![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#253 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 281 الى صـــ 300 الحلقة (253) ٧ - باب إِذَا دَعَتِ الأُمُّ وَلَدَهَا فِي الصَّلَاةِ ١٢٠٦ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَادَتِ امْرَأَةٌ ابْنَهَا، وَهْوَ فِي صَوْمَعَةٍ قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي. قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي. قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي. قَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا يَمُوتُ جُرَيْجٌ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ المَيَامِيسِ. وَكَانَتْ تَأْوِي إِلَي صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الغَنَمَ، فَوَلَدَتْ، فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا الوَلَدُ؟ قَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ، نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ. قَالَ جُرَيْجٌ: أَيْنَ هَذِهِ التِي تَزْعُمُ أَنَّ وَلَدَهَا لِي؟ قَالَ: يَا بَابُوسُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: رَاعِى الغَنَمِ». [٢٤٨٢، ٣٤٣٦، ٣٤٦٦ - مسلم: ٢٥٥٠ - فتح: ٣/ ٧٨] قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَنْ عَبْدِ الرحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَادَتِ امْرَأَةٌ ابنهَا، وَهْو فِي صَوْمَعَةٍ، قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتي ..» الحديث. هكذا أخرجه البخاري تعليقًا هنا، وأسنده في كتاب المظالم وأحاديث الأنبياء عن مسلم بن إبراهيم، عن جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة (١). وروى الحديث في (…) (٢) من طريق الأعرج عن أبي هريرة (٣). وأخرجه مسلم في الأدب من كتاب البر والصلة، من حديث حميد ---------- (١) سيأتي برقم (٢٤٨٢) كتاب: المظالم، باب: إذا هدم حائطًا فليبني مثله. وبرقم (٣٤٣٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾. (٢) بياض بالأصول. (٣) سيأتي برقم (٣٤٦٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: حديث الغار. بن هلال، عن أبي رافع، عن أبي هريرة (١). وأسنده من حديث الليث أبو نعيم من حديث يحيى بن بكير، عن الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج -وهو عبد الرحمن بن هرمز- عن أبي هريرة. بأثر عن النبي - ﷺ -. وأسنده الإسماعيلي من حديث عاصم بن علي عن الليث به، وفيه زيادة: «أن رجلًا يقال له جريج كان راهبًا -وفي: (زواني المدينة) بدل: (المياميس) - فعرف أن ذلك يصيبه». وفيه: «فأرسل إليه، فأُنزل وانطلق به إلى ملكهم، فلما مروا به نحو بيت الزواني خرجن يضحكن، فتبسم، فقالوا: لم تضحك حين مُر بالزواني؟» وفيه: «فقال: أبي والدي، وسماه أباه، فأبرأ الله -عز وجل- جريجًا وأعظم أمره». وبخط الدمياطي على حاشية أصله: روى الليث بن سعد، عن يزيد بن حوشب، عن أبيه قَالَ: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لو كان جريج الراهب فقيهًا عالمًا لعلم أن إجابة أمه خير من عبادة ربه -عز وجل-». حوشب هذا هو ابن طخمة -بالميم- الحميري. وأخرج الشيخان من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قَالَ: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج عابدًا فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج». وأتته ثانية وثالثة كذلك .. الحديث بطوله (٢). --------- (١) «صحيح مسلم» برقم (٢٥٥٠) باب: تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها. (٢) سيأتي برقم (٣٤٣٦) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ﴾ ورواه مسلم برقم (٢٥٥٠). إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: «المياميس» الزواني، كما سلف، الواحدة: مومسة. والجمع: مومسات -بضم الميم الأولى وكسر الثانية- و(ميامِس) (١)، وجاء هنا: مياميس، وهو جائز. وقال ابن الجوزي: أصحاب الحديث يقولون: مياميس. بزيادة ياء. قَالَ لنا ابن الخشاب: ليس قولهم صحيحًا. وقال صاحب «المطالع»: المومسات: المجاهرات بالفجور. وبالياء رويناه عن جميعهم، وكذا ذكر أصحاب العربية، وروي: الميأميس. بالهمز. الثاني: قوله: («يا بابوس») هو اسم ولدها- كما قاله الداودي، وقال القزاز: هو الصغير. ووزنه فاعول، فاؤه وعينه من جنس واحد، وهو قليل. وقيل: اسم عجمي. وبخط الدمياطي: بابوس: الرضيع بالفارسية. وهو ما ذكره ابن بطال إثر الحديث (٢). الثالث: الحديث دال على أنه لم يكن الكلام في الصلاة ممنوعًا في شريعة جريج، فلما لم يأت من إجابتها ما هو مباح له استجيبت دعوة أمه فيه، وقد كان الكلام في شريعتنا جائزًا في الصلاة حَتَّى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وسيأتي في البخاري من حديث أبي سعيد بن المُعَلَّى قَالَ: كنت أصلي في المسجد فدعاني النبي - ﷺ - فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، كنت أصلي. قَالَ: «ألم يقل الله: ﴿اسْتَجَابُوا لِلَّهِ ----------- (١) وقع بالأصل: مياميس. خطأ، ويبينه سياق ما بعده وانظر:»لسان العرب«٨/ ٤٩٢٧. (٢)»شرح ابن بطال" ٣/ ١٩٥. وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ …» الحديث (١). ولا يجوز أن يوبخه الشارع على ترك الإجابة إلا وقت إباحة الكلام في الصلاة، فلما نسخ ذلك لم يجز للمصلي إذا دعت أمه أو غيرها أن يقطع صلاته؛ لقوله - ﷺ -: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (٢) وحق الله -عز وجل- الذي شرع فيه ألزم من حق الأبوين حَتَّى يفرغ منه، لكن العلماء يستحبون أن يخفف صلاته ويجيب أبويه. وصرح أصحابنا فقالوا: من خصائص سيدنا رسول الله - ﷺ - أنه لو دعا إنسانًا وهو في الصلاة وجبت عليه الإجابة، ولا تبطل. وحكى الروياني في «بحره» ثلاثة أوجه في إجابة أحد الأبوين: أصحها: لا تجب الإجابة. ثانيها: تجب وتبطل. ثالثها: تجب ولا تبطل. والظاهر: عدم الوجوب إن كانت الصلاة فرضًا وقد ضاق الوقت، وكذا إن لم يضق؛ لأنها تلزم بالشروع، خلافًا للإمام، وإن كانت نافلة أجابهما إن علم تأذيهما بالترك، وهو من إطلاق عبد الملك المالكي أن إجابة الأم في النافلة أفضل، وقاسه على الشارع أن إجابته أفضل من التمادي في النافلة. وذكر القاضي أبو الوليد في قصة ذي اليدين: أن حكم الإجابة مختص بالشارع؛ للآية السالفة، وأنه في الفريضة. ------------ (١) سيأتي برقم (٤٧٠٣) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ (٨٧)﴾. (٢) سيأتي برقم (٧٢٥٧) كتاب: أخبار الآحاد، باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق. وفي الوجوب في حق الأم دون الأب حديث مرسل يوافق الوجوب، رواه ابن أبي شيبة، عن حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن المنكدر، عن النبي - ﷺ - قَالَ: «إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها، وإذا دعاك أبوك فلا تجبه» (١) وقَالَ مكحول: رواه الأوزاعي عنه (٢)، وقال العوام: سألت مجاهدًا عن الرجل يقام عليه في الصلاة ويدعوه أمه أو والده. قَالَ: يجيبهما (٣). وفي البخاري، فيما سلف: إن منعته أمه شهود العشاء في جماعة لم يطعها (٤). وقاله مالك، وإن منعته الجهاد أطاعها، والفرق بينهما وإن كانا سنة أن الخروج إلى الصلاة الغالب فيه الأمن بخلاف الجهاد، كذا فرق ابن التين بينهما. وفي كتاب «البر والصلة» عن الحسن في الرجل تقول له أمه: أفطر. قَالَ: يفطر وليس عليه قضاء، وله أجر الصوم والبر، وإذا قالت له أمه: لا تخرج إلى الصلاة. فليس لها في هذا طاعة، هذا فريضة (٥)، فدل هذا أن قياس قوله: إذا دعته في الصلاة. أن لا يجيبها. فأما مرسل ابن المنكدر فالفقهاء على خلافه ولا أعلم به قائلًا غير مكحول، ويحتمل أن يكون معناه إذا دعته أمه فليجبها، يعني: بالتسبيح، وبما أبيح للمصلي الاستجابة به، كما ذكر ابن حبيب قَالَ: من أتاه أبوه ليكلمه وهو في نافلة فليخفف ويسلم ويكلمه، وإذا نادته أمه فليبتدرها بالتسبيح، وليخفف وليسلم. ------------ (١) «المصنف» ٢/ ١٩٣ (٨٠١٣) باب: في الرجل يدعوه والده وهو في الصلاة. (٢) ابن أبي شيبة ٢/ ١٩٣ (٨٠١٤). (٣) ابن أبي شيبة ٢/ ١٩٤ (٨٠١٥). (٤) معلقًا قبل الرواية (٦٤٤) عن الحسن. (٥) انظر: كتاب «البر والصلة» للمروزي ص ٣٤ (٦٤). وأما قول مجاهد: إذا أقيمت عليه الصلاة ودعاه أبوه وأمه فليجبهما (١). فيحتمل أن يكون أمره بإجابتهما إذا كان الوقت واسعًا ولم يدخل في الصلاة، فيجتمع له إجابة أبويه وقضاء الصلاة في وقتها، والحاصل إجابة دعوة الوالدة في السراء والضراء. وقوله: («اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي») إنما سأل أن يلقي في قلبه الأفضل، ويحمله على أولَى الأمرين به، فحمله على التزام مراعاة حق الله تعالى على حق أمه، وقد يمكن أن يكون جريج نبيًّا؛ لأنه كان في زمن يمكن فيه النبوة، قاله ابن بطال (٢). فإن قلتَ: يحتمل أن يكون حديث أبي سعيد بن المعلى السالف قبل تحريم الكلام في الصلاة كما قلت، فكيف جاز له ترك مجاوبة النبي - ﷺ - إذا كان الكلام مباحًا؟ فالجواب: أنه يمكن أن يتأول أبو سعيد قوله: ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ [الأنفال: ٢٤] إذا كنتم في غير صلاة، فعذره - ﷺ - بذلك حين رأى التزام السكوت في الصلاة تعظيمًا لشأنها، كما تأول أصحابه يوم الحديبية حين أمرهم بالحلاق أن لا يحلقوا لما لم يبلغ الهدي محله. فإن قلتَ: فيحتمل أن يدعوه وقت تحريم الكلام في الصلاة؟. فالجواب أنه يحتمل ذلك، ويكون استجابته له بالتسبيح، فيوجز في صلاته، فتجتمع طاعة الله بإتمام الصلاة وطاعة الرسول بالاستجابة له. وأظهر التأويلين أن يدعوه - ﷺ - وقت إباحة الكلام في الصلاة. ------------- (١) رواه عنه هناد في «الزهد» ٢/ ٤٧٨ (٩٧٣). (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٩٧. وقد احتج قوم من أهل الظاهر بحديث أبي سعيد، وزعموا أن كلامه عليه الصلاة والسلام يوم ذي اليدين خصوص له، وقالوا: لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك بعد النبي - ﷺ -؛ لأن الله تعالى قَالَ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] فلا يتكلم أحد ولا يجيب غير الرسول (وهذا ما عليه جمهور أصحابنا) (١). وقال ابن بطال: لا حجة فيه؛ لأن معنى الآية: استجيبوا بما استجاب به المصلي من قول: سبحان الله، وإشارة تفهم عنه كما كان - ﷺ - يرد السلام على الأنصار بالإشارة حين دخلوا عليه في مسجد قباء وهو يصلي (٢). وكذلك قَالَ: «من نابه شيء في صلاته فليسبح» (٣). وفي الحديث أيضًا دلالة على أن من أخذ بالشدة في أمور العبادات كان أفضل إذا علم من نفسه قوة على ذلك؛ لأن جريجًا دعا الله في التزام الخشوع له في صلاته وفضله على الاستجابة لأمه، فعاقبه الله على ترك الاستجابة لها، بما ابتلاه من دعوة أمه عليه، ثم أراه فضل ما آثره من مناجاة ربه والتزام الخشوع له أن جعل له آية معجزة في كلام الطفل، فخلصه بها من محنة دعوة أمه عليه. وفيه أيضًا: أن من دعته أمه في صلاة لا يخشى فواتها أن يجيبها، ------------- (١) عليها في الأصل علامة (لا .. إلى). (٢) روى هذا الحديث أبو داود (٩٢٧) في الصلاة، باب: رد السلام في الصلاة، والترمذي (٣٦٨) باب: ما جاء في الإشارة في الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي ٣/ ٥ في السهو، باب: رد السلام بالإشارة في الصلاة، وابن ماجه (١٠١٧) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: المصلي يسلم عليه كيف يرد. عن ابن عمر. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (٨٦٠): إسناده حسن صحيح. (٣) سبق برقم (٦٨٤) كتاب: الأذان، باب: من دخل ليؤم الناس .. ثم يعود إليها، وقد أسلفنا ما فيه. وقال عبد الملك: إن كانت صلاته نافلة، فإجابة الأم أفضل من صلاة النافلة. فإن قلتَ: كيف قَالَ: من أبوك، والزاني لا يلحق به الولد؟ فالجواب إما أن يكون لاحقًا في شرعهم، أو المراد: مِنْ ماء مَنْ أنت؟ وسماه أبًا مجازًا. قَالَ القرطبي: وقد يتمسك به من قَالَ: إن الزنا يحرم كالحلال. وهو رواية ابن القاسم عن مالك في «المدونة»، وفي «الموطأ»: أن الزنا لا يحرم حلالًا (١). قَالَ: ويستدل به أيضًا أن المخلوقة من زناه لا تحل للزاني بأمها، وهو المشهور خلافًا لابن الماجشون، وهو -أعني: قول ابن الماجشون- الأصح عند الشافعية، ووجه التمسك على المسألتين أنه - ﷺ - حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنا للزاني، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بشهادته له بذلك، فكانت تلك النسبة صحيحة، فيلزم على هذا أن تجري بينهما أحكام الأبوة والبنوة من التوارث والولايات وغير ذلك. وقد اتفق (٢) المسلمون على ألا توارث بينهما، فلم تصح تلك النسبة؛ لأنا نجيب عن ذلك بأن ذلك موجب ما ذكرنا، وقد ظهر ذلك في الأم من الزنا، فإن أحكام الأمومة والبنوة جارية عليهما، فما انعقد على الإجماع من الأحكام أنه لا يجوز بينهما استثنيناه، وبقي --------- (١) «الموطأ» ١/ ٥٨١ (١٥٠٥) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في تزوج الرجل المرأة قد مسها على ما يكره. (٢) وقع بهامش الأصل: حكى ابن قيم الجوزية في «الهدي» في استلحاق ولد الزنا وتوريثه عن إسحاق ومن وافقه أنه يلحق به إذا ادعاه الزاني ويرثه. اهـ. الباقي على أجل ذلك الدليل (١). وفيه أيضًا: وقوع كرامات الأولياء، وهو قول جمهور أهل السنة (٢) والعلماء، وقد نسب لبعض العلماء إنكارها، والظن بهم أنهم ما أنكروا أصلها؛ لتجويز العقل لها، ولما وقع في الكتاب والسنة، وإخبار صالحي هذِه الأمة بما يدل على وقوعها، وإنما محل الإنكار ادعاء وقوعها فيمن ليس موصوفًا بشروطها، ولا هو أهل لها. وفيه: أن كرامات الأولياء قد تقع باختيارهم وطلبهم، وهو الصحيح عند أصحابنا المتكلمين، ومنهم من قَالَ: لا تقع باختيارهم وطلبهم. وفيه: أن الكرامات قد تكون بخوارق العادات على جميع أنواعها، ومنعه بعضهم وادعى أنها تختص بمثل إجابة دعاء ونحوه، وهذا غلط من قائله وإنكار للحس، بل الصواب جريانها بقلب الأعيان، وإحضار الشيء من المعدوم ونحوه. وروى عمارة أن جريجًا سأله وهو في بطنها (٣) فأجابه ثم أجابه حين ولد، وهذا من تفضل الرب ﷻ على من أطاعه. قَالَ أبو عبد الملك: وهذا من عجائب بني إسرائيل، وهو من أخبار الآحاد. فائدة: تكلم أيضًا في المهد: شاهد يوسف، كما ذكره القرطبي عن ----------- (١) انظر: «المفهم» ٦/ ٥١٤. (٢) وقع بهامش الأصل: من خط الشيخ: كذا عبر به القرطبي، وعبارة النووي أنه مذهب أهل السنة خلافًا للمعتزلة. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال صاحب «المطالع»: روي ذلك من طريق غير ثابت أنه ناداه في بطن أمه قبل أن يخرج، ثم قال: وقد جاء في «الصحيح»: «من أبوك يا غلام؟» وهذا يدل على أنه كان مولودًا. ملخص. ابن عباس (١)، ويحيى بن زكريا عن الضحاك. ورضيع التي تقاعست عن الأخدود، رواه صهيب. والحديث: «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة» (٢)، وذكر الأولين ظاهره الحصر، ولا شك أن الأوائل لا خلاف فيهم والباقون مختلف فيهم، أو أن الله أطلع نبيه ثانيًا زيادة على ما أطلعه الله عليه أولًا (٣). وقال ابن عباس وعكرمة: كان صاحب يوسف رجلًا ذا لحية (٤). وقال مجاهد: الشاهد هو القميص (٥). ------------- (١) «المفهم» ٦/ ٥١٢. (٢) سيأتي برقم (٣٤٣٦)، ورواه مسلم (٢٥٥٠). (٣) في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ: وتكلم أيضًا في المهد مبارك اليمامة كلمه رسول الله ذكره في «الدلائل» [«دلائل النبوة» البيهقي ٦/ ٥٩]. (٤) رواه الطبري ٧/ ١٩٢ - ١٩٣ (١٩١٢١، ١٩١٢٩، ١٩١٣١ - ١٩١٣٢). وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٧/ ٢١٢٨ (١١٥٠٤). (٥) روى ذلك الطبري في «تفسيره» ٧/ ١٩٣ (١٩١٣٩ - ١٩١٤١). ٨ - باب مَسْحِ الحَصَى فِي الصَّلَاةِ ١٢٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَيْقِيبٌ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» [مسلم: ٥٤٦ - فتح: ٣/ ٧٩] ذكر فيه حديث مُعَيْقِيب أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ: «إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً». هذا الحديث أخرجه مسلم، والأربعة أيضًا (١)، وليس لمعيقيب في الصحيحين غيره، وقيل: إنه ابن أبي فاطمة الدوسي، لم يكن في الصحابة أجزم غيره، حكاه ابن التين. وكان عمر جعله على بيت المال، وكان يأكل معه ويقول له: كل مما يليك. وقوله: («إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا») يدل على أن ترك الواحدة أفضل يعني: وهو في الصلاة؛ لأنه إذا كثر صار عملًا، وترك الواحدة أفضل إن لم يؤذه ما بالمكان. وفي «الموطأ» عن أبي ذر: مسح الحصى مسحة واحدة، وتركها خير من حمر النعم (٢). أي: يتصدق بها، قاله سحنون، والأوزاعي، وغيرهما. أو يستديم ملكها ويقتنيها، كما ذكره أبو عبد الملك. ولا شك في العفو عن العمل القليل، وإليه الإشارة بقوله: «فواحدة». وروي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى لموضع ------------ (١) «صحيح مسلم» برقم (٥٤٦) كتاب: المساجد، باب: كراهية مسح الحصى وتسوية التراب في الصلاة، وأبو داود (٩٤٦)، والترمذي (٣٨٠)، والنسائي ٣/ ٧، وابن ماجه (١٠٢٦). (٢) «الموطأ» ١/ ١٦٣ (٤٢١) كتاب: الصلاة، باب: مسح الحصباء في الصلاة. سجودهم مرة واحدة، وكرهوا ما زاد عليها، روي ذلك عن ابن مسعود، وأبي ذر، وأبي هريرة (١)، وهو قول الأوزاعي، والكوفيين (٢). وروي عن ابن عمر أنه كان إذا أهوى ليسجد مسح الحصى مسحًا خفيفًا (٣)، وكان مالك لا يرى بالشيء الخفيف منه بأسًا (٤). وقال ابن جريج: قلتُ (لعطاء) (٥): أكانوا يشددون في مسح الحصى لموضع الجبين ما لا يشددون في مسح الوجه من التراب؟ قَالَ: أجل، وإنما أبيح مسح الحصى مرة وهو يسير؛ لأن المصلي لا يعمل بجوارحه في غير الصلاة، ومسح الحصى ليس من الصلاة، فلا ينبغي له ذلك، ولا أن يأخذ شيئًا ولا أن يضعه، فإن فعل لم تبطل ولا سهو عليه. ---------- (١) رواها عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ١٧٩ (٧٨٢٨ - ٧٨٢٩، ٧٨٣٢) كتاب: الصلوات، باب: من رخص في ذلك. وابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩. (٢) «المبسوط» ١/ ٢٦، «الأوسط» ٣/ ٢٥٩. (٣) رواه عنه ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٥٨، والبيهقي ٢/ ٢٨٥ كتاب: الصلاة، باب: كراهية مسح .. (٤) وقد كرهه في رواية أخرى. انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٣٧. (٥) من (ج). ٩ - باب بَسْطِ الثَّوْبِ فِي الصَّلَاةِ لِلسُّجُودِ ١٢٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا غَالِبٌ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي شِدَّةِ الحَرِّ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٨٥ - مسلم: ٦٢٠ - فتح ٣/ ٨٠] ذكر فيه حديث أنس: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي شِدَةِ الحَرِّ .. الحديث. هذا الحديث سلف في باب السجود على الثوب في شدة الحر (١)، وكانوا لا يصلون على الثياب إلا عند الضرورة، وذلك أن السجود في الصلاة موضع خشوع وتواضع، فإذا ألصق وجهه بالأرض كان آكد ما يفعله من التواضع وحكم ما أنبتته الأرض -وكان باقيًا على صفته الأصلية مثل: الخمرة والحصير وشبهها- حكم الأرض لا كراهة في ذلك، وأما ما أنبتته الأرض وانتقل عن صفته الأصلية كثياب القطن والكتان مشهور مذهب مالك كراهة ذلك إلا في حر أو برد. وأجاز ابن مسلمة أن يسجد على ثياب القطن والكتان. وجه الأول حديث الباب، ووجه الثاني مراعاة الأصل، وذلك أن نباته من الأرض، ومنها خرج، فلا يراعى ما طرأ عليه بعد. وأما الطنافس وثياب الصوف وشبه ذلك مما لم تنبته الأرض فيكره السجود عليه عندهم قطعًا، إلا أن يكون من حر أو برد. وهذا الباب أيضًا من العمل اليسير في الصلاة، وهو مستجاز؛ لأنه من أمور الصلاة، وقد أمر الشارع بالإبراد من الحر؛ ولئلا يتعذب الناس ---------- (١) برقم (٣٨٥) كتاب: الصلاة. بفيح جهنم، ولا يتمكن من السجود، ولا المبالغة فيه في زمن الحر، إلا أن يتقيه بثوبه لشدة حر الحجارة. وقد ترجم لحديث أنس في البابين أيضًا. ١٠ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ العَمَلِ فِي الصَّلَاةِ ١٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ يُصَلِّي، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَرَفَعْتُهَا، فَإِذَا قَامَ مَدَدْتُهَا. [انظر: ٣٨٢ - مسلم: ٥١٢، ٧٤٤ - فتح: ٣/ ٨٠] ١٢١٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَي سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا فَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ سُلَيْمَانَ - عليه السلام -: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. فَرَدَّهُ اللهُ خَاسِيًا». ثُمَّ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: «فَذَعَتُّهُ» بِالذَّالِ أَيْ: خَنَقْتُهُ، وَ«فَدَعَّتُّهُ» مِنْ قَوْلِ اللهِ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور:١٣] أَيْ: يُدْفَعُونَ وَالصَّوَابُ: فَدَعَتُّهُ، إِلاَّ أَنَّهُ كَذَا قَالَ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وَالتَّاءِ. [انظر: ٤٦١ - مسلم: ٥٤١ - فتح: ٣/ ٨٠] ذكرفيه حديث عائشة قَالَتْ: كُنْتُ أَمُدُّ رِجْلِي فِي قِبْلَةِ رسول الله - ﷺ - وَهُو يُصَلِّي .. الحديث. وقد سلف في باب الصلاة