![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#19 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
تدبر آية: وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من الملاحظ في هذا العصر الذي نعيش فيه الذي سبق أن ذكرناه أنه قد طغت عليه المادية المفرطة، في هذا العصر أصبح البعض منا يعيش في فقر وهو ليس بفقير يعيش في قلق من الفقر. ليست الإشكالية الكبيرة في أن يكون هناك فعلًا حاجة حقيقية، حاجة مادية واقعة ولكن الإشكالية الأخطر أن لا يكون هناك حاجة ومع ذلك يعيش الإنسان في الخوف من الفقر في فقر، ويعيش لشدة خشيته من الحاجة والرغبة الشديدة في تأمين مستقبله ومستقبل أولاده يعيش في فقر حاضر. والقرآن يطلق على هذه المشاعر”وعود الشيطان” فالشيطان هو الذي يعد الإنسان بالفقر ويجعل الإنسان يعيش في خوف من الفقر حتى وإن لم يكن هناك فقر ولا حاجة (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٦٨﴾ البقرة). والملفت للنظر أن هذه الآيات جاءت بعد الحديث عن آيات الإنفاق في سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ (267)) هذا التوجيه الرباني هذا الوعد الإلهي أن الصدقة والإنفاق ومساعدة الآخرين لا يمكن أن تُنقص من المال في شيءولكن الشيطان بطبيعة تعامله مع الإنسان يدق على ذلك الوتر فيجعل الإنسان يتوهم أن المال ينقص بالصدقة. وتأملوا في الحديث الصحيح الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن سعيد الطائي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ثلاثة أقسم عليهن وأحدّثكم حديثًا فاحفظوه، ثم قال: ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظُلِم عبدٌ مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزًا ولا فتح عبدٌ باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر. إذن المال لا ينقص بالصدقة، ربما ينقص حساب البنك في الأرقام ولكن هذا لا يعني أن هناك نقصًا حقيقيًا في المال، ثمة أشياء غير مرئية تدخل مع الصدقة من أهمهاالبركة. المال وإنفاق المال والحاجة إلى المال لا ينحصر فقط في أرقام الأموال والحسابات، لا ينحصر بالنظرة المادية البحتة التي طغت على عالمنا المعاصر فأصبحنا بالفعل أكثر مادية أكثر من أي وقت مضى، المال ليس هكذا يُحسب، ثمة أشياء أخرى تدخل إلى المال فتزيد هذا المال وتبارك فيه، البركة شيء غير محسوس، البركة شيء غير ملموس، البركة شيء لا يمكن أن يستفاد من الأرقام وأرقام الحسابات في البنوك، البركة تأتي مع العمل الصالح، البركة تأتي مع الإنفاق، البركة تأتي مع ثقة المؤمن بالله أن الله سيخلف عليه بخير وأنه ما من شيء ينفقه في سبيل الله محتسبًا له في ذلك إلا وأعطاه الله وأغناه وأبدله خيرًا من ذلك الذي أنفق. ثم إن المؤمن قبل ذلك وبعده يدرك تمامًا أن المال أمانة بين يديه أنه مستخلف في المال أن المال في واقع الأمر هو مال الله عز وجل وأنه قد خرج إلى هذه الدنيا لا يملك لباسًا ولا درهمًا ودينارا فمن ذا الذي أغناه؟ ومن ذا الذي أعطاه؟ومن ذا الذي كساه؟ ومن ذا الذي ألبسه؟ ومن ذا الذي أغدق الحنان عليه من قِبَل والديه؟ من سوى الله سبحانه وتعالى؟ وهو الرب عز وجل الذي يأمر عباده بالإنفاق والصدقات، الرب الذي يأمر أن يتحول المال من غاية إلى وسيلة. فالبعض منا في هذا العصر ومع تقلب الأحوال المادية وزيادة الحاجات في العالم تحول بمرور الوقت إلى جابي أو جامع للمال! تحول إلى بنك بكل ما تعني الكلمة، يجمع الأموال ولا يفكر كيف جمع تلك الأموال ولا في أي شيء سينفقها! أصبح تجميع الأموال ورصد الحسابات هو المحور الأساس في حياتي. هذه النظرة لا تتوافق أبدًأ مع ما يؤسسه القرآن في حياتي، مع ما يدعو إليه القرآن العظيم في حياتي، أن يصبح المال فعلاً في وضعه الصح الطبيعي، أن يصبح المال مجرد وسيلة لأجل أن أعيش إنسانًا حرًا كريمًا وأن أفيض بذلك المال والعطاء على من حولي أن أبدأ بأسرتي أن أبدأ بأقاربي أن أبدأ بجيراني، بأصحابي، بقرابتي، ثم