استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-13-2026, 08:53 PM   #289

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 371 الى صـــ 390
الحلقة (289)






وقوله: («ويعطيه المصدِّق عشرين درهمًا أو شاتين») هو بكسر الدال مشددة أي: العامل، ورواه أبو عبيد بفتحها مشددة أي: المالك، وخالفوه.
وقال أبو موسى المديني: هو بتشديد الصاد والدال معًا والدال مكسورةٌ، وهو رب المال، وأصله: المتصدق فأدغمت التاء في الصاد؛ لتقارب مخرجهما، وقال ثابت: يقال: بتخفيف الصاد للذي يأخذها والذي يعطيها أيضًا.
وعندنا أن الخيار في الشاتين والدراهم لدافعها، سواء كان المالك أو الساعي، وفي قول: إن الخيرة إلى الساعي مطلقًا، فعلى هذا: إن كان هو المعطي راعى المصلحة للمساكين، وكل منهما أصل بنفسه وليس ببدل؛ لأنه خُيِّرَ بينهما بحرف أو يعلم أن ذَلِكَ لا يجري مجرى تعديل القيمة لاختلاف ذَلِكَ في الأزمنة والأمكنة، وإنما هو فرض شرعي كالغرة في الجنين، والصاع في المصرّاة، والسر في ذَلِكَ أن الصدقة كانت تؤخذ في البراري وعلى المياه بحيث لا يجد السوق، فقدر الشارع هذا قطعًا للتشاجر.
نبه عليه الخطابي (١) وغيره، وإنما لم يرد على من أخذ منه ابن لبون بدل بنت مخاض؛ لأنه وإن زاد في السنن فقد نقص بالذكورة، ولا يكلف شراء بنت مخاض وهذا بخلاف الكفارة؛ لأن الزكاة مبنية على التخفيف بخلافها.

------------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٧٩ - ٧٨٠.


فرع:
يجزئ الخنثى من أولاد اللبون عند فقد بنت المخاض على الأصح؛ لأنه إن كان ذكرًا فذاك وإن كان أنثى فقد زاد خيرًا (١)، وفي رواية: «ابن لبون ذكر» (٢) وهو إما للتأكيد أو للاحتراز من الخنثى، أو ذكر تنبيها لرب المال والعامل لتطيب نفس رب المال بالزيادة المأخوذة منه وللمصدق؛ ليعلم أن سن المذكور مقبول من رب المال في هذا الموضع، وهو أمرٌ نادرٌ في باب الصدقات.
فرع:
من وجبت عليه ابنة مخاض فلم توجد عنده، ولا ابن لبون، ولا ابنة لبون، ووجدت حقة أخذت منه (٣)، ويرد الساعي أربعين درهمًا أو أربع شياه، خلافًا لأصبغ حيث قال: ليس عليه إلا الدراهم ويجزئه. وقال ابن القاسم وأشهب: إن فعل أجزأه وعلى أصل المذهب في منع إخراج القيمة في الزكاة لا يجزئه؛ لأنه أعطى بنت لبون وأخذ دراهم فصار ما قابل الدراهم باع به بعض بنت لبون وأخرج بعض بنت لبون عن بنت مخاض.

--------------
(١) انظر: «المجموع» ٥/ ٣٦٨.
(٢) رواه أبو داود برقم (١٥٦٧) كتاب: الزكاة، باب: في زكاة السائمة، والنسائي ٥/ ١٨ - ١٩ كتاب: الزكاة، باب: زكاة الإبل، وأحمد ١/ ١١، والبزار ١/ ١٠٢ - ١٠٣ (٤٠)، وأبو يعلي في «مسنده» ١/ ١١٥ - ١١٧ (١٢٧)، وابن حبان في «صحيحه» ٨/ ٥٧ (٣٢٦٦) كتاب: الزكاة، باب: فرض الزكاة، والدارقطني في «سننه» ٢/ ١١٣ - ١١٤ كتاب: الزكاة، باب: زكاة الإبل والغنم، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٩٠ - ٣٩١ كتاب: الزكاة، والبيهقي في، «سننه» ٤/ ٨٦ كتاب: الزكاة، باب: فرض الصدقة.
(٣) انظر: «المجموع» ٥/ ٣٦٨.



فرع:
في (كتابة) (١) الصديق له حجة لمن أجازها، وقيل لمالك في الرجل يقول له العالم: هذا كتابي فاحمله عني، وحدث بما فيه. قال: لا أراه يجوز، وما يعجبني.
وروي عنه غير هذا، فإنه قال: كتبت ليحيى بن سعيد مائة حديث من حديث ابن شهاب فحملها عني ولم يقرأها عليَّ، وقد أجاز الكتاب ابن وهب وغيره والمناولة أقوى من الإجازة إذا صح الكتاب، وفيه: حجة لجواز كتابة العلم.

-------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: الكتابة تنقسم إلى نوعين سواء كتبها إلخ، أوأمر شخصًا فكتبها. أحدهما: المقرونة بالإجازة، وهي شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة صحة وقوة. والثاني: المحررة منها، وهي صحيحة أيضًا تجوز الرواية بها على الصحيح المشهور بين أهل الحديث، وهو عندهم معدود في سند الوصول، وهذا قول كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم: السختياني، ومنصور، والليث، وجماعة من التابعين منهم: أبو منصور السمعاني، بل جعلها أقوى من الإجازة، وإليه صار جماعة من الأصوليين منهم: صاحب «المحصول»، وفي الصحيح أحاديث كذلك، منها عند مسلم: حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال: كتب إليَّ جابر بن سمرة مع غلامي نافع .. الحديث.
وقال في الأيمان والنذور: كتبه إليَّ محمد بن يسار، ومنع الصحة آخرون، وبه قطع في «الحاوي» قال الآمدي: لا يرونه إلا غلط من الشيخ؛ لقوله: ما رواه عني أو أجزت لك روايته عني وذهب ابن القطان إلى انقطاع الرواية بها، قاله عقب حديث جابر بن سمرة المذكور، ورد عليه ذلك ابن المواق.



٣٤ - باب لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلُهُ.

١٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - كَتَبَ لَهُ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ». [انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣/ ٣١٤]
ثم ذكر حديث الأَنْصَارِيِّ عن أبيه، عن ثمامة، عن أنس أَنَّ أَبَا بَكْرِ - ﷺ - كَتَبَ لَهُ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يفرق بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ».
الشرح:
المعلق أولًا أسنده الترمذي محسنًا له، قال: وعليه عامة العلماء (١)
وقال في «علله»: سألت محمدًا عن حديث سالم، عن أبيه: كتب رسول الله - ﷺ - كتاب الصدقة فقال: أرجو أن يكون محفوظًا، وسفيان بن حسين صدوق. وقال الداودي: إنه حديث ثابت.
وقد أسلفنا الكلام فيه، وقال الحاكم: إنه حديث كبير في هذا الباب يشهد لكثير من الأحكام التي في حديث ثمامة إلا أن الشيخين لم يخرجا لسفيان بن حسين، وهو أحد أئمة الحديث، وثقه يحيى بن معين وغيره، ويصححه على شرط الشيخين حديث الزهري، وإن كان فيه أدنى إرسال أنه شاهد صحيح لحديث سفيان بن حسين قال: ومما يشهد له بالصحة

------------
(١) «سنن الترمذي» برقم (٦٢١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الإبل والغنم، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٥٠٧).


حديث عمرو بن حزم، وحديث عمر مثله (١)، وقال ابن جرير في «تهذيبه»: حديث سفيان بن حسين أصلح هذِه الأحاديث إسنادًا إذ لا خبر منها إلا وفيه مقال لقائل وفي الباب عن علي، وسويد بن غفلة، وسعد بن أبي وقاص، وحديث أنس سلف.
وقوله: (فرض) أي: قدر. قاله الخطابي (٢)؛ لأن الإيجاب قد بينه الله ويحتمل كما قاله ابن الجوزي أن يكون على بابه بمعنى الأمر يبينه قوله في الرواية السالفة: وهي التي أمر الله رسوله.
واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقال مالك في «الموطأ»: تفسيره: لا يجمع بين مفترق: أن يكون ثلاثة نفر لكل واحد أربعون شاة فإذا أظلهم المصدِّق جمعوها؛ ليؤدوا شاة. ولا يفرق بين مجتمع: أن يكون لكل واحد مائة وشاة فعليهما ثلاث شياه فيفرقوها؛ ليؤدوا شاتين فنهوا عن ذَلِكَ (٣).
وهو قول الثوري والأوزاعي، وقال الشافعي: تفسيره: أن يفرق الساعي الأول ليأخذ من كل واحد شاة، وفي الثاني ليأخذ ثلاثًا فالمعنى واحد لكن صرف الخطاب الشافعي إلى الساعي كما حكاه عنه الداودي في كتاب «الأموال»، وصرفه مالك إلى المالك، وهو قول أبي ثور، وقال الخطابي عن الشافعي أنه صرفه إليهما (٤).
قال ابن التين: وقول مالك عندي أولى؛ لقوله - عليه السلام -: «خشية الصدقة» وصرفه إلى المالك أولى كذا قال.

-----------
(١) «المستدرك» ١/ ٣٩٣ كتاب: الزكاة.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٧٦.
(٣) «الموطأ» ١/ ٢٧١ - ٢٧٢ (٦٩٣) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الخلطاء.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٨١.



والخشية خشيتان: خشية الساعي قلة الصدقة، وخشية المالك كثرتها، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث في الأموال شيئًا. وقال أبو حنيفة: معنى لا يجمع بين متفرق أن يكون بين رجلين أربعون شاة فإذا جمعاها فشاة، وإن فرقاها فلا شيء.
قالوا: ولو كانا شريكين متفاوضين لم يجمع بين أغنامهما. وقال: ولا يفرق بين مجتمع أن يكون لرجل مائة وعشرون شاة، فإن فرقها المصدق أربعين أربعين فثلاث شياه. وقال أبو يوسف: معنى الأول أن يكون للرجل ثمانون شاة، فإذا جاء المصدق قال: هي بيني و(بين) (١) إخوتي لكل واحد منا عشرون، فلا زكاة، أو يكون له أربعون ولأخوته أربعون، فيقول: كلها لي فشاة. فهذِه خشية الصدقة؛ لأن الذي يؤخذ منه يخشى الصدقة، قال (٢): ويكون وجه آخر: أن يجيء المصدق إلى ثلاثة أخوة لواحد عشرون ومائة شاة، فيقول: هذِه بينكم لكل واحد أربعون، فأنا آخذ ثلاثًا أو يكون لهم جميعًا أربعون فلا زكاة، فيقول: هذِه لواحد منكم فشاة (٣).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: الخلطاء في الزكاة كغير الخلطاء لا يجب على كل واحد منهم فيما يملك إلا مثل الذي يجب عليه لو لم يكن خليطًا كالذهب والفضة والزرع ولا يغير سنة الزكاة خلط أرباب المواشي بعضها ببعض (٤).

-----------
(١) من (ج) و(م).
(٢) كذا الأصل، وتتمة كلام أبي يوسف كما في «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٤: وأما إذا لم يقل فيها خشية الصدقة، فقد يكون على هذا الوجه ويكون على وجه آخر.
(٣) انظر: «الأصل» ٢/ ٥١ - ٥٢، و«مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٤.
(٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٤٤.



وهذا التأويل كما قال ابن جرير تسقط معه فائدة الحديث؛ لأن نهيه أن يجمع بين متفرق وعكسه إنما أراد به لا يجمع أرباب المواشي ولا المصدق بين المواشي المفترقة بافتراق الأوقات، ولا يفرق بين المواشي المجتمعة بخلط أربابها بينها، وأراد - ﷺ - إقرار الأموال المختلطة والمفترقة على ما كانت عليه قبل لحوق الساعي، ولا يتحيل بإسقاط صدقة بتفريق ولا جمع، ولو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم، ما أفاد ذَلِكَ فائدة ولا نهى عنه، وإنما نهى عن أمر لو فعله كانت فيه فائدة قبل النهي عنه، ولولا أن ذَلِكَ معناه لما كان لتراجع الخليطين بالسوية بينهما معنى معقول؛ لأنهما إذا كانا يصدقان وهما خليطان صدقة المفردين لم يجب لأحدهما قِبَل صاحبه، بسبب ما أخذ فيه من الصدقة تباعة فلا يجوز أن يخاطب أمته خطابًا لا يفيدهم، وفي أمره - ﷺ - الخليطين بالتراجع بينهما بالسّوية كما سيأتي صحة القول بأن صدقة الخلطاء صدقة الواحد، ولولا ذَلِكَ ما انتفعا بالخلطة. والتراجع مقتضاه من اثنين وهذا لا يجيء على مذهبه بوجه.
وعند الشافعي للخلطة شروط محل الخوض فيها كتب الفروع، وكذا عند المالكية، وفي الدارقطني من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: «لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق والخليطان ما اجتمعا في الحوض والفحل والراعي». وفيه ابن لهيعة وحالته معروفة (١).

------------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٠٤ كتاب: الزكاة، باب: تفسير الخليطين وما جاء في الزكاة على الخليطين.


٣٥ - باب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ: إِذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا. وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا يَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً.

١٤٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - كَتَبَ لَهُ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ». [انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣/ ٣١٥]
ثم ذكر حديث ثمامة بالإسناد السالف «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ».
الشرح:
أما أثر طاوس فرواه ابن أبي شيبة، عن محمد بن بكر، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار، عن طاوس قال: إذا كان الخليطان يعلمان أموالهما فلا تجمع أموالهما في الصدقة. وحَدَّثنَا محمد بن بكر عن ابن جريج قال: أخبرت عطاء قول طاوس فقال: ما أراه إلا حقًا (١). وروى البيهقي من حديث عبد الرزاق أنا ابن جريج قال: سألت عطاء عن النفر الخلطاء لهم أربعون شاة، قال: عليهم شاة، قُلْتُ: فإن كان لواحد تسع وثلاثون وللآخر شاة قال: عليهما شاة (٢).
واعترض ابن المنذر فقال: قول طاوس وعطاء غفلة منهما إذ غير

----------
(١) «المصنف» ٢/ ٤٠٩ (١٠٤٩٤ - ١٠٤٩٥) كتاب: الزكاة، باب: في الخليطين إذا كانا يعملان في ماليهما.
(٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٠٦ كتاب: الزكاة، باب: صدقة الخلطاء.



جائز أن يتراجعا بالسوية والمال بينهما لا يعرف أحدهما ماله من مال صاحبه.
ومذهب أبي حنيفة أن الخليط هو الشريك (١)، وخالفه مالك فقال: إنه غيره، والخليط: من يعرف ماله، والشريك: من لا يعرفه. وحكم الخليطين كالواحد (٢) وقد سلف عن أبي حنيفة أنه لا تأثير للخلطة فيها، دليلنا حديث الباب ولا يصح ذَلِكَ إلا في الخليطين تؤخذ الزكاة من مال أحدهما، ولو كانا شريكين ما تصور بينهما تراجع، واستدل بعضهم على أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤] فسماهم خلطاء، وقد ذكر في أول الآية: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٤] وهذان يعرف كل واحد متاعه، وما ذكره عن سفيان هو قول مالك، وخالفه الشافعي والليث وربيعة وأحمد فقالوا: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا (٣)، وأما الحديث السالف: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة» (٤)، فلا حجة فيه؛ لأنه فيما عدا الخلطة، جمعًا بين الأدلة.
فرع: لم يراع مالك مرور الحول كله على الخلطاء (٥)، وإذا خالط قبل الحول بشهر أو شهرين فهو عنده خليط، والشافعي يراعي مرور الحول كله عليهما (٦).

----------
(١) انظر: «مجمع الأنهر» ٢/ ٤٧٣.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٣٦.
(٣) انظر: «المجموع» ٥/ ٤٠٧ - ٤٠٨.
(٤) سلف برقم (١٤٠٥).
(٥) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٤١.
(٦) انظر: «المهذب» ١/ ٤٩٤.



٣٦ - باب زَكَاةِ الإِبِلِ
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنهم -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
[١٤٤٨، ١٤٦٠]

١٤٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الهِجْرَةِ، فَقَالَ: «وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا». [٢٦٣٣، ٣٩٢٣، ٦١٦٥ - مسلم: ١٨٦٥ - فتح: ٣/ ٣١٦]
هي بكسر الباء وتسكن للتخفيف، ولا واحد لها من لفظها ثم قال:
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله - ﷺ -.
هذِه الأحاديث سلف ذكرها عنده مسندة (١).
ثم ساق حديث الوَلِيد بْنِ مُسْلِمٍ، ثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي ابن شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَن أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الهِجْرَةِ، فَقَالَ: «وَيْحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا لشَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا».
هذا الحديث ذكره في العارية أيضًا معلقًا بلفظ: وقال محمد بن يوسف، ثنا الأوزاعي، ثنا ابن شهاب (٢). ولما رواه الإسماعيلي من

-------------
(١) سلف برقم (١٤٤٨) باب: العرض في الزكاة، عن أبي بكر، وبرقم (١٤٠٢) باب: إثم مانع الزكاة عن أبي هريرة، وبرقم (١٤٦٠) زكاة البقر.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٣٣) كتاب: الهبة، باب: فضل المنيحة.



حديث الحسن بن عباس بن الوليد، ثنا محمد بن يوسف ومحمد بن عيسى قالا: ثنا الأوزاعي. قال فيه البخاري: قال محمد بن يوسف لم يذكر الخبر.
وقال أبو نعيم: ثنا سليمان بن أحمد، ثنا عبد الله بن محمد بن سعيد، ثنا الفريابي، ثنا الأوزاعي، فذكره.
وأما أصحاب الأطراف فذكروا أن البخاري رواه في هذا الباب -أعني العارية- عن محمد بن يوسف. قال خلف وأبو مسعود: قال: البخاري رواه محمد بن يوسف به.
إذا تقرر ذَلِكَ: فهذا القول كان منه قبل الفتح، كما قاله المهلب؛ لأنه لو كان بعده لقال لا هجرة بعد الفتح.
قُلْتُ: الحديث مؤول إما لا هجرة من مكة، أو لا هجرة فاضلة كما كانت قبلها، كما ستعلمه في موضعه، وقد سلف في أول الكتاب أيضًا في حديث: «إنما الأعمال بالنيات» (١)، الإحالة عليه، قال: ولكنه - ﷺ - علم أن الأعراب قلما تصبر على المدينة؛ لشدتها ولأوائها ووبائها، ألا ترى قلة صبر الأعرابي الذي استقاله بيعته حين مسّته حمى المدينة، فقال للذي سأله عن الهجرة: إذا أديت الزكاة التي هي أكبر شيء على الأعراب، ثم منحت منها وحلبتها يوم ورودها من ينتظرها من المساكين فقد أديت المعروف من حقوقها فرضًا وفضلًا من وراء البحار فهو أقل لفتنتك كما افتتن المستقيل للبيعة؛ لأنه قد شرط - ﷺ - ما يخشى من منع العرب الزكاة التي افتتنوا فيها بعده.
وقد ذكر البخاري هذا الحديث في باب: المنحة والهجرة، وقال

------------
(١) هو أول حديث في «الصحيح» (١).


فيه: «فهل تمنح منها؟» فقال: نعم، قال: «فهل تحلبها بعد ورودها؟» فقال: نعم (١). ويحتمل كما قال القرطبي: خصوصية ذَلِكَ الأعرابي المذكور لما علم من حاله وضعفه عن المقام بالمدينة (٢). وقال بعض العلماء: كانت الهجرة على غير أهل مكة من الرغائب ولم تكن فرضًا، دليله: حديث الباب؛ فإنه لم يوجبها عليه.
قال أبو عبيد في «أمواله»: كانت الهجرة على أهل الحاضرة دون أهل البادية (٣)، وقيل: إنما كانت الهجرة واجبة إذا أسلم بعض أهل البلد دون بعض لئلا يجري على من أسلم أحكام الكفار؛ ولأن في هجرته توهينًا لمن لم يسلم وتفريقًا لجماعتهم، وذلك باقٍ إلى اليوم، وإذا أسلم في دار الحرب ولم يمكنه إظهار دينه وجب عليه الخروج.
فأما إذا أسلم الكل فلا هجرة عليهم؛ لحديث وقد عبد القيس، والهجرة باقية كما سلف، فلا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار، وكذا من هاجر ما نهي عنه (٤).
وقوله: («فاعمل من وراء البحار»). يريد إذا كنت تؤدي فرض الله عليك في نفسك ومالك، فلا تبال أن تقيم في بيتك، وإن كانت دارك من وراء البحار، ولا تهاجر فإن الهجرة في جزيرة العرب، ومن كانت داره من وراء البحار لن يصل إليها. والمراد بالبحار: البلاد.
قيل: في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ﴾ [الروم: ٤١] أنه القرى والأمصار، يوضحه: اصطلح أهل هذِه البحيرة -يريد المدينة- أن

---------
(١) سيأتي برقم (٢٦٣٣).
(٢) «المفهم» ٤/ ٧٢.
(٣) «الأموال» ص ٩٨.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الرابع عشر، كتبه مؤلفه سامحه الله.



يُعَصِّبوه. يعني ابن أُبي (١). وفي حديث آخر: كتب لهم ببحرهم (٢)، أي: ببلدتهم وأرضهم. وقيل: البحار نفسها. وعند صاحب «المطالع»: قال أبو الهيثم: من وراء البحار، قال: وهو وهم.
وقوله: («لن يَتِرك»)، هو بفتح المثناة تحت وكسر المثناة فوق، وفتح الراء، قيل: لن ينقصك من ثوابك شيئًا، يقال: وتره يتره ترة، وقيل: لن يظلمك، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] ومثله ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤] يعني: لن ينقصكم. وفيه لغتان ألت يألت ألتًا، ولات يليت ليتا، قاله الزيدي. ورواه بعضهم فيما حكاه المنذري بإسكان التاء من الترك، وهو ظاهر إن صح، وضبط في رواية أبي الحسن بتشديد التاء. قال ابن التين: وصوابه بالتخفيف. وعند الإسماعيلي: وقال الفريابي: بالتشديد.
وفي الحديث كما قال الداودي دليل على قبول الأعمال من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾ [الأنبياء: ٩٤] فمن عمل عملًا أراد به وجه الله ومات مسلمًا وجد عمله في المعاد محضرًا.
قال: وقوله: «إن شأنها لشديد» كان قبل الفتح، قبل انقضاء الهجرة، ويدل أن غير أهل مكة لم يكن عليهم أن يقيموا بالمدينة إذا هاجروا ودله على ما يطيقه من العمل ويدل أن من بايع من غير أهل مكة على المقام لزمه، ولذلك أبي أن يقيل الأعرابي بيعته، وقال

-----------
(١) سيأتي برقم (٤٥٦٦) من حديث أسامة، وهو قول سعد بن عبادة.
(٢) سيأتي برقم (١٤٨١) من حديث أبي حميد الساعدي.



حين خرجوا من المدينة: «إن المدينة تنفي الناس» (١).
وكلام الداودي هذا الأخير هو الذي ذكره العلماء كما نقله عنهم ابن التين، في هذا الخبر أنه يفيد أن الهجرة على من هو من غير أهل مكة غير واجبة، وقد سلف ما فيه.
فائدة:
قال الداودي: «ويح» كلمة تقال عند الزجر والموعظة والكراهة لفعل المقول له أو قوله. قال: ويدل عليه أنه إنما سأله أن يبايعه على ذَلِكَ على أن يقيم بالمدينة، ولم يكن من أهل مكة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح، وفرض عليهم إتيان المدينة والمقام بها إلى موته - عليه السلام -، وأنه ألحّ في ذَلِكَ.
قُلْتُ: الذي ذكره أهل اللغة في (ويح) أنها كلمة رحمة أو توجع إن وقع في هلكة لا يستحقها، قال الداودي: وسأله أن يبايعه على ذَلِكَ على أن يقيم بالمدينة. وظاهر الحديث أنه - ﷺ - ظهر له أن الرجل لا يهاجر، وتقييده الهجرة بموته - ﷺ - فيه نظر؛ لأن القائل قائلان: إما بسقوطها بالفتح عن جميع الناس، من هاجر ومن لم يهاجر، وإما بعدم السقوط بالفتح لمن هاجر، نبه عليه ابن التين في الهجرة. وقال: واختلف في الفتح هل هو فتح مكة أو بيعة الرضوان؟

------------
(١) سيأتي برقم (١٨٧١) أبواب: فضائل المدينة، باب: فضل المدينة، وأنها تنفي الناس، ورواه مسلم (١٣٨٢) كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها.


٣٧ - باب مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ
١٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ التِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - ﷺ -: «مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلاَّ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ، وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ». [انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣/ ٣١٦]
ذكر فيه بسنده السالف إلى ثمامة عن أنس .. الحديث، ولم يذكر فيه ما بوب، نعم ذكره في العرض في الزكاة قبله كما سقته هناك، كأن البخاري لم يذكره اكتفاء بما تقدم، وهذا أولى عندي من نسبة ابن بطال البخاري إلى الغفلة في ذلك والحكم كما ذكره في أخذ بنت لبون عن بنت مخاض مفقودة مع إعطاء الجبران المذكور للمالك، وكذا من وجب عليه بنت لبون وليست عنده وعنده حقة وعكسه يعطي، وهو عند مالك لا بأس به، ولم يحدد ما يزيد. وقال ابن القاسم وأشهب: إن ترك مضى. وقال أصبغ: عليه البدل ولا يجزئه (١).