عليَّ الفراش (١). وحديث أبي هريرة: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فقال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَيَّ لِيَقْطَعَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَذَعَتُّهُ ..» الحديث. وقد سلف في باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد (٢). وقوله هنا: «فذعتُه» أي خنقته، وهو بالدال. والذال: الدفع العنيف. ---------- (١) برقم (٣٨٢) كتاب: الصلا ة. (٢) برقم (٤٦١) كتاب: الصلاة. قيل: هما سواء، وقيل: هو بالمعجمة لا غير. قَالَ صاحب «المطالع»: وعند ابن الحذاء في حديث ابن أبي شيبة بذال وغين معجمتين. وفي بعض نسخ البخاري هنا إثر الحديث عن النضر بن شميل: فذعته بالذال خنقته، وفدعته من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣] أي يدفعون، والصواب: فذعته. أي بالمعجمة إلا أنه كذا قَالَ بتشديد العين والتاء وفي حاشيته: فدععته، بتكرار العين. وقال ابن التين عن الخطابي: الذعت: شدة الخنق، بالذال المعجمة (١). وذكر عن الخليل أنه الضرب بالأرض والتلويث. وقال الداودي عن النضر: فذعته بالذال: خنقته. وفدعته من قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ [الطور: ١٣] أي: يدفعون. قَالَ: والصواب: فذعته، إلا أنه بتشديد العين والتاء. ثم قَالَ: فقوله: والصواب: فذعته. إنما يجوز ذلك إذا كانت الرواية بالغين، وأما بالعين من ﴿يُدَعُّونَ﴾ فلا يجوز إلا التشديد؛ لأنه إنما يقال في التخفيف: ودع يدع. مع أن الفعل الماضي منها قلما تستعمله العرب. قَالَ: ومنه قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣]. وقوله: (هو من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾) [الطور: ١٣] ليس بصحيح، ولو كان كذلك لكان: دعوته. قَالَ ابن التين: وقول الداودي أيضًا غير صحيح؛ لأن فاء الفعل الذي ذكره واو فكان يقول: فودَّعته. بتشديد الدال وتخفيفها، وفيه روايات كثيرة. فدعته وفدعّتّه بتشديد العين والتاء، ولا يصح إلاعلى --------------- (١) «أعلام الحديث» ١/ ٦٥١. التكثير من دعت. والصحيح منها ما ذكرناه فيما تقدم أنها ذال معجمة، وعين غير معجمة مخففة، والتاء مشددة. وقوله: («فَذَكَرْتُ قَوْلَ أخي سُلَيْمَانَ») قَالَ الداودي: لما احتمل قول سليمان ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ [ص: ٣٥] لشيء منه أو جميعه كفَّ رسول الله - ﷺ - عن الفعل. وقوله: («فَرَدَّهُ اللهُ خاسئا») أي: مبعدًا. وقد أسلفنا غير مرة اغتفار العمل اليسير في الصلاة دون الكثير، والإجماع قائم على أنه غير جائز، والمرجع فيه إلى العرف، وغمزهُ - ﷺ - رِجْلَ الصِّدِّيقَةِ في الصلاة هو من العمل اليسير، ولا يلحق مكرره بالكثير؛ لأجل تفرقه. وروى عبد الرزاق مفسرًا صورة الشيطان فقال: «عرض لي في صورة هر». فهذا معنى قوله: «فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ» أي: صوره لي في صورة هرًّ شخصًا يمكنه أخذه، فأراد ربطه، فهو من العمل اليسير في الصلاة، وربطه بسارية قد يحتاج إلى عمل كثير، لكن قد هم به الشارع، ولا يهم إلا بجائز، ومما استخف العلماء من العمل في الصلاة أخذ البرغوث والقملة، ودفع المار بين يدي المصلي، والإشارة، والالتفات الخفيف، والمشي الخفيف، وقتل الحية والعقرب، وقد أمر بهما الشارع، وهذا كله إذا لم يقصد المصلي بذلك العبث في صلاته ولا التهاون بها. وممن أجاز أخذ القملة في الصلاة وقتلها الكوفيون والأوزاعي. وقال أبو يوسف: قد أساء، وصلاته تامة. وكره الليث قتلها في المسجد، ولو قتلها لم يكن عليه شيء. وقال مالك: لا يقتلها في المسجد، ولا يطرحها فيه، ولا يدفنها في الصلاة. وقال الطحاوي: لو حك بدنه لم يكره، كذلك أخذ القملة وطرحها (١). ورخص في قتل العقرب في الصلاة ابن عمر والحسن (٢) والأوزاعي، واختلف قول مالك فيه: فمرة كرهه ومرة أجازه، وقال: لا بأس بقتلها إذا آذته. وخففه، وكذلك الحية والطير يرميه بحجر يتناوله من الأرض، فإن لم يطل ذلك لم تبطل صلاته (٣). وأجاز قتل الحية والعقرب في الصلاة الكوفيون والشافعى وأحمد إسحاق (٤)، وكره قتل العقرب في الصلاة إبراهيم النخعي (٥). وسئل مالك عمن يمسك عنان فرسه في الصلاة ولا يتمكن من وضع يديه بالأرض. قَالَ: أرجو أن يكون خفيفًا ولا يتعمد ذلك. وروى علي بن زياد عن مالك في المصلي يخاف على صبي بقرب نارٍ فذهب ينحيه. قَالَ: إن انحرف عن القبلة ابتدأ، وإن لم ينحرف بني. وسئل أحمد عن رجل أمامه سترة فسقطت فأخذها فأركزها. قَالَ: أرجو أن لا يكون به بأس. فذكر له عن ابن المبارك أنه أمر رجلًا صنع ذلك بالإعادة قَالَ: لا آمره بالإعادة، وأرجو أن يكون خفيفًا. وأجاز مالك والشافعي حمل الصبي في الصلاة المكتوبة، وهو قول أبي ثور (٦). ------------ (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣١٦ - ٣١٧، «المدونة» ١/ ١٠٠. (٢) رواه عنهما ابن أبي شيبة ١/ ٤٣٢ (٤٩٧١، ٤٩٧٤) كتاب: الصلوات، باب: في قتل العقرب في الصلاة، وانظر: «الأوسط» ٣/ ٢٧٠ - ٢٧١. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٣٧. (٤) انظر: «الأصل» ١/ ١٩٩، «المجموع» ٤/ ٣٧، «المغني» ٢/ ٣٩٩. (٥) انظر: «الأوسط» ٣/ ٢٧١، «شرح السنة» ٣/ ٢٦٨. (٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٢٣٦، «الأوسط» ٣/ ٢٧٧. ١١ - باب إِذَا انْفَلَتَتِ الدَّابَّةُ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنْ أُخِذَ ثَوْبُهُ يَتْبَعُ السَّارِقَ وَيَدَعُ الصَّلَاةَ. ١٢١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَزْرَقُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا -قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ- فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ، وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِتَّ غَزَوَاتٍ أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ وَثَمَانَ، وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقَّ عَلَيَّ. [٦١٢٧ - فتح: ٣/ ٨١] ١٢١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِسُورَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ رَكَعَ حَتَّى قَضَاهَا وَسَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا حَتَّى يُفْرَجَ عَنْكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلَّ شَىْءٍ وُعِدْتُهُ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ». [انظر: ١٠٤٤ - مسلم: ٩٠١ - فتح: ٣/ ٨١] وذكر فيه عن الأزرق (١) بن قيس قَالَ: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُل يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا. قَالَ شُعْبَةُ: هُو أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ .. الحديث. ------------ (١) كتب فوقها في الأصل: مسندًا. وعن عروة (١) قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ رسول الله - ﷺ - فَقَرَأَ سُورَةً طَوِيلَةً .. الحديث. وفيه: «حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أتقَدَّمُ». الشرح: قصة الأزرق ستأتي في الأدب (٢)، وهو من أفراده، وفي بعض روايات الإسماعيلي: كنا نقاتل الأزارقة بالأهواز مع المهلب بن أبي صفرة (٣)، وفيه: فمضت الدابة وانطلق أبو برزة حَتَّى أخذها ثم رجع القهقرى، فقال رجل كان يرى رأي الخوارج. وفيه: فقلت للرجل: ما أرى الله إلا مخزيك، تسب رجلًا من الصحابة! وفيه: قَالَ: قلتُ: كم صلى؟ قَالَ: ركعتين. وهو عند البرقاني. وفي رواية حماد بن زيد عنده: فجاء أبو برزة الأسلمي فدخل في صلاة العصر. وحديث عائشة سلف في الخسوف (٤). و(الأهواز) قَالَ صاحب «العين»: هي سبع كور بين البصرة وفارس، لكل كورة منها اسم، وتجمعها الأهواز، ولا تفرد واحدة منها بهوز (٥). كذا قاله صاحب «المحكم» (٦). وقال غيره: بلاد واسعة متصلة بالجبل وأصبهان. وقال البكري: بلد يجمع سبع كور: كورة الأهواز، وجُنْدَيْ سابور، والسوس، وسُرَّق، ونهر بين، ونهر تبرا (٧). وقال ابن السمعاني: يقال لها الآن: سوق الأهواز. ------------ (١) كتب فوقها في الأصل: مسندٌ. (٢) برقم (٦١٢٧) باب: قول النبي - ﷺ -: «يسروا ولا تعسروا». (٣) رمز فوقها بالأصل: (د. ت. س). (٤) برقم (١٠٤٤) كتاب: الكسوف، باب: الصدقة في الكسوف. (٥) «العين» ٤/ ٧٣. (٦) «المحكم» ٤/ ٢٩٤. (٧) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٠٦ وانظر: «معجم البلدان» ١/ ٢٨٤ - ٢٨٦. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#254 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 301 الى صـــ 320 الحلقة (254) وفي «الكامل» (١) لأبي العباس المبرد أن الخوارج تجمعت بالأهواز مع نافع بن الأزرق سنة أربع وستين، فلما قتل نافع وابن عبيس رئيس المسلمين من جهة ابن الزبير ثم خرج إليهم حارثة بن بدر، ثم أرسل إليهم ابن الزبير عثمان بن عبيد الله، ثم تولى القباع فبعث إليهم المهلب، وكل من هؤلاء الأمراء يمكنون معهم في القتال جبنًا، فلعل ذلك انتهى إلى سنة خمس. لكن أبو برزة مات سنة ستين، وأكثر ما قيل: سنة أربع (٢). والحرورية -بفتح الحاء المهملة وضم الراء- نسبة إلى حروراء موضع (٣). وذكر أبو برزة العلة في فعله وهي الكلفة التي تلحقه في طلبها. ولا خلاف بين الفقهاء في أن من انفلتت دابته وهو في الصلاة فإنه يقطع الصلاة ويتبعها. واختلف قول مالك في الشاة إذا أكلت العجين أو قطعت الثوب وهو يصلي، فقال مرة: لا يقطع الفرض. وقال ابن القاسم وغيره: يقطعه. وكذا قَالَ ابن القاسم في المسافر تنفلت دابته ويخاف عليها، أو على صبي، أو أعمى يخاف أن يقع في بئر أو نار، أو ذكر متاعًا يخاف أن يتلف، فذلك عذر يبيح له أن يستخلف، ولا يفسد على من خلفه شيئًا. وقال مالك في «المختصر»: من خشي على دابته الهلاك أوعلى صبي رآه في الموت، فليقطع صلاته. ------------- (١) «الكامل في اللغة والأدب» ٢/ ٢٢٥ وما بعدها. (٢) وقع بهامش الأصل تعليقه نصه: تناقض قول الذهبي في وفاة أبي برزة فقال في «الكاشف» بقي إلى سنة ٦٤ وقال في «التجريد»: توفي سنة ٦٠. (٣) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٢٤٥. قَالَ ابن التين: والصواب أنه إذا كان شيء له قدر يخشى فواته يقطع، وإن كان يسيرًا فتماديه على صلاته أولى من صيانة قدر يسير من ماله. هذا حكم الفذ والمأموم، فأما الإمام ففي كتاب ابن سحنون: إذا صلى ركعة ثم انفلتت دابته وخاف عليها أو خاف على صبي أو أعمى أن يقعا في بئر، أو ذكر متاعًا يخاف تلفه، فذلك عذر يبيح له أن يستخلف، ولا يفسد على من خلفه شيئًا. وعلى قول أشهب إن لم يبعد واحد عنهم بنى قياسًا على قوله: إذا خرج لغسل دم رآه في ثوبه أحب إليَّ أن يستأنف. وإن بنى أجزأه. وقول أبي برزة للذي أنكر عليه قطع الصلاة واتباع دابته: (شهدت تيسير النبي - ﷺ -). يعني: تيسيره على أمته في الصلاة وغيرها، ولا يبعد أن يفعل هذا أبو برزة من رأيه دون أن يشاهده من الشارع. وصحف الداودي (تيسيره) بـ (تُستر) فقال: فتح تُستر كان في زمن عمر. وهو تصحيف عجيب، فالحديث يدل على خلافه. وقوله: (وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِتَّ غَزَوَاتٍ أو سبعًا أو ثمانيًا). هو شك من المحدث أو من أبي برزة. وفيه أنه إذا هضم (من) (١) امرئ ذكر فعله وفضائله. وقوله: (وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاْجعَ مَعَ دَابَّتِي، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجعُ إِلَي مَأُلَفِهَا فَيَشُقَّ عَلَيَّ.). أخبر أن قطعه للصلاة واتباعه لدابته أفضل من تركها، وإن رجعت إلى مكان علفها وموضعها في داره، وهو المراد بمألفها. أي: الموضع الذي ألفته واعتادته، فكيف إن خشي عليها أنها لا ترجع إلى داره فهذا أشد لقطعه للصلاة واتباعه لها، ففي هذا حجة ----------- (١) كذا بالأصل، ولعلها: حق. للفقهاء في أن كل ما خشي تلفه من متاع أو مال أو غير ذلك من جميع ما بالناس إليه حاجة أنه يجوز قطع الصلاة وطلبه، وذلك في معنى قطع الصلاة لهرب الدابة. وأما قولهﷺ - في حديث عائشة: «لَقَدْ رَأَيْتُ أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الجَنَّةِ حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أَتَقَدَّمُ» فهذا المشي عمل في الصلاة. وكذلك قوله بعده: «حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ» عمل أيضًا إلا أنه ليس فيه قطع للصلاة ولا استدبار للقبلة، ولا مشي كثير مثل من يمشي (ممن) (١) انفلتت دابته وبعدت عنه، فدل أن المشي إلى دابته خطى يسيرة نحو تقدمه - ﷺ - إلى القطف، وكانت دابته قريبًا منه في قبلته أنه لا يقطع صلاته. وقد سئل الحسن البصري عن رجل صلى فأشفق أن تذهب دابته. قَالَ: ينصرف. قيل له: أيتم على ما مضى؟ قَالَ: إذا ولى ظهره القبلة استأنف الصلاة (٢). وسئل قتادة عن رجل دخلت الشاة بيته وهو يصلي فطأطأ رأسه ليأخذ القصبة يضربها. قَالَ: لا بأس بذلك (٣). ------------ (١) بالأصل: من. (٢) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ٢٦١ (٣٢٨٨) كتاب: الصلاة، باب: الرجل يكون في الصلاة فيخشى أن يذهب دابته .. (٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الحادي بعد المائة. كتبه مؤلفه غفر الله له. ١٢ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ البُصَاقِ وَالنَّفْخِ فِي الصَّلَاةِ وَيُذْكَرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: نَفَخَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سُجُودِهِ فِي كُسُوفٍ. ١٢١٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ المَسْجِدِ وَقَالَ: «إِنَّ اللهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ، فَإِذَا كَانَ فِي صَلَاتِهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ» أَوْ قَالَ «لَا يَتَنَخَّمَنَّ». ثُمَّ نَزَلَ فَحَتَّهَا بِيَدِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: إِذَا بَزَقَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْزُقْ عَلَى يَسَارِهِ. [انظر: ٤٠٦ - مسلم: ٥٤٧ - فتح: ٣/ ٨٤] ١٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى». [انظر: ٢٤١ - مسلم: ٤١٣، ٥٥١ - فتح: ٣/ ٥٤] ثم أسند فيه حديث ابن عمر أنه - عليه السلام - رَأى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ .. الحديث. وحديث أنس: «إِذَا كَانَ أحدكم فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ..» الحديث. أما حديث عبد الله بن عمرو المعلق فأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي في «شمائله» (١). وإنما قَالَ: ويذكر. لأنه من رواية عطاء بن السائب، ولم يخرج له إلا حديثًا واحدًا مقرونًا، واختلط بآخره ------- (١) «سنن أبي داود» برقم (١١٩٤) كتاب: الصلاة، باب: من قال: يركع ركعتين، و«سنن النسائي» ٣/ ١٣٧ - ١٣٨ كتاب: الكسوف، باب: كيف صلاة الكسوف و«شمائل الترمذي» ص ١٤٥ (٣٢٥) باب: ما جاء في بكاء رسول الله - ﷺ -. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (١٠٧٩). فيحتج بمن سمع منه قبله. وحديث ابن عمر وأنس سلفا في المساجد (١). وشيخ البخاري في حديث أنس: محمد، وهو بندار. واعترض أبو عبد الملك بأن البخاري ذكر النفخ ولم يذكر له حديثًا، وهو عجيب، فقد ذكره معلقًا. إذا عرفت ذلك، فاختلف العلماء في النفخ في الصلاة متعمدًا، فكرهه طائفة ولم توجب على من نفخ إعادة، روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس والنخعي (٢)، ورواية عن مالك، وهو قول أبي يوسف وأشهب وأحمد وإسحاق (٣)، وقالت طائفة: هو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة. وروي عن سعيد بن جبير (٤)، وهو قول مالك في «المدونة» (٥): وكذا من تنحنح، وعندنا البطلان إن بان حرفان (٦). احتج للأول بأنه - ﷺ - يحتمل أنه سها أو تنفس صعداء، وبدر ذلك منه من الخوف من الكسوف، وأنها أيضًا ليست حروف هجاء، واحتج مالك للثاني بقوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] --------------- (١) برقم (٤٠٥ - ٤٠٦) كتاب: الصلاة، باب: حك البزاق باليد من المسجد. (٢) روى ذلك ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٣٠١، «الذخيرة» ٢/ ١٤٠، «المغني» ٢/ ٤٥٢. وروي عن أحمد رواية ثانية: بأن النفخ بمنزلة الكلام وقال أيضًا: قد فسدت صلاته. انظر: «المغني» ٢/ ٤٥١. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٦٧ (٦٥٣٧) كتاب: الصلوات، باب: في النفخ في الصلاة. وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٤٦. (٥) «المدونة» ١/ ١٠١. (٦) انظر: «المجموع» ٤/ ١١، ٢١. وفي المسألة قول ثالث: أنه إن كان يسمع كالكلام فيقطع الصلاة، وهو قول أبي حنيفة والثوري ومحمد، ورجح ابن بطال الأول فقَالَ: إنه أولى لما ذكره البخاري (١). وذكر ابن أبي شيبة عن أبي صالح أن قريبًا لأم سلمة صلى فنفخ، فقالت أم سلمة: لا تفعل، فإن رسول الله - ﷺ - قَالَ لغلام لنا أسود: «يا رباح، ترب وجهك» (٢) وقال ابن بريدة: كان يقال: من الجفاء أن ينفخ الرجل في صلاته (٣). فدل هذا أن من كرهه إنما جعله من الجفاء وسوء الأدب، لا أنه بمنزلة الكلام عنده، ألا ترى أن أم سلمة لم تأمر قريبها حين نفخ في الصلاة بإعادتها؟ ولو كان بمنزلة الكلام عندها ما تركت بيان ذلك، ولا فعله الشارع، ويدل على صحة هذا اتفاقهم على جواز التنخم والبصاق في الصلاة، وليس في النفخ من النطق بالفاء والهمزة أكثر مما في البصاق من النطق بالفاء والتاء اللتين يفهمان من رمي البصاق، ولما اتفقوا على جواز البصاق في الصلاة جاز النفخ فيها، إذ لا فرق في أن كل واحد منهما بحروف. ولذلك ذكر البخاري حديث البصاق في هذا الباب؛ ليستدل به على جواز النفخ؛ لأنه لم يسند حديث عبد الله بن عمرو، واعتمد على الاستدلال من حديث النخامة والبصاق وهو استدلال حسن. وأما البصاق اليسير فإنه يحتمل في الصلاة، إذا كان على اليسار أو تحت القدم كما في الحديث، غير أنه ينبغي إرساله بغير نطق بحرف مثل ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٠٥. (٢) «المصنف» ٢/ ٦٨ (٦٥٤٨) كتاب: الصلوات، باب: النفخ في الصلاة. (٣) «المصنف» ٢/ ٦٧ - ٦٨ (٦٥٤٦). التاء والفاء اللتين يفهمان من رمي البصاق؛ لأن ذلك من النطق، وهو خلاف الخشوع فيها. وورد: «من نفخ في صلاته فقد تكلم» (١) (٢). وفي «المصنف» عن ابن جبير: ما أبالي نفخت في الصلاة أو تكلمت، النفخ في الصلاة كلام. وكان إبراهيم يكرهه، وكذا ابن أبي الهذيل، ومكحول وعطاء وأبو عبد الرحمن والشعبي وأم سلمة ويحيى بن أبي كثير. وعن ابن عباس: النفخ في الصلاة يقطع الصلاة (٣). وقوله: («إِنَّ اللهَ قِبَلَ أَحَدِكُمْ، فَإِذَا كَانَ فِي صَلَاِتهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ») خص النهي إذ ذاك لشرف الصلاة والاستقبال. والمراد بقول: («قبل أحدكم») ثوابه وإحسانه من قبل وجهه، فيجب تنزيه تلك الجهة عن البصاق أو ما أمره بتنزيهه وتعظيمه قبل وجهه، وأن في تعظيم تلك الجهة تعظيم الرب ﷻ. وقيل: معناه أن مقصوده بينه وبينها فَيُصَان، وهذا كله في البصاق الظاهر. -------------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قوله: وورد «من نفخ …» إلى آخره، هو حديث في النسائي أنه - عليه السلام - مَرّ برباح وهو يصلي، فنفخ في سجوده فقال «يا رباح لا تنفخ إن من نفخ فقد تكلم» وفي سنده عنبسة بن الأزهر قال أبو حاتم: لا بأس به وليس بحجة انتهى، وقد ذكره عبد الحق وضعفه بسبب عنبسة فاعلمه. (٢) رواه النسائي في «الكبرى» ١/ ١٩٦ (٥٤٨) كتاب: السهو، باب: النهي عن النفخ في الصلاة، وعبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ١٨٩ (٣٠١٧) كتاب: الصلاة، باب: النفخ في الصلاة. عن أم سلمة. (٣) «المصنف» ٢/ ٦٧ - ٦٨ (٦٥٣٧ - ٦٥٤٠، ٦٥٤٢، ٦٥٤٣ - ٦٥٤٥، ٦٥٤٧ - ٦٥٤٩). و(النخامة): النخاعة، قاله ابن فارس (١). قَالَ الداودي: وهي الشيء الخاثر ينزل من الرأس أو يخرج من الصدر فيخالط البصاق. و(حتها): أزالها؛ لأنه كريه المنظر. وقول سلمان إبراهيم النخعي أن البصاق نجس (٢). خلاف الإجماع ولا يكتفي بدفن الدم في المسجد، قَالَ مالك: من دمى فوه فيه فلينصرف حَتَّى يزول عنه. قَالَ: ولا بأس أن يبصق أمامه أو عن يساره أو عن يمينه، والأفضل عن اليسار (٣). قَالَ أبو عبد الملك: ولعل هذا الحديث لم يبلغ مالكا. ومعنى قوله: («تحت قدمه اليسرى») أي: مع دفنه. ------------ (١) «مجمل اللغة» ٢/ ٨٦١. (٢) روى هذين الأثرين ابن حزم في «المحلى» ١/ ١٣٩. (٣) انظر: «المدونة» ١/ ٩٩. ١٣ - باب مَنْ صَفَّقَ جَاهِلًا مِنَ الرِّجَالِ فِي صَلَاتِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ فِيهِ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. هذا الحديث سلف الكلام عليه مع الترجمة. ١٤ - باب إِذَا قِيلَ لِلْمُصَلِّي تَقَدَّمْ أَوِ انْتَظِرْ فَانْتَظَرَ فَلَا بَأْسَ ١٢١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ، فَقِيلَ لِلنِّسَاءِ: «لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا». [انظر: ٣٦٢ - مسلم: ٤٤١ - فتح: ٣/ ٨٦] ذكر فيه حديث سهل بن سعد قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُمْ عَاقِدُو أُزْرِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ عَلَى رِقَابِهِمْ .. الحديث. وقد سلف في باب: إذا كان الثوب ضيقًا (١)، وقطعة منه معلقًا في باب: عقد الإزار على القفا في الصلاة (٢). وقوله: (من الصغر) أي: من صغر الثياب، وهذا في أول الإسلام