم يؤمِنْ به لم تقُمْ عليه به الحُجَّةُ التي يَكفُرُ مخالِفُها) . وقال أيضًا: (حُكمُ الوعيدِ على الكُفرِ لا يَثبُتُ في حَقِّ الشَّخصِ المعَيَّنِ، حتى تقومَ عليه حُجَّةُ اللهِ التي بعث بها رسُلَهـ) . 3- قال محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ: (وأمَّا الكَذِبُ والبُهتانُ، فمِثلُ قَولِهم: إنَّا نُكَفِّرُ بالعمومِ، ونُوجِبُ الهِجرةَ إلينا على مَن قَدَر على إظهارِ دينِه، وإنَّا نُكَفِّرُ مَن لم يُكَفِّرْ، ومَن لم يقاتِلْ، ومِثلُ هذا وأضعافُ أضعافِه، فكُلُّ هذا من الكَذِبِ والبُهتانِ الذي يَصُدُّونَ به النَّاسَ عن دينِ اللهِ ورَسولِه. وإذا كنَّا لا نُكَفِّرُ من عَبَد الصَّنَمَ الذي على عبدِ القادِرِ، والصَّنَمَ الذي على قبرِ أحمد البدوي، وأمثالَهما؛ لأجْلِ جَهْلِهم، وعَدَمِ مَن يُنَبِّهُهم، فكيف نكَفِّرُ من لم يُشرِكْ باللهِ إذا لم يُهاجِرْ إلينا، أو لم يُكَفِّرْ ويُقاتِلْ؟ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [ النور: 16] ) . وقال أيضًا: (إنَّ الذي لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ هو الذي حديثُ عَهدٍ بالإسلامِ، أو الذي نَشَأ بباديةٍ بَعيدةٍ، أو يكونُ ذلك في مَسائِلَ خَفِيَّةٍ، مِثلُ الصَّرفِ والعَطفِ، فلا يُكَفَّرُ حتَّى يُعَرَّفَ) . وقال أيضًا: (لكِنَّ الشَّخصَ المعَيَّنَ إذا قال ذلك ما يُوجِبُ الكُفرَ فإنَّه لا يُحكَمُ بكُفرِه حتى تقومَ عليه الحُجَّةُ التي يَكفُرُ تارِكُها، وهذا في المَسائِلِ الخَفِيَّةِ التي قد يخفى دليلُها على بَعضِ النَّاسِ،... وأمَّا ما يقَعُ منهم في المَسائِلِ الظَّاهِرةِ الجَليَّةِ، أو ما يُعلَمُ مِنَ الدِّينِ بالضَّرورةِ، فهذا لا يُتوقَّفُ في كُفرِ قائِلِهـ) . وقال عبدُ اللَّطيفِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: (كان شيخُنا محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ يُقَرِّرُ في مجالِسِه ورسائِلِه أنَّه لا يُكَفِّرُ إلَّا من قامت عليه الحُجَّةُ الرِّساليَّةُ، وإلَّا من عَرَف دينَ الرَّسولِ، وبَعْدَ مَعرفتِه تبيَّن في عداوتِه ومَسَبَّتِه، وتارةً يقولُ: وإذا كُنَّا لا نُكَفِّرُ مَن يَعبُدُ الكوازَ ونحوَه ونُقاتِلُهم، حتى نُبَيِّنَ لهم وندعوَهم، فكيف نُكَفِّرُ من لم يُهاجِرْ إلينا؟) . وقال أيضًا عنه: (لا يُكَفِّرُ إلَّا بما أجمع المسلِمونَ على تكفيرِ فاعِلِه مِنَ الشِّركِ الأكبَرِ، والكُفرِ بآياتِ اللهِ ورسُلِه، أو بشَيءٍ منها، بعد قيامِ الحُجَّةِ، وبُلوغِها المعتَبَرِ) وقال أيضًا: (شَيخُنا رحمه الله قد قرَّر هذا وبَيَّنَه وِفاقًا لعُلَماءِ الأُمَّةِ، واقتداءً بهم، ولم يكفِّرْ إلَّا بعد قيامِ الحُجَّةِ وظُهورِ الدَّليلِ، حتى إنَّه رحمه الله توقَّف في تكفيرِ الجاهِلِ مِن عُبَّادِ القُبورِ إذا لم يتيسَّر له مَن ينبِّهُه، وهذا هو المرادُ بقول الشَّيخُ ابنُ تيميَّةَ رحمه الله تعالى: «حتى يتبَيَّنَ لهم ما جاء به الرَّسولُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فإذا حَصَل البيانُ الذي يَفهَمُه المخاطَبُ ويَعقِلُه فقد تبيَّنَ له»، وليس بين «بيَّن» و«تبيَّن» فرقٌ بهذا الاعتبارِ؛ لأنَّ كُلَّ من بُيِّن له ما جاء به الرَّسولُ، وأصَرَّ وعانَدَ، فهو غيرُ مُستجيبٍ، والحُجَّةُ قائِمةٌ عليهـ) . وقال سُلَيمانُ بن سحمانَ: (الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِ الوهَّابِ رحمه الله من أعظَمِ النَّاسِ توقُّفًا وإحجامًا عن إطلاقِ الكُفرِ، حتَّى إنَّه لم يَجزِمْ بتكفيرِ الجاهِلِ الذي يدعو غيرَ اللهِ مِن أهلِ القُبورِ أو غيرِهم، إذا لم يتيسَّرْ له من يَنصَحُه، ويُبَلِّغُه الحُجَّةَ التي يَكفُرُ تارِكُها. قال في بعضِ رَسائِلِه: وإنْ كُنَّا لا نُكَفِّرُ مَن عَبَد قُبَّةَ الكوازِ؛ لجَهْلِهم وعدَمِ مَن يُنَبِّهُهم، فكيف من لم يهاجِرْ إلينا؟ وقال -وقد سُئِلَ عن مِثلِ هؤلاء الجُهَّالِ- فقَرَّر أنَّ من قامت عليه الحُجَّةُ، وتأهَّل لمعرفتهِا، يَكفُرُ بعِبادةِ القُبورِ) . 4- قال عَبدُ الرَّحمنِ بنُ حَسَن: (بَقِيَ مسألةٌ حَدَثَت، تكَلَّم بها شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ، وهو: عدمُ تكفيرِ المعَيَّنِ ابتداءً؛ لسَبَبٍ ذَكَره رحمه اللهُ تعالى، أوجَبَ له التوقُّفَ في تكفيرِه قبلَ إقامةِ الحُجَّةِ عليه. قال رحمه اللهُ تعالى: ونحن نَعلَمُ بالضَّرورةِ أنَّ النَّبيَّ لم يَشرَعْ لأحدٍ أن يدعوَ أحدًا مِن الأمواتِ؛ لا الأنبياءَ ولا الصَّالحينَ ولا غيرَهم، لا بلَفظِ الاستغاثةِ، ولا بغَيرِها، كما أنَّه لم يَشرَعْ لأمَّتِه السُّجودَ لِمَيِّتٍ، ولا إلى مَيِّتٍ، ونحو ذلك، بل نَعلَمُ أنَّه نهى عن هذه الأمورِ كُلِّها، وأنَّ ذلك مِنَ الشِّركِ الذي حَرَّمه اللهُ ورَسولُه، ولكِنْ لغَلَبةِ الجَهْلِ، وقِلَّةِ العِلمِ بآثارِ الرِّسالةِ في كثيرٍ مِن المتأخِّرينَ، لم يُمكِنْ تكفيرُهم بذلك حتى يُبَيَّنَ ما جاء به الرَّسولُ ممَّا يخالِفُه. انتهى. قُلتُ: فذكر رحمه الله تعالى ما أوجب له عَدَمَ إطلاقِ الكُفرِ عليهم، على التعيينِ خاصَّةً، إلَّا بعد البيانِ والإصرارِ؛ فإنَّه قد صار أمَّةً وَحْدَه؛ لأنَّ من العُلَماءِ من كَفَّره، بنهيه لهم عن الشِّركِ في العبادةِ، فلا يمكِنُ أن يعامِلَهم بمثلِ ما قال، كما جرى لشيخِنا محمَّدِ بنِ عبدِ الوَهَّابِ رحمه الله تعالى، في ابتداءِ دَعوتِه؛ فإنَّه إذا سمعهم يدعون زيدً بنَ الخَطَّابِ، قال: اللهُ خيرٌ من زيدٍ، تمرَّينا لهم على نَفْيِ الشِّركِ، بلينِ الكلامِ، نظرًا إلى المصلحةِ، وعَدَمِ النُّفرةِ) . 5- قال سُلَيمانُ بنُ سحمانَ: (لا تقومُ الحُجَّةُ إلَّا بمن يُحسِنُ إقامتَها، وأمَّا من لا يُحسِنُ إقامتَها، كالجاهِلِ الذي لا يَعرِفُ أحكامَ دينِه، ولا ما ذَكَره العُلَماءُ في ذلك، فإنَّه لا تقومُ به الحُجَّةُ فيما أعلَمُ. واللهُ أعلَمُ) . 6- جاء في فتوى اللَّجنةِ الدَّائِمةِ للبُحوثِ العِلميَّةِ والإفتاءِ: (يختَلِفُ الحُكمُ على الإنسانِ بأنَّه يُعذَرُ بالجَهْلِ في المَسائِلِ الدِّينيَّةِ، أو لا يُعذَرُ؛ باختِلافِ البلاغِ وعَدَمِه، وباختِلافِ المسألةِ نَفْسِها وُضوحًا وخَفاءً، وتَفاوُتِ مَدارِكِ النَّاسِ قُوَّةً وضَعفًا) . 7- سُئِلَ عبدُ الرَّزَّاق عفيفي عن القُبوريِّينَ الذين يَعتَقِدونَ في الموتى، ويَطلُبونَ منهم، فقال: (هم مرتدُّونَ عن الإسلامِ إذا أُقيمَت عليهم الحُجَّةُ، وإلَّا فهم معذورونَ بجَهْلِهم) . 8- قال ابنُ عثيمين: (الجَهْلُ بالمكَفِّرِ على نوعينِ: الأوَّلُ: أن يكونَ مِن شَخصٍ يَدِينُ بغَيرِ الإسلامِ...النَّوعُ الثَّاني: أن يكونَ مِن شَخصٍ يَدِينُ بالإسلامِ ولكِنَّه عاش على هذا المكَفِّرِ، ولم يكُنْ يخطُرُ ببالِه أنَّه مخالِفٌ للإسلامِ، ولا نبَّهَه أحَدٌ على ذلك، فهذا تجري عليه أحكامُ الإسلامِ ظاهِرًا، أمَّا في الآخرةِ فأمْرُه إلى اللهِ عزَّ وجَلَّ، وقد دَلَّ على ذلك الكِتابُ والسُّنَّةُ، وأقوالُ أهلِ العِلمِ) ------------------ (1) يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/526). (2) يُنظر: ((تفسير ابن كثير)) (5/ 52). (3) ينظر: ((أضواء البيان)) (3/ 65). (4) أخرجه البخاري (4637)، ومسلم (2760) باختلاف يسير. وأخرجه البخاري (7416)، ومسلم (1499) باختلاف يسير من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. (5) ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (2/475). (6) ينظر: ((تفسير ابن كثير)) (8/ 178). (7) ينظر: ((تفسير الشوكاني)) (2/ 185). (8) ينظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/ 293). (9) ينظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 621). (10) يُنظر: ((تفسير البغوي)) (2/ 396). (11) يُنظر: ((بغية المرتاد)) (ص: 311). (12) يُنظر: ((الاستغاثة في الرد على البكري)) (ص: 411). (13) أخرجه ابن ماجه (4049)، والحاكم (8636)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (2028) باختلافٍ يسيرٍ من حديثِ حُذَيفةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عنه. صَحَّحه الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجهـ)) (4049)، والوادعي في ((الصحيح المسند)) (303)، وصَحَّح إسنادَه البوصيري في ((مصباح الزجاجة)) (2/307)، وشعيب الأرناؤوط في تخريج ((سير أعلام النبلاء)) (12/321) وقال: على شَرطِ مُسلمٍ، وقوَّاه ابن حجر في ((فتح الباري)) (13/19)، وجَوَّده ابن باز في ((الفوائد العلمية)) (2/569). (14) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (35/ 165). (15) يُنظر: ((الكبائر)) (ص: 110). (16) يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 414). (17) يُنظر: ((مختصر العلو)) (ص: 177). (18) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/ 466). (19) يُنظر: ((جامع المسائل)) (3/151) (20) أي: تفصيلًا. (21) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/493)، (17/308). (22) يُنظر: ((بغية المرتاد)) (ص: 311). (23) يُنظر: ((الدرر السنية)) (1/104). وردت هذه العبارة في ((منهاج التأسيس)) لعبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ص: 89) بلفظ: (وإنَّا لا نُكَفِّرُ إلَّا مَن كَفَّره اللهُ ورَسولُه مِن المشركينَ عُبَّادِ الأصنامِ، كالذين يَعبُدونَ الصَّنَمَ الذي على قَبرِ عبد القادِرِ، والصَّنمَ الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالَهما) لكِنَّها خطأٌ مِنَ النَّاسِخِ، والصَّوابُ ما أثبتناه، بدلالةِ أنَّ كُلَّ مَن نَقَلها من تلاميذِه وأتباعِه نَقَلها بهذا اللَّفظِ. انظر: ((تاريخ ابن غنام)) (1/455) وهو من تلاميذه، ((صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان)) للسهسواني (408)، ((مناهج أهل الحق والاتِّباع)) لسليمان بن سحمان (ص: 74)، ((لقاء الباب المفتوح)) لابن عثيمين (98/15)، وأكَّد هذا اللَّفظَ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في كتابه الآخر ((مصباح الظلام)) (ص: 84) بقوله: (فإذا كان هذا كلامَ الشَّيخِ رحمه الله فيمن عَبَد الصَّنَمَ الذي على القُبورِ إذا لم يتيسَّرْ له من يُعَلِّمُه ويُبَلِّغُه الحُجَّةَ، فكيف يُطلِقُ على الحَرَمينِ: إنَّها بلادُ كُفرٍ؟! والشَّيخُ على منهاجٍ نَبويٍّ وصِراطٍ مُستقيمٍ، يُعطي كُلَّ مَقامٍ ما يُناسِبُه من الإجمالِ والتَّفصيلِ). (24) يُنظر: ((الدرر السنية)) (10/93). (25) يُنظر: ((الدرر السنية)) (10/433). (26) يُنظر: ((منهاج التأسيس)) (ص: 222). (27) يُنظر: ((الدرر السنية)) (1/467). (28) يُنظر: ((مصباح الظلام)) (ص 499). (29) يُنظر: ((الضياء الشارق)) (ص: 372). (30) يُنظر: ((الدرر السنية)) (2/210). (31) يُنظر: ((منهاج أهل الحق)) (85). (32) يُنظر: ((فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى)) (2/147). (33) يُنظر: ((فتاوى الشيخ عبد الرزاق عفيفي)) (ص: 371). (34) يُنظر: ((مجموع فتاوى ابن عثيمين)) (2/130). https://dorar.net/aqeeda/2759/%D8%A7...AD%D8%AC%D8%A9 |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#26 |