------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٢١.


والجذع من الإبل: ما له أربع سنين، والحقة: ثلاث. وقال ابن التين: الجذع من الإبل ما له خمس سنين هذا هو المعروف من قول أهل اللغة والعلم، والحقة من أولاد الإبل: ما استحق أن يحمل عليه وهي بنت أربع، قال: وقال ابن الجلاب: سنها سنتان (١) وعندي أنه لا تنافي بينهما، فإن مراده بالسنتين: الطعن في الثالثة. وبنت المخاض لها سنة، وقال ابن التين: لها سنتان، وقيل: إذا دخلت في الثانية، وفيه ما قدمناه قبله.
وفي الحديث: جواز اشتراء الصدقة؛ لأنه إذا أعطى في بعضها دراهم فقد اشترى بعضها. وقال النخعي والشافعي وأبو ثور بظاهر الحديث: رد شاتين أو عشرين درهمًا إذا أخذ سنًّا دون سن. وقال علي: عشرة دراهم أو شاتين. وهو قول الثوري (٢).
وقال النخعي والأوزاعي: تؤخذ قيمة السنن الذي وجب عليه. وقال أبو حنيفة: تؤخذ قيمة الذي وجب عليه، وإن شاء أخذ الفضل منها ورد عليهم فيه دراهم، وإن شاء أخذ دونها وأخذ الفضل دراهم (٣)، ولم يعين عشرين درهمًاولا غيرها، وجوز أخذ ابن لبون مع وجود بنت مخاض إذا كانت قيمتهما واحدة، ومشهور مذهب مالك المنع من ذَلِكَ كله، فعلى رب المال أن يبتاع للمصدق السنن الذي يجب عليه (٤). ولا خير في أن يعطيه بنت مخاض عن بنت لبون ويزيد ثمنًا أو يعطي بنت لبون عن بنت

------------
(١) جاء في «التفريع» لابن الجلاب ١/ ٢٨٢ ما نصه: فإذا بلغت ستًا وأربعين، ففيها حقة، وسنها ثلاث سنين، وقد دخلت في الرابعة.
(٢) انظر: «البيان» ٣/ ١٨١.
(٣) انظر: «البناية» ٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨.
(٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٣٥.



مخاض ويأخذ ثمنًا وعلته ابتياع الصدقة (١). قيل: ولم يخالف أحد الأحاديث كلها غيره.
قال ابن بطال: أكثر العلماء على حديث أنس أو بعضه ولم أجد من خالفه كله غير مالك بن أنس (٢). ونقل ابن حزم عن عمر كقول علي (٣).
قال القرطبي: وهو قول أبي عبيد واحد قولي إسحاق، وقوله الثاني كقول الشافعي، قال: وقول مكحول كقول الأوزاعي، وقول أبي يوسف وأحمد كالشافعي: إذا وجبت بنت مخاض ولم توجد أخذ ابن لبون (٤).
قال عبد الواحد: ومن منع أخذ القيم في الزكاة، واحتج أن ذَلِكَ من ابتياع الصدقة فليست له حجة؛ لأنه - ﷺ - قد أجاز للمعري ابتياع عريته وهي صدقة بتمر إلى الجداد، وهذا أخف.
وقال المهلب: ليس ذَلِكَ ابتياعًا لها؛ لعدم تعينها فإنها معدومة مستهلكة في إبله، فعليه قيمة المستهلك في إبله من جنسها أو غيره، ألا ترى أنه - ﷺ - أوجب في خمس من الإبل شاة وليست من جنسها، وقال في الخليطين: إنهما يتراجعان بينهما بالسّوية والتراجع لا يقوم إلا بالتقويم وأخذ العوض.
وقال الطبري: إنما جعل الشارع للمصدق النزول والصعود وأخذ الجبران وإعطاءه، ولا شك أنه أخذ عوض، وبدل من الواجب على رب المال، وأنه إن لم يكن بيعًا وشراء فهو نظيرهما.

-------------
(١) هذا من قول ابن القاسم -رحمه الله-، انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٢١.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٦٤.
(٣) «المحلى» ٦/ ٢٣.
(٤) انظر: «البناية» ٣/ ٤٠٧ - «المغني» ٤/ ٢٥ - ٢٦.



٣٨ - باب زَكَاةِ الغَنَمِ
١٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُثَنَّى الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - كَتَبَ لَهُ هَذَا الكِتَابَ، لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَي البَحْرَيْنِ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، إِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ -يَعْنِى:- سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِى كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلاَّ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ، إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا». [انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٣/ ٣١٧]
هو اسم جنس لا واحد لها من لفظها. قال أبو حاتم: وهي أنثى.
ذكر فيه بالإسناد السالف إلى ثمامة، عن أنسِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - كَتَبَ لَهُ هذا الكِتَابَ وفيه: فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: فِي أَرْبَعِ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ


كُلِّ خَمْسِ شَاةٌ .. الحديث إلى أن قال: وَفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ في سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلى آخره. وذكر فيه: وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
قوله: (هذِه فريضة الصدقة التي). كذا هو في الأصول، وروي: (الذي). و(سُئلها) بضم السين وكذا (سُئل).
وقوله: (فليعطها) هو بكسر الطاء وكذا قوله: (فلا يعط)، والمراد: لا يعطي الزائد، بل يعطي الواجب، وقيل: لا يعطها لهذا الساعي لظلمه بطلب الزائد فلا طاعة له.
وقوله: (في أربع وعشرين من الإبل …) إلى آخره، قيل: الحكمة في تقديم الخبر على المبتدأ أن المقصود بيان النصاب فكان تقديمه أهم؛ لأنه السابق في السبب.
وقوله: (بنت مخاض أنثى وبنت لبون أنثى)، للتأكيد؛ لاختلاف اللفظ كـ ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧] أو للاحتراز من الخنثى.
ثانيها:
قام الإجماع على أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه لهذا الحديث وغيره (١).
ثالثها:
الشاة جذعة الضأن لها سنة لا ستة أشهر على الأصح، أو ثنية معز لها سنتان على الأصح، وهو مخير بينهما على الأصح، وفي إجزاء

------------
(١) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ٥١، «الإقناع في مسائل الإجماع» ٢/ ٦٤٦.


الذكر وجهان أصحهما الإجزاء (١) لصدق اسم الشاة عليه فإن الهاء فيه ليست للتأنيث، وقال ابن قدامة: لا يجزئ ويحتمل الإجزاء (٢).
وقال ابن حبيب: إن كان من أهل الضأن فمنها، وإن كان من أهل المعز فمنها، وإن كان من أهل الصنفين أخذ بما عنده فإن كانا عنده خُيِّرَ الساعي (٣).
وقال مالك: يؤخذ من الغالب، ولانظر إلى ما في ملكه فيؤخذ من غالب غنم البلد ضأنًا أو معزًا، وعنه: ما أدى أجزأه (٤).
وقال ابن قدامة: الذي روي عن علي في خمس وعشرين خمس شياه لا يصح (٥).
وفي ابن التين: حكي عن علي في ست وعشرين بنت مخاض، وحكاه أهل الخلاف عن الشعبي وشريك، وبه قال أبو مطيع البلخي.
فرع: قال ابن قدامة: فإن لم يكن غنم لزمه شراء شاة، وقال أبو بكر: يخرج عشرة دراهم قياسًا على شاة الجُبران (٦).
رابعها:
طروقة الجمل أي: مطروقته مثل حلوبة بمعنى: محلوبة، والذكر من الإبل لا يلقح حتَّى يكون ثنيًا وهو ابن ست سنين.
فرع: يجزئ بعير الزكاة عن دون خمس وعشرين على الأصح، وإن

------------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ١٥٤.
(٢) «المغني» ٤/ ١٤.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢١٨.
(٤) المصدر السابق.
(٥) هذا قول ابن المنذر، نقله عنه ابن قدامة في «المغني» ٤/ ١١.
(٦) «المغني» ٤/ ١٤.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فقهاء منسيون
* التاريخ بين عناية الله والفاعلية الإنسانية
* أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي .. إمام السنة في الجزائر
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ
* الأقرع بن حابس بن عقال التميمي الدرامي : صحابي.
* مَسْلَمة بنُ عبد المَلِك مُجاهد على الدَّوام أَحْمد الشِّرباصي
* تراجم الفقهاء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2026, 08:55 PM   #290

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 391 الى صـــ 410
الحلقة (290)






كانت قيمته أقل من قيمة الشاة؛ لأنه إذا أجزأ عن خمس وعشرين فدونها أولى، وبه قال أبو حنيفة خلافًا لمالك وأحمد وداود وهو ظاهر الحديث (١).
خامسها:
قوله: (في أربع وعشرين من الإبل فما دونها من الغنم في كل خمس شاة) أي الشاة تؤخذ فيها إلى هذا المقدار، وقوله: (إلى خمس وثلاثين)، (إلى خمس وأربعين)، (إلى ستين)، دليل على أن الأوقاص ليست بعفو وأن الفرض متعلق بالجميع، وهو أحد قولي الشافعي، والأصح خلافه (٢)؛ لقوله - عليه السلام -: «في كل خمس شاة» ولو وجبت في الوقص لكانت الواجب في تسع ولأن العشرين نصاب يوجب أن يتقدمه عفو كالخمس والخلاف عند مالك أيضًا (٣)، و(إلى) للغاية.
سادسها:
قوله: (فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين شاتان) ظاهره مطلق الزيادة حتَّى لو زادت بعض شاة على ذَلِكَ فيجب ثلاث بنات لبون وهو قول الإصطخري، والأصح المنع قياسًا على سائر النصب فإنها لم تتغير إلا بواحد كامل (٤).
سابعها:
قوله: (فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة)، هذا مستقر الحساب بعد إحدى وعشرين ومائة، كما

-----------
(١) انظر: «المجموع» ٥/ ٣٦٠، «المغني» ٤/ ١٥.
(٢) انظر: «المجموع» ٥/ ٣٥٧.
(٣) انظر: «الذخيرة» ٣/ ١١١.
(٤) انظر: «المجموع» ٥/ ٣٥٥ - ٣٥٦.



قررناه، وقال محمد بن إسحاق بن يسار، وأبو عبيد، وأحمد في رواية: لا يتغير الفرض إلى ثلاثين ومائة فيكون فيها حقة وبنتا لبون (١).
وعن مالك روايتان، روى عنه ابن القاسم وابن عبد الحكم أن الساعي بالخيار بين أن يأخذ ثلاث بنات لبون أو حقتين على ما يرى صلاحًا للفقراء، وهو قول مطرف وابن أبي حازم وابن دينار وأصبغ، وقال ابن القاسم: فيها ثلاث بنات لبون ولا يخير الساعي إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة وابنتا لبون، وهو قول الزهري، والأوزاعي، والشافعي وأبي ثور.
وروى عبد الملك وأشهب وابن نافع عن مالك: أن الفريضة لا تتغير عن الحقتين بزيادة واحدة حتَّى تزيد عشرًا، فيكون فيها بنتا لبون وحقة وهو مذهب أحمد. وقال عبد الملك: وإنما يعني بالزيادة في الحديث زيادة تحيل الأسنان، ولا تزول عن الحقتين إلى ثلاثين ومائة (٢).
وعند أهل الظاهر -وهو قول الإصطخري السالف-: إذا زادت على عشرين ومائة بعض بعير، ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون.
وقال حماد والحكم: إن في مائة وخمس وعشرين حقتين وبنت مخاض.
وقال ابن جرير: يتخير بين الاستئناف وعدمه؛ لورود الأخبار بهما، ووقع في «النهاية» و«الوسيط» أنه قول ابن خيران بدل ابن جرير وهو تصحيف (٣).

--------------
(١) انظر: «المغني» ٤/ ٢٠.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢١٥ - ٢١٦، «عيون المجالس»، ٢/ ٤٧١ - ٤٧٤، «روضة الطالبين» ٢/ ١٥١، «المغني» ٤/ ٢٠.
(٣) «الوسيط» ١/ ٣٧٠.



وعند أبي حنيفة: إذا زادت على مائة وعشرين يستأنف الفريضة فيكون في الخمس شاة مع الحقتين، وفي العشر شاتان، وهكذا إلى خمس وعشرين فبنت مخاض إلى مائة وخمسين فثلاث حقاق، ثم تستأنف الفريضة كذلك (١).
وهذا قول ابن مسعود، والنخعي، والثوري، وأهل العراق. وحكى الداودي عن علي أنها إذا زادت على العشرين خمسًا أو على الثلاثين والمائة أو على العقود التي فوق المائة والعشرين أو زادت أكثر من خمس ففيها شاة.
وفي «مراسيل أبي داود» ما يستدل له به (٢)، وروى الطحاوي عن أبي عبيد وزياد بن أبي مريم عن ابن مسعود أنه قال: فإذا زادت الإبل على تسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا بلغتها استقبلت الفريضة بالغنم في كل خمس شاة، فإذا بلغت خمسًا وعشرين فالفرائض بالإبل، فإذا زادت ففي كل خمسين حقة. قال الطحاوي: فهذا ابن مسعود من أكبر الصحابة وأعلمهم قد قال بالاستئناف بالشياه (٣).

--------------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٤٣، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٢، «المبسوط» ٢/ ١٥١.
(٢) ورد في «مراسيل أبي داود»: قال حماد: قلت لقيس بن سعد، خذ لي كتاب محمد ابن عمرو بن حزم، فأعطاني كتابًا، أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم، أن النبي - ﷺ - كتب لجده فقرأته، فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الإبل، فقص الحديث إلى أن يبلغ عشرين وماءلة، فإذا كانت أكثر من ذلك فعد في كل خمسين حقة، وما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة من الإبل، وما كان أقل من خمس وعشرين ففيه الغنم في كل خمس ذود شاة، ليس فيها ذكر ولا هرمة ولا ذات عوار من الغنم. «المراسيل» ص ١٢٨ - ١٢٩ (١٠٦)، ما جاء في صدقة السائمة في الزكاة.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٧٧.



وروى عاصم بن ضمرة -فيما رواه ابن أبي شيبة- عن علي أنها إذا زادت على عشرين ومائة رد الفرائض إلى أولها (١).
وقال الطبري: اختلفت الآثار في ذَلِكَ، فروي ما يوافق كل طائفة، فمن شاء أخذ بقول من شاء منهم (٢).
وقال غيره: ما قاله أبو حنيفة خلاف حديث أنس في الباب وهو المعمول به، وفيه: وإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، ولم يخص زيادة من زيادة، ولا ذكر استئناف الغنم، وكذلك في رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه (٣).
وفي كتاب عمر بن الخطاب: وهذِه جملة الأخبار المعول عليها. وهي مخالفة لقوله.
ثامِنها:
قام الإجماع -كما قال ابن المنذر- على أنه لا شيء في أقل من الأربعين من الغنم، وأن في الأربعين شاة، وفي مائة وإحدى وعشرين شاتين، وفي ثلاثمائة ثلاث شياه، فإذا زادت واحدة فليس فيها شيء إلى أربعمائة ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة (٤)، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في الصحيح عنه، والثوري، وإسحاق، والأوزاعي، وجماعة أهل الأثر، وهو قول علي وابن مسعود. وقال الشعبي والنخعي والحسن بن حي: إذا زادت على

---------------
(١) «المصنف» ٢/ ٣٦١ (٩٩١١) كتاب: الزكاة، من قال: إذا زادت على عشرين ومائة استقبل بها الفريضة.
(٢) انظر «عيون المجالس» ٢/ ٤٧٤، «البيان» ٣/ ١٦٧.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) «الإجماع» لابن المنذر ص ٥١ - ٥٢.



ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه إلى أربعمائة، فإذا زادت واحدة يجب فيها خمس شياه، وهي رواية عن أحمد (١)، وهو مخالف للآثار.
وقيل: إذا زادت على مائتين ففيها شاتان حتَّى تبلغ أربعين ومائتين، حكاه ابن التين، وفقهاء الأمصار على خلافه.
تاسعها:
شرط الوجوب السوم عند الشافعي وأبي حنيفة، وهي الراعية في كلأ مباح، واحتج مالك على ذَلِكَ بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] يقول: فيه ترعون.
وقال ابن حزم: قال مالك، والليث، وبعض أصحابنا: تزكى السوائم والمعلوفة والمتخذة للركوب وللحرث وغير ذَلِكَ من الإبل والبقر والغنم، وقال بعض أصحابنا: أما الإبل فنعم، وأما البقر والغنم فلا زكاة إلا في سائمتها، وهو قول أبي الحسن بن المغلس، وقال بعضهم: أما الإبل والغنم فتزكى سائمتها وغير سائمتها، وأما البقر فلا تزكى إلا سائمتها، وهو قول أبي بكر بن داود ولم يختلف أحد من أصحابنا في أن سائمة الإبل وغير السائمة منها تزكى سواء سواء، وقال بعضهم: تزكى غير السائمة من كل [ذلك] (٢) مرة واحدة في الدهر، ثم لا يعيد الزكاة فيها (٣).
وفي «شرح الهداية» قوله: وليس في العوامل والحوامل والمعلوفة صدقة، هذا قول أكثر أهل العلم كعطاء، والحسن، والنخعي، وابن

--------------
(١) انظر: «البناية» ٣/ ٣٩٠، «المعونة» ١/ ٢٣٣، «الاستذكار» ٩/ ١٤٦، «المجموع» ٥/ ٣٨٦، «المغني» ٤/ ٣٩.
(٢) في الأصل: واحدة. وما أثبتناه يقتضيه السياق، وانظر مصادر التخريج.
(٣) «المحلى» ٦/ ٤٥.



جبير، والثوري، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد، وابن المنذر، ويروى عن عمر بن عبد العزيز، وقال قتادة، ومكحول، ومالك: تجب الزكاة في المعلوفة والنواضح بالعمومات، وهو مذهب معاذ، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن عبد العزيز، وابن حي (١).
وحكاه ابن بطال، عن عمر بن عبد العزيز، والزهري، قال: وروي عن عليٍّ ومعاذ أنه لا زكاة فيها وهو قول أبي حنيفة (٢) ومن سلف، حجة من اشترطه كتاب الصديق، وحديث عمرو بن حزم مثله، وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاةً شاةٌ، وشرط السوم في الإبل حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «في كل سائمة من كل أربعين من الإبل ابنة لبون». رواه أبو داود والنسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٣).
وقد ورد تقييد السوم وهو مفهوم الصفة، والمطلق يحمل على المقيد إذا كانا في حادثة واحدة، وبالصفة إذا قرنت بالاسم العلم؛ ينزل منزلة

--------------
(١) انظر: «البناية» ٣/ ٤١١.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٦٨.
(٣) أبو داود (١٥٧٥)، النسائي ٥/ ١٥ - ١٦، ٢٥، «المستدرك» ١/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
ورواه أيضًا البيهقي ٤/ ١٠٥، وفي «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٥٧ - ٥٨ (٧٩٨٦).
روى البيهقي عن الشافعي قال: لا يثبت أهل العلم بالحديث أن تؤخذ الصدقة وشطر إبل الغال لصدقته، ولو ثبت لقلنا به اهـ.
وقال النووي: إسناده إلى بهز صحيح، واختلفوا في الاحتجاج ببهز، ونقل الشافعي أن هذا الحديث ضعيف عند أهل الحديث، وادعى أصحابنا أنه منسوخ. اهـ «خلاصة الأحكام» ٢/ ١٠٧٨ - ١٠٧٩.
وحسنه الألباني في «الإرواء» (٧٩١)، وفي «صحيح أبي داود» (١٤٠٧).
وانظر: «البدر المنير» ٥/ ٤٨٠ - ٤٨٨، و«تلخيص الحبير» ٢/ ١٦٠ - ١٦١.



العلة لإيجاب الحكم، وعن عليٍّ عن رسول الله - ﷺ -: «ليس في العوامل صدقة» رواه الدارقطني (١)، وصححه ابن القطان (٢). ورواه الدارقطني أيضًا من حديث ابن عباس (٣)، وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (٤).
--------------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٠٣ من طريق أبي إسحاق عن الحارث الأعور وعاصم بن حمزة كلاهما عن علي، به.
وكذا رواه أيضًا أبو داود (١٥٧٢) مطولًا، والبيهقي ٤/ ١١٦. واختلف في رفعه ووقفه.
(٢) «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧ (١١٧٥) و٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥ (٢٤٧٣).
وصححه أيضًا المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٥/ ٤٦٢.
وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٦٣٠): الراجح وقفه على علي.
وقال الألباني في «الضعيفة» ٩/ ٣٦٩: أبو إسحاق هو السبيعي، مدلس وكان اختلط، وقد روي عنه موقوفًا.
وقال أيضًا في «صحيح أبي داود» ٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣: إسناد حسن من طريق عاصم ابن ضمرة عن علي، إن كان أبو إسحاق -وهو السبيعي- سمعه منه، وحدث به أبو إسحاق قبل اختلاطه، فإن زهيرًا سمع منه بعد الاختلاط، وقد خالفه جماعة من الثقات، فرووه عنه عن عاصم عن علي … موقوفًا.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٠٣ من طريق سوار بن مصعب عن ليث عن مجاهد وطاوس، عن ابن عباس، به. وكذا رواه أيضًا الطبراني ١١/ ٤٠ (١٠٩٧٤)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٥٣٤.
قال البيهقي في «السنن» ٤/ ١١٦، والحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ١/ ٢٤٧، والمصنف رحمه الله في «البدر المنير» ٥/ ٤٦٠: إسناده ضعيف، وزاد: سوار بن مصعب متروك كما قاله أحمد والدارقطني، وليث. وأشار الحافظ الضعفه في «التلخيص» ٢/ ١٥٧، و«الدراية» ١/ ٢٥٦، وكذا الألباني في «الضعيفة» ٩/ ٣٧٠.
(٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٠٣ من طريق محمد بن حمزة الرقي، عن غالب القطان، عن عمرو بن شعيب، به. وقال: كذا قال: غالب القطان، وهو عندي غالب بن عبيد الله.
وكذا رواه أيضًا ابن عدي ٧/ ١١١ - ١١٢، والبيهقي ٤/ ١١٦ وضعف إسناده.
وضعف إسناده أيضًا ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ٢٤٧، والحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٥٧، وفي «الدراية» ١/ ٢٥٦.
وقال الألباني في «الضعيفة» ٩/ ٣٦٩: حديث ضعيف جدًا.



وعن جابر قال: لا يؤخذ من البقر التي يحرث عليها من الزكاة شيء (١)، ورفعه حجاج عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن أبي الزبير عنه بلفظ: «ليس في المثيرة صدقة» (٢)، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» من حديث ليث، عن طاوس، عن معاذ أنه كان لا يأخذ من البقر العوامل صدقة، وحَدَّثَنَا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد قالا: ليس في البقر العوامل صدقة، ومن حديث حجاج، عن الحكم أن عمر بن عبد العزيز قال: ليس في العوامل شيء، وكذا قاله سعيد ابن جبير، والشعبي، والضحاك، وعمرو بن دينار، وعطاء (٣).
وفي «الأسرار» للدبوسي: وعلي وجابر وابن عباس.
حجة من منعه ما رواه إسماعيل القاضي في «مبسوطه» عن الليث قال: رأيت الإبل التي تكرى للحج تزكى بالمدينة، ويحيى بن سعيد وربيعة وغيرهم من أهل المدينة حضور لا ينكرونه، ويرون ذَلِكَ من السنة إذا لم تكن متفرقة.
وعن طلحة بن أبي سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب وهو خليفة أن تؤخذ الصدقة من التي تعمل في الريف، قال طلحة: حضرت ذَلِكَ وعاينته.

-----------------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٠٣.
(٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٠٤.
قال البيهقي في «السنن» ٤/ ١١٦: في إسناده ضعف، والصحيح موقوف.
وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٥٦: المرفوع إسناده حسن، وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٩ (٦٨٢٨) موقوفًا، وهو أصح. اهـ بتصرف. وقال الألباني في «الضعيفة» ٩/ ٣٦٩: إسناده موقوف صحيح.
(٣) «المصنف» ٢/ ٣٦٥ (٩٩٥٣ - ٩٩٥٦، ٩٩٥٩ - ٩٩٦٠، ٩٩٦٢).



وعند أبي حنيفة وأحمد أن السائمة هي التي تكتفي بالرعي في أكثر الحول؛ لأن اسم السوم لا يزول عنها بالعلف اليسير؛ ولأن العلف اليسير لا يمكن التحرز عنه؛ ولأن الضرورة تدعو إليه في بعض الأحيان؛ لعدم المرعى فيه (١).
واعتبر الشافعي السوم جميع الحول ولو علفت قدرًا تعيش بدونه بلا ضرر بيّن وجبت الزكاة (٢).
وفي الحديث من الفوائد: جواز الدفع عن ماله إذا طولب بالزيادة عملًا بقوله: ومن سئل فوقها فلا يعط قال ابن التين: ولو بالقتال قال: وفيه حديث حسن رواه ابن إسحاق في «المسند الصحيح»، كذا قال.

---------(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٣٠، و«المبدع» ٢/ ٣١١، ٣١٢.
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ١٩٠.