حين القلة، ثم جاء الفتوح. والتقدم في هذا الحديث هو تقدم الرجال بالسجود النساء؛ لأن النساء إذا لم يرفعن رءوسهن حَتَّى يستوي الرجال جلوسًا فقد تقدموهن بذلك، وصرن منتظرات لهم. وفيه: جواز وقوع فعل المأموم بعد الإمام بمدة، ويصح إتمامه كمن زحم ولم يقدر على الركوع والسجود حَتَّى قام الناس. وفيه: جواز سبق المأمومين بعضهم لبعض في الأفعال، ولا يضر ذلك. وفيه: إنصات المصلي لمخبر يخبره. ------------ (١) برقم (٣٦٢) كتاب: الصلاة. (٢) قبل الرواية (٣٥٢) كتاب: الصلاة. وفيه: جواز الفتح على المصلي وإن كان الذي يفتح عليه في غير صلاة؛ لأنه قد يجوز أن يكون القائل للنساء: «لا ترفعن رءوسكن حَتَّى يستوي الرجال جلوسًا». ومثله حديث: كان النساء يسرعن الانصراف إذا قضوا (١) الصلاة؛ لئلا يلحقهم (٢) الرجال، والعكس كذلك (٣). وفيه: التنبيه على جواز إصغاء المصلي في الصلاة إلى الخطاب الخفيف، وتفهمه، والتربص في إتيانها لحق غيره، ولغير مقصود الصلاة، فيؤخذ من هذا صحة انتظار الإمام في الركوع للداخل؛ ليدرك الإحرام والركعة إذا كان ذلك خفيفا، ويضعف القول بإبطال الصلاة بذلك، وهو قول سُحنون بناءً على أن الإطالة -والحالة هذِه- أجنبية عن مقصود الصلاة (٤). ------------- (١) ورد بالأصل فوق هذِه الكلمة: كذا. (٢) ورد بالأصل فوق هذِه الكلمة: كذا. (٣) سبق برقم (٨٧٠، ٨٢٧) وكتاب: الأذان، باب: سرعة انصراف النساء من الصبح. (٤) قال سحنون بانتظار الإمام إذا أحسَّ أحدًا دخل المسجد وإن طال ذلك. انظر «الذخيرة» ٢/ ٢٧٤، «التاج والإكليل» ١/ ٤٠٥، «مواهب الجليل» ١/ ٤٠٤. ١٥ - باب لَا يَرُدُّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ ١٢١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا». [انظر: ١١٩٩ - مسلم: ٥٣٨ - فتح: ٣/ ٨٦] ١٢١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ شِنْظِيرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ لَهُ فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَىَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِى مَا اللهُ أَعْلَمُ بِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَجَدَ عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنَ المَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ فَقَالَ: «إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي». وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَي غَيْرِ القِبْلَةِ. [انظر ٤٠٠ - مسلم: ٥٤٠ - فتح: ٣/ ٨٦] ذكر فيه حديث علقمة، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَهُو فِي الصَّلَاةِ فَيَرُدُّ عَلَيَّ .. الحديث. وحديث عطاء عن جابر: قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَاجَةٍ لَهُ فَانْطَلَقْتُ .. الحديث. وقد سلف الأول في باب: ما ينهى من الكلام (١)، والثاني ذكرته فيه، وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وأخرجه أيضًا من حديث أبي الزبير عن جابر (٣)، وحكى ابن بطال هنا الإجماع أنه لا يرد السلام نطقًا (٤)، وقد أسلفناه في موضعه. ------------- (١) برقم (١١٩٩) كتاب: العمل في الصلاة. (٢) «صحيح مسلم» (٥٣٨) كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ .. (٣) «صحيح مسلم» (٥٤٠). (٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ١٨٨. قَالَ: واختلفوا: هل يرد بالإشارة؟ فكرهته طائفة، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وهو قول أبي حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق وأبي ثور (١). واحتجٍ الطحاوي لأصحابه بقوله: فلم يرد عليه. وقال: «إن في الصلاة شغلًا» (٢). واختلف فيه قول مالك، فمرة كرهه ومرة أجازه، وقال: ليرد مشيرًا بيده ورأسه. ورخصت فيه طائفة، روي عن سعيد بن المسيب وقتادة والحسن (٣). وفيه قول ثالث أنه يرد إذا فرغ، وقد سلف هناك. واحتج الذين رخصوا في ذلك بما رواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين قَالَ: لما قدم عبد الله من الحبشة وأتى النبي - ﷺ - وهو يصلي، فسلم عليه فأومأ وأشار برأسه (٤). وعن ابن عمر قَالَ: سألت صهيبًا: كيف كان النبي - ﷺ - يصنع حين يسلم عليه وهو يصلي؟ قَالَ: يشير بيده (٥). ----------------- (١) هذِه العبارة فيها اضطراب. فممن قال: يستحب رد السلام بالإشارة ابن عمر وابن عباس والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال أبو حنيفة لا يرد لا لفظًا ولا إشارة. بل هو ما ذكره المصنف في أول فوائد حديث رقم (١١٩٩) من نهاية شرح الحديث. انظر: «المجموع» ٤/ ٣٧، «الشرح الكبير» ٤/ ٤٧. (٢) «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦. (٣) ذكرها ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٥١. (٤) «المصنف» ١/ ٤١٩ (٤٨١٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يرد ويشير بيده أو برأسه. (٥) روى هذا الحديث أبو داود (٩٢٥) كتاب: الصلاة، باب: رد السلام في الصلاة، = وعن ابن عمر أن النبي - ﷺ - أتى قباء فجاء الأنصار يسلمون عليه وهو يصلي، فأشار إليهم بيده (١). وقال عطاء: سلم رجل عليّ ابن عباس وهو يصلي وأخذ بيده فصافحه وغمزه (٢). وقد ثبتت الإشارة عن النبي - ﷺ - في الصلاة في آثار كثيرة ذكرها البخاري في آخر كتاب الصلاة كما ستعلمه قريبًا (٣)، فلا معنى لقول من أنكر الرد بالإشارة، وكذلك اختلفوا في السلام على المصلي كما أسلفناه هناك، فكره ذلك قوم. وروي عن جابر بن عبد الله قَالَ: لو دخلت على قوم وهم يصلون ما سلمت عليهم (٤). قَالَ أبو مجلز: ---------------- = والترمذي (٣٦٧) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الإشارة في الصلاة، وابن أبي شيبة ١/ ٤١٨ - ٤١٩ (٤٨١١) كتاب: الصلوات، باب: من كان يرد ويشير بيده أو برأسه، وأحمد ٤/ ٣٣٢، وابن الجارود في «المنتقى» ١/ ١٩٦ (٢١٦)، وابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٥٤، والبيهقي ٢/ ٢٥٩ كتاب: الصلاة، باب: الإشارة في الصلاة. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٥٨). (١) رواه أبو داود (٩٢٧) في الصلاة، باب: رد السلام في الصلاة. والترمذي (٣٦٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الإشارة في الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن الجارود في «المنتقى» ١/ ١٩٥ - ١٩٦ (٢١٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٥٣ - ٤٥٤، والبيهقي ٢/ ٢٥٩ في الصلاة، باب: الإشارة برد السلام. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٨٦٠): إسناده حسن صحيح. (٢) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤١٩ (٤٨٢٠) باب: من كان يرد ويشير بيده أو برأسه. (٣) ستأتي برقم (١٢٣٤) كتاب: السهو، باب: الإشارة في الصلاة. (٤) رواه عنه ابن أبي شيبة بلفظ: ما كنت لأسلم على رجل وهو يصلي، زاد أبو معاوية: ولو سلم عليَّ لرددت عليه. ١/ ٤١٩ (٤٨١٥) كتاب: الصلوات، باب: من كان يرد ويشير بيده أو برأسه. السلام على المصلي عَجزٌ (١)، وكرهه عطاء والشعبي (٢) ورواه ابن وهب عن مالك، وبه قَالَ إسحاق (٣). ورخصت فيه أخرى، روي ذلك عن ابن عمر (٤) وهو قول مالك في «المدونة»، قَالَ: لا يكره السلام عليه في فريضة ولا نافلة (٥)، وفعله أحمد (٦). -------------- (١) «المصنف» ١/ ٤١٨ (٤٨٠٥) كتاب: الصلوات، باب: الرجل يسلم عليه في الصلاة. (٢) رواه ابن أبي شيبة عن الشعبي ١/ ٤١٨ (٤٨٠٦). وذكره عنهما ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٥٠. (٣) ذكره عنهم ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٥٠. (٤) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٤١٩ (٤٨١٦) كتاب: الصلوات، باب: من كان يرد ويشير بيده أو برأسه. (٥) «المدونة» ١/ ٩٨. (٦) انظر: «الشرح الكبير» ٤/ ٤٨. ١٦ - باب رَفْعِ الأَيْدِي فِي الصَّلَاةِ لأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ ١٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ بِلَالٌ إِلَي أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَال: نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ. فَأَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ، وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيحِ -قَالَ سَهْلٌ: التَّصْفِيحُ هُوَ التَّصْفِيقُ-. قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَشَارَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدَهُ، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، وَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ، إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللهِ». ثُمَّ التَفَتَ إِلَي أَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه - فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ٦٨٤ - مسلم: ٤٢١ - فتح: ٣/ ٨٧] ذكر فيه حديث سهل بن سعد: بَلَغَ النبي - ﷺ - أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ .. الحديث، وفيه: فرفع أبو بكر يده وحمد الله. وقد سلف في باب: من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول (١)، وفي باب: ما يجوز من التسبيح والحمد في الصلاة للرجال قريبًا (٢). ----------- (١) برقم (٦٨٤) كتاب: الأذان. (٢) برقم (١٢٠١) كتاب: العمل في الصلاة. ورفع الأيدي فيه استسلام وخشوع لله -عز وجل- في غير الصلاة، فكيف الصلاة التي هي موضوعة للخشوع والضراعة إلى الله، والحجة في الحديث رفع الصديق يديه بحضرة الشارع ولم ينكر ذلك عليه. ١٧ - باب الخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ ١٢١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: نُهِيَ عَنِ الخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ هِشَامٌ وَأَبُو هِلَالٍ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [١٢٢٠ - مسلم ٥٤٥ - فتح: ٣/ ٨٨] ١٢٢٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: نُهِىَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا. [انظر: ١٢١٩ - مسلم: ٥٤٥ - فتح: ٣/ ٨٨] ذكر فيه حديث أيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نُهِيَ عَنِ الخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ هِشَامٌ وَأَبُو هِلَالٍ: عَنِ ابن سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -. وعن هِشَامٍ، ثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نُهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وقال أبو داود: يعني: يضع يده على خاصرته (٢). وأبو هلال اسمه محمد بن سليم الراسبي، روى له الأربعة، وكره ذلك؛ لأنه من فعل الجبارين المتكبرين أو اليهود أو الشيطان، وأن إبليس هبط من الجنة كذلك. قالت عائشة: هكذا أهل النار في النار (٣). وقيل: هو أن يصلي الرجل وبيده عصًا يتوكأ عليها مأخوذ من المخصرة، قاله الهروي (٤). وقيل: لا يتم ركوعها ولا سجودها، كأنه مختصرها. وقيل: أن يقرأ ---------------- (١) «صحيح مسلم» (٥٤٥) كتاب: العمل في الصلاة، باب: الحضر في الصلاة. (٢) «سنن أبي داود» عقب الرواية (٩٤٧) في الصلاة، باب: الرجل يصلي مختصرًا. (٣) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٩ (٤٥٩٢) كتاب: الصلوات، باب: الرجل يضع يده على خاصرته في الصلاة. (٤) انظر: «غريب الحديث» ١/ ١٨٥. فيها من آخر السورة آية أو آيتين، ولا يتم السورة في فرضه، قاله أبو هريرة. ومنه اختصار السجدة، وهو أن يقرأ بها فإذا انتهى إليها جاوزها. وقيل: يختصر الآيات التي فيها السجدة فيسجد فيها. وكرهه ابن عباس وعائشة والنخعي، وهو قول مالك والشافعي والأوزاعي والكوفيين، وقال ابن عباس في المختصر: إن الشيطان يخصر كذلك، ورأى ابن عمر رجلًا وضع يديه على خاصرتيه فقال: هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله - ﷺ - ينهى عنه، وقال مجاهد: وضع اليد على الحقو استراحة أهل النار في النار (١). وروي من حديث أبي هريرة: «الاختصار في الصلاة راحة أهل النار» (٢). وقال الخطابي: المعنى أنه فعل اليهود في صلاتهم (٣)، وهم أهل النار لا على أن لأهل النار المخلدين فيها راحة. قَالَ تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ [الزخرف: ٧٥] وقال أبو الحسن اللخمي: يمكن أن يكون راحتهم هذا النذر، ومعلوم أن الإنسان يفعل مثل ذلك عند الإعياء. ------------- (١) «المصنف» ١/ ٣٩٩ - ٤٠٠ (٤٥٩٠، ٤٥٩٣، ٤٥٩٥). (٢) روى هذا الحديث ابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٥٧ (٩٠٩) كتاب: الصلاة، باب: ذكر العلة التي لها زجر عن الاختصار في الصلاة، إذ هي راحة أهل النار ....، وابن حبان في «صحيحه» ٦/ ٦٣ (٢٢٨٦) كتاب: الصلاة، باب: ما يكره للمصلي وما لا يكره، والطبراني في «الأوسط» ٧/ ٨٥ (٦٩٢٥). وقال: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا عبد الله بن الأزور، تفرد به: عيسى بن يونس، والبيهقي ٢/ ٢٨٧ كتاب: الصلاة، باب: كراهية التخصر في الصلاة. وقال الذهبي في «المهذب» ٢/ ٧٢٦ (٣١٥٤): منكر. (٣) «معالم السنن» ١/ ٢٠١. ١٨ - باب يفكر الرَّجُلُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: إِنِّي لأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ. ١٢٢١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ -هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ- قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - العَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَى مَا فِي وُجُوهِ القَوْمِ مِنْ تَعَجُّبِهِمْ لِسُرْعَتِهِ فَقَالَ: «ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ تِبْرًا عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يُمْسِيَ أَوْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ». [انظر: ٨٥١ - فتح: ٣/ ٨٩] ١٢٢٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ، فَإِذَا سَكَتَ أَقْبَلَ، فَلَا يَزَالُ بِالمَرْءِ يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى». قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَاعِدٌ. وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه. [انظر: ٦٠٨ - مسلم: ٣٨٩ - فتح: ٣/ ٨٩] ١٢٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: يَقُولُ النَّاسُ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ. فَلَقِيتُ رَجُلًا فَقُلْتُ: بِمَ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - البَارِحَةَ فِي العَتَمَةِ؟ فَقَالَ لَا أَدْرِي. فَقُلْتُ: لَمْ تَشْهَدْهَا؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: لَكِنْ أَنَا أَدْرِي، قَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا. [فتح: ٣/ ٩٠] ثم ذكر فيه عن عقبة بن الحارث: قَالَ: صليتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - العَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ سَرِيعًا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ .. الحديث. وعن الأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا أُذِّنَ بالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ ..» الحديث. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِذَا فَعَلَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُو قَاعِدٌ. وَسَمِعَهُ أَبُو سَلَمَةَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#255 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 321 الى صـــ 340 الحلقة (255) وعن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يَقُولُ النَّاسُ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ .. الحديث. الشرح: أما أثر عمر فرواه ابن أبي شيبة، عن حفص، عن عاصم، عن أبي عثمان النهدي عنه: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة (١). وحديث عقبة تقدم في باب: من صلى بالناس فذكر حاجته (٢). وحديث أبي هريرة الأول تقدم في الأذان (٣)، ووجه إدخاله هنا: أذكر كذا إلى آخره. وقول أبي سلمة يأتي قريبًا في السهو (٤)، وحديثه الثاني من أفراده. وأثر عمر إنما كان فيما يقل فيه التفكر، يذكر في نفسه: أخرج فلانًا ومعه كذا من العدد، فيأتي على ما يريده في أقل شيء من الفكرة، وأما إن تابع التفكر وأكثر حَتَّى لا يدري كم صلى، فهذا لاهٍ في صلاته. قَالَ ابن التين: ويجب عليه الإعادة. وقول أبي هريرة: (يقول الناس: أكثر أبو هريرة). ثم ذكر ما قَالَ للرجل، وما قيل له فإنما يغبط الناس بحفظه، وبينها لئلا ينساها، وقد كان ابن شهاب يحدث خادمه بالحديث لئلا ينسى، وليس من أهله، وكان إذا خرج إلى البادية صنع طعامًا لهم وحدثهم لئلا ينسى. وفيه: أنه أكثر من العلم، وكان حافظًا له ضابطًا. والإكثار ليس عيبًا، وإنما يكون عيبًا فيه إذا خشي قلة الضبط، فقد يكون من الناس --------- (١) «المصنف» ٢/ ١٨٨ (٧٩٥١) كتاب: الصلوات. (٢) برقم (٨٥١) كتاب: الأذان. (٣) برقم (٦٣٩) باب: هل يخرج من المسجد لعلة؟. (٤) سيأتي برقم (١٢٣٢) باب: السهو في الفرض والتطوع. غير مكثر من العلم ولا ضابط له مثل هذا الرجل لم يحفظ ما قرأ به - ﷺ - في العتمة. وفيه: أنه قد يجوز أن ينفي فعل الشيء عمن لم يحكمه؛ لأن أبا هريرة قَالَ للرجل: لم تشهدها؟ يريد شهودًا تامًا، فقال الرجل: بل شهدتها. كما يقال للصانع إذا لم يحسن صنعته: ما صنعت شيئًا. يريدون الإتقان، وللمتكلم: ما قلتَ شيئًا. إذا لم يعلم ما يقول. وقول الرجل لأبي هريرة: لا أدري بما قرأ رسول الله - ﷺ -. يدل على أنه كان مفكرًا في صلاته، فلذلك لم يدر ما قرأ به رسول الله - ﷺ -. إذا تقرر ذلك: فالفكر في الصلاة أمر غالب لا يمكن الاحتراز من جميعه، لما جعل الله للشيطان من السبيل إلى تذكيرنا ما يُسهينا به عن صلاتنا، وخير ما اشتغل به في الصلاة مناجاة الجليل ﷻ، ثم بعده الفكر في إقامة حدود الله كالفكر في تفريق الصدقة كما فعله - ﷺ -، أو في تجهيز جيش الله تعالى على أعدائه المشركين كما فعل عمر (١). وروى هشام بن عروة، عن أبيه: قَالَ عمر: (إني) (٢) لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة (٣). ولذلك قَالَ - ﷺ -: «من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» (٤) للحض على الإقبال على الصلاة، وليجاهد الشيطان في ذلك بما رغبهم فيه وأعلمهم من غفران الذنوب لمن أجهد نفسه فيه. ------------- (١) «المصنف» ٢/ ١٨٨ (٧٩٥١). (٢) في الأصل أنه. (٣) السابق (٧٩٥٠). (٤) سلف برقم (١٥٩). وهذا الانصراف من رسول الله - ﷺ - لا يدخل في معنى التخطي؛ لأن على الناس كلهم الانصراف بعد الصلاة، فمن بقي في موضعه فهو مختار لذلك، وإنما التخطي في الدخول في المسجد لا في الخروج منه. وأما قوله - ﷺ -: «اذكر كذا، اذكر كذا» فإن أبا حنيفة أتاه رجل قد دفع مالًا ثم غاب عن مكانه سنين، فلما. انصرف نسي الموضع الذي جعله، فذكر ذلك لأبي حنيفة؛ تبركًا برأيه، ورغبة في فضل دعائه، فقال له أبو حنيفة: توضأ هذِه الليلة وصل، وأخلص النية في صلاتك لله، وفرغ قلبك من خواطر الدنيا، ومن كل عارض فيها. فلما جاء الليل فعل الرجل ما أمره به واجتهد أن لا يجري على باله شيئًا من أمور الدنيا، فجاءه الشيطان، فذكَّره بموضع المال فقصده من وقته، فوجده، فلما أصبح غدا إلى أبي حنيفة فأخبره بوجوده للمال، فقال أبو حنيفة: قدرت أن الشيطان سيرضى أن يشغله عن إخلاص فعله في صلاته لله تعالى ويصالحه على ذلك بتذكيره بما يقدمه من ماله ليلهيه عن صلاته استدلالًا بهذا الحديث. فعجب جلساؤه من جودة انتزاعه لهذا المعنى الغامض من هذا الحديث، وذكره ابن الجوزي في «الأذكياء» (١). ----------- (١) «الأذكياء» ص ٧٦. ٢٢ كتاب السهو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٢٢ - كتاب السهو ١ - باب فِي السَّهْوِ إِذَا قَامَ مِنْ رَكْعَتَيِ الفَرِض ١٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَنَظَرْنَا تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ سَلَّمَ. [انظر: ٨٢٩ - مسلم: ٥٧٠ - فتح: ٣/ ٩٢] ١٢٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ لَمْ يَجْلِسْ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ. [انظر: ٨٢٩ - مسلم: ٥٧٠ - فتح: ٣/ ٩٢] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ ابن بُحَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَكْعَتَيْنِ مِنْ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ .. الحديث. وعنه: قَامَ مِنِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ .. الحديث. وقد سلف في باب: من لم ير التشهد الأول واجبًا (١). ويأتي قريبًا (٢)، وهذِه الصلاة هي الظهر كما بينت في الطريق الثاني، وهذا الحديث هو أحد الأحاديث التي عليها مدار باب سجود السهو، وعليها تشعبت مذاهب العلماء. ثانيها: حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين (٣). ثالثها: حديثه: «إذا لم يدر أحدكم كم صلى» (٤). رابعها: حديث عمران بن حصين (٥). خامسها: حديث ابن مسعود (٦). سادسها: حديث عبد الرحمن بن عوف (٧). وقوله: (ثم قام فلم يجلس). هو موضع استدلال البخاري في الترجمة. وفيه سجود السهو قبل السلام، وقد اختلف العلماء فيه على ثلاث فرق: فرقة قالت: إنه قبل السلام مطلقًا، زيادة كان أو نقصانًا، وتعلقت بظاهر هذا الحديث، وهو أظهر أقوال الشافعي (٨)، ورواية عن