|
|
المَطْلَب الثَّاني: فَهمُ الحُجَّةِ لا بُدَّ أن يكونَ بُلوغُ الحُجَّةِ مُعتَبَرًا ، بأن يَفهَمَه المخاطَبُ ويَعقِلَه . قال اللهُ تعالى: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [النحل: 82] . قال ابنُ جرير: (يقولُ تعالى ذِكْرُه لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فإن أدبر هؤلاء المشركونَ -يا محمَّدُ- عمَّا أرسَلْتُك به إليهم من الحَقِّ، فلم يستجيبوا لك وأعرَضوا عنه، فما عليك من لومٍ ولا عَذلٍ؛ لأنَّك قد أدَّيت ما عليك في ذلك؛ إنَّه ليس عليك إلَّا بلاغُهم ما أُرسِلْتَ به، ويعني بقَولِه: الْمُبِينُ الذي يُبِينُ لِمن سَمِعَه حتى يَفْهَمَه) . وقال ابنُ حزمٍ: (كُلُّ ما قُلْنا فيه: إنَّه يَفسُقُ فاعِلُه أو يَكفُرُ بعد قيام الحُجَّةِ عليه، فهو ما لم تَقُمِ الحُجَّةُ عليه معذورٌ مأجورٌ، وإن كان مخطِئًا، وصِفةُ قيامِ الحُجَّةِ عليه أن تبلُغَه، فلا يكونُ عندَه شيءٌ يقاوِمُها، وباللهِ التوفيقُ) . وقال ابنُ القيم: (العذابُ يُستحَقُّ بسببينِ؛ أحَدُهما: الإعراضُ عن الحُجَّةِ وعَدَمُ إرادةِ العِلمِ بها وبموجِبِها. الثَّاني: العنادُ لها بعد قيامِها، وتَرْكُ إرادةِ مُوجِبِها. فالأوَّلُ: كُفرُ إعراضٍ، والثَّاني: كُفرُ عنادٍ. وأمَّا كُفرُ الجَهلِ مع عَدَمِ قيامِ الحُجَّةِ وعدَمِ التمكُّنِ من معرفتِها، فهذا الذى نفى اللهُ التعذيبَ عنه حتى تقومَ حُجَّةُ الرُّسُلِ) . وقال أبو السُّعودِ في تفسيرِ قَولِه تعالى: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة: 6] : (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ويتدبَّرَه ويطَّلِعَ على حقيقةِ ما تدعو إليه، والاقتصارُ على ذِكْرِ السَّماعِ لعَدَمِ الحاجةِ إلى شيءٍ آخرَ في الفَهمِ؛ لكَونِهم من أهلِ اللَّسَنِ والفَصاحةِ) . وقال حمد بن معمر: (كُلُّ من بلَغَه القرآنُ فليس بمعذورٍ؛ فإنَّ الأصولَ الكِبارَ -التي هي أصلُ دينِ الإسلامِ- قد بَيَّنها اللهُ في كتابِه، ووضَّحَها وأقام بها الحُجَّةَ على عبادِه، وليس المرادُ بقيامِ الحُجَّةِ أن يفهَمَها الإنسانُ فَهمًا جَلِيًّا كما يفهَمُها من هَداه الله، ووَفَّقه وانقاد لأمْرِه) . وعَلَّق عليه محمد رشيد رضا قائلًا: (هذا القَيدُ الذي قَيَّد الشَّيخُ به الفَهمَ هنا قد أزال اللَّبسَ الذي يتبادَرُ إلى الذِّهنِ من بعضِ إطلاقاتِه في مواضِعَ أُخرى، واتَّبَعه فيه بعضُ عُلَماءِ نَجدٍ؛ فصار بعضُهم يقول بأنَّ الحُجَّةَ تقوم على النَّاسِ ببُلوغِ القرآنِ، وإن لم يفهَمْه من بلَغَه مُطلقًا. وهذا لا يُعقَلُ، ولا يتَّفِقُ مع قَولِه تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى [النساء: 115] الآية. الذي بنى عليه المحقِّقون قَولهم: إنَّ فَهمَ الدَّعوةِ بدليلِها شرطٌ لقيامِ الحُجَّةِ، وقد عَلِمْنا من هذا القيدِ أنَّ الفَهمَ الذي لا يشترِطُه الشَّيخُ، هو فِقهُ نُصوصِ القُرآنِ المؤثِّرُ في النَّفسِ، الحامِلُ لها على تَرْكِ الباطِلِ، كما يفقَهُها من اهتدى بها. ففَهْمُ التفَقُّهِ في الحقيقةِ أخصُّ من فَهمِ المعنى اللُّغَويِّ، كما يدُلُّ عليه استعمالُ القُرآنِ، وحديثُ ((من يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّهْه في الدِّيِن )) متَّفَق عليه ، وفي روايةٍ حَسَنةٍ زيادةُ "ويُلهِمه رُشْدَه" . والمشركون الَّذين شَبَّههم اللهُ بالصُّمِّ البُكمِ المختومِ على قلوبِهم، والمطبوعِ عليها، والمجعولِ عليها الأكِنَّةُ: كُلُّهم قد فهموا مدلولَ آياتِ القُرآنِ في التوحيدِ والبعثِ والرِّسالةِ؛ لأنَّهم أهلُ اللُّغةِ، وقد أُنزِلَت بأفصَحِ أساليبِها) . وقال