٣٩ - باب لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ إِلاَّ مَا شَاءَ المُصَدِّقُ
١٤٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - كَتَبَ لَهُ الصَّدَقَةَ التِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - ﷺ -: «وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلاَّ مَا شَاءَ المُصَدِّقُ». [انظر: ١٤٤٨ - فتح ٣/ ٣٢١]
ذكر فيه بالإسناد السالف إلى ثمامة أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَة، أَن أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ [الصَّدَقَةَ] التِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - ﷺ -: «وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا مَا شَاءَ المُصَدَّقُ».
الشرح:
الهرمة: الكبيرة التي سقطت أسنانها، كذا قاله ابن التين، وعبارة أبي زيد والأصمعي فيما حكاه عنهما أبو غالب في «المؤعَب» الهرم: الذي بلغ أقصى السنن، والعوار -بالفتح- العيب، وعن أبي زيد: قد يضم، حكاه الجوهري (١).
وقال ابن التين: بالفتح: العيب مع العجاف، وبخط الدمياطي بالفتح: العيب كله، وبضمها: عور العين، كما أوضحه ابن بطال (٢).
والتيس: الفحل، وقيده ابن التين من (المعز) (٣).
وهذا الحديث عامة الفقهاء على العمل به والمأخوذ في الصدقات العدل، كما قال عمر بن الخطاب (٤): وذاك عدل بين (غذاء المال

------------
(١) «الصحاح» ٥/ ٢٠٥٧.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٧١.
(٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: وكذا قال غيره.
(٤) سيأتي تخريجه قريبًا.



وخياره) (١).
قال أبو عبيد: غذاء الإبل السخال الصغار، وقال غيره: هو ولد الضائنة إذا وضعته أمه وتبعته، قال مالك: والتيس من ذوات العوار وهو دون الفحل (٢).
قُلْتُ: وإنما لم يؤخذ؛ لرداءة لحمه، وإنما لم تؤخذ الهرمة؛ لنقصها، وذات العوار كذلك أيضًا. فإن كان المال كله معيبًا أخذ من الوسط عند الشافعي (٣)، وكلف صحيحه عند مالك في مشهور مذهبه في الذكورات، وفي الصغيرة التي تبلغ سن الجذع، وكذلك المراض وكذا عنده إن كانت كلها رُبّى أو مواخض لم يأخذ منها شيئًا إلا أن يشاء ربها (٤).
وعند الشافعي وأبي حنيفة إن كانت كلها صغارًا أو مراضًا أخذ منها ونحا إليه محمد بن عبد الحكم والمخزومي وابن الماجشون وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وقال مطرف: إن كانت عجافًا أو ذوات عوار أو تيوسًا أخذ منها، وإن كانت رُبّى أو مواخض أو أكولة أو سخالًا لم يأخذ منها، وقال عبد الملك: يأخذ من ذَلِكَ كله إذا لم يكن فيها جذعة أو ثنية إلا أن تكون سخالًا فلا يؤخذ منها فهذِه أربعة أقوال (٥)،

-------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: قوله: غذاء المال وخياره، غذاء المال: رديئه وصغاره، واحده: غذي.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٢١.
(٣) انظر: «العزيز» ٢/ ٤٩٣.
(٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٣١.
(٥) انظر: «مختصر اختلاف الفقهاء» ١/ ٤١٩، و«الاستذكار» ٩/ ١٨١ - ١٨٥، و«الذخيرة» ٣/ ١٠٩، و«عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٠٢، و«المجموع» ٥/ ٣٩٤.
أما قوله عن محمد بن الحسن: إنه نحا إلى أنها إن كانت صغارًا أو مراضًا أخذ =



وقال محمد بن الحسن: إن السخال والعجاجيل لا شيء فيها (١).
احتج لأبي حنيفة والشافعي بحديث معاذ: «إياك وكرائم أموالهم» (٢)، فنهاه عن أخذ الكريمة إذا كان في المال جيد ورديء، فنبه بذلك على أن المال إذا كان رديئًا كله كان أولى بالمنع من أخذ الكريمة، وبحديثه أيضًا: «خذ الإبل من الإبل والشاء من الغنم» (٣) فعم، وبقول الصديق: لو منعوني عناقًا إلى آخره، وقد سلف (٤).
فدل على أن العناق يؤخذ في الزكاوات، قال الشافعي: لأني إذا كلفته صحيحه فقد أوجبت عليه أكثر بما وجب عليه، ولم توضع الصدقة إلا رفقًا بالمساكين من حيث لا يضر بأرباب الأموال، دليل مالك هذا الخبر وفي كتاب عمرو بن حزم نحوه.
وقوله في الخبر السالف في سائمة الغنم إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة فعم ولم يخص كونها صغارًا أو كبارًا، وهو قال على منع أخذ الصغيرة، والأخبار الأول تدل على منع المريض والمعيب. وأثر عمر في «الموطأ» الذي ذكرنا منه: وذلك عدل بين غذاء المال وخياره (٥)، فالجواب عما احتجوا به من أنه لما كان في المال الجيد والرديء

----------
= منها، فهو اضطراب، فقد عقب بعدها فقال: قال محمد بن الحسن: إن السخال والعجاجيل لا شيء فيها، وهذا لا يستقيم مع قوله الأول، وليس لمحمد بن الحسن روايتان، فالمعروف عنه قوله الثاني، وهو أنه لا شيء فيها.
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٩، و«تحفة الفقهاء» ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩، و«بدائع الصنائع» ٢/ ٣١، و«البناية» ٣/ ٤٠٢.
(٢) قطعة من حديث سيأتي برقم (١٤٩٦) باب: أخذ الصدقة من الأغنياء، ورواه مسلم برقم (١٩) كتاب: الإيمان، باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) سلف برقم (١٤٠٠) باب: وجوب الزكاة.
(٥) «الموطأ» ١/ ٢٦٥.



نهى عن الكرائم ففي كون جميعه رديئًا أولى؛ لأن الكريمة الممنوع من أخذها هو ما لا يؤخذ بوجه إلا إن تطوع ربها كالحامل واللبون، ومعناه إذا كان المال كله جيدًا أو رديئًا نحن نقول به.
وإنما نكلفه الوسط، فكذلك إذا كانت صغارًا أو معيبة؛ لأن في أخذها ضرر بالفقراء وفي أخذها الجيد إضرارًا برب المواشي، وأما حديث معاذ: «خذ الإبل من الإبل» فقال عَقِبه: «والشاء من الغنم»، وهذا يوجب أن يؤخذ من أربعين سخلة شاة، وتقدم الانفصال عن حديث أبي بكر في العناق أن المراد به جذعة.
واحتج بعض المالكية بقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] إلى قوله ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وهذا لا يلزم؛ لأنا ذكرنا -فيما سلف- أن الآية نزلت فيمن كان يأتي بأردأ طعامه فيقصد به الفقراء، فنهوا عن ذَلِكَ، وقد أجمعنا أن من كان عنده تمر رديء لا يلزمه أن يخرج من غيره، وهذا هو المشهور عندهم بخلاف الماشية، وبالقياس على الضحايا (١)، وهو متجه على رأي ابن القصار عندهم أن ذات العيب لا تجزئ ولو كانت قيمتها أكثر من السليمة، واختلف عندهم في التيس، فروى ابن القاسم عن مالك أنه من ذوات العوار، وهو أدون من الفحل (٢).
قال غيره: وهو الذي لم يبلغ حَدَّ الفحولة، ولا منفعة فيه لضراب ولا لدر ولا نسل، وإنما يؤخذ بها ما كان فيه منفعة للنسل (٣).

-----------
(١) هذا هو مشهور المذهب، وقال عبد الملك: إذا كان رديئًا كله لم يؤخذ منه وكلف صاحبه أن يخرج من غيره. انظر: «المعونة» ١/ ٢٥٣.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٢١.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٣٠ - ١٣١.



وقال الداودي: والتيس الفحل من المعز إن كان كبيرًا للضراب، فهو فوق ما يجب، وإن كان دون ذَلِكَ ولم يثن فهو دون الفريضة وهو دون العوار، ويرد عليه قوله في الحديث: إلا ما شاء المصدق فيما فوق ما يجب إنما الخيار في ذَلِكَ لرب المال.
وقوله: «إلا ما شاء المصدق» هو بكسر الدال يريد: الساعي، وقد سلف ما فيه لأبي عبيد قريبًا في باب: العرض في الزكاة، قال ابن قدامة: قول أبي عبيد يكون الاستثناء في الحديث يرجع للتيس وحده (١).
وقال ابن التين: المراد إن أعطى هرمة سمينة أو ذات عوار أو تيسًا فرأى أخذ ذَلِكَ غبطة للفقراء أخذه وأجزأ عن أربابها، وكذا قال ابن بطال: إن هذا معناه عند مالك والشافعي (٢).
قال أشهب: وربما كانت ذوات العوار والعيب الكثير أثمن وأسمن فلا ينبغي للساعي أن يردها إن أعطيها (٣)، وقال ابن القصار: لا يجزئ ذَلِكَ. كما سلف، والحديث حجة عليه.
قال الطبري: جعل الشارع المشيئة إلى المصدق في أخذ ذَلِكَ وتركه، فالواجب عليه أن يعمل بما فيه الصلاح لأهل الصدقة ورب الماشية بما يكون عدلًا بالفريقين، فيأخذ ذَلِكَ إذا كان في تركه وتكليفه رب الماشية غيره مضرة عليه وذلك أن تكون الغنم كلها هرمة أو جرباء أو تيوسًا، ويكون في تكليف صاحبها غيرها مضرة عليه فيأخذ منها. وترك أخذ ذَلِكَ إذا كانت فتية سليمة إناثًا كلها أو أكثرها فيأخذ منها السليمة من العيوب، وذلك عدل عليهما.

-----------------
(١) «المغني» ٤/ ٤٠.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٧١.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٢١.



وذكر ابن المواز أن (عثمان بن الحكم) (١) سأل مالكًا عن الساعي يجدها عجافًا كلها قال: يأخذ منها (٢)، ولو كانت ذات عوار كلها أو تيوسًا فليأت بغيرها (٣)، قال الزهري: وقد بعث الخلفاء السعاة في الخصب والجدب.
----------
(١) في الأصل (عثمان بن عبد الحكم) وهو خطأ، والمثبت من ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٩/ ٣٥٢، ٣٥٣، وهو الجذامي المصري قال عنه ابن وهب: أول من قدم مصر بمسائل مالك، توفي سنة ثلاث وستين ومائة.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٢١.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٣١.



٤٠ - باب أَخْذِ العَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ
١٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -: وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. [انظر: ١٤٠٠ - مسلم: ٢٠ - فتح: ٣/ ٣٢٢]

١٤٥٧ - قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ أَنَّ اللهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - بِالقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ. [انظر: ١٤٠٠ - مسلم: ٢٠ - فتح: ٣/ ٣٢٢]
حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: والله لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا .. الحديث.
وقد سلف في أول الزكاة تفسير العناق ونقلنا هناك عن ابن بطال أنه نقل عن أهل اللغة: أنها ولد المعز إذا أتى عليها أربعة أشهر وفصل عن أمه، وقوي على الرعي فهو جدي، والأنثى عناق، فإذا أتى عليه حول فالذكر تيس والأنثى عنز، ثم يكون التيس جذعًا في السنة الثانية ثم ثني في الثالثة (١).
ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد أن المراد بالعناق: الجذعة من المعز، قال الداودي: واختلف في الجذع من المعز، فقيل: ابن سنة. وقيل: ودخل في الثانية (٢)

-------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٧٣.
(٢) قال ابن حبيب: الجذع من الضأن والمعز ابن سنة، وقال ابن نافع وأشهب، وروى ابن وهب أنه ابن عشرة أشهر، وروى سحنون عن علي بن زياد أنه ما استكمل ستة أشهر، وقاله ابن شعبان، وقيل ثمانية أشهر، ويروى عن مالك، والأول أشهر =



واختلف في الثني فقيل: إذا أسقط ثنية واحدة أو اثنتين أو ثناياه كلها فهو ثني وقيل: لا يكون ثنيًا إلا بسقوط ثنتين.
وأما الجذع من الضأن ففيه أربعة أقوال عند المالكية: ابن سنة، ابن عشرة أشهر، ثمانية، ستة، والأصح عندنا: ما استكمل سنة ودخل في الثانية (١).
وانفرد الحسن والنخعي فقالا: لا تؤخذ الجذعة في الصدقة، وعامة العلماء على خلافه.
واختلفوا في أخذ العناق والسخال والبهم إذا كانت الغنم كذلك كلها أو كان في الإبل فصلان والبقر عجول، فقال مالك: عليه في الغنم شاة جذعة أو ثنية، وعليه في الإبل والبقر ما في الكبار منها، وهو قول زفر، وأبي ثور، وقال أبو يوسف، والأوزاعي، والشافعي: يؤخذ منها إذا كانت صغارًا من كل صنف واحدًا منها. وقال أبو حنيفة والثوري ومحمد: لا شيء في الفصلان والعجول ولا في صغار الغنم، لا منها ولا من غيرها (٢).
وذكر ابن المنذر: كان أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشافعي وأحمد يقولون: في أربعين جملًا مسنة. وعلى هذا القول هم موافقون لقول مالك، والحجة له قوله: في كل أربعين شاةً شاةٌ، والشاة: اسم يختص بالكبيرة في غالب العرف، فدل أن الواجب منها شاة لا سخلة، وأيضًا قول عمر: اعدد عليهم بالسخلة ولا تأخذها منهم.

-----------
= وأرجح، انظر: «المنتقى» ٣/ ٨٥ - ٨٦، «الفواكه الدواني» ١/ ٣٧٩، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٠٠.
(١) انظر «المجموع» ٥/ ٣٦٢.
(٢) سبقت الإشارة إلى مصادرهم.



وهذا يدل أنها تعد كانت أمهاتها باقية أو عدمت.
فإن قيل: لما لم يجز أخذ السخلة من أربعين شاة كذلك لا يؤخذ من أربعين سخلة. قيل: لا يلزم لأنا لا نأخذ سخلة من الكبار ولا من الصغار، وإنما نأخذ السنن المجعول، فكما نأخذ شاة من أربعين كبارًا، كذا نأخذ شاة من أربعين صغارًا، فإن احتج من جوز أخذ الصغار إذا كانت صغارًا كلها بقول الصدّيق: لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها، فدل أنها مأخوذة في الصدقة. قيل: تأويله يؤدون عنها ما يجوز أداؤه، ويشهد له قول عمر: اعدد عليهم السخلة ولا تأخذها.
وإنما خرج قول الصدّيق على التقليل والإغياء بدليل الرواية الأخرى: منعوني عقالًا، وقد سلف الخُلف في تفسيره هناك، ومذهب مالك أن نصاب الغنم يكمل بأولادها كربح المال سواء (١).
وذلك مخالف عنده لما أفاد منها بشراءٍ أو هبة أو ميراث لا يكمل منه النصاب ويستأنف به حولًا، وإن كان عنده نصاب ثم استفاء بغير ولادة منه زَكَّاه مع النصاب (٢)،
وهو قول أبي حنيفة (٣).
وقال الشافعي: لا يضم نتاج الماشية إلا إلى النصاب، ولا يكمل به النصاب (٤).

------------
(١) انظر: «التفريع» ١/ ٢٨٣، و«المعونة» ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) انظر: «المعونة» ١/ ٢٨٣، و«عيون المجالس» ٢/ ٤٧٨.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١، و«تحفة الفقهاء» ١/ ٢٨٩.
(٤) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ١٨٥.



٤١ - باب لَا تُؤْخَذُ كَرَائِمُ أَمْوَالِ النَّاسِ فِي الصَّدَقَةِ
١٤٥٨ - حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا - رضي الله عنه - عَلَى اليَمَنِ قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ، فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهُمْ زَكَاةً [تُؤْخَذُ] مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ». [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح: ٣/ ٣٢٢].
ذكر فيه حديث ابن عباس السالف في أول الزكاة، وزاد في آخره: «فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَق كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ». وقد سلف شرحه.
وقوله: «فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله» هو الإقرار باللهِ وبرسالة محمد - ﷺ -، ولم يذكر فيه الصوم، وقد سلف جوابه هناك، ولا الجهاد لأنه لم يكن يومئذ فرض إلا على من يلي الكفار قاله ابن التين.
والكرائم: جمع كريمة، يقال: شاة كريمة أي غزيرة اللبن، ويدخل فيه الربي وهي حديثة العهد بالنتاج، والمسمنة للأكل، والحامل، والجياد اللهم إلا إذا رضي المالك.
وروى أحمد، وأبو داود من حديث أبي بن كعب أنه لما بعثه رسول الله - ﷺ - مصدقًا مرّ برجل فجمع له ماله، فلم يجد عليه فيه إلا ابنة مخاض، فقال الرجل: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، ولكن هذِه ناقة فتية سمينة فخذها، فأبى أُبي بن كعب، وترافعا إلى رسول الله - ﷺ -


فقال رسول الله - ﷺ -: «ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك» فأمر رسول الله - ﷺ - بقبضها ودعا له في ماله بالبركة (١).
حديث صحيح، وقد صححه ابن حبان والحاكم (٢)، ووهم ابن حزم حيث أعله بجهالة من بان توثيقه (٣).
وهو دال على الجواز في باقي الصور، وأبعد بعض أصحابنا فقال: الرُّبَّى لا تؤخذ؛ لأنها لقرب عهدها بالولادة مهزولة (٤) وهو عجيب وهو ساقط فقد لا تكون كذلك، وقد تكون غير الرُّبَّي مهزولة، والهزال الذي هو عيب، هو الظاهر البين، وأبعد منه عدم القبول عند التبرع؛ للنهي عن أخذها وهو عجيب، فإن النهي للإجحاف بالمالك فقط، ومنع داود أخذ الحامل؛ لأنه عيب، وهو عجيب؛ لأنه ليس عيبًا في البهائم (٥).
فرع:
لو كانت ماشيته سمينة كلها؛ طالبناه بسمينة، ونجعل ذَلِكَ كشرف

-------------
(١) «المسند» ٥/ ١٤٢، «سنن أبي داود» (١٥٨٣).
(٢) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٦٣ - ٦٤ (٣٢٦٩)، «المستدرك» ١/ ٣٩٩.
(٣) «المحلى» ٦/ ٢٦ حيث قال: هذا لا حجة فيه لوجوه:
أولها: أنه لا يصح؛ لأن يحيى بن عبد الله مجهول. وعمارة بن عمرو بن حزم غير معروف، وإنما المعروف عمارة بن حزم أخو عمرو رضي الله عنهما. اهـ
وتعقبه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المحلى» ٦/ ٢٦ - ٢٧ فقال: أما يحيى فإنه ليس مجهولًا، بل هو ثقة تابعي روى له مسلم وأبو داود. وأما عمارة فهو معروف أيضًا وتابعي ثقة. اهـ.
قلت: يحيى وعمارة أجمل الحافظ القول بتوثيقهما في «التقريب» (٤٨٥٥، ٧٥٨٦).
والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤١١).
(٤) انظر: «البيان» ٣/ ٢٠٥، «المجموع» ٥/ ٤٠٠.
(٥) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٤٩١، و«المجموع» ٥/ ٤٠٠.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فقهاء منسيون
* التاريخ بين عناية الله والفاعلية الإنسانية
* أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي .. إمام السنة في الجزائر
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ
* الأقرع بن حابس بن عقال التميمي الدرامي : صحابي.
* مَسْلَمة بنُ عبد المَلِك مُجاهد على الدَّوام أَحْمد الشِّرباصي
* تراجم الفقهاء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2026, 08:57 PM   #291

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 411 الى صـــ 430
الحلقة (291)




النوع بخلاف ما إذا كانت كلها ماخضة؛ لأن الحامل قد تتخيّل حيوانين.
وقد احتج الشافعي لمذهبه في أن السخال يؤخذ منها ما يؤخذ في الكبار بهذا الحديث، فإذا لم يملك كريم مال فلا يكلف شراءه.
قال ابن القصار: فيقال له: وكذلك أيضًا نهي عن أخذ الدون، وكلف الوسط، وليس إذا كلف الوسط كلف كريم ماله، ألا ترى أنا نرفه رب المال إذا كانت غنمه كرائمًا كلها رُبَّى ومواخض ولوابن وشاة اللحم والفحل؛ لئلا نأخذ منها، فكذلك نرفه الفقير؛ لئلا يأخذ الصغيرة، ويأخذ السنن المجعول، وهذا هو العدل بينهم وبين أرباب المواشي-كما قال عمررضي الله عنه -.
قلت: مثل هذا لا يقال لمثل هذا الإمام الجبل، فإذا كانت كلها صغارًا فلا دون فيها حتَّى نلزم به هذا الإمام، وقوله: وليس إذا كلف الوسط كلف كريم ماله. عجيب، فإنه تكليف بما لا يجب عليه ولا ملكه البتة، وقوله: ألا ترى أنا نرفه رب المال إذا كانت غنمه كلها كرامًا؛ لئلا نأخذ منها ممنوعٌ، فإنا نأخذ منها واحدة -كما أسلفناه- وجعلناه لشرف النوع.


٤٢ - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ
١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ». [انظر: ١٤٠٥ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣٢٢]
ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري السالف في أول الزكاة (١)، وزكاة الورق (٢)، وزاد هنا: «خمسة أوسق من التمر» زاد لفظ: «التمر» ولمسلم: «من تمر ولا حب» (٣)، وقد سلف فقهه هناك.

------------
(١) سلف برقم (١٤٠٥) باب: ما أُدي زكاته فليس بكنز.
(٢) سلف برقم (١٤٤٧).
(٣) «صحيح مسلم» (٩٧٩/ ٤) كتاب: الزكاة.



٤٣ - باب زَكَاةِ البَقَرِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ». وَيُقَالَ: جُؤَارٌ ﴿تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣] تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ.

١٤٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ- مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلاَّ أُتِيَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ». رَوَاهُ بُكَيْرٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٦٦٣٨ - مسلم: ٩٩٠ - فتح: ٣/ ٣٢٣]
هي اسم جنس مشتقة من بقرت الشيء إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة. يكون للمذكر والمؤنث، كما قاله في «المحكم» (١).
(قال البخاري) (٢): وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ». وَيُقَالَ: جُؤَارٌ ﴿تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] تَرْفَعُونَ أَصْوَاتكُمْ كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ.
ثم ذكر حديث أبي ذر: قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ- مَا مِنْ رَجُلٍ تكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا ..» الحديث. رَوَاهُ بُكَيْرٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

---------------
(١) «المحكم» ٦/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) ليست في الأصل.



الشرح: أما حديث أبي حميد فهو قطعة من حديث ابن اللتبية، وقد أسنده فيما سيأتي (١)، وما ذكره في تفسير (جؤار) تبع فيه أبا عبيدة معمر بن المثنى، وعبارة ابن سيده: رفع صوته مع تضرع واستغاثة (٢).
قال ابن الأثير: المشهور بالخاء (٣)، يعني: المعجمة، و(الخوار) غير مهموز و(الجؤار) مهموز وهما سواء. كما قال القزاز: اللفظتان تقالان في البقرة إذا صاحت ومنه ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٨]، وكذلك جؤار الثور بالجيم، والعرب تستعيره في الرجل، وأصله في البقر قال تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] أي: ترفعون أصواتكم بالدعاء.
وحديث أبي ذر أخرجه مسلم أيضًا، وسيأتي في الأيمان والنذور أيضًا، وحديث بكير أخرجه مسلم من حديث ابن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عنه، وهو: بكير بن عبد الله بن الأشج، عن ذكوان وهو: أبو صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا لم يؤد المرء حق الله أو الصدقة في إبله» وساق الحديث بنحو حديث سهيل عن أبيه -يعني المذكور عنده-: «ما من صاحب إبل …» إلى آخره. وفي آخره: قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر أم لا، وذكر فيه الكنز والخيل (٤).
وذكره البيهقي من هذا الوجه بذكر البقر ثم قال: رواه مسلم وأشار إليه البخاري (٥).

-----------
(١) سيأتي برقم (١٥٠٠) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، و(٢٥٩٧) كتاب: الهبة، باب: من لم يقبل الهدية لعلة، و(٦٩٧٩) كتاب: الحيل، باب: احتيال العامل ليهدى له.
(٢) «المحكم» ٧/ ٣٣٦.
(٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٢٣٢.
(٤) «صحيح مسلم» (٩٨٧) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.
(٥) «السنن الكبرى» ٤/ ٩٨ كتاب: الزكاة.



وهو أصح الأحاديث الواردة في زكاة البقر، وجاء في أحاديث أخر منها: حديث معاذ: لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل أربعين بقرة مسنةً، ومن كل ثلاثين تبيعًا. حسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (١).
وحديث عمرو بن حزم أيضًا في كل أربعين باقورة بقرة (٢). وقد سلف أيضًا حديث: «ليس في البقر العوامل شيء» (٣).
إذا تقرر ذلك: فالحديث دال على وجوب زكاتها من أجل الوعيد الذي جاء إن لم يؤد زكاتها، ومقدار نُصبها في حديث معاذ السالف، وكذا ما يؤخذ منها وغيره من الأحاديث السالفة.
قال ابن بطال: وكذا في كتاب الصدقات لأبي بكر وعمر، وعلى ذَلِكَ مضى الخلفاء، وعليه عامة الفقهاء.
قال ابن المنذر: ولا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم، وفيه شذوذ لا يلتفت إليه، روي عن ابن المسيب، والزهري، وأبي قلابة أن في كل خمس من البقر شاة، وفي عشر شاتين، وفي خمسة عشر ثلاثًا، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بقرة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت فبقرتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففي كل أربعين بقرة بقرة. وروي عن أبي قلابة أنه قال: في كل خمس شاة

-------
(١) «سنن الترمذي» (٦٢٣)، «المستدرك» ١/ ٣٩٨، ورواه أيضًا أبو داود (١٥٧٨)، والنسائي ٥/ ٢٦، وابن ماجه (١٨٠٣).
والحديث صححه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ١٣٠. وللألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٠٨)، وفي «الإرواء» (٧٩٥).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) تقدم تخريجه أيضًا.