أحمد، ------------- (١) برقم (٨٢٩) كتاب: الأذان. (٢) برقم (١٢٣٠) كتاب: السهو، باب: من يكبر في سجدتي السهو. (٣) سلف برقم (٤٨٢) كتاب: الصلاة، باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره. (٤) سيأتي برقم (١٢٣١) كتاب: السهو، باب: إذا لم يدر كم صلى ثلاثًا أو أربعًا سجد سجدتين وهو جالس. (٥) رواه مسلم برقم (٥٧٤) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود. (٦) سلف برقم (٤٠٤) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة، ومن لم ير الإعادة .. (٧) سيأتي تخريجه. (٨) انظر: «المجموع» ٤/ ٤١. حكاها أبو الخطاب (١)، وهو مروي عن أبي هريرة ومكحول والزهري وربيعة والليث ويحيى بن سعيد الأنصاري والأوزاعي (٢). واحتجوا أيضًا بحديث ابن عباس عن عبد الرحمن بن عوف في ذلك، أخرجه الترمذي وابن ماجه، قَالَ الترمذي: حسن صحيح، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وقال مرة: على شرط مسلم (٣). وقال البيهقي: وصله يحيى بن عبد الله، وهو ضعيف (٤). وَطرقَهُ الدارقطني في «علله» ثم قَالَ: فرجع الحديث إلى إسماعيل ابن مسلم، وهو ضعيف (٥). واحتجوا أيضًا بأحاديث: أحدها: حديث أبي سعيد الخدري، وفيه: «يسجد سجدتين قبل أن يسلم» أخرجه مسلم منفردًا به، ورواه مالك مرسلا (٦)، وقال الدارقطني: -------------- (١) «الانتصار في المسائل الكبار» ٢/ ٣٦٧. (٢) رواه ابن أبي شيبة عن مكحول والزهري ١/ ٣٨٧ (٤٤٤٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: اسجدهما قبل أن تسلم. وذكر هذِه الآثار جميعها ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٣٠٨. (٣) رواه الترمذي برقم (٣٩٨) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان وقال: حديث حسن غريب صحيح، وابن ماجه (١٢٠٩) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فيمن شك في صلاته فرجع إلى اليقين، والحاكم ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥ كتاب: السهو، باب: سجدتا السهو إذ لم يدركم صلى. وقال: هذا حديث مفسر صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٣٢٦). (٤) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٣٢ كتاب: الصلاة، باب: من شك في صلاته فلم يدر صلى ثلاثًا أو أربعًا، ووقع فيها: حسين بن عبد الله. (٥) «علل الدارقطني» ٤/ ٢٥٧ - ٢٦٠. (٦) «صحيح مسلم» برقم (٥٧١) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له. «الموطأ» ص ٨٠. القول لمن وصله (١). وخالف البيهقي فقال: كان الأصل الإرسال (٢). ثانيها: حديث معاوية، أخرجه النسائي من حديث ابن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه، عنه، ثم قَالَ: ويوسف ليس بمشهور (٣). قلتُ: ذكره ابن حبان في «ثقاته» (٤)، وقال الدارقطني: لا بأس به (٥). وأخرجه البيهقي في «المعرفة» وقال: وكذلك فعله عقبة بن عامر الجهني وقال: السنة الذي صنعت. وكذا سجدهما ابن الزبير، كما قاله أبو داود (٦)، وهو قول الزهري (٧). قَالَ البيهقي: قد اختلف فيه عن عبد الله بن الزبير (٨). ثالثها: حديث أبي هريرة، وسيأتي، وأخرجه مسلم (٩) والأربعة (١٠). -------------- (١) «علل الدارقطني» ١١/ ٢٦٣. (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٣١ كتاب: الصلاة، باب: من شك في صلاته فلم يدر صلى ثلاثًا أو أربعًا. (٣) «المجتبى» ٣/ ٣٣ - ٣٤، «السنن الكبرى» ١/ ٢٠٧ (٥٩٤)، ١/ ٣٧٣ (١١٨٣). وليس في المصدرين قول النسائي: ويوسف ليس بمشهور. وذكره المزي في «التحفة» ٨/ ٤٥١ (١١٤٥٢) وعزاه للنسائي، ثم قاله: قرأت بخط النسائي: يوسف ليس بالمشهور. (٤) «الثقات» ٥/ ٥٥١. (٥) انظر: «سؤالات البرقاني» للدارقطني ١/ ٦٣ (٤٦٦). (٦) «سنن أبي داود» عقب الحديث (١٠٣٥) كتاب: الصلاة، باب: من قام من ثنتين ولم يتشهد. (٧) «سنن أبي داود» عقب الرواية (١٠٣٥). ورواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٧ (٤٤٤٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: اسجدهما قبل أن تسلم. (٨) «السنن الكبرى» ٢/ ٢٣٥ في الصلاة، باب: سجود السهو في النقص من الصلاة. (٩) «صحيح مسلم» برقم (٥٧٣) في المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له. (١٠) أبو داود (١٠٠٨)، الترمذي (٣٩٩)، النسائي ٣/ ٢٠، ابن ماجه (١٢١٤). رابعها: حديث ابن عباس أخرجه الدارقطني (١). خامسها: حديث ابن مسعود، وغير ذلك من الأحاديث. قَالَ الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي، يرى سجود السهو كله قبل السلام، ويقول: هذا الناسخ لغيره من الأحاديث. ويذكر أن آخر فعل النبي - ﷺ - كان على هذا. وهو قول أكثر الفقهاء من أهل المدينة مثل يحيى بن سعيد وربيعة وغيرهما (٢)، وقال الشافعي في القديم: أخبرنا مطرف بن مازن (٣)، عن معمر، عن الزهري قَالَ: سجد رسول الله - ﷺ - سجدتي السهو قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام. وذكر أن صحبة معاوية متأخرة، وفي «سنن حرملة»: سأل عمر بن عبد العزيز ابن شهاب: [متي] (٤) تسجد سجدتي السهو؟ فقال: قبل السلام؛ لأنهما من الصلاة وما كان من الصلاة فهو مقدم قبل السلام. فأخذ به عمر بن عبد العزيز. ثم ذكر حديث أبي هريرة الذي فيه: قبل أن يسلم ثم (يسلم) (٥). وقد سلف، وقال: ففي روايته ورواية معاوية، وصحبته متأخرة. وحديث ابن بحينة تأكيد هذِه الطريقة التي رواها مطرف (٦). ------------- (١) «سنن الدارقطني» ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤ كتاب: الصلاة، باب: في ذكر الأمر بالأذان والإمامة وأحقهما. (٢) «سنن الترمذي» عقب الحديث (٣٩١). (٣) بهامش الأصل: مطرف بن مازن عن معمر، قال الذهبي في «المغني» في ترجمته: ضعفوه، وقال ابن معين: كذاب. [«المغني في الضعفاء» ٢/ ٦٦٢ (٦٢٨٠)]. (٤) زيادة يقتضيها السياق، من «معرفة السنن». (٥) في الأصل: سلم، والمثبت من «المعرفة». (٦) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٧٨ - ٢٨٠. قلتُ: وتحتمل الأحاديث التي جاء فيها: بعد السلام، أن يكون المراد: بعد السلام على رسول الله في التشهد، أو تكون أخرت سهوًا وعلم به بعده. وقالت فرقة أخرى أنه بعده مطلقًا، وهو قول أبي حنيفة والثوري والكوفيين (١)، وهو مروي عن علي وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمار وابن عباس وابن الزبير وأنس والنخعي وابن أبي ليلى والحسن البصري (٢)، واستدلوا بأحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين. ثانيها: حديث ابن مسعود، وقد سلف الأول في باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ويأتي أيضًا (٣)، والثاني في باب: ما جاء في القبلة، ويأتي بعد (٤)، وخبر الواحد رواه الجماعة كلهم، وفيه: فسجد سجدتين بعد ما سلم (٥). ثالثها: حديث عمران بن حصين، أخرجاه والأربعة (٦)، ورجح ابن القطان انقطاعه فيما بين ابن سيرين وعمران (٧). -------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٧٤. (٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧ (٤٤٣٦، ٤٤٣٨)، (٤٤٤١ - ٤٤٤٧) كتاب: الصلوات، باب: في السلام في سجدتي السهو قبل السلام أو بعده، وابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠. (٣) سلف برقم (٤٨٢) وسيأتي في الباب بعده، وبرقم (٦٠٥١) في الأدب. (٤) سلف برقم (٤٠٤) كتاب: الصلاة، وسيأتي في الباب بعده، وبرقم (٦٦٧١) كتاب: الإيمان والنذور، باب: إذا حنث ناسيًا في الإيمان. (٥) سيأتي برقم (٧٢٤٩) كتاب: أخبار الآحاد. (٦) لم يخرجه البخاري، فهو من أفراد مسلم عنه رواه برقم (٥٧٤)، ورواه أبو داود (١٠١٨، ١٠٣٩)، الترمذي (٣٩٥) والنسائي ٣/ ٢٦، وابن ماجه (١٢١٥). (٧) «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤. رابعها: حديث عبد الله بن جعفر، أخرجه أبو داود والنسائي (١)، وقال: فيه مصعب بن شيبة، وهو منكر الحديث (٢) وعتبة بن الحارث، وليس بمعروف، وقيل: عقبة، وقال أحمد: لا يثبت. وقال البيهقي: إسناده لا بأس به (٣). وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، وقال: الصحيح عتبة لا عقبة (٤). خامسها: حديث المغيرة بن شعبة، رواه أبو داود (٥) والترمذي وصححه (٦). قَالَ البيهقي في «المعرفة»: وإسناد حديث ابن بحينة أصح (٧). ---------------- (١) «سنن أبي داود» (١٠٣٣) كتاب: الصلاة، باب: من قال: بعد التسليم، و«سنن النسائي» ٣/ ٣٠ كتاب: السهو، باب: التحري، و«الكبرى» ١/ ٢٠٧ (٥٩٣) كتاب: السهو، باب: من شك في صلاته. (٢) ورد في الأصل بعدها: قلت: هو من رجال مسلم. وعليها لا .. إلى. (٣) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٣٦ كتاب: الصلاة، باب: من قال: يسجدهما بعد التسليم على الإطلاق. (٤) «صحيح ابن خزيمة» ٢/ ١١٦ (١٠٣٣) كتاب: الصلاة، باب: الأمر بسجدتي السهو إذا نسي المصلي شيئًا من صلاته. وقال الذهبي في «المهذب» ٢/ ٧٧٢ (٣٣٨٢): (عتبة ويقال عقبة لا يدرى من هو، ومصعب ليس بذاك). وضعفه النووي في «الخلاصة» ٢/ ٦٤١ - ٦٤٢. والألباني في «ضعيف الجامع» (٥٦٤٧). (٥) ورد بهامش (س): من خط الشيخ (…) وهم ابن الأثير في (…) فعزاه إلى أبي داود و(…) هو كذلك فيه. (٦) «سنن أبي داود» (١٠٣٧) كتاب: الصلاة، باب: من نسي أن يتشهد وهو جالس. و«الترمذي» (٣٦٥) كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيًا. (٧) «معرفة السنن والآثار» ٣/ ٢٧٧ (٤٥٥٩). واحتجوا أيضًا بحديث ثوبان (١)، وفيه مقال، وبحديث ابن عمر وأنس وسعد (٢). وقالت فرقة ثالثة: كله قبله إلا في موضعين الذين ورد سجودهما بعده، وهما: إذا سلم في بعض من صلاته، أو تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه؛ لحديث ذي اليدين: سلم من ركعتين وسجد بعد السلام (٣). وحديث عمران: سلم من ثلاث وسجد بعد السلام. وحديث ابن مسعود في التحري بعد السلام (٤)، وهو قول أحمد بن --------- (١) رواه أبو داود برقم (١٠٣٨) كتاب: الصلاة، باب: من نسي أن يتشهد وهو جالس، وابن ماجه برقم (١٢١٩) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن سجدهما بعد السلام، وأحمد ٥/ ٢٨٠، والطبراني ٢/ ٩٢ (١٤١٤)، والبيهقي ٢/ ٣٣٧ كتاب: الصلاة، باب: من قال: يسجدهما بعد التسليم. وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٩٥٤). (٢) روى حديث ابن عمر ابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ١١٢ (١٠٢٦) كتاب: السهو، باب: في تحسين الركعة التي يشك في نقصها، والحاكم ١/ ٣٢٢ كتاب: السهو، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وروى حديث أنس: البيهقي ٢/ ٣٣٣ كتاب: الصلاة، باب: من شك في صلاته فلم يدر صلى ثلاثًا أو أربعًا. قال الذهبي في «المهذب» ٢/ ٧٦٩ (٣٣٧١): غريب. والبزار كما في «كشف الأستار» (٥٧٥) كتاب: الصلاة، باب: السجود للنقصان، وروى حديث سعد أبو يعلى في «مسنده» ٢/ ١٠٣ - ١٠٤ (٧٥٩) قال أبو عثمان: لم نسمع أحدًا يرفع هذا غير أبي معاوية، والحاكم ١/ ٣٢٣ كتاب: السهو، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، والبيهقي ٢/ ٣٤٤ كتاب: الصلاة، باب: من سها فلم يذكر حتى .. (٣) راجع حديث (٤٨٢). (٤) سلف برقم (٤٠١) كتاب: الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان. حنبل، وبه قَالَ سليمان بن داود الهاشمي من أصحاب الشافعي، وأبو خيثمة، وابن المنذر (١). وذكر الترمذي عن أحمد قَالَ: ما روي عن رسول الله - ﷺ - في سجدتي السهو فيستعمل كل على جهته، وكل سهو ليس فيه عن النبي - ﷺ - ذكر فقبل السلام. وقال إسحاق نحو قول أحمد في هذا كله، إلا أنه قَالَ: كل سهو ليس فيه عن رسول الله - ﷺ - ذكر فإن كانت زيادة في الصلاة يسجدهما بعد السلام وإن كان نقصًا فقبله (٢). وحكى أبو الخطاب (٣) عن أحمد مثل قول إسحاق، وهو قول مالك وأبي ثور، وأحد أقوال الشافعي (٤). وعن ابن مسعود: كل شيء شككت فيه من صلاتك من نقصان ركوع أو سجود فاستقبل أكبر ظنك، واجعل سجدتي السهو من هذا النحو قبل السلام، أو غير ذلك من السهو واجعله بعد التسليم (٥). ------------ (١) «الأوسط» ٣/ ٣١٢. (٢) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٣٩١) باب ما جاء في سجدتي السهو. (٣) «الانتصار في المسائل الكبار» ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧. (٤) انظر: «المجموع» ٤/ ٤١ - ٤٢، «المدونة» ١/ ١٢٦. (٥) رواه أحمد ١/ ٤٢٩ من طريق محمد بن الفضل، عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا. ورواه أبو داود (١٠٢٨)، وأحمد ١/ ٤٢٩، والدارقطني ١/ ٣٧٨، والبيهقي ٢/ ٣٥٦ من طريق محمد بن مسلمة عن خصيف، عن أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود مرفوعًا. وقال البيهقي: وهذا غير قوي ومختلف في رفعه ومتنه. وزاد في «المعرفة» ٣/ ٢٨٢: وأبو عبيدة عن أبيه مرسل. وقال الذهبي في «السير» ٦/ ١٤٦: لو صح هذا لكان فيه فرج عن ذوي الوسواس. وقال علقمة والأسود: يسجد للنقص ولا يسجد للزيادة. حكاه عنهما الشيخ أبو حامد وابن التين، وهو عجيب. وقالت الظاهرية: لا يسجد للسهو إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها الشارع، وغير ذلك فإن كان فرضًا أتى به، وإن كان ندبًا فليس عليه شيء. قَالَ داود: تستعمل الأحاديث في مواضعها على ما جاءت عليه، ولا يقاس عليها، وقَالَ ابن حزم: سجود السهو كله بعد السلام إلا في موضعين، فإن الساهي فيهما مخير بين أن يسجد سجدتي السهو بعد السلام، وإن شاء قبله. أحدها: من سها فقام من ركعتين ولم يجلس ولم يتشهد -فهذِه سواء كان إمامًا أو فذا- فإنه إذا استوى قائمًا فلا يحل له الرجوع إلى الجلوس، فإن رجع وهو عالم بأن ذلك لا يجوز ذاكرًا لذلك بطلت صلاته، وإن فعل ذلك ساهيًا لم تبطل، وهو سهو يوجب السجود، ولكن يتمادى في صلاته، فإذا أتم التشهد الأخير فإن شاء سجد السهو قبل السلام، وإن شاء بعده. والثاني: أن لا يدري في كل صلاة تكون ركعتين أصلى ركعة أم ركعتين؟ وفي كل صلاة تكون ثلاثًا أصلى ركعة أو ركعتين أو ثلاثًا؟ وفي كل صلاة رباعية كذلك، فهذا يبني على الأقل، فإذا تشهد الأخير فهو غير كما ذكرنا (١). وللشافعي قول آخر: أنه يتخير إن شاء قبل السلام وإن شاء بعده، والخلاف عندنا في الإجزاء، وقيل: في الأفضل. وادعى الماوردي ------------- (١) «المحلى» ٤/ ١٧٠ - ١٧١. اتفاق الفقهاء -يعني: جميع العلماء- عليه (١). وقال صاحب «الذخيرة» الحنفي: لو سجد قبل السلام جاز عندنا. قَالَ القدوري: هذا في رواية الأصول قَالَ: وروي عنهم أنه لا يجوز؛ لأنه أداه قبل وقته. ووجه رواية الأصول أن فعله حصل في فعل مجتهد فيه، فلا يحكم بفساده، وهذا لو أمرناه بالإعادة يتكرر عليه السجود، ولم يقل به أحد من العلماء (٢)، وذكر في «الهداية» أن هذا الخلاف في الأولوية (٣). وذكر ابن عبد البر: كلهم يقولون: لو سجد قبل السلام فيما يجب السجود (بعده) (٤) أو بعده فيما يجب قبله لا يضر (٥)، وهو موافق لنقل الماوردي السالف. وقال الحازمي: طريق الإنصاف أن نقول: أما حديث الزهري الذي فيه دلالة على النسخ ففيه انقطاع، فلا يقع معارضًا للأحاديث الثابتة، وأما بقية الأحاديث في السجود قبل السلام وبعده قولًا وفعلًا، فهي وإن كانت ثابتة صحيحة وفيها نوع تعارض، غير أن تقديم بعضها على بعض غير معلوم برواية موصولة صحيحة، والأشبه حمل الأحاديث على التوسع وجواز الأمرين (٦). -------------- (١) «الحاوي الكبير» ٢/ ٢١٤. (٢) انظر: «المحيط البرهاني» ٢/ ٣٠٨. (٣) «الهداية» ١/ ٨٠. (٤) في الأصل: أو بعده، والمثبت هو الصواب. (٥) «التمهيد» ٥/ ٣٣. (٦) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» للحازمي ص ٩٠. فوائد: الأولى: الحديث دال على سنية التشهد الأول والجلوس له، إذ لو كانا واجبين لما جبرا بالسجود كالركوع وغيره، وبه قَالَ مالك والشافعي وأبو حنيفة (١)، وقال أحمد في طائفة قليلة: هما واجبان، وإذا سها جبرهما بالسجود على مقتضى الحديث (٢). الثانية: التكبير مشروع لسجود السهو بالإجماع، وقد ذكر في حديث الباب وفي حديث أبي هريرة أيضًا، وكان من شأنه - ﷺ - أن يكبر في كل خفض ورفع (٣)، ومذهبنا تكبيرات الصلاة كلها سنة غير تكبيرة الإحرام فركن وهو قول الجمهور (٤)، وأبو حنيفة يسمي تكبيرة الإحرام واجبة، وعن أحمد في رواية، والظاهرية أنها كلها واجبة (٥). الثالثة: الصحيح عندنا أنه لا يتشهد وكذا في سجود التلاوة كالجنازة (٦)، ومذهب أبي حنيفة: يتشهد (٧). وقال ابن قدامة: إن كان قبل السلام سلم عقب التكبير، وإن كان --------------- (١) «بدائع الصنائع» ١/ ١٦٣، «بداية المجتهد» ١/ ٢٦٢، «الحاوي الكبير» ٢/ ١٣٢. (٢) وقال أيضًا في رواية أخرى: بسنية التشهد الأول، انظر: «الإفصاح» ١/ ٢٩٨، «المغني» ٢/ ٢١٧. (٣) سلف برقم (٧٨٥) كتاب: الأذان، باب: إتمام التكبير في الركوع. (٤) «الحاوي الكبير» ٢/ ٩٥، «المجموع» ٣/ ٢٥٠، «المغني» ٢/ ١٢٨. (٥) «المنتقى» ١/ ١٤٦، «المحلى» ٣/ ٢٣٢. (٦) قال النووي رحمه الله: وهل يتحرم للسجدتين ويتشهد ويسلم؟ قال إمام الحرمين: حكمه حكم سجود التلاوة وقطع الشيخ أبو حامد في تعليقه بأنه يتشهد ويسلم، ونقله عن نصه في القديم، وادعى الاتفاق عليه، فإن قلنا: يتشهد فوجهان، وقيل قولان: الصحيح المشهور: أنه يتشهد بعد السجدتين كسجود التلاوة، والثاني: يتشهد قبلها ليليهما السلام أ. هـ «المجموع» ٤/ ٧٢. (٧) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٧٥، «الاختيار» ١/ ٩٧ - ٩٨. بعده تشهد وسلم. قَالَ: وبه قَالَ ابن مسعود والنخعي، وقتادة والحكم وحماد والثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي في التشهد والتسليم (١)، وعن النخعي: أيضًا يتشهد لها ولا يسلم، وعن أنس والحسن والشعبي وعطاء: ليس فيهما تشهد ولا تسليم (٢)، وعن سعد بن أبي وقاص وعمار وابن أبي ليلى (٣) وابن سيرين وابن المنذر: فيهما تسليم بغير تشهد. قَالَ ابن المنذر: التسليم فيهما ثابت من غير وجه (٤)، وفي ثبوت التشهد عنه نظر. وقال أبو عمر: لا أحفظه مرفوعًا من وجه صحيح (٥). وعن عطاء: إن شاء تشهد وسلم وإن شاء لم يفعل (٦). وفي «شرح الهداية»: يسلم ثنتين (٧). وبه قَالَ الثوري وأحمد (٨)، ويسلم عن يمينه وشماره. وفي «المحيط»: ينبغي أن يسلم واحدة عن يمينه، وهو قول الكرخي (٩) وبه قَالَ النخعي كالجنازة (١٠). وفي «البدائع»: يسلم تلقاء وجهه (١١). ----------- (١) «المغني» ٢/ ٤٣١. (٢) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٨ (٤٤٦٢ - ٤٤٦٤) كتاب: الصلوات، باب: ما قالوا بينهما تشهد أم لا؟ ومن قال: لا يسلم فيهما، وابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٣١٤. (٣) ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٧ (٤٤٥٣ - ٤٤٥٤) كتاب: الصلوات، باب: التسليم في سجدتي السهو. وانظر: «الأوسط» ٣/ ٣١٦ - ٣١٧. (٤) «الأوسط» ٣/ ٣١٧. (٥) «التمهيد» ١٠/ ٢٠٩. (٦) ذكر هذا الأثر ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٣١٦. (٧) انظر: «فتح القدير» ١/ ٥٠١. (٨) «المغني» ٢/ ٣٦٣. (٩) انظر: «حاشية شلبي» ١/ ١٩٢. (١٠) رواه عنه ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٨ (٤٤٥٦) باب: التسليم في سجدتي السهو. (١١) «بدائع الصنائع» ١/ ١٧٤. وفي صفة السلام منهما روايتان عن مالك: إحداهما: أنه في السر والإعلان لسائر الصلوات. والثانية: أنه يسر ولا يجهر به، وكذا الخلاف في الجنازة (١). الرابعة: لا يتكرر السجود حقيقة فإنه - ﷺ - لما ترك التشهد الأول، والجلوس له اكتفي بسجدتين، وهو قول أكثر أهل العلم، وعن الأوزاعي: إذا سها سهوين مختلفين تكرر ويسجد أربعًا، وقال ابن أبي ليلى: يتكرر السجود بعد السهو، وقال ابن أبي حازم وعبد العزيز ابن أبي سلمة: إذا كان عليه سهوان في صلاة واحدة، منه ما يسجد له قبل السلام، ومنه ما يسجد له بعد السلام، فليفعلهما كذلك (٢). الخامسة: جمهور العلماء عليَّ أن سجود السهو في التطوع كالفرض، وقال ابن سيرين وقتادة: لا سجود فيه (٣)، وهو قول غريب ضعيف عن الشافعي (٤). السادسة: متابعة الإمام عند القيام من هذا الجلوس واجب، وقد وقع كذلك في الحديث، ويجوز أن يكونوا علموا حكم هذِه الحادثة أو لم يعلموا فسبحوا، وأشار إليهم أن يقوموا، نعم اختلفوا فيمن قام من اثنتين ساهيًا هل يرجع إلى الجلوس؟ فقالت طائفة بهذا الحديث، وأن من استتم قائمًا، واستقل من الأرض فلا يرجع وليمض في صلاته، وإن لم يستو قائمًا جلس، -------------- (١) انظر: «المعونة» ١/ ١٠٨. (٢) انظر: «الأوسط» ٣/ ٣١٨. (٣) رواه عنهما ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٦ (٤٤٣٤ - ٤٤٣٥) كتاب: الصلوات، باب: الرجل يسهو في التطوع ما يصنع. (٤) «البيان» ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠. وروي ذلك عن علقمة وقتادة وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو قول الأوزاعي (١) وابن القاسم في «المدونة» والشافعي (٢). وقالت أخرى: إذا فارقت أليته الأرض وإن لم يعتدل فلا يرجع ويتمادى ويسجد قبل السلام. رواه ابن القاسم عن مالك في «المجموعة» (٣). وقالت ثالثة: يقعد وإن كان استتم قائمًا، روي ذلك عن النعمان بن بشير والنخعي والحسن البصري إلا أن النخعي قَالَ: يجلس ما لم يفتتح القراءة، وقال الحسن: ما لم يركع (٤). وفي «المدونة» لابن القاسم قَالَ: إن أخطأ فرجع بعد أن قام سجد بعد السلام. وقال أشهب وعلي بن زياد: قبل السلام؛ لأنه قد وجب عليه السجود في حين قيامه، ورجوعه إلى الجلوس زيادة، وقال سحنون: تبطل صلاته. قَالَ ابن القاسم: ولا يرجع إذا فارق الأرض ولم يستتم قيامه، وخالفه ابن حبيب (٥). وعلة الذين قالوا: يقعد وإن استتم قائمًا القياس على إجماع الجميع أن المصلي لو نسي الركوع من صلاته وسجد ثم ذكر وهو ساجد أن عليه أن يقوم حَتَّى يركع، فكذلك حكمه إذا نسي قعودًا في موضع قيام حَتَّى -------------- (١) رواه عن علقمة ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠ (٤٤٨٨ - ٤٤٨٩) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: إذا لم يستقم قائمًا فليس عليه سهو. وذكرها جميعًا ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١. (٢) «المدونة» ١/ ١٣٠، «المجموع» ٤/ ٥٧، ٦١. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٣٥٨. (٤) ذكر هذِه الآثار ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#256 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 341 الى صـــ 360 الحلقة (256) قام أن عليه أن يعود له إذا ذكره، والصواب كما قَالَ الطبري: قول من قَالَ: إذا استوى قائمًا يمضي في صلاته ولا يقعد فإذا فرغ سجد للسهو لحديث الباب أنه - ﷺ - حين اعتدل قائمًا لم يرجع إلى الجلوس بعد قيامه، وقد روي عن عمر وابن مسعود ومعاوية وسعيد والمغيرة بن شعبة، وعقبة بن عامر أنهم قاموا من اثنتين فلما ذكروا بعد القيام لم يجلسوا وقالوا: إن النبي - ﷺ - كان يفعل ذلك (١). وفي قول أكثر العلماء أنه من رجع إلى الجلوس بعد قيامه من ثنتين أنه لا تفسد صلاته إلا ما ذكر ابن أبي زيد عن سحنون أنه قَالَ: أفسد الصلاة برجوعه (٢). والصواب: قول الجماعة؛ لأن الأصل ما فعله، وترك الرجوع رخصة ويبينه أن الجلسة الأولى لم تكن فريضة؛ لأنها لوكانت فريضة لرجع، وقد سجد عنها فلم يقضها، والفرائض لا ينوب عنها سجود ولا غيره، ولابد من قضائها في العمد والسهو. وقد شذت فرقة فأوجبت الأولى فرضًا، وقالوا: هي مخصوصة من بين سائر الصلاة أن ينوب عنها سجود السهو كالعرايا من المزابنة، وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعًا، لا يقاس عليها شيء من أعمال البر في الصلاة. ومنهم من قَالَ: هي فرض. وأوجب الرجوع إليها ما لم يعمل المصلي بعدها ما يمنعه من الرجوع إليها، وذلك عقد الركعة التي قام --------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ١/ ٣٩٠ - ٣٩١ (٤٤٩٢، ٤٤٩٨) كتاب: الصلوات، باب: ما قالوا: فيما إذا نسي فقام في الركعتين ما يصنع. عن المغيرة وعقبة، وذكرها جميعًا ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٣٥٨. إليها برفع رأسه منها، وقولهم مردود بحديث الباب فلا معنى للخوض فيه، وإنما ذكر ليعرف فساده. ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أن من ترك الجلسة الأولى عامدًا أن صلاته فاسدة، وعليه إعادتها، قالوا: وهي سنة على حالها فحكم تركها عمدًا حكم الفرائض (١). ولا يسلم له هذا الإجماع، نعم أجمعوا على أن الجلسة الأخيرة فريضة إلا ابن عُلَيَّة فقال: ليست بفرض قياسًا على الجلسة الوسطى، واحتج بحديث الباب في القيام من ثنتين، والجمهور حجة على من خالفهم على أنه يوجب فساد من لم يأت بأعمال الصلاة كلها سننها وفرائضها، وقوله مردود بقوله، ويرده أيضًا قوله - ﷺ -: «وتحليلها التسليم» (٢) والتسليم لا يكون إلا بجلوس فسقط قوله (٣). السابعة: قوله: (فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه) أي: قارب قضاءها وأتى بجميعها غير السلام، ولو طال سجود السهو قبل السلام، فهل يعاد له التشهد؟ فيه روايتان عن مالك: أشهرهما: نعم، وإن انصرف عن صلاته فذكر سجدتي السهو قبل ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢١٤. (٢) رواه أبو داود (٦١) في الطهارة، باب فرض الوضوء، والترمذي (٣) في الطهارة، باب: ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور، وقال: هذا الحديث أصح شيء في هذا الباب وأحسن، وابن ماجه (٢٧٥) في الطهارة وسننها، باب مفتاح الصلاة الطهور، وأحمد ١/ ١٢٣، والدارمي ١/ ٥٣٩ - ٥٤٠ (٧١٤) كتاب: الطهارة، باب: مفتاح الصلاة الطهارة، والحاكم ١/ ١٣٢ كتاب: الطهارة. من حديث علي، وصححه الحاكم، وكذا الحافظ في «الفتح» ٢/ ٣٢٢، والنووي في «المجموع» ٣/ ٢٨٩، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٥٥): إسناده حسن صحيح. (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢١٤. السلام بالقرب، قَالَ محمد: يسجدهما في موضع ذكر ذلك إلا في الجمعة يتمها في المسجد، وإن أتم ذلك في غير المسجد لم تجزه الجمعة (١). قَالَ الشيخ أبو محمد: يريد إذا فاتتا قبل السلام؛ ووجهه أنه سجود من صلاة الجمعة قبل التحلل منها، فلا يكون إلا في موضع الجمعة لسجود الصلاة. الثامنة: السجود في الزيادة لأحد معنيين؛ ليشفع ما قد زاد إن كان زيادة كثيرة، كما سيأتي الحديث فيه. وإن كانت قليلة فالسجدتان ترغمان أنف الشيطان -كما نطق به الحديث أيضًا (٢) - الذي أسهى واشتغل حَتَّى زاد فأغيظ الشيطان بهما؛ لأن السجود هو الذي استحق إبليس بتركه العذاب في الآخرة والخلود في النار، فلا أرغم له منه. فرع: سها في سجدتي السهو لا سهو عليه، قاله النخعي والحكم وحماد ومغيرة وابن أبي ليلى والبتي والحسن (٣). ------------ (١) «النوادر والزيادات» ١/ ٣٦٥، «المنتقى» ١/ ٨٤. (٢) رواه مسلم (٥٧١)، وابن ماجه (١٢١٠). (٣) روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٩ (٤٤٧٠ - ٤٤٧٣) كتاب: الصلوات، باب: في السهو في سجدة السهو، وانظر: «الأوسط» ٣/ ٣٢٦ - ٣٢٧. ٢ - باب إِذَا صَلَّى خَمْسًا ١٢٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ». قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ. [انظر: ٤٠١ - مسلم: ٥٧٢ - فتح: ٣/ ٩٣] ذكر فيه حديث علقمة عن عبد الله أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟». قَالَ: صَلَّيْتَ خَمْسًا. فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ. هذا الحديث تقدم في باب: ما جاء في القبلة (١)، وهذا الحديث دال لمذهب مالك وأبي حنيفة، وقد تقدم من أدلة من رجح أنه قبل السلام حديث أبي سعيد، وأن عطاء أرسله (٢). وحديث ابن مسعود لا مزيد على إسناده في الجودة، وكذا ما في معناه، والخبر السالف اضطرب في وصله وإرساله. وحاصل المذاهب سبعة: كله بعد السلام، قاله أبو حنيفة. كله قبله، قاله الشافعي. الزيادة بعد والنقص قبل. وكذا إذا اجتمعا، قاله مالك. المتيقن أنه نقص والسهو المشكوك فيه قبله، والمتيقن أنه زيادة بعد، قاله ابن لبابة (٣)، وذكر الداودي نحوه عن مالك. -------------- (١) برقم (٤٠٤) كتاب: الصلاة. (٢) سبق تخريجه في حديث (١٢٢٥). (٣) «المنتقى» ١/ ١٧٧. الكل سواء، قاله مالك في «المجموعة». يسجد للنقص فقط دون زيادة، قاله علقمة والأسود. إذا اجتمع سهو نقص وزيادة سجدهما، قاله الأوزاعي وعبد العزيز (١). واختلف العلماء فيمن قام إلى خامسة، فقالت طائفة بظاهر هذا الحديث: إن ذكر وهو في الخامسة قبل كمالها رجع وجلس وتشهد وسلم، وإن لم يذكر إلا بعد فراغه من الخامسة؛ فإنه يسلم ويسجد للسهو وصلاته مجزية عنه، هذا قول عطاء والحسن والنخعي والزهري (٢)، وإليه ذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣). وقال أبو حنيفة: إذا صلى الظهر خمسًا ساهيًا نظر؛ فإن لم يقعد في الرابعة قدر التشهد فإن صلاة الفرض قد بطلت، ويضيف إلى الخامسة سادسة، وتكون نافلة، ويعيد الفرض، وإن جلس في الرابعة مقدار التشهد فصلاته مجزئة ويضيف إلى الخامسة سادسة، وتكون الخامسة والسادسة نفلًا، وإن ذكر وهو في الخامسة قبل أن يسجد فيها ولم يكن جلس في الرابعة رجع إليها فأتمها كما يقول، وسجد للسهو بعد السلام (٤). ------------- (١) هو ابن أبي سلمة كما في «الأوسط» ٣/ ٣١٨، «النوادر والزيادات» ١/ ٣٦٣. (٢) ذكرها ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤. (٣) انظر: «المدونة» ١/ ١٢٦، «الأوسط» ٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤، «المجموع» ٤/ ٧٤، «المغني» ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩. (٤) انظر: «الهداية» ١/ ٨١. ولا ينفك أصحاب أبي حنيفة في هذا الحديث عن أحد وجهين: إما أن يكون - ﷺ - قعد في الرابعة قدر التشهد، فإذا سجد ولم يزد على الخامسة سادسة أولم يقعد فإنه لم يعد الصلاة، وهم يقولون قد بطلت صلاته، ولوكانت باطلة لم يسجد - ﷺ - للسهو، ولأعاد الصلاة. وعبارة شيخنا قطب الدين في تحرير مذهب أبي حنيفة: ذهب أصحابه إلى أنه إن سها عن القعدة حَتَّى قام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد للخامسة، وذلك لأنه لم يستحكم خروجه من الفرض وألغى الخامسة؛ لأن ما دون الركعة ليس له حكم الصلاة بدليل النهي، ويسجد للسهو لتأخير الواجب، وإذا قيد الخامسة بسجدة استحكم دخوله في ركعة كاملة في النفل فخرج به عن الفرض قبل تمامه فبطلت صلاته، وإن كان قعد في الرابعة مقدار التشهد ثم سها وقام إلى الخامسة وقيدها بسجدة ضم إليها ركعة أخرى، وتمت صلاته، وكانت الركعتان له نافلة ويسجد للسهو. قالوا: وحديث ابن مسعود محمول عندهم على ما إذا قعد في الرابعة مقدار التشهد، وذلك لأن الراوي قَالَ: صلى خمسًا. ولا ظهر بدون ركنه وهو القعدة الأخيرة. قَالَ السرخسي منهم: وإنما قام إلى الخامسة على ظن أن هذِه القعدة الأولى، والصحيح أنهما لا ينوبان عن سنة الظهر؛ لأن شروعه فيهما لم يكن عن قصد، وفي صلاة العصر لا يضم إلى الخامسة ركعة أخرى بل يقطع التنفل بعد الفرض (١). ---------------- (١) «المبسوط» ١/ ٢٢٨. وروى هشام عن محمد أنه يضيف إليها ركعة أخرى، وكذا روى الحسن عن أبي حنيفة (١)، وهو الصحيح؛ لأن الكراهة إنما تقع إذا كان التنفل بعده عن قصد. وفي «قاضي خان»: إذا قام قدر التشهد، روى البلخي عن أصحابنا أنه لا يتابعه القوم؛ لأنه أخطأ بيقين، ولكن ينتظرونه قعودًا حَتَّى يعود، ويسلموا معه، فإن قيد الخامسة بالسجدة سلم القوم. ثم الحديث دال لمذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور أن من زاد في صلاته ركعة ناسيًا لا تبطل صلاته، بل إن علم بعد صلاته فقد مضت صلاته صحيحة، ويسجد للسهو إن ذكر بعد السلام بقريب، وإن طال فالأصح عندنا أنه لا يسجد، وان ذكر قبل السلام عاد إلى القعود، سواء كان في قيام أو ركوع أو سجود أو غيرها، ويتشهد ويسجد للسهو ويسلم. والزيادة على وجه السهو لا تبطل الصلاة، سواء قلت أو كثرت إذا كانت من جنس الصلاة، فلو زاد ركوعًا أو سجودًا أو ركعة أو ركعات كثيرة ساهيًا فصلاته صحيحة في كل ذلك، ويسجد للسهو استحبابًا لا إيجابًا. وحكى القاضي عياض عن مذهب مالك أنه إن زاد نصف الصلاة لم تبطل صلاته بل هي صحيحة ويسجد للسهو، وإن زاد النصف فأكثر فمن أصحابه من أبطلها، وهو قول مطرف وابن القاسم، ومنهم من قَالَ: إن زاد ركعتين بطلت، وإن زاد ركعة فلا، وهو قول عبد الملك وغيره (٢). --------------- (١) انظر: «المحيط البرهاني» ٢/ ٣٢٠. (٢) «إكمال المعلم» ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠. وقال ابن قدامة: متى قام إلى خامسة في الرباعية أو إلى رابعة في المغرب أو إلى ثالثة في الصبح لزمه الرجوع متى ما ذكر فيجلس، فإن كان قد تشهد عقب الركعة التي تمت بها صلاته سجد للسهو وسلم، وإن كان ما تشهد تشهد وسجد للسهو ثم سلم، وذكر قول أبي حنيفة، وقال: ونحوه قَالَ حماد بن أبي سليمان، قَالَ: وقال قتادة والأوزاعي فيمن صلى المغرب أربعًا: يضيف إليها أخرى، فتكون الركعتان تطوعًا؛ لقوله - ﷺ - في حديث أبي سعيد: «ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» (١)، «وإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا للشيطان»، أخرجه مسلم (٢)، وفي أبي داود وابن ماجه: «كانت الركعة له نافلة وسجدتان» (٣)، ولنا حديث ابن مسعود، يعني هذا. ثم قَالَ: والظاهر أنه - ﷺ - لم يجلس عقب الأربعة؛ لأنه لم ينفل، ولأنه قام إلى خامسة معتقدًا أنه قام عن ثالثة، ولم تبطل صلاته بهذا، ولم يضف إلى الخامسة أخرى، وحديث أبي سعيد حجة عليهم أيضًا، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس، وجعل السجدتين يشفعانها ولم يضم إليها ركعة أخرى (٤). ثم في بعض طرق هذا الحديث فقال: أزيد في الصلاة شيء؟ فقال: «إنما أنا بشر مثلكم أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون، فإذا نسي ------------- (١) سبق تخريجه. (٢)»صحيح مسلم«(٥٧١) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة. (٣)»سنن أبي داود«برقم (١٠٢٤) كتاب: الصلاة، باب: إذا شك في الثنتين والثلاث …،»سنن ابن ماجه«برقم (١٢١٠) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيمن شك في صلاته. (٤)»المغني" ٢/ ٤٢٨ - ٤٣٠ بتصرف. أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس». ثم تحول رسول الله - ﷺ - فسجد (١). وهو مما يستشكل ظاهره؛ لأن ظاهره أنه - ﷺ - قَالَ لهم هذا الكلام بعد أن ذكر أنه زاد أو نقص قبل أن يسجد للسهو، ثم بعد أن قاله سجد للسهو، ومتى ذكر كذلك فالحكم أنه يسجد ولا يتكلم، ولا يأتي بمناف للصلاة، والجواب عنه من أوجه: أحدها: أن (ثُمَّ) هنا ليست لحقيقة الترتيب، وإنما هي لعطف جملة على جملة، وليس معناه أن التحويل والسجود كان بعد الكلام، بل إنما كانا قبله. ويؤيده أنه جاء في حديث ابن مسعود هذا: فزاد أو نقص، فلما سلم قيل له: يا رسول الله، أحدث في الصلاة شيء؟ قَالَ: «وما ذاك؟» قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجليه واستقبل القبلة، فسجد سجدتين ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر» الحديث (٢). وهي صريحة أن التحول والسجود كان قبل الكلام فتحمل الثانية عليها جمعًا بين الروايتين، وحمل الثانية على الأولى أولى من عكسه؛ لأن الأولى على وفق القواعد. ثانيها: أن يكون هذا قبل تحريم الكلام. ثالثها: أنه وإن كان عامدًا بعد السلام لا يضره، وهو أحد وجهي أصحابنا، أنه إذا سجد لا يصير عائدًا إلى الصلاة حَتَّى لو أحدث فيه لا تبطل صلاته، والأصح: نعم. -------------- (١) رواه مسلم (٥٧٢/ ٩٤). (٢) سلف برقم (٤٠١). وقولهم: أزيد في الصلاة؟ سؤال من جوز النسخ على ما ثبت من العبادة، ويدل على هذا أنهم كانوا يتوقعونه. وقوله: «وما ذاك؟» سؤال من لم يَشْعر ما وقع منه، ولا يقين عنده ولا غلبة ظن. وقال ابن حبان: إخبار ذي اليدين أن الشارع تكلم على أن الصلاة قد تمت، وذو اليدين توهم أن الصلاة ردت إلى الفريضة الأولى فتكلم على أنه في غير صلاة، وأن صلاته قد تمت، فلما استثبت - ﷺ - أصحابه، كان من استثباته على يقين أنه قد أتمها، وجواب الصحابة له؛ لأنه كان من الواجب الإجابة عليهم، وإن كانوا في الصلاة، فأما اليوم فالوحي قد انقطع وأقرت الفرائض، فإن تكلم الإمام، وعنده أن الصلاة قد تمت بعد السلام لم تبطل، وإن سأل المأمومين فأجأبوه بطلت، وإن سأل بعض المأمومين الإمام عن ذلك بطلت صلاته، والعلة في سهو الشارع التعلم (١). والله الهادي إلى الصواب. ----------- (١) «صحيح ابن حبان» ٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧ كتاب: الصلاة، باب: سجود السهو. ٣ - باب إِذَا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي ثَلَاثٍ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ مِثْلَ سُجُودِ الصَّلَاةِ أَوْ أَطْوَلَ ١٢٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ أَوِ العَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللهَ، أَنَقَصَتْ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَصْحَابِهِ: «أَحَقٌّ مَا يَقُولُ؟». قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. قَالَ سَعْدٌ: وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ -. [انظر: ٤٨٢ - مسلم: ٥٧٣ - فتح: ٣/ ٩٦] ذكر فيه حديث أبي سلمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رسول الله - ﷺ - الظُّهْرَ أو العَصْرَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ ذُواليَدَيْنِ .. الحديث. وقد سلف في باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس (١). وأخرجه أيضًا النسائي، وقال: لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث: ثم سجد سجدتين غير سعد بن إبراهيم، يعني: الراوي عن أبي سلمة (٢). قَالَ البيهقي: ويحيى بن أبي كثير لم يحفظ سجدتي السهو عن أبي سلمة، وإنما حفظهما عن ضمضم بن جوشن، عن أبي هريرة، وقد حفظهما سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، ولم يحفظهما الزهري لا عن أبي سلمة، ولا عن جماعة حدثوه بهذِه القصة عن أبي هريرة (٣). ثم ذكر اختلافًا فيه عنه. -------------- (١) برقم (٧١٤) كتاب: الأذان. (٢) «السنن الكبرى» ١/ ١٩٩ - ٢٠٠ (٥٦٠) كتاب السهو، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين .. (٣) «السنن الكبرى» ٢/ ٣٥٨ كتاب: الصلاة، باب: الكلام في الصلاة. وقوله في آخر الحديث: (قَالَ سَعْدٌ: وَرَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَلَّى مِنَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، فَسَلَّمَ وَتكَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى مَا بَقِيَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا فَعَلَ رسول الله - ﷺ -). قَالَ أبو بكر بن أبي شيبة: حَدَّثَنَا غندر عن شعبة عن سعد. فذكره (١). وقال أبو نعيم: رواه -يعني: البخاري- عن آدم عن شعبة، وزاد: قَالَ سعد: ورأيت عروة … إلى آخره. وأورده الإسماعيلي من طريق معاذ ويحيى، عن شعبة، ثنا سعد بن إبراهيم: سمعت أبا سلمة عن أبي هريرة .. الحديث. ثم قَالَ في آخره: رواه غندر: فصلى ركعتين أخريين ثم سجد سجدتين. لم يقل: ثم سلم ثم سجد. ثم قَالَ: لم يتضمن هذا الحديث ما ذكره في الترجمة، وخرج ما ذكره من ترجمة هذا الباب في الباب الذي يليه. وكذا قَالَ ابن التين: لم يأت في الحديث بشيء بما يشهد السلام من ثلاث، وقد قَالَ سحنون: إنما يجوز ذلك لمن سلم من ثنتين على مثل خبر ذي اليدين، وكذا قوله: فسجد مثل سجود الصلاة أو أطول. لم يأت فيه بشيء، لكن في الباب الذي بعده: فسجد مثل سجوده أو أطول. وذكر السلام من الثلاث مسلمٌ من حديث عمران في حديث ذي اليدين (٢)، فأشار إليه في الترجمة كما فعل في باب: إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة. لم يذكره كذلك وإنما أشار إليه فيها. ---------- (١) «المصنف» ١/ ٣٩٢ (٤٥١١) كتاب: الصلوات، باب: ما قالوا: فيه إذا انصرف وقد نقص من صلاته وتكلم. (٢) «صحيح مسلم» برقم (٥٧٤) في المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له. وقوله: (الظهر أو العصر). بَيَّنَ في «الموطأ» أنها العصر (١)، وفي البخاري في كتاب: الأدب أنها الظهر (٢)، وفي رواية: إحدى صلاتي العشي (٣). وفي كتاب أبي الوليد: إحدى صلاتي العشاء. ولعله غلط من الكاتب. وقوله: (فقال له ذو اليدين) اسمه الخرباق، وقد سلف (٤)، وهذا على باب الإنكار لفعله مع أنه شرع الشرائع، وعنه يؤخذ، إلا أنه جوز عليه النسيان، وجوز أن يكون حدث فيها تقصير، فطلب منه بيان ذلك، فصادف سؤاله من رسول الله - ﷺ - يقينًا أن صلاته كملت أو شكًّا في ذلك. وقوله: فقال: «أحق ما يقول؟» يحتمل أن يقوله وهو متيقن كمال صلاته فيستشهد على رد قول ذي اليدين بقولهم، وتبين هذا بقوله في الخبر الآخر: «كل ذلك لم يكن» (٥). تيقنا منه لكمال صلاته، ولو شك في تمامها لأخذ من الإتيان بما شك فيه، فلما أخبروه بتصديق قول ذي اليدين طرأ عليه الشك فأحذ في التمام. ويحتمل أن يقوله وهو شاك في تمامها بقول ذي اليدين، فأراد اليقين، وجاز له الكلام مع الشك؛ لأنه تيقن كمالها وحدوث الشك --------------- (١) «الموطأ» ص ٧٩. (٢) سيأتي برقم (٦٥٠١) كتاب الأدب، باب ما يجوز من ذكر الناس .. (٣) سلفت برقم (٤٨٢)، ورواها مسلم (٥٧٣). (٤) جاء مصرحًا باسمه هكذا في حديث عمران بن حصين عند مسلم (٥٧٤)، وأبي داود (١٠١٨). (٥) رواه مسلم (٥٧٣/ ٩٩) كتاب: المساجد، باب: في الصلاة والسجود له. بعده، فوجب الرجوع إليها، وهذا أصل مختلف فيه للمالكية يرد لأصحابهم مسائل منه اختلفوا فيها. قَالَ ابن حبيب: إذا سلم الإمام على يقين ثم شك بنى على يقينه، وإن سأل من خلفه فأخبروه أنه لم يتم فقد أحسن، وليتم ما بقي وتجزئهم. ولو كان الفذ سلم من اثنتين على يقين ثم شك، فقال أصبغ: لا يسأل من خلفه، فإن فعل فقد أخطأ، بخلاف الإمام الذي يلزمه الرجوع إلى يقين من معه (١). فهذِه المسألة مبنية على أن الشك بعد السلام على اليقين مؤثر يوجب الرجوع إلى الصلاة، إلا أنهم لم يجعلوا ذلك كمن شك داخل الصلاة؛ لأنه لو شك ذا قبل السلام لم يجز له أن يسأل أحدًا، فإن فعل استأنف، قاله ابن حبيب (٢). وكذا لو سلم على شك ثم سألهم. وقيل: يجزئه (٣). وقوله: (فصلى ركعتين أخراوتين). كذا وقع في أكثر الروايات، وصوابه: أخرتين. وكذا وقع في بعضها، نبه عليه ابن التين. فرع في التكبير للرجوع: قَالَ ابن نافع: إن لم يكبر بطلت صلاته؛ لأنه خرج منها بالسلام. وقال ابن القاسم عن مالك: كل من جاز له البناء بعد الانصراف لقرب ذلك فليراجع بإحرام. ومتى يكبر؟ قَالَ ابن القاسم: يكبر ثم يجلس. وقال غيره: يحرم ------------- (١) «النوادر والزيادات» ١/ ٣٨٦ - ٣٨٧. (٢) «النوادر والزيادات» ١/ ٣٨٧. (٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٣١٩ - ٣٢٠. وهو جالس، فإن لم يدخل بإحرام ففي الفساد قولان، قَالَ الأصيلي: ورجوعه بنية يجزئه عن ابتداء الإحرام كما فعل الشارع. تنبيه: نقل ابن التين عن القاضي أنه قَالَ في «إشرافه»: اجتمع على الشارع أشياء من السهو: كلامه، وسلامه من اثنتين، واستثباته، فسجد لهنّ سجودًا واحدًا فصار فيه حجة إذا وجب عليه سجود يكفيه سجدتان وإن كثر، وقال الأوزاعي وعبد العزيز: إذا وجب عليه سجود قبل وسجود بعد سجدهما جميعًا. ثم ما ترجم به البخاري رد على أهل الظاهر في قولهم: إنه لا يسجد أحد من السهو إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها الشارع: وهو السلام من ثنتين على حديث ذي اليدين، والقيام من ثنتين على حديث ابن بحينة إلا أنه يجعل السجود في ذلك بعد السلام، أو من صلى الظهر خمسًا على حديث ابن مسعود، وفي البناء على اليقين على حديث أبي سعيد الخدري، وفي التحري على حديث ابن مسعود. وجماعة الفقهاء يقولون: إن من سلم في ثلاث ركعات أو قام في ثلاث، أو نقص من صلاته ماله بال، أو زاد فيها فعليه سجود السهو؛ لأنه - ﷺ - علم الناس في السلام من ثنتين والقيام منها وزيادة خامسة، وفي البناء على اليقين والتحري سجود؛ ليستعملوا ذلك في كل سهو يكون في معناه. واحتجوا في ذلك أيضًا بحديث ابن مسعود: أنه - ﷺ - قَالَ: «إذا شك أحدكم في الصلاة فليتحر الصواب، فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين» (١) ------------- (١) سلف برقم (٤٠١) كتاب: الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان. فأمر الشارع بالسجود لكل سهوٍ، وهو عام إلا أن يقوم دليل. وفي قصة ذي اليدين من الفقه: أن اليقين لا يجب تركه بالشك حَتَّى يأتي بيقين يزيله، ألا ترى أن ذا اليدين كان على يقين من أن فرض صلاتهم تلك أربع ركعات، فلما أتى بها على غير تمامها، وأمكن القصر من جهة الوحي، وأمكن النسيان لزمه أن يسبقهم حَتَّى يصيره إلى يقين يقطع به الشك. وفيه أيضًا: أن من سلم ساهيًا في صلاته وتكلم وهو يظن أنه قد أتمها، فإنه لا يضره ذلك ويبني على صلاته. واختلف قول مالك كيف (يرجع) (١) المصلي إلى إصلاح صلاته؟ فقال في «المدونة»: كل من رجع لإصلاح ما بقي عليه من صلاته فليرجع بإحرام. وقال في رواية ابن وهب: إنه إن لم يكبر فلا يضره ذلك مع إمام كان أو وحده. وقال ابن نافع: إن لم يدخل بإحرام أفسد صلاته على نفسه وعلى من خلفه إن كان إمامًا. وقال الأصيلي: رواية ابن وهب هي القياس؛ لأن رجوعه إلى صلاته بنية تجزئه من ابتداء إحرام كما فعل الشارع، وهذا أسلفناه عنه. وقال غيره: إن لم يكبر في رجوعه لا شيء عليه، ثم هو حجة للشافعي ومالك في عدم إبطال الصلاة بالكلام ناسيًا -خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه- والثوري والنخعي وقتادة (٢). ------------ (١) في الأصل: رجع، والمثبت هو اللائق بالسياق. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٧٠، «عيون المجالس» ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣، «المجموع» ٤/ ١٧. وقول النخعي وقتادة رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ (٣٥٧١، ٣٥٧٣). وابن وهب وابن كنانة المالكيان قالا: إنما كان حديث ذي اليدين في بدء الإسلام، ولا أرى لأحد أن يفعله اليوم (١)، والعمد لمصلحة الصلاة يبطلها عندنا، خلافًا لمالك (٢). وقال الأوزاعي: إن تكلم لغرض يجب عليه لم تفسد صلاته، وإن كان لغير ذلك فسدت والفرض عليه رد السلام، أو أن يرى أعمى يقع في بئر فينهاه (٣). ------------ (١) انظر: «الاستذكار» ٤/ ٣١٨ - ٣١٩. (٢) انظر: «عيون المجالس» ١/ ٣٢٣، «المجموع» ٤/ ١٧. (٣) انظر: «الأوسط» ٣/ ٢٣٤، «عيون المجالس» ١/ ٣٢٤. ٤ - باب مَنْ لَمْ يَتَشَهَّدْ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ وَسَلَّمَ أَنَسٌ وَالحَسَنُ وَلَمْ يَتَشَهَّدَا. وَقَالَ قَتَادَةُ لَا يَتَشَهَّدُ. [فتح: ٣/ ٩٧] ١٢٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُواليَدَيْنِ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟». فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ. [انظر: ٤٨٢ - مسلم: ٥٧٣ - فتح ٣/ ٩٨] حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا حَمَّادٌ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ قال: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فِي سَجْدَتَيِ الَسَّهْو تَشَهُّدٌ؟ قَالَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين. ثم ذكر عن حَمَّادٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: فِي سَجْدَتَيِ السَّهْو تَشَهُّدٌ؟ قَالَ: لَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. الشرح: حديث أبي هريرة سلف في باب: هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس (١). وباب: تشبيك الأصابع في المسجد (٢). وأما أثر أنس والحسن فأخرجهما ابن أبي شيبة، عن ابن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن وأنس: أنهما سجدا سجدتي السهو بعد السلام ثم قاما ولم يسلما (٣). ----------- (١) سلف برقم (٧١٥). (٢) سلف برقم (٤٨٢) كتاب: الصلاة. (٣) «المصنف» ١/ ٣٨٧ (٤٤٤٤) كتاب: الصلوات، باب: في السلام في سجدتي = قَالَ: وحديث ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب أن أنس بن مالك قعد في الركعة الثالثة فسبحوا به، فقام وأتمهن أربعًا، فلما سلم سجد سجدتين، ثم أقبل على القوم بوجهه وقال: افعلوا هكذا (١). ونقل ابن قدامة وابن بطال وابن عبد البر وغيرهم (٢)، عن أنس والحسن وعطاء: ليس فيهما تشهد، ولا تسليم. وتعليق قتادة يرسخ ما نقله هؤلاء، وقد سلفت روايته عن شيخه كذلك. وحماد في الأخير هو: ابن زيد. ورواه عن حماد أبو الربيع أيضًا، وفي حديثه: لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئًا، وأحب إليَّ أن يتشهد (٣). واختلف العلماء في سجدتي السهو: هل فيهما تشهد وسلام؟ وقد ورد وجود ذلك وعدمه في بعض الأحاديث، فقالت طائفة: لا فيهما. وقالت أخرى: نعم فيهما. وقالت ثالثة: لا تشهد فيهما، وفيهما السلام. وقد أسلفنا ذلك قبل: إذا صلى خمسًا. وقال بالثاني ابن مسعود والنخعي والحكم، ورواه عن قتادة واستحسن ذلك الليث (٤)، وقاله -------------- = السهو قبل السلام أو بعده. (١) «المصنف» ١/ ٣٩٠ (٤٤٨٦) كتاب: الصلوات، باب: من كان يقول: في كل سهو سجدتان. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٢٣، «التمهيد» ١٠/ ٢٠٧، «المغني» ٢/ ٤٣١. (٣) رواه البيهقي ٢/ ٣٥٥ كتاب: الصلاة، باب: من قال: يتشهد بعد سجدتي السهو ثم يسلم. (٤) رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود والنخعي والحكم ١/ ٣٨٨ (٤٤٥٨، ٤٤٦٠، ٤٤٦٦) كتاب: الصلوات، باب: ما قالوا: فيهما تشهد أم لا؟ ومن قال: لا يسلم فيهما. وذكرها جميعًا ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٣١٥. مالك في «العتبية» و«المجموعة» (١)، وهو قول الأوزاعي والثوري والكوفيين، والشافعي، ذكره ابن المنذر، والأصح عندنا لا يتشهد وهو ما حكاه الطحاوي عن الشافعي والأوزاعي (٢). وفيهما قول رابع: إن سجد قبل السلام لم يتشهد، وإن سجد بعده تشهد، رواه أشهب عن مالك، وهو قول ابن الماجشون وأحمد. وادعى المهلب أنه ليس في حديث ذي اليدين تشهد ولا تسليم، قَالَ: ويحتمل ذلك وجهين: أحدهما: أن يكون - ﷺ - تشهد فيهما وسلم، ولم ينقل ذلك المحدث. والثاني: أنه لم يتشهد فيهما ولا سلم، وألحق المسلمون بها بين السجدتين سنن الصلاة لما كانت صلاة كبر الشارع لهما، فأضيف إليهما التشهد والسلام تأكيدًا لهما، وهو غريب منه، فقد قَالَ ابن المنذر في التسليم فيهما: إنه ثابت عن رسول الله - ﷺ - من غير وجه (٣). وفي ثبوت التشهد عنه نظر، وقد سلف كلام أبي عمر فيه، وفي حديث ذى اليدين حجة لمالك على غيره في قوله: إن سجود السهو كله في الزيادة قبل السلام؛ لأنه - ﷺ - زاد في حديث ذي اليدين السلام والكلام، ثم أكمل صلاته وسجد له بعده. ولما ذكر ابن التين عن الحسن أنه لا يسلم منهما ولا يتشهد، قَالَ: هكذا حكي عنه، وهو خلاف ما في البخاري عنه أنه فعل إلا أن يكون روايته في البخاري أنه فعل ذلك في سجود السهو قبل السلام. قلتُ: لا تنافي بينهما. ------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١/ ٣٦٤. (٢) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٧٥. (٣) «الأوسط» ٣/ ٣١٦. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#257 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 361 الى صـــ 380 الحلقة (257) ٥ - باب مَنْ يُكَبِّرُ فِي سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ١٢٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - إِحْدَى صَلَاتَيِ العَشِيِّ -قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي العَصْرَ- رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَي خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رضي الله عنهما فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ فَقَالُوا: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبِيُّ - ﷺ - ذُو اليَدَيْنِ فَقَالَ: أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ». قَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. [انظر: ٤٨٢ - مسلم: ٥٧٣ - فتح: ٣/ ٩٩] ١٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فَكَبَّرَ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلُوسِ. تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي التَّكْبِيرِ. [انظر: ٨٢٩ - مسلم: ٥٧٠ - فتح: ٣/ ٩٩] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - إِحْدى صَلَاتَيِ العَشِيِّ .. لحديث. وحديث عَبْدِ اللهِ ابن بُحَيْنَةَ الأَسْدِيِّ حَلِيفِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ .. الحديث. ثم قال: تَابَعَهُ ابن جُرَيْجٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ فِي التَّكْبِيرِ. الشرح: حديث أبي هريرة وابن بحينة سلفا. وقوله: (حليف بني عبد المطلب) تقدم في باب: من لم ير التشهد الأول واجبًا، أن الصحيح الذي عليه المؤرخون إسقاط عبد؛ لأن جده حالف المطلب بن عبد مناف (١). أما التكبير في سجود السهو فهو ثابت عن رسول الله - ﷺ -. قَالَ المهلب: وكذلك ألحق المسلمون فيهما التشهد والسلام. وقد سلف قبيل باب: إذا صلى خمسًا ما فيه من الخلاف (٢). وفيه من الفقه: أنه لو انحرف عن القبلة في صلاته ساهيًا أو مشى قليلًا أنه لا يخرجه ذلك عن صلاته؛ لأنه - ﷺ - قام إلى خشبة في مقدم المسجد فوضع يده عليها وخرج السرعان، وقالوا: إنه قصرت الصلاة، فلم ينقص ذلك صلاتهم؛ لأنه كان سهوًا، فدل أن السهو لا ينقص الصلاة، وقد أسلفنا عن بعضهم: لا يستعمل اليوم مثل هذا في الخروج من المسجد، والكلام -ليس الإعادة والعمل الكثير- في الصلاة مسقط لخشوعها. فلذلك استحب العلماء إعادتها من أولها إذا كثر العمل مثل هذا، وقد أسلفنا: إن تكرر السهو هل يكرر السجود؟ وأن أكثر أهل العلم على المنع، وهو قول النخعي وربيعة ومالك والثوري والليث والكوفيين والشافعي وأبي ثور، منهم من قَالَ: يسجد في ذلك كله قبل السلام، ومنهم من قَالَ: بعده. على حسب أقوالهم في ذلك، وحجته حديث الباب، فإنه حصل فيه أمور سلفت، ولم يزد على سجدتين. وقال مالك: إنه إذا اجتمع سهوان زيادة ونقصان سجد قبل ------------- (١) راجع حديث (٨٢٩). (٢) راجع حديث (١٢٢٤) كتاب: الصلاة. السلام (١). أخذًا بحديثي الباب. وقوله: (سُرعان الناس). قَالَ ابن التين: كذا وقع هنا بالضم. وقال ابن فارس بفتحها، وفتح الراء أيضًا (٢). وفيه جواز تسمية القصير والطويل من الناس. وقوله: («لم أنس ولم تقصر») هو بيان لقوله في الرواية الأخرى: «كل ذلك لم يكن» (٣) وهو رد على من قَالَ أنهما لم يجتمعا، وأن أحدهما كان. ------------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٢٧٨، «عيون المجالس» ١/ ٣٤٠، «الأوسط» ٣/ ٣١٧ - ٣١٨. (٢) «المجمل» ١/ ٤٩٣. (٣) رواها مسلم (٥٧٣/ ٩٩). ٦ - باب إِذَا لَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ. ١٢٣١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِىَ الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا. مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ». [انظر: ٦٠٨ - مسلم: ٣٨٩ - فتح: ٣/ ١٠٣] ذكر فيه حديث أبي هريرة: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ ..» الحديث. سلف في باب الأذان، وتذكر الرجل الشيء في الصلاة (١). وذكرنا هناك أنه إنما يفعل الشيطان ذلك؛ لئلا يشهد للمؤذن بما يسمعه منه؛ لقوله - ﷺ -: «لا يسمع مدى صوت المؤذن» الحديث (٢). فيفعل اللعين ذلك مرارًا، وذكرنا هناك غير هذا أيضًا. وقوله: («فإذا ثُوب بها») أي: أقيمت الصلاة. وقوله: («فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ») قد سلف الخلاف في ضبط «يخطر». وقال ابن التين: وقع هنا عند أبي الحسن بضاد غير مرفوعة -أي: غير مشالة- وقال: هكذا قرأ لنا أبو زيد، والصواب: يخطر. ------------ (١) برقم (١٢٢٢) كتاب: الحمل في الصلاة، باب: يفكر الرجل الشيء في الصلاة. (٢) سبق برقم (٦٠٩) كتاب: الأذان، باب: رفع الصوت بالنداء. حديث أبي سعيد. وقوله: «حَتَّى يظل» أي: لا يعرف كلم صلى. ثم اعلم أن حديث أبي هريرة هذا بخلاف حديث أبي سعيد: «إذا شك أحدكم فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم» (١). وذكر الطبري عن بعض أهل العلم أنه يأخذ بأيهما أحب لعدم التأريخ، ومنهم من رجح حديث أبي سعيد بالقياس؛ لأن محمل من شك أنه لم يفعل، والركعة في ذمته بيقين، فلا تبرأ بشكٍ. وقال أبو عبد الملك: يحمل حديث أبي هريرة هذا على من استنكحه (٢) السهو، وقال: لو كان حكمه حكم حديث أبي سعيد لبينه. وردوه عليه، والأولى أن يكون حديث أبي سعيد مفسرًا له، وأن بعض الرواة قصر في ذكره، على أن حديث أبي هريرة حمل على كل ساهٍ، وأن حكمه السجود، ويرجع في بيان حكم المصلي فيما يشك فيه وفي موضع سجوده من صلاته إلى سائر الأحاديث المفسرة، وهو قول أنس وأبي هريرة والحسن وربيعة ومالك والثوري والشافعي (٣) وأبي ثور وإسحاق، وما حمله عليه أبو عبد الملك هو ما فسره الليث ابن سعد، وقاله مالك وابن القاسم. وعن مالك قول آخر: لا يسجد له أيضًا. حكاه ابن نافع عنه، وقال ابن عبد الحكم: لو سجد بعد السلام كان أحبَّ إليَّ (٤). ------------ (١) رواه مسلم برقم (٥٧١) كتاب: المساجد، باب: السهو في الصلاة والسجود له. (٢) أي:/ غلبة، انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٥٣٦. (٣) رواه ابن أبي شيبة عن الحسن وأنس ١/ ٣٨٥ (٤٤١٧) كتاب: الصلوات، باب: في الرجل يصلي فلا يدري زاد أو نقص. وذكره عنهم ابن المنذر في «الأوسط» ٣/ ٣٠٨. (٤) انظر: «المنتقى» ١/ ١٧٦ - ١٧٨. وقال آخرون: إذا لم يدر كم صلى أعادها أبدًا حَتَّى يحفظ. روي عن ابن عباس وابن عمر والشعبي وشريح وعطاء وسعيد بن جبير (١)، وبه قَالَ الأوزاعي (٢). وحكي عن عطاء وميمون بن مهران وسعيد بن جبير قول آخر: إنهم إذا شكوا في الصلاة أعادوها ثلاث مرات، فإذا كانت الرابعة لم يعيدوا. وهما مخالفاق للآثار كلها، وكأنهما قصدا الاحتياط، ولا معنى لمن حد ثلاث مرات. فرع: لو غلب على ظنه التمام فهو شك عندنا وعند مالك وأصحابه، وقيل: تجزئه بحديث ابن مسعود في التحري (٣). وهو مذهب أبي حنيفة قَالَ: من شك في صلاته فلم يدر كم صلى؛ فإن وقع له ذلك كثيرًا بني على اجتهاده وغالب ظنه، وإن كان ذلك أول ما عرض له فليستأنف صلاته (٤). وحديث ابن مسعود فيه: «فليتحر الصواب، فيتم ما بقي؛ ثم يسجد سجدتين» ذكره البخاري في الإيمان والنذور كما ستعلمه (٥). وهو لا يقوم يتم بل يستأنف، والحديث بخلافه. وروي عن مكحول والأوزاعي أنه من بني على اليقين فليس عليه سجدتان، ومن لم يبن فليسجد. ذكره الطبري، وهو خلاف حديث ابن مسعود وغيره في السجود لمن بني على اليقين، وهو خلاف قول الفقهاء. -------------- (١) رواها ابن أبي شيبة ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦ (٤٤٢١ - ٤٤٢٥)، (٤٤٢٧ - ٤٤٣٠) كتاب: الصلوات، باب: من قال: إذا شك فلم يدرِ كم صلى. (٢) انظر: «التمهيد» ٣/ ٢٨٣. (٣) سلف برقم (٤٠١) كتاب: الصلاة، باب: التوجه نحو القبلة حيث كان. (٤) «مختصر الطحاوي» ص ٣٠. (٥) برقم (٦٦٧١) باب: إذا حنث ناسيًا في الأيمان. ٧ - باب السَّهْوِ فِي الفَرْضِ وَالتَّطَوُّعِ وَسَجَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ وِتْرِهِ. ١٢٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ». [انظر: ٦٠٨ - مسلم: ٣٨٩ - فتح: ٣/ ١٠٤] ثم ذكر حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَه الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُو جَالِسٌ». الشرح: هذا الحديث يأتي في صفة إبليس إن شاء الله (١)، وما نقله عن ابن عباس إنما يأتي عليَّ قول من يقول: إن الوتر سُنَّة. وقد أسلفنا قبيلُ إذا صلى خمسًا أن جمهور العلماء على أن النفل كالفرض في ذلك؛ لإطلاق الأحاديث؛ وإرغامًا للشيطان أيضًا، فيرجع خاسئًا بالسجود الذي حرمه والخيبة التي آب بها. والكلام في الحديث كالكلام في حديث الباب قبله، منهم من جعله مبنيًا على حديث البناء على اليقين، ومنهم من جعله في المستنكح، ومنهم من أخذ بظاهره مطلقًا ولم يوجب عليه الإتيان بركعة على حسب ما سلف في الباب قبله. -------------- (١) برقم (٣٢٨٥) كتاب: بدء الخلق. ٨ - باب إِذَا كُلِّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَأَشَارَ بِيَدِهِ وَاسْتَمَعَ ١٢٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ رضي الله عنهم أَرْسَلُوهُ إِلَي عَائِشَةَ رضي الله عنها، فَقَالُوا: اقْرَأْ عليها السلام مِنَّا جَمِيعًا وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ العَصْرِ وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْهُمَا. فَقَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي. فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ. فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَنْهَى عَنْهَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِه، قُولِي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا. فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ. فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» [٤٣٧٠ - مسلم: ٨٣٤ - فتح: ٣/ ١٠٥] ذكر فيه حديث غريب أَنَّ ابن عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأزهر أَرْسَلُوهُ إِلَي عَائِشَةَ .. الحديث. وهو حديث أم سلمة عن الركعتين بعد العصر، وفيه: فأشار بيده فاستأخرت عنه. وأخرجه مسلم (١)، ويأتي في المغازي أيضًا (٢)، وذكره تعليقًا في باب ما يصلى بعد ------------ (١) «صحيح مسلم» (٨٣٤) كتاب: صلاة المسافرين، باب: معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي - ﷺ - بعد العصر. (٢) (٤٣٧٠) باب: وفد عبد القيس. العصر من الفوائت ونحوها، فقال: وقال كريب: عن أم سلمة: صلى النبي - ﷺ - بعد العصر ركعتين. الحديث، وقد سلف (١). وقوله: (كنت أضرب مع عمر الناس عليها). كذا هو بالضاد المعجمة، وهو الصحيح؛ لأنه جاء في «الموطأ»: كان عمر يضرب عليها (٢). روى السائب بن يزيد أنه رأى عمر يضرب المنكدر على الصلاة بعد العصر (٣). وروي: أصرف. بالصاد المهملة والفاء. واختلف العلماء في الإشارة المفهمة في الصلاة، فقال مالك والشافعي: لا تقطع الصلاة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: تقطعها كالكلام. واحتجوا بحديث أبي هريرة مرفوعًا: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاله إشارة تفهم عنه فليعد» (٤) واحتج الأولون بحديث الباب وقالوا: قد جاء من طرق متواترة عن النبي - ﷺ - بإشارة مفهمة، فهي أولى من هذا الحديث، وليست الإشارة ----------- (١) قبل حديث (٥٩٠) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها. تعليقًا. (٢) «الموطأ» ص ١٥٤. (٣) رواه مالك ص ١٥٤، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ٢/ ١٣٤ (٧٣٣٩) كتاب: الصلوات، باب: من قال: لا صلاة بعد الفجر. (٤) رواه أبو داود (٩٤٤) كتاب: الصلاة، باب: الإشارة في الصلاة، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٥٣ كتاب: الصلاة، باب: الإشارة في الصلاة، والدارقطني في «سننه» ٢/ ٨٣، ٨٤ كتاب: الجنائز، باب: الإشارة في الصلاة، والبيهقي ٢/ ٢٦٢ كتاب: الصلاة، باب: الإشارة فيما ينوبه في صلاته … قال أبو داود: هذا الحديث وهم. وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (١٦٩): إسناده ضعيف رجاله ثقات، محمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، فالوهم منه، أو ممن دلسه عنه، وقال أحمد: لا يثبت إسناده. في طريق النظر كالكلام؛ لأن الإشارة إنما هي حركة عضو، وقد رأينا حركة سائر الأعضاء غير اليد في الصلاة لا تفسدها وكذلك حركة اليد. وفيه: جواز استماع المصلي إلى ما يخبره به من ليس في الصلاة، وقد روى موسى عن القاسم أن من أخبر في الصلاة بما يسره فحمد الله، أو بمصيبة فاسترجع، أو يخبرُ بالشيء فيقول: الحمد لله على كل حال، أو الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. فلا يعجبني وصلاته مجزئة، ومداومته - ﷺ - على هاتين الركعتين بعد العصر دائمًا من خصائصه، وليس لنا ذلك على الأصح. وفيه: أنه ينبغي أن يسأل أعلم الناس بالمسألة، وأن العلماء إذا اختلفوا يرفع الأمر إلى الأعلم والأفقه لملازمة سبقت له، ثم يقتدى به وينتهى إلى فعله. وفيه: فضل عائشة وعلمها؛ لأنهم اختصوها بالسؤال قبل غيرها، وإنما رفعت المسألة إلى أم سلمة؛ لأن عائشة كانت تصليهما بعد العصر، وعلمت أن عند أم سلمة من علمها مثل ما عندها، وأنها قد رأته - ﷺ - يصليهما في ذلك الوقت في بيتها، فأرادت عائشة أن تستظهر بأم سلمة؛ تقوية لمذهبها؛ من أجل ظهور نهيه - ﷺ - عنها؛ وخشية الإنكار؛ لقولها متفردة. وقد حفظ عن عائشة أنها قالت: ما تركهما رسول الله - ﷺ - في بيتي سرًّا ولا جهرًا (١)، تريد: جهرًا منها، وكان لا يصليهما في المسجد؛ مخافة أن يثقل على أمته. ---------- (١) سلف برقم (٥٩٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها. ورواه مسلم برقم (٨٣٥/ ٣٠٠) كتاب: صلاة المسافرين، باب: معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي - ﷺ - بعد العصر. وادعى ابن بطال أن الركعتين صلاهما ذلك اليوم في بيت أم سلمة هنا غير اللتين كان يلتزم صلاتهما في بيت عائشة بعد العصر، وإنما كانت الركعتان بعد الظهر على ما جاء في الحديث، فأراد إعادتهما ذلك الوقت؛ أخذًا بالأفضل، لا أن ذلك واجب عليه في سننه؛ لأن السنن والنوافل إذا فاتت أوقاتها لم يلزم إعادتها (١). هذا لفظه، ولا يسلم له، وبناه على مذهبه في السنن، وعندنا أنها تقضى أبدًا. وقال ابن التين: مذهب عائشة أنها تبيح النافلة في هذا الوقت، وأقسمت أنه - ﷺ - ما تركها في بيتها (٢). وقال مثل قولها داود، خاصة أنه لا بأس بعد العصر ما لم تغرب، ودليل مالك والجمهور النهي. ------ (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٣٣. (٢) سلف برقم (٥٩١) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: ما يصلى بعد العصر من الفوائت ونحوها. ورواه مسلم برقم (٨٣٥/ ٢٩٩) في صلاة المسافرين، باب: معرفة الركعتين اللتين .. ٩ - باب الإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ قَالَهُ كُرَيْبٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١٢٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَجَاءَ بِلَالٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَدْ حُبِسَ وَقَدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ؟ النَّاسَ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَأَقَامَ بِلَالٌ وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَفَتَ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ وَرَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ، إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللهِ. فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللهِ إِلاَّ التَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ؟». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: مَا كَانَ يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ٦٨٤ - مسلم: ٤٢١ - فتح: ٣/ ١٠٧] ١٢٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها وَهِيَ تُصَلِّي قَائِمَةً، وَالنَّاسُ قِيَامٌ فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى السَّمَاءِ. فَقُلْتُ آيَةٌ؟ فَقَالَتْ بِرَأْسِهَا أَيْ: نَعَمْ. [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٣/ ١٠٧] ١٢٣٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا». [انظر: ٦٨٨ - مسلم: ٤١٢ - فتح: ٣/ ١٠٨] هو الحديث الذي سلف في الباب قبله. وقوله: (عن النبي - ﷺ -). يعني: عن فعله أو مسندًا إلى رسول الله - ﷺ -، لا أنه موقوف عليها. ثم ذكر حديث سهل بن سعد الساعدي: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ .. الحديث. وقد سلف في عدة مواضع: من دخل ليؤم الناس فجاء الإمام الأول (١). ما يجوز من التسبيح والحمد للرجال (٢). رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به، والبخاري رواه هنا عن قتيبة، عن يعقوب بن عبد الرحمن، ورواه أيضًا قتيبة فيه، عن عبد العزيز بن أبي حازم (٣)، فيكون له فيه شيخان. ثم ذكر حديث أسماء: دَخَلْتُ عَلَى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي .. الحديث. وقد سلف في مواضع، أولها: العلم، في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس (٤). ----------- (١) برقم (٦٨٤) كتاب: الأذان. (٢) برقم (١٢٠١) كتاب: العمل في الصلاة. (٣) برقم (١٢١٨) كتاب: العمل في الصلاة، رفع الأيدي في الصلاة لأمر ينزل به. (٤) برقم (٨٦) كتاب: العلم. ثم ذكر حديث عائشة: صَلَّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهُو شَاكٍ فَأشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا .. الحديث. وقد سلف في باب: أهل العلم والفضل أحق بالإمامة (١)، وهذا الباب كالذي قبله. فيه: الإشارة المعهودة باليد والرأس. وفيه: جواز استفهام المصلي ورد الجواب باليد والرأس، خلافًا لقول الكوفيين. وروى ابن القاسم عن مالك: من كُلِّم في الصلاة فأشار برأسه أو بيده فلا بأس بما خف، ولا يكثر. وقال ابن وهب: لا بأس أن يشير في الصلاة بلا ونعم. وقد اختلف قول مالك: إذا تنحنح في الصلاة لرجل ليسمعه، فقال في «المختصر»: إن ذلك كالكلام. وروى عنه ابن القاسم أنه لا شيء عليه؛ لأن التنحنح ليس بكلام، وليس له حروف هجاء، قاله الأبهري (٢). وحديث سهل فيه أنواع من الفقه والأدب، فلنشر ههنا إلى اثني عشر وإن سلفت: أولها: مبادرة الصحابة إلى الصلاة خوف الوقت إذا انتظر مجيئه. ثانيها: جواز الصلاة بإمامين بعضها خلف واحد، وتمامها خلف آخر. ثالثها: جواز الائتمام بمن تقدم إحرام المأموم عليه. رابعها: جواز صلاة الشخص بعضًا إمامًا وبعضًا مأمومًا. خامسها: إن العمل اليسير كالخطوة والخطوتين لا يفسد. ------------- (١) برقم (٦٨٨) كتاب: الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٣٤. سادسها: إن سنة الرجال فيما ينوبهم التسبيح، وأن النساء التصفيق، وهو ضرب اليمين على ظهر اليسار. سابعها: صلاة الشارع خلف أمته. عاشرها: تفضيل الصديق. الحادي عشر: الرضا بإمامته لو ثبت وتم عليه، ولذلك أشار إليه. الثاني عشر: جواز الدعاء في الصلاة مع رفع اليدين عند حدوث نعمة يجب شكرها. وذلك أن الصديق عقل من إشارته - ﷺ - أنه أمر إكرام لا إيجاب، ولولا ذلك ما استجاز مخالفة أمره. وقوله: (لا يَنْبَغِي لاِبْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -). يحتمل وجهين، أبداهما ابن التين: أحدهما: أنه تواضَعَ واستَصْغَرَ نفسه؛ إذ من الفضائل تقدم الأفاضل. والثاني: أن أمر الصلاة في حياته كان يختلف، فلم يُؤْمَن حدوث زيادة أو نقص وتغير في الحالة، والمستحق لها سيد الأنبياء والمرسلين. قَالَ: ويشبه أن يكون الصديق قد استدل مع ذلك بشقه الصفوف إلى أن خلص إلى الأول. أي: لو لم يرد ذلك لصلى حيث انتهى به المقام و(…) (١) قيامهم في حديث عائشة ما بينه حديث جابر أنه فعله تواضعًا ومخالفة لأهل فارس في قيامهم على رءوس ملوكهم (٢)، ويحتمل أن -------- (١) كلمة غير واضحة بالأصل. (٢) رواه مسلم برقم (٤١٣) كتاب: الصلاة، باب: ائتمام المأموم بالإمام، وأبو داود برقم (٦٠٢) كتاب: الصلاة، باب: الإمام يصلي من قعود، والنسائي ٣/ ٩ كتاب: السهو، باب: الرخصة في الالتفات في الصلاة يمينًا وشمالًا، وابن ماجه برقم (١٢٤٠) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في: إنما جعل الإمام ليؤتم به. يكون قاموا في موضع الجلوس؛ تعظيمًا له، فأمرهم باتباعه والجلوس معه إذا جلس للتشهد. وادعى ابن القاسم أنه كان في النافلة. وقال أحمد وإسحاق بظاهر الحديث: يصلي المأموم جالسًا وإن قدر على القيام إذا صلى الإمام جالسًا (١). والحميدي والبخاري وغيرهما ادعوا نسخه بصلاة الصديق خلفه في مرضه الذي مات فيه قائمًا (٢)، ومشهور مذهب مالك أنه لا يجوز أن يكون إمامًا إذا كان من وراءه قادرًا على القيام، وأبو حنيفة والشافعي والأوزاعي جوَّزوه (٣). وبالله التوفيق (٤). آخر كتاب الصلاة ويتلوه في الجزء الثاني كتاب الجنائز فرغ من تعليقه بدار السنة الكائنة بالقاهرة، في مدة آخرها منتصف شعبان المكرم من سنة خمس وثمانين وسبعمائة: إبراهيم بن محمد بن خليل سبط بن العجمي الحلبي. الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ------------ (١) انظر: «المغني» ٣/ ٦١. (٢) سلف برقم (٦٨٩) كتاب: الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به. (٣) انظر: «الهداية» ١/ ٥٨، «عيون المجالس» ١/ ٣٦١ - ٣٦٣، «المنتقى» ١/ ٢٣٨. (٤) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثاني بعد المائة. قراءة علي ومقابلة بأصلي. نفعه الله وإياي، مؤلفه غفر الله له. ٢٣ كتاب الجنائز ٢٣ - كتاب الجنائز ١ - باب فِي الجَنَائِزِ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَقِيلَ لِوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلاَّ لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ. [فتح ٣/ ١٠٩] ١٢٣٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي -أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي- أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟! قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». [١٤٠٨، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٦٤٤٤، ٧٤٨٧ - مسلم: ٩٤ وسيأتي بعد الحديث ٩٩١ في كتاب الزكاة (٣٢) - فتح: ٣/ ١١٠] ١٢٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ». وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ. [٤٤٩٧، ٦٦٨٣ - مسلم: ٩٢ - فتح: ٣/ ١١٠] ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#258 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (9) من صـــ 381 الى صـــ 400 الحلقة (258) ثم ذكر فيه حديث أبي ذر: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أتانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأخْبَرَنِي -أَوْ قال: بَشَّرَنِي- أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بالله شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ». قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟! قال: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». وحديث شقيق عن عبد الله: قال رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ». وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بالله شَيْئَا دَخَلَ الجَنَّةَ. الشرح: ترجمة الباب بعض من حديث صحيح أخرجه أبو داود عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال رسول الله - ﷺ -: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» قال الحاكم: صحيح الإسناد (١). ولأبي زرعة عند وفاته فيه حكايته، أخبرنا بها الوجيه العوفي السكندري المعمر مشافهة، عن ---------- (١) أبو داود (٣١١٦)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٥١، ٥٠٠. ورواه أحمد ٥/ ٢٤٧، والبزار في «البحر الزخار» ٧/ ٧٧ (٢٦٢٥)، والشاشي في «مسنده» ٣/ ٢٧٠ - ٢٧١ (١٣٧٢ - ١٣٧٣)، والطبراني ٢٠/ ١١٢ (٢٢١)، وفي «الدعاء» ٣/ ١٤٨٥ (١٤٧١)، والخطيب في «الموضح» ٢/ ١٨٥ - ١٨٦، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٣/ ٥٧٤، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٦٢٠ - ٢٦١ من طريق أبي عاصم النبيل -الضحاك بن مخلد- عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح ابن أبي غريب عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل. وهو حديث صحيح -كما ذكر المصنف هنا- وكذا صححه في «البدر المنير» ٥/ ١٨٩، وعبد الحق الأشبيلي في «أحكامه» ٢/ ١١٨. وحسن النووي في «المجموع» ٥/ ١٠٢ إسناده. وكذا الألباني في «أحكام الجنائز» ص ٤٨. وقال الحافظ في «شرح المشكاة» كما في «الفتوحات» ٤/ ١٠٩: سنده صحيح. وحسَّن الحديث في «أماليه» كما في «الفتوحات» ٤/ ١٠٤. وكذا الألباني في «الإرواء» (٦٨٧). وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٧٢٩): إسناده حسن صحيح. ابن رواح عامة، أنا السلفي، أنا أبو علي البرداني، ثنا إبراهيم بن هناد النسفي، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد القطان، ثنا أبو عبد الله محمد بن مسلم بن وارة الرازي قال: حضرت مع أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي عند أبي زرعة الرازي وهو في النزع فقلت لأبي حاتم: تعال حتَّى نلقنه الشهادة، فقال أبو حاتم: إني لأستحي من أبي زرعة أن ألقنه الشهادة، ولكن تعال حتَّى نتذاكر الحديث فلعله إِذَا سمعه يقول، فبدأت فقلت: حَدَّثَنَا أبو عاصم النبيل، ثنا عبد الحميد بن جعفر، فأرتج عَلَي الحديث حتَّى كأني ما سمعته ولا قرأته، فبدأ أبو حاتم فقال: حَدَّثنَا محمد بن بشار، ثنا أبو عاصم النبيل، عن عبد الحميد ابن جعفر، فأرتج عليه كأنه ما قرأه، فبدأ أبو زرعة فقال: حَدَّثَنَا محمد بن بشار، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي عريب، عن ابن سيرين مرة، عن معاذ بن جبل، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ كان آخر كلامه لا إله إلا الله» وخرجت روحه مع الهاء قبل أن يقول: «دخل الجنة» وذلك سنة اثنتين وستين ومائتين (١). وقول وهب وقع في حديث مرفوع إلى رسول الله - ﷺ - رواه البيهقي من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله - ﷺ - قال له حين بعثه إلى اليمن: «إنك ستأتي أهل كتاب فيسألونك عن مفتاح الجنة، فقل شهادة ------------ (١) هذِه القصة رواها المصنف -رحمه الله- في»البدر المنير«٥/ ١٨٩ - ١٩١، وابن أبي حاتم في»الجرح والتعديل«١/ ٣٤٥ - ٣٤٦ - مختصره- والحاكم في»معرفة علوم الحديث«ص ٧٦، والخليلي في»الإرشاد«٢/ ٦٧٧ - ٦٧٨، والخطيب في»تاريخ بغداد«١٠/ ٣٣٥، والمزي في»تهذيب الكمال«١٩/ ١٠١ - ١٠٢، والذهبي في»السير" ١٣/ ٨٥ من عدة وجوه. أن لا إله إلا الله، ولكن مفتاح بلا أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك» (١). وفي «سيرة ابن إسحاق»: لما أرسل العلاء بن الحضرمي: «إذا سُئلت عن مفتاح الجنة، قل: معناها لا إله إلا الله» (٢). وفي «مسند أبي داود الطيالسي» من حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد، عن جابر مرفوعًا: «مفتاح الجنة الصلاة» (٣). وذكر أبو نعيم في كتابه «أحوال الموحدين الموقنين» أن أسنان هذا المفتاح في الطاعات الواجبة من القيام بطاعة الله تعالى وتأديتها، والمفارقة للمعاصي ومجانبتها. وكذا قال ابن بطال: إنه أراد بالأسنان القواعد التي بني الإسلام عليها التي هي كمال الإيمان ودعائمه خلاف قول الغالية من المرجئة ---------- (١) روى الإمام أحمد في «المسند» ٥/ ٢٤٢، والبزار في «البحر الزخار» ٧/ ١٠٣ - ١٠٤ (٢٦٦٠)، والطبراني في «الدعاء» ٣/ ١٤٤٨ (١٤٧٩) من طريق شهر بن حوشب عن معاذ مرفوعًا: مفاتيح الجنة لا إله إلا الله. هكذا مختصرًا. وشهر لم يسمع من معاذ، قاله البزار. وبهذا ضعفه الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٦ فقال: فيه: انقطاع بين شهر ومعاذ، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفة وهذا منها. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٣١١). والحديث الذي ذكره المصنف هنا وعزاه للبيهقي، ذكره الحافظ في «الفتح» ٣/ ١٠٩ كذلك وزاد نسبته «للشعب». وكذا في «التعليق» ٢/ ٤٥٤ وضعف إسناده. والله أعلم. وأما تعليق وهب بن منبه فوصله البخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ٩٥، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٦٦، والحافظ في «التغليق» ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤. (٢) انظره بتفصيل في «الروض الأنف» ٤/ ٢٥٠. (٣) «مسند الطيالسي» ٣/ ٣٣٧ (١٨٩٩). = والجهمية الذين يقولون: إن الفرائض ليست إيمانًا، وقد سماها الله تعالى إيمانًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] واستئذانهم له عمل مفترض عليهم فسُمُّوا به مؤمنين كما سُمُّوا بإيمانهم بالله ورسوله (١). وقال الداودي: قول وهب بمعنى التشديد، ولعله لم يبلغه حديث أبي ذر (٢)، وحديث عتبان (٣)، وحديث معاذ (٤) فيتأمل المعنى: من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه فهو مفتاح له أسنان، إلا أنه إن خلط ذلك بالكبائر حتى مات مصرا عليها لم تكن أسنانه بالتامة، فربما طال علاجه، وربما يسر له الفتح بفضله. ----------- = ورواه الترمذي (٤)، وأحمد ٣/ ٣٤٠، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ١٣٧، وابن عدي ٤/ ٢٤١، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» ١/ ١٧٦، والبيهقي في «الشعب» ٣/ ٤ (٢٧١١ - ٢٧١٢)، والخطيب في «الموضح» ١/ ٣٥٠ - ٣٥١ من طريق سليمان بن قرم بن معاذ الضبي عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عن جابر بن عبد الله. والحديث أشار المصنف لضعفه في «البدر المنير» ٣/ ٤٤٩ - ٤٥٠، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٢٦٥). (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٢٣٧. ويبدو أنه من كلام المهلب نقله عنه ابن بطال، فقبل هذِه الفقرة بفقرتين. قال ابن بطال: قال المهلب، ونقل كلامًا، وبعد الفقرة التي نقلها المصنف هنا. قال ابن بطال: قال المؤلف، وهل يعني إلا نفسه؟ والله أعلم. (٢) هو حديث الباب (١٢٣٧) وسيأتي في عدة مواضع، وسيذكره المصنف قريبًا. (٣) سلف برقم (٤٢٥) مطولًا، ورواه مسلم (٣٣). (٤) هو حديث معاذ المذكور أول الباب، وقد تقدم تخريجه. وروي عن عبد الله بن معقل قال: كان وهب بن منبه [جالسًا] (١) في مجلس ابن عباس فسُئل: أليس تقول: إن مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال علي: وجدت في التوراة: ولكن اتخذوا له أسنانًا، فسمع ذلك ابن عباس فقال: أسنانه والله عندي: أولها: شهادة أن لا إله إلا الله، وهو المفتاح. والثاني: الصلاة، وهو القنطرة. والثالث: الزكاة، وهي الطهور. والرابع: الصوم، وهو الجُنة. والخامس: الجهاد. والسادس: الأمر بالمعروف وهو الألفة. والسابع: الطاعة، وهي العصمة. والثامن: الغسل من الجنابة وهي السريرة. وقد خاب من لا سن له، هذا والله أسنانها. وحديث أبي ذر يأتي في اللباس أيضًا. وفيه: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» ثلاثًا «على رغم أنف أبي ذر» وكان أبو ذر إذا حدث به يقول: وإن رغم أنف أبي ذر. قال أبو عبد الله: هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله، غُفر له (٢). ---------- (١) في الأصل: جالسٌ، والصواب ما أثبتناه. (٢) سيأتي برقم (٥٨٢٧) كتاب: اللباس، باب: الثياب البيض. وهو يوضح ما استبعد من أنه ليس موافقًا التبويب الذي فيه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ إذ فيه: ثم مات على ذلك. ودل أيضًا أن من قالها وارتعد ومات على اعتقادها كذلك. ففي مسلم من حديث عثمان مرفوعًا: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة» (١). وفيه من حديث أبي هريرة: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله» (٢) ولابن ماجه مثله من حديث عبد الله بن جعفر بزيادة: «الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين» (٣). وحديث عبد الله أخرجه البخاري في موضع آخر بلفظ: قال رسول الله كلمة وقلت أخرى. قال: «من ماتَ يجعل لله ندًا دَخَلَ النَّار» وقلت: من مات لا يجعل لله ندًا دخل الجنة (٤). وفي رواية وكيع وابن نمير لمسلم بالعكس: «مَنْ ماتَ لا يشرك بالله شيئًا دَخَلَ الجنَّة» وقلت أنا: مَنْ مَاتَ يشركُ بالله شيئًا دَخَلَ النار (٥). ---------- (١) مسلم (٢٦) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا. (٢) مسلم (٩١٧) كتاب: الجنائز، باب: تلقين الموتي لا إله إلا الله. (٣) «سنن ابن ماجه» (١٤٤٦) كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في تلقين الميت لا إله إلا الله. وقال البوصيري في «الزوائد» (٤٧٨): أصله في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة، وإسناد حديث عبد الله بن جعفر فيه مقال، إسحاق لم أرَ من وثقه ولا من جرحه. وكثير بن زيد قال فيه أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال ابن معين: ليس شيء .. وباقي رجاله ثقات. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٣١٧)، وفي «ضعيف ابن ماجه» (٣٠٧). (٤) سيأتي برقم (٤٤٩٧) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾. (٥) مسلم (٩٢) كتاب: الإيمان، باب: من لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة. وفيه رد على من قال: إن ابن مسعود سمع أحد الحكمين، فرواه وضم إليه الحكم الآخر قياسًا على القواعد الشرعية. الظاهر أنه نسي مرة وهي الأولى وحفظ مرة وهي الأخرى فرواهما مرفوعين كغيره من الصحابة. ودخول المشرك النار دخول تأبيد. إذا تقرر ذلك فالإجماع قائم على أن من مات على ذلك دخل الجنة لكن بعد الفصل بين العباد، ورد المظالم إلى أهلها، فيزحزح عنها ويباعد ويعجل له الدخول، أو يصيبه سفع من النار بكبائر ارتكبها. وفيه رد على الرافضة والإباضية وأكثر الخوارج في قولهم: إن أصحاب الكبائر والمذنبين من المؤمنين يخلدون في النار بذنوبهم، والقرآن ناطق بتكذيبهم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] والحجة عليهم أن قبول العمل يقتضي ثوابًا، والتخليد ينافيه. وقد أخبر الصادق في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]. وترك المثوبة على الإحسان لا يليق بالربوبية. وقول ابن مسعود السالف أصل في القول بدليل الخطاب وإثبات القياس. وقول أبي ذر: وإن زنى وإن سرق؟ إنما ذكره لأنه - عليه السلام - قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١) وما في معناه، فوضح له - عليه السلام - إن وقع ذلك منه. ---------- (١) سيأتي برقم (٢٤٧٥) كتاب: المظالم، باب: النهي بغير إذن صاحبه، ورواه مسلم (٥٧) في الإيمان، نقصان الإيمان بالمعاصي، من حديث أبي هريرة (. ٢ - باب الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ ١٢٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ المَرِيضِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ المَظْلُومِ، وَإِبْرَارِ القَسَمِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ. وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ، وَالحَرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالقَسِّيِّ، وَالإِسْتَبْرَقِ. [٢٤٤٥، ٥١٧٥، ٥٦٣٥، ٥٦٥٠، ٥٨٣٨، ٥٨٤٩، ٥٨٦٣، ٦٢٢٢، ٦٢٣٥، ٦٦٥٤ - مسلم: ٢٠٦٦ - فتح: ٣/ ١١٢]. ١٢٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ». تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. وَرَوَاهُ سَلَامَةُ، عَنْ عُقَيْلٍ. [مسلم: ٢٦١٢ - فتح: ٣/ ١١٢] ذكر فيه حديث البراء أَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ .. الحديث. وحديث أبي هريرة: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ -فذكر منها-: وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ». أما حديث البراء فأخرجه البخاري في عشرة مواضع من «صحيحه» (١)، وسقط منه هنا الخصلة السابعة من المنهي عنها، وهي ------------ (١) سيأتي برقم (٢٤٤٥) كتاب: المظالم، باب: نصر المظلوم، (٥١٧٥) كتاب: النكاح، باب: حق إجابة الوليمة والدعوة، (٥٦٣٥) كتاب: الأشربة، باب: آنية الفضة، (٥٦٥٠) كتاب: المرضى، باب: وجوب عيادة المريض، (٥٨٣٨) كتاب: اللباس، باب: لبس القسي، (٥٨٤٩) كتاب: اللباس، باب: الميثرة الحمراء، (٥٨٦٣) كتاب: اللباس، باب خواتيم الذهب، (٦٢٢٢) كتاب: = ركوب المياثر، أخرجها في الاستئذان والأشربة (١) وفي موضع، عن المياثر الحمر (٢). وجاء: وإبرار القسم أو المقسم (٣). وفي أصل الدمياطي: القسم، وفي الحاشية: المقسم من غير شك. وهنا: عن خاتم الذهب. وفي موضع آخر: عن خواتيم أو تختم الذهب (٤). وفي موضع: عن خاتم الذهب أو خواتيم الذهب (٥). وفي موضع مسلم: الشرب في آنية الفضة، فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة (٦). وفي لفظ: إفشاء السلام، بدل: رده (٧). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم بزيادة: وتنصح له إذا غاب أو شهد «وإذا استنصحك فانصحه» (٨). وشيخ البخاري فيه محمد هو الذهلي صرح به غير واحد (٩). ----------- = الأدب، باب: تشميت العاطس إذا حمد، (٦٢٣٥) كتاب: الاستئذان، باب: إفشاء السلام، (٦٦٥٤) كتاب: الإيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. (١) يأتيا برقم (٥٦٣٥، ٦٢٣٥). (٢) هي رواية (٥٨٣٨) ورواية (٥٨٤٩). (٣) (٢٤٤٥، ٥١٧٥). (٤) الرواية الآتية برقم (٦٢٣٥). (٥) (٥٦٣٥، ٥٦٥٠). (٦) مسلم (٢٠٦٦) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة. (٧) (٥١٧٥). (٨) مسلم (٢١٦٢) كتاب: السلام، باب: من حق المسلم للمسلم رد السلام. (٩) قال الحافظ الجياني في «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٤٢ - ١٠٤٣: لم ينسب محمدًا هذا أحد من شيوخنا، وذكر أبو نصر في كتابه فقال: يقال: إنه محمد بن يحيى الذهلي. وقال الحافظ في «هدي الساري» ص ٢٣٨: قال الكلاباذي: محمد هذا يقال: إنه الذهلي. وجزم به الحافظ السيوطي في «التوشيح» ٣/ ١٠٤٧. وقول البخاري: تابعه عبد الرزاق، أنا معمر، ورواه سلامة، عن عقيل. هذِه المتابعة أخرجها مسلم عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري (١). إذا تقرر ذلك فالكلام على الحديث الأول من أوجه تحتمل مؤلفًا: أحدها: إنما ذكر بعض الأوامر التي أمروا بها في وقت، فمنها: اتباع الجنائز، ودفنها، والصلاة عليها من فروض الكفاية عند جمهور العلماء. وقال أصبغ: الصلاة عليه سنة، والمشي عندنا أمامها بقربها أفضل (٢) وعند المالكية ثلاثة أقول (٣): ثالثها: المشاة أمامها، ومشهور مذهبهم كمذهبنا. وقال أبو حنيفة: خلفها (٤). وأما النساء فيتأخرن، ويجوز عندهم للقواعد ويحرم على مخشية الفتنة، وفيما بينهما الكراهة إلا في القريب جدًّا كالأب والابن والزوج. والأصح عندنا الكراهة في اتباعهن فقط إذا لم يتضمن حرامًا، وقيل: حرام. قال الداودي: فاتباع الجنائز حملها بعض الناس عن ----------- (١) متابعة عبد الرزاق عن معمر، فقط هي التي رواها مسلم (٢١٦٢/ ٤) وأما رواية سلامة في عقيل فلم يذكر المصنف هنا من وصلها، وكذا الحافظ فوصل متابعة عبد الرزاق في «التغليق» ٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥، ولم يتعرض لرواية سلامة. وقال في «الفتح» ٣/ ١١٣ فأما رواية سلامة فأظنها في «الزهريات» للذهلي. (٢) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٥٦، ٤٦٥. (٣) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٤٦٥. (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٠٤. بعض، قال: وهو واجب على ذي القرابة الحاضر والجار وكذا عيادة المريض، ونراه التأكد لا الوجوب الحقيقي. ثم الاتباع على ثلاثة أقسام: أن يصلي فقط، فله قيراط (١). ثانيها: أن يذهب فيشهد دفنها، فله اثنان (٢). ثالثها: أن يكفنه. وروي عن ابن عمر أنه كان يقرأ عنده بعد الدفن أول البقرة وخاتمتها (٣). ثانيها: عيادة المريض، وهي مطلوبة، وفيها أحاديث جمة ذكر البخاري بعضها فيما يأتي (٤)، وهي بعد ثلاث، وفيه حديث (٥). ------------- (١) ورد بهامش الأصل: الصلاة فقط لا يحصل له القيراط الموعود به، ولكن يحصل له أجر، وإنما يحصل القيراط بشهودها من بيتها والصلاة عليها وهو ما جاءت به الأحاديث، وصرح به بعض أصحاب الشافعي فاعلمه. (٢) دليل ذلك ما روي عن أبي هريرة مرفوعًا: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط». سلف برقم (٤٧) وهذا لفظه، وسيأتي، ورواه مسلم (٩٤٥). ورواه مسلم بنحوه (٩٤٦) عن ثوبان. (٣) رواه البيهقي ٤/ ٥٦ - ٥٧. (٤) ستأتي هذِه الأحاديث في كتاب: المرضى (٥٦٤٩، ٥٦٥١، ٥٦٥٤، ٥٦٥٦ - ٥٦٥٩، ٥٦٦٣) وغير ذلك. (٥) قلت: وجدت فيه حديثين: أولهما: حديث أنس بن مالك قال: كان النبي - ﷺ - لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث. رواه ابن ماجه (١٤٣٧)، وابن حبان في «المجروحين» ٣/ ٣٤، والطبراني في «الأوسط» ٤/ ٧٢ (٣٦٤٢)، وفي «الصغير» ١/ ٢٩٣ (٤٨٤)، وابن عدي في «الكامل» ٨/ ١٨، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٥٤٢ (٩٢١٦). = ثالثها: إجابة الداعي، إن كانت إلى نكاح فجمهور العلماء على الوجوب، قالوا: والأكل واجب على المفطر، وعندنا مستحب. وغيرها يراه العلماء حسنًا من باب الألفة وحسن الصحبة. (١) رابعها: نصر المظلوم فرض على من قدر عليه ويطاع أمره (١). -------------- = من طريق مسلمة بن علي عن ابن جريج عن حميد الطويل عن أنس بن مالك. قال ابن حبان ٣/ ٣٣: مسلمة بن علي ممن يقلب الأسانيد ويروي عن الثقات ما ليس من حديثهم توهمًا، فلما فحش ذلك منه، بطل الاحتجاج به. وقال البيهقي ٦/ ٥٤١: إسناده غير قوي. وقال البوصيري في «المصباح» ٢/ ٢٠: قال أبو حاتم: هذا باطل منكر. وقال الحافظ في «الفتح» ١٠/ ١١٣: حديث ضعيف جدًّا؛ تفرد به مسلمة بن علي، وهو متروك. وعدَّ هذا الحديث من منكراته في ترجمته من «التهذيب» ٤/ ٧٧. وضعف إسناده أيضًا السفاريني في «غذاء الألباب» ٢/ ٨. وأورده الألباني في «الضعيفة» (١٤٥) وقال: موضوع. ثانيها: حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا يعاد المريض إلا بعد ثلاث». رواه الطبراني في «الأوسط» ٤/ ١٨ (٣٥٠٣)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٤٨، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٣/ ٤٩٠ (١٧١٦) من طريق روح بن غطيف [ووقع في «الأوسط»: بن جناح] عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. قال ابن عدي: منكر بهذا المتن، وليس بمحفوظ عن الزهري. وقال ابن الجوزي: حديث لا يصح. وقال الحافظ في «الفتح» ١٠/ ١١٣: فيه متروك: وقال الحافظ السيوطي في «درره» (٤٦٤): حديث منكر. وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٦): موضوع. وفي الباب عن ابن عباس وعن أنس أيضًا بلفظ آخر. انظرهما في: «الدرر المنتثرة» ص (١٤٥)، و«كشف الخفاء» (١٧٩٥)، و«الضعيفة» (١٣٨٩). (١) وسيأتي حديث أنس مرفوعًا: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا». برقم (٢٤٤٣ - ٢٤٤٤). وإبرار المقسم خاص فيما يحل، وهو من مكارم الأخلاق، فإن ترتب على تركه مصلحة فلا، كقول الشارع للصديق لما قال له: «أصبتَ بعضًا وأخطأت» فأقسم عليه ليخبره، قال: «لا تقسم» (١) ولم يخبره. خامسها: رد السلام فرض على الكفاية عند مالك والشافعي (٢). وعند الكوفيين فرض عين على كل أحد من الجماعة (٣)، وحكاه صاحب «المعونة» أيضًا، قال: الابتداء بالسلام سنة ورده آكد من ابتدائه (٤). وأقله: السلام عليكم. قال مالك: ولا ينبغي سلام الله عليك (٥). سادسها: تشميت العاطس بالمهملة والمعجمة (٦) متأكد (٧)، وهو قوله في جواب العاطس: رحمك الله، إذا حمد الله، وليرد: يهديكم الله ------------ (١) سيأتي برقم (٧٠٤٦) كتاب: التعبير، باب: من لم يرَ الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب، ورواه مسلم (٢٢٦٩) كتاب: الرؤيا، باب: في تأويل الرؤيا، وأحمد ١/ ٢٣٦. (٢) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٧٩، «طرح التثريب» ٨/ ١٠٣. (٣) انظر: «عمدة القاري» ٦/ ٣٦٣. (٤) «المعونة» ٢/ ٥٧٠. (٥) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٧٩. (٦) أي: تشميت العاطس بالشين المعجمة، وتسميت العاطس بالسين المهملة، من شمَّت العاطس تشميتًا، وسمَّته تسميتًا. انظر: «الصحاح» ١/ ٢٥٤، و«النهاية» ٢/ ٣٩٧، و«لسان العرب» ٤/ ٢٠٨٧ مادة: سمت. و«النهاية» ٢/ ٤٩٩، و«لسان العرب» ٤/ ٢٣١٩ - ٢٣٢٠ مادة: شمت. (٧) دليل ذلك حديث أبي هريرة الآتي برقم (٦٢٢٣). ويصلح بالكم (١). وروي عن الأوزاعي أن رجلًا عطس بحضرته فلم يحمد، فقال له: كيف تقول إذا عطست؟ قال: الحمد لله، فقال له: يرحمك الله. وجوابه كفاية خلافًا لبعض المالكية: قال مالك: ومن عطس في الصلاة حمد في نفسه. وخالفه سحنون فقال: ولا في نفسه (٢). سابعها: قوله: (ونهانا عن آنية الفضة) هو نهي تحريم، وكذا الذهب؛ لأنه أشد، فإن التختم به على الرجال حرام بخلاف الفضة والحرير والديباج والقسي والإستبرق كررها وهي كلها حرمه تأكيدًا. والديباج بكسر الدال، والقسي بفتح القاف وتشديد السين قال القزاز: والمحدثون تقوله بكسر القاف، والوجه الفتح، وهي ثياب مغلفة بالحرير، تعمل بالقس بقرب دمياط (٣). والإستبرق: ثخين الديباج على الأشهر، وقيل: رقيقه. فالحرير حرام على الرجال من غير ضرورة وتداوٍ. وما غالبه الحرير حرام. وفي إجازته في الغزو قولان: الجواز لابن حبيب، والمنع لغيره (٤) قال في «الواضحة»: ولم يختلفوا في إجازة لباس الخز. وليس بين الخز وما عداه من القطن وغيره فرق إلا الاتباع، واعترض ابن التين فقال: ذكر في الحديث ستًّا، ويحتمل أنه أراد آنية الفضة وآنية الذهب، فاجتُزِئَ بأحدهما عن الآخر، وهو عجيب منه، فقد ذكرناها لك فيما مضى فاستفدها. وأما حديث أبي هريرة فالحق فيه بمعنى حق حرمته عليه، وجميل --------- (١) دليل ذلك أيضًا ما سيأتي برقم (٦٢٢٤). (٢) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٨٥. (٣) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠٧٣ - ١٠٧٤، و«معجم البلدان» ٤/ ٣٤٦. (٤) انظر: «المنتقى» ٧/ ٢٢٣. صحبته له لا أنه من الواجب، ونظيره حديث: «حقٌّ على المسلمِ أنْ يغتسلَ كلّ جُمعة» (١) وستأتي هذِه الأحكام مبسوطة في مواطنها من الاستئذان والسلام، ودعوة الوليمة وغير ذلك، وإنما أشرنا إليها هنا. ------------ (١) بنحوه تقدم برقم (٨٥٨) ورواه مسلم (٨٤٦) من حديث أبي سعيد الخُدري. وتقدم أيضًا برقم (٨٩٧ - ٨٩٨)، ورواه مسلم (٨٩٨) من حديث أبي هريرة. ٣ - باب الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ فِي كَفَنِهِ ١٢٤١، ١٢٤٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ - ﷺوَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ- فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يَجْمَعُ اللهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رضي الله عنه - خَرَجَ وَعُمَرُ - رضي الله عنه - يُكَلِّمُ النَّاسَ. فَقَالَ: اجْلِسْ. فَأَبَى. فَقَالَ اجْلِسْ. فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَمَالَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا - ﷺ - فَإِنَّ مُحَمَّدًا - ﷺ - قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وَاللهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ [الآيَة] حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه -، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلاَّ يَتْلُوهَا. الحديث ١٢٤١ [٣٦٦٧، ٣٦٦٩، ٤٤٥٢، ٤٤٥٥، ٤٤٥٦، ٥٧٠٩، ٥٧١٠ - فتح: ٣/ ١١٣]. الحديث ١٢٤٢ [٤٤٥٤، ٤٤٥٧، ٥٧١١ - فتح: ٣/ ١١٣]. ١٢٤٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ أُمَّ العَلَاءِ -امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ اقْتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً، فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ قَدْ كرَمَهُ؟». فَقُلْتُ: بِأبي أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ فَمَنْ يُكرِمُهُ اللهُ؟ فَقال: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، والله إِنِّي لأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، والله مَا أَدْرِي -وَأَنَا رَسُولُ اللهِ- مَا يُفْعَلُ بِي». قالتْ: فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا. حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ مِثْلَهُ. وَقال نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقَيْلٍ: «مَا يُفْعَلُ بِهِ» وَتَابَعَهُ شعَيْبٌ وَعَمرُو بن دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ. [٢٦٨٧، ٣٩٢٩، ٧٠٠٣، ٧٠٠٤، ٧٠١٨ - فتح ٣/ ١١٤] ١٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ وَالنَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ». تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ المُنْكَدِرِ، سَمِعَ جَابِرًا - رضي الله عنه -. [١٢٩٣، ٢٨١٦، ٤٠٨٠ - مسلم: ٢٤٧١ - فتح: ٣/ ١١٤] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث الزهري عن سلمة عن عائشة: أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى دَخَلَ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ .. الحديث. ثانيها: حديث أم العلاء في قصة عثمان بن مظغون: فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، .. الحديث. الشرح: أما حديث عائشة فيأتي في المغازي أيضًا (١) وذكره الحميدي وغيره من حديث هشام عن أبيه عنها (٢)، وكذا ابن أبي أحد عشر في «جمعه»، -------- (١) سيأتي برقم (٤٤٥٢ - ٤٤٥٣) كتاب: المغازي، باب: مرض النبي ووفاته. (٢) ذكره الحميدي في «جمعه» ١/ ٩٤ - ٩٥ (١٤) في مسند الصديق، في أفراد = لكن خرجه في فضل الصديق بطوله. وحديث أم العلاء يأتي في الهجرة (١) والتعبير (٢). وقال يحيى بن بكير: قال الليث: قوله - عليه السلام - هذا قبل أن تنزل عليه سورة الفتح، وذلك أن عثمان توفي قبل مقدمهم المدينة (٣). وزعم الطبراني أن أم العلاء هذِه زوج زيد بن ثابت (٤). وزعم ابن الأثير أن المرأة المقول لها: «وما يدريك» هي أم السائب زوجة عثمان. وقيل: أم العلاء الأنصارية. وقيل: أم خارجة بن زيد. قال: وروى يوسف بن مهران عن ابن عباس: لما مات عثمان قالت له زوجته: هنيئًا لك الجنة، فنظر إليها رسول الله - ﷺ - الحديث (٥). فيحتمل أن يكون كل منهما قالت ذلك. ----------- = البخاري من حديثه فقال: في ذكر وفاة النبي - ﷺ - عن عائشة، وعن ابن عباس من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عنهما. وساقه. (١) برقم (٣٩٢٩) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مقدم النبي - ﷺ - وأصحابه المدينة. (٢) برقم (٧٠٠٣ - ٧٠٠٤، ٧٠١٨). (٣) هذا القول فيه نظر؛ ففي الحديث التصريح بأن عثمان بن مظعون هاجر إلى المدينة، ثم توفي بها. وكذا كل من ترجم لعثمان جزم بأنه هاجر إلى المدينة وتوفي بها، وذكروا أنه حضر بدرًا ومات سنة اثنتين من الهجرة. انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٤/ ٣٣٨، و«معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٥٨ (٧٧٤)، و«معرفة الصحابة» ٤/ ١٩٥٤ (٢٠١٥)، و«الاستيعاب» ٣/ ١٦٥ (١٧٩٨)، و«أسد الغابة» ٤/ ٥٩٨ (٣٥٨٨)، و«الإصابة» ٢/ ٤٦٤ (٥٤٥٣). (٤) قال في «المعجم الكبير» ٢٥/ ١٣٩: أم العلاء الأنصارية امرأة زيد بن ثابت ثم أسند لها هذا الحديث من ثلاث طرق، وأسند لها حديثًا آخر. (٥) انتهى كلام ابن الأثير من «أسد الغابة» ٣/ ٦٠٠. = وبخط الدمياطي: أم العلاء بنت الحارث بن ثابت بن حارثة، وعمتها كبشة بنت ثابت (١). من المتابعات: قال البخاري: وَقال نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقَيْلِ، تَابَعَهُ شُعَيْبٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَمَعْمَرٌ. قول نافع رواه الإسماعيلي من حديث عبد الله بن يحيى المعافري، ثنا نافع به (٢). ومتابعة شعيب ذكرها البخاري مسندة في الشهادات (٣). ومتابعة معمر ذكرها مسندة أيضًا في التعبير (٤)، ومتابعة عمرو بن ---------- = وحديث يوسف بن مهران رواه ابن سعد ٣/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وأحمد ١/ ٢٣٧ - ٢٣٨، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٠٥، والطبراني ٩/ ٣٧ (٨٣١٧)، والحاكم ٣/ ١٩٠. وسكت عنه، فقال الذهبي: سنده صالح. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٧: فيه علي بن زيد، وفيه كلام وهو موثق. وقال الحافظ في «الفتح» ١٢/ ٤١١: علي بن زيد فيه ضعف. وذكره الهيثمي أخرى في ٩/ ٣٠٢ وقال: رجاله ثقات وفي بعضهم خلاف. وصحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٢١٢٧). (١) انظر ترجمة أم العلاء في: «الاستيعاب» ٤/ ٥٠٢ (٣٦٢٣)، و«أسد الغابة» ٧/ ٣٦٩ (٧٥٣٩)، و«الإصابة» ٤/ ٤٧٨ (١٤٢٢). وترجمها المزي في «تهذيب الكمال» ٣٥/ ٣٧٥ (٧٩٩٦)، و«تحفة الأشراف» ١٣/ ٩٣ فقال: أم العلاء بنت الحارث بن ثابت بن خارجة [بدل: حارثة وهو ما نقله المصنف بخط الدمياطي] بن ثعلبة بن الجلاس بن أمية بن حذارة [وفي «التحفة»: جدارة] بن عوف بن الحارث بن الخزرج (٢) رواه الإسماعيلي في «المستخرج» كما في «التغليق» ٣/ ٤٥٦، وكما في «عمدة القاري» ٦/ ٣٧١: حدثنا القاسم بن زكريا، ثنا الحسن بن عبد العزيز الجروي، به. (٣) ستأتي برقم (٢٦٨٧) باب: القرعة في المشكلات. (٤) ستأتي برقم (٧٠١٨) كتاب: التعبير، باب: العين الجارية في المنام. دينار (١). وحديث جابر أخرجه مسلم لكنه جعل بدل محمد بن المنكدر الراوي عن جابر محمد بن علي بن حسين (٢). قال البخاري: تابعه ابن جريج: أخبرني محمد بن المنكدر، سمع جابرًا يعني: تابع ابن جريج شعبة (٣). إذا تقرر ذلك؛ فأما حديث عائشة فالسُنُح -بسين مهملة مضمومة ثم نون مثلها ثم حاء مهملة-: منازل بني الحارث من الخزرج بينها وبين منزل رسول الله - ﷺ - ميل. وزعم صاحب «المطالع» (٤) أن أبا ذر كان يقوله بإسكان النون، واقتصر عليه (٥). ومعنى مسجى: مغطى وحِبرة -بكسر الحاء-: موشى من اليمن. وقال الداودي: أخضر، وتبعه ابن التين فقال: هو ثوب أخذر ------------ (١) هكذا ذكرها المصنف -رحمه الله- وعلقها أيضًا، فلم يذكر من وصلها! بل قد يخيل للقارئ أنها أخرجها مسلم؛ لما بعدها من سياق الكلام، وليس كذلك. والمتابعة وصلها الحافظ في «التغليق» ٢/ ٤٥٦. وقال العيني في «العمدة» ٦/ ٣٧١: متابعة عمرو بن دينار وصلها ابن أبي عمر في «مسنده» عن ابن عيينة عنه. (٢) ورد بهامش الأصل: ما ذكره المصنف عن مسلم وقع في رواية ابن ماهان وأما غيره فعن جابر في الطرق كلها محمد بن المنكدر. اهـ. قلت: ما ورد بالهامش هذا هو الصواب؛ فرواه مسلم (٢٤٧١/ ١٢٩ - ١٣٠) من طريق سفيان بن عيينة وشعبة وابن جريج ومعمر وعبد الكريم بن مالك، خمستهم عن محمد بن المنكدر، عن جابر. (٣) هذِه المتابعة وصلها مسلم في «صحيحه» (٢٤٧١) -كما تقدم- ومن طريقه وصلها الحافظ في «التغليق» ٢/ ٤٥٧. (٤) ورد بهامش الأصل: كذا قيده أبو عبيد البكري في معجمه بضم النون، وأما صاحب المطالع فلم يذكر غير ما ذكر عن أبي ذر. (٥) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٧٦٠، و«معجم البلدان» ٣/ ٢٦٤. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| للأندرويد الجامع الصحيح للسنن والمسانيد 8 | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 02-04-2019 10:39 PM |
| القول المليح في شرح الجامع الصحيح...06 | ابو العصماء | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 12-15-2018 01:05 PM |
| أبو أيوب الأنصاري - انفروا خفافا وثقالا | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 1 | 08-16-2017 07:30 PM |
| اسطوانة تتناول فضائل أبو بكر و عمر بن الخطاب في الرد على أتباع ابن سبأ وهامان | محمود ابو صطيف | قسم الاسطوانات التجميعية | 9 | 04-26-2017 01:08 PM |
| أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه | ام هُمام | قسم التراجم والأعلام | 3 | 07-30-2016 06:53 PM |
|
|