سُلَيمانُ بنُ سَحمانَ: (الذي يظهَرُ لي -واللهُ أعلَمُ- أنَّها لا تقومُ الحُجَّةُ إلَّا بمن يُحسِنُ إقامَتَها، وأمَّا من لا يحسِنُ إقامتَها كالجاهِلِ الذي لا يَعرِفُ أحكامَ دينِه، ولا ما ذكَرَه العُلَماءُ في ذلك، فإنَّه لا تقومُ به الحُجَّةُ) . وقال محمَّدُ رشيد رضا: (من لم يفهَمِ الدَّعوةَ لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ) . وقال ابنُ عثيمين: (الحُجَّةُ لا تقومُ إلَّا إذا بَلَغت المكَلَّفَ على وَجهٍ يَفهَمُها... وأمَّا من بلَغَه النَّصُّ ولكِنَّه لم يَعرِفْ منه معنًى أصلًا، كرجُلٍ أعجَميٍّ بلَغَه النَّصُّ باللُّغةِ العَرَبيَّةِ، ولكِنْ لا يدري ما معنى هذا النَّصِّ، فهذا لم تَقُمْ عليه الحُجَّةُ بلا شَكٍّ، ودليلُ هذا قَولُ اللهِ تبارك وتعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [إبراهيم: 4] أي: بعد البَيانِ بهذا اللِّسانِ الذي يَفهَمونَه يُضِلُّ اللهُ من يَشاءُ، فلا يَقبَلُ، ويَهْدي من يَشاءُ فيَقبَلُ. وأيُّ فائدةٍ لرجُلٍ أعجَميٍّ يُقرَأُ عليه القُرآنُ مِن لسانٍ عَربيٍّ، وهو لا يدري ما هو؟ ... فالذي نرى: أنَّه لا بدَّ مِن بُلوغِ الحُجَّةِ، وفَهمِ مَعناها على وَجهٍ يتبَيَّنُ له الحَقُّ) . ------------------------ (1) عَبَّرَ عن ذلك عبدُ اللطيفِ بنُ حَسَن بقَولِه: (بعد قيامِ الحُجَّةِ، وبُلوغِها المعتَبَرِ). ((الدرر السنية)) (1/467). (2) يُنظر: ((الدرر السنية)) (1/467)، ((مصباح الظلام)) لعبد اللطيف بن حسن (ص 499)، ((تفسير ابن عثيمين - الزخرف)) (ص: 390). (3) يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (14/324). (4) يُنظر: ((الإحكام)) (1/74). (5) يُنظر: ((طريق الهجرتين)) (ص: 414). (6) يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (4/ 44). (7) يُنظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)) (5/638). (8) أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037) مطولًا من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. (9) أخرجها الطبراني (19/340) (786) من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه. (10) يُنظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)) (5/638). (11) يُنظر: ((منهاج أهل الحق والاتباع)) (ص: 85). (12) يُنظر: ((مجموعة الرسائل والمسائل النجدية)) (5/514). (13) يُنظر: ((لقاء الباب المفتوح)) (رقم اللقاء: 98). https://dorar.net/aqeeda/2761/%D8%A7...AD%D8%AC%D8%A9 |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#27 |
|
|
المَطْلَبُ الثَّاني: النُّصوصُ الدَّالةُ على تكفيرِ المُعَيَّنِ إذا توافَرَت الشُّروطُ وانتَفَت الموانِعُ قال ابنُ تيميَّةَ: (إذا عُرِف هذا فتكفيرُ المُعَيَّن من هؤلاء الجُهَّالِ وأمثالِهم بحيث يُحكَمُ عليه بأنَّه من الكُفَّارِ لا يجوزُ الإقدامُ عليه إلَّا بعد أن تقومَ على أحَدِهم الحُجَّةُ الرِّساليَّةُ التي يتبَيَّن بها أنهم مخالِفون للرُّسُلِ، وإن كانت هذه المقالةُ لا ريبَ أنَّها كُفرٌ، وهكذا الكلامُ في تكفيرِ جميع المُعَيَّنين مع أنَّ بَعْضَ هذه البِدَعِ أشَدُّ من بعضٍ، وبَعضَ المبتدعةِ يكونُ فيه من الإيمانِ ما ليس في بَعضٍ؛ فليس لأحدٍ أن يُكَفِّرَ أحدًا من المُسْلِمين، وإن أخطأ وغَلِط، حتى تقامَ عليه الحُجَّةُ، وتُبَيَّنَ له المحجَّةُ، ومن ثبت إيمانُه بيقينٍ لم يَزُلْ ذلك عنه بالشَّكِّ، بل لا يُزالُ إلَّا بعد إقامةِ الحُجَّةِ، وإزالةِ الشُّبهةِ) . فإذا قامت الحُجَّةُ وزالتِ الشُّبهةُ وتيقنَّا إصرارَه على الكُفْرِ وتكذيبِه، فلا بدَّ من تكفيرِه، واستتابتِه، فإذا لم يَتُبْ قُتِلَ إجماعًا . وقد فعل السَّلَفُ ذلك مع من سبَّ الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو من لم يَرْضَ بحُكْمِه ، وفعلوا ذلك مع أعيانِ الجَهميَّةِ؛ كالجَعْدِ بنِ دِرهَمٍ، وغيلانِ الدِّمَشقيِّ وما ورد مِن قَتْلِ السَّحَرةِ . قال محمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ: (يقالُ أيضًا: هؤلاء أصحابُ رَسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وهم يشهدونَ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، ويؤذِّنون ويُصَلُّون، فإن قال: إنَّهم يقولون: إنَّ مُسيلِمةَ نبيٌّ، فقل: هذا هو المطلوبُ. إذا كان من رفع رجلًا إلى رتبةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كَفَر وحَلَّ مالُه ودَمُه، ولم تنفَعْه الشَّهادتان، ولا الصَّلاةُ، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف أو صحابيًّا أو نبيًّا إلى مرتبةِ جَبَّارِ السَّمَواتِ والأرضِ؟!... ويقال أيضًا: الذين حَرَقهم عليٌّ رَضِيَ اللهُ عنه بالنَّارِ كُلُّهم يدَّعون الإسلامَ، وهم من أصحابِ عليٍّ، وتعَلَّموا العِلمَ من الصَّحابةِ، ولكِنَّهم اعتَقَدوا في عليٍّ مِثلَ الاعتقادِ في يوسف وشمسان وأمثالِهما، فكيف أجمع الصَّحابةُ على قَتْلِهم وكُفْرِهم؟ أتظنُّون أنَّ الصَّحابةَ يُكَفِّرون المُسْلِمين؟! ... ويقالُ أيضًا: بنو عبيد القَدَّاح الذين ملكوا المغرِبَ ومِصرَ في زمانِ بني العَبَّاسِ، كُلُّهم يشهدون بألسِنَتِهم أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، ويَدَّعون الإسلامَ، ويُصَلُّون الجُمُعةَ والجماعةَ، فلمَّا أظهروا مخالفةَ الشَّريعةِ في أشياءَ دون ما نحن فيه أجمع العُلَماءُ على كُفْرِهم وقتالِهم، وأنَّ بِلادَهم بلادُ حَربٍ، وغزاهم المُسْلِمون حتى استنقَذوا ما بأيديهم من بِلدانِ المُسْلِمين... ويقال أيضًا: الذين قال اللهُ فيهم: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ [التوبة: 74] أمَا سَمِعتَ اللهَ كَفَّرَهم بكَلِمةٍ مع كَونِهم في زَمَنِ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ويجاهِدون معه ويُصَلُّون ويُزكُّون ويحجُّون ويوحِّدون؟! وكذلك الذين قال اللهُ فيهم: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة: 65-66] ، فهؤلاء الذين صَرَّح اللهُ فيهم أنَّهم كَفَروا بعد إيمانِهم، وهم مع رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ تَبوكَ، قالوا كَلِمةً ذَكَروا أنَّهم قالوها على وَجهِ المزاحِ) . ومن التَّطبيقاتِ العَمَليَّةِ لتكفيرِ المُعَيَّنِ إذا قامت عليه الحُجَّةُ: إجماعُ السَّلَفِ على قتالِ الطَّائفةِ الممتَنِعةِ عن شريعةٍ من شرائِعِ الإسلامِ الظَّاهرةِ المتواترةِ، استنادًا لقتالِ الصَّحابةِ لمانعي الزكاةِ، رَغْمَ إقرارِهم بها، وقد اعتمد ابنُ تيميَّةَ هذه القاعِدةَ في فتواه في وجوبِ قِتالِ التَّتارِ، كحالِ المرتَدِّين، فقال: (كُلُّ طائفةٍ ممتَنِعةٍ عن التزامِ شَريعةٍ مِن شرائِعِ الإسلامِ الظَّاهرةِ المتواترةِ من هؤلاء القَومِ وغَيرِهم، فإنَّه يجِبُ قتالُهم حتى يلتَزِموا شرائِعَه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشَّهادتين، وملتَزِمين بَعْضَ شرائِعِه، كما قاتل أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنه مانعي الزَّكاةِ، وعلى ذلك اتَّفَق الفُقَهاءُ بَعْدَهم بعد سابقةِ مُناظرةِ عُمَرَ لأبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، فاتَّفَق الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم على القِتالِ على حُقوقِ الإسلامِ عَمَلًا بالكِتابِ والسُّنَّةِ... فأيُّما طائفةٍ امتَنَعَت من