إلى أن تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع.
واعتل قائلو هذِه المقالة بحديث لا أصل له رواه حبيب بن أبي حبيب (١)، عن عمرو بن هرم أنه في كتاب عمرو بن حزم. [وحجتهم] (٢) من طريق النظر أن الشارع قد عدلها بالإبل إذ جعل الواحد منها يجزئ عن سبعة في الهدايا والضحايا كما في الإبل، فزكاتها زكاتها، قالوا: وخبر معاذ منسوخ بكتابه - ﷺ - إلى عماله، الذي رواه عمرو بن حزم.
قال الطبري: وهذا الحديث أراه غير متصل ولا يجوز الاحتجاج به في الدين، والمعروف في كتابه - ﷺ - في الصدقة لآل عمرو بن حزم خلاف ذَلِكَ (٣).
قُلْتُ: فيه: وفي كل أربعين باقورة بقرة. كما أسلفناه.
قُلْتُ: وأما ابن حزم فإنه صححه مستدلًا به، أخرجه من طريق أبي عبيد بن سلام: نا يزيد، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن محمد بن عبد الرحمن قال: كان في كتاب عمرو أن البقر يؤخذ منها كما يؤخذ من الإبل (٤).
وجماعة الفقهاء على أنه لا شيء فيما زاد على الأربعين حتَّى تبلغ ستين، فإذا بلغتها ففيها تبيعان فإذا بلغت سبعين، فتبيع ومسنة، وبهذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد (٥).

----------
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: حبيب بن أبي حبيب الجرمي عن عمرو بن هرم غمزه أحمد ونهى ابن معين عن كتابة حديثه، وقدح فيه يحيى بن سعيد القطان.
(٢) ليست بالأصل، ومثبتة من «شرح ابن بطال» والسياق يقتضيها.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨.
(٤) «المحلى» ٤/ ٦.
(٥) انظر: «الأصل» ٢/ ٦٢ - ٦٣، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٣.



وسئل أبو حنيفة، فقال: ما زاد على الأربعين من البقر فبحسابه، ففي كل خمسة وأربعين مسنة وثُمن، وفي خمسين مسنة وربع، وعلى هذا كل ما زاد قل أو كثر. هذا هو المشهور عنه، وقد روى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة مثل قول الجماعة (١)، ولا قول إلا قولهم؛ لأنهم الحجة على من خالفهم، وفي حديث معاذ أنه قال: لم يأمرني رسول الله - ﷺ - في الأوقاص بشيء. وعند أهل الظاهر لا زكاة في أقل من خمسين منها، فإذا ملك خمسين منها عامًا قمريًا متصلًا ففيها بقرة، وفي المائة بقرتان، ثم في كل خمسين بقرة بقرةٌ، ولا شيء في الزيادة حتَّى تبلغ الخمسين.
وقال إبراهيم فيما رواه ابن حزم: ليس فيما دون ثلاثين شيء فإذا بلغتها فتبيع، ثم لا شيء فيها حتَّى تبلغ أربعين فإذا بلغتها (٢) فبقرة ثم لا شيء فيها حتَّى تبلغ خمسين، فإذا بلغتها فبقرة وربع، ثم لا شيء فيها حتَّى تبلغ سبعين فتبيع ومسنة. قال: وهي رواية غير مشهورة عن أبي حنيفة، قال: وقالت طائفة: ليس فيما دون الثلاثين من البقر شيء فإذا بلغتها ففيها بقرة مسنة، فإذا زادت واحدة ففيها بقرة وجزء من أربعين جزءًا من بقرة، وهكذا في كل واحد يزيد فيها جزءًا آخر من أربعين جزءًا من بقرة، هكذا إلى الستين، فإذا بلغتها ففيها تبيعان، ثم لا شيء فيها إلا في كل عشر زائد كما ذكرنا.
قال: وقيل: المشهور عن أبي حنيفة (٣): ليس في أقل من ثلاثين من

------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٣.
(٢) كذا بالأصل، وتتمة الكلام كما في «المحلى» ٧/ ٦: ففيها تبيع، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها.
(٣) «المحلى» ٦/ ٧.



البقر صدقة، فإذا بلغتها سائمة وحال عليها الحول ففيها تبيع أو تبيعة وهي التي طعنت في الثالثة، فإذا زادت على الأربعين ففي الزيادة بقدر ذَلِكَ إلى الستين عند أبي حنيفة، ففي الواحدة الزائدة ربع عشر المسنة، وفي الثنتين نصف عشر مسنة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء في الزيادة حتَّى تبلغ ستين، فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان، وهي رواية عن أبي حنيفة، وفي سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي المائة تبيعان ومسنة، على هذا يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع إلى مسنة (١).
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» من حديث ابن أرطاة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم قال: يحاسب صاحب البقر بما فوق الفريضة.
قال: وحَدَّثَنَا زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول أنه قال في صدقة البقر: ما زاد فبالحساب (٢).
وروى ابن حزم بإسناد جيد إلى الزهري وقتادة، عن جابر بن عبد الله قال: في كل خمس من البقر شاة (٣) كالإبل في عشرين أربع.
قال الزهري: فرائض البقر مثل فرائض الإبل غير أنه لا أسنان فيها، قال: وبلغنا أن قولهم: قال النبي - ﷺ -: «في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين بقرة» (٤). أن ذَلِكَ كان خفيفًا لأجل اليمن، ثم كان هذا بعد ذَلِكَ.

-------------
(١) انظر: «الأصل» ٢/ ٦١ - ٦٢، و«مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٣، و«المبسوط» ٢/ ١٨٧، و«الهداية» ١/ ١٠٦ - ١٠٧.
(٢) «المصنف» ٢/ ٣٦٤ (٩٩٤٦ - ٩٩٤٧) كتاب: الزكاة، في الزيادة في الفريضة.
(٣) كذا بالأصل، وتتمة الكلام كما في «المحلى» ٦/ ٢: وفي عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه.
(٤) رواه النسائي ٥/ ٢٦ كتاب: الزكاة، باب: زكاة البقرة، وأحمد ٥/ ٢٣٣، =



قال: وعن عكرمة بن خالد: اسْتُعملتُ على صدقات عك، فلقيت أشياخًا ممن صدق على عهد رسول الله - ﷺ -، فاختلفوا، فمنهم من قال: اجعلها مثل صدقة الإبل. ومنهم من قال: في ثلاثين تبيع. ومنهم من قال: في أربعين مسنة (١).
قُلْتُ: وروي عنه أن رجلًا حدثه عن مصدق أبي بكر أنه أخذ من كل عشر بقرات بقرة.
وروى ابن حزم أيضًا من طريق أبي عبيد إلى عمر بن عبد الرحمن بن خلدة الأنصاري أن صدقة البقر صدقة الإبل، غير أنه لا أسنان، وعن معمر أعطاني سماك بن الفضل كتابًا من رسول الله - ﷺ - إلى مالك [بن] (٢) كفلافس والمصعبين، فقرأته فإذا فيه: «وفي البقر مثل الإبل».
قال ابن حزم: ما ذُكر عن الزهري من أنه قال: هذا هو آخر أمر رسول الله - ﷺ -، وأن الأمر بالتبيع في الثلاثين نُسخ بهذا، واحتجوا بعموم الخبر: «ما من صاحب بقر» الحديث.
فهذا عموم لكل بقر إلا ما خصه نص أو إجماع، ومن عمل مثل قولنا كان على يقين، فإنه قد أدى الفريضة، ومن خالف لم يكن على يقين من ذَلِكَ.
فإن احتجوا بالخبر الذي فيه: «في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين

-------------
= وابن خزيمة في»صحيحه«٤/ ١٩ (٢٢٦٨) كتاب: الزكاة، باب: صدقة البقر، بذكر لفظ مجمل غير مفسر، والشاشي في»مسنده«٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣ (١٣٥٠ - ١٣٥٢)، والطبراني ٢٠/ ١٢٨ - ١٣٠، والبيهقي ٤/ ٩٨ كتاب: الزكاة، باب: كيف فرض صدقة البقر، ٩/ ١٩٣ كتاب: الجزية، باب: كم الجزية.
(١)»المحلى«٦/ ٢ - ٣.
(٢) ليست بالأصل وإنما هي من»المحلى" ٦/ ٤. وفيه: مالك بن كفلانس المصعبين.



مسنة» (١). قلنا نحن بهذا، وليس فيه إسقاط الزكاة عما دون ذَلِكَ (٢).
ثم ساق بإسناده إلى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: كان عمال ابن الزبير وطلحة بن عبيد الله بن عوف يأخذون من كلٍ خمسين بقرة بقرة، ومن كل مائة بقرتين، فإذا كثرت ففي كل خمسين بقرة بقرةٌ (٣).
ثم قال ابن حزم: وجدنا الآثار الواردة فيه عن رسول الله - ﷺ - منقطعة، ولا يصح في هذا من طريق إسناد الآحاد، ولا من طريق التواتر شيء، ولا عن أحد من الصحابة شيء لا يعارضه غيره، ولم يبق إلا ما رويناه من عمل ابن الزبير وطلحة بن أخي عبد الرحمن بن عوف بحضرة بقية الصحابة، ولم ينكروه، ووجدنا الإجماع المتيقن المقطوع به الذي لا خلاف فيه وحكم به من الصحابة ومن بعدهم أن في كل خمسين بقرة، وكل ما دون ذَلِكَ فمختلف فيه ولا نص في إيجابه، فلم يجز القول به (٤).
وحكى ابن التين مقابله أن في خمس وعشرين تبيعًا، وفي أربعين مسنة. وعن شهر بن حوشب في عشر شاة، وفي عشرين شاتان (٥)، ثم نقل عن القاضي أبي محمد بعد أن حكى مقالة أبي قلابة وسعيد والزهري أيضًا أن كل هذا لا يلتفت إليه، والأصل في الباب الذي يجب أن يصار إليه حديث معاذ «خذ البقر من البقر» وحديثه في

---------------
(١) تقدم تخريجه.
(٢) «المحلى» ٦/ ٣ - ٥.
(٣) «المصنف» ٤/ ٢٣ (٢٨٤٦) كتاب: الزكاة، باب: البقر.
(٤) «المحلى» ٦/ ٧ و١٦.
(٥) رواه ابن أبي شبة في «المصنف» ٢/ ٤٣٣ (١٠٧٤٧) كتاب: الزكاة، من قال: فيما دون ثلاثين من البقر زكاة.



«الموطأ» أن معاذًا أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن أربعين مسنة، وأُتي ما دون ذَلِكَ فأبى أن يأخذ، وقال: لم أسمع من النبي - ﷺ - فيه شيئًا حتَّى ألقاه فأسأله، فتوفي رسول الله - ﷺ - قبل أن يقدم معاذ (١).
وفي حديث سليمان، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «وفي كل ثلاثين باقورة تبيع أو جذعة، وفي كل أربعين بقرة» (٢).
وقد تكلف بعض الناس إيراد شبهة لبعض ما تقدم من الأقاويل المختلفة فقالوا: يمكن أن يحتج لذلك بما روي في حديث عمرو بن حزم أنه - ﷺ - ذكر صدقة الإبل، ثم عطف عليه فقال: «وكذلك البقر» وهذا غير محفوظ في نقل صحيح، وروينا صدقة البقر مفسرة من طريق عمرو بن حزم ونحوه، ويحتمل ذَلِكَ إن صح أن يكون عطفًا على وجوب الزكاة دون صفتها قالوا: ولما كانت البقر كالإبل في أن الواحد يجزئ في الأضحية عن سبعة كانت كذلك في صفة الزكاة، وهذا لا يصح على أصل المالكية؛ لأنهم لا يجيزون الاشتراك في الأضحية، فبطل قولهم.
فرع:
التبيع عندنا: ما له سنة، والمسنة: ما لها سنتان، وفي ذَلِكَ خلاف عندنا (٣)، والتبيع والجذع عند المالكية: ما له سنتان، وقيل: سنة،

------------
(١) «الموطأ» ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ (٦٨١) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الماشية.
(٢) رواه الحاكم ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧ كتاب: الزكاة، والبيهقي ٤/ ٨٩ كتاب: الزكاة، باب: كيف فرض الزكاة، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٣٣٣) وانظر: «الإرواء» (١٢٢).
(٣) انظر: «العزيز» ٢/ ٤٧٢، و«روضة الطالبين» ٢/ ١٥٢.



والمسنة: ما لها ثلاث، وقيل: سنتان (١).
فرع:
لو أخرج تبيعة أجزأت عندنا (٢)، بل هي أولى للأنوثة، وانفرد أبو حنيفة فجوز الذكر بدل المسنة وإن كانت بقره إناثًا (٣).
ونقل ابن التين عن بعض أصحابنا: إن كانت البقر ذكورًا كلها أخذ فيها مسنًّا ذكرًا، دليلنا حديث معاذ السالف «مسنة» ولم يفرق. وبيّن في حديث عمرو بن حزم أن التبيع يجوز أن يكون ذكرًا أو أنثى على ما سلف، ولم يذكر ذَلِكَ في مسنة، ولأن المأخوذ في فرائض الماشية الإناث، إلا من ضرورة اعتبارًا بالإبل والغنم.

-------------
(١) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٣١.
(٢) انظر: «الحاوي» ٣/ ١٠٨، و«التهذيب» ٣/ ٢٧.
(٣) انظر: «المبسوط» ٢/ ١٨٨، و«الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٢٢١.



٤٤ - باب الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ القَرَابَةِ، وَالصَّدَقَةِ». [انظر: ١٤٦٦]

١٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ. إِنَّ اللهَ تبارك وتعالى يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
تَابَعَهُ رَوْحٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ: «رَايِحٌ». [٢٣١٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٨، ٢٧٦٩، ٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٣/ ٣٢٥]

١٤٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي أَضْحًى -أَوْ فِطْرٍ- إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، تَصَدَّقُوا». فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ». ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ


تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟». فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: «نَعَمِ ائْذَنُوا لَهَا». فَأُذِنَ لَهَا، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ». [انظر: ٣٠٤ - مسلم: ٨٠ - فتح: ٣/ ٣٢٥]
ثم ذكر فيه حديث عبد الله بن يوسف، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عن أَنَسَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يدْخُلُهَا وَيشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّب، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هذه الأيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، إِنَّ اللهَ تبارك وتعالى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَى بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَة لله أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بَخْ، ذَلِكَ مالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأقرَبِينَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
تَابَعَهُ رَوْحٌ. وَقَالَ يَحْييَ بْنُ يَحْيَى وإِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكٍ: «رَايحٌ».
ثم ذكر حديث أبي سعيد خَرَجَ علينا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في أَضْحًى -أَوْ فِطْرٍ- إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ .. الحديث، وفي آخره: «زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ».
الشرح:
أما الحديث الأول المعلق فسيأتي مسندًا قريبًا في حديث زينب زوج


ابن مسعود بلفظ: «لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة» (١)
وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وأما حديث أنس فأخرجه مسلم أيضًا (٣)، وكذا النسائي في التفسير (٤)، وفي رواية للبخاري: «قبلناه منك ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين». فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم أُبي -يعني: ابن كعب- وحسان، فباع حسان حصته منه من معاوية، فعوتب فيه فقال: ألا نبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم! خرجه في الوصايا (٥).
وقال: قال الأنصاري: حَدَّثَني أبي عن ثمامة، عن أنس قال: اجعلها لفقراء قرابتك (٦). وهذا التعليق أسنده أبو نعيم والطحاوي من طريق إبراهيم بن مرزوق عنه (٧).
زاد ابن خزيمة: «أو في أهل بيتَك» وفي رواية: لما نزلت هذِه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أو: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال أبو طلحة: يا رسول الله.
الحديث (٨)، وللترمذي: يا رسول الله حائطي لله، ولو استطعت أن

------------
(١) سيأتي برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.
(٢) «صحيح مسلم» (١٠٠٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين.
(٣) «صحيح مسلم» (٩٩٨).
(٤) «السنن الكبرى» ٦/ ٣١١ - ٣١٢ (١١٠٦٦).
(٥) سيأتي برقم (٢٧٥٨) باب: من تصدق إلى وكيله، ثم رد الوكيل إليه.
(٦) سيأتي في باب: إذا وقف أو أوصى لأقاربه، ومن الأقارب، كتاب: الوصايا.
(٧) «شرح معاني الآثار» ٣/ ٢٨٩، و٤/ ٣٨٦.
(٨) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٠٥ (٢٤٥٨) كتاب: الزكاة، باب: الأمر بإتيان القرابة بما يتقرب به الموالي ..



أسره لم أعلنه (١). وسيأتي في الوقف والوكالة والأشربة والتفسير (٢)، ووقع في «العباب» للصغاني عن أنس أنه قال: وكنت أقرب إليه منهما (٣). وليس كذلك فإنهما يجتمعان في حِرام، وهو الأب الثالث بخلافه، وقد ساق ابن بطال بإسناده قال أنس: وكانا أقرب إليه مني (٤)، فصح.
وحديث يحيى بن يحيى أخرجه الدارقطني في أحاديث «الموطأ» من حديث موسى بن أبي خزيمة، ثنا يحيى به. وأما طريق إسماعيل، عن مالك فسيأتي في كلام الداني. وقال في باب: من تصدق على وكيله ثم رد وكيله عليه: وقال إسماعيل: أخبرني عبد العزيز بن أبي سلمة، عن إسحاق بن عبد الله قال: ولا أعلمه إلا عن أنس، ولفظه فيه: «قبلناه منك» إلى آخر ما أسلفناه قبل. وزعم أبو مسعود وخلف أنه إسماعيل بن جعفر، والصواب كما قال المزي: أنه ابن أبي أويس.
وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم أيضًا وقال: مثل حديث ابن عمر (٥).

-------------
(١) «سنن الترمذي» (٢٩٩٧) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران.
(٢) سيأتي برقم (٢٣١٨) كتاب: الوكالة، باب: إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله وقال الوكيل: قد سمعت ما قلت، و(٤٥٥٤ - ٤٥٥٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، و(٥٦١١) كتاب: الأشربة، باب: استعذاب الماء.
(٣) في هامش الأصل ما نصه: وفي تفسير آل عمران من البخاري: فجعلها لحسان وأُبي، وأنا أقرب، ولم يجعل لي منها شيئًا، وفي الوصية: وكانا أقرب إليه مني.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٢.
(٥) «صحيح مسلم» (٨٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقصان الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق.



إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها:
هذِه الأحاديث لا دلالة فيها على ما ترجم عليه، ويحتمل أن المراد بالصدقة التطوع كما ستعلمه، لا جرم اعترض الإسماعيلي حيث قال: هذا الحديث في قصة أبي طلحة ليس من الزكاة في شيء وإنما هو في الصدقة بحديقة، فإن أراد البخاري الاستدلال على أن الأقارب في الزكاة أحق بها إذ رأى النبي - ﷺ - ما ليس بزكاة من صدقة، صرفها إلى الأقارب أفضل، فذلك حينئذ له وجه، قال: ولا أعرف أحدًا منهم إلا قال: رابح بالباء، وقال ابن قعنب بالشك، ولم أذكره.
ثانيها:
تحصل في بيرحاء عشرة أوجه: فتح الباء وكسرها وتثليث الراء، إلا أن الكسر مع الجر، وبالجيم والحاء، والمد والقصر، وبَرِيحا، وبأريحاء، قال عياض (١) وغيره: رواية المغاربة بضم الراء وفتحها في النصب، وكسرها في الجر مع الإضافة أبدًا وحاء على حالها.
وذكر الباجي عن أبي ذر إنما هي بفتح الراء على كل حال، قال الباجي: وعليه أدركت أهل الحفظ والعلم بالمشرق. وقال أبو عبد الله الصوري: إنما هو بفتح الباء والراء على كل حال (٢)، ومن رفع الراء وألزمها حكم الإعراب أخطأ.
قال القاضي: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، قال: وعلى روايتهم عن (أبي جعفر) (٣) في مسلم بكسر الباء وفتح الراء والقصر،

----------------
(١) «مشارق الأنوار» ١/ ١١٥ - ١١٦.
(٢) «المنتقى» ٧/ ٣١٩ - ٣٢٠.
(٣) في «مشارق الأنوار»: ابن أبي جعفر.



وفي «الموطأ» (١) عن ابن عتاب وغيره بضم الراء وفتحها معًا عن الأصيلي، وهو: موضع بقرب المسجد يعرف بقصر بني جديلة كما رواه البخاري في موضع آخر (٢)، ورواه مسلم من طريق حماد بن سلمة: بريحا، ورواية الراوي في مسلم من حديث مالك بن أنس: بريحا (٣) وهم، وإنما هذا في حديث حماد (٤).
وقال ابن الجوزي: أكثر المحدثين يروونه بالجيم، والصواب بالحاء المهملة. وقال المنذري: هو بضم الراء في الرفع والنصب، وكسرها في الجر مع الإضافة إلى حاء أبدًا، وقيل بفتحها في كل حال. وقال القرطبي: بكسر الباء وفتح الراء وضمها، وبمد حاء وقصرها (٥)، لغتان. وفي «سنن أبي داود»: بأريحاء (٦)، وهذا يدل على أنها ليست ببئر، وقال ابن التين: قيل: حاء اسم امرأة، وقيل: اسم موضع، وهو ممدود ويجوز قصره.
وفي «المنتهى»: أنه اسم رجل. قال ابن التين: والرواية أنه مبني غير مضاف بالقصر وبناؤه في ضبطهم على الفتح. وقال الزمخشري: هي فيعلى من البراح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة (٧).
وفي «معجم أبي عبيد»: حاء على لفظ الهجاء: موضع بالشام، وحاء آخر موضع بالمدينة، وهو الذي ينسب إليه بيرحاء، وبعض الرواة يرويه

--------------
(١) «الموطأ» ٢/ ١٧٤ - ١٧٥ (٢١٠١).
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٧٥٨).
(٣) «صحيح مسلم» (٩٩٨).
(٤) انتهى كلام القاضي في «مشارق الأنوار» ١/ ١١٥ - ١١٦.
(٥) «المفهم» ٣/ ٤١.
(٦) «سنن أبي داود» (١٦٨٩) كتاب: الزكاة، باب: في صلة الرحم.
(٧) «الفائق» ١/ ٩٣.



بيرحا جعله اسمًا واحدًا، والصحيح ما قدمته، ورواية حماد بن سلمة، عن ثابت أريحاء خرجه أبو داود (١)، ولا أعلم أريحا، إلا بالشام.
قُلْتُ: أخرج ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث أنس: يا رسول الله، ليس لي أرض أحب إليّ من أرض أريحا، فقال - عليه السلام -: «أريحا خير رابح -أو- خير رايح» (٢) شك الشيخ. قال البكري: وفي الحديث كما قال حسان:
أمسى الجلابُ وقد عزُّوا وقد كثروا … وابن الفريعة أمسى بيضة البلد.
اعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف، فقال - ﷺ - لحسان:
«أحسن في الذي أصابك». قال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه النبي - ﷺ - بيرحا قصر بني جديلة اليوم، كانت لأبي طلحة فتصدق بها إلى رسول الله - ﷺ -، وأعطاه سيرين (٣).
ويجوز أن حسان لما ضربه صفوان تصدق أبو طلحة بتلك الصدقة في تلك الأيام، فأشار - ﷺ - بما أشار، فاعتقد الراوي أن ذَاكَ كان لأجل تلك الضربة، وقال بعضهم: سميت بيرحاء بزجر الإبل عنها، وذلك أن الإبل يقال لها إذا زجرت -وقد رويت-: حاحا. وقال بعضهم: بيرحاء من البرح، والباء زائدة، جمع ابن الأثير لغاته فقال: هي بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها، والمد فيهما، وبفتحها والقصر، قال: وهو اسم مال، موضع بالمدينة (٤).

-----------
(١) أبو داود (١٦٨٩).
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٠٣ - ١٠٤ (٢٤٥٥) كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة المرء بأحب ماله لله …
(٣) «معجم ما استعجم» ١/ ٤١٤.
(٤) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ١١٣ - ١١٤.



ثالثها:
قوله: «بخْ» هو بسكون الخاء وبتنوينها مكسورة، قال عياض: وبالكسر بلا تنوين، وروي بالرفع دون تنوين، وبالضم مع التنوين والتخفيف (١).
وعن الخطابي: الاختيار إذا كررت: تنوين الأولى وتسكين الثانية (٢)، وهكذا هو في كل كلام مبني كقولهم: صهٍ صه، وطابٍ طاب ونحوهما، ومعناها: تعظيم الأمر وتفخيمه. وعبارة ابن بطال: هي كلمة إعجاب (٣).
وعبارة ابن التين: تقولها العرب عند المدح والمحمدة. وكله متقارب، وعبارة القزاز: هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء العظيم، وتخففها العرب فتلحقها بالرباعي. وقال صاحب «الواعي»: عن الأحمر في (بخ) أربع لغات: الجزم، والخفض، والتشديد، والتخفيف. وحكاها عنه ابن بطال بعد أن قال تخفف وتثقل (٤).
رابعها:
قوله: «ذَلِكَ مال رابح» أي: ذو ربح، وقيل: فاعل بمعنى مفعول أي: مال مربوح فيه كقوله ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]. ومن رواه بالمثناة تحت فمعناه: يروح عليه أجره كلما أطعمت الثمار، قاله ابن بطال، قال: والرايح القريب المسافة الذي يروح خيره ولا يغرب نفعه (٥).

-----------------
(١) «مشارق الأنوار» ١/ ٧٩.
(٢) «غريب الحديث» ص ٦١٠.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٠.
(٤) السابق.
(٥) السابق.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فقهاء منسيون
* التاريخ بين عناية الله والفاعلية الإنسانية
* أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي .. إمام السنة في الجزائر
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ
* الأقرع بن حابس بن عقال التميمي الدرامي : صحابي.
* مَسْلَمة بنُ عبد المَلِك مُجاهد على الدَّوام أَحْمد الشِّرباصي
* تراجم الفقهاء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2026, 09:01 PM   #292

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      





الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 431 الى صـــ 450
الحلقة (292)






وقيل: معناه قريب يروح خيره ليس بغارب، وذلك أنفس الأموال.
وقيل: يروح بالأجر ويغدو به، واكتفي بالرواح عن الغدو لعلم السامع.
وقال صاحب «المطالع»: «رابح» بباء موحدة أي: ذو ربح أو رابح به، وروي بالياء المثناة من تحت من الرواح عليه بالأجر على الدوام ما بقيت أصوله.
وقال القاضي: هي رواية يحيى بن يحيى وجماعة، والأولى رواية أبي مصعب وغيره. وقال صاحب «المطالع»: بل الذي رويناه ليحيى بالباء المفردة، وهو ما في مسلم (١).
قُلْتُ: يحيى الذي أشار إليه هو: الليثي المغربي، ويحيى في البخاري هو: النيسابوري، قال الداني في «أطرافه»: في رواية يحيى الأندلسي بالباء الموحدة، وتابعه روح بن عبادة وغيره وقال يحيى بن يحيى النيسابوري، وإسماعيل، وابن وهب وغيرهم: «رائح» بالهمز من الرواح. وشك القعنبي كما سلف، وقال الإسماعيلي: من قاله بالباء فقد صحف.
خامسها: في فوائده:
الأولى: حب الرجل الصالح المال، وقال أبو بكر لعائشة: ما أحد أحب إليّ غنى منك ولا أعز علي فقرًا منك (٢). وإيثار حب بعضه.
الثانية: دخول الشارع حوائط أصحابه ويشرب من مائها، والأكل من ثمارها بغير إذنهم، إذا علم أن نفس أصحابها تطيب بذلك، وكان بما لا يتشاح فيه.

------
(١) مسلم (٩٩٨).
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٩/ ١١١ (١٦٥٠٧)، وابن سعد ٣/ ١٩٥.



الثالثة: تفويض الصدقة إلى الشارع.
الرابعة: إشارة الشارع لما هو أفضل.
الخامسة: فضل الكفاف على ما سواه؛ لأنه أمسك بعض ماله.
السادسة: اعتبارهم بالقرآن واتباعهم لما فيه.
السابعة: صحة الوقف وإن لم يذكر سبيله، ومصارف دخله، وهو ما بوب عليه البخاري في الوصايا (١)، وسيأتي الكلام فيه هناك إن شاء الله تعالى.
الثامنة: إعطاء الواحد من الصدقة فوق مائتي درهم؛ لأن هذا الحائط مشهور أمره أنَّ دخله يزيد عليه زيادة كثيرة، وقد جعله أبو طلحة بين نفسين كما سلف، وسواء صدقة الفرض ونفلها في مقدار ما يجوز إعطاؤه المتصدق عليه، قاله الخطابي (٢)، يريد: إذا نذرت صدقة، وألا يبدأ الصدقة بها على أقاربه، لما كان حكمها حكم المفروضة.
التاسعة: ﴿البِرَّ﴾ في الآية الجنة، قاله ابن مسعود (٣)، والتقدير على هذا ثواب البر، وقيل: العمل الصالح، والمراد بـ ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ حتَّى تتصدقوا، وروي أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري جارية حين فتحت مدائن كسرى، فاشتراها ووجه بها إليه، فلما رآها أعجب بها وأعتقها وقرأ الآية. قال مجاهد: وهو مثل قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] (٤) وذكر عن ابن عمر أنه كان ينفذ إلى

----------
(١) انظر ما سيأتي برقم (٢٧٥٢).
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٨٨.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٧٠٣ (٣٨٠٨).
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٤٦ (٧٣٩٠ - ٧٣٩١).



مصر فيأتيه السكر فيتصدق به، ويقول: إني أحبه ويتلو هذِه الآية (١).
العاشرة: معنى (أرجو برها)، أي: ثو اب برها. (وذخرها) أي: أقدمه فأدخره؛ لأجده هناك.
الحادية عشرة: أن الصدقة إذا كانت جزلة مدح صاحبها بها وغبط؛ لقوله - عليه السلام -: «بخ ذَلِكَ مال رابح» فسلاه بما يناله من ربح الآخرة، وما عوضه الله فيها عما عجله في الدنيا الفانية.
الثانية عشرة: أن ما فوته الرجل من صميم ماله، وعبيط عقاره عن ورثته بالصدقة، يستحب له أن يرده إلى أقاربه غير الورثة؛ لئلا يفقد أهله نفع ما خوله الرب ﷻ، وفي القرآن ما يؤيده قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] فثبت بهذا المعنى أن الصدقة على الأقارب وضعفاء الأهلين أفضل منها على سائر الناس، إذا كانت صدقة تطوع، ودل على ذَلِكَ حديث زينب امرأة ابن مسعود.
وقوله - ﷺ -: «لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة» (٢). وقال لميمونة عن أعتقت جارية لها: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظمْ لأجرك» ذكره البخاري في الهبة كما سيأتي (٣).
واستعمل الفقهاء الصدقة في غير الأقارب؛ لئلا يصرفوها فيما يجري بين الأهلين في الحقوق والصلات والمرافق؛ لأنه إذا جعل الصدقة الفريضة في هذا المعتاد بين الأهلين، فكأنهم لم يخرجوها

-------
(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٩١، وعزاه إلى ابن المنذر.
(٢) قطعة من حديث سيأتي قريبًا برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: على الزوج والأيتام في الحَجْر.
(٣) سيأتي برقم (٢٥٩٢) باب: هبة المرأة لغير زوجها وعتقها.



من أموالهم؛ لانتفاعهم بها وتوفير تلك الصلات بها، فإذا زال هذا المعنى جازت الزكاة للأقارب الذين لا يلزمه نفقتهم، وقد تقدم اختلاف العلماء في الزكاة على الأقارب في باب: إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر. فراجعه.
ولم يختلف العلماء -كما قال ابن بطال- أن قوله: في أقاربه وبني عمه، أنهم أقارب أبي طلحة لا أقاربه - عليه السلام -، وقد روى ذَلِكَ الثقات (١)، ثم ساق بإسناده ذَلِكَ إلى أنس، وهو في البخاري كما أسلفناه.
الثالثة عشرة: فيه استعمال عموم اللفظ، ألا ترى إلى فهم الصحابة لذلك؟ وأنهم يتوقفون حتَّى يتبين لهم بآية أخرى أو بسنة مبينة لمراد الله تعالى في الشيء الذي يجب أن ينفقه عباده؛ لأنهم يحبون أشياء كثيرة فبدر كل واحد منهم إلى نفقة أحب أمواله إليه، فتصدق أبو طلحة بحائطه، وكذلك فعل زيد بن حارثة.
وروي عن ابن عيينة، عن ابن المنكدر قال: لما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال زيد: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلى من فرسي هذِه، وكان له فرس فجاء به إلى رسول الله - ﷺ - فقال: هذا في سبيل الله، فقال لأسامة بن زيد: «اقبضها منه» فكأن زيدًا وجه في نفسه من ذَلِكَ، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله قد قبلها منك» (٢).
وفعل مثل ذَلِكَ ابن عمر، روي أنه كان له جارية جميلة وكان يحبها، فأعتقها لهذِه الآية، ثم أتبعتها نفسه، فأراد تزويجها فمنعه بنوه، فكان

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٢.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ٣/ ٧٠٤ (٣٨١٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٨٩، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.



بعد ذَلِكَ يقرب بنيها من غيره لمكانها في نفسه (١). وروى الثوري أن أم ولد الربيع قالت: كان إذا جاءنا السائل يقول: يا فلانة أعطي السائل سكرًا فإن الربيع يحبه، قال سفيان: يتأول ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) (٣).
الرابعة عشرة: فيه من معاني الصدقات والهبات كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
الخامسة عشرة: في حديث أبي سعيد: «يكثرن اللعن» يعني: أكثر من الرجال، «ويكفرن العشير» أي: الزوج، وقد سلف تفسيره. ونقصان عقولهن، أنهن لا يذكرن عند الغضب ما أسدي إليهن من الخير، ودينهن مضى. واللب: العقل، يعني: أنهن إذا أردن شيئًا غالبن عليه والتوين حتَّى يفعله الرجال صوابًا كان أو خطأً.
السادسة عشرة: زينب هذِه زعم الطحاوي أنها رائطة، قال: ولا نعلم عبد الله تزوج غيرها في زمنه - عليه السلام -. وقال الكلاباذي: رائطة هي المعروفة بزينب (٤). وقال ابن طاهر وغيره: امرأة ابن مسعود زينب، ويقال: اسمها رائطة (٥). وكذا رواه أبو يوسف القاضي في كتاب «الزكاة» مصرحًا به.

-----------
(١) رواه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٠٤ (٣٨١٤) بدون قوله: فمنعوه بثوه. وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ١/ ٢٩٥، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٨٩، وعزاه إلى ابن حميد والبزار في «المصنف».
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ١٦٠ (٣٤٨٥٢) كتاب: الزهد، كرم ربيع بن خيثم، وابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ٢٠٤.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس عشر، كتبه مؤلفه.
(٤) «رجال صحيح البخاري» للكلاباذي ٢/ ٨٥٠ (١٤٣٢).
(٥) «إيضاح الإشكال» لابن طاهر المقدسي (٢٠٣).



وأما ابن سعد (١)، والعسكري، والطبراني (٢)، والبيهقي (٣)، وابن عبد البر (٤)، وأبو نعيم (٥)، وابن منده، وأبو حاتم بن حبان (٦) فجعلوهما ثنتين، والله أعلم.
السابعة عشرة: قوله: فقال النبي - ﷺ -: «زوجك وولدك» إلى آخره ظاهره سماعها من رسول الله - ﷺ -، وقد ورد مصرحًا في البزار فقال لها النبي - ﷺ - لما دخلت عليه: «صدق ابن مسعود» الحديث. قال ابن القطان عقبها: تبين أن زينب سمعته من رسول الله - ﷺ -، ولكن لا ندري ممن تلقى ذَلِكَ أبو سعيد. وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة: «تصدقي عليه وعلى بنيه فإنهم له موضع» (٧).
الثامنة عشرة: استئذان النساء على الرجل وهو مع أهله وسؤاله قبل الإذن عمن يستأذن، وأنه إذا لم ينسب إليه من يستأذن، سأل أن ينسب، والزيانب: جمع زينب.
التاسعة عشرة: فيه اتخاذ العلي، وفي الترمذي من حديث ابن

---------
(١) «الطبقات الكبرى» ٨/ ٢٩٠.
(٢) «المعجم الكبير» ٢٤/ ٢٦٣ حيث قال: رائطة بنت عبد الله؟؟؟ امرأة عبد الله بن مسعود. وأورد لها خمسة أحاديث، ثم ترجم في ٢٤/ ٢٨٣، فقال: زينت بنت أبي معاوية امرأة عبد الله بن مسعود. وأورد لها ستة عشر حديثًا.
(٣) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧ (٨٥٠٣، ٨٥٠٥).
(٤) انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٤٠٥ (٣٣٨٧) و٤/ ٤١١ (٣٣٩٦).
(٥) انظر: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٣٣٠ (٣٨٧٣) و٦/ ٣٣٣٨ (٣٨٨٥).
(٦) انظر: «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٩٠ (٢٢١٢) و٥/ ٥٩٣ (٢٢١٥) و١٠/ ٥٦ - ٥٩ (٤٢٤٦ - ٤٢٤٨).
(٧) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٠٦ - ١٠٧ (٢٤٦١) كتاب: الزكاة، باب: استحباب إتيان المرأة زوجها وولدها بصدقة التطوع ....



لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - أنه رأى في الحلي زكاة (١). وفي إسناده مقال، ولا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - ﷺ - (٢)، وقال بعض الصحابة، ابن عمر وجابر وعائشة وأنس:
------------
(١) «سنن الترمذي» (٦٣٧).
ولفظه: إن امرأتين أتتا رسول الله - ﷺ - وفي أيديهما سواران من ذهب فقال لهما: «أتؤديان زكاته»، قالتا: لا، قال: فقال لهما رسول الله - ﷺ -: «أتحبان أن يسوركما الله بسوار من نار؟» قالتا: لا، قال: «فأديا زكاته».
ورواه أبو داود (١٥٦٣)، والنسائي ٥/ ٣٨ من طريق حسين المعلم، عن عمرو به بلفظ: أن امرأة [زاد النسائي من أهل اليمن] أتت رسول الله - ﷺ - ومعها ابنة لها وفي يد ابنها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟» فقالت: لا، قال: «أيسرك ان يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي - ﷺ -: وقالت: هما لله -عز وجل- ولرسوله.
(٢) هذا قول الترمذي. قال ابن القطان: الترمذي إنما ضعف هذا الحديث؛ لأنه وقع له من وراية ابن لهيعة عن عمرو، لا بعمرو بن شعيب. وصحح إسناد أبي داود والنسائي: «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦ (٢٥٣٩).
وقال النووي في «المجموع» ٥/ ٥١٦: إسناد حسن، ورواه الترمذي من رواية ابن لهيعة، وهو ضعيف.
والحديث من طريق أبي داود والنسائي صححه أيضًا المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٦٥ - ٥٦٦.
وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٦٤١): رواه الثلاثة وإسناده قوي.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٩٦): إسناده حسن. وقال في «الإرواء» ٣/ ٢٩٦: إسناده إلى أبي داود والنسائي جيد.
والحديث رواه النسائي ٥/ ٣٨ عن عمرو بن شعيب، مرسل. وقال كما في «تحفة الأشراف» ٦/ ٣٠٩. وكما في «البدر المنير» ٥/ ٥٦٨، وفي «الدراية» ١/ ٢٥٩: المرسل أولى بالصواب.
قال الحافظ: علة غير قادحة.
والحديث قد أعله بعض أهل العلم في مجمله تبعًا للترمذي، انظر ذلك مبينًا في «البدر المنير» ٥/ ٥٦٦ - ٥٦٨.



ليس في الحلي زكاة (١)، وبه يقول الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق (٢).
قُلْتُ: وأسماء وعبد الله بن يزيد كما ذكره أحمد (٣)، وحديث أم سلمة أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فسألت رسول الله - ﷺ -: أكنز هو؟ قال: «لا إذا أديت زكاته فليس بكنز» حديث حسن، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٤)، وعن عائشة مثله وقال: صحيح على شرطهما (٥)، وقد سلفت المسألة.

------------
(١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣٨٣ كتاب: الزكاة، من قال: ليس في الحلي زكاة، و«مصنف عبد الرزاق» ٤/ ٨١ - ٨٣ كتاب: الزكاة، باب: البر والحلي.
(٢) انتهى كلام الترمذي ٣/ ٢٠ - ٢١، وانظر: «عيون المجالس» ٢/ ٥٢٦، «روضة الطالبين» ٢/ ٢٦٠، «المبدع» ٢/ ٣٦٩.
(٣) هذِه العبارة فيها نظر؛ فليس لعبد الله بن يزيد في هذا الباب عند أحمد شيئًا، وإنما الحديث لأسماء بنت يزيد، رواه أحمد ٦/ ٤٦١ من طريق شهر بن حوشب عنها، قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي - ﷺ - عليها أسورة من ذهب، فقال لنا: «أتعطيان زكاته؟» قالت: فقلنا: لا، قال: «أما تخافا أن يسوركما الله أسورة من نار، أديا زكاته».
قال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٥٩: في إسناده مقال.
(٤) «المستدرك» ١/ ٣٩٠.
ورواه أبو داود (٥٦٤). قال النووي في «المجموع» ٥/ ٥١٦ - ٥١٧: إسناده حسن.
وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٥٩: قواه ابن دقيق العيد.
وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» وانظر: «الصحيحة» (٥٥٩).
(٥) «المستدرك» ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠.
ورواه أبو داود (١٥٦٥).
قال الحافظ: إسناده على شرط الصحيح. وقال في «الدراية» ١/ ٢٥٩: قال ابن دقيق العيد: على شرط مسلم.
وأعله بعض أهل العلم. انظر: «البدر المنير» ٥/ ٥٨٣ - ٥٨٤.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٩٩٨)، وفي «الإرواء» ٣/ ٢٩٧: إسناده صحيح على شرط الشيخين.



العشرون: فتوى العالم مع وجود أعلم منه، وأرادت التثبت مع قول ابن مسعود ممن هو أعلم منه.
الحادية بعد العشرين: قوله - ﷺ - لها: «زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» قال ابن التين: لم يخص فرضًا من تطوع. قال ابن أبي ذئب وسفيان وأهل المشرق: تعطي المرأة زوجها الفقير من زكاتها (١).
وقال ابن حبيب عن مالك: لا يجزئها. وقال أشهب: إن صرف ذَلِكَ في منافعها لم يجزئها، وإلا أجزأها، وبه قال ابن حبيب (٢).
الثانية بعد العشرين: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير هذا الحديث في قولها: (فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم) أُراهم أولاد ابن مسعود من غيرها؛ لأنهم أجمعوا أن المرأة لا تعطي صدقتها بنيها، والذي زعم أنه إجماع ليس كذلك كما قال ابن التين؛ لأن مالكًا ومن اقتدى به يقولون: من لا تلزم نفقته إن أُعطِي من الصدقة أجزأ (٣).
والأم لا يلزمها نفقة الولد، ويرد عليه أيضًا قوله - عليه السلام -: «زوجك وولدك» إلى آخره، وخاطبها بذلك فدل على أنهم ولدها وكذلك في الحديث الآتي بعده: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟
وقال الإسماعيلي: حديث أبي سعيد هذا فيه نظر، فإن في حديث زينب: وأيتام في حجرها؟ وفي بعض الحديث: وولد ابن مسعود. كأنهم

----------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٥.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٦.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٤.



من غيرها، وفي الجملة: لا يجوز صرف الزكاة من سهم الفقراء من الرجل إلى ولده وهو يعلم، فإن كان معنى الخبر على ما روي: «ما أنفقه المسلم فهو له صدقة حتَّى اللقمة ترفعها إلى فيك» (١)
فهذا محتمل ويحتمل أن تكون النفقة على أبي الصغار دون أنفسهم، فإذا كان الأب لا مال له ينفق عليهم، كان للأم أن تتصدق عليه وعليهم، أو تعطيه لينفق هو على نفسه وعليهم، يدل على ذَلِكَ حديث أم سلمة من عند البخاري: أُنفق على بني أبي سلمة إنما هم بني (٢)؟
وفي «معجم الطبراني»: أيجزئ أن أجعل صدقتي فيك وفي بني أخي أيتام؟ الحديث (٣)، وفي رواية: يا رسول الله، هل لي من أجر أن أتصدق على ولد عبد الله من غيري. وإسنادهما جيد (٤)، وللبيهقي: كنت أعول عبد الله ويتامى في حجري (٥).
وقال أبو طالب: سئل أبو عبد الله: أتعطي المرأة زوجها من الزكاة؟ قال: لا أحب أن تعطيه، قيل له: فامرأة ابن مسعود أليس أمرها النبي - ﷺ - أن تعطيه؟! قال: ذاك صدقة ليس من الزكاة، ثم حسبته إن شاء

----------
(١) قال ابن رجب الحنبلي: هذا اللفظ غير معروف، إنما المعروف قول النبي - ﷺ -: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرْت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك». اهـ. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٦٥ بتصرف.
قلت: حديث سعد هذا سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، ورواه مسلم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث- مطولًا.
(٢) سيأتي برقم (١٤٦٧) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.
(٣) «المعجم الكبير» ٢٤/ ٢٨٥ (٧٢٥).
(٤) «المعجم الكبير» ٢٤/ ٢٨٦ (٧٢٨).
(٥) «السنن الكبرى» ٤/ ١٧٨ كتاب: الزكاة، باب: الاختيار في الصدقة.



الله، قال: لم يروه إلا إبراهيم النخعي من الزكاة، وفي موضع آخر قال: وقد قال بعض الناس: فيه من الزكاة وما هو عندي بمحفوظ.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز لأحد دفع الزكاة إلى أبيه وجده وإن علا، ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل، ومن سواهم يجوز دفعها إليهم (١)، وهو أفضل، وأجمعوا أنه لا يعطي زوجته من الزكاة (٢)، ولا تدفع المرأة لزوجها عند أبي حنيفة ومالك (٣)، وقد أسلفنا قول أحمد.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأشهب وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وابن حزم: يجوز (٤)، محتجين بحديث زينب، وبما رواه الجوزجاني عن عطاء قال: أتت رسول الله - ﷺ - امرأة فقالت: يا رسول الله، إن علي نذرًا أن أتصدق بعشرين درهمًا، وإن لي زوجًا فقيرًا أفيجزئ عني أن أعطيه؟ قال: «نعم لك كفلان من الأجر»، وحديث زينب في التطوع لقولها: وعندي حلي لي فأردت أن أتصدق به. ولا تجب الصدقة في الحلي عند بعض العلماء، ومن يجيزه لا يكون الحلي كله زكاة، إنما يجب جزء منه، وقال - ﷺ -: «زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» والولد لا تدفع إليه الزكاة إجماعًا. انتهى كلامه.
وقد أسلفنا كلام ابن التين عن مالك وأن الأم لا يلزمها نفقة الولد، أي: لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]

----------
(١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٥٧.
(٢) المصدر السابق ص ٥٨.
(٣) انظر: «الأصل» ٢/ ١٤٨، «الهداية» ١/ ١٢٢، «عيون المجالس» ٢/ ٥٩٥.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٠، «المنتقى» ٢/ ١٥٦، «البيان» ٣/ ٤٤٤، «المحلى» ٦/ ١٥٢.



وقد جاء أنهم أولاده من غيرها فنسبتهم إليها مجازًا؛ لأنهم في مؤنتها، واحتج من جوز ذَلِكَ بأنه داخل في جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقة، ولأن كل من لا يلزم الإنسان نفقته جائز أن يضع فيه الزكاة، والمرأة لا تلزمها النفقة على زوجها ولا على بنيه.
الثالثة بعد العشرين: فيه اتخاذ البساتين والعقار، قال ابن عبد البر: وفيه رد؛ لما يروى عن ابن مسعود أنه قال: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا. قال: ولا خلاف أن كسب العقار مباح إذا كان حلالًا، ولم يكن بسبب ذل ولا صغار، فإن ابن عمر كره كسب أرض الخراج ولم ير شراءها، وقال: لا تجعل في عنقك صغارًا (١).
الرابعة بعد العشرين: إباحة استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض؛ لقوله: ويشرب من ماء فيها طيب.
الخامسة بعد العشرين: فيه دلالة للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال: إن الله ﷻ يقول، كما يقال: إن الله تعالى قال، خلافًا لما قاله مطرف بن عبد الله بن الشخير إذ قال: لا يقال: الله تعالى يقول، إنما يقال: قال، أو: الله -عز وجل- قال، كأنه ينحو إلى استئناف القول، وقول الله تعالى قديم، وكأنه ذهل عن قوله: ﴿وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٢) [الأحزاب: ٤].
السادسة بعد العشرين: قوله: (ضعها حيث أراك الله). فيه: مشاورة أهل العلم والفضل في كيفية وجوه الطاعات وغيرها والإنفاق من المحبوب.

---------------
(١) «التمهيد» ١/ ٢٠١.
(٢) انظر: «المجموع» ٢/ ١٩٧.



السابعة بعد العشرين: قوله: «وقد سمعت ما قُلْت» بوب عليه البخاري في الوكالة باب: إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل: قد سمعت (١)، قال المهلب: دل على قبوله - ﷺ - ما جعل إليه أبو طلحة، ثم رد الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه في من يضعها.
وفيه: أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول، وقد ذكر إسماعيل القاضي في «مبسوطه» عن القعنبي بسنده سواء.
وفيه: أنه - ﷺ - قسمها في أقاربه وبني عمه، يعني: أقارب أبي طلحة لا خلاف في ذَلِكَ.
قال أبو عمر: وهو المحفوظ عند العلماء، وأضاف القسم في ذَلِكَ إلى الشارع؛ لأنه الآمر به (٢).
الثامنة بعد العشرين: قوله: (أفعل يا رسول الله) ضبطه ابن التين. في غير هذا الباب بضم اللام، قال: وهو فعل مستقبل مرفوع، ويحتمل كما قال النووي أن يكون: أفعل أنت ذاك فقد أمضيته على ما قُلْت فجعله أمرًا. واختلف الفقهاء إذا قال الرجل لآخر: خذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير، قال مالك في «المدونة»: لا يأخذ منه شيئًا، وإن كان فقيرًا. وقال آخرون: يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء. وقال آخرون: جائز له أن يأخذه كله إذا كان فقيرًا.

