![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#283 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 251 الى صـــ 270 الحلقة (283) فإذا كان ذلك فرض الله على لسان رسوله - ﷺ - فمعلوم أن الكنز من المال -وإن بلغ الوفاء- إذا أديت زكاته فليس بكنز، ولا يحرم على صاحبه اكتنازه؛ لأنه لم يتوعد الله تعالى عليه بالعقاب، وإنما توعد على كل ما لم يؤد زكاته، وليس في القرآن بيان كم ذلك القدر من الذهب والفضة إذا جمع بعضه إلى بعض استحق جامعه الوعيد. فكان معلومًا أن بيان ذلك إنما يؤخذ من وقف رسول الله - ﷺ -، وهو ما بيناه أنه المال الذي لم يؤد حق الله منه من الزكاة دون غيره من المال. وإنما كتب معاوية إلى عثمان يشكو أبا ذر؛ لأنه كان كثير الاعتراض عليه والمنازعة له، فوقع في جيشه تشتيت من ميل بعضهم إلى قول أبي ذر فلذلك أقدمه عثمان إلى المدينة إذ خشي الفتنة في الشام ببقائه؛ لأنه كان رجلًا شديدًا لا يخاف في الله لومة لائم. وكان هذا توقيرًا من معاوية لأبي ذر. كتب إلى عثمان لا على أن يستجليه، وصانه معاوية من أن يخرجه فيكون عليه وصمة، وذكر الطبري أنه حين كثر الناس عليه بالمدينة يسألونه عن سبب خروجه من الشام خشي عثمان من التشتيت بالمدينة ما خشيه معاوية بالشام، فقال له: تنح قريبًا. قَالَ له: إني والله لن أدع ما كنت أقوله (١). ففيه من الفقه: أنه جائز للإنسان الأخذ بالشدة في الأمر بالمعروف وإن أدى ذلك إلى فراق وطنه. وفيه: أنه جائز للإمام أن يخرج من توقع ببقائه فتنة بين الناس. وفيه: ترك الخروج على الأئمة والانقياد لهم، وإن كان الصواب في خلافهم. -------------- (١) «تاريخ الطبري» ٢/ ٦١٥. وفيه: جواز الاختلاف والاجتهاد في الآراء، ألا ترى أن عثمان ومن كان بحضرته من الصحابة لم يرد أبا ذر عن مذهبه، ولا قالوا: إنه لا يجوز لك اعتقاد قولك؛ لأن أبا ذر نزع بحديث رسول الله - ﷺ - واستشهد به، وذلك قوله - ﷺ -: «مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلَّا ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ». وذلك حين أنكر على أبي هريرة نصل سيفه استشهد على ذلك بقوله - ﷺ -: «مَنْ ترَكَ صفراءَ أو بَيْضاءَ كوِيَ بِها» (١). وهذا حجة في أن الاختلاف في العلم باق إلى يوم القيامة لا يرتفع إلا بالإجماع، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث الأحنف بن قيس قَالَ: كنت جالسًا في مسجد المدينة فأقبل رجل لا تراه حَلْقَةٌ إلا فروا منه، حَتَّى انتهى إلى الحلقة التي كنت فيها فثبت وفروا، فقلت: علام يفر الناس منك؟ قَالَ: إني أنهاهم عن الكنوز قلتُ: إن أُعطياتنا قد ارتفعت وكثرت فتخاف علينا منها؟ قَالَ: أما اليوم فلا، ولكنها توشك أن تكون أثمان دينكم، فدعوهم وإياها (٢). والربذة: على ثلاث مراحل من المدينة، حمى عمر كما ستعلمه، والربذة أيضًا: موضع بين بغداد ومكة (٣)، قاله (الرشاطي) (٤). وأما حديث أبي سعيد فلنقدم الكلام فيه هنا استباقًا للخيرات وإن قلنا فيما مضى: إنه يأتي. فنقول: الأواق جمع أوقية، وهي ما كان ---------------- (١) «تفسير الطبري» ٦/ ٣٥٩ (١٦٦٧٥). (٢) «المصنف» ٢/ ٤٢٧ (١٠٦٩٥) كتاب: الزكاة، ما ذكر في الكنز والبخل بالحق في المال، و٧/ ١٤١ (٣٤٦٨٠) كتاب: الزهد، كلام أبي ذر - رضي الله عنه -، و٧/ ٤٦٩ (٣٧٢٨٩) كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها. (٣) «معجم ما استعجم» ٢/ ٦٣٣ - ٦٣٤، و«معجم البلدان» ٣/ ٢٤ - ٢٥. (٤) في (م): الدمياطي. يوزن بها الفضة، وزنتها أربعون درهمًا، ومن ادَّعى أنها لم تكن معلومة إلى أيام عبد الملك فهو غلط، فكيف يوجب الشارع الزكاة في أعداد منها، وتقع بها البياعات والأنكحة، وجمعها: أواقي. بتشديد الياء وتخفيفها، وقال ابن التين: بدون الياء مع التخفيف، كما يقال: أضحية وأضاح. ورواه البخاري في باب: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، بلفظ: «ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ من الورقِ صَدَقَةٌ» (١)، والورق -بفتح الواو وكسرها مع إسكان الراء، وفتح الواو وكسر الراء-: الدراهم. وربما سميت: ورقة. والرقة: الفضة والمال، عن ابن الأعرابي، وقيل: الفضة والذهب عن ثعلب، حكاه ابن سيده (٢). وإنكار (النووي) (٣) على صاحب «البيان» في قوله: الرقة: الذهب والفضة. ليس بجيد. وفي «الذخيرة» للقرافي أن الدرهم المصري أربعة وستون حبة، وهو أكثر من درهم الزكاة، فإذا أسقطت الزيادة كان النصاب من دراهم مصر مائة وثمانين درهمًا وحبتين (٤). وفي «فتاوى الفضل»: دراهم كل بلد ودنانيرهم. قلتُ: وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، هذا هو المستقر عليه، ولا شيء في المغشوش عندنا حَتَّى يبلغ خالصه نصابًا (٥). وعند أبي حنيفة: إذا كان الغالب الغش فهي كالعروض والقيمة، وفيما زاد على النصاب بحسابه، وفاقًا للشافعي وأحمد ومالك --------- (١) سيأتي برقم (١٤٥٩). (٢) «المحكم» ٦/ ٣٤٤. (٣) في (م): الثوري، وهو خطأ بين. (٤) «الذخيرة» ٣/ ١٠. (٥) انظر: «حلية العلماء» ٣/ ٧٩. والصاحبين وجماعات (١)، وقال أبو حنيفة: لا شيء في الزيادة، حَتَّى تبلغ أربعين، فربع العشر، وهو درهم (٢)، وهو قول الأوزاعي وجماعات. وسيأتي الكلام واضحًا عليه في بابه. وقوله: («ولا فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ») المشهور إضافة خمس إلى ذود، وروي بتنوين خمس؛ وتكون ذود بدلًا منها؛ والمعروف الأول، والذود من الثلاثة إلى العشرة من الإبل، لا واحد له من لفظه على الأصح، والواحد: بعير. وقال أبو عبيد: هو ما بين ثلاث إلى تسع. قَالَ: وهو مختص بالإناث. وقال شمر فيما حكاه ابن الجوزي في «غريبه»: ما بين ثنتين إلى التسع. وقدمه ابن الأثير على الثلاث إلى العشر. قَالَ: والحديث عام في المذكور والإناث (٣). وقيل: من ثلاث إلى خمس عشرة. وقيل: إلى عشرين. حكاهما ابن سيده (٤)، وأنكر ابن قتيبة أنه لا يقال: خمس ذود. كما لا يقال: خمس ثوب. وغلطوه فيه، وليس جمعًا لمفرد، وروي: خمسة ذودٍ. في «صحيح مسلم» (٥)، وهو صحيح؛ لانطلاقه على المذكر والمؤنث. و«دُونَ» معناه: أقل. وأبعد من قَالَ: إنها بمعنى: غير. -------- (١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٧، «الذخيرة» ٣/ ١٣، «حلية العلماء» ٣/ ٧٩، «المغني» ٤/ ٢١٣. (٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٧. (٣) «النهاية» ٢/ ١٧١. (٤) «المحكم» ١٠/ ١١٩. (٥) قال النووي: قد ضبطه الجمهور خمس ذود، ورواه بعضهم خمسة ذود، وكلاهما لرواة كتاب مسلم والأول أشهر. «مسلم بشرح النووي» ٧/ ٥١. والأوسق: جمع وسق، بفتح الواو وكسرها، أشهرهما الفتح، ولم يذكر الجوهري سوى (الفتح) (١) (٢). قَالَ شمر: كل شيء وسقته إذا حملته. وقال غيره: الضم، وهو ستون صاعًا، والصاع: أربعة أمداد، والمد: رطل وثلث بالبغدادي، وهو مائة وثلاثون على ما صححه الرافعي، وذكر ابن المنذر أن علماء الأمصار زعموا أن الزكاة ليست واجبة فيما دون خمسة أوسق، إلا أبا حنيفة وحده قَالَ: تجب في كل ما أخرجته الأرض من قليل أو كثير إلا الحطب والقضب والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر. والحديث دال على عدم وجوب الزكاة فيما كان دون هذا المقدار، ووجوبها في هذا المقدار فما فوقه. والمراد بالصدقة: الزكاة. وقد سمى الله تعالى الزكاة صدقة فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقام الإجماع على أن ما دون خمس ذود من الإبل لا صدقة فيه كما ستعلمه في بابه. والأحنف لقب، واسمه فيما ذكره المرزباني: صخر. قال: وهو المثبت. ويقال: الضحاك. ويقال: الحارث بن قيس بن معاوية. ووقع لابن دحية في «مستوفاه» أن اسمه: قيس. وإنما قيس والده كان أحنف برجليه جميعًا، قاله الجاحظ في «العرجان»، والهيثم وغيره في «العوران». قَالَ الجاحظ: ولم يكن له إلا بيضة واحدة. قَالَ: وقال أبو الحسن: ولد مرتتق خثار الاست حَتَّى شق وعولج. وقال أبو يوسف في «لطائف المعارف»: كان أصلع، متراكب الأسنان، مائل ------------- (١) في الأصل: (الكسر) وهو خطأ. (٢) «الصحاح» ٢/ ٤٧١. الذقن. وقال المنتجالي في «تاريخه»: كان دميمًا قصيرًا كوسجًا. وقوله فيه: (ملأ مِنْ قُرَيْشٍ) يعني: الأشراف منهم. وحسن الشعر بالحاء المهملة، وروي بالخاء المعجمة من الخشونة، وهو اللائق بزي أبي ذر وطريقته وتواضعه. ولمسلم: أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه (١). بخاء وستين معجمتين، وهي رواية الأكثرين. ولابن الحذاء في الآخر خاصة بالحاء المهملة من الحسن، ولا شك أن من تأهب للمقام بين يدي الرب فليحسن حاله من غير إسراف. وقوله: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ بِرَضْفٍ) أي: اجعل لهم -يعني: الجماعين- مكان البشارة. والرضف -بالضاد المعجمة- وهي: الحجارة المحماة بالنار. قَالَ الهروي: وفي حديث أبي ذر: (بشر الكنازين برضفة من الناغض). أي: بحجر يحمى فيوضع على ناغضه. وفي الأصل هنا: الكانزين. وللطبري وغيره بالثاء المثلثة، وراء مهملة من الكثرة، والمعروف خلافه. والصحيح كما قَالَ القاضي: أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال من بيته لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه (٢). وأبطله النووي بأن السلاطين في زمنه لم تكن هذِه صفتهم (٣). والحلمة: ما نشز من الثدي وطال، ويقال لها: قراد الصدر. وفيه: استعمال الثدي للرجل، وإن كان الفصيح خلافه، وأنه لا يقال: ثدي إلا للمرأة، ويقال للرجل: ثندوة (٤). -------- (١) «صحيح مسلم» (٩٩٢) كتاب: الزكاة، باب: في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم. (٢) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٠٧. (٣) «مسلم بشرح النووي» ٧/ ٧٧. (٤) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: بفتح الثاء بلا همز وبضمها مع الهمز، أما = والنُغض -بضم النون، وحكى ابن التين عن عبد الملك فتحها، ثم غين معجمة-: الغضروف من الكتف. وقال الخطابي: الشاخص منه. سمي به؛ لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه، ومنه ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١]. وقوله: (يتزلزل). أي: يتحرك، قال عياض: والصواب أن الحركة والتزلزل إنما هو للرضف من نغض كتفه حَتَّى يخرج من حلمة ثديه (١). ووقع في بعض النسخ: (حَتَّى يخرج من حلمة ثدييه): بإفراد الثدي في الأول وتثنيته في الثاني. والدنانير الثلاثة المؤخرة في الحديث: واحد لأهله، وآخر لعتق رقبة، وآخر لدين. ذكره القرطبي (٢). وفي قوله: (بَشِّرِ الكَانِزِينَ) بكذا؛. وجوب مبا درة إخراج الزكاة عند حولها، والتحذير من تأخيرها. وقوله: (ما أُرى القَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الذِي قُلْتَ) إنما أراد أن يستخرج ما عنده. وقوله: (قَالَ خليلي) لا تنافي بينه وبين قوله: «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» (٣) كما في قول أبي هريرة وغيره: سمعت خليلي. ------------ = الجوهري فإنه قال: الثدي للرجل والمرأة، وأما ابن فارس فأشار إلى تخصيص المرأة به، وقد ثبت في الحديث أن رجلًا وضع سنيه بين ثدييه وكذلك هذا الحديث أيضًا. (١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٠٦. (٢) «المفهم» ٣/ ٣٤. (٣) سلف برقم (٤٦٦ - ٤٦٧) كتاب: الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، وأخرجه مسلم برقم (٢٣٨٢) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: من فضائل أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] أي: إنه خليل الله فقط، فاعلمه. وقوله: («يا أبا ذر، أتبصرُ أحدًا؟») فيه تكنية الشارع لأصحابه، والذر: جمع ذرة، وهي: النملة الصغيرة. ذكر أن أبا ذر لما أتى النبي - ﷺ - فأسلم ثم انصرف إلى قومه، فأتاه بعد مدة، فتوهم اسمه فقال: «أنتَ أبو نَمْلة» قَالَ أبو ذر: يا رسول الله، بل أبو ذر (١). واسمه: جندب بن جنادة. وقوله: «أتبصرُ أحدًا؟» قَالَ: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار. إنما نظر لها؛ لأنها تعلوه عند الغروب، وهو مثل لتعجيل الزكاة. يقول: ما أحب أن أحبس ما أوجبه الله بقدر ما بقي من النهار. وقوله: (وأنا أُرى أن رسول الله - ﷺ - يرسلني). أُرى -بضم الهمزة وفتح الراء- أي: أظن. وفيه أنه كان يرسل فاضل أصحابه، يفضلهم بذلك لأنه يصير رسول رسول الله - ﷺ -. وقيل في قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤] إنهم رسل بعض رسل الله. وقوله: («مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ إِلا ثَلَاَدةَ دَنَانِيرَ»). في بعض الروايات: «أُنفقُهُ في سبيل الله» (٢) يقول: ما أحب أن يكون لي وأنفق منه ثلاثة دنانير بعد أن أنفقه. ---------- (١) رواه ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٤/ ٢١٧ - ٢١٨. (٢) رواه أحمد ٥/ ١٤٩، والبزار في «مسنده» ٩/ ٣٤٢ (٣٨٩٩)، والطبراني في «الأوسط» ٣/ ٢٨٤ (٣١٥٩)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ١٢٠، رواه أحمد، وفيه: سالم بن أبي حفصة، وفيه كلام. وصححه الألباني كما في «الصحيحة» ٧/ ١٤٣٩ (٣٤٩١). وفي أخرى: «تمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا شيئًا أرصده لدين» (١). وقول أبي ذر: (إن هؤلاء لا يعقلون). أي: لم يعتبروا زوال الدنيا فيزهدوا. وقوله: (لَا أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا) يقول: ما لي لا أعظهم وأنصح لهم، ولست أسالهم دنيا، فأخاف منعهم. وقوله: (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) يعني: القوم الذين قام عنهم؛ لأنهم لم ينظروا لأنفسهم فيتركوا الدنيا، فكيف يستفتيهم غيرهم ويهتدي بهم في دينهم؟ فائدة: قَالَ سحنون: ترك الدنيا زهدًا أفضل من كسبها من الحلال وإنفاقها في السبيل. قَالَ بعضهم: وهذا الحديث يشهد له. فرع: لا يضم الذهب إلى الفضة عندنا (٢)، وخالف أبو حنيفة ومالك فيه (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٣٤] ولم يخص كما لو كان معه مائة درهم وعرض يساوي مائة، أما إذا كان مديرًا قَالَ مالك: فيعدل المثقال بعشرة دراهم، فإذا كانت معه مائة درهم وعشرة دنانير ضما، وإن كانت تسعة دنانير تساوي مائة فلا (٤). واعتبر أبو حنيفة القيمة كمن له مائة درهم وخمسة دنانير تساوي مائة ضُمَّا (٥). --------- (١) سيأتي برقم (٦٤٤٥) كتاب: الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهب». (٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٢٥٧. (٣) انظر: «الهداية» ١/ ١١٣، «عيون المجالس» ٢/ ٥٢٤. (٤) انظر: «المعونة» ١/ ٢١٠. (٥) انظر: «الهداية» ١/ ١١٣. ٥ - باب إِنْفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ ١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». [انظر: ٧٣ - مسلم: ٨١٦ - فتح: ٣/ ٢٧٦] ذكر فيه حديث ابن مسعود: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا ..». وقد سلف في كتاب العلم واضحًا (١)، وأن المراد بالحسد هنا: شِدَّة الحرص والرغبة، وسماه البخاري الاغتباط، كما سلف، من غير أن تتمنى زوالها عن غيرك، ففيه المنافسة في الخير والحض عليه وفضل الصدقة والكفاف وفضل العلم وفضل تعلمه وفضل القول بالحق. وقسم بعضهم إنفاق المال في حقه ثلاثة أقسام: إنفاقه على نفسه وكل من تلزمه نفقته غير مسرف ولا مقتر لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، وهذِه أفضل النفقات لقوله - ﷺ -: «إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيّ امْرَأَتِكَ» (٢). ثانيها: أداء الزكاة، وقد جاء أن من أدى زكاة ماله فليس ببخيل. وصلة البعيد من الأهل، وصدقة التطوع، ومواساة الصديق، وإطعام ------------- (١) سلف برقم (٧٣) باب: الاغتباط في العلم والحكمة. (٢) سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى، ورواه مسلم برقم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث. الجائع. قَالَ - ﷺ -: «السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَاليتيم كَالمُجَاهِدِ فِي سبِيلِ اللهِ» (١)؛ فمن أنفق في هذِه الوجوه الثلاثة فقد وضع المال موضعه وأنفقه في حقه، وكذلك من آتاه الله حكمًا وعلمًا فهو وارث منزلة النبوة؛ لأنه يموت وأجر (علمه) (٢) ومن عمل بعلمه باق إلى يوم القيامة. فينبغي لكل مؤمن أن يحسد من هذا حاله، ولله الفضل. --------- (١) سيأتي برقم (٥٣٥٣) كتاب: النفقات، باب: فضل النفقة على الأهل، وفيه (المسكين) بدلا من (اليتيم) وأخرجه مسلم برقم (٢٩٨٢) كتاب: الزهد والرقائق، باب: الإحسان إلى الأرملة والمسكين واليتيم. (٢) في الأصل: (عمله) والمثبت من (م). ٦ - باب الرِّيَاءِ فِي الصَّدَقَةِ لِقَوْلِهِ جل وعز: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ﴾. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿صَلْدًا﴾: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَابِلٌ﴾ مَطَرٌ شَدِيدٌ، وَالطَّلُّ: النَّدَى. [فتح ٣/ ٢٧٧] الشرح: قوله: ﴿بِالمَنِّ﴾ أي: لا تمنوا بما أعطيتم ﴿وَالأَذَى﴾ أن يوبخ المعطى. فهذان يبطلان الصدقة، كما تبطل نفقة المنافق الذي يعطي رياء ليوهم أنه مؤمن، وروى الطبري عن عمرو بن حريث قَالَ: إن الرجل يغزو ولا يزني ولا يسرق ولا يغل، لا يرجع بالكفاف. فقيل له: لماذا؟ قَالَ: إن الرجل ليخرج، فإذا أصابه من بلاءً الله الذي قد حكم عليه سب ولعن إمامه ولعن ساعة غزا، وقال: لا أعود لغزوة معه أبدًا. فهذا عليه وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها منٌ وأذى، فقد ضرب الله مثلها في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٤] حَتَّى ختم الآية (١). وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أي: فمثل نفقته كمثل صفوان، وهو الحجر الأملس. وحكى قطرب: صفوان- بكسر الصاد، والمعنى: لم يقدروا على كسبهم وقت حاجتهم ومحق مما ذهب كما محق المطر التراب عن الصفا، ولم يوافق في الصفا منبتا. وما ذكره عن ابن عباس في تفسير ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: ٢٦٤] أخرجه ابن جرير عن محمد بن سعد حَدَّثَني أبي قَالَ: حَدَّثَني عمي قَالَ: ------------ (١) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٥ (٦٠٣٩). حَدَّثَني أبي عن ابن عباس. فذكره (١)، ومن وجهين آخرين عنه كذلك (٢)، وفي رواية: تركها نقية ليس عليها شيء (٣). وأخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» من حديث الضحاك عنه بقوله: فتركه يابسًا خاسئًا لا ينبت شيئًا (٤). وما ذكره عن عكرمة في ﴿وَابِلٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤] أخرجه عبد بن حميد في «تفسيره»، عن روح، عن عثمان بن غياث عنه، به سواء (٥)، وقال غيره: الطل: مطر صغير القطر يدوم. وقال مجاهد فيما حكاه ابن أبي حاتم: الطل: الندى. قَالَ: وروي عن جماعات نحوه (٦). أما فقه الباب: فالرياء يبطل الصدقة وجميع الأعمال؛ لأن المرائي إنما يفعل ذلك من أجل الناس ليحمدوه على عمله، فلم يحمده الله تعالى حين رضي بحمد الناس عوضًا (من) (٧) حمد الله وثوابه، وراقب الناس دون ربه، قَالَ عليه أفضل الصلاة والسلام: «من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك» (٨)؛ وجاء في الحديث أن الرياء: الشرك الأصغر (٩)، وكذلك السنن والأذى يبطلان الصدقة؛ ------------- (١) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٧ (٦٠٤٤). (٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٨ (٦٠٥٩، ٦٠٦٢). (٣) «تفسير الطبري» ٣/ ٦٨ (٦٠٥٨). (٤) «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥١٨ (٢٧٤٩). (٥) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٠٠ وعزاه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم. (٦) «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥٢١ (٢٧٦٦). (٧) كذا في الأصل، ولعلها (عن). (٨) رواه مسلم برقم (٢٩٨٥) كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله. (٩) رواه أحمد ٥/ ٤٢٨، والطبراني ٤/ ٢٥٣ (٤٣٠١)، والبغوي في «شرح السنة» ١٤/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٤١٣٠) كتاب: الرقاق، باب: الرياء والسمعة، وذكره الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٠٢ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح وصححه الألباني في «الصحيحة» ٢/ ٦٣٤ (٩٥١). لأن المنان بها لم ينو الله فيها ولا أخلصها لوجهه تعالى، ولا ينفع عمل بغير نية لقوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرئ ما نوى» (١)، وكذلك المؤذي لمن يصدق عليه، يبطل إثم الأذكر أجر الصدقة. وقد نهى الله تعالى عن انتهار السائل، فما فوق ذلك من الأذى أدخل في النهي، وكان ينبغي للبخاري أن يخرج في الباب حديث: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها ..» (٢) الحديث. فهو يشبه التبويب؛ لأن من ابتغى وجه الله سلم من الرياء، وابتغاء غير وجه الله هو عين الرياء. ------------- (١) سلف برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، وأخرجه مسلم برقم (١٩٠٧) كتاب: الإمارة، باب: قوله - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات». (٢) سبق تخريجه. ٧ - باب لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ، وَلَا يَقْبَلُ إِلاَّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ [البقرة: ٢٦٣] [البقرة: ٢٦٣]. [فتح ٣/ ٢٧٧] ٨ - باب الصَّدَقَةِ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ الآية (١) إِلَى ﴿يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٦، ٢٧٧] ١٤١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ- عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ- وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ». تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ عَنِ ابْنِ دِينَارٍ. وَقَالَ وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٧٤٣٠ - مسلم: ١٠١٤ - فتح: ٣/ ٢٧٨] ثم ذكر حديث أبي هريرة: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ ..» تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، عَنِ ابن دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ وَرْقَاءُ: عَنِ ابن دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزيدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْلٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، به. وله في التوحيد، ولم يصله: «وَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللهِ إِلَّا الطَّيِّبُ» (٢). الشرح: في بعض النسخ حذف قوله: «وَلَا يَقْبَلُ اللهُ ..» إلى آخره، ولم يذكر --------------- (١) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: ساقها البخاري. (٢) سيأتي برقم (٧٤٣٠) باب: قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. فيه شيئًا، وهذِه الترجمة هي حديثٌ ذكر المصنف بعضه في الطهارة فقال: باب: لا يقبل الله صلاة بغير طهور. وهذا آخره: «ولا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ». وقد تكلمنا عليه هناك (١). واعترض الداودي فقال: لو نزع هذا بقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وقال في الذي قبله: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] فقد قَالَ كذلك. وقال ابن المنير: إن قَلتَ: ما وجه الجمع بين الترجمة والآية؟ وهلا ذكر قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قلتُ: جرى على عادته في إيثار الاستنباط الخفي والاتكال في الاستدلال الجلي على سبق الأفهام له. ووجه الاستنباط يحتمل أن الآية فيها إثبات الصدقة، غير أن الصدقة لما تبعها سيئة الأذى بطلت، فالغلول: غصب إذًا فيقارن الصدقة فتبطل بطريق الأولى، أو لأنه جعل المعصية اللاحقة للطاعة بعد تقررها، وهي الأذى تبطل الطاعة، فكيف إذا كانت الصدقة عين المعصية؛ لأن الغال في دفعه المال للفقير غاصب يتصرف في ملك الغير، فكيف تقع المعصية من أول أمرها طاعة معتبرة، وقد أبطلت المعصية المحققة من أول أمرها في الصدقة المتيقنة بالأذى، وهذا من لطيف الاستنباط (٢). وقوله تعالى: (﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾) [البقرة: ٢٦٣] قَالَ الضحاك: يقول: إن تمسك مالك خير من أن تنفقه ثم تتبعه منًّا وأذى (٣) ﴿وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ أي: غني عن خلقه في سلطانه، حليم عن سيئ فعالهم. ------------- (١) راجع شرح حديث (١٣٥). (٢) «المتواري» ص ١٢٣ - ١٢٤. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٦٤ (٦٠٣٧). وقوله: (﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾) [البقرة: ٢٧٦] أي: كفار بقليل الحلال لا يقنع، وأثيم في أخذ الحرام، والغلول: الخيانة. قَالَ ابن سيده: غل يغل غلولًا، وأغل: خان. قال: وخص بعضهم الخون في الفيء، والإغلال: السرقة (١). قَالَ ابن السكيت: لم يسمع في المغنم إلا غل غلولًا (٢). وقال الجوهري: يقال من الخيانة: أغل يُغِل، ومن الحقد: غل الغل، ومن الغلول: غل يغُل (٣). واستدل البخاري في الباب الأول بقوله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] لما كان حرمان السائل وقول المعروف والاستغفار خير من صدقة يتبعها أذى، وثبت أن الصدقة إذا كانت من غلول غير متقبلة؛ لأن الأذى في الغلول للمسلمين أشد من أذى المتصدق عليه وحده، وأولى من الاستدلال بها قوله تعالى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ وحديث أبي هريرة مطابق للتبويبين. ومتابعة سليمان -وهو ابن بلال- أخرجها في التوحيد بلفظ: وقال خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار (٤). وقد أسندها مسلم عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد به (٥). وتعليق ورقاء، عن سعيد بن يسار أخرجه الترمذي (٦) لكن من ------ (١) «المحكم» ٥/ ٢٢١. (٢) «إصلاح المنطق» ص ٢٦٦. (٣) «الصحاح» ٥/ ١٧٨٤. (٤) سيأتي برقم (٧٤٣٠). (٥) «صحيح مسلم» (١٠١٤/ ٦٤) كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها. (٦) بهامش الأصل بخط سبط: (بل أخرجه مسلم [١٠١٤]، والترمذي [٦٦١]، والنسائي [٥/ ٥٧] وابن ماجه [١٨٤٢] أعني حديث سعيد بن يسار لكن ليس من رواية عبد الله بن دينار عنه. [قلت: رواية ورقاء عند أحمد ٢/ ٣٣١]. حديث سعيد المقبري ويحيى بن سعيد وابن عجلان، عن سعيد بن يسار به، ثم قَالَ: حسن صحيح (١). وقال الداودي: تتابع الرواة عن أبي صالح، عن أبي هريرة دال على أن ورقاء أوهم به في قوله: عن سعيد بن يسار. ولفظ ابن خزيمة: «مهره أو فصيله» زاد: «وإن الرَّجلَ ليتصدقُ باللقمةِ فتَربو في كفِّ الله -عز وجل- حَتَّى تكون مثل الجبل، فتصدَّقوا» (٢) وفي رواية له: «فلوه أو قلوصه» وفي أخرى: «فلوة: قلوصه أو فصيله» (٣) وهي في مسلم: «فلوه أو قلوصه» ورواية سهيل (٤) أخرجها البزار من حديث خالد بن عبد الله الواسطي، عنه، عن أبيه، عن أبي هريرة. وفي «علل ابن أبي حاتم» رواه موسى بن عبيدة، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا، وهو خطأ، إنما هو عن ابن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فمنهم من يوقفه ومنهم من يسنده، ويحتمل صحة رفعه (٥). ------ (١) «سنن الترمذي» (٦٦١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في فضل الصدقة وصححه الألباني. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٣ (٢٤٢٦). (٣) المصدر السابق برقم (٢٤٢٥). (٤) بهامش الأصل: حاشية: رواية سهيل أخرجها مسلم في الزكاة عن أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن سهيل، به. وأخرجها أيضًا فيه عن أحمد بن عثمان بن هيثم، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن سهيل، به. [«صحيح مسلم» ١٠١٤/ ٦٤ كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها]. (٥) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢١٦ (٦٢٨). وفي «الرقائق» لعبد الله بن المبارك من حديث ابن مسعود قَالَ: «ما تصدَّق رجلٌ بصدقةٍ إلا وقعت في يدِ الرَّبِّ قبل أنْ تقعَ في يدِ السائل، وهو يضعها في يدِ السائل» قَالَ: وهو في القرآن العظيم. فقرأ: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] (١). وقوله: («مَنْ تَصَدَّق بعِدل تمرةٍ») أي: بقيمتها. وذلك أن جماعات من أهل اللغة كما نقله عنهم ابن التين قالوا: العدل، بفتح العين: المثل. قَالَ تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥] وبكسرها: الحمل. وهذا عكس قول ثعلب. وقال الكسائي: هما بمعنى واحد. وقال القزاز: عدل الشيء: مثله من غير جنسه، وبالكسر: مثله من جنسه. وأنكرها البصريون وقالوا: هما المثل مطلقًا، كما أن المثل لا يختلف. وقيل: بالفتح: مثله من القيمة. وبالكسر: مثله في المنظر. وهذا مثل قول الفراء. وقال ابن قتيبة: هو بالكسر: القيمة (٢). وعبارة «المحكم»: العَدل والعديل، والعدل: النظير والمثل. وقيل: هو المثل وليس بالنظير عينه. وقوله: («مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ») أي: من حلال. وإنما لا يقبل الله غيره؛ لأنه غير مملوك للمتصدق؛ لأنه ممنوع من التصرف فيه، فلو قبلت لزم أن يكون مأمورًا به منهيًّا عنه من وجه واحد، وهو محال. وقوله: («بيمينه») ذكر اليمين هنا قيل: يراد بها سرعة القبول، وهو مجاز. وقيل: حسن القبول. وهو متقارب مع الأول؛ لأن عرف الناس أن أيمانهم مرصدة لما عز وشمائلهم لما هان، والجارحة على الرب ﷻ محالة تقدس عنها، ولما كانت الشمائل عادة تنقص عن اليمين --------------- (١) «الزهد والرقائق» ص ٢٢٧ - ٢٢٨ (٦٥٠) باب: الصدقة. (٢) «غريب الحديث» ٢/ ٤٠. بطشًا وقوة عرفنا الشارع بقوله: «وكِلتا يديه يَمين» (١) فانتفي النقص تعالى عنه. والفَلو: هو المهر. كما سلف عن رواية ابن خزيمة، وهو ولد الفرس. وولد الحمار: وعفر. وكذلك البغل الصغير، وهو بفتح الفاء وتشديد الواو، والأنثى فلوة مثال عدوة، والجمع: أفلاء مثال أعداء، وسمي بذلك؛ لأنه يفتلى. أي: يفطم. وقال الداودي: يقال للمُهر: فلو. ولل -ولد الحمار- فِلوة بكسر الفاء. ويقال بفتحها والتشديد، وأنكر بعضهم كسر الفاء. وقال الجوهري عن أبي زيد: إذا فتحت الفاء شددت الواو، وإذا كسرت خففت، فقلت: فِلو مثل جرو (٢). وقال في «المخصص»: إذا بلغ سنة -يعني: ولد الحِجْر- فهو فلو. وقال أبو حاتم: في «فرقة» لا يقال فلو ولا فلوه كما تقول العامة. وقوله: «حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» قَالَ الداودي: أي: كمن تصدق بمثل الجبل. ومعنى: «يربيها لصاحبها» أي ينميها فإن أريد به الزيادة في كمية عينها لتثقل في الميزان لم ينكر ذلك في معنى مقدور أو حكم معقول، وقيل: ينميها: يضاعف الأجر عليها. وهما متقاربان. --------- (١) هو قطعة من حديث رواه مسلم (١٨٢٧) كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائز، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم، والنسائي ٨/ ٢٢١ كتاب: آداب القضاة، فضل الحاكم العادل في حكمه، وأحمد ٢/ ١٦٠، وابن حبان في «صحيحه» ١٠/ ٣٣٦ (٤٤٨٤) كتاب: السير، باب: الخلافة والإمارة. (٢) «الصحاح» ٦/ ٢٤٥٦. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#284 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 271 الى صـــ 290 الحلقة (284) وقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: يضاعف أجرها لربها وينميها. ولما كان الربا قد أخبر تعالى أنه يمحقه؛ لأنه حرام، دلت الآية أن الصدقة التي تربو وتتقبل لا تكون إلا من غير جنس الممحوق، وذلك الحلال، وقد بين ذلك الشارع بقوله: «لَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ» والحديث دال على مضاعفة الثواب، والمثل في التشبيه بتربية الفلو؛ لأن الولد لا يخلق كبيرًا، ولكن ينمى بتعهد الأم له بالرضاع والقيام بمصالحه، وكذلك صاحب الصدقة إن أتبعها بأمثالها وصانها عن آفاتها نمت، وإن أعرض عنها بقيت وحيدة، فإن منَّ أو آذى بطل الثواب. وفقنا الله للصواب. ٩ - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ الرَّدِّ ١٤١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا». [١٤٢٤، ٧١٢٠ - مسلم: ١٠١١ - فتح: ٣/ ١٢٨] ١٤١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي». [٨٥ - مسلم: ١٥٧ - فتح: ٣/ ٢٨١] ١٤١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، أَخْبَرَنَا سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو العَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلاَّ قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ العِيرُ إِلَي مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا العَيْلَةُ فَإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. ثُمَّ لَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيَقُولَنَّ: بَلَى. فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلاَّ النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». [١٤١٧، ٣٥٩٥، ٦٠٢٣، ٦٥٣٩، ٦٥٤٠، ٦٥٦٣، ٧٤٤٣، ٧٥١٢ - مسلم: ١٠١٦ - فتح: ٣/ ٢٨١] ١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، وَيُرَى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ» [مسلم: ١٠١٢ - فتح: ٣/ ٢٨١] ذَكَرَ فيه حَدِيثَ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ: «تَصَدَّقُوا، فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَان ..» الحديث. وحَدِيثَ أبي هُريرة: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ ..» الحديث. وحَدِيثَ عدي مطولًا، وفي آخره: «.. فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». وحديث أبي موسى: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ ..» إلى آخره. الشرح: فيه الحث على الصدقة والترغيب ما وجد أهلها المستحقون لها؛ خشية أن يأتي الزمن الذي لا يوجد فيه من يأخذها، وهو زمان كثرة المال وفيضه قرب الساعة. وفي قوله: («وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ») حض على القليل من الصدقة، وهو بكسر الشين. أي: نصفها. وقوله: («فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ») حض أيضًا على أن لا يحقر شيئًا من المعروف قولًا وفعلًا وإن قل، فالكلمة الطيبة يتقي بها النار، كما أن الكلمة الخبيثة يستوجبها بها. وقوله: «وَيُرى الرَّجُلُ الوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً يَلُذْنَ بِهِ» أي: يحطن به «مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ» فهذا والله أعلم يكون عند ظهور الفتن وكثرة القتل في الناس. قَالَ الداودي: ليس لَهُنَّ قَيَّمٌ غيره. وهذا يحتمل أن يكن نساءه وجواريه وذوات محارمه وقراباته، وهذا كله من أشراط الساعة، ففيه الإعلام بما يكون بعده، وكثرة المال حَتَّى لا يجد من يقبله، وأن ذلك بعد قتل عيسى - عليه السلام - الدجالَ والكفار، فلم يبق بأرض الإسلام كافر، وتنزل إذ ذاك بركات السماء إلى الأرض، والناس إذ ذاك قليلون لا يدخرون شيئًا؛ لعلمهم بقرب الساعة، وتري الأرض إذ ذاك بركاتها حَتَّى تشبع الرمانة السكن -وهم أهل البيت- وتلقي الأرض أفلاذ كبدها -وهو ما دفنته ملوك العجم، كسرى وغيره- ويكثر المال حَتَّى لا يتنافس فيه الناس. وقوله في حديث عدي: («ثُمَّ لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَي اللهِ -عز وجل- لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَان») هو على جهة التمثيل ليفهم الخطاب؛ لأن الله تعالى لا يحيط به شيء ولا يحجبه حجاب، وإنما يستتر تعالى عن أبصارنا بما وضع فيها من الحجب والضعف عن الإدراك في الدنيا، فإذا كان في الآخرة وكشف تلك الحجب عن أبصارنا وقوَّاها حَتَّى تدرك معاينة ذاته كما يرى القمر ليلة البدر، كما ثبت في الأحاديث الصحاح الآتية في موضعها. وقوله: («حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ (١) المَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ») هو بضم الياء وكسر الهاء، هذا هو المشهور، وقيل: بفتح الياء وضم الهاء ورفع «رب المال» وتقديره: يهمه من يقبل صدقته. أي يقصده. وقال صاحب «العين»: أهمني الأمر مثل: غمني، وهمني همًّا: آذاني (٢). -------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: بنصب (رب) في الرواية الأولى. (٢) «العين» ٣/ ٣٥٧. وقوله: («بغير خفير») أي: مجير. الخفير: المجير. والخفارة: الذمة. والخفير: من يصحب القوم؛ لئلا يعرض لهم أحد، واشتقاقه من الخفر، يصحبهم فلا تخفر ذمته. وقوله: («لا أرب لي فيه»): لا حاجة. وفيه أنهم كانوا يشكون إلى الشارع من عيلة وقطع طريق وغيره؛ لما يرجون عنده من الفرج. والعيلة: الفقر. وقوله: («فلا يرى إلا النَّارَ») يقال: أي يؤتى بها يوم القيامة تقاد بسبعين ألف زمام فتقرب من الناس (١)، فحينئذ يقول الرسل: ربِّ سلِّم سلِّم (٢). فاجتهدوا فيما يقيكم منها، ولا تحقروا شيئًا من المعروف ولو شق تمرة (٣). ----------- (١) رواه مسلم برقم (٢٨٤٢) كتاب: الجنة ونعيمها، باب: في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها، والترمذي برقم (٢٥٧٣) كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة النار، وأبن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ٧٧ (٣٤١٥٥) كتاب: ذكر النار، باب: ما ذكر فيما أعد لأهل النار وشدته، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٣٥٢ (٨٤٧٨) باب: في حسن الخلق. (٢) سيأتي برقم (٧٤٣٧) كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ ورواه مسلم برقم (١٨٢) كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية. (٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثاني عشر، كتبه مؤلفه. ١٠ - باب اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَالقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾ وَإِلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ٢٦٥، ٢٦٦] ١٤١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ الحَكَمُ -هُوَ: ابْنُ عَبْدِ اللهِ البَصْرِيُّ- حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقَالُوا: مُرَائِي. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا. فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾. [التوبة: ٧٩] الآيَةَ. [١٤١٦، ٢٢٧٣، ٤٦٦٨، ٤٦٦٩ - مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٣/ ٢٨٢] ١٤١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ فَتَحَامَلَ، فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ. [انظر: ١٤١٥ - مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٣/ ٢٨٣] ١٤١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». [انظر: ١٤١٣ - مسلم: ١٠١٦ - فتح: ٣/ ٢٨٣] ١٤١٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ». [٥٩٩٥ - مسلم: ٢٦٢٩ - فتح: ٣/ ٢٨٣] ذكر فيه أربعة أحاديث: حديث أبي مسعود: لَمَّا نَزَلَتْ (آيَةُ) (١) الصَّدَقَةِ كُنَّا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بشَيْءٍ كَثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرَائِي. وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هذا. فَنَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ .. الآية. وحديث أبي مسعود الأنصاري قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ .. الحديث. وحديث عدي بن حاتم: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ». وحديث عائشة في التمْرَةِ. الشرح: معنى ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ [البقرة: ٢٦٥]: تصديقًا ويقينًا. قاله الشعبي (٢). وهو حث أي: على إنفاقها في الطاعة، ووعد الله على ذلك بالإثابة. وقال قتادة: احتسابًا (٣). وكان الحسن إذا أراد أن ينفق تثبت فإن كان لله أمضى وإلا أمسك (٤). والجنة: البستان. والربوة: الأرض المرتفعة المستوية. كما قاله مجاهد (٥)، أضعفت في ثمرها، وهو مثل ضربه الله لفضل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلفٌ، كما أنه ليس لخير الجنة خلف على أي حال، أصابها مطر شديد أو طل. ------------- (١) من (م). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٦٩ (٦٠٦٣). (٣) المصدر السابق برقم (٦٠٧٢). (٤) المصدر السابق برقم (٦٠٧١). (٥) المصدر السابق ٣/ ٧١ - ٧٢ (٦٠٧٣ - ٦٠٧٤). وقوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٦] هو ضرب مثل للعمل كان طائعًا فعصى فاحترقت أعماله، كما قاله عمر وابن عباس (١)، فتبطل أحوج ما كانوا إليها، كمثل رجل كانت له جنة وكنز، وله أطفال لا ينفعونه، فأصاب الجنة إعصار ريح عاصف كالزوبعة، فيها سَموم شديد فاحترقت. وحديث أبي مسعود، أخرجه في التفسير من حديث غندر عن شعبة، وفيه هنا: بصاع (٢). وأخرجه مسلم من حديث جماعة عن شعبة (٣). ومعنى (نحامل): نحمل للغير بالأجرة لنتصدق بها، ونحامل وزنه نفاعل، والمفاعلة لا تكون إلا من اثنين غالبا كالمبايعة والمعاملة، ألا ترى أنه حين نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٢] شق عليهم العمل بها، فنسخت عنهم بقوله: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣] وقال علي: لم يعمل بها غيري لا قبلي ولا أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيت الرسول تصدقت بدرهم حَتَّى نفذ ثم نسخت. ولما ذكر شيخنا علاء الدين في «شرحه»: (نحامل)، نقل عن ابن سيده أنه قَالَ: تحامل في الأمر وتكلفه على مشقة وإعياء، وتحامل عليه: كلفه ما لا يطيق؛ وهذا ليس من معنى مادة ما نحن فيه. وقوله: (فَتَصَدَّقَ بِشَيءٍ كَثِيرٍ) هو عبد الرحمن بن عوف، تصدق بنصف ماله، وكان ماله ثمانية آلاف دينار. ذكره ابن التين، فقالوا: ---------- (١) المصدر السابق ٣/ ٧٥ - ٧٦ (٦٠٩٣ - ٦٠٩٥). (٢) سيأتي برقم (٤٦٦٨) باب: قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾. (٣) «صحيح مسلم» برقم (١٠١٨) كتاب: الزكاة، باب: الحمل بأجرة يتصدق بها، والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق بقليل. مرائى. وسيأتي في التفسير: أربعة آلاف درهم. أو: أربعمائة دينار. وفي «أسباب النزول» للواحدي أنه - ﷺ - حث على الصدقة، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، شطر ماله يومئذٍ، وتصدق يومئذ عاصم بن عدي بن عجلان بمائة وسق تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر، فلمزهم المنافقون (١)، فنزلت هذِه الآية (٢). وقوله: (وَجَاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ) وفي أخرى سلفت: بنصف صاع. وفي أخرى: بنصف صبرة تمر. هو أبو عقيل كما جاء في البخاري في موضع آخر (٣)، وفي «صحيح مسلم» في قصة كعب بن مالك (٤). وقوله - ﷺ -: «كُنْ أبا خَيْثمة» فإذا هو أبو خيثمة- يعني: عبد الرحمن بن نيحاز الأنصاري الذي تصدق بتمر فلمزه المنافقون (٥). وقال السهيلي في «تعريفه»: أبو عقيل اسمه حثجاث، أحد بني أنيف. وقيل: الملموز رفاعة بن سهل (٦). ------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «التجريد»: أبو عقيل صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، قال قتادة: اسمه حثجاث. (٢) «أسباب النزول» ص ٢٦٠ (٥١٩). (٣) سيأتي برقم (٤٦٦٨) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾. (٤) «صحيح مسلم» (٢٧٦٩) كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه. (٥) المصدر السابق. (٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «التجريد»: سهل بن رافع بن خديج البلوي، حليف الأنصار، قيل: هو صاحب الصاع الذي لمزه المنافقون، وقيل: هو الذي بعده. ثم قال سهل بن رافع بن أبي عمرو بن عبيد، شهد أحدا، وتوفي في خلافة عمر، روت عنه بنته عميرة، ولها صحبة، كذا أخرجه ابن منده، وأما أبو عمرو فنسبه إلى بني النجار، وقال: له أخ يسمى سهيل، وهما التيميان صاحبا المربد. انتهى. ولم أر في «التجريد» من اسمه رفاعة بن سهل في الأسماء، اللهم إلا أن يكون مشهورا بالكنية، فيكون قد ذكره في الكنى، والله أعلم. وفي «المعاني» للفراء: حث النبي - ﷺ - على الصدقة، فجاء عمر بصدقة، وعثمان بصدقة عظيمة، وجاء أبو عقيل. الحديث (١). وفي «تفسير الثعلبي» عن أبي السليل قَالَ: وقف رجل على الحي فقال: حَدَّثَني أبي أو عمي أنه شهد النبي - ﷺ - يقول: «مَنْ يتصدَّق اليوم بصدقة أَشهدُ له بها» فجاء رجل ما بالبقيع أقصر قامة منه، يقول ناقة لا أرى بالبقيع أحسن منها فقال: هي وذو بطنها صدقة يا رسول الله. قَالَ: فلمزه رجل وقال: إنه يتصدق بها وهي خير منه. فقال - ﷺ -: «بل هو خيرٌ منكَ ومنها» يقولها ثلاثًا. فنزلت الآية. ويلمزون: يعيبون. يقال: لمزه، يَلْمِزُهُ وَيَلْمُزُهُ إذا عابه. وكذلك همزه، يهمزه. والجَهد والجُهد بمعنى واحد عند البصريين. وقال بعض الكوفيين: هو بالفتح: المشقة، وبالضم الطاقة. وقال الشعبي: بالضم في الفتنة يعني: المشقة. وبالفتح في العمل. وذكر القزاز نحوه قَالَ: الجَهْد: ما يجهد المؤمن من مرض وغيره. والجُهْد: شيء قليل يعيش به المقل. والذي ذكره ابن فارس وغيره مثل قول الكوفيين. واحتج ابن فارس بهذِه الآية أي: لا يجدون إلا طاقتهم (٢). وقال الجوهري: الجَهد والجُهد: الطاقة (٣)، وقرئ بهما الآية. وقال ابن عيينة في «تفسيره» الجَهد: جهد الإنسان، والجُهد في ذات اليد. وحكى الزجاج يَلْمزُون بكسر الميم وضمها، وقد تقدم. وكانوا عابوا الصحابة في صدقات أتوا بها رسول الله - ﷺ -. ----------- (١) «معاني القرآن» ١/ ٤٤٧. (٢) «مجمل اللغة» ١/ ٢٠٠. (٣) «الصحاح» ٢/ ٤٦٠. يروى أن ابن عوف أتى بصُرَّةٍ تملأ الكف، وأن أبا عقيل .. الحديث. ومحل ﴿لَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ [التوبة: ٧٩] نصب بالذم، أو رفع على الذم، أو جر بدلًا من الضمير في ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] والمطوعين: المتطوعين المتبرعين. وزعم أبو إسحاق أن الرواية عن ثعلب بتخفيف الطاء وتشديد الواو. وقال: وهو غير جيد. والصحيح تشديدهما. وأنكر ذلك ثعلب عليه، وقال: إنما هو بالتشديد. وقال التدميري في «شرحه»: هم الذين يخرجون إلى الغزو بنفقات أنفسهم من غير استعانة منهم برزق وسلطان وغيرهم. قَالَ: ووزنهم المفعلة من الطوع. يقال: طاع له كذا وكذا أي: أتاه طوعًا. ولساني لا يتطوع أي: لا ينقاد. وقد طوعوا يطوعون. وهم المطوعة من ذلك. وقوله: (إِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) قَالَ شقيق -أحد رواته- فرأيت أنه يعني نفسه. كذا في «صحيح الإسماعيلي». وقوله: مائة ألف. كذا هو في البخاري. وكذا شرحه ابن التين، وذكره ابن بطال أيضًا (١). وأما شيخنا علاء الدين فكتب بخطه في الأصل: وإن لبعضهم اليوم ثمانية آلاف. ثم قَالَ: وفي «فضل الصدقة» لابن أبي الدنيا مائة ألف. فأبعد النجعة، وصحف ما في البخاري فاحذره. ومعنى (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ اليَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) أنهم كانوا يتصدقون بما يجدون، وهؤلاء يكنزون المال، ولا يتصدقون. وفيه: ما كان عليه السلف من التواضع، والحرص على الخير، واستعمالهم أنفسهم في المهن والخدمة، رغبة منهم في الوقوف عند حدود الله، والاقتداء بكتابه، وكانوا لا يتعلمون شيئًا من القرآن ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤١٦. إلا للعمل به، وكانوا يحملون على ظهورهم للناس، ويتصدقون بالثمن لعدم المال عندهم ذلك الوقت. وحديث: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» سلف في الباب قبله (١). وأخرجه ابن خزيمة من حديث أنس بلفظ: «افتدوا مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقِّ تمرَةٍ» (٢) ومن حديث ابن عباس بلفظ: «اتقوا» (٣) وأخرجه ابن أبي الدنيا في «فضل الصدقة» من حديث أبي هريرة أيضًا. وفيه: حض على الصدقة بالقليل، كما سلف. وإعطاء عائشة التمرة؛ لئلا ترد السائل خائبًا وهي تجد شيئًا. وروي أنها أعطت سائلًا حبة عنب، فجعل يتعجب، فقالت: كم ترى فيها من مثقال ذرة (٤). ومثله قوله - ﷺ - لأبي تميمة الهجيمي: «لا تحقرن شيئًا من المعروف، ولو أن تضع من دلوك في إناء المستقي» (٥)، وقسم المرأة التمرة بين ابنتيها لما جعل الله في قلوب الأمهات من الرحمة. وفيه: أن النفقة على البنات والسعي عليهن من أفضل أعمال البر المجنبة من النار. وكانت عائشة من أجود الناس، أعطت بني أخويها ----------------- (١) سلف برقم (١٤١٣). (٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٤ (٢٤٣٠) كتاب: الزكاة، باب: الأمر باتقاء النار -نعوذ بالله منها- بالصدقة وإن قلت. (٣) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٤ (٢٤٢٩). (٤) رواه مالك في «الموطأ» ص ٦١٦ كتاب: الصدقة، باب: الترغيب في الصدقة- بلاغًا، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٥٤ (٣٤٦٦)، وقال الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٥١٥): ضعيف موقوف. (٥) هذا الحديث مرسل؛ لأن أبا تميمة تابعي، والصواب حديث أبي تميمة الهجيمي عن جابر بن سليم قال: أتيت رسول الله .. الحديث، كما في «المسند» ٥/ ٦٣ - ٦٤، للاستزادة انظر: «الصحيحة» ٢/ ٣٩٩ (٧٧٠) و٣/ ٣٣٧ (١٣٥٢). ريعًا، أعطيت به مائة ألف درهم. وأعتقت في كفارة يمين أربعين رقبة (١). وقيل: فعلت ذلك في نذر مبهم، وكانت ترى أنها لم توف بما يلزمها. وأعانت المنكدر في كتابته بعشرة آلاف درهم (٢). وقوله: («مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هذِه البَنَاتِ بِشَيْءٍ») سماه ابتلاء لموضع الكراهة لهن كما أخبر ربنا ﷻ. --------------- (١) سيأتي برقم (٣٥٠٥) كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش، و(٦٠٧٣) كتاب: الأدب، باب: الهجرة. (٢) رواه ابن الجعد في «مسنده» ص ٢٥٣ (١٦٧٣)، وابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٢٨، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧ كتاب: معرفة الصحابة. ١١ - باب أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفضَلُ؟ وَصَدَقَةُ الصَّحِيحِ الشَّحِيحِ كذا في أصل الدمياطي ومقابله باب فضل صدقة الصحيح الشحيح (١) وعلَّم عليه صح. وهو ما في شروحه ابن بطَّال (٢) وابن التين وغيرهما. ثم قال: لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ [المنافقون: ١٠] إلى خاتمتها. وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] الآيَةَ. ١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». [٢٧٤٨ - مسلم: ١٠٣٢ - فتح: ٣/ ٢٨٤] ثم ذكر حديث أبي هريرة: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: «أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ». الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (٣). --------------- (١) ورد بهامش الأصل: وكذا في نسختي، لكن فيها تقدم الشحيح على الصحيح. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤١٧. (٣) «صحيح مسلم» (١٠٣٢) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح. وسيأتي في الوصايا بزيادة: «وأنت صحيح حريص» (١) والخلة: الصداقة. وهذا اليوم هو يوم القيامة ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠]: فأزكى، ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]: أحج، قاله ابن عباس (٢). والشح مثلث الشين: البخل. قاله ابن سيده، قَالَ: والضم أعلى. وقال صاحب «الجامع»: أرى أن يكون الفتح في المصدر، والضم في الاسم. وفي «المنتهى» لأبي المعالي: وليس في الكلام فُعل بالضم وفِعل إلا هذا الحرف، وأحرف أُخر غيره. وقال الحربي: الشح ثلاثة وجوه: أحدها: أن تأخذ مال أخيك بغير حقه. قَالَ رجل لابن مسعود: ما أعطي ما أقدر على منعه. قَالَ: ذاك البخل، والشح: أن تأخذ مال أخيك بغير حقه (٣). وقَالَ رجل لابن عمر: إني شحيح. فقال: إن كان شحك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك، فليس بشحك بأس. ثانيها: ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قَالَ: الشح: منع الزكاة وادخار الحرام. ثالثها: ما روي في هذا الحديث. ---------------- (١) سيأتي برقم (٢٧٤٨) باب: الصدقة عند الموت. (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ١١٠ (٣٤١٨١). (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٤١ - ٤٢ (٣٣٨٨٠)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣٣٤٦ - ٣٣٤٧ (١٨٨٥٥)، والطبراني ٩/ ٢١٨ (٩٠٦٠)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٩٠ كتاب: التفسير وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ٤٢٦ - ٤٢٧ (١٠٨٤١). قَالَ: والذي يبرِّئ من الوجوه الثلاثة ما روي: «برئ من الشح، من أدى الزكاة، وقرى الضيف، وأعطى في النائبة» (١). وقال في «المغيث»: الشح أبلغ في المنع من البخل، والبخل في أفراد الأمور وخواص الأشياء، والشح عام، وهو كالوصف اللازم من قبل الطبع والجبلة وقيل: البخل بالمال، والشح بالماء والمعروف. وقيل: الشحيح: البخيل مع التحرص. وفي «مجمع الغرائب»: الشح المطاع: هو البخل الشديد الذي يملك صاحبه بحيث لا يمكنه أن يخالف نفسه فيه. فقوله: («وأنت صحيح شحيح») أي؛ لأن أكثر الأصحاء يشحون ببعض ما في أيديهم من الفقر، ويأملون من الغنى. ففيه: أن أعمال البر كلها إذا صعبت كان أجرها أعظم؛ لأن الشحيح الصحيح إذا خشي الفقر وأمل الغنى صعبت عليه الصدقة، وسول له الشيطان طول العمر وحلول الفقر به. فمن تصدق في هذِه الحال فهو مؤثر ثواب الرب تعالى على هوى نفسه. وأما إذا تصدق عند خروج نفسه فيخشى عليه الفرار بميراثه، والجور في فعله. ولذلك قَالَ ميمون بن مهران حين قيل له: إن رقية امرأة هشام ماتت وأعتقت كل مملوك لها. فقال ميمون: يعصون الله في أموالهم مرتين. يبخلون بها وهي في أيديهم، فإذا صارت لغيرهم أسرفوا فيها (٢). -------------- (١) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٢١٦١)، والطبراني (٤٠٩٦)، (٤٠٩٧)، كلاهما من طريق مجمع بن جارية، عن عمه خالد بن زيد مرسلًا. ووصله البيهقي في «الشعب» (١٠٨٤٢) من طريق مجمع، عن عمه، عن أنس بن مالك مرفوعًا. وانظر «السلسلة الضعيفة» (١٧٠٩). (٢) ذكره المزي في «تهذبب الكمال» ٢٩/ ٢٢٣، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٧٦. وقوله: («وتأمل الغنى») هو بضم الميم أي: تطمع. و(«تمهل») يجوز فيه ثلاثة أوجه: الفتح، والضم، والإسكان. وقوله: («حَتَّى إذا بلغت الحلقوم») أي: قاربت بلوغه. إذ لو بلغت حقيقة لم تصح وصية ولا شيء من تصرفاته بالاتفاق. وليس للروح ذكر ها هنا، لكن دل عليها الحال لقوله تعالى ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ (٨٣)﴾ يعني الحلق. قَالَ أبو عبيدة -كما نقله في «المخصص»: هو مجرى النفس والسعال من الجوف، ومنه مخرج البصاق والصوت (١). وفي «المحكم»: الحلقوم كالحلق، فعلوم عند الخليل، وفعلول عند غيره (٢). واحتج به من قَالَ: إن النفس جسد. وقد تقدم. وقوله: («وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ»): يريد به الوارث؛ لأنه لو شاء لم تجز الوصية. قاله الخطابي. يريد: (كان) بمعنى (صار). ولعله يريد: إذا جاوزت الثلث، أو كانت لوارث. وقيل: سبق القضاء به للموصى له. ويحتمل أن يكون المعنى أنه خرج عن تصرفه، وكمال ملكه، واستقلاله بما شاء من تصرفه. وليس له في الوصية كبير ثواب بالنسبة إلى صدقة الصحيح. ففي الحديث: «مثل الذي يعتق عند الموت، كالذي يهدي إذا شبع» (٣). --------------- (١) رواه أبو داود (٣٩٦٨) كتاب: العتق، باب: في فضل العتق في الصحة، والترمذي (٢١٢٣) كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الرجل يتصدق أو يعتق عند الموت، وأحمد ٥/ ١٩٧، وعبد الرزاق في «المصنف» ٩/ ١٥٧ (١٦٧٤٠) كتاب: المدبر، باب: العتق عند الموت. والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢١٣ كتاب: العتق، والبيهقي في «سننه» ٤/ ١٩٠ كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة الصحيح الشحيح. و١٠/ ٢٧٣ كتاب: العتق، باب: فضل العتق في الصحة، والحديث ضعفه الألباني كما في «الضعيفة» (١٣٢٢). (٢) انظر «المحكم» ٤/ ٣٤. (٣) «المحكم» ٣/ ٣. - باب ١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: «أَطْوَلُكُنَّ يَدًا». فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. [مسلم: ٢٤٥٢ - فتح: ٣/ ٢٨٥] ذكر فيه حديث مسروق عن عائشة: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاج النَّبِيِّ - ﷺ - أو أزواج النبي - ﷺ - قُلْنَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: «أَطوَلُكُنَّ يَدًا». فَأخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُول يَدِهَا بالصَّدَقَة، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. الشرح: كذا هو ثابت في كل النسخ باب بغير ترجمة، وكذا هو في الشروح، وهو داخل في الباب الأول. وزعم ابن أبي أحد عشر أنه ذكره في باب فضل زينب وسودة. والمشهور أن أسرعهن لحوقًا به زينب بنت ، وكانت كثيرة الصدقة. قَالَ محمد بن عمر: هذا الحديث وهل في سودة، وإنما هو في زينب، وهي كانت أول نسائه لحوقًا به، وتوفيت في خلافة عمر (١)، وبقيت سودة إلى شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة في خلافة معاوية (٢). --------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: سنة عشرين، وقال خليفة سنة ٢١، قاله النووي وغيره. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «الكاشف»: توفيت في آخر خلافة عمر. قال النووي في «التهذيب»: وهذا قول الأكثرين، قال: وذكر محمد بن سعد عن الواقدي أنها توفيت في شوال سنة ٤٣ هـ خلافة معاوية بالمدينة، قال الواقدي: وهذا الثبت عندنا. وهو المثبت عندنا. وقد رواه مسلم على الصواب من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة خالتها (١). وذكرت أنها زينب بنت ، وسبب طول يدها؛ أنها كانت تعمل وتتصدق. وقال ابن بطال: سقط من الحديث ذكر زينب؛ لأنه لا خلاف بين أهل الأثر والسير أن زينب أول من مات من زوجاته (٢). قَالَ عبد الرحمن بن أبزى: صليت مع عمر على زينب بنت أم المؤمنين (٣). قلتُ: فهو إذًا غلط من بعض الرواة. والعجب أن البخاري لم ينبه عليه ولا من بعده، حَتَّى أن بعضهم فسَّره بأن لحوق سودة من أعلامِ النبوة. ويجوز أن يكون خطابه لمن كان حاضرًا عنده إذ ذاك من الزوجات، وأن سودة وعائشة كانتا ثم دون زينب. وفيه: الإنعام والإفضال، وأن الحكم للمعاني لا للألفاظ، -بخلاف أهل الظاهر- ألا ترى أن أزواجه سبق إليهن أنه أراد طول اليد التي هي الجارحة، فلما لم تتوف سودة التي كانت أطولهن يد الجارحة وتوفيت زينب قبلهن، علمن أنه لم يرد طول العضو وإنما أراد بذلك كثرة ----------------- (١) «صحيح مسلم» (٢٤٥٢) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: من فضائل زينب أم المؤمنين رضي الله عنها. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤١٨. (٣) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٨/ ١١٢، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٧/ ٢٤٩ (٣٥٧٥٣) كتاب: الأوائل، باب: أول ما فعل ومن فعله، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٩٩، والدارقطني في «العلل» ٢/ ١٧٨، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٣٧ كتاب: الجنائز، باب: ما يستدل به على أن أكثر الصحابة اجتمعوا على أربع ورأى بعضهم الزيادة منسوخة، وقال الألباني: في «أحكام الجنائز» ص ١٨٧: سنده صحيح. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#285 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 291 الى صـــ 310 الحلقة (285) الصدقة؛ لأن زينب هي التي كانت تحب الصدقة. واليد ها هنا: يدها للعطاء. وهو من مجاز الكلام. ومثله قول اليهود: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]. ١٢ - باب صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَي: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] [فتح ٣/ ٢٨٨]. اختلف في سبب نزول هذِه الآية: فروى مجاهد عن ابن عباس: أنها نزلت في علي بن أبي طالب، كان معه أربعة دراهم فأنفق بالليل درهمًا، وبالنهار درهمًا، وسرًا درهمًا، وعلانية درهمًا (١). وقال الأوزاعي: نزلت في الذين يرتبطون الخيل خاصة في سبيل الله ينفقون عليها بالليل والنهار (٢). وقال قتادة: نزلت في من أنقق ماله في سبيل الله؛ لقوله - ﷺ -: «إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يوم القيامة، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا -عن يمينه وعن شماله- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» (٣) هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي آفترض وارتضى في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد (٤). ونقل الواحدي قول الأوزاعي عن جماعة غيره: أبي أمامة وأبي الدرداء ومكحول. قَالَ: والأوزاعي، عن رباح (٥). ورواه ابن غريب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا (٦)، ووافق مجاهد والكلبي الأول، زاد ------------ (١) رواه الواحدي في «أسباب نزول القرآن» ص ٩٤ - ٩٥ (١٨٠، ١٨١). (٢) المصدر السابق ص ٩٣ (١٧٥). (٣) سيأتي برقم (٦٦٣٨) كتاب: الإيمان والنذور، باب: كيف يمين النبي - ﷺ -، ورواه مسلم برقم (٩٩٠) كتاب: الزكاة، باب: تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة. (٤) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ١٠١ (٦٣٣١). (٥) «أسباب النزول» ص ٩٣. (٦) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٧/ ٤٣٣، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ = الكلبي: فقال له رسول الله - ﷺ -: «ما حملك على هذا؟» قَالَ: حملني أن أستوجب على الله الذي وعدني. فقال له: «ألا إن ذلك لك» فأنزل الله هذِه الآية (١). وفي «الكشاف»: نزلت في أبي بكر إذ أنفق أربعين ألف دينار عشرة آلاف سرًا، ومثلها جهرًا، ومثلها ليلًا، ومثلها نهارًا (٢). وقال الطبري عن آخرين: عني بها قوم أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير (٣). وهذا سلف. فروي عن ابن عباس أن قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١] إلى قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤] كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات انتهت الصدقات إليها (٤). وقال قتادة: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ [البقرة: ٢٧١] كل مقبول إذا كانت النية صادقة، وصدقة السر أفضل. وذكر لنا أن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وقاله أيضًا الربيع (٥). وعن ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفًا. وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، يقال: بخمسة وعشرين ضعفًا. وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها (٦). -------- = ١٥٨ (٢٦٩٦)، والطبراني ١٧/ ١٨٨ (٥٠٤)، والواحدي في «أسباب نزول القرآن» ص ٩٢ (١٧٥)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٢٧، وقال: رواه الطبراني، وفيه مجاهيل. وقال الألباني: موضوع، وهذا إسناد هالك. انظر: «الضعيفة» ٧/ ٤٧٢ - ٤٧٣ (٣٤٧٥). (١) انظر: «أسباب نزول القرآن» ص ٩٥ (١٨٢). (٢) «الكشاف» ١/ ٢٨٣. (٣) «تفسير الطبري» ٣/ ١٠١ (٦٢٣١). (٤) «تفسير الطبري» (٦٢٣٢). (٥) «تفسير الطبري» ٣/ ٩٢ (٦١٩٣، ٦١٩٤). (٦) «تفسير الطبري» ٣/ ٩٣ (٦١٩٥). وقال سفيان: سوى الزكاة (١). وهذا قول كالإجماع. وقال آخرون: إنما عني بـ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ يعني: على أهل الكتابين من اليهود والنصارى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾» قالوا: فأما من أعطى فقراء المسلمين من زكاة وصدقة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذلك يزيد بن أبي حبيب وقال: إنما أنزلت فيهم (٢). قَالَ الطبري: لم يخص الله صدقة دون صدقة، وذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة، فإن الواجب من الفرائض قد أجمع الجميع على أن الفضل في إعلانه، وإظهار سوى الزكاة التي ذكرنا اختلاف المختلفين فيها مع إجماع جميعهم على أنها واجبة، فحكمها في أن الفضل في أدائها علانية حكم سائر الفرائض غيرها (٣). وقال الحسن: إظهار الزكاة أفضل، وإخفاء التطوع أفضل. وعند الزجاج: كانت صدقة الزكاة سرًّا أيام رسول الله - ﷺ -، فأما اليوم فالظن يساء بمن لم يظهرها. وروى أبو الفضل الجوزي من حديث القاسم، عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل رسول الله - ﷺ -: أي الصدقة أفضل؟ قَالَ: «سر إلى فقير أو جهد من مقل» (٤) ثم تلا: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾. ----------- (١) «تفسير الطبري» (٦١٩٦). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٩٣ (٦١٩٧). (٣) المرجع السابق. (٤) رواه أحمد ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦ مطولًا، والطبراني ٨/ ٢١٧ (٧٨٧١)، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ١١٥، وقال: فيه علي بن يزيد، وفيه كلام. وضعفه الألباني كما في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٥٣١). وعن الشعبي: لما نزلت: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ جاء عمر بنصف ماله يحمله على رءوس الناس، وجاء أبو بكر بجميع ماله يكاد أن يخفيه من نفسه، فقال - ﷺ -: «ما تركت لأهلك؟» قَالَ: عدة الله وعدة رسوله (١). واعلم أن البخاري لم يذكر في الباب حديثًا، وكأنه -والله أعلم- اكتفي بما أسلفه في الصلاة من الأمر بالصدقة والمبادرة إليها. --------- (١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥٣٦ (٢٨٤٨). ١٣ - باب صَدَقَةِ السِّرِّ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ». وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. [فتح ٣/ ٢٨٨] الشرح: أما الآية الكريمة فقد سلف الكلام فيها في الباب قبله واضحًا، ومعنى أولها: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أي: إن تظهروا. وفي: ﴿نِعِمَّا﴾ قراءات، ليس هذا موضعها، ومعنى الإخفاء: السر. وأما هذا التعليق فقد أسنده فيما مضى في باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة (١). ويأتي قريبًا أيضًا (٢)، وتأولوا الإخفاء فيه على صدقة التطوع، وهو ضرب مثل في المبالغة في الإخفاء؛ لقرب الشمال من اليمين، وإنما أراد بذلك أن لو أراد أن لا يعلم من يكون على شماله من الناس ما تتصدق به يمينه لشدة استتاره، وهذا على المجاز كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ (٣) [يوسف: ٨٢]؛ لأن الشمال لا توصف بالعلم. وكافة العلماء على الإسرار في التطوع دون الفرض (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها، وفي غير ذلك من أموركم، ذو خبرة ---------- (١) سلف برقم (٦٦٠) كتاب: الأذان. (٢) سيأتي برقم (١٤٢٣) باب: الصدقة باليمين. (٣) سيأتي الكلام عن نفي المجاز عن القرآن في كتابه: التفسير. (٤) انظر: «المجموع» ٦/ ٢٣٦. وعلم لا يخفي عليه شيء، فهو محيط به محصٍ له حَتَّى يجازيهم بالقليل والكثير. فإن قلت (١): بداءة المصنف بالحديث ثم بالآية وكان الأولى عكسه. قلتُ: كأن -والله أعلم- أن الآية في الباب قبله نص فيه، فأشار إليها ثم أردفه بالأخرى. ---------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: لما كانت الآية في الباب قبله صريحة فيه وفي هذا الباب فكأنها مذكررة هنا لقوة الصراحة، وإذا كانت مُنزَّلة مَنْزِلة المذكورة فقد قدمها على الحديث، لكن يبقى عليه أن يقال: فلم قدم الحديث على الآية الأخرى، والحديث والآية متساويان في الدلالة؟. ١٤ - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ١٤٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَىْ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدَيْ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ. فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللهُ». [مسلم: ١٠٢٢ - فتح: ٣/ ٢٩٠] ذكر فيه حديث أبي هريرة في الصدقةِ على السَّارِق والزانية والغنيِّ، بطوله. وقد أخرجه مسلم بزيادة: فقيل له: «أما صدقتَكَ فقد قُبِلَت» (١). وهو ظاهر في الحض على الاغتباط بالصدقات، وكان هذا الرجل فيمن كان قبلنا فجازاه بها وقبل ذلك منه كما سلف، نبه عليه ابن التين قَالَ: وقوله: «فأتي فقيل له». يحتمل أن يكون أخبره بذلك نبي، أو أخبر في نوم. قلتُ: قد جاء مصرحًا بالثاني. ففي «مستخرج أبي نعيم»: «فأتي في منامه فقِيْلَ له: إن الله -عز وجل- قد قَبل صَدَقَتَكَ». وجزم به المهلب فقال: يعني: أنه أُري في المنام، والرؤيا حق. ---------- (١) «صحيح مسلم» (١٠٢٢) كتاب: الزكاة، باب: أجر المتصدق وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها. وقوله: «فلعله أن يستعفف عن سرقته». (العل) من الله تعالى على معنى القطع والحتم. ودل ذلك أن صدقة الرجل على السارق والزانية والغني قد يقبلها الله تعالى، وقد صرح به كما سلف، لا سيما إذا كانت سببًا إلى ما يرضي الرب تعالى، فلا شك في فضلها وقبولها. وقوله: «فعلَّها أنْ تَسْتَعِفَّ عن زناها». قَالَ ابن التين: رويناه بالمد. وعند أبي ذر بالقصر، وهي لغة أهل الحجاز، والمد لأهل نجد. واختلف العلماء في الذي يعطي الفقير من الزكاة على ظاهر فقره ثم يتبين غناه، فقال الحسن البصري: إنها تجزئه. وهو قول أبي حنيفة ومحمد (١)، وقبلهما إبراهيم. قالوا: لأنه قد اجتهد وأعطى فقيرا عنده، وليس عليه غير الاجتهاد، وأيضًا فإن الصدقة إذا خرجت من مال المتصدق على نية الصدقة أنها جازئة عنه حيث وقعت ممن بسط إليها يدًا إذا كان مسلمًا بهذا الحديث، وقال أبو يوسف والثوري والحسن بن حي والشافعي: لا يجزئه؛ لأنه لم يضع الصدقة موضعها، وقد أخطأ في اجتهاده، كما لو نسي الماء في رحله وتيمم لصلاة لم تجزئه صلاته (٢). واختلف قول ابن القاسم: هل تجزئه أم لا (٣)؟ قَالَ ابن القصار: وقول مالك يدل على هذا؛ لأنه نص في كفارة اليمين: إن أطعم الأغنياء فإنه لا يجزئه، وإن كان قد اجتهد فالزكاة أولى. فأما الصدقةُ على السارِقِ والزَّانيةِ فإنَّ العلماءَ مُتفقون أنَّهما إذا كانا فقيرين فهما ممن تجوز له الزكاة. ----------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٣. (٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٥٠، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٣٨، «المغني» ٤/ ١٢٧. (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥١، «عيون المجالس» ٢/ ٥٩٩. وفيه: وجوب الاعتبار والمنافسة في الخير كما سلف، وزعم بعضهم أن هذا كان في صدقة التطوع. وقوله: (تُصدق) روي بضم التاء وفتحها. ١٥ - باب إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ ١٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيْرِيَةِ، أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللهِ مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ». [فتح: ٣/ ٢٩١] ذكر فيه حديث أبي الجويرية (خ، د، س) -بالجيم- حِطَّان بن خفاف الجرمي الكوفي أَنَّ مَعْنَ بْنَ يَزِيدَ (خ، د) -وهو ابن الأخنس- حَدَّثَهُ وهما من أفراد البخاري (١) قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: والله مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ. فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ». الشرح: هذا الحديث من أفراده، وَمْعن هذا أدرك إمرة مروان. وهو ووالده وجده الأخْنس بدريون من الأفراد، فيما قاله يزيد بن أبي حبيب. وأما الصحابة فبيت الصديق فيه أربعة في نسق، وهو من الأفراد أيضًا. وقوله: (وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي) يريد: رسول الله - ﷺ -، وهذِه فضيلة، واتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الأبن ولا إلى ------------- (١) في هامش الأصل: أي عن مسلم. الأب إذا كانا ممن تلزم المزكي نفقتهما (١)؛ لأنها وقاية لماله، ولم يختلفوا أنه يجوز له أن يعطيهما ما شاء من صدقة تطوع أو غيرها. قالوا؛ وهذا الحديث في التطوع. وعن الشافعي: أنه يجوز للوالد الإعطاء إذا كان الولد غارمًا أو غازيًا، ويحمل حديث الباب عليه، وإذا كانا فقيرين وقلنا بعدم وجوب النفقة فلهما تناولها كالأجنبي. واختلفوا في دفع الزكاة إلى سائر الأقارب المحتاجين الذين لا تلزم نفقتهم، فروي عن ابن عباس أنه يجزئه، وهو قول عطاء والقاسم وسعيد بن المسيب وأبي حنيفة والثوري والشافعي وأحمد (٢)، وقالوا: هي لهم صدقة وصلة. وقال ابن المسيب: أولى الناس بزكاة مالي يتيم ومن كان مني (٣). وروى مطرف، عن مالك: أنه لا بأس أن يعطي قرابته من زكاته إذا لم يعط من يعول، وقال: رأيت مالكًا يعطي قرابته من زكاته. وهو قول أشهب (٤). وقال الحسن البصري وطاوس: لا يعطي قرابته من الزكاة شيئًا. وذكر ابن المواز عن مالك أنه كره أن يخص قرابته بزكاته وإن لم تلزمه نفقتهم (٥). ------------- (١) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ١٤٢. (٢) انظر: «الأصل» ٢/ ١٤٨، «مختصر المزني» ١/ ٢٥٦، «المغني» ٤/ ٩٩. (٣) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤١٢ (١٠٥٣٢). (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٤، ٢٩٥. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٤. وفيه: أن الابن يخاصم أباه، وليس بعقوق إذا كان ذلك في حق، على أن مالك قد كره ذلك ولم يجعله من باب البر. وفيه: أن ما خرج إلى الابن من مال الأب على وجه الصدقة أو الصلة أو الهبة لله تعالى وحازه الابن أنه لا رجوع للأب فيه، بخلاف الهبة التي للأب أن يقتصرها. أي: يرجع فيها. ولم يكن له أن يقتصر الصدقة، وكل هبة وعطية لله فليس له أن يقتصرها؛ لقوله - ﷺ -: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» (١) وهذا مذهب مالك (٢)، وسيأتي مذهبنا في الرجوع في كتاب الهبة إن شاء الله. وقال ابن التين: يجوز دفع الفرض إليه بشرطين: أحدهما: أن يتولن غيره صرفها إليه. الثاني: أن لا يكون في عياله، فإن كان في عياله وقصد إعطاءه فروى مطرف عن مالك: لا ينبغي له أن يفعل، فإن فعل أساء ولا يضمن إن لم يقطع عن نفسه إنفاقه عليهم. قَالَ ابن حبيب: فإن قطع الإنفاق عن نفسه بذلك لم يجزئه، فإن لم يكن في عياله وتولى هو صرفها إليه. فاختلف قوله على ثلاث روايات: روى عنه ابن القاسم كراهية ذلك، وروى عنه مطرف جوازه، وروى عنه الواقدي: إن أفضل من وضعت فيه زكاتك أهل رحمك الذين لا تعول (٣). ------------- (١) سيأتي برقم (٢٥٨٩) كتاب: الهبة، باب: هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها. (٢) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٠٣. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦. وقد قَالَ بعض أهل العلم: إن نفقة الولد الكبير تلزم أباه وإن بلغ صحيحًا. واحتج بظاهر حديث هند: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالمَعْرُوفِ» (١) فعلى قوله لا يجوز دفعها للولد على كل حال؛ لأن النفقة له لازمة بالشرع، وفي الحديث: «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّات» (٢) وصح: «الصَّدقة على غير ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَة» (٣) وممن قَالَ بإعطاء الأقارب ما لم يكونوا في عياله ابن عباس وابن المسيب وابن مسعود وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن وعطاء والضحاك وطاوس ومجاهد، حكاه في «المصنف» عنهم (٤)، وفي «مسند الدارمي» من حديث حكيم مرفوعًا: «أفْضل الصَّدقة على ذي الَرَّحمِ الكاشح» (٥). ------------- (١) سيأتي برقم (٢٢١١) كتاب: البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم … (٢) سبق برقم (١) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -. (٣) رواه الترمذي (٦٥٨) مطولًا، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القربى، وقال أبو عيسى: حديث سلمان حسن، والنسائي ٥/ ٩٢ كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب، وابن ماجه (١٨٤٤) كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة، وأحمد ٤/ ١٨، والدارمي ٢/ ١٠٤٦ (٧٢٢ - ١٧٢٣) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على القرابة، والبيهقي ٤/ ١٧٤ كتاب: الزكاة، باب: الاختيار في أن يؤثر بزكاة فطره وزكاة ماله ذوي رحمه … وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٥٣١) و«ابن ماجه» (١٤٩٤). (٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٤١٢، ٤١٣ (١٠٥٣١ - ١٠٥٤٢). (٥) «مسند الدارمي» ٢/ ١٠٤٥ (١٧٢١) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على القرابة. ١٦ - باب الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ ١٤٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ». [انظر: ٦٦٠ - مسلم: ١٠٣١ - فتح: ٣/ ٢٩٢] ١٤٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الخُزَاعِىَّ - رضي الله عنه - يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا مِنْكَ، فَأَمَّا اليَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا». [انظر: ١٤١١ - مسلم: ١٠١١ - فتح: ٣/ ٢٩٣] ذكر فيه حديث أبي هريرة: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ …» وقد سلف (١). وحديث حارثة بن وهب: «تصدقوا ..» السالف في باب الصدقة قبل الرد (٢). ولم يظهر لي وجه إيراده في الصدقة باليمين إلا أن يقال: إن قوله: «تصدقوا» يحمل على ما مدح فيه في الحديث الأول، وهو اليمين. ------------ (١) برقم (٦٦٠) كتاب: الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد. (٢) برقم (١٤١١) كتاب: الزكاة. قَالَ ابن التين هنا: وقوله: «يُظِلّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ» جاء في [الأثر] (١): أن الشمس تقرب من الخلائق يوم القيامة حَتَّى يبلغ الكافر في رشحه إلى أنصاف أذنيه، فيظل الله من يشاء في ظله. وقد سلف ما في ذلك مستوفي. وبدأ بالإمام العادل؛ لأن الله تعالى يصلح به أمر العباد في [نفي] (٢) الظلم، وإصلاح السبل، ودفع العدو، وغير ذلك. ويقال: للإمام مثل أجر من عمل بأمره وانتهى بنهيه ووعظه مع أجره، وليس أحد أقرب من الله منزلة منه بعد الأنبياء. وقال عثمان: الذي يزع بالإمام (٣) أكثر مما يزع يالقرآن. يعني: يكف. وإنما خص اليمين لأن الصدقة لما كانت لله استعمل فيها أشرف الأعضاء وأفضل الجوارح. وقد سلف أن إخفاء النوافل والتستر بها أفضل عند الله من إظهارها، بخلاف الفرائض. وهذا مثل ضربه - ﷺ - لإخفاء الصدقة لقرب الشمال من اليمين. وإنما أراد بذلك أن لو قدر على أن لا يعلم من يكون على شماله من الناس ما تصدقت به يمينه لشدة استتاره. وهذا على المجاز إذ لا يوصف بالعلم. وهذا قد سلف أيضًا. ----------- (١) في الأصل: الآية وهو خطأ. (٢) ساقطة من الأصل. (٣) وقع قبلها في الأصل: الإمام، وبيض مكانها في (م). ١٧ - باب مَنْ أَمَرَ خَادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِلْ بِنَفْسِهِ وَقَالَ أَبُو مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «هُوَ أَحَدُ المُتَصَدِّقِينَ». [١٤٣٨] ١٤٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا». [١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٢١٣] ذكر فيه عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا». أما التعليق فيأتي مسندًا قريبًا (١). وحديث عائشة أخرجه مسلم (٢)، والأربعة (٣). ولما رواه الترمذي من حديث أبي وائل عن عائشة، وحسنه قَالَ: حديث أبي وائل عن مسروق أصح، فإنه لا يذكر في حديثه عن مسروق (٤). وقال الدارقطني: روي من حديث أبي وائل الأسود، وهو وهم، والصحيح عن أبي وائل عن عائشة. إذا تقرر ذلك، فكأن البخاري أراد بالترجمة معارضة ما روى ابن أبي ----------- (١) برقم (١٤٣٨) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد. (٢) «صحيح مسلم» (١٠٢٤) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخازن الأمين، والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها … (٣) أبو داود (١٦٨٥)، الترمذي (٦٧٢)، النسائي ٥/ ٦٥، ابن ماجه (٢٢٩٤). (٤) «سنن الترمذي» (٦٧١) كتاب: الزكاة، باب: في نفقة المرأة من بيت زوجها. شيبة، عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن عباس بن عبد الرحمن المدني قَالَ: خصلتان لم يكن النبي - ﷺ - يكلهما إلى أحد من أهله: كان يناول المسكين بيده، ويضع الطهور لنفسه (١). وكان الحسين يفعله (٢). وروى الجُوزي من حديث ابن عباس: كان النبي - ﷺ - لا يكل طهوره ولا صدقته التي يتصدق بها إلى أحد، يكون هو الذي يتولاهما بنفسه (٣). وفيه: كان ابن مكتوم إذا تصدق قام بنفسه. والترجمة تتخذ من قوله في الحديث: «وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ» والمراد: الخادم كما ستعلمه؛ لأن الخادم لا يجوز أن يتصدق من مال مولاه إلا بإذنه. وقوله: «أَحَدُ المُتَصَدَّقَيْنِ» هو بالتثنية. ذكر القرطبي أنه لم يُروَ إلا بالتثنية. ومعناه أنه بما فعل متصدق، والذي أخرج الصدقة بما أخرج متصدق آخر، فهما متصدقان. ويصح أن يقال على الجمع، ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين (٤). وبنحوه ذكره ابن التين وغيره. وفي الباب أحاديث في إنفاق المرأة والمملوك: منها حديث أبي هريرة الآتي في البيوع «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأةُ مِنْ كسْبِ زَوْجِهَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِهِ» (٥). ----------- (١) «المصنف» ١/ ١٧٨ (٢٠٤٥) كتاب: الطهارات، باب: من كان يحب أن يلي طهوره بنفسه. (٢) رواه أحمد بن حنبل في «الزهد» ١/ ١٦٦. (٣) رواه ابن ماجه (٣٦٢) قال الألباني في «الضعيفة» (٤٢٥٠): ضعيف جدًا. (٤) «المفهم» ٣/ ٦٨. (٥) برقم (٢٠٦٦) باب: قول الله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. وفي أبي داود -بإسناد جيد- من حديث سعد: لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النِّسَاءَ قَالت امْرَأَةٌ: يارسُولَ اللهِ إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وأزواجنا فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ. فَقَالَ: «الرَّطْبُ تَأكلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ: الرَّطْبُ: الخُبْزُ وَالبَقْلُ وَالرُّطَبُ. (١). قَالَ ابن المديني: سعد ليس بابن أبي وقاص، فهو مرسل. قلتُ: بل هو كما ذكره البزار وغيره. وفي مسلم من حديث عمير مولى آبي اللحم: أتصدق يا رسول الله من مال مولاي؟ قَالَ: «نعم، والأجرُ بينكُما نِصْفان» (٢). وللترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - في خطبته عام حجة الوداع: «لا تنفق امرأةٌ شيئًا من بيت زوجها» قيل: يا رسول الله ولا الطعام؟ قال: «ذلك أفضل أموالنا» (٣) ولأبي داود من حديث أبي هريرة في المرأة تصدق من بيت زوجها (٤) قَالَ: لا إلا من قوتها ثم قَالَ: هذا يضعف رواية أبي هريرة (٥). ------------ (١) «سنن أبي داود» (١٦٨٦) كتاب: الزكاة، باب: المرأة تتصدق من بيت زوجها، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٠١) قائلًا: ضعيف لانقطاعه بين زياد وسعد وهو: ابن أبي وقاص. (٢) «صحيح مسلم» (١٠٢٥) كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه. (٣) «سنن الترمذي» (٦٧٠) كتاب: الزكاة، باب: في نفقة المرأة من بيت زوجها، وقال: هذا حديث حسن. (٤) «سنن أبي داود» (١٦٨٨) كتاب: الزكاة، باب: المرأة تتصدق من بيت زوجها، قال أبو داود: هذا يضعف حديث همام، وصححه الألبانى في «صحيح أبي داود» برقم (١٤٨١) قائلًا: إسناده صحيح موقوف، وهو تفسير للمرفوع الذي قبله. (٥) يعني حديث «إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره فلها نصف أجره» وسيأتي برقم (٢٠٦٦). وقال الشعبي لمملوك سأله؛ يكتسب ويتصدق: الأجر لمواليك (١). وقَالَ إبراهيم: لا بأس أن يتصدق العبد من الفضل. وقال الحسن: يتصدق من قوته بالشيء الذي لا يضر به. وقَالَ ابن جبير: يتصدق بثلاثة دراهم أو أربعة. وقال ابن المسيب: يتصدق من ماله بالصاع وشبهه (٢). وقال إبراهيم: بما دون الدرهم. وقال عمر وعلي: بالدرهم. زاد عمر: والرغيف. وعن الشعبي وخيثمة: لا يتصدق بما فوق الدرهم (٣). واختلف الناس في تأويل هذا الحديث على قولين كما قَالَ ابن العربي: فمنهم من قَالَ: إنه في اليسير الذي لا يؤبه إلى نقصانه، ولا يظهر. ومنهم من قَالَ: إذا أذن فيه الزوج، وهو اختيار البخاري. قَالَ: ويحتمل أن يكون محمولًا على العادة يوضحه قوله: «بطيب نفس» و«غَيْرَ مُفْسِدَةٍ»، وهو محمول على اليسير الذي لا يجحف به (٤)، فإن زاد على المتعارف لم يجز. وذكر الإطعام؛ لأنه يسمح به في العادة، بخلاف الدراهم والدنانير في حق أكثر الناس. وزعم بعضهم أن المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب المال، وغلمانه، ومصالحه، وكذا صدقتهم المأذون فيها عرفًا أو تصريحًا. وقال بعضهم: هذا على طريقة أهل الحجاز --------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٩١ (١٠٢٨١) كتاب: الزكاة، باب: من كره للعبد أن يتصدق بغير إذن مولاه. (٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٢/ ٣٩٠ (١٠٢٦٥ - ١٠٢٦٨) كتاب: الزكاة، باب: في العبد يتصدق من رخص أن يفعل. (٣) السابق ٢/ ٣٩١ (١٠٢٧٠)، (١٠٢٧٢)، (١٠٢٧٥). (٤) «عارضة الأحوذي» ٣/ ١٧٧ - ١٧٨. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#286 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 311 الى صـــ 330 الحلقة (286) وما جانسهم، وذلك أن رب البيت قد يأذن في مثل ذلك، وتطيب به نفسه، وليس ذلك بأن تفتات المرأة والخادم على رب البيت. وفرَّق بعضهم بين الزوجة والخادم بأن الزوجة لها حق في مال الزوج، ولها النظر في بيتها، فجاز لها أن تتصدق ما لم يكن إسرافًا. وأما الخادم فليس له تصرف في متاع مولاه ولا حكم، فيشترط الإذن فيه دون الزوجة. وجزم ابن التين بأن قوله: «غَيْرَ مُفْسِدَةٍ»، يريد: فعلت ما يلزم الزوج من نفقة عيال، وإعطاء سائل على ما جرت به العادة، أو صلة رحم، أو مواساة مضطر، فهذِه لها أجرها بما صرفت عنه من شح النفس. وقوله: «وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ» يريد الخادم طيب النفس. وقيل معناه: إذا فعل مثل المرأة كان له مثل أجرها. وبينه حديث أبي موسى الآتي: «طيب به نفسه» (١) ونفذ ما أمره به كاملًا موفرًا، وعليه يدل تبويب البخاري أخذه من قوله: «وَللْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ»؛ لأن الخازن لا يجوز له أن يتصدق إلا بإذن مولاه بخلاف الزوجة على قول من أباح لها ذلك؛ لأن الخازن إنما هو أمين فقط. ثم ظاهر الخبر أن أجر الجميع متساوٍ. وقال بعضهم: لا يعلم مقدار أجر كل واحد منهم إلا الله غير أن الأظهر أن الكاسب أكثر أجرًا، كما قاله ابن بطال (٢). وقد أسلفنا من حديث أبي هريرة أن لها نصف أجره. وقال بعضهم: النصف مجاز، وهما سواء في المثوبة، لكل منهما أجر كامل. ويحتمل -------------- (١) سيأتي هنا برقم (١٤٣٨)، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧. أنها مثلان فأشبه الشيء المنقسم بنصفين. ثم اعلم أن البخاري ترجم على هذا الحديث تراجم: ترجم عليه ما نحن فيه. وترجم عليه باب أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد، وزاد فيه حديث أبي موسى كما ستعلمه (١)، وترجم عليه إثره باب: أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها غير مفسدة، وساقه عن عائشة من طرق (٢). وهو من باب المعاونة التي أمر بها الرب ﷻ حيث قَالَ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وهي دالة على اشتراك المتعاونين على الخير في الأجر. وجاء هذا المعنى في هذِه الأحاديث إلا أنه لا يجوز لأحد أن يتصدق من مال أحد بغير إذنه، لكن لما كانت المرأة لها حق في ماله كان لها النظر في بيتها جاز لها الصدقة بما لا يكون إضاعة للمال، ولا إسرافًا، لكن بمقدار العرف والعادة، وما تعلم أنه لا يؤلم زوجها، وتطيب به نفسه. فأخبر أنها تؤجر على ذلك، ويؤجر زوجها بما كسب. ويؤجر الخادم الممسك كذلك هو والخازن المذكور في الحديث كما سلف إلا أن مقدار أجر كل منهم متفاوت كما سلف. -------------- (١) يأتي برقم (١٤٣٧) وحديث أبي موسى برقم (١٤٣٨). (٢) أحاديث (١٤٣٩ - ١٤٤١). ١٨ - باب لَا صَدَقَةَ إِلاَّ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهْوَ مُحْتَاجٌ، أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجون، أَوْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالعِتْقِ وَالهِبَةِ، وَهْوَ رَدٌّ عَلَيْهِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ». [٢٣٨٧] إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَة، كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ، وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ، وَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ. [انظر: ٨٤٤] وَقَالَ كَعْبٌ بنُ مالك: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَي اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ - ﷺ -. قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِى الذِي بِخَيْبَرَ. [٢٧٥٧] ١٤٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». [١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦ - فتح: ٣/ ٢٩٤] ١٤٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ». [مسلم: ١٠٣٤ - فتح: ٣/ ٢٩٤] ١٤٣٨ - وَعَنْ وُهَيبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي هريرَةَ - رضي الله عنه - بهذا. [انظر: ١٤٢٦ - فتح ٣/ ٢٩٤] ١٤٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالمَسْأَلَةَ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ». [مسلم: ١٠٣٣ - فتح: ٣/ ٢٩٤] ذكر فيه أحاديث ثلاثة، وسردها ابن بطال حديثًا واحدًا من حديث أبي هريرة (١): أحدها: حديث أبي هريرة: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». ثانيها: حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ..» الحديث. وعن وهيب، حدثنا هشام، عن أبيه، عن أبي هُريرةَ، مرفوعًا مثله. ثالثها: حديث ابن عمر: «اليَدُ العُلْيَا خير مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، اليد العُلْيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ». الشرح: هذِه الترجمة بلفظها مروية أخرجها الواحدي بإسناده إلى أبي صالح، عن أبي هريرة، وذكره ابن بطال في حديث عطاء عن أبي هريرة أيضًا (٢). ولأبي داود: «إن خير الصدقة ما ترك غنى أو تصدق به عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (٣). ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٣٠. (٣) «سنن أبي داود» (١٦٧٦) كتاب: الزكاة، باب: الرجل يخرج من ماله. وحديث: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ ..» إلى آخره سيأتي مسندًا بعد إن شاء الله (١). وقوله: (فَالدَّيْنُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى مِنَ الصَّدَقَةِ) لعله يريد حديث: «أرأيت لو كان على أُمك دينٌ أكنتِ قاضيته؟» قالت: بلى. وسيأتي (٢) وهو إجماع. وقوله: (والعِتق) لعله يريد حديث نعيم النحَّام من عنده أيضًا في بيعه - ﷺ - العبد المعتق عن دُبر الذي لم يكن لسيده مال غيره (٣)، وقيل: إن عليه دينًا. وقوله: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ فَيُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ) إنما يرجع هذا الاستثناء إلى الصدقة لا إلى الدين كما سيأتي (٤). ومن علم من نفسه الصبر على الضر والإضاقة والإيثار فمباح له أن يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، وجائز له أن يتصدق وهو محتاج، ويأخذ بالشدة كما فعل الصديق والأنصار بالمهاجرين. وإن عرف أنه لا طاقة له ولا صبر فإمساكه أفضل؛ لقوله - ﷺ -: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ» وقوله: «ابدأ بمن تعول»، وحديث البخاري في ------------- (١) برقم (٢٣٨٧) كتاب: في الاستقراض، باب: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها. (٢) برقم (٧٣١٥) كتاب: الاعتصام، باب: من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين الله حكمهما؛ ليفهم السائل. (٣) سيأتي هذا الحديث برقم (٢١٤١) كتاب: البيوع، باب: بيع المزايدة، ورواه مسلم (٩٩٧). (٤) برقم (٢٣٨٧) كتاب: في الاستقراض، باب: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها. قصة الضيف الذي آثره صاحب البيت على نفسه وولده (١)، ظاهر فيما نحن فيه. وعند الواحدي: نزلت في رجل أهديت له رأس شاة فآثر غيره بها فدارت على سبعة أبيات (٢). والخَصَاصَةُ: الإملاق، وأصله الخلل والفرج، يقال: بدا القمر من خصاصة الغيم. وسيكون لنا عودة إليه في التفسير. وقوله: (كَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كلِّه) أخرجه أبو داود، وصححه الترمذي والحاكم على شرط مسلم (٣). وقوله: (وَكَذَلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ) ذكره ابن إسحاق وغيره: أن المهاجرين لما نزلوا على الأنصار آثروهم حَتَّى قَالَ بعضهم لعبد الرحمن بن عوف: أنزل لك عن إحدى امرأتيَّ (٤). وقوله: (وَنَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ) كأنه يشير إلى حديث المغيرة بن شعبة المذكور عنده في الصلاة (٥). وقوله: (وقال كعب بن مالك ..) إلى آخره. يأتي في موضعه مسندًا (٦). ------------- (١) يأتي برقم (٣٧٩٨). (٢) «أسباب النزول» ص ٤٣٩ - ٤٤٠ (٨١٠). (٣) «سنن أبي داود» (١٦٧٨) كتاب: الزكاة، باب: في الرخصة في الرجل يخرج من ماله، «سنن الترمذي» (٣٦٧٥) كتاب: المناقب، باب: في مناقب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقال: هذا حديث حسن صحيح، «المستدرك» ١/ ٤١٤، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٧٣) إسناده حسن على شرط مسلم. (٤) الأنصاري هذا هو سعد بن الربيع كما سيأتي برقم (٢٠٤٩)، ورواه مسلم (١٤٢٧). (٥) سلف برقم (٨٤٤) كتاب: الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة. (٦) سيأتي برقم (٢٧٥٧) كتاب: الوصايا، باب: إذا تصدق أو أوقف بعض ماله … وحديث أبي هريرة الأول من أفراده إلا قوله: «وابدأ بمن تعول». وحديث حكيم أخرجه مسلم أيضًا بدون «ومن يستعفف ..» إلى آخره. ولفظ مسلم: «أفضل الصدقة -أو خير الصدقة- عن ظهر غنى» (١) وما زاده البخاري أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد (٢)، وكذا البخاري أيضًا (٣). وحديث أبي هريرة الذي لم يذكر لفظه من أفراده. وقوله فيه: عن وهيب. ثم ساقه، قَالَ أبو مسعود، وخلف، وأبو نعيم أن البخاري رواه عن موسى بن إسماعيل عنه، كما أخرج حديث حكيم، ورواه الإسماعيلي من حديث حبان عنه، ثنا هشام، عن أبي هريرة مثل حديث حكيم وأخرجه الترمذي من حديث بيان بن بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة: «اليد العُليا» إلى قوله: «تعول» ثم قَالَ: حسن غريب، يستغرب من حديث بيان عن قيس (٤). ولابن أبي شيبة: «وخيرُ الصدقة ما أبقت غنى» (٥). وحديث ابن عمر أخرجه مسلم أيضًا (٦). قَالَ أبو العباس أحمد بن طاهر الداني: تفسير العليا فيه، والسفلى مدرج في الحديث، وهو مرفوع وإن ظُنَّ لبعض الرواة. والمنفقة: المعطية. وفي رواية: «العليا -------------- (١)»صحيح مسلم«(١٠٣٤) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى. (٢)»صحيح مسلم«(١٠٥٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر. (٣) سيأتي برقم (١٤٦٩) كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة. (٤)»سنن الترمذي«(٦٨٠) تقال: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة. (٥)»المصنف«٢/ ٤٧٢ (١٠٦٩٣) كتاب: الزكاة، باب: في الاستغناء عن المسألة، من قال: اليد العليا خير من اليد السفلى. (٦)»صحيح مسلم" (١٠٣٣) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح. المتعففة» (١)، أي: المنقبضة عن الأخذ. والأول أصح. وفي «الصحابة» للعسكري، عن عاصم الأحول، عن الحسن البصري قَالَ: معنى الحديث: يد المعطي خير من اليد المانعة. وقال أبو داود: أكثرهم «اليد العليا المتعففة» (٢) أي: لأنها علت يده إذ سفلت يد السائل. وفي «صحيح ابن خزيمة»، والحاكم -وقال: صحيح الإسناد- من حديث مالك بن نضلة مرفوعًا: «الأيدي ثلاثة: فيد الله العُليا، ويد المعطي التي تليها. ويد السائل السُّفلى. وأعط الفضل، ولا تعجز عن نفسك» (٣) (٤). إذا تقرر ذلك فقوله: «خير الصدقة ما كان عن ظهرِ غنى» معناه: أن صاحبها يبقى بعدها مستغنيًا بما بقي معه لمصالحه. وإنما كانت هذِه أفضل ممن تصدق بالجميع، ولم يصبر؛ لأنه قد يندم. وقال الداودي: معناه: أن يستغني من تلزمه نفقته. وقال ابن التين: ما كان عفوًا قد فضل عن الحاجة. والمراد: أن يبقي لعياله قدر الكفاية. ودليله قوله: «وابدأ بمن تعول». وقيل معناه: أن تغني المتصدق عليه. ومعناه: إجزال العطاء. قَالَ: والأول أصح. وفيه دلالة على أن النفقة ------------- (١) رواها أبو داود من حديث عبد الله بن عمر (١٦٤٨) كتاب: الزكاة، باب: في الاستعفاف، والبيهقي ٤/ ١٩٧ - ١٩٨ كتاب: الزكاة، باب: بيان اليد العليا واليد السفلى، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٤): إسناده صحيح على شرط الشيخين. (٢) «سنن أبي داود» عقب حديث (١٦٤٨)، وفيه: أكثرهم «المنفقة». (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثالث عشر، كتبه مؤلفه غفر الله له. (٤) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٩٧ - ٩٨ (٢٤٤٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة عن ظهر غنى يفضل عمن يعول المتصدق، «المستدرك» ١/ ٤٠٨ كتاب: الزكاة. ورواه أيضًا أبو داود (١٦٤٩) قال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٥): إسناده صحيح. على الأهل أفضل من الصدقة؛ لأن الصدقة تطوع، والنفقة على الأهل فريضة. وقال ابن بطال: معناه لا صدقة إلا بعد إحراز قوته وقوت أهله؛ لأن الابتداء بالفرض أهم. وليس لأحد إتلاف نفسه وأهله بإحياء غيره. إنما عليه إحياء غيره بعد إحياء نفسه وأهله، إذ حقهما أوجب من حق سائر الناس، ولذلك قَالَ: «وابدأْ بمَنْ تعول» وقال لكعب: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَك» (١). فإن قلتَ: هذا المعنى يعارض فعل الصديق السالف، حيث تصدق بماله كله وأمضاه الشارع. قلتُ: اختلف العلماء في ذلك أعني من تصدق بماله كله في صحته. فقالت طائفة: ذلك جائز احتجاجًا بذلك. وهو قول مالك، والكوفيين، والجمهور (٢). ونقله ابن بطال (٣)، وابن التين عن الشافعي، والصحيح من مذهبه استحباب ذلك لمن قوي على الضر والإضاقة دون غيره (٤). وقال آخرون: لا يجوز شيء منه، روي ذلك عن عمر وأنه رد على غيلان بن سلمة نساءه، وكان طلقهن، وقسم ماله على بنيه، فرد عمر ذلك كله (٥). وقال آخرون: الجائز من ذلك الثلث، وترد الثلثان احتجاجًا بحديث كعب بن مالك السالف في غزوة تبوك، وأنه - ﷺ - رد صدقته إلى الثلث. وهو قول الأوزاعي ومكحول. وقال آخرون: كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف، روي ذلك عن مكحول. قَالَ ---------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٨. (٢) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٠٦، «المغني» ٤/ ٣٢٠. (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٩. (٤) انظر: «البيان» ٣/ ٤٤٩. (٥) رواه أحمد ٢/ ١٤، وابن حبان (٤١٥٦) والحديث روي مطولًا ومختصرًا، انظره مفصلًا في «البدر المنير» ٧/ ٦٠٢ - ٦١١، و«تلخيص الحبير» ٣/ ١٦٨ - ١٦٩، و«الإرواء» (١٨٨٣) وفي الأخير جاء مصححًا. الطبري: والصواب في ذلك عندنا أن صدقة المتصدق بماله كله في صحته جائزة؛ لإجازته صدقة الصديق بماله كله، وإن كنت لا أرى أن يتصدق بماله كله، ولا يجحف بماله ولا بعياله، ويستعمل في ذلك أدب الرب لنبيه بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩] وأن يجعل من ذلك الثلث كما أمر الشارع لكعب بن مالك، وأبي لبابة (١) وأما إجازته للصديق فهو إعلام بالجواز من غير ذم، وما فعل مع كعب وأبي لبابة إعلام بالاستحباب. والدليل على ذلك إجماع الجميع أن لكل مالك مال إنفاق جميعه في حاجاته، فكذا فيما هو قربة وأولى. فإن قلتَ: كيف نعمل بقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] وبحديث أبي ذر: «أفضل الصدقة جهد من مقل» (٢). وبحديث الباب. قلتُ: لا معارضة بينهما فإن المعنى في حديث الباب حصول ما تدفع به الحاجات الضرورية كالأكل، وستر العورة، وشبهها، فهذا ونحوه بما لا يجوز الإيثار به، ولا التصدق به بل يحرم، فإذا سقطت هذِه الواجبات صح الإيثار، وكان صدقته هي الأفضل؛ لأجل ما يحمله من مضض الحاجة، وشدة المشقة. وقوله: «واليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى». فيه: الندب إلى التعفف عن المسألة، والحض على معالي الأمور وترك دنيئها. والله تعالى يحب معالي الأمور. ------------ (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٢٩ - ٤٣٠. (٢) رواه أحمد ٥/ ١٧٨، والطبراني في «الكبير» ٨/ ٢١٧، والبيهقي في «السنن الكبرى» ٤/ ١٨٠، قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٥٩: مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف. وفيه: حض على الصدقة أيضًا؛ لأن العليا يد المتصدق، والسفلى يد السائل، والمعطي مفضل على المعطى، والمفضل خير من المفضل عليه. ولم يرد - ﷺ - أن المفضل في الدنيا خير اليدين. وإنما أراد في الإفضال والإعطاء. قَالَ الخطابي: توهم كثير من الناس أن العليا من علو الشيء فوق الشيء، وليس ذلك عندي بالوجه، إنما هو على المجد والكرم. يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها (١). ورد عليه ابن الجوزي فقال: لا يمتنع أن يحمل على ما أنكره؛ لأنها إذا حملت العليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر، وقد صحت لفظة: المنفقة، وكان المراد أن هذِه اليد التي علت وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل. وزعم قوم: أن العُليا هي الآخذة، والسفلى هي المعطية. وهؤلاء قوم استطابوا السؤال فجنحوا إلى الدناءة. والناس إنما يعلون بالمعروف والعطايا. وقال ابن العربي: إذا قلنا: إنَّ العليا: المعطي؛ فلأنها نائبة عن الله إذ هو خازنه ووكيله في الإعطاء، فأخذها منه كأنه أخذها من الله تعالى. وقد قيل: إن العليا: يد السائل (٢)؛ لقوله - ﷺ -: «إنَّ الصدقةَ لتقع في كفِّ الرَّحمن قَبْل أن تقعَ في كفِّ السَّائلِ» (٣) والتحقيق فيه أن الله تعالى عبر بالعليا عن يده المعطية إذ هو بأمره، وعبر عن يد السائل بالسفلى؛ لأنه الذي يقبل الصدقات. وكلتاهما يد الله، وكلتاهما يمين وعليا. فلذلك كان الأقوى أن تكون يد المعطي العليا. ويبقى في السفلى على ظاهره؛ لأنها ---------- (١) انظر: «غريب الحديث» ١/ ٥٩٤ - ٥٩٦. (٢) انظر: «كتاب القبس» ٢/ ٤٥٣. (٣) رواه ابن عبد البر في «تمهيده» ٢٣/ ١٧٤. تتقبلها، فكانت كالذي تؤخذ بالكف، وتقع في يد السائل فيقضي بها حاجته، ويسد فاقته. قَالَ ابن التين: ويدل على أن المراد بالسفلى السائلة أن عمر قَالَ: يا رسول الله، ألست أخبرتنا أن خيرًا لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئًا. فقال - ﷺ -: «إنَّما ذلك عن مسألة، فأما ما كان عن غَيْرِ مسألة فإنَّما هو رزق رزقه الله تعالى» (١)، وقال: «لأن يأخُذَ أحدُكُم حَبْلَه فيحتطب، خيرٌ له مِنْ أنْ يأْتِيَ رجُلًا أعطاه الله من فضله فيسأله، أعطاهُ أو مَنَعَهُ» (٢). فتحصلنا على أقوال: أصحها: العليا: المنفقة، والسفلى: السائلة، كما هو مصرح به في الحديث كما سلف. ثانيها: أن العليا: المتعففة، وجعله ابن التين الأشبه. ثالثها: أن العليا: المعطية، والسفلى: المانعة، قاله الحسن. رابعها: أن العليا: الآخذة، وقد سلف ما فيه. وفي مراسيل سعيد وعروة أنه - ﷺ - لما قَالَ: «اليد العُليا خيرٌ مِنَ اليد السُّفلى» قَالَ حكيم: ومنك يا رسول الله؟ قَالَ: «ومني» قَالَ: والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا. فلم يقبل عطاءً ولا ديوانًا حَتَّى مات. فلو كانت اليد المعطية لكان حكيم قد توهم أن يدًا خير من ----------- (١) رواه أبو يعلى ١/ ١٥٦ (١٦٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٧٩ - ٢٨٠ (٣٥٤٦)، وابن عبد البر في «تمهيده» ٥/ ٨٥، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٠٠، وقال: هو في الصحيح باختصارٍ، ورواه أبو يعلى ورجاله موثقون. وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٨٤٦) قائلًا: صحيح لغيره. (٢) سيأتي برقم (١٧٤٠) كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة من حديث أبي هريرة. يد رسول الله - ﷺ - لقوله: ومنك؟ يريد أن المتعفف عن مسألتك كهو من مسألة غيرك؟ فقال: «نعم» فكان بعد ذلك لا يقبل العطاء من أحد. فائدة: في النفقة آداب: فرائض وسنن خمس. فمن الأول: الزكوات، والكفارات، والنذور، والنفقات الواجبات للآباء، والأبناء، والزوجات، والرقيق. ومن الثاني: الأضاحي عند من لم يوجبها، وصدقة الفطر عند من جعلها سنة، وغير ذلك. والتطوع كله آداب. وكل معروف صدقة. فرع: ينعطف على ما سبق أول الباب تقدم الدين العتق أو الصدقة رُدَّ لأجله عند المالكية. فإن كانا دينين: أحدهما قبلهما، والآخر بعدهما. رد من الدين بقدر الأول بلا خلاف. فإن فضلت فضلة من الصدقة أو من العبد المعتق. فقال ابن القاسم: يُمضي نفقته للموهوب، ويمضي من العتق بما فيه، ويدخل صاحب الدين الآخر على الأول، فيخاصمه فيما رد، يأخذ كل واحد بقدر دينه، وقال أشهب: إذا أخذ من يد صاحب الدين الأول شيء فرجع واستكمله من بقية الصدقة والمعتق حَتَّى تنفد الصدقة والعتق، أو يستوفيا جميعًا الدينين. وهذِه المسألة يعبرون عنها بمسألة الدور كما قال ابن التين. فرع: قد تقدم تفسير السفلى، وأنها السائلة ليست المعطاة بغير مسألة. وقد تأوله حكيم على عمومه. قَالَ مالك: كان ببلدنا من أهل الفضل والعبادة يردون العطية يُعطونها. قيل له: فالحديث: «ما أتاك من غير مسألة» (١) ----------- (١) سيأتي برقم (٦٦٢٢) كتاب: الأيمان والنذور. أفيه رخصة؟ قَالَ: نعم. وليس كل سائلة تكون المسئولة خيرًا منها، إنما هو أن يسأل وبه غنى، أو يظهر من الفقر فوق ما به. وقد استطعم موسى والخضر أهل القرية عند الضرورة. وقال - ﷺ - في لحم بريرة: «هو عليها صدقة ولنا هدية» (١). --------------- (١) سيأتي برقم (١٤٩٣) باب: الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ -. ١٩ - باب المَنَّانِ بِمَا أَعْطَى لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ. [فتح ٣/ ٢٩٨] هذِه الآية نزلت -فيما ذكره الواحدي عن الكلبي- في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف: جاء عبد الرحمن إلى رسول الله - ﷺ - بأربعة آلاف درهم نصف ماله. وقال عثمان: عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهز المسلمين بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، فنزلت هذِه الآية (١). وقال ابن بطال: ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الذي يعطي ماله المجاهدين في سبيل الله؛ معونة لهم على جهاد العدو، ثم يمن عليهم بأنه قد صنع إليهم معروفًا إما بلسان أو بفعل. والأذى: أن يقول لهم أن يقوموا بالواجب عليهم في الجهاد، وشبه ذلك من القول. ومن أخرج شيئًا لله لم ينبغِ له أن يمن به على أحد؛ لأن ثوابه على الله (٢). وفي مسلم من حديث أبي ذر: «ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يومَ القيامة: المنَّان: الذي لا يعطي شيئًا إلا مَنَّهُ، والمنفق سِلعتَه بالحلفِ، والمسبل إزاره» (٣). وفي الباب أيضًا عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي أمامة بن ثعلبة، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار. ولا شك أن الامتنان بالعطاء يحبط ------------- (١) «أسباب نزول القرآن» ص ٨٩ (١٧٠). (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣. (٣) «صحيح مسلم» (١٠٦) كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية … أجر الصدقة. قَالَ تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] قَالَ القرطبي: ولا يكون المن غالبًا إلا من البخل والكبر والعجب ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه. فالبخيل يعظم في نفسه العطية، وإن كانت حقيرة في نفسها. والعجب يحمله على النظر لنفسه بعين العظمة، وأنه منعم بماله على المعطى، والكبر يحمله على أن يحقر المعطى له، وإن كان في نفسه فاضلًا. وموجب ذلك كله الجهل، ونسيان منة الله تعالى فيما أنعم عليه. ولو نظر مصيره لعلم أن المنة للآخذ لما يزيل عن المعطي من إثم المنع وذم المانع، ولما يحصل له من الأجر الجزيل والثناء الجميل. وقيل: المنان في حديث أبي ذر من المن، وهو القطع، كما قَالَ تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] أي: غير منقطع. فيكون معناه البخيل بقطعه عطاء ما يجب عليه للمستحق كما جاء في حديث آخر: «البخيل المنَّان» (١) فنعته به. والأول أظهر (٢). ----------------- (١) قطعة من حديث رواه أحمد ٥/ ١٥١، ١٧٦، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ٣٤٨ (٣٩٠٨)، والحاكم ٢/ ٨٩، والبيهقي ٩/ ١٦٠ من حديث أبي ذر. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٠٧٤). (٢) «المفهم» ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥. ٢٠ - باب مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا ١٤٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الحَارِثِ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - العَصْرَ، فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ البَيْتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلْتُ -أَوْ قِيلَ- لَهُ، فَقَالَ: «كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي البَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ فَقَسَمْتُهُ». [انظر: ٨٥١ - فتح: ٣/ ٢٩٩] ذكر فيه حديث عقبة بن الحارث: في التِبْرِ. وقد سلف في الصلاة في باب: من صلى بالناس فذكر حاجة (١). والتبر جمع تبرة، وهي القطعة من الذهب، أو الفضة غير مصنوعة. وقيل: قطع الذهب فقط كما سلف هناك. وفيه: الحض على تعجيل الصدقة، وأفعال البر كلها إذا وجبت، وإنما عجلها؛ لأنه خشي أن يكون محتاجًا من وجب له حق في ذلك التبر. فيحبس عنه حقه، وقد كان بالمؤمنين رحيمًا، فبين لأمته الاقتداء به. ------------ (١) برقم (٨٥١) كتاب: الأذان. ٢١ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا ١٤٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ وَالخُرْصَ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٣/ ٢٩٩] ١٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - مَا شَاءَ». [٦٠٢٧، ٦٠٢٨ - مسلم: ٢٦٢٧ - فتح: ٣/ ٣٢٩] ١٤٣٣ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُوكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ». حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدَةَ، وَقَالَ: «لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ». [١٤٣٤، ٢٥٩٠ - مسَلم: ١٠٢٩ - فتح: ٣/ ٢٩٩] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن عباس: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ العيد فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ .. الحديث. وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي القُلْبَ وَالخُرْصَ. ثانيها: حديث أبي موسى: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ - ﷺ - مَا شَاءَ». ثالثها: حديث أسماء: «لَا توكِي فَيُوكَى عَلَيْكِ». وفي لفظ: «لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ». الشرح: حديث ابن عباس سلف في باب الخطبة بعد العيد (١) بشرحه واضحًا، وأما حديث أبي موسى فلا شك أن الشفاعة في الصدقة وسائر أفعال البر مرغب فيها مندوب إليها. فندب أمته إلى السعي في حوائج الناس، وشرط الأجر على ذلك، ودل قوله - ﷺ -: «وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيهِ مَا شَاءَ» أنَّ الساعي مأجور على كل حال، وإن خاب سعيه، ولم تنجح طلبته لهذِه الأمة. فإنه قَالَ: من يشفع، ولم يقل: من يُشفَّع. بضم أوله، وتشديد ثالثه، والمراد بـ«وَيَقْضِي اللهُ عَلَى لِسَانِ نَبيهِ مَا شَاءَ». ييسره لما يأمر به من العطاء، وقد قال - ﷺ -: «والله في عونِ العَبْد ما كان العبدُ في عونِ أخيه» (٢). ولأبي الحسن: «شفعوا» بحذف الألف، وإنما أمرهم بالشفاعة لما فيه من الأجر لقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] الآية. ولأنهم إذا شفعوا، واجتمعت عليه المسألة كان أنجح، ولا يتأبى كبير أن يشفع عند صغير. فإن شفع عنده، ولم يقضها لا ينبغي له أن يتأذى الشافع. فقد شفع الشارع عند بريرة أن ترد زوجها فأبت (٣). وقد احتج أبو حنيفة والثوري بحديث ابن عباس السالف، وأوجبوا الزكاة ------------- (١) برقم (٩٦٢) كتاب: العيدين. (٢) رواه مسلم (٢٦٩٩) كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، وأبو داود (٤٩٤٦) كتاب: الأدب، باب: المعونة للمسلم، والترمذي (١٤٢٥) كتاب: الحدود، باب: ما جاء في الستر على المسلم، وابن ماجه (٢٢٥) كتاب: المقدمة، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم، وابن حبان في «صحيحه» ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣ (٥٣٤) كتاب: البر والإحسان، باب: فضل البر والإحسان. (٣) يشير إلى حديث مغيث وبريرة المشهور الآتي (٥٢٨٠ - ٥٢٨٣). في الحلي المتخذ للنساء (١)، وقال مالك: لا زكاة فيه، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وأسماء (٢)، وهو أظهر قولي الشافعي (٣)، ولا حجة في الحديث الأول؛ لأنه - ﷺ - إنما حضهن على صدقة التطوع. فقال: «تصدقوا» ولو كان ذلك واجبًا لما قال: «ولو مِنْ حُليِّكن» (٤)، ومما يرد قوله أنه لو كان ذلك من باب الزكاة لأعطينه بوزن ومقدار، فدل أنه تطوع. وأيضًا هو كالأثاث، وليس كالرقة. وهذا إجماع أهل المدينة، وذكر مالك عن عائشة أنها كانت تحلي بنات أخيها -يتامى كن في حجرها- لهن الحلي ولا تخرج منه الزكاة، وكان يفعله ابن عمر (٥). وأما حديث أسماء قد أخرجه مسلم أيضًا (٦). فإنما سألته عن الصدقة، وقالت يا رسول الله: ما لي إلا ما أدخل على الزبير. أفأتصدق؟ قَالَ: «تصدقي ولَا تُوكِي فَيُوكِي الله عَلَيْكِ». والمعنى: لا توكي مالكِ عن الصدقة، ولا تتصدقين خشية نفاده، وتدخريه فيوكي الله عليك أي: يمنعكِ. ويقطع مادة الرزق عنكِ، و(توكي) بالتاء لأنه خطاب للمؤنث، فسقطت النون للنهي فدل الحديث على أن الصدقة تنمي المال، وتكون سببًا إلى البركة والزيادة فيه، وأن من شح ولم يتصدق فإن الله يوكي عليه، ويمنعه من البركة في ماله، والنماء فيه. -------------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٤٩، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٢٩. (٢) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٥٦٢. (٣) انظر: «المجموع» ٥/ ٥١٩. (٤) سيأتي برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر. (٥) «الموطأ» ص ١٧٠ - ١٧١. (٦) «صحيح مسلم» (١٠٢٩) كتاب: الزكاة، باب: الحث في الإنفاق وكراهة الإحصاء. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#287 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 331 الى صـــ 350 الحلقة (287) والإيكاء: شد رأس الوعاء بالوكاء، وهو الرباط الذي يربط به (١). قَالَ ابن فارس: وهو البخل (٢). وهذا محمول على ما إذا أعطاه صاحب البيت نصيبًا لها. وقيل: إنَّ صاحب البيت إذا دخل بالشيء بيته كان ذلك في العرف مفوضًا إلى ربة المنزل، فهي تنفق منه بقدر الحاجة في الوقت. فكأنه قال: إذا كان الشيء مفوضًا إليكِ فاقتصري على قدر الحاجة للنفقة، وتصدقي بالباقي منه. وقوله: «ولا تُحصي» الإحصاء للشيء معرفة قدره، أو وزنه، أو عدده، وهذا مقابلة اللفظ باللفظ، وتجنيس الكلام بمثله في جوابه، أي: يمنعكِ كما منعتِ. كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقيل: معناه لا تحصي ما تعطين فتستكثريه. فيكون سببًا لانقطاعه، ويحتمل أن يراد بالإحصاء ونحوه عدده، خوف أن تزول البركة منه. كما قالت عائشة: حَتَّى كِلناه ففني. ورجحه بعضهم، وقيل عددت ما أنفقته، فنهاها عن ذلك، وجاء أيضًا النفح وهو العطاء ويجوز أن يكون من نفح الطيب إذا تحركت رائحته، إذ العطية تستطاب كما تستطاب الرائحة الطيبة. أو من نفحت الريح إذا هبت باردة. --------- (١) انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٩١١. (٢) «المجمل» ٢/ ٩٣٥. ٢٢ - باب الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ ١٤٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَي النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «لَا تُوعِي فَيُوعِىَ اللهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ». [انظر: ١٤٣٣ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٣/ ٣٠١] ذكر فيه حديث أسماء السالف في الباب قبلَه، وفيه: «لَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْتِ». ومعنى «تُوعِي»: تُمْسكي، والوعاء: الظرف يخبأ فيه، يقال منه: أوعيت المتاع في الوعاء أوعيه، قَالَ: والشرُّ أخبثُ ما أوعيتَ في زادٍ وقوله («ارْضَخِي») يقال: رضَخ -بفتح الضاد- يرضخُ رضخًا، وهو العطاء اليسير وقيل: هو أن يعطي يسيرًا من كثير. ٢٣ - باب الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ ١٤٣٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَنِ الفِتْنَةِ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كَمَا قَالَ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ لَجَرِيءٌ، فَكَيْفَ قَالَ؟ قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ. قَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ المُنْكَرِ». قَالَ: لَيْسَ هَذِهِ أُرِيدُ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ التِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ. قَالَ: قُلْتُ: لَيْسَ عَلَيْكَ بِهَا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ بَأْسٌ، بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ. قَالَ: فَيُكْسَرُ البَابُ أَوْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا. قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ البَابُ، فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ. قَالَ: فَسَأَلَهُ. فَقَالَ: عُمَرُ - رضي الله عنه -. قَالَ: قُلْنَا: فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةً، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. [انظر: ٥٢٥ - مسلم: ١٤٤ - فتح: ٣/ ٣٠١] ذكر فيه حديث حذيفة، وقد سلف بطوله في باب الصلاة كفارة (١)، ويأتي في الصوم أيضًا (٢)، ونذكر نبذة من الكلام عليه لطول العهد به فـ (فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ) يريد: ما يفتن به من صغار الذنوب التي تكفرها الصلاة والصدقة، وما جانسها. وفي ضرب الأمثال في العلم. وفيه: حجة لسد الذرائع، ويعبر عنه بغلق الباب وفتحه كما عبد عنه حذيفة وعمر، وأن ذلك من المتعارف في الكلام. وفيه: أنه قد يكون عند الصغير من العلم ما ليس عند المعلم المبرز. ---------- (١) برقم (٥٢٥) كتاب: مواقيت الصلاة. (٢) برقم (١٨٩٥) باب: الصوم كفارة. وفيه: أن العالم قد يرمز رمزًا ليفهم المرموز له دون غيره؛ لأنه ليس كل العلم تجب إباحته إلى من ليس متفهم له، ولا عالم بمعناه. وفيه: أن الكلام في الحدثان مباح إذا كان في ذلك أثر عن النبوة، وما سوى ذلك ممنوع؛ لأنه لا يصدق منه إلا أقل من عشر العشر، وذلك الجزء إنما هو على غلبة الظن لقوله - ﷺ -: «تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ، يَخْطَفُهَا الجِنَّيّ، فيضيفُ إليها أكْثَرَ مِنْ مِائَة كذْبَةٍ» (١). وقوله في آخره (حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) الأغلوطة: ما يغلط به عن الشارع، ونَهَى الشارع عن الأغلوطات، وهذا منه. ------------ (١) سيأتي برقم (٥٧٦٢) كتاب: الطب، باب: الكهانة. ٢٤ - باب مَنْ تَصَدَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ ١٤٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ». [٢٢٢٠، ٢٥٣٨، مسلم: ٥٩٩٢ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٣/ ٣٠١] ذكر فيه حديث حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَتَاقَةٍ أوَ صِلَةٍ، فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ». الشرح: قالَ «صاحب المطالع»: رواه المروزي (١) أَتَحَنَّتُ بتاء مثناة، وهو غلط من جهة المعنى دون الرواية، والوهم قبل شيوخ البخاري (٢) بدليل قوله في باب: من وصل رحمه: ويقال أيضًا عن أبي اليمان: أتحنث أو أتحنت على الشك، والصحيح الذي رواه الكافةُ بثاء مثلثة. وعن عياض: بالتاء المثناة غلط من جهة المعنى، ويحتمل أن يكون معناه الحانوت؛ لأن العرب تسمي بيوت الخمارين الحوانيت، يعني: كنت أتجنب حوانيتهم. وقال ابن التين: أتَحَنَّث. أي: أتقربُ: إلى الله، وأصلُه إطراح الحنث عن النفس كما تقول: يتأثم. أي: يلقي الإثم عن نفسه، -------------- (١) في هامش الأصل بخط سِبط: الذي رواه المروزي بالمثناة ليس في هذا الباب، إنما رواه في باب: مَن وَصَل رحمَه، وهذا فرع عبارة «المطالع» لا في كل باب فاعلمه. (٢) في هامش الأصل بخط سِبط: عبارة «المطالع»: والوهم فيه من شيوخ البخاري. وكذلك يتحرج. وقوله: (عتاقة) وذلك أنه أعتق مائة رقبة في الجاهلية، وحمل على مائة بعير، وفي رواية قَالَ: يا رسول الله لا أدع شيئًا صنعته في الجاهلية إلا فعلت في الإسلام مثله (١). ففعل ذلك. وقوله: («أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أسلف مِنْ خَيْرٍ») قَالَ المازري: ظاهره خلاف ما تقتضيه الأصول؛ لأن الكافر لا تصح منه قربة فيكون مُثابًا على طاعاته، ويصح أن يكون مطيعًا غير متقرب كنظيره في الإيمان، فإنه مطيع من حيث كان موافقًا للأمر، والطاعة عندنا موافقة الأمر، لكنه لا يكون متقربًا؛ لأن من شرط التقرب أن يكون عارفًا بالمتقرب إليه، وهو في حين كفره لم يحصل له العلم بالله بعد. فإذا (قرب) (٢) هذا علم أن الحديث متأول، وهو محتمل وجوهًا: أحدها: أن يكون المعنى: أنك اكتسبت طباعًا جميلة، وأنت تنتفع بتلك الطباع في الإسلام، وتكون العادة تمهيدًا لك، ومعونة على فعل الخير والطاعات. ثانيها: معناه: اكتسبت بذلك (شيئًا) (٣) جميلًا، فهو باقٍ في الإسلام، ويكثر أجره لما تقدم لك من الأفعال الجميلة. وقد تأولوا في الكافر أنه إذا كان يفعل الخير فإنه يخفف عنه به، ولا يبعد أن يزاد هذا في الأجور (٤). وقال عياض: ببركة ما سبق لك من خير هداك الله إلى الإسلام، فإن ------------ (١) رواه مسلم (١٢٣/ ١٩٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده. (٢) في (م): قررت، وعند المازري: تقرَّر. (٣) كذا بالأصل: وعند المازري: ثناءً. (٤) «المعلم بفواند مسلم» ١/ ٧٦. من ظهر فيه خير في أول أمره فهو دليل على سعادة أخراه، وحسن عاقبته (١). وزعم ابن بطال وغيره أنه على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر، ومات على إسلامه يثاب على ما فعله من الخير في حالة الكفر، وقال عن بعض أهل العلم: معنى الحديث أن كل مشرك أسلم أنه يكتب له خير عمله مثل إسلامه ولا يكتب عليه شيء من سيئاته؛ لأن الإسلام يهدم ما قبله من الشرك، وإنما كتب له الخير؛ لأنه أراد به وجه الله؛ لأنهم كانوا مقرين بالله تعالى إلا أنهم كان عملهم مردودًا عليهم لو ماتوا على شركهم، فلما أسلموا تفضل الله عليهم فكتب لهم الحسنات، ومحا عنهم السيئات كما قَالَ - ﷺ -: «ثلاثة يُؤْتَونَ أجرَهم مَرَّتين» (٢) أحدهم: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بنبينا (٣). ومما يدل على ذلك أن حديث أبي سعيد الخدري السالف في باب: حسن إسلام المرء من كتاب الإيمان معلقًا عن مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عنه (٤). ورواه عبدٍ الله بن وهب عن مالك به (٥). وذكره الدارقطني في غريب حديث مالك من تسع طرق، وثبت فيها كلها أن الكافر إذا حسن إسلامه كتب له في الإسلام كل حسنة عملها في الشرك، ولعل حكيمًا لو مات على جاهليته أن يكون ممن يخفف عنه من عذاب النار كما جاء في أبي طالب، وأبي لهب بعتاقته ثويبة. ---------------- (١) «إكمال المعلم» ١/ ٤١٦. (٢) سيأتي برقم (٩٧) من حديث أبي موسى كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨. (٤) برقم (٤١). (٥) رواه ابن حجر في «تغليق التعليق» ٢/ ٤٥. قلتُ: لا يقاس. وقيل: إنه - ﷺ - وروَّى عن جوابه، فإنه سأله: هل لي فيها أجر؟ يريد ثواب الآخرة، ومعلوم نفيه عنه، فقال له ذلك. والعتق فعل خير، فأراد إنك فعلت خيرًا، والخير يمدح فاعله، وقد يجازى عليه في الدنيا. حكاه ابن الجوزي. وفي مسلم من حديث أنس: «أما الكافِرُ فيُطْعَم بحسناتِهِ في الدنيا، فإذا لقي الله لم يكن له حسنة» (١)، وروي أن حسنات الكافر إذا أسلم محسوبة له مقبولة، فإن مات على كفره كانت هدرًا. ذكره الخطابي. قَالَ ابن الجوزي: فإن صح هذا كان المعنى: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير. قلتُ: ومراد الفقهاء: لا يصح من الكافر عبادة ولو أسلم لم يعتد بها المراد في أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة وإن أقدم قائل على التصريح بأنه إذا أسلم لا يثاب عليها في الآخرة رد قوله بهذِه السنة الصحيحة، وقد يعتد ببعض أفعال الكفار في أحكام الدنيا، فقد قَالَ الفقهاء: إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها، فكفَّر في حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم لم يجب عليه إعادته، وسيأتي إن شاء الله في كتاب العتق اختلاف أهل العلم في عتق المشرك. واختلف أصحابنا في من أجنب ثم اغتسل ثم أسلم هل يجب عليه إعادة الغسل أم لا؟ وبالغ بعضهم فقال يصح من كل كافر كل طهارة من غسل ووضوء وتيمم. فإذا أسلم صلى بها، وقال القرطبي: الإسلام إذا حسن هدم ما قبله من الآثام، وأحرز ما قبله من البر. وقال الحربي: ---------- (١) «صحيح مسلم» (٢٨٠٨) كتاب: صفة الجنة والنار، باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا. معنى الحديث: ما تقدم لك من الخير الذي عملته هو لك. كما تقول: أسلمت على ألف درهم على أن أحوزها لنفسي. قَالَ القرطبي: وهذا الذي قاله الحربي: هو أشبهها وأولاها (١). فرع: طلق امرأته أو أعتق عبده ولم يبن عن مدة، فلا يلزمه ذلك في المشهور من مذهب مالك، وقال المغيرة: يلزمه، فإن حلف بذلك وهو نصراني ثم أسلم فحنث. قال مالك: لا يلزمه، وقال أشهب: نعم. ورُدَّ هذا بقوله: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. ------------ (١) «المفهم» ١/ ٣٣٢. ٢٥ - باب أَجْرِ الخَادِمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِأَمْرِ صَاحِبِهِ غَيْرَ مُفْسِدٍ ١٤٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ». [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٣٠٢] ١٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ الذِي يُنْفِذُ -وَرُبَّمَا قَالَ: يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبٌ بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَي الذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ». [٢٢٦٠، ٢٣١٩ - مسلم: ١٠٢٣ - فتح: ٣/ ٣٠٢] سلف بما فيه وكذا الباب بعدَهُ. ٢٦ - باب أَجْرِ المَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ أَوْ أَطْعَمَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ ١٤٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - تَعْنِي: «إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا». [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٣٠٣] ١٤٤٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا أَطْعَمَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ». [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٣٠٣] ١٤٤١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، فَلَهَا أَجْرُهَا، وَلِلزَّوْجِ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ». [انظر: ١٤٢٥ - مسلم: ١٠٢٤ - فتح: ٣/ ٣٠٣] ٢٧ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. «اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالًا خَلَفًا». ١٤٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». [مسلم: ١٠١٠ - فتح: ٣/ ٣٠٤] ذكر فيه حديث مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، واسمُهُ عبد الرَّحمن: صدوق، عَنْ أَبِي الحُبَابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبحُ العِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». أما الآية فقَالَ ابن عباس -فيما حكاه الطبري-: أعطى مما عنده، واتقى ربه، وصدق بالخلف من الله تعالى (١). وقال قتادة: أعطى حق الله، واتقى محارمه التي نهى عنها. وقال الضحاك: زكى واتقى الله (٢). وقيل: الحسنى: لا إله إلا الله، قاله أبو عبد الرحمن وعطاء والضحاك، وابن عباس في رواية (٣). وقال مجاهد: بالجنة (٤). ------------- (١) «تفسير الطبري» ١٢/ ٦١١ - ٦١٢ (٣٧٤٣٢)، (٣٧٤٣٣)، (٣٧٤٣٦ - ٣٧٤٣٩). (٢) السابق ١٢/ ٦١١ (٣٧٤٣٤ - ٣٧٤٣٥). (٣) السابق ١٢/ ٦١٢ - ٦١٣ (٢٧٤٥١ - ٣٧٤٥٣). (٤) السابق ١٢/ ٦١٣ (٢٧٤٥١ - ٣٧٤٥٣). وقال قتادة: صدّق بموعود الله على نفسه فعمل بذلك الموعود الذي وعده (١). قَالَ الطبري وغيره: والأشبه والأولى قول ابن عباس السالف. قَالَ: وإنما قلتُ ذلك؛ لأنه سياق الآية، وذكر أن هذِه الآية نزلت في الصديق كان اشترى نسمًا كانوا في أيدي المشركين فنزلت إلى آخر السورة، ورُوي أنها نزلت في رجل ابتاع نخلة كانت على حائط أيتام، فكان يمنعهم أكل ما سقط منها فابتاعها رجل منه، وتصدق بها عليهم، وأما الحديث فهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (٢) [سبأ: ٣٩] ولقوله: «ابن آدم أنفق أنُفِقْ عليك» (٣)، وهذا يعم الواجب والمندوب، والممسك يريد به: عن الواجبات دون المندوبات، فإنه قد لا يستحق هذا الدعاء، اللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها وإن قلَّتْ في أنفسها كالحبة واللقمة، وما شابههما فقد يتناوله؛ لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذموم عليه وقلما يكون ذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات. إذ لا تطيب نفسه بها. وفيه: الحض على الإنفاق في الواجبات كالنفقة على الأهل، وصلة الرحم، ويدخل فيه صدقة التطوع والفرض على ما أسلفناه. ومعلوم أن دعاء الملائكة مجاب بدليل قوله - ﷺ -: «مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبهِ» (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ [الليل: ٧] أي للحالة اليسَرى، وسمى العمل بما يرضاه الله تعالى منه في الدنيا ليوجب به الجنة في الآخرة. -------------- (١) السابق ١٢/ ٦١٣ (٣٧٤٥٤ - ٣٧٤٥٥). (٢) انظر: «تفسير الطبري» ١٢/ ٦١٣ بتصرف. (٣) سيأتي برقم (٤٦٨٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ﴾. (٤) سبق برقم (٧٨٠) كتاب: الأذان، باب: جهر الإمام بالتأمين. وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨)﴾: فيروى يعني أنه أبو سفيان. وقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى (٩)﴾ أي: كذب بالخلف، عن ابن عباس (١). وروي عنه أيضًا: بلا إله إلا الله. كما سلف. وقال قتادة: كذب بموعود الله تعالى أن ييسره (٢). ﴿لِلْعُسْرَى﴾. أي: للعمل بالمعاصي. ودلت هذِه الآية أن الرب تعالى هو الموفق للأعمال الحسنة والسيئة كما قَالَ - ﷺ -: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فييسرون لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاءِ فييسرون لِعَمَلِ الشَّقَاء» (٣). ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى (٦)﴾ [الليل: ٥، ٦] الآية. وقال الضحاك: العُسْرى: النار. فإن قلت: التيسير إنما يكون لليسرى، فكيف جاء للعسرى؟ فالجواب أنه مثل قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ [آل عمران: ٢١] أي أن ذلك لهم يقوم مقام البشارة. وقال الفراء (٤): إذا اجتمع خير وشر فوقع للخير تيسير جاز أن يقع للشر مثله. (٥) ------------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٦١٤ (٣٧٤٦٢ - ٣٧٤٦٥). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٦١٤ - ٦١٥ (٣٧٤٦٤ - ٣٧٤٦٥). (٣) سيأتي برقم (٤٩٤٩) كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠)﴾. (٤) «معاني القرآن» ٣/ ٢٧١. (٥) بهامش الأصل: (آخر ٦ من ٥ من تجزئة المصنف). ٢٨ - باب مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ ١٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ». وَحَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَي تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ إِلاَّ سَبَغَتْ -أَوْ وَفَرَتْ- عَلَى جِلْدِهِ حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلاَّ لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ». تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الجُبَّتَيْنِ. [١٤٤٤، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧ - مسلم: ١٠٢١ - فتح: ٣/ ٣٠٥] ١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ عَنْ طَاوُسٍ: «جُنَّتَانِ». وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «جُنَّتَانِ». [انظر: ١٤٤٣ - مسلم: ١٠٢١ - فتح: ٣/ ٣٠٥] ذكر في حديث أبي هريرة من طريق ابن طاوُس، عن أبيه، عنه، ومن طريق أبي الزناد: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَدّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ (أَبَا هُرَيْرَةَ) (١) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كمَثَلِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ ..» الحديث. تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمِ، عَنْ طَاوُسٍ: فِي الجُبَّتيْنِ. وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاوُسِ: «جُنَتَانِ». بالنون، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنِ ابن هُرْمُزٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «جُنَّتَانِ». الشرح: أما متابعة الحسن فقد أسندها في اللباس عن عبد الله بن محمد، عن --------------- (١) في الأصل مضبب فوق هذِه الكلمة. أبي عامر، عن نافع، عنه (١). وأخرجها العدني في «مسنده» عن ابن جريج عن الحسن عن طاوس عن أبي هريرة قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ - «يُوَسِّعُهَا فلَا تتَوَسَّع» مرتين. ومتابعة حنظلة، وهو ابن أبي سفيان. ذكرها أيضًا في اللباس معلقة (٢). وقوله: (وقال الليث: حَدَّثَني جعفر) كذا ذكرها معلقة. وكذا ذكر أبو مسعود وخلف أنه علقه أيضًا في الصلاة. وروى العدني محمد بن أبي عمر في «مسنده» عن سفيان عن أبي الزناد به. وأخرجه مسلم بألفاظ (٣)، ومن حديث عمرو الناقد عن ابن عيينة: «مثل المنفق والمصدق كمثل رجل ..» الحديث، وفيه: «فإذا أراد المنفق أن يتصدق سبغت عليه أو مرت، وإذا أراد البخيل أن ينفق قلصت» (٤). قَالَ عياض (٥): إنه وهم، وصوابه مثل ما وقع في باقي الروايات: «مثلُ البخيلِ والمتصدق» والتقسيم آخر الحديث بين ذلك. وقد يحتمل أن تكون على وجهها، وفيها محذوف مثل المنفق والمتصدق وقسيمهما، -وهو البخيل- حذف لدلالة المنفق والمتصدق عليه كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ أي: والبرد. فحذف ذكر البرد لدلالة الكلام عليه. ووقع في بعض الروايات: «والمصدق». وفي أخرى: «والمتصدق» (٦)، وفي أخرى: حذف التاء وتشديد الصاد. وكلاهما صحيح. -------------- (١) سيأتي برقم (٥٧٩٧) باب: حبيب القميص من عند الصدر وغيره. (٢) سيأتي عقب حديث (٥٧٩٧). (٣) «صحيح مسلم» (١٠٢١) كتاب: الزكاة، باب: مثل المنفق والبخيل. (٤) انظر: التخريج السابق. (٥) «إكمال المعلم» ٣/ ٥٤٥. (٦) «صحيح مسلم» (١٠٢١/ ٧٦). وقوله: «كمثل رجلين» وفي رواية مسلم: «كمثل رجل» (١) بالإفراد. وكأنه تغيير من بعض الرواة. وقوله: «جُبّتَانِ» روي كما سلف بالباء والنون. وفي رواية: «جبتان أو جنتان» (٢) وكلا الوصفين يصح أن يمثل به. والأفصح بالنون: وهو ما يتستر به الإنسان فيجنه، وكذا قَالَ صاحب «المطالع» وغيره أن النون أصوب، وهو الدرع. يدل عليه قوله في الحديث «لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ». وفي لفظ: «وأخذتْ كُلُّ حَلْقَةٍ موضِعَها» (٣). وكذا قوله: «من حديد». وقوله: «من ثُدِيِّهِمَا» قَالَ ابن التين: كذا في رواية أبي الحسن. وضبطه بعضهم بضم الثاء، ويصح أن يكون بنصبها. وعند أبي ذر «ثَدْيَيْهما» ولا يكون إلا بنصب الثاء. قَالَ ابن فارس: والثَّدي -بالفتح- للمرأة، والجمع الثدى، يذكر ويؤنث. وثُندؤة الرجل كثدي المرأة، وهو مهموز إذا ضم أوله، فإذا فُتح لم يهمز. ويقال: هو طرف الثدي (٤). فانظر على هذا كيف قَالَ: «ثديهما»، وهو قد قَالَ: «كمثل رجلين؟» وقال الجوهري: الثدي للمرأة والرجل، والجمع أثدٍ وثدى على فعول، وثِدى بكسر الثاء (٥). وقوله: «إِلَي تَرَاقِيهِمَا» الترقوة، قَالَ الخليل: هي فعلوة وهو عظم وصل ما بين ثغرة النحر والعاتق. والتراقي جمع ترقوة. وهذا يشهد لرواية أبي الحسن أن ثديهما بالضم لتجانس اللفظ. وقد يكون قد ------------- (١) المرجع السابق. (٢) رواها مسلم (١٢٠١/ ٧٥). (٣) سيأتي برقم (٥٢٩٩) كتاب: الطلاق، باب: الإشارة في الطلاق. (٤) «مجمل اللغة» ١/ ١٥٧. (٥) «الصحاح» ٦/ ٢٢٩١. جمع الثدي والترقوة. ولأنهن جمع؛ لأن في كل واحد منها ثديين، كالعينين، لا تقول في الرجلين: عيناهما حسنتان. إنما تقول: عيونهما. بخلاف أن يكون في كل واحد منهما شيء واحد. فهذا إذا ثنيت جاز لك ثلاثة أوجه: الإفراد، والجمع، والتثنية. ونعني بذلك الأصل الذي هما عليه. وقوله: «سبغت» أو «وفرت» كذا بخط الدمياطي: «وفرت» وكذا هو في شرح ابن التين، وابن بطال (١)، وفي بعضها «مرت» (٢) بالميم. قَالَ النووي (٣): وصوابه في مسلم: «مُدَّتْ» بالدال بمعنى سبغت كما في الحديث الآخر: «انبسطت» (٤) لكنه قد يصح «مرت» على هذا المعنى. والسابغ: الكامل. وفي بعض نسخ البخاري: «مادت» بدال مخففة من ماد: إذا مال. ورواه بعضهم «مارت» أي: سالت عليه وانقلبت. وقال الأزهري (٥): معناه ترددت، وذهبت، وجاءت بكمالها. وسبغت أي امتدت وطالت. وعند ابن طريف: هو شيء طال من فوق إلى أسفل سبوغًا، ألا ترى: سبع الثوب، يسبغ: اتسع. غيره: سبغت النعمة: سترت. وضبطه الأصيلي بضم الباء، وهو شيء لا يعُرف. ولما ذكره ابن التين كما سلف شك -يعني الراوي- أيهما قال، ومعناهما واحد، فهو إذ أنفق طال ذلك اللباس. وحقيقة المعنى أن ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٤١. (٢) «صحيح مسلم» (١٠٢١). (٣) «مسلم بشرح النووي» ٧/ ١٠٨. (٤) سيأتي برقم (٥٧٩٧). (٥) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٣٢٥. الجواد تطاوعه يده في (النفقة) (١) إذا أعطى، وينمى ماله، ويستر بها من قرنه إلى قدمه. والبخيل تنقبض يده فدرعه عليه ثقل ووبال بالوقاية. وإليه أشير في قوله: ﴿يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]. وقوله: «حَتَّى تُخفِي بنانه» ورواه الخطابي: «حَتَّى تجن بنانه» أي: تسترها. جن، وأجن بمعنى، وروي «تحز» -بحاء وزاي- وهو وهم. قَالَ النووي: والصواب: «تجن» -بجيم ونون- أي تستره. ومنه رواية بعضهم «ثيابه» بثاء مثلثة، وهو وهم، والصواب «بنانه» بالنون، وهي رواية الجمهور كما في الحديث الآخر «أنامله» (٢). وقوله: «ويعفو أثره» أي كما يعفي الثوب الذي يجر الأرض أثر صاحبه إذا مشى بمرور الذيل عليه، كذلك تُذهب الصدقة خطاياه فتمحوها. وقوله -في البخيل-: «لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا» ويروى: لزمت أي: ضُيقت عليه. ولزمت بجلده فهي تؤذيه بمعنى أنها تحمى عليه يوم القيامة، فيكوى بها. ولزق مثل لصق. وقال النووي: معنى «تعفو أثره»: تمحو أثر مشيه، تمثيل لكثرة الجود والبخل، وأن المعطي إذا أعطى انبسطت يداه بالعطاء، ويعود ذلك، وإذا أمسك صار ذلك عادة له. وقيل: معنى «تمحو أثره» أي: تذهب بخطاياه وتمحوها. وهذا مثل ضربه الشارع للبخيل والجواد. وذلك أن الدرع أول ما تلبس تقع على --------------- (١) في (م): الصدقة. (٢) سيأتي برقم (٥٧٩٧). الصدور والثديين إلى أن يدخل اللابس يديه في كميه، فجعل مثل المنفق مثل من يلبس درعًا سابغة، فاسترسلت عليه حَتَّى سبغت جميع بدنه، وهو معنى قوله: «حَتَّى تعفو أثره» أي: تستر جميع بدنه. وجعل البخيل كرجل غلت يداه إلى عنقه، فلما أراد لبسها اجتمعت في عنقه. وهو معنى «قلصت» أي: تضامت واجتمعت. والمراد أن الجواد إذا هم بالصدقة انفسح لها صدره، والبخيل إذا حدث نفسه بها ضاق صدره، وانقبضت يده. وقال المهلب: معناه أن الله تعالى ينمي مال المتصدق ويستره ببركته من قرنه إلى قدمه، وجميع عوراته في الدنيا، والأجر في الآخرة. والبخيل ماله لا يمتد عليه، فلا يستر من عوراته شيئًا حَتَّى يبدو للناس منكشفًا مفتضحًا في الدنيا والآخرة، كمن يلبس جبة تبلغ إلى ثدييه لا تجاوز قلبه الذي يأمره بالامتثال (١). ------------- (١) انظر «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٤١. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#288 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 351 الى صـــ 370 الحلقة (288) ٢٩ - باب صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٧] [فتح ٣/ ٣٠٧] اقتصر البخاري رحمه الله على هذِه الآية، ولم يذكر فيها حديثًا. والمعنى أي: من طيب أموالكم وأنفسها. قاله ابن عباس (١). وقال مجاهد: من التجارة الحلال (٢). وقال علي: نزلت في الزكاة المفروضة، يقول: تصدقوا من أطيب أموالكم (وأنفسها) (٣) (٤). وذكر أبو جعفر النحاس في سبب نزولها حديثًا أسنده عن البراء قَالَ: كانوا يجيئون في الصدقات بأردأ تمرهم، وأردأ طعامهم، فنزلت هذِه الآية إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو كان لكم فأعطاكم لم تأخذوه إلا وأنتم ترون أنه قد نقصكم من حقكم (٥). وهذا قول الصحابة والعلماء. وقال ابن زيد: المعنى: لا تنفقوا من الحرام، وتدعوا الحلال (٦). وقال عبد الله بن معقل: ليس في مال المؤمن خبيث، ولكن ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا ------------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٨١ (٦١٢٨). (٢) السابق ٣/ ٨٠ (٦١٢٠ - ٦١٢٣). (٣) السابق ٣/ ٨٣ (٦١٤١). (٤) في الأصل: (وأنفسه) ووضع فوقها كلمة صح. (٥) «معاني القرآن الكريم» ١/ ٢٩٦. (٦) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٨٤ (٦١٤٨). الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ لا يتصدق بالحشف، ولا بالدرهم الزَّيف، ولا بما لا خير فيه (١). ومعنى ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾: لا تقصدوا وتعمَّدوا. وفي قراءة عبد الله: (ولا تؤمّوا) من أممت. والمعنى سواء. وقال البراء: نزلت في الأنصار، كانت إذا كان جداد النخل أخرجت من حيطانها أقناء البسر فعلقوه على حبل بين الأسطونتين في مسجد رسول الله - ﷺ -، فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف، فيدخله مع أقناء البسر بظن جوازه، فأنزل: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٢) واستدرك الحاكم لزكاة التجارة من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «في الإبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته» استدركه بإسنادين صحيحين، وقال: هما على شرط الشيخين (٣). والبَز بفتح الباء وبالزاي، كذا رواه. وصرح بالزاي الدارقطني، والبيهقي (٤). ----------- (١) روه ابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥٢٧ (٢٧٩٩). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٨٢ (٦١٣٨). (٣) «المستدرك» ١/ ٣٨٨ كتاب: الزكاة. (٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٠٠ - ١٠١ كتاب: الزكاة، باب: ليس في الخضروات صدقة، «سنن البيهقي» ٤/ ٢٤٧ كتاب: الزكاة، باب: زكاة التجارة، وقال الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٥٠٥ - (٦٦٨٨): إسناده جيد ولم يخرجوه. ٣٠ - باب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ ١٤٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ». فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ». قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلْهُوفَ». قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «فَلْيَعْمَلْ بِالمَعْرُوفِ، وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ». [٦٦٠٢ - مسلم: ١٠٠٨ - فتح: ٣/ ٣٠٧] ذكر فيه حديث سَعِيد بْن أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ». قالوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: «يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ» .. الحديث. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وأطلق الصدقة هنا وبينها في حديث أبي هريرة بقوله: «في كلِّ يَوْم»، وأن ظاهره الوجوب، لكن خففه عنا الرب ﷻ حيث جعل ما خفي من المندوبات مسقطًا له. وهو مثل قوله - ﷺ -: «عَلَى كُلِّ سُلامَى صدَقَةٌ» (٢) أي على وجه الندب. والملهوف يُطلق على المضطر، وعلى المتحير، وعلى المظلوم. قوله: «وَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ» وذلك [أنه] (٣) إذا أمسك شره عن غيره فكأنه قد تصدق عليه بالسلامة. فإن كان شرًّا لا يعدو نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم. ----------- (١) «صحيح مسلم» (١٠٠٨) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف. (٢) سيأتي برقم (٢٧٠٧) كتاب: الصلح، باب: فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم. (٣) من (م). ومقصود الباب أن أعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزلت منزلة الصدقات في الأجور، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة. ويفهم منه أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها. ولا شك أن ثواب الفرض أفضل من ثواب النفل، ولن يتقرب المتقربون بأفضل بما افترضه عليهم كما أخبر به الرب ﷻ في هذا «الصحيح» من حديث أبي هريرة كما سيأتي (١). وقال بعضهم (٢): إن ثواب الفرض أفضل من ثواب النفل بسبعين (٣) درجة. --------------- (١) برقم (٦٥٠٢) كتاب: الرقاق، باب: التواضع. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: بعضهم هو الإمام، فإنه قال: قال بعض علمائنا: الفريضة يزيد ثوابها على ثواب النافلة سبعين درجة، فاستأنس بما رواه سلمان الفارسي أنه - ﷺ - قال في رمضان: «من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه». (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: وهو حديث أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» والبيهقي في «الشعب». ٣١ - باب قَدْرُ كَمْ يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟ وَمَنْ أَعْطَى شَاةً ١٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رضي الله عنها قَالَتْ: بُعِثَ إِلَي نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَي عَائِشَةَ رضي الله عنها، مِنْهَا فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟». فَقُلْتُ: لَا، إِلاَّ مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ فَقَالَ: «هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». [١٤٩٤، ٢٥٧٩ - مسلم: ١٠٧٦ - فتح: ٣/ ٣٠٩] ذكر فيه حديث أم عطية قالت: بُعِثَ إِلَي نُسَيْبَةَ الأَنْصَارِيَّةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَي عَائِشَةَ منها، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟». فقالت: لَا، إِلَّا مَا أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيْبَةُ مِنْ تِلْكَ الشَّاةِ. فَقَالَ: «هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». الشرح: أم عطية هي نسيبة المبعوث إليها بالشاة، وكأنها عنت نفسها. ويكون قولها (بُعِثَ) بباء موحدة مضمومة ثم عين مكسورة وفتح الثاء. وقد جاء في موضع آخر عن أم عطية قالت: بُعِثَ إِلَي رسول الله - ﷺ - بشاةٍ من الصدقة، فبعثت إلى عائشة منها .. الحديث (١). وتوهم ابن التين أنها غيرها فقال: تقدم عن أبي الحسن أن أم عطية اسمها أيضًا نسيبة. وكأن البخاري أراد بمقدار الشاة هو الذي يعطى في الزكاة. وأنه يجوز أن تتصدق من مالها بشاة كاملة. وقد اختلف العلماء في قدر ما يجوز أن يعطى الإنسان من الزكاة: ------------ (١) رواه مسلم (١٠٧٦)، كتاب: الزكاة، باب: إباحة الهدية للنبي - ﷺ -. فذهب أبو حنيفة إلى أنه يكره أن يدفع إلى شخص واحد بمائتي درهم فصاعدًا، وإن دفع أجزأ، ولا بأس أن يدفع أقل من ذلك. وقال محمد: وإن يُغْنَى به إنسان أحب إليَّ (١). وقال ابن حبيب: لا بأس أن يعطي من زكاة غنمه للرجل شاة، ولأهل البيت شاتين والثلاث. وإذا كثرت الحاجة فلا بأس أن يجمع بين النفر في الشاة (٢). وذكر ابن القصار عن مالك أنه قَالَ: يعطى الفقير من الزكاة قدر كفايته وكفاية عياله، ولم يبين مقدار ذلك لمدة معلومة. وعندي أنه يجوزأن يعطيه ما يغنيه حَتَّى يجب عليه ما يزكي. قَالَ ابن بطال: قد بين المدة في رواية علي، وابن نافع عنه في «المجموعة»: قَالَ مالك: يعطى الفقير قوت سنة، ثم يزيد في الكسوة بقدر ما يرى من حاجته. وقال المغيرة: لا بأس أن يعطيه من الزكاة أقل مما تجب فيه الزكاة، ولا يعطى ما تجب فيه الزكاة. وروى عنه علي أن ذلك لاجتهاد الوالي (٣). وقال الثوري وأحمد: لا يُعطى من الزكاة أكثر من خمسين درهمًا إلا أن يكون غارمًا (٤). وقال الشافعي: يعطى من الزكاة حَتَّى يغنى ويزول عنه اسم المسكنة (٥)، ولا بأس أن يعطى الفقير الألف وأكثر من ذلك؛ لأنه لا يجب عليه الزكاة إلا بمرور الحول، وهو قول أبي ثور (٦). -------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٦. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٨. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٦، ٢٨٧. (٤) انظر: «المغني» ٤/ ١٢٩. (٥) انظر: «البيان» ٣/ ٤٠٩. (٦) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٤٤. وعنه قول: أنه يعطى كفاية سنة، وصححه من المتأخرين الرافعي (١). وقد روي أن النبي - ﷺ - أعطى الأنصار في دية عبد الله بن سهل مائة من الإبل (٢). واشترى أبو زرارة أمةً من الصدقة وأعتقها، وأعطاها مائة شاة. واستجاز قوم من حديث عبد الله بن سهل أن يعطى المسكين في المرة الواحدة مائة من الإبل. وقال محمد بن عبد الله قاضي البصرة: يعطى من الصدقة أكثر ما تجب فيه الزكاة. وقوله: «مَحِلَّهَا» أي قد صارت حلالًا بانتقالها من باب الصدقة إلى باب الهدية كذا شرحه ابن بطال (٣)، وهذا مثل قوله: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلنَا هَدِيةٌ» (٤) في لحم بَرِيرة التي أهدته لعائشة، وقد ترجم لهذا الباب بعد هذا باب إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ، وضبط محلها بكسر الحاء (٥) الدمياطي في أصله، وتبعه شيخنا علاء الدين، فقال في شرحه: محلها بكسر الحاء، أي: موضع الحلول والاستقرار، يعني: أنه قد حصل المقصود منها من ثواب التصدق ثم صارت ملكًا لمن وصلت إليه. وفي الحديث دلالة أن الحاج لا ينقص من فضله أخذ الصدقة، وأن ----------- (١) انظر: «المجموع» ٦/ ١٧٦. (٢) سيأتي برقم (٦٨٩٨) كتاب: الديات، باب: القسامة. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٤٤. (٤) يأتي برقم (١٤٩٥). (٥) بهامش الأصل بخط سبط: وفي «المطالع» هذا المحل بكسر الحاء وفتحها وهو موضع الحلول، ومنه بلغت محلها أي: موضعها ومستحقها، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ بمقتضى عبارته أن يكون في (محلها) الكسرِ والفتح، والله أعلم. خبر الواحد يقبل، وأن المتصدق عليه إذا أهدى لمن لا يجوز له الأخذ جاز له أخذها؛ لقوله: «هَاتِ فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». وفيه دليل لمن يقول أن لحم الأضحية إذا قبضه المتصدق عليه وسائر الصدقات يجوز للقابض التصرف فيه بالبيع. وفيه أنها تحل لمن أهداها إليه أو ملكها بطريق آخر، وقال بعض المالكية: لا يجوز بيع لحم الأضحية لقابضها، وعلله القرطبي بأن أصل مشروعية الأضحية ألا يباع منها شيء مطلقًا (١)، وأصح القولين جوازه. ---------------- (١) «المفهم» ٣/ ١٣٠. ٣٢ - باب زَكَاةِ الوَرِقِ ١٤٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنَّى، حَدَّثَنَا عَندُ الوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنِي يحيى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْروٌ سَمِعَ أَبَاهُ، عَنْ أَبي سَعِيدِ - رضي الله عنه -، سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بهذا. [١٤٠٥ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣١٠] وذكر فيه حديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «.. وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ ..». وقد سلف في باب ما أدي زكاته فليس بكنز (١)، ثم ذكره من طريق آخر عنه مع الكلام عليه واضحًا (٢). وظاهره نفي الزكاة عما دون ذلك، وإيجابها في ذلك المقدار، وما زاد فبحسابه؛ لأن النص الصحيح لما عدم في تحديد الزائد تعلق الوجوب به، ويروى هذا عن علي، وابن عمر، والنخعي، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، والليث، والثوري، وإسحاق، وأبي ثور ومن سلف هناك. وما أسلفناه عن أبي حنيفة هناك روي عن عمر رواه الليث عن يحيى ابن أيوب، عن حميد، عن أنس، عنه، وبه قَالَ سعيد بن المسيب، والحسن، وطاوس، وعطاء، والشعبي، ومكحول، وابن شهاب (٣)، واحتجوا بحديث عبادة بن نسي، عن معاذ: أنه - ﷺ - لما بعثه إلى ----------- (١) برقم (١٤٠٥) كتاب: الزكاة. (٢) سيأتي برقم (١٤٨٤) باب: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. (٣) انظر: «الاستذكار» ٩/ ١٩ - ٢٠. اليمن أمره ألا يأخذ من الكسور شيئًا، إذا بلغ الورق مائتي درهم أخذ منه خمسة دراهم. ولا يأخذ ما زاد حَتَّى يبلغ أربعين (١). قَالَ الطبري: عليهم من طريق النظر القياس على أوقاص البقر، وما بين الفريضتين في الإبل والغنم أنه لا شيء في ذلك. فالواجب أن يكون كذلك كل ما وجبت فيه الصدقة [أن لا] (٢) يكون بين الفريضتين غير الفرض الأول، وأجاب الأولون عن حديث معاذ بأنه منقطع، عبادة لم يسمع منه (٣). ورواه أبو العطاف، وهو متروكُ الحديثِ (٤). وعليهم من طريق النظر القياس على الحبوب والثمار، وأن الذهبَ والفضة مغيبان مستخرجان من الأرض بكلفة ومؤنة، ولا خلاف بين الجميع أن ما زاد على خمسة أوسق من الحبِّ، وما توصل إليه بمثل ذلك من التمر والزبيب فيه الصدقة بحساب ذلك، فالواجب قياسًا أن يكون مثله كلَّ مَا وجبت فيه بما استخرج من الأرض بكلفة ومؤنة، وهذا القول هو الصواب، وما لا مشقة في أوقاصه يخرج بخلاف غيره كالماشية، وقياسهم فاسد فيما يروى عن أبي حنيفة في خمسين من البقر مسنة وربع. ----------- (١) رواه الدارقطني ٢/ ٩٣ - ٩٤ في الزكاة، باب في الكسر شيء، والبيهقي ٤/ ١٣٥ - ١٣٦ في الزكاة، باب ذكر الخبر الذي روي في وقص الورق. (٢) في (م): إلا أن. (٣) تعليق بهامش الأصل بخط سبط: توفي معاذ سنة ١٨، أو سنة ١٧ من الهجرة. (٤) قلت: الحديث ضعفه الدارقطني، وقال البيهقي والحافظ في «الدراية» ١/ ٢٥٧: إسناده ضعيف جدًا. ٣٣ - باب العَرْضِ فِي الزَّكَاةِ وَقَالَ طَاوُسٌ: قَالَ مُعَاذٌ لأَهْلِ اليَمَنِ: ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ، مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَأَمَّا خَالِدٌ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ». فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا، وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ مِنَ العُرُوضِ. ١٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ أَنَّ أَنَسًا - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - كَتَبَ لَهُ التِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - ﷺ -: «وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ». [١٤٥٠، ١٤٥١، ١٤٥٣، ١٤٥٤، ١٤٥٥، ٢٤٨٧، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥ - فتح: ٣/ ٣١٢] ١٤٤٩ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَصَلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ، فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ. [انظر: ٩٨ - مسلم: ٨٨٤ - فتح: ٣/ ٣١٢] حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَن أَنَسًا حَدَّثَهُ، أَن أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ التِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ - ﷺ -: «وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عنده، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدَّقُ عِشْرِينَ دِرْهمًا أَوُ شَاتَيْن ..» الحديث. وساق عن ابن عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ أن رَسُولَ الله - ﷺ - لَصلَّى قَبْلَ الخُطْبَةِ، فَرَأى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِع النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ نَاشِرَ ثَوْبِهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَ أَنْ يَتَصَدَّقنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلْقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وإلَى حَلْقِهِ. الشرح: أما أثر معاذ فأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس قال معاذ: ائتوني بخميص … الحديث. وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن إبراهيم، عن طاوس أن معاذًا كان يأخذ العروض في الصدقة (١). وهذا مرسلٌ؛ طاوس لم يدرك معاذًا كما نص عليه الدارقطني وغيره (٢). وقال البيهقي: كذا قال إبراهيم بن ميسرة، وخالفه عمرو بن دينار، عن طاوس: فقال معاذ باليمن: ائتوني بعرض ثياب آخذه منكم مكان الذرة والشعير، قال: وقال الإسماعيلي: حديث طاوس عن معاذ إذا كان مرسلًا لا حجة، وقد قال بعضهم فيه: من الجزية، بدل: الصدقة. قال البيهقي: وهذا الأليق بمعاذ، والأشبه بما أمره النبي - ﷺ - به من أخذ الجنس في الصدقات وأخذ الدينار وعدله معافر ثياب اليمن في الجزية، وأن ترد الصدقات على فقرائهم [لا] (٣) أن ينقلها إلى المهاجرين بالمدينة الذين أكثرهم أهل فَيء لا أهل صدقة (٤). --------- (١) «المصنف» ٢/ ٤٠٤ (١٠٤٣٩ - ١٠٤٤٠) كتاب: الزكاة، ما قالوا في أخذ العروض في الصدقة. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٠٠ كتاب: الزكاة، باب: ليس في الخضروات صدقة. (٣) في الأصل: إلا، وما أثبتناه من «السنن الكبرى» ٤/ ١١٣. (٤) «السنن الكبرى» ٤/ ١١٣ كتاب: الزكاة، باب: من أجاز أخذ القيم في الزكوات. قال الإسماعيلي: حديث طاوس لو كان صحيحًا لوجب ذكره؛ لينتهى إليه، وإن كان مرسلًا فلا حجة فيه، وقد يقول: ائتوني به آخذه مكان الشعير والذرة الذي أخذه شراء بما أخذه، فيكون بأخذه قد بلغت محله، ثم يأخذه مكان ما يشتريه بما هو أوسع عندهم وأنفع للآخذ، ولو كانت هذِه من الزكاة لم تكن مردودة على أصحاب النبي بالمدينة دون غيرهم، ولو كان الوجه رده عليهم، وقد قال له - ﷺ -: «تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم» (١). وقوله: (خميص) كذا هو بالصاد، قال صاحب «المطالع»: كذا ذكره البخاري، وأبو عبيد وغيره يقولونه بالسين، ويقال له أيضًا: خموس، وهو الثوب الذي طوله خمسة أذرع، كأنه يعني الصغير من الثياب، وقال أبو عمرو الشيباني: أول من عملها باليمن ملك يقال له: الخميس (٢)، وقد يكون بالصاد من الخميصة، ولا وجه له، وإن صحت الرواية بالصاد فيكون مذكر الخميصة، فاستعارها في الثوب، وذكره ابن التين أولًا بالسين، ثم قال: ووقع في بعض الأمهات بالصاد، ولا وجه له إلا أن يكون أراد خميصة. وقال ابن بطال: وقع هنا بالصاد، والصواب بالسين، كذا فسره أبو عبيد وأهل اللغة، قال صاحب «العين»: (الخميسي والمخموس) (٣) ثوب طوله خمس أذرع، وذكره أبو عبيد عن الأصمعي (٤). وقال صاحب «المغيث»: الخميس: الثوب المخموس الذي طوله ------------ (١) سلف برقم (١٣٩٥) باب: وجوب الزكاة. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: لعل صوابه الخمس. (٣) في الأصل: الخميس والخموس. والمثبت من «العين» ٤/ ٢٠٥. (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٥٠. خمس (١)، قال ابن فارس وغيره: وكأن معاذًا أراد أنه بمعنى الصغير من الثياب (٢)، وقال في «مجمع الغرائب»: أول من عمله ملك يقال له: الخمس، قال الطبري: وقولهم: مخموس فيه ما يدل أنه مما جاء مجيء ما يصرف من الأشياء التي أصلها مفعول إلى فعيل مثل: جريح وقتيل، أصله: مجروح ومقتول. وقوله: (أو لبيس) يريد: أو ملبوس، كما قال ابن التين: مثل: قتيل ومقتول، ولو كان أراد الاسم لقال: لبوس؛ لأن اللبوس: كل ما يلبس من ثياب ودرع. وحديث: («وأما خالد») فقد وصله وسيأتي عن قريب (٣)، قال الإسماعيلي: إذا احتبسها: جعلها حبسًا، وإذا جعلها حبسًا وأعيانها لا زكاة فيه سقطت الزكاة عنها فهذا لا يتصل بأخذ العرض في فرض الزكاة. قُلْتُ: كأن البخاري ترجم لزكاة العرض وأخذ الفرض، فذكر دليل الأول مرة والآخر أخرى. وقوله: (وأعتده) (٤) هو بالتاء وبالباء كما ستعلمه في موضعه والأول أصح. وحديث: «تصدقن» سلف في العيد وغيره مسندًا (٥). وقال الإسماعيلي: هذا حث على الصدقة، ولو (لمن نفس مال) (٦)، وليس في ذَلِكَ فرض، ------------ (١) «المجموع المغيث» ١/ ٦١٨. (٢) «مجمل اللغة» ١/ ٣٠٢ - ٣٠٣. (٣) سيأتي برقم (١٤٦٨) باب: قول الله تعالى: ﴿وفي الرقاب ..﴾. (٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: الكافة رووا: وأعْبُده. بالباء إلا الحموي والمستملي قال في «المطالع» ورجح هذا بعضهم. (٥) سبق (٩٧٩) في العيدين، باب مَوْعِظَةِ الإِمَام النِّسَاءَ يَوْمَ العِيدِ، عن ابن عباس. (٦) كذا في الأصل وفوقها كلمة كذا وفي حاشيتهَا تعليقًا عليها: لعله من نفيس مال. فلو كان من الفرض لقيل: أدّين صدقة أموالكن، إلا أن يشار إلى ما منه يتصدقن لنفاسته عليهن أو قريب متناوله منهن، والله أعلم. قال: وما ذكره في الباب يؤخذ كذا وكذا، فليس ذَلِكَ أخذ عرض عن عين، بل الموجب فيها حال الوجود كذا، وفي حال عدمه في إبله كذا، فهو كأخذ شاة عن خمس من الإبل لا يقال: إنه أخذ عرضًا عن زكاة ولكن ذاك هو الموجب عليه، وكذلك الموجب في حال كذا وفي حال كذا فخالف الأول. وحديث ثمامة عن أنس في كتاب الصديق فرقه البخاري في عشرة مواضع من هذا «الصحيح» كما ستراه (١)، ولا عبرة بمن طعن في اتصاله، فقد صححه الأئمة، قال الحاكم في «مستدركه»: وهو صحيح على شرط مسلم، وأوضحه (٢). وقال البخاري في كتاب الجهاد عن أنس: إن أبا بكر لما استخلف بعثه إلى البحرين وكتب له هذا الكتاب وختمه بخاتم النبي - ﷺ - (٣)، قال الحاكم: وتفرد البخاري بإخراجه من وجه علا فيه عن الأنصاري عن ------------ (١) سيأتي برقم (١٤٥٠) كتاب: الزكاة، باب: لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع، و(١٤٥١) باب: ما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، و(١٤٥٣) باب: من بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده، و(١٤٥٤) باب: زكاة الغنم، و(١٤٥٥) باب: لا تؤخذ في الصدقة هرمة، و(٢٤٨٧) كتاب: الشركة، باب: ما كان من خليطين، و(٣١٠٦) كتاب: فرض الخمس، باب: ما ذكر من درع النبي - ﷺ -، (٥٨٧٨) كتاب: اللباس، باب: هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر؟ و(٦٩٥٥) كتاب: الحيل، باب: في الزكاة، وأن لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق؛ خشية الصدقة. (٢) «المستدرك» ١/ ٣٩٠ - ٣٩٢ كتاب: الزكاة. (٣) سيأتي برقم (٣١٠٦) باب: ما ذكر من درع النبي - ﷺ -. ثمامة، وحديث حماد بن سلمة عن ثمامة، وحديث حماد أصح وأشفى وأتم من حديث الأنصاري (١). وقال الميموني: سألت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- عن حديث حماد، عن ثمامة فقال: لا أعلم في الصدقات حديثًا أحسن منه، إلا أن عفان يقول عن حماد: سمعت من ثمامة، وأبو كامل عن حماد: دفع إلى ثمامة كتابه، قيل: فأي حديث أحسن في الصدقة؟ فقال: حديث حماد وعمرو بن حزم. وقال مرة في حديث عمرو: أرجو أن يكون صحيحًا. وخرجه في «مسنده» (٢) عن الحكم بن موسى عنه، وقال إمامنا الشافعي فيما نقله عنه البيهقي: حديث أنس حديث ثابت عن رسول الله - ﷺ - من جهة حماد وغيره وبه نأخذ ولمَّا ذكره البيهقي في «المعرفة»، من حديث حماد قال: تعلق به بعض من ادعى المعرفة بالآثار فقال: هذا حديث منقطع، وأنتم لا تثبتون المنقطع، وإنما وصله عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس، وأنتم لا تجعلون عبد الله حجة، ولم يعلم أن موسى بن محمد المؤدب قد رواه عن حماد بن سلمة، قال: أخذت هذا الكتاب من ثمامة، عن أنس أن أبا بكر كتب له، وكذا رواه شريح بن النعمان، عن حماد، عن ثمامة، عن أنس، أن أبا بكر .. الحديث. قال البيهقي: وقد رواه ابن المنذر في كتابه محتجًا به، ورواه ------------- (١) «المستدرك» ١/ ٣٩٢ كتاب: الزكاة. (٢) لم أجده في «المسند» وكذلك لم يذكره الحافظ في «الإطراف» ٥/ ١٣١ - ١٣٢، وإنما رواه النسائي ٨/ ٥٧ - ٥٨، وابن حبان ١٤/ ٥٠١ (٦٥٥٩). إسحاق بن راهويه وهو إمام عصره عن النضر بن شميل، وهو متفق عليه في العدالة والإتقان والتقدم، فقال: حَدَّثَنَا حماد قال: أخذنا هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله يحكيه عن أنس، عن رسول الله - ﷺ - (١)، وقال الدارقطني: إسناد صحيح، وكلهم ثقات (٢). قال البيهقي: وقد اعتمد محمد -يعني: البخاري- على عبد الله بن المثنى لكثرة الشواهد لحديثه هذا بالصحة (٣)، وقال الدارقطني: رواه محمد بن مصفي، عن نعيم [بن] (٤) حماد، عن المعتمر، عن أبيه، عن أنس، عن أبي بكر، عن النبي - ﷺ -، وروي عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أنس نحو قول ثمامة (٥). وقال ابن حزم: هذا الحديث لا يصح في الماشية غيره، إلا خبر ابن عمر وليس بقائم، وحديث ثمامة في نهاية الصحة وعمل أبي بكر بحضرة الصحابة، ولا يعرف منهم مخالف، رواه عن أنس ثمامة، وهو ثقة سمعه من أنس، وعن ثمامة حماد بن سلمة، وعبد الله بن المثنى، وكلاهما ثقة إمام، وعن ابن المثنى ابنه محمد، وهو مشهور ثقة، وعنه البخاري، وأبو قلابة والناس، ورواه عن حماد يونس، وشريح، والتبوذكي، وأبو كامل المظفر بن مدرك، وغيرهم، وكل هؤلاء إمام ثقة مشهور (٦). ----------- (١) «معرفة السنن والآثار» ٦/ ١٩ كتاب: الزكاة، كيف فرض الصدقة. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١١٦ كتاب: الزكاة، باب: زكاة الإبل والغنم. (٣) «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٢٠ كتاب: الزكاة، كيف فرض الصدقة. (٤) في الأصول: عن، وما أثبتناه من «العلل» ١/ ٢٢٩. (٥) «علل الدارقطني» ١/ ٢٢٩ و٢٣١. (٦) «المحلى» ٦/ ٢٠ - ٢١. بتصرف. قُلْتُ: وقوله في حديث ابن عمر: إنه ليس بقائم. فيه نظر؛ لأن الدارقطني أخرجه بإسناد صحيح، وزكاه الحاكم وطرقه (١). وقال ابن العربي في «مسالكه»: ثبت عن رسول الله - ﷺ - في الماشية ثلاث كتب: كتاب أبي بكر، وكتاب آل عمرو بن حزم، وكتاب عمر بن الخطاب، وعليه عوَّل مالك لطول مدة خلافته وكثرة مصدقيه، واعترض الإسماعيلي من وجه آخر فقال: لو كان يعني القيمة أو العرض لكان ينظر إلى ما بين السنين في القيمة إلا أن يوقت الموجب فيها توقيت الموجبات في الأعداد منها سواها ويكون الفرض يزيد تارة وينقص أخرى كما تزيد القيمة تارة وتنقص أخرى. إذا تقرر ذَلِكَ كله: فاختلف العلماء في أخذ العروض والقيم في الزكاة، فقال مالك والشافعي: لا يجوز ذَلِكَ وجوزه أبو حنيفة (٢) واحتج أصحابه بما ذكره البخاري من أخذ معاذ العروض في الزكاة، وبحديث أنس عن أبي بكر، وقالوا: كان معاذ ينقل الصدقات إلى المدينة فيتولى الشارع قسمتها، فإن كانت في حياته كذا (٣) فهو إقرار منه على أخذ البدل منها؛ لأنه قد علم أن الزكاة ليس فيها ما هو من جنس الثياب، فإنها لا تؤخذ إلا على وجه البدل، فصار إقراره له على فعله دلالة على الجواز، وإن كان بعد موته فقد وضعها الصديق بحضرة الصحابة في ------------- (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١١٢ - ١١٣ كتاب: الزكاة، باب: زكاة الإبل والغنم، وقال الدارقطني: كذا رواه سليمان بن أرقم، وهو ضعيف الحديث متروك، «المستدرك» / ٣٩٢ - ٣٩٣ كتاب: الزكاة. (٢) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٤٩١ - ٤٩٢. (٣) في الأصل كذلك وأعلاها كلمة: كذا، وصوبه. مواضعها مع علمهم أن الثياب لا تجب في الزكاة فصار ذَلِكَ إقرارًا منهم على جواز أخذ القيم، فهو إذًا اتفاق من الصحابة، قالوا: وكذلك حديث أمره - عليه السلام - بإخراج بنت (١) لبون عن بنت مخاض ويزيده المصدق عشرين درهمًا أو شاتين، وهذا على طريق القيمة. قالوا: وإذا جاز أن يخرج عن خمس من الإبل شاة وهي من غير الجنس، جاز أن يخرج دينارًا عن الشاة، واحتجوا بما روي عن عمر أنه كان يأخذ العروض في الزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس، ذكره عبد الرزاق عن الثوري (٢). ولهذا المذهب احتج البخاري على كثرة مخالفته لأبي حنيفة وموضع الحجة من حديث إلقاء السخاب أنها ليست من ذهب ولا فضة، بل قلادة من قرنفل ومن حلي النساء الوقف وهو من عاج وذَبْل، ما لم يكن من ذهب ولا فضة، فهو من العروض، فأراد البخاري أنه - ﷺ - أخذ ذَلِكَ كله. قُلْت: حتَّى يثبت أنه في الزكاة، والظاهر أنه في التطوع. والجواب عن حديث معاذ أنه من اجتهاده، وقيل: إنه خاص له لحاجة عَلِمَهَا بالمدينة، رأى أن المصلحة في ذَلِكَ، وقامت الدلالة على أن غيره لا يجوز له أخذها، ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد بأن حديث معاذ وارد في الجزية، بيانه أنه نقلها من اليمن إلى المدينة، وعندهم أن الزكاة لا تنقل، وأيضًا فإن الجزية قد كانت تؤخذ من قوم من العرب باسم الصدقة فيجوز أن يكون معاذ أراد هذا -------------- (١) في الأصل: ابن ولعل الصواب ما أثبتناه. (٢) «المصنف» ٤/ ٩٦ (٧٠٩٩). في قوله: (في الصدقة مكان الشعير والذرة)، بدلالة قوله - ﷺ - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «خذ الحب من الحب، والغنم من الغنم، والبقر من البقر، والابل من الإبل» (١) لكن يرده مكان الشعير والذرة، إلا أن يكون يأخذها في الجزية. وأما أخذ عمر العروض فكان على وجه التطوع لا على طريقة الفريضة. وقولهم في حديث أنس: إنه لم يعمل به أهل المدينة، ولا أمر أبو بكر ولا عمر به السعاة فوجب تركه لمعنى علموه، لا يعجبني فإنه نص فيقتصر فيه على ما ورد، ثم هو ليس هو على وجه القيمة، بل على البدل بدليل أنه يجزئ عنها وإن كانت قيمتها أكثر منه، واحتج بفعل معاذ من اختار نقل الزكاة إلى بلد آخر وسيأتي في موضعه. فائدة: في حديث أنس هنا بنت المخاض ولها سنة، وبنت اللبون ولها سنتان، لا خلاف في ذَلِكَ وسميت بنت مخاض؛ لأن أمها آن لها أن تكون ماخضًا أي: حاملًا أي: دخل وقت قبول أمها للحمل وإن لم تحمل، وسميت بنت اللبون؛ لأن أمها ذات لبن أي: جاز لأمها أن ترضع ثانيًا ويصير لها لبن وإن لم ترضع، وجمع لبون: لبن بضم اللام وكسرها. ------------- (١) رواه أبو داود (١٥٩٩) تقال: الزكاة، باب: صدقة الزرع، وابن ماجه (١٨١٤) كتاب: الزكاة: باب: ما تجب فيه الزكاة من الأموال، والدارقطني في «سننه» ٢/ ٩٩ - ١٠٠ كتاب: الزكاة، باب: ليس في الخضروات صدقة، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٨٨ كتاب: الزكاة، والبيهقي في «سننه» ٤/ ١١٢ كتاب: الزكاة، باب: لا يؤدي عنه ما له فيما وجب عليه إلا ما وجب عليه، والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٥٤٤)، وفي «ضعيف أبي داود» (٢٧٩). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|