بَعْضِ الصَّلواتِ المفروضاتِ أو الصِّيامِ، أو الحَجِّ أو التزامِ تحريمِ الدِّماءِ والأموالِ، والخَمْرِ والزِّنا ... فإنَّ الطَّائفةَ الممتَنِعةَ تقاتَلُ عليها وإن كانت مُقِرَّةً بها، وهذا ما لا أعلَمُ فيه خلافًا بين العُلَماء ... وهؤلاء عند المحَقِّقين من العُلَماءِ ليسوا بمنزلةِ البُغاةِ الخارجين على الإمامِ أو الخارجين عن طاعتِه، كأهلِ الشَّامِ مع أميرِ المُؤمِنين عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه؛ فإنَّ أولئك خارجون عن طاعةِ إمامٍ مُعَيَّن، أو خارجون لإزالةِ ولايتِه، وأمَّا المذكورون فهم خارِجون عن الإسلامِ بمنزلةِ مانعي الزَّكاةِ، وبمنزلةِ الخوارجِ الذين قاتَلَهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضِيَ اللهُ عنه) . وقال محمَّدُ بنُ عبدِ الوَهَّابِ -بعد ما ذكر بَعْضَ الأمثلةِ- (ولو ذهَبْنا نعَدِّدُ من كَفَّره العُلَماءُ مع ادِّعائِه الإسلامَ، وأفتَوا برِدَّتِه؛ لطال الكلامُ) . ولا يخلو حالُ من التزمَ بغيرِ الشَّريعةِ -سواءٌ كان مُشرِّعًا أو حاكمًا- من ثلاثةِ أحوالٍ: الحالُ الأُولى: من كان جاهِلًا أنَّه يلزَمُه اتِّباعُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والالتزامُ بالشَّريعةِ إجمالًا، فهذا كافِرٌ كُفرًا أصلِيًّا؛ لأنَّ مِن شُروطِ تحقيقِ شَهادةِ أنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ العِلمَ بمدلولِها، الذي هو تصديقُ الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والالتزامُ بالشَّريعةِ التزامًا إجماليًّا يقتضي التَّصديقَ والالتزامَ التَّفصيليَّ، وهذا الأمرُ لا يُعذَرُ فيه أحَدٌ بجَهلٍ أو تأوُّلٍ أو إكراهٍ، فلا يتحقَّقُ الإيمانُ إلَّا به، ولا تكونُ النَّجاةُ في الآخرةِ دونَ تحقيقِه، لكِنَّا لا نعلَمُ ذلك من حالِ المُعَيَّن بمجَرَّدِ فِعْلِه الظَّاهِرِ؛ فلا يجوزُ الجَزمُ بكُفرِ من ظهر منه ذلك إلَّا ما اطَّلَعْنا عليه بإخبارِ المُعَيَّنِ عن نَفْسِه بذلك، أو اعترافِه به. الحالُ الثَّانيةُ: من كان غيرَ جاهلٍ بلُزومِ الالتزامِ بالشَّريعةِ في تحقيقِ أصلِ الدِّينِ -كما هو مفتَرَضٌ في كلِّ من أقرَّ بالإسلامِ- ورَدَّ الشَّريعةَ بالتزامِه بغَيرِها من القوانينِ الوَضعيَّةِ ونحوِها متعَمِّدًا لذلك؛ فهو كافِرٌ، ولا يُنظَرُ لكونِه مُستحِلًّا أو غيرَ مُستحِلٍّ، جاحدًا أو غيرَ جاحدٍ، وهذا هو مناطُ النِّزاعِ بين أهلِ السُّنَّةِ والمرجِئةِ. الحالُ الثَّالثةُ: العالمُ بلزومِ الالتزامِ بالشَّريعةِ لتحقيقِ شَهادةِ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، لكِنْ تحقَّقت منه المخالفةُ في الظَّاهِرِ بالالتزامِ بغيرِ الشَّريعةِ، ولكِنْ لا على جِهةِ رَفْضِها ورَدِّها، بل قد يكونُ عن ظَنٍّ بأنَّ فِعْلَه لا يُناقِضُ حقيقةَ الالتزامِ؛ فهذا لا يُحكَمُ بكُفْرِه بمجَرَّدِ الفِعْلِ. وهذه الحالُ والتي قَبْلَها يلزَمُ فيهما التَّبيُّن عن حالِ المُعَيَّن قبل تكفيرِه، وهل فَعَل ما فعل ردًّا للشَّريعةِ أم أنَّ له شُبُهاتٍ وتأولاتٍ، فإنْ كان رَدُّه للشَّريعةِ عَمدًا، كان كافِرًا، وإن كان ممن يُعذَرُ بجَهلٍ أو تأوُّلٍ لم يُحكَمْ بكُفْرِه حتى تقامَ عليه الحُجَّةُ، وتُزالَ شُبهتُه. قال ابنُ تيميَّةَ: (لا رَيبَ أنَّ من لم يَعتَقِدْ وجوبَ الحُكمِ بما أنزل اللهُ على رَسولِه، فهو كافِرٌ، فمن استحَلَّ أن يحكُمَ بين النَّاسِ بما يراه عَدْلًا من غيرِ اتِّباعٍ لِما أنزَلَ اللهُ، فهو كافِرٌ؛ فإنَّه ما من أُمَّةٍ إلَّا وهي تأمُرُ بالحُكمِ بالعَدْلِ، وقد يكونُ العَدْلُ في دينِها ما رآه أكابِرُهم، بل كثيرٌ من المنتَسِبين إلى الإسلامِ يحكُمون بعاداتِهم