-------------
(١) سيأتي برقم (٢٣١٨).
(٢) «التمهيد» ١/ ١٩٩.



٤٥ - باب لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ». [١٤٦٤ - مسلم: ٩٨٢ - فتح: ٣/ ٣٢٦]
ذكر فيه حديث عراك بن مالك، عن أبي هريرة: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلا غُلَامِهِ صَدَقَة».


٤٦ - باب لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ». [انظر: ١٤٦٣ - مسلم: ١٨٢ - فتح: ٣/ ٣٢٧]
ذكر فيه الحديث المذكور (١) من طريقين بلفظ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَة فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ».
هذا الحديث أخرجه من حديث خثيم بن عراك عن أبيه، عن أبي هريرة به، وليس له عنده سواه -أعني خثيم-، عن أبيه عنه، وأخرجه مسلم والأربعة بلفظ: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (٢).
وفي لفظ له -وهو من أفراده-: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر» (٣) ولأبي داود: «إلَّا زكاة الفطر في الرقيق» (٤).
ولابن وهب: «لا صدقة على الرجل في خيله ولا في رقيقه» (٥).
ولابن أبي شيبة: «ولا وليدته» (٦).

------------
(١) بعدها في الأصل: (الشافعي مرفوعًا) وكتب فوقها: لا … إلى.
(٢) «صحيح مسلم» (٩٨٢) كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه.
(٣) «صحيح مسلم» (٩٨٢) كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه.
(٤) «سنن أبي داود» (١٥٩٤) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق.
(٥) «موطأ ابن وهب» ص ٧٢ (١٨٩).
(٦) «المصنف» ٢/ ٣٨٠ (١٠١٣٩) كتاب: الزكاة، ما قالوا في زكاة الخيل.



وهو مُقتضٍ لنفي كل صدقة من هذا الجنس إلا ما دل الدليل عليه، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا زكاة في الخيل (١). ورُوي ذلك عن علي، وابن عمر، وهو قول النخعي، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والشعبي -فيما ذكره ابن أبي شيبة- (٢) وعطاء، والحسن البصري، والحكم، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور (٣). وخالف الجماعةَ أبو حنيفة، وزفر فقالا: في كل فرس دينار إذا كانت ذكورًا وإناثًا سائمة، وإن شاء قوَّمها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم (٤).
دليل الجماعة هذا الحديث، وقد أخرجه مالك في «الموطأ»، والستة كما تقدم (٥).
وكذا خالف في العبد كما قال الداودي: خالف الكوفي سائر العلماء في الفرس والعبد وقال: فيهما الصدقة، وغيره قال: لا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد زكاة.

------------
(١) انظر: «المعونة» ١/ ٢٤٤، «الأم» ٢/ ٢٢، «المغني» ٤/ ٦٦.
(٢) «المصنف» ٢/ ٣٨١ (١٠١٤٥ - ١٠١٤٨، ١٠١٥٠) كتاب: الزكاة، ما قالوا في زكاة الخيل.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٢١، «المجموع» ٥/ ٣١١.
(٤) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، «البناية» ٣/ ٣٩٦.
(٥) «الموطأ» ١/ ٢٨٧ (٧٣٤) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق والعسل والخيل، وسلف برقم (١٤٦٣)، ورواه مسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق، والترمذي (٦٢٨) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الخيل والرقيق صدقة، والنسائي ٥/ ٣٦ كتاب الزكاة، باب: زكاة الرقيق، وابن ماجة (١٨١٢) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الخيل والرقيق.



قال أبو عبد الملك: هذا الحديث أصل في المقتنيات كلها أنه لا صدقة فيها.
وأصل الحلي إذا اقتني لا زكاة فيه، واحتج به داود على أن العروض لا زكاة فيها وإن أريد بها التجارة، وكذلك استثنى في رواية زكاة الفطر؛ لما كانت واجبة، وفي «الأسرار» للدبوسي: لما سمع زيد ابن ثابت حديث أبي هريرة هذا قال: صدق رسول الله - ﷺ -، ولكنه أراد فرس الغازي، وأما ما طلب نسْلها ورِسْلها، ففيها الزكاة في كل فرس دينار، أو عشرة دراهم. قال أبو زيد: ومثل هذا لا نعرفه قياسًا، فثبت أنه مرفوع. قُلْتُ حتَّى يثبت الأصل.
وقال ابن عبد البر في حديث أبي هريرة: رواه حبيب كاتب مالك، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فأخطأ، وكان كثير الخطأ، وأخطأ فيه أيضًا يحيى بن يحيى -يعني: الأندلسي- فأسقط سليمان بين ابن دينار وعراك.
وأما حديث مالك (١) عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار أن عمر وأبا عبيدة أبيا عن ذَلِكَ، ففيه دلالة واضحة على المنع، وهذا يعارض ما روي عن عمر في زكاة الخيل، قال: ولا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار أوجبها في الخيل إلا أبا حنيفة.
وحجته ما رواه عبد الرزاق عن عمر (٢)، وحديث مالك يرده ويعارضه فتسقط الحجة (٣).
قُلْتُ: وفي «مستدرك الحاكم» ما أخرجه أحمد أن عمر جاءه ناس

------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: منقطع.
(٢) «المصنف» ٤/ ٣٥ - ٣٦ (٦٨٨٧ - ٦٨٨٩) كتاب: الزكاة، باب: الخيل.
(٣) «الاستذكار» ٩/ ٢٨٠ - ٢٨١.



من أهل الشام فقالوا: إنا أصبنا أموالًا وخيلًا ورقيقًا نحب أن يكون لنا فيها زكاة، فاستشار أصحاب محمد - ﷺ - فقالوا: حسن وفيهم علي. فقال: هو حسن إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها فعدل. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد إلا أن الشيخين لم يخرجا عن حارثة بن مضرب -يعني: أحد رواته- وإنما ذكرته في هذا الموضع للمحدثات الراتبة التي فرضت في زماننا على المسلمين (١).
وأما ما رواه البغوي في «معجمه» عن مرثد بن ربيعة (اليزني) (٢) قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الخيل فيها شيء؟ قال: «لا، إلا ما كان منها للتجارة» (٣) فآفته الشاذكوني (٤). وأما حديث أبي يوسف، عن غورك ابن الحصرم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: «في الخيل السائمة في كل فرس دينار» (٥) قال الدارقطني: تفرد به غُورك،

--------------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٠٠ - ٤٠١ كتاب: الزكاة، «المسند» ١/ ١٤.
(٢) كذا بالأصل، وفي مصادر الترجمة: العبدي.
(٣) «معجم الصحابة» ٥/ ٤٣٤.
(٤) وقال البغوي: وما بلغني هذا الحديث إلا من هذا الوجه الذي رواه سليمان بن داود الشاذكوني، وقد رماه الأئمة بالكذب.
(٥) روه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٣٣٨ (٧٦٦٥)، الدارقطني في «سننه» ٢/ ١٢٥ - ١٢٦ كتاب: الزكاة، باب: زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق، والبيهقي في «سننه» ٤/ ١١٩ كتاب: الزكاة، باب: من رأى في الخيل صدقة، وفي «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٩٥ (٨١١٩) كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة في الخيل، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٥ (٨١٩) وقال: هذا حديث لا يصح، وغورك ليس بشيء، وقال الدارقطني: هو ضعيف جدًا.
وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٦٩ وعزاه للطبراني وقال: فيه: الليث بن حماد وغورك، وكلاهما ضعيف، وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» إسناده ضعيف جدًا، وانظر: «الضعيفة» ٩/ ١٨ (٤٠١٤).



وهو ضعيف جدًّا (١).
قال البيهقي: ولو كان صحيحًا عند أبي يوسف لم يخالفه (٢). وقد قال بقول أبي حنيفة زفر، وقبلهما حماد بن أبي سليمان، وفي «الروضة»، وإبراهيم النخعي.
وحديث علي مرفوعًا: «عفوت عن صدقة الخيل والرقيق» صححه البخاري من طريقيه فيما سأله الترمذي (٣). وحديث عمرو بن حزم (٤)، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء» (٥) دالَّان للجماعة.
واحتج لأبي حنيفة أيضًا بحديث أبي هريرة: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما التي هي له ستر يتخذها تكرمًا وتجملًا، ولم ينس حق الله في ظهورها وبطونها وعسرها ويسرها» (٦).
وقد أنصف الطحاوي فقال: كل ما سلف أن ما أخذ عمر منهم لم يكن زكاة، ألم تر أن اللذين كانا قبل -يعني: رسول الله والصديق- لم يأخذا منها صدقة ولم ينكر على عمر ما قال من ذَلِكَ أحدٌ من الصحابة،

----------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٦.
(٢) «سنن البيهقي» ٤/ ١١٩.
(٣) «سنن الترمذي» (٦٢٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الذهب والورق، وقد تقدم تخريجه والكلام عليه.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: صوابه: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
(٥) رواه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧ كتاب: الزكاة، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٨٩ كتاب: الزكاة، باب: كيف فرض الصدقة، و٤/ ١١٨ كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة في الخيل، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٣٣٣).
(٦) سيأتي برقم (٢٨٦٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: الخيل لثلاثة، ورواه مسلم (٩٨٧) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.



وذكر قول عمر السالف أنه إنما أخذ ذَلِكَ بسؤالهم إياه، وأن لهم منع ذَلِكَ متى أحبوا، ثم سلك عمر بالعبيد في ذَلِكَ مسلك الخيل، ولم يدل ذَلِكَ أن العبيد الذين لغير التجارة تجب فيهم الصدقة، وإنما كان ذَلِكَ على التبرع من مواليهم لإعطاء ذَلِكَ (١).
والأمة مجمعة على أنه لا زكاة في العبيد غير زكاة الفطر إذا كانوا للقنية، فإن كانوا للتجارة فالزكاة في أثمانهم، ويلزم تقويمهم كالعروض.
وأما حديث أبي هريرة: «ولم ينس حق الله» (٢) فإنه يجوز أن يكون ذَلِكَ الحق حقًّا سوى الزكاة، فإنه روي ذَلِكَ عن رسول الله - ﷺ -: «في المال حق سوى الزكاة» (٣) لكنه ضعيف كما تقدم، وأيضًا الحديث في الخيل المرتبطة لا السائمة.
وأيضًا حديث جابر مرفوعًا: «إن حق الإبل إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنحة سمينها» (٤) فيحتمل أن يكون كذلك في الخيل، ومن جهة النظر أن من أوجبها لا يوجبونها حتَّى تكون ذكورًا وإناثًا، ويلتمس صاحبها نسلها، ولا يجب في ذكورها خاصة، ولا في إناثها خاصة.
وكانت الزكاوات المتفق عليها في المواشي تجب في الإبل، والبقر، والغنم ذكورًا كانت كلها أو إناثًا، فلما استوى حكم الذكور خاصة في ذَلِكَ، وحكم الإناث خاصة، وحكم المجموع، وكانت الذكور من الخيل خاصة، والإناث منها خاصة لا تجب فيها زكاة.

------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٨.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) رواه مسلم (٩٨٨) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فقهاء منسيون
* التاريخ بين عناية الله والفاعلية الإنسانية
* أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي .. إمام السنة في الجزائر
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ
* الأقرع بن حابس بن عقال التميمي الدرامي : صحابي.
* مَسْلَمة بنُ عبد المَلِك مُجاهد على الدَّوام أَحْمد الشِّرباصي
* تراجم الفقهاء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2026, 09:03 PM   #293

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 451 الى صـــ 470
الحلقة (293)






قال الطحاوي والطبري: والنظر أن الخيل في معنى البغال والحمير التي قد أجمع الجميع أن لا صدقة فيها، ورد المختلف في ذَلِكَ إلى المتفق عليه إذا اتفق في المعنى أولى (١).
فرع:
في الحديث جواز قول: غلام فلان. وجواز قول: عبد فلان. وفي البخاري: نهى رسول الله - ﷺ - أن يقول الرجل عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي (٢) (٣).

--------------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٩ - ٣٠.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: آخر ٧ من ٨ من تجزئة المصنف.
(٣) سيأتي برقم (٢٥٥٢) كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق.



٤٧ - باب الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامَى
١٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: «إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ. فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلاَّ آكِلَةَ الخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». [انظر: ٩٢١ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ٣/ ٣٢٧].
ذكر فيه حديث أَبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّه - عليه السلام - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ ..
وذكر الحديث: «وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِم مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَإِنَّه مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأكلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
الشرح:
هذا الحديث ذكره البخاري في موضع آخر بلفظ: «أخوفُ ما أخافُ عليكم ما يخرج الله لكم من زهرةِ الدنيا» قالوا: وما زهرةُ الدنيا يا رسول


الله؟ قال: «بركاتُ الأرض» وفي آخره: «فمَنْ أخَذَهُ بحقِهِ ودفعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه ..» الحديث (١). وفي لفظ: «أين السائل آنفًا؟ أو خير هو -ثلاثًا- إن الخير لا يأتي إلا بالخير» (٢).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجهين:
أولهما: في ألفاظه: «زَهْرَةِ الدُّنْيَا»: يقال لحسن الدنيا وبهجتها
الزهرة والزهراء مأخوذ من زهرة الأشجار، وهو ما يصفر من نوارها، قاله في «الموعب»، والنور: قال ابن الأعرابي: هو الأبيض منها.
وقال أبو حنيفة: الزهر والنور سواء. وفي «مجمع الغرائب»: هو ما يزهر منها من أنواع المتاع والعين، والثياب، والزرع، وغيرها بما يغتر الخلق بحسنها مع قلة بقائها.
وفي «المحكم»: زَهْرَة الدنيا وزَهَرَتُها (٣).
و(الرُّحَضَاءَ): العرق الشديد، قال ابن بطال: عرق الحمى، وقد رحض ورحضت الثوب: غسلته (٤). ورحض الرجل إذا أصابه ذَلِكَ فهو رحيض ومرحوض. وعبارة الخطابي: الرحضاء: عرق يرحض الجلد لكثرته (٥).
وقوله: («أَوَيَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟») هو بهمزة الاستفهام، وواو العطف -الواقعة بعدها- المفتوحة على الرواية الصحيحة، مُنكرًا على

------------
(١) هذا اللفظ عند مسلم (١٠٥٢) كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا -أما لفظ البخاري: «إن أكثر ما أخاف عليكم ..» الحديث سيأتي برقم (٦٤٢٧) كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافي فيها.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٤٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل النفقة في سبيل الله.
(٣) «المحكم» ٤/ ١٦٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٨.
(٥) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٩٣.



من توهم أنه لا يحصل منه شر أصلًا لا بالذات ولا بالعرض، نعم قد يعرض له ما يجعله شرًا إذا أسرف فيه ومنع من حقه.
وقوله: («وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ») قال القزاز: هذا حديث جرى فيه البخاري على عادته في الاختصار والحذف؛ لأن قوله: فرأينا يُنْزَل عليه، يريد: الوحي.
وقوله: («وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ») حذف (ما) قبل يقتل وحذف حبطا، والحديث: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» فحذف حبطا، وحذف (ما). قال القزاز: وقد رويناه بها.
قال ابن دريد في «وشاحه»: هذا من الكلام الفرد الموجز الذي لم يسبق إليه، وهو أكثر من سبعين لفظة، ذكرها مفصلة، وروايته فيه (لما) بلام وما.
وقوله: («إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَ») يعني: التي تخرج مما جمعت منه ورعت، وما ينفعها إخراجه مما لو أمسكه؛ لضره إثمه كما يضر التي رعت لو أمسكت البول والغائط ولم تخرجه. ويبين هذا المعنى قوله - عليه السلام - في المال: «فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين وابن السبيل» وفي هذا تفضيل المال.
وقال الخطابي: الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منه الماشية فتنهكه أكلًا، ولكنه من الجنْبَة التي ترعاها بعد هيج العشب ويبسه، وأكثر ما رأيت العرب تقول: الخضر لما اخضر من الكلأ الذي لم يصفر، والماشية من الإبل ترتع منه شيئًا فشيئًا فلا تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه. وقد ذكره طرفة وبين أنه نبت في الصيف فقال:


إذا أنبتا الصيف عساليج الخضر.
والخضر من كلأ الصيف وليس من أحرار بقول الربيع، والنعم لا تستوكله ولا تحبط بطونها عليه (١).
وقال أبو عبد الملك: يريد لو استوفت نبت الربيع ربما قتلها، وهو خير، وكذلك المال إذا منع منه فإنه يهلكه وهو خير أيضًا. وقال غيره: أراد بآكلة الخضر المقتصد على قدر الكفاية من الدنيا، فضربه - عليه السلام - مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ناج من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: «أكلت حتَّى امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس؛ فثلطت وبالت» أراد أنها شبعت منه بركت مستقبلة الشمس؛ تستمرئ بذلك ما أكلت وتجتر وتثلط، فإذا ثلطته فقد زال عنها الحبط وهو انتفاخ البطن من داءٍ يصيب الآكل، وإنما يحبط الماشية؛ لأنها لا تثلط، ولا تبول، ومنه قوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣] أي: بطلت.
ووقع في رواية العذري: «إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَة» على الإفراد، وعند الطبري: «الخُضْرة» «وثلطت» بفتح اللام، وبه صرح الجوهري وغيره (٢)، قال ابن التين: وهو ما سمعناه. وضبطه بعضهم بكسرها.
قال الجوهري: ثلط البعير إذا ألقى بعره رقيقًا وكذا قال ابن فارس (٣) وصاحب «المحكم» حيث قال: ثلط الثور والبعير والصبي يثلط ثلطًا سلح سلحًا (٤) رقيقًا. وفي «مجمع الغرائب» خرج رجيعها -يعني: آكلة الخضر- عفوًا من غير مشقة؛ لاسترخاءِ ذات بطنها فيبقى

------------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٩٣.
(٢) «الصحاح» ٣/ ١١١٨.
(٣) «مجمل اللغة» ١/ ١٦٢.
(٤) «المحكم» ٩/ ١٢٠.



نفعها وتخرج فضولها ولا تتأذى. وفي «المغيث»: وأكثر ما يقال للبعير والفيل (١).
و«الربيع»: جزء من أجزاء السنة، فمن العرب من يجعله الفصل الذي يدرك فيه الثمار، وهو الخريف، ومنهم من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأول، ويسمي الفصل الذي يتلو الشتاء، وتأتي فيه الكمأة والنور: الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع.
قال أبو حنيفة في كتاب «الأنواء»: يسمى قسما الشتاء ربيعين: الأول منهما: ربيع الماء والأمطار، والثاني: ربيع النبات؛ لأن فيه ينتهي النبات منتهاه. قال: والشتاء كله ربيع عند العرب من أجل الندى، قال: والمطر عندهم ربيع متى جاء، والجمع: أربعة ورباع، وربما سمي الكلأ والعشب ربيعًا، والربيع أيضًا: المطر الذي يكون بعد الوسمي، والربيع: ما تعتلفه الدواب من الخضر، والجمع من كل ذَلِكَ: أربعة.
وقوله: («أو يلم») أي: يقرب من الهلاك، يقال: ألم الشيء: قرب. «ورتعت» رعت، أرتع إبله: رعاها في الربيع، أرتع وارتبع الفرس وتربع: أكل الربيع. وقال الداودي: رتعت افتعل من الرعي، وليس كذلك. ورتعت عند أهل اللغة: اتسعت في المرعى، وإنما استقبلت عين الشمس؛ لأنه الحين الذي تشتهى فيه الشمس، فإذا ألقته مجتمعًا ليس ببعر اشتهت المرعى فرتعت، فجعل هذا مثلًا لمن يأخذ البعر، ووجه المثل من الحديث أن يقول: نبات الربيع خير،

-----------
(١) «المجموع المغيث» ١/ ٢٧١.


ولكن ربما قتل بهذا الداء -يعني: الحبط- أو قارب القتل. قال الأزهري: هذا الحديث فيه مثلان:
أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، فهي آكلة الربيع؛ لأنه ينبت أحرار البقول، والعشب فتستكثر منه الماشية؛ فيشق أمعاءها.
والثاني: ضربه مثلًا للمقتصد، وهو قوله: «إلا آكلة الخضر». وقد سلف.
وقوله: («وإن هذا المال خضرة حلوة») يريد أن صورة الدنيا ومتاعها حسنة مؤنقة، والعرب تسمي الشيء الحسن المشرق الناضر خضرًا؛ تشبيهًا له بالنبات الأخضر الغض. ويقال: سمي الخضر خضرًا لحسن وجهه وإشراقه، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ [الأنعام: ٩٩] ومنه قولهم: اختضر الرجل إذا مات شابًا؛ لأنه يؤخذ في وقت الحسن والإشراق. يقول: إن المال يعجب الناظرين إليه، ويحلو في أعينهم فيدعوهم حسنه إلى الاستكثار منه، فماذا فعلوا ذَلِكَ تضرروا به كالماشية إذا استكثرت من المرعى ثلطت أي: سلحت سلحًا رقيقًا.
وقال ابن الأنباري: قوله: «خضرة»: حلوة لم يأت على الصفة، وإنما أتى على التمثيل والتشبيه كأنه قال: إن هذا المال كالبقلة الخضرة الحلوة، ويقول: إن هذا السجود حسنة، والسجود مذكر، فكأنه قال: السجود فعلة حسنة.
وقوله: («نعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل») يقول: إن من أُعطي مالًا وسلط على هلكته في الحق، فأعطى


من فضله المسكين وغيره، فهذا المال المرغوب فيه.
وقوله: «وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع» يعني: إنه كلما نال منه شيئًا ازدادت رغبته، واستقل ما في يده، ونظر إلى من فوقه فنافسه.
وقوله: «ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة» يجوز أن يكون على ظاهره، وأنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت بما فعل فيه، أو يمثل له بمثال حيوان كما سلف، أو يشهد عليه الموكلون بكتب السبب والإنفاق.
الوجه الثاني: في فوائده:
الأولى: جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة وجلوس الناس حوله.
الثانية: خوف المنافسة؛ لقوله: «إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا».
الثالثة: استفهامهم بضرب المثل، وقول الرجل: أو يأتي الخير بالشر؟ يريد المال، وقد سمى الله تعالى المال خيرًا في قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وضربه - ﷺ - مثلًا.
الرابعة: سكوت العالم عند السؤال وتأخر جوابه طلبًا لليقين، فقد سكت - عليه السلام - عند ذَلِكَ.
الخامسة: اللوم عند خوف كراهة المسألة والاعتراض، إذا لم يكن موضعه بينًا ينكر على المعترض به، ألا تراهم أنكروا على السائل. وقالوا: إن من سأل العالم وبَاحَثَه عما ينتفع به ويفيد، حكمه أنه
محمود مَنْ فَعَله.


السادسة: معرفتهم حالة نزول الوحي عليه - عليه السلام -؛ لقوله: (فرأينا أنه ينزل عليه).
السابعة: مسح الرحضاء؛ لشدة الوحي عليه، وهو شدة العرق الذي أدركه عند نزوله عليه.
الثامنة: دعاء السائل؛ لقوله: «أين السائل؟» سأل عنه؛ ليجيبه.
التاسعة: ظهور البشرى؛ لقوله: (وكأنه حمده) أي: لما رأوا فيه من البشرى؛ لأنه كان إذا سرَّ برقت أسارير وجهه.
العاشرة: احتج به قوم على تفضيل الفقر على الغنى، وليس كما تأولوه؛ لأنه - عليه السلام - لم يخش عليهم ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا إلا إذا ضيعوا ما أمرهم الله تعالى به في إنفاقه في حقه إذا كسبوه من غير وجهه.
الحادية عشرة: ضرب الأمثال بالأشياء التافهة.
الثانية عشرة: جواز عرض التلميذ على العالم الأشياء المجملة؛ ليبينها.
الثالثة عشرة: الحض على إعطاء هذِه الأصناف: المسكين، واليتيم، وابن السبيل، وقد ورد في الحديث أن الصدقة على اليتيم تذهب قساوة القلب، وسيأتي في الأدب -إن شاء الله تعالى- في فضل من يعول يتيمًا (١).
الرابعة عشرة: أن المكتسب للمال من غير حله غير مبارك فيه؛ لقوله «كالذي يأكل ولا يشبع»؛ لأن الله تعالى قد رفع عنه البركة، وأبقى في قلوب آكليه ومكتسبيه الفاقة، وقلة القناعة، ويشهد لهذا
(١) سيأتي برقم (٦٠٠٥).


قول الله ﷻ: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] فالمحق أبدًا في المال: المكتسب من غير وجهه.
الخامسة عشرة: أن للعالم أن يحذر من يجالسه من فتنة المال وغيره، وتنبيههم على مواضع الخوف من الافتتان به كما قال - ﷺ -: «إن مما أخاف عليكم» فوصف لهم ما يخاف عليهم، ثم عرفهم بمداواة تلك الفتنة وهي إطعام هؤلاء الثلاثة.


٤٨ - باب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الحَجْرِ
قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٣٠٤]

١٤٦٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً، قَالَتْ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ». وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا، قَالَ: فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللهِ: سَلْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -. فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى البَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا. فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَنْ هُمَا». قَالَ: زَيْنَبُ قَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟». قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: «نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ». [مسلم: ١٠٠٠ - فتح: ٣/ ٣٢٨]

١٤٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ [أُمِّ سَلَمَةَ]، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ: «أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ». [٥٣٦٩ - مسلم: ١٠٠١ - فتح: ٣/ ٣٢٨].
قاله أبو سعيد عن النبي - ﷺ -.
ثم ذكر فيه حديث الأَعْمَشُ عن شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ
امْرَأَةِ عَبْدِ. قَالَ: فَذَكَرْتهُ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ (١)، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ بِمِثْلِهِ سَوَاءً، قَال: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» .. الحديث.

--------
(١) في هامش الأصل تعليق نصه: في السند تابعي عن تابعي، الصحابي، عن صحابية.


ثم ذكر حديث أُمِّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ: «أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ».
الشرح:
تعليق أبي سعيد سلف قريبًا في الزكاة على الأقارب (١).
وحديث زينب أخرجه مسلم (٢)، وحديث أم سلمة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وحديث زينب أخرجه النسائي بإدخال ابن أخي زينب امرأة عبد الله (٤)، وهو وهم كما نبه عليه الترمذي ونقله في «علله» (٥) عن البخاري، وأباهُ ابنُ القطان (٦).
وذكر الإسماعيلي أن رواية إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن زينب تصحح رواية من لم يدخل بين عمرو وزينب ابن أخيها، والمرأة التي وجدتها تسأل عن مثل ذَلِكَ اسمها زينب، وهي امرأة أبي مسعود الأنصاري. أخرجه النسائي (٧)، وطَرَّقَهُ الدارقطني، وقد سلف فقهه قريبًا في باب: الزكاة على الأقارب، فراجعه (٨).
وقولها: (فرأيت النبي - ﷺ -) كذا هنا، وفي مسلم: فرآني النبي - ﷺ -.
وهو صحيح أيضًا (٩)، وبخط الدمياطي أنه الوجه.

-------------
(١) سلف برقم (١٤٦٢).
(٢) «صحيح مسلم» (١٠٠٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدَين ولو كانوا مشركَين.
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٠١).
(٤) «سنن النسائي» ٥/ ٩٢ - ٩٣ كتاب: الزكاة، الصدقة على الأقارب.
(٥) «علل الترمذي»
(٦) «بيان الوهم والإيهام»
(٧) النسائي ٥/ ٩٢ - ٩٣.
(٨) راجع حديث (١٤٦٢).
(٩) «صحيح مسلم» (١٠٠٠/ ٤٦).



٤٩ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وَيُعْطِي فِي الحَجِّ. وَقَالَ الحَسَنُ: إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ، وَيُعْطِي فِي المُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ. ثُمَّ تَلَا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةَ، فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لَاسٍ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ.

١٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالصَّدَقَةِ فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: «هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ. [مسلم: ٩٨٣ - فتح: ٣/ ٣٣١]
ويذكر عن ابن عباس: يعتق من زكاة ماله، ويعطي في الحج. وقال الحسن: إن اشترى أباه من الزكاة جاز، ويعطي في المجاهدين والذي لم يحج، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية في أيها أعطيت أجزأت.
وقال النبي - عليه السلام -: «إن خالدًا احتبس أدراعه في سبيل الله».


ويذكر عن أبي لاسٍ الخزاعي: حَمَلَنا النبيُّ - ﷺ - على إبل الصدقة للحج.
ثم ذكر حديث أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - عليه السلام - بِالصَّدقةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابن جَمِيلٍ، «مَا يَنْقِمُ ابن جَمِيلٍ ..» الحديث.
تَابَعَهُ ابن أبي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: «هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». وَقَالَ ابن جُرَيْجٍ: حُدَّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ مِثْلَهُ.
الشرح:
أثر ابن عباس المعلق أسنده ابن أبي شيبة، عن أبي جعفر، عن
الأعمش، عن حسان، عن مجاهد، عنه أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق النسمة منها (١).
وفي «علل عبد الله بن أحمد»، عن أبيه، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، ثنا الأعمش، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال ابن عباس: أعتق من زكاتك. وقال الميموني: قيل لأبي عبد الله: يشتري الرجل من زكاة ماله الرقاب، فيعتق ويجعل في ابن السبيل؟ قال: نعم، ابن عباس يقول ذَلِكَ ولا أعلم شيئًا يدفعه، وهو ظاهر الكتاب.
قال الخلال في «علله»: هذا قوله الأول، والعمل على ما بيّن عنه الجماعة في ضعف الحديث إلى أحمد بن هاشم الأنطاكي. قال: قال أحمد: كنت أرى أن يعتق من الزكاة ثم كففت عن ذَلِكَ؛ لأني لم أرَ إسنادًا يصح. قال حرب: فاحتج عليه بحديث ابن عباس، فقال: هو مضطرب.

--------------
(١) «المصنف» ٢/ ٤٠٣ (١٠٤٢٤) كتاب: الزكاة، من رخص أن يعتق من الزكاة.


وأثر الحسن روى ابن أبي شيبة بعضه، عن حفص، عن أشعث بن سوار قال: سُئل الحسن عن رجل اشترى أباه من الزكاة فأعتقه. قال: اشترى خير الرقاب (١).
وتعليق حديث خالد قد أسنده في نفس الباب.
وحديث أبي لاسٍ المعلق أخرجه الطبراني عن عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وحَدَّثَنَا أبو خليفة، ثنا ابن المديني، ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن أبي لاسٍ قال: حملنا رسول الله - ﷺ - على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج؛ فقلنا: يا رسول الله، ما نَرى أن تحملنا هذِه. فقال: «ما من بعير إلا وفي ذروته شيطان، فإذا ركبتموها فاذكروا نعمة الله عليكم كما أمركم الله ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله» (٢).
وعزاه ابن المنذر إلى رواية ابن إسحاق كما سقناه وتوقف في ثبوته كما سيأتي.
فائدة: أبو لاس هذا خزاعي، ويقال: حارثي، عبد الله بن غنمة، وقيل محمد بن الأسود (٣) قاله أبو القاسم وقيل: زياد مدني له صحبة، وحدثت له حديثان وليس لهم أبو لاس غيره، فهو فرد، وهو بالمهملة (٤).

------------
(١) «المصنف» ٢/ ٤٠٣ (١٠٤٢٣).
(٢) «المعجم الكبير» ٢٢/ ٣٣٤ (٨٣٧).
(٣) في هامش الأصل تعليق نصه: قاله الذهبي في «التجريد» ٢/ ٥٤ محمد بن أسود بن خلف بن أسعد الخزاعي، قال شباب روى على ذروة كل بعير شيطان …) والتعليق طويل غير مقروء.
(٤) انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٣٠٣ (٣١٧٨)، و«أسد الغابة» ٦/ ٢٦٥ (٦١٩٦)، و«الإصابة» ٤/ ١٦٨ (٩٨٠).



وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (١). ومتابعة ابن أبي الزناد، وابن إسحاق خرجهما الدارقطني (٢).
وقوله: «وأعبده» بالباء، والصحيح ما قاله عبد الحق بالمثناة فوق، ولمسلم «أعتاده» (٣).
إذا تقرر ذَلِكَ:
فاختلف العلماء في المراد بالرقاب في الآية أي: ملاكها على قولين:
أحدهما: أن يشتري رقبة سليمة فيعتق، قاله ابن القاسم، وأصبغ (٤).
والثاني: المكاتبون، قاله الشافعي، وابن وهب، وروى مطرف عن مالك: لا بأس أن يعطى زكاة للمكاتب ما يتم به عتقه. وعنه كراهة ذَلِكَ؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم فربما عجز فصار عبدًا (٥).
وعلى الأول الولاء للمسلمين، ويشترط فيها الإسلام على المشهور. وفي إجزاء المعيبة قولان. وفي المكاتب والمدبر قولان، والمعتق بعضه.
ثالثها: إن كمل عتقه أجزأ وإلا فلا. والمشهور لا يعطي الأسير لعدم الولاء، ولو اشترى بها وأعتق عن ثفسه لم يجزِئْه على المشهور، وعلى الآخر الولاء للمسلمين.
وما قاله الشافعي مروي عن علي، والنخعي، وسعيد بن جبير،

-------------
(١) «صحيح مسلم» (٩٨٣) كتاب: الزكاة، باب: في تقديم الزكاة ومنعها.
(٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٣ باب: تعجيل الصدقة قبل الحلول.
(٣) مسلم (٩٨٣).
(٤) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٨٣.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٥، «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٨٣.



والزهري، والثوري، وأبي حنيفة، والليث، ورواية ابن نافع وابن القاسم عن مالك (١)، قال ابن قدامة: وإليه ذهب أحمد، وقد أسلفنا الاختلاف عنه. والأول سلف عن ابن عباس، وبه قال إسحاق، وأبو ثور، والحسن، ورواية عن أحمد سلفت (٢).
احتج الثاني بأن كل صنف أعطاهم الله الصدقة بلام التمليك، فكذا الرقاب يجب أن يكون المراد به من يملكها، والعبد لا يملكها، ولأن الله تعالى ذكر الأصناف الثمانية، وجمع بين كل صنفين متقاربين في المعنى، فجمع بين الفقراء والمساكين، وجمع بين العاملين والمؤلفة قلوبهم، لأنهما يستعان بهما إما في جباية الصدقة، وإما في معاونة المسلمين.
وجمع بين ابن السبيل وسبيل الله لتقاربهما في المعنى، وهو قطع المسافة، وجمع بين الرقاب، والغارمين، وأخذ المكاتب لغرم كتابته كأخذ الغارمين للديون.
وفي الدارقطني من حديث البراء قال رجل: يا رسول الله، دُلَّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار. قال: «أعتق النسمة، وفك الرقبة» قال: يا رسول الله، أو ليسا واحدًا قال: «لا، عتق النسمة أن ينفرد بعتقها، وفك الرقبة أن يعين في ثمنها» (٣) وفي الترمذي عن أبي هريرة

-------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٢، «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٤.
(٢) «المغني» ٤/ ٣٢٠.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٥.
ورواه أحمد ٤/ ٢٩٩. وصححه ابن حبان ٢/ ٩١ - ٩٢ (٣٧٤)، والحاكم ٢/ ٢١٧، والحافظ في «الفتح» ٥/ ١٤٦.
وقال الهيثمي ٤/ ٢٤٠: رواه أحمد ورجاله ثقات. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٩٧٦).



مرفوعًا: «ثلاثة كلهم حق على الله عونه: الغازي في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء، والناكح المتعفف» (١) احتج لمالك بعموم ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وإطلاقها يقتضي عتق الرقاب في كل موضع أطلق ذكرها مثل كفارة الظهار قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادله: ٣] وكذلك في اليمين، ولو أراد المكاتبين لاكتفي بذكر الغارمين لأنه غارم.
قالوا: وشراء العبد ابتداء أولى من المكاتب؛ لأن المكاتب حصل له سبب العتق بمكاتبة سيده له، والعبد لم يحصل له سبب عتق.
قالوا: ولو أعطينا المكاتب، فإن تم عتقه كان الولاء لسيده فيحصل، له المال والولاء. وإذا اشترينا عبدًا فأعتقناه كان ولاؤه للمسلمين، فكان أولى لظاهر الآية. ولا نسلم لهم ما ذكروه. وقول الحسن: (إن اشترى أباه من الزكاة جاز).
قال ابن التين: لم يقل به مالك. وقال ابن بطال: ينبغي أن يجوز على أصل مالك؛ لأنه يجيز عتق الرقاب من الزكاة، إلا أنه يكرهه، لما فيه من انتفاعه بالثناء عليه بأنه ابن حر، ولا يجوز عند أبي حنيفة، والشافعي (٢).
وقوله قبل ذَلِكَ عن ابن عباس: (ويعطى) قال به ابن عمر أيضًا، وأحمد، وقال: معنى قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٦٠]

--------------
(١) «سنن الترمذي» (١٦٥٥) ورواه النسائي ٦/ ١٥ - ١٦ و٦١ وابن ماجه (٢٥١٨).
وصححه ابن حبان ٩/ ٣٦٩ (٣٢١٨)، والحاكم ٢/ ١٦٠ و٢١٧.
وقال الداقطني في «العلل» ١٠/ ٣٥٠ - ٣٥١: اختلف في رفعه ووقفه، ورفعه صحيح.
وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٠٤١)، وفي «غاية المرام» (٢١٠).
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩٦ - ٤٩٧.



الحج (١). وقال مالك، والشافعي، وجمهور الفقهاء: هو الغزو والجهاد (٢). دليلهم أن هذا اللفظ إذا أطلق كان ظاهره الغزو ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] ولا خلاف أن المراد به الغزو والجهاد وقال: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] وقال: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] وقيل: المراد به المجاهدون والحجاج. وقال أبو يوسف: هم منقطعو الغزاة. وقال محمد بن الحسن: فقراء الحاج، كذا في «المبسوط» وغيره (٣).
وعند ابن المنذر قولهما، وقول أبي حنيفة أنه المغازي، وحكى أبو ثور، عن أبي حنيفة أنه الغازي دون الحاج (٤).
وزعم ابن بطال أيضًا أن هذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. قال: إلا أن أبا حنيفة، وأصحابه قالوا: لا يعطي الغازي إلا أن يكون محتاجًا. وقال مالك، والشافعي: يعطى وإن كان غنيًا (٥).

----------
(١) قال ابن قدامة رحمه الله: ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله لأن سبيل الله عند الإطلاق وهو الغزو وللإمام أحمد في دفع الزكاة في الحج روايتان:
الأولى: أنه يعطى من الصدقة، والثانية: لا يصرف منها في الحج؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد؛ ولأنه لا مصلحة للمسلمين في حج الفقير ولا حاجة به إلى إيجاب الحج عليه، وهو ما رجحه ابن قدامة لقوله: وهو أصح.
«المغني» ٩/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٣، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٤٥، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢١.
(٣) «المبسوط» ٣/ ١٠.
(٤) انظر: «البناية» ٣/ ٥٣٤.
(٥) انظر: «المعونة» ١/ ٢٧٠، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢١.



وقال محمد بن الحسن: من أوصى بثلث ماله في سبيل الله، فللوصي أن يجعله في الحاج المنقطع به.
واحتجوا بأن رجلًا وقف ناقة له في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحج وتركبها، فسألت رسول الله - ﷺ - فقال: «اركبيها فإن الحج من سبيل الله» فدل أن سبيل الله كلها داخلة في عموم اللفظ، رواه شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: أرسل مروان إلى (أم معقل) (١) يسألها عن هذا الحديث (٢). وإلى هذا ذهب البخاري، وكذلك ذكر حديث أبي لاس أن النبي - ﷺ - حملهم على إبل الصدقة للحج. وتأول قوله: «إن خالدًا احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله» أنه يجوز أن يدخل فيه كل سبيل الله الحج والجهاد وغيره (٣).
وذكر قول الحسن السالف. وأغرب ما رأيت أنهم طلبة العلم حكاه شارح «الهداية» من الحنفية. وقال أبو عبيد: لا أعلم أحدًا أفتى أن تصرف الزكاة إلى الحج.
وقال ابن المنذر: لا يعطى منها في الحج؛ لأن الله تعالى قد بين من يعطاها إلا أن يثبت حديث أبي لاس، فإن ثبت وجب القول به في مثل ما جاء الحديث خاصة. وأما قول أبي حنيفة: لا يعطى الغازي من الزكاة إلا أن يكون محتاجًا (٤).

------------
(١) في الأصل: أم الفضل، والصواب ما أثبتناه كما سيأتي في تخريج الحديث.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٣٦٠ (٣٠٧٥) كتاب: الزكاة، باب: الرخصة في العمرة على الدواب المحبسة في سبيل الله، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٨٢ كتاب: المناسك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩٧.
(٤) انظر: «الهداية» ١/ ١٢١، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٢٧٠.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فقهاء منسيون
* التاريخ بين عناية الله والفاعلية الإنسانية
* أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي .. إمام السنة في الجزائر
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ
* الأقرع بن حابس بن عقال التميمي الدرامي : صحابي.
* مَسْلَمة بنُ عبد المَلِك مُجاهد على الدَّوام أَحْمد الشِّرباصي
* تراجم الفقهاء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-13-2026, 09:05 PM   #294

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 471 الى صـــ 490
الحلقة (294)






فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٦٠] فإذا غزا الغني فأعطي كان ذَلِكَ في سبيل الله.
وأما السنة: فروى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو لغاز في سبيل الله، أو غني اشتراها بماله، أو فقير تصدق عليه فأهدى لغني، أو غارم» (١).
وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٢). ورواه أبو داود مرة مرسلًا (٣). ولأنه يأخذ ذَلِكَ لحاجتنا إليه، فجاز له أخذها مع الغنى كالعامل.
وقوله: في أيها أُعطيت أجزأت. كذا بخط الدمياطي، والألف ملحقة، وذكره ابن التين بلفظ: أجزت وقال: معناه: قضت عنه.
والمشهور في هذا جزأ فعل ثلاثي، فإذا كان رباعيًا همز لغة بني تميم، وقيل جزأ وأجزأ بمعنًى، أي: قضى، مثل وفي وأوفي. وقد سلف ذَلِكَ ويتعلق بهذا مالك، وأبو حنيفة في الاقتصار على صنف واحد من الأصناف الثمانية (٤)، خلافًا للشافعي فإنه لا يجزئ مع

-----------
(١) «المصنف» ٤/ ١٠٩ (٧١٥١) باب: كم الكنز؟ ولمن الزكاة؟.
(٢) «سنن أبي داود» (١٦٣٦) باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، «سنن ابن ماجه» (١٨٤١) باب: من تحل له الصدقة، «المستدرك» ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ كتاب: الزكاة، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ لإرسال مالك بن أنس إياه عن زيد بن أسلم.
(٣) «سنن أبي داود» (١٦٣٥) انظر «صحيح أبي داود» (١٤٤٥).
(٤) انظر: «تبين الحقائق» ١/ ٢٩٩، «الكافي» ص ١١٥.



وجود الأصناف الدفع إلى بعضهم (١).
وأما حديث أبي هريرة: فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
المراد بالصدقة: الفرض، وأبعد من قال: التطوع. وفي مسلم: بعث عمر على الصدقة (٢). وهو دال للأول. وكذا قوله منع. وهو قول الجمهور إذ البعث إنما يكون على الفرض، وادعى ابن القصار أن الأليق أن يكون في التطوع؛ لأنا لا نظن بأحد منهم منع الواجب. فعذر خالد أنه لما أخرج أكثر ماله حبسًا في سبيل الله، لم يحتمل التطوع، فعذر لذلك، أو حسب له ذَلِكَ عوضًا عن الواجب وخاصة بها، وابن جميل شح في التطوع فعتب عليه الشارع. وأخبر عن العباس أنه سمح بما طلب منه ومثله معه، وأنه مما لا يمتنع بما حضه عليه رسول الله - ﷺ -، بل يعده كاللازم، وهو عجيب منه، ففي البيهقي من حديث أبي البختري (٣) عن علي أن النبي - ﷺ - قال: «إنا كنا احتجنا فاستلفنا للعباس صدقة عامين» وفيه: إرسال بين أبي البختري وعلي (٤).
قُلْتُ: وروي من حديث موسى بن طلحة، عن طلحة أيضًا، ومن حديث سليمان الأحول عن أبي رافع، أخرجهما الدارقطني (٥).

---------------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢٩.
(٢) «صحيح مسلم» (٩٨٣).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: أبو البختري اسمه سعيد بن فيروز الطائي يروي عن علي وابن مسعود مرسلًا.
(٤) «السنن الكبرى» ٤/ ١١١ باب: تعجيل الصدقة.
(٥) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٤ - ١٢٥ باب: تعجيل الصدقة قبل الحول وقال الدارقطني عن حديث طلحة: اختلفوا عن الحكم في إسناده، والصحيح عن الحسن بن مسلم، مرسل.



ثانيها:
ابن جميل. قال ابن منده وغيره: لا يعرف اسمه. وقال ابن بزيزة: اسمه حميد، ووقع في «تعليق» القاضي الحسيني، و«بحر الروياني» في متن الحديث عبد الله بن جميل. ووقع في «غريب أبي عبيد»: منع أبو جهم، ولم يذكر أباه (١).
قال المهلب: وكان منافقًا فمنع الزكاة تربصًا، فاستتابه الله في كتابه فقال: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فقال: استتابني ربي. فتاب وصلحت حاله.
وذكر غيره أنها نزلت في ثعلبة. و(ينقم) فيه (٢) بفتح أوله وكسر ثانيه، ويجوز فتحه أيضًا، ومعناه: ينكر، أو يكره، أو يعيب، أي: لا عذر له في المنع إذ لم يكن موجبه إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله. وذلك ليس بموجب له، فلا موجب ألبتة.
ثالثها:
نص رواية البخاري أنه تركها له ومثلها معها، وذلك لأن العباس كان استدان في مفاداة نفسه، ومفاداة عقيل، وكان من الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة، وإليه يرد قوله: «فهي له ومثلها معها» وذكره ابن بطال أيضًا (٣).
وقال أبو عبيد في رواية ابن إسحاق: «هي عليه ومثلها معها». نرى -والله أعلم- أنه أخر عنه الصدقة عامين من أجل حاجة العباس، وأنه

---------------
(١) «غريب الحديث»:
(٢) فوقها في الأصل علق بقوله: (أي في الحديث).
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩٩.



يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظر ثم يأخذها منه بعد، كما أخر عمر صدقته عام الرمادة، فلما حيي الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين (١).
وأما الحديث الذي يروى «إنا قد تعجلنا منه صدقة عامين» (٢) فهو عندي من هذا أيضًا، إنما تعجل منه أنه أوجبها عليه وضمنها إياه، ولم يقبضها منه، فكانت دينًا على العباس ألا ترى قوله: «هي عليه، ومثلها معها». وحديث حجيّة، عن علي: أن العباس سأل رسول الله - ﷺ - أن يعجل صدقته للمساكين قبل أن تحل، فأذن له أخرجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، والحاكم. وقال: صحيح الإسناد (٣). وخالف الدارقطني وغيره فقال: إرساله أصح (٤). فيكون معنى قوله: («فهي عليه صدقة، ومثلها معها») أي: فهي عليه واجبة فأداها قبل محلها.
و«مثلها معها» أي: قد أداها أيضًا لعام آخر كما سلف، وهذا أيضًا معنى رواية مَنْ روى: «فهي عليه» ولم يذكر: صدقة (٥). وفي رواية لعبد الرزاق، عن ابن جريج، عن (يزيد أبي خالد) (٦)، أن عمر قال للعباس:

------------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٣٢٣.
(٢) هذا الحديث رواه ابن سعد في «طبقاته» ٤/ ٢٦، والطبراني في «الكبير» ١٠/ ٧٢ (٩٩٨٥)، وفي «الأوسط» ١/ ٢٩٩ (١٠٠٠) وانظر: «الإرواء» ٣/ ٣٤٩.
(٣) «سنن أبي داود» (١٦٢٤) كتاب: الزكاة، باب: في تعجيل الزكاة، «سنن الترمذي» (٦٧٨) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في تعجيل الزكاة، «سنن ابن ماجه» (١٧٩٥) كتاب: الزكاة، باب: تعجيل الزكاة قبل محلها، «المستدرك» ٣/ ٣٣٢ والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٣٦)، وفي «الإرواء» (٨٥٧).
(٤) «علل الدارقطني» ٣/ ١٨٧ - ١٨٩.
(٥) رواه مسلم (٩٨٣).
(٦) في الأصل: زيد بن خالد، والمثبت من «مصنف عبد الرزاق» ٤/ ٨٦.



(لإِبَّان) (١) الزكاة: أد زكاة مالك. فقال: قد أديتها قبل ذَلِكَ، فذكر ذَلِكَ عمر لرسول الله - ﷺ - فقال: «صدق قد أداها قبل» (٢).
وروى ورقاء، عن أبي الزناد: «فهي علي» (٣). فالمعنى أنه أراد أن يؤديها عنه برأيه، لقوله: «أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه» (٤). ومن حمله على التطوع. قال: المعنى: «فهي عليه صدقة ومثلها معها» أي أنه سيتصدق بمثلها؛ لأنه لا يمتنع من شيء ألزمه إياه من التطوع، بل يعده كاللازم (٥).
وطعن جماعات في هذِه اللفظة أعني قوله: «فهي عليه صدقة ومثلها معها» قال البيهقي: رواية شعيب هذِه، عن أبي الزناد يبعد أن تكون محفوظة؛ لأن العباس كان من صلبية بني هاشم ممن تحرم عليه الصدقة، فكيف يجعل - عليه السلام - ما عليه من صدقة عامين صدقة عليه؟ (٦) وأجاب المنذري بأنه لعل ذَلِكَ قبل تحريم الصدقة على الآل فرأى إسقاط الزكاة عنه لوجه رآه.
وقال الخطابي: هذِه لفظة لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة. وليس
ذَلِكَ بجيد، ففي البخاري متابعة أبي الزناد عليها، لكن بحذف لفظة «صدقة» وتابعه موسى بن عقبة أيضًا عن أبي الزناد في النسائي (٧).