التي لم يُنزِلْها اللهُ، كسواليفِ الباديةِ، وكأوامِرِ المطاعينَ فيهم، ويَرَونَ أنَّ هذا هو الذي ينبغي الحُكمُ به دونَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وهذا هو الكُفْرُ. فإنَّ كثيرًا من النَّاسِ أسلموا ولكِنْ مع هذا لا يحكُمون إلَّا بالعاداتِ الجاريةِ لهم، التي يأمُرُ بها المطاعون، فهؤلاء إذا عَرَفوا أنَّه لا يجوزُ الحُكمُ إلَّا بما أنزل اللهُ، فلم يلتزموا ذلك، بل استحَلُّوا أن يحكُموا بخِلافِ ما أنزل الله؛ فهم كُفَّارٌ، وإلَّا كانوا جُهَّالًا) . وقال محمَّدُ رشيد رضا عن آياتِ المائدةِ وحُكم المُعرِضِ عن شَرْعِ اللهِ: (في الآيةِ الأُولى كان الكلامُ في التَّشريعِ وإنزالِ الكِتابِ مُشتَمِلًا على الهدى والنُّور، والتزامِ الأنبياءِ وحُكَماءِ العُلَماءِ العَمَلَ والحُكمَ به، والوَصِيَّةِ بحِفْظِه، وخُتِمَ الكلامُ ببيانِ أن كُلَّ مُعرِضٍ عن الحُكمِ به لعَدَمِ الإذعانِ له؛ رَغبةً عن هدايتِه ونُورِه، مؤثِرًا لغيرِه عليه؛ فهو كافِر به، وهذا واضِحٌ لا يدخُلُ فيه من لم يتَّفِقْ له الحُكمُ به، أو من تَرَك الحُكمَ به عن جهالةٍ ثُمَّ تاب إلى اللهِ، وهذا العاصي بتَرْكِ الحُكمِ الذي يتحامى أهلُ السُّنَّةِ القَوْلَ بتكفيرِه) . وقال ابنُ عثيمين: (من وَضَع قوانينَ تشريعيَّةً مع عِلْمِه بحُكمِ اللهِ، وبمخالفةِ هذه القوانينِ لحُكمِ اللهِ؛ فهذا قد بَدَّل الشَّريعةَ بهذه القوانينِ، فهو كافِرٌ؛ لأنَّه لم يرغَبْ بهذا القانونِ عن شريعةِ اللهِ إلَّا وهو يَعتَقِدُ أنَّه خيرٌ للعِبادِ والبلادِ مِن شَريعةِ اللهِ، وعندما نقولُ بأنَّه كافِرٌ فمعنى ذلك أنَّ هذا الفِعْلَ يوصِلُ إلى الكُفْرِ. ولكن قد يكونُ الواضِعُ له مَعذورًا، مثل أن يُغَرَّرَ به، كأن يُقالَ: إنَّ هذا لا يخالِفُ الإسلامَ، أو هذا من المصالِحِ المُرسَلةِ، أو هذا ممَّا ردَّه الإسلامُ إلى النَّاسِ) --------------------------- (1) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (12/500). ويُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (3/229). (2) يُنظر: ((المغني)) لابن قدامة (12/264). (3) يُنظر: ((الصارم المسلول)) لابن تيمية (2/521). (4) يُنظر: ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) لللالكائي (2/344) (4/787)، ((خلق أفعال العباد)) للبخاري (2/30)، ((الرد على الجهمية)) للدارمي (ص: 208). (5) يُنظر: ((فتح المجيد)) لعبدالرحمن بن حسن (2/30). (6) يُنظر: ((كشف الشبهات)) (ص: 39-42). (7) يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) (28/502-504). (8) يُنظر: ((الرسائل الشخصية)) (220). (9) يُنظر: ((منهاج السنة النبوية)) (5/130). (10) يُنظر: ((تفسير المنار)) (6/334). (11) يُنظر: ((القول المفيد)) (2/160). المصدر: https://dorar.net/aqeeda/2754 |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| فتنة التكفير | شمائل | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 6 | 01-18-2026 09:12 PM |
| التكفير حكم شرعي، كسائر الأحكام الشرعية | ابو عبد الرحمن | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 4 | 03-27-2025 11:06 AM |
| أقوال العلماء في التحذير من فتنة الطعن والتجريح وتبديع السلفيين | طالب العلم | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 5 | 05-11-2019 05:57 AM |
| فتنة التكفير | Abujebreel | قسم فضيلة الشيخ احمد رزوق حفظه الله | 9 | 08-27-2014 10:13 PM |
| مجموعة فتاوي واقوال بعض العلماء المذهب المالك 3 | نمارق | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 1 | 03-10-2013 10:03 PM |
|
|