-------------
(١) كذا في الأصل والمصنف.
(٢) «المصنف» ٤/ ٨٦ - ٨٧ (٧٠٦٧) كتاب: الزكاة، باب: وقت الصدقة.
(٣) مسلم (٩٨٣).
(٤) رواه مسلم (٩٨٣) كتاب الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(٥) وقع هنا في الأصل ثلاثة أسطر مكانها يأتي بعد، وعلم عليها (زائد في. إلى).
(٦) «السنن الكبرى» ٤/ ١١١ - ١١٢.
(٧) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٩٦ - ٧٩٧.



وقال ابن الجوزي: قال لنا ابن ناصر: يجوز أن يكون قد قال: «هي علية» بتشديد الياء ولم يبين الراوي، وأما رواية من روى «فهي له، ومثلها معها» فهي رواية موسى بن عقبة والمراد: عليه، وهما بمعنى قال تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] وقال: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ١٦] ويحتمل أن يكون «فهي له» أي عليّ. ويحتمل أنها كانت له عليه إذ كان قد قدمها كما سلف، وبه احتج من رأى تقديمها، وسيأتي.
وأما رواية من روى «فهي عليَّ ومثلها معها» فقيل فيه أنه - عليه السلام - كان تعجلها كما سلف. فالمعنى على النبي - ﷺ - ويحتمل أن يكون عليّ أن أؤديها عنه؛ لما له علي من الحق خصوصًا له؛ ولهذا قال: «أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه» أي: أصله وأصل أبيه واحد. وأصل ذَلِكَ أن طلع النخلات من عرقٍ واحدٍ.
قال البيهقي: وهذِه الرواية أولى بالصحة لموافقتها الروايات الصحيحة بالاستسلاف والتعجيل (١).
وقال الداودي: المحفوظ: «هي له» أي: إنه قد تصدق بصدقته ومثلها معها، وهي أولى؛ لأنه رجل في صلب بني هاشم لا تحل له الصدقة، وقد رواه ورقاء، عن أبي الزناد: «فهي علي ومثلها معها» كأنه قال: كان يسلف منه صدقة عامين: ذَلِكَ العام وعام قبله كذا قال.
ورواية «فهي له» هي رواية موسى بن عقبة يمكن حملها على هذا أيضًا، وقد يحمل على التأويل الأول؛ لأن «له» بمعنى عليه كما سلف. قال ابن التين: والصحيح أن معنى هذِه الرواية أنه قدم صدقة عامين كما سلف.

------------
(١) «السنن الكبرى» ٤/ ١١٢.


رابعها:
اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها، فرأي طائفة منهم أنها لا تعجل، وبه قالت عائشة، وسفيان، والحسن، وابن سيرين.
وقال أكثر أهل العلم: تجوز، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، والحسن، والضحاك، والحكم، وابن سيرين، والنخعي، والأوزاعي، والزهري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (١). وعند مالك في إخراجها قبل الحول بيسير قولان، وحد القليل بشهر، ونصف شهر، وخمسة أيام، وثلاثة (٢).
وقال ابن المنذر: كره مالك والليث إخراجها قبل وقتها، قال: ولا يجزئه أن يعجل. قالوا: وهو كالذي يصلي ويصوم قبل الوقت.
قال الطبري: والذي شبه الزكاة بالصلاة والصيام فليس بمشبه، وذلك أنه لا خلاف بين السلف والخلف في أن الصدقة لو وجبت في ماشيته، فهرب بها من المتصدق، فظهر عليه المصدق فأخذ زكاتها وربها كاره أنها تجزئ عنه، ولا خلاف بينهم أنه لو امتنع من أداء صلاة مكتوبة فأخذ بأدائها كرهًا، فصلاها وهو غير مريد قضاءها، أنها غير مجزئة عنه، فاختلفا.
والعجب ممن زعم عدم الإجزاء لأنه تطوع به، ولا يقع عن الفرض، وليس كما ظن؛ لأن الذي تعجله، لا يعطيه بمعنى الزكاة، وإنما يعطيه من يعطيه دينًا له عليه، على أن يحتبسه عند محله زكاة

------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦، و«البناية» ٣/ ٤٢٦، و«روضة الطالبين» ٢/ ٢١٢، و«المغني» ٤/ ٧٩، و«نيل الأوطار» ٣/ ٥٥.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٣/ ١٣٧.



من ماله. وعلى هذا الوجه كان استسلاف الشارع من العباس صدقته قبل وجوبها في ماله، ومن قاس ذَلِكَ على الصلاة والصوم فقد أفحش الخطأ؛ لأنهما عبادة بدنية بخلافها، وبدليل أخذها من مال المجنون واليتيم.
فإن قلت: فحديث أبي هريرة في التطوع. قُلْتُ: صح في التعجيل كما سلف.
فرع:
رجح الرافعي أنه لا يجوز تعجيل صدقة عامين (١)، والأصح خلافه كما قررته في الفروع، وتؤيده الرواية السالفة.
خامِسهُا: قد أسلفنا أن قوله: (وأَعْتُدَه) بالتاء المثناة فوق على الصحيح، وأَعْبُد: جمع عبد. وأعتده: بالتاء جمع: عند وهو الفرس.
وقد أسلفنا أن عند مسلم «أعتاده» (٢) وهو رواية أبي داود (٣)، وهو شاهد لصحة رواية: «أعتده»، جمعه. والمعروف من عادة الناس في كل زمان تحبيس الخيل والسلاح في سبيل الله. وقال صاحب «العين»: فرس عتد وعتيد أي: معد للركوب، وبذلك سُميت عتيدة الطيب (٤). وقال غيره: الذكر والأنثى فيه سواء. ومما يدل على أنه عند بفتح التاء مجيئه للذكر والأنثى بلفظ واحد هذا حكم المصادر.
سادسها:
اعتذر عن خالد بقوله: «احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله» أي:

-------------
(١) «العزيز» ٣/ ١٦.
(٢) مسلم (٩٨٣).
(٣) أبو داود (١٦٢٤).
(٤) «العين» ٢/ ٢٩ - ٣٠.



تبررًا وذلك غير واجب عليه، فكيف يجوز أن يمنع واجبًا، وقيل: إنه طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والأعتد على معنى أنها كانت للتجارة، فأخبر أنه لا زكاة عليه فيها إذ قد جعلها حبسًا في سبيل الله.
وفي ذَلِكَ إثبات زكاة التجارة. وبه قال جميع الفقهاء إلا داود، وبعض المتأخرين (١).
وقيل: إنه احتبسها أي جعلها في سبيل الله ليحاسب بها، ولو كان حبسها ولم ينو الزكاة للزمته الزكاة. وإنما أجزأه ذَلِكَ؛ لأن أحد الأصناف المستحقين للزكاة: في سبيل الله، وهم المجاهدون، فصرفها في الحال إليهم كصرفها في المآل فعلى هذا يكون دليلًا على إخراج القيم في الزكاة، وعلى جواز إخراج الزكاة. قبل محلها، وقد سلف. وعلى وضع الزكاة في جنس واحد من الثمانية، خلافًا للشافعي في غير الإمام وقد سلف أيضًا.
وفيه: تحبيس آلات الحرب، والثياب، وكل ما ينتفع به مع بقاء عينه، والخيل والإبل كالأعبد. وفي تحبيس غير العقار ثلاثة أقوال للمالكية: المنع المطلق، ومقاتلة الخيل فقط. وقيل: يكره في الرقيق خاصة؛ وجه المنع أن الوقف ورد في العقار دون غيره، فلم يجز تعديه. ووجه الجواز حديث خالد هذا (٢).
وروي أن أبا معقل وقف بعيرًا له، فقيل لرسول الله - ﷺ -، فلم ينكره (٣). وقال أبو حنيفة: لا يلزم الوقف في شيء إلا أن يحكم به

-------------
(١) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٥٢٧، «المغني» ٤/ ٢٤٨، «الإجماع لابن المنذر» ص ٥٧.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٦/ ٣١٣.
(٣) سبق تخريجه.



حاكم، أو يكون الوقف مسجدًا، أو سقاية، أو وصية من الثلث (١).
سابعها: فيه: بعث الإمام العمال بجباية الزكاوات، وأن يكونوا فقهاء أمناء ثقات عارفين، حيث بعث عليها عمر، وتعريف الإمام بمانعيها ليعينهم على أخذها منهم، أو يبين لهم وجوه أعذارهم في منعها، وتعريف الفقير نعمة الله عليه في الغني؛ ليقوم بحق الله فيه. وعتب الإمام على من منع الخير، وإن كان منعه مندوبًا في غيبته وحضوره، وصحة الوقف، وصحة وقف المنقول، وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة، وبعض الكوفيين (٢)، وأنه لا زكاة في الوقف، ووجوب زكاة التجارة على ما سلف، والتصريح باسم القريب، وفيه غير ذَلِكَ مما أوضحته في «شرح العمدة» فراجعه منه تجدْ نفائسَ (٣).

------------
(١) انظر: «الهداية» ٣/ ١٥ - ١٦.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٦/ ٢٢٠.
(٣) في هامش الأصل تعليق: ثم بلغ في السادس عشر كتبه مؤلفه.
وانظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٥/ ٧١ - ٩٤.



٥٠ - باب الاِسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ
١٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». [٦٤٧٠ - مسلم: ١٠٥٣ - فتح: ٣/ ٣٣٥]

١٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». [١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤ - مسلم ١٠٤٢ - فتح: ٣/ ٣٣٥]

١٤٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». [٢٠٥٧ - ٢٣٧٣ - فتح: ٣/ ٣٣٥]

١٤٧٢ - وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى».
قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ


المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى تُوُفِّيَ. [٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١ - مسلم: ١٠٣٥ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَألُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعْطَاهُمْ .. الحديث. وفيه: «وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ الله».
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». الحديث.
وحديث الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّام مرفوعًا مثله. وحديث حَكِيم بنِ حِزَامٍ «يا حكيم إِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَة ..» الحديث.
الشرح:
هذِه الأحاديث أخرجها مسلم خلا حديث (ابن الزبير) (١) فهو من أفراد البخاري (٢)، واستغرب الترمذي حديث أبي هريرة (٣).
وحديث حكيم خرجه البخاري أيضًا في الوصايا (٤)، وسلف «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» (٥).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليها من وجوه:

----------
(١) في الأصل علق تحتها بقوله: يعني: عروة.
(٢) حديث أبي سعيد الأول رواه مسلم (١٠٥٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر، حديث أبي هريرة الثاني رواه مسلم (١٠٤٢) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس، حديث حكيم الرابع رواه مسلم (١٠٣٥) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
(٣) «سنن الترمذي» (٦٨٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة.
(٤) سيأتي برقم (٢٧٥٠) باب تأويل قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
(٥) انظر ما سلف برقم (١٤٢٦).



أحدها:
«نفِد» في الحديث الأول بكسر الفاء ثم دال مهملة أي: فرغ وفني. ذكره الجوهري (١).
ثانيها:
قوله فيه: «(فلن أدخره عنكم» قال الترمذي: روي عن مالك: «فلن»، ويروى عنه: «فلم» أي: لن أحبسه عنكم، وقوله: قبله: (فقال: «ما يكون عندي من خير») بخط الدمياطي صوابه: «يكن» أي: من حيث الرواية.
ثالثها:
قوله: «لأن يأخذ» كذا هنا، وفي «الموطأ» «ليأخذ» (٢) وعند الإسماعيلي من رواية قتيبة ومعن والتنيسي «ليأخذ» ثم قال معن والتنيسي: «لأن يأخذ».
واعلم أن مدار هذِه الأحاديث على كراهية المسألة، ولا شك أنها على ثلاثة أوجه: حرام، ومكروه، ومباح. فمن سأل وهو غني من زكاة، وأظهر من الفقر فوق ما هو به فهذا لا يحل له. ومن سأل من تطوع ولم يظهر من الفقر فوق ما هو به فهذا مكروه. والاحتطاب خير منه. والمباح: أن يسأل بالمعروف قريبًا أو صديقًا أو ليكافيء. أما السؤال عند الضرورة فواجب لإحياء النفس، وأدخله الداودي في المباح. وأما الأخذ من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به.

-------------
(١) «الصحاح» ٢/ ٥٤٤.
(٢) «الموطأ»



رابعها:
قوله: «إن هذا المال خضرة حلوة» سلف معناه في باب: الصدقة على اليتامى. ومعنى «فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه»: أي: بغير شدة ولا إلحاح ولا بمسكنة، وفي رواية «بطيب نفس» (١).
قال القاضي: فيه احتمالان:
أحدهما: أنه عائد على الآخذ، يعني: من أخذه بغير سؤال ولا إشراف نفس بورك فيه.
والثاني: أنه عائد إلى الدافع، ومعناه: فمن أخذه ممن يدفعه منشرحًا يدفعه إليه طيب النفس من غير سؤال اضطره إليه أو نحوه مما لا تطيب معه نفس الدافع.
خامسها:
قوله: «ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع»؛ لأنه يأكل من سقم وآفة، فكلما أكل ازداد سقما ولا يجد شبعًا فينجع فيه الطعام، ويزعم أهل الطب أن ذَلِكَ من علة السوداء، ويقال: إنها صفة دائه وأهل الطب يسمونها الشهوة الكلبة والكلبية لمن يأكل ولا يشبع قيل: إنه لا يبقي شيئًا ولا يسد لها مسدًّا. وقيل: معنى بإشراف نفس أن المسئول يعطيه عن تكرر. وقيل: يريد به شدة حرص السائل وإشرافه على المسألة. ومعنى: «لم يبارك له فيه» أي إذا أتبع نفسه المسألة، ولم يصن وجهه فلم يبارك له فيما أخذ وأنفق.
سادسها:
معنى «لا أرزأ أحدًا بعدك» أي: لا آخذ من أحد شيئًا؛ لأنه إذا أخذ

--------------
(١) ستأتي برقم (٦٤٤١) في الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «هذا المال خضرة حلوة».


من مال أحد فقد نقص ذَلِكَ من ماله وصارت كلمة فاشية. ولما ولي عمر ابن عبد العزيز، قدم عليه وفد العراق، فأمر لهم بعطاء، فقالوا: لا نرزؤك، وترك حكيم أخذ العطاء، وهو حق له؛ لأنه خشي أن يفعل خلاف ما قال لرسول الله - ﷺ -، واتقى أن يكون بما يعطى، فترك ما يريبه لما لا يريبه.
وفي بعض حديثه: ولا منك يا رسول الله؟ قال: «ولا مني» وإنما قال له ذَلِكَ لما كان وقع منه من الحرص والإشراف في المسألة ورأى أن قطع ذَلِكَ كله عن نفسه خير له؛ لئلا تشرف نفسه إلى شيء فيتجاوز به القصد.
سابعها:
فيه تشبيه الرغبة في المال، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده والحلو كذلك فاجتماعهما أشد.
وفيه: أيضًا إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضراوات لا تبقى ولا تراد للبقاء.
ثامنها:
في حديث أبي سعيد من الفقه: إعطاء السائل مرتين من مال واحد من الصدقة. قال ابن بطال (١): ومثله عندهم الوصايا، يجيزون لمن أوصي له بشيء إذا قبضه أن يعطى مع المساكين، وإن كان ذَلِكَ الشيء لا يخرجه عن حد المسكنة، وأبى ذَلِكَ ابن القاسم وطائفة من الكوفيين.
وفيه: أيضًا ما كان - عليه السلام - من الكرم والسخاء والإيثار على نفسه.

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٦.


وفيه: الاعتذار للسائل إذا لم يجد ما يعطيه.
وفيه: الحض على الاستغناء عن الناس بالصبر، والتوكل على الله، وانتظار رزق الله، وأن الصبر أفضل ما أعطيه المؤمن، وكذلك الجزاء عليه غير مقدور، ولا محدود. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
تاسعها:
في حديث أبي هريرة الحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، وأن يمتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وإن ركب المشقة في ذَلِكَ، ولا يكون عيالًا على الناس، ولا كَلاًّ، وذلك لما يدخل على السائل من الذل في سؤاله وفي الرد إذا رد خائبًا، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن هو أعطى لكل سائل، ولهذا المعنى قال رسول الله - ﷺ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى».
وكان مالك يرى ترك ما أعطى الرجل على جهة الصدقة أحب إليه من أخذه وإن لم يسأله.
عاشرها:
في حديث حكيم من الفقه أن سؤال السلطان الأعلى ليس بعار، وأن السائل إذا ألحف لا بأس برده، وموعظته، وأمره بالتعفف، وترك الحرص على (أخذه) (١)؛ كما فعل الشارع بحكيم فأنجح الله موعظته ومحا بها حرصه، فلم يرزأ أحدًا بعده، والقناعة وطلب الكفاية والإجمال في الطلب مقرون بالبركة. وأن من طلبه بالشرَهِ والحرص فلم يأخذه من حقه لم يبارك له فيه، وعوقب بأن حرم بركة ما جمع،

--------------
(١) في الأصل: (أحد)، ولعل المثبت هو الصحيح.


وفضل المال والغنى إذا أنفق في الطاعة عملًا بقوله: «اليد العليا خير من اليد السفلى» وأن الإنسان لا يسأل شيئًا إلا عند الحاجة؛ لأنه إذا كان يده السفلى مع إباحة المسألة فهو أحرى أن يمتنع من ذَلِكَ عند غيرها. وأن من كان له عند أحد حق من معاملة وغيرها، فإنه يجبره على أخذه إذا أبي. وإن كان بما لا يستحقه إلا ببسط اليد إليه فلا يجبر على أخذه. وإنما أشهد عمر على إباء حكيم من أخذ ماله في بيت المال؛ لأنه خشي سوء التأويل، فأراد تبرئة ساحته بالإشهاد عليه، وأنه لا يستحق أحد من بيت المال شيئًا بعد أن يعطيه الإمام إياه، وأما قبل ذَلِكَ فليس مستحق له، ولو كان مستحقًّا له لقضى عمر على حكيم بأخذه، وعلى ذَلِكَ يدل قوله تعالى حين ذكر قسم الصدقات وفي أي الأصناف تقسم ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ آية [الحشر: ٧] فإنما هو لمن أوتيه لا لغيره وإنما قال العلماء في إثبات الحقوق في بيت المال تشددًا على غير المرَضِيِّ من السلاطين؛ ليغلقوا باب الامتداد إلى أموال المسلمين والتسبب إليها بالباطل. ويدل على ذَلِكَ فتيا مالك فيمن سرق من بيت المال أنه يقطع (١)، ومن زنى بجارية من الفيء أنه يحد، ولو استحق في بيت المال أو في الفيء شيئًا على الحقيقة قبل إعطاء السلطان له ذَلِكَ لكانت شبهة يُدرأ عنه الحد بها. وجمهور الأمة على أن للمسلمين حقًّا في بيت المال، والفيء يقسمه الإمام على اجتهاده، وسيأتي ذَلِكَ في الجهاد إن شاء الله ذَلِكَ وقدره (٢).
------------
(١) انظر: «المدونة» ٤/ ٤٢٧.
(٢) انتهى كلام ابن بطال بتصرف.



٥١ - باب مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ
١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ -وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ- فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». [٧١٦٣، ٧١٦٤ - مسلم: ١٠٤٥ - فتح: ٣/ ٣٣٧]
ذكر فيه حديث سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيهِ مِنِّي فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هذا المَالِ شَيٌ -وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ- فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تتبِعْهُ نَفْسَكَ».
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا عن سالم، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - كان يعطي عمر بزيادة. قال سالم: فمن أجل ذَلِكَ كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيه، وأخرجه عن عمر أيضًا (١).
ومعنى غير مشرف: غير متعرض، ولا حريص عليه بشره وطمع، وأصله من قولهم: أشرف فلان على كذا، إذا تطاول له ورماه ببصره. ومنه قيل للمكان المرتفع: شرف، وللشريف من الرجال: شريف؛ لارتفاعه عمن دونه بمكارم الأخلاق. ومعنى («فلا تتبعه نفسك»): ما لم يأتك من غير مسألة فلا تحرص عليه.

--------------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٤٥) كتاب: الزكاة، باب: إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف.


قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، فكانت تلك الأموال يعطاها الناس لا من جهة (الفقر) (١)، ولكن من حقوقهم فيها، فكره الشارع لعمر حين أعطاه قوله: أعطه من هو أفقر إليه مني. لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، ثم قال له: «خذه فتموله» (٢) هكذا رواه شعيب عن الزهري، فدل أن ذَلِكَ ليس من أموال الصدقات؛ لأن الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقات ما يتخذه مالًا كان عن غير مسألة أو عن مسألة. ثم قال: «إذا جاءك من هذا المال الذي هذا حكمه فخذه» (٣).
قال الطبري: واختلف العلماء في قوله: «فخذه» بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد، فقال بعضهم: هو ندب لكل من أعطي عطية أبي قبولها كائنًا من كان معطيها إمامًا أو غيره، صالحًا كان أو فاسقًا، بعد أن يكون ممن تجوز عطيته. روي عن أبي هريرة أنه قال: ما أحد يهدي إليَّ هدية إلا قبلتها، فأما أن أسأل فلا. وعن أبي الدرداء مثله. وقبلت عائشة من معاوية.
وقال حبيب بن أبي ثابت: رأيت هدايا المختار تأتي ابن عمر، وابن عباس فيقبلانها. وقال عثمان بن عفان: جوائز السلطان لحم ظبي ذكي.
وبعث سعيد بن العاصي إلى علي بهدايا فقبلها وقال: خذ ما أعطوك.
وأجاز معاوية الحسين بأربعمائة ألف. وسئل أبو جعفر محمد بن علي ابن الحسين عن هدايا السلطان فقال: إن علمت أنه من غصب أو

-----------
(١) في الأصل: (الفقراء) بالمد ولعل المثبت أصح.
(٢) سيأتي في رواية (٧١٦٣) كتاب الأحكام، باب رزق الحكام والعاملين عليها.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢.



سحت فلا تقبله، وإن لم تعرف ذَلِكَ فاقبله، ثم ذكر قصة بريرة. وقول الشارع: «هو لنا هدية»، وقال: ما كان من مأثم فهو عليهم وما كان من مهنأ فهو لك، وقبلها علقمة، والأسود، والنخعي، والحسن، والشعبي.
وقال آخرون: بل ذَلِكَ ندب منه أُمَّتَه إلى قبول عطية غير ذي سلطان، فأما السلطان، فإن بعضهم كان يقول: حرام قبول عطيته، وبعضهم كرهها، روي أن خالد بن أسيد أعطى مسروقًا ثلاثين ألفًا فأبى أن يقبلها، فقيل له: لو أخذتها فوصلت بها رحمك. فقال: أرأيت لو أن لصًّا نقب بيتا، ما أبالي أخذتها أو أخذت ذَلِكَ. ولم يقبل ابن سيرين ولا ابن رزين ولا ابن محيريز من السلطان. وقال هشام بن عروة: بعث إليَّ عبد الله بن الزبير وإلى أخي بخمسمائة دينار. قال أخي: رُدَّها، فما أكلها أحد وهو غني عنها إلا أحوجه الله إليها.
وقال ابن المنذر: كره جوائز السلطان محمد بن واسع، والثوري وابن المبارك وأحمد. وقال آخرون: بل ذَلِكَ ندب إلى قبول هدية السلطان دون غيره. وروي عن عكرمة: إنا لا نقبل إلا من الأمراء.
قال الطبري: والصواب عندي أنه ندب منه إلى قبول عطية كل معطٍ جائزة عطيته، سلطانًا كان أو غيره، لحديث عمر، فندبه إلى قبول كل ما آتاه الله من المال من جميع وجوهه من غير تخصيص سوى ما استثناه، وذلك ما جاء من وجه حرام عليه وعلم به، ووجه من رد أنه كان على من كان الأغلب من أمره أنه لا يأخذ المال من وجهه، فرأى أن الأسلم لدينه والأبرأ لعرضه تركه، ولا يدخل في ذَلِكَ ما إذا علم حرمته، ووجه من


قبل ممن لم يبال من أين أخذ المال، ولا فيما وضعه أنه ينقسم ثلاثة أقسام: ما علم يقينًا فلا يستحب رده. وعكسه: فيحرم قبوله.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* فقهاء منسيون
* التاريخ بين عناية الله والفاعلية الإنسانية
* أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي .. إمام السنة في الجزائر
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ
* الأقرع بن حابس بن عقال التميمي الدرامي : صحابي.
* مَسْلَمة بنُ عبد المَلِك مُجاهد على الدَّوام أَحْمد الشِّرباصي
* تراجم الفقهاء

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
أبو, محمد, لشرح, الملقن, المعروف, الأنصاري, التوضيح, الجامع, الصحيح, ابو, بـ, بن, حفص, على, عمر
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 2 02-04-2019 10:39 PM
القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 ابو العصماء ملتقى الحوار الإسلامي العام 3 12-15-2018 01:05 PM
أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا ام هُمام قسم التراجم والأعلام 1 08-16-2017 07:30 PM
اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان محمود ابو صطيف قسم الاسطوانات التجميعية 9 04-26-2017 01:08 PM
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه ام هُمام قسم التراجم والأعلام 3 07-30-2016 06:53 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009