بالمجتمع ككل حتى يصبح ذلك المال الذي وهبني الله عز وجل نعمة لا ينحصر عطاؤها فقط في يدي أنا، لا ينحصر خيرها في يدي أنا وفي حياتي بل أغدق بها وأنشر بها على الآخرين، أنشر ذلك المال، أنشر ذلك المال عن طيب نفس، أنشر ذلك المال وأنا أرى تماماً أن لكل محتاج في ذلك المال حق ونصيب (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿١٩﴾ الذاريات). النظرة المادية التي جاءت بها مخلفات هذا العصر الذي نعيش فيه وأزماته المادية القاسية بدأت تحاصر هذه المشاعر الرقيقة الصادقة في قلوبنا وفي حياتنا أصبحنا في كثير من الأحيان نفكر قبل أن ننفق ونساعد بالال الآخرين والمحتاجين، نفكر ألف مرة! بل العجيب حين ننفق الدينار والدينارين في صدقة أو في إحسان نفكر وكأن ذلك الدينار سيصنع فرقًا في حياتنا، في ذات الوقت الصورة المناقضة لذلك كله ذلك البذخ والإسراف في إنفاق الأموال في تلك الوجوه التي تخصنا نحن والتي تتعلق بحاجياتنا الشخصية وفي معظم الأحيان ليس بما نحتاج إليه بقدر ما يحتاجه المظهر الخارجي لنا، الكماليات التي بمرور الوقت أصبحنا أسرى لها، هذه النظرة تحتاج إلى تغيير في واقعنا، تحتاج إعادة النظر وإعادة المواظين إلى نصابنا تجديد النظرة إلى المال: هل جئنا إلى هذه الحياة لنجمع الأموال أم لننفق تلك الأموال في أوجه البذل والعطاء؟! حتى تغلب علينا تلك النظرة الإنسانية الحقيقية التي تجعل منا حقًا بشرًا يشعرون بآلآم الآخرين ومعاناتهم. |
|
|
|
|
|
|
#20 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
تدبر آية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًاعَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (8) التحريم) ليس كل ما يحتاج إليه الإنسان هو الطعام والشراب والحاجات الضرورية للبدن، هناك أمور يحتاج الواحد إليها منا أكثر من أي شيءآخر، يحتاج إليها لتزكو بها نفسه، لتطيب بها روحه، حاجة الإنسان إلى التوبة، حاجة الإنسان ليس إلى أي توبة، التوبة النصوح حاجة مستمرة حاجة لا تنقطع، حاجة الإنسان إلى التراجع عن الأخطاء وتصحيح الأخطاء مع الله عز وجل أكبر من حاجته للطعام والشراب. قد يحيا الإنسان بدون طعام أو شراب يومًا أو يومين ويبقى على قيد الحياة ولكن إذا استطاع الإنسان بدون انتباه وبغفلة منه أن يعيش بلا توبة وبلا تراجع عن أخطائه التي تقع فيما بينه وبين خالقه سبحانه فهو ليس في الأحياء فالقلب يموت حين لا تأتي عليه قطرات الندم وتنزل على سفحه دموع التوبة، القلب يموت. التوبة بالنسبة للقلب المؤمن كالماء بالنسبة للأرض لا يمكن أن يحيا بدونها ولذلك من أعظم وجوه الرحمة، رحمة اله سبحانه وتعالى بعباده تلك الرحمة التي نتقلب فيها ليل نهار، الرحمة التي عمّت السموات والأرض، هو ذلك الفتح والبشارة لكل عاصٍ ومذنب في قوله تعالى في سورة الزمر (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴿٥٣﴾) ويقول في آية أخرى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْكُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الأعراف) هذه الأبواب المشرعة، أبواب الأمل، أبواب الرجاء، أبواب لا تغلق لا ساعة من ليل ولا ساعة من نهار، فالله سبحانه وتعالى فتح أمامنا جميعًا أبواب التوبة، فتحها بالليل ليتوب مسيء النهار وفتحها بالنهار ليتوب مسيء الليل وما بين هذه وتلك لا تغلق تلك الأبواب ولا لحظة من ليل ولا نهار، لماذا؟ لأنها تعبير عن رحمة الله سبحانه وتعالى بنا، إشعار للإنسان بأن الله الذي خلقك عالمٌ بضعفك وعجزك يعلم سبحانه (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك) يعلم بنقاط الضعف فينا يعلم بغفلتنا في بعض الأحيان، يعلم كم نعجز في كثير من الأحيان حين نرى الدنيا وإقبال الدنيا فننشغل بها عن ذكره وربما نؤخر في وقت من أوقات الصلاة، ربما نستمع للمؤذن وهو ينادي للصلاة فلا نسارع بالقيام لها، ربما ننام في أوقات والمؤذن يؤذن حي على الصلاة حي على الفلاح فلا نجيب الندار، ربنا ينادينا في أوقات كثيرة في الصلاة لكننا نتكاسل في بعض الأحيان، نتباطأ، نتراجع! حتى إذا قمنا في بعض الأحيان إلى الصلاة نقوم بشيء من الفتور والكسل، نقاط الضعف هذه من الذي يمحوها؟ من الذي يمسح عنها تلك الأتربة؟ من الذي يجدد تلك العلاقة بيننا وبين الله سبحانه إلا هو؟ وهو ربي قد فتح تلك الأبواب، أبواب التوبة لنتراجع عن أخطائنا.ولذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذات يوم أمًا تضم طفلها إلى صدرها بكل عطف وحنان فإذا به يقول لأصحابه: أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا لا والله، قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها. باب التوبة المفتوح أمام أعيننا ليل نهار يحتاج منا إلى خطوات: الخطوة الأولى استشعار والتقصير في جنب الله وهذا يقتضي أن تكون لي جلسة محاسبة مع نفسي كل ليلة ولو خمس دقائق أحاسب نفسي عما مر بي من أحداث يومية عما قلت من كلمات وربما أحتاج في بعض الأوقات أن أكتب بالورقة والقلم ماذا فعلت وأين الخلل وأين الخطأ فأُقلع وأتراجع عن الأخطاء وأندم على فعلها وأستحضر معاني الندم على التقصير أو التفريط في جنب الله سبحانه وتعالى سواء كان في عبادة أو في ذكر أو في معاملة أو في حق من حقوق الله سبحانه وتعالى أو في حق من حقوق عباده مع العزم الأكيد الصادق في النية على عدم الرجوع إلى ذلك الذنب وذاك التقصير مرة أخرى، التوبة النصوح تحتاج أن يرافقها العزم الأكيد على تجنب الوقوع في الخطايا، تحتاج أن يصاحبها العمل المخلص الجاد.التوبة النصوح تعني تغيرًا واقعيًا ملموسًا في حياة الإنسان،التوبة النصوح من ثمراتها ونتائجها وأسبابها وشروطها أنها تنتقل بالإنسان من حياة فيها ظلمة ظلمة المعصية والذنوب إلى جحياة ملؤها النور نور الإيمان والعمل الصالح الخيّر الطيب، فالله سبحانه وتعالى قد فتح ذلك الباب لأجل أن نعود إليه. ما يتعلق بالحقوق المتعلقة بالعباد أو بالأشخاص نحتاج أن نطلب العفو، نحتاج أن نرد الحقوق إلى أصحابها، نحتاج أن نرد المظالم، نحتاج أن نبرّئ الذمّة قبل فوات الأوان. نحن اليوم الآن في هذه الساعة في متسع من الوقت والقدرة المادية والعمر ولكن ربما بعد ساعة أو أقل يأتي الأجل فلا يتسع الوقت لرد الحقوق إلى أصحابها، لرد المظالم إلى أهلها! فيا ترى بأيّ عملة سأرد تلك الحقوق والمظالم؟! بأيّ عملة؟!. يوم القيامة كل العملات المادية النقدية المالية تسقط لا قيمة لها وتبقى العملة الوحيدة هي عملة الحسنات، فهل يا ترى سأدفع من حسناتي لأولئك الذين أسأت وأخطأت في حقهم؟ وكم سأدفع؟ كما جاء في الأحاديث التي تؤكد أن الإنسان حين يسيء في حق الآخرين سيأحذ هذا من حسناته زذاك من حسناته فإذا لم يبق له شيء بدأ بأخذ حمل الأوزار والذنوب منهم على عاتق ذلك الإنسان الذي أخطأ ولم يردّ حقوق الآخرين. ما أجمل أن نتراجع عن أخطائنا، ما أجمل أن نقف مع أنفسنا وقفة صادقة نتوب ونتراجع ونردّ الحقوق ونردّ الأمانات ونردّ المظالم إلى أصحابها قبل فوات الأوان، قبل أن لا يكون لدينا متسع من الوقت لردّها. رقيه العلوانى اسلاميات |
|
|
|
|
|
|
#21 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
تدبر آية: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ
(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴿٤٣﴾أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴿٤٤﴾أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴿٤٥﴾ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴿٤٦﴾ الفرقان) هذه الآيات وكل الآيات التي بعدها آيات مواقف حسية في واقعنا نراها ليل نهار ولكن الذي استوقفني الآية الأولى (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ). الهوى هوى النفس، ماتميل إليه، ما ترغب فيه، ما تطمح إليه، هذا الهوى أصبح إلهًا يُعبد ويُخضع له من دون الله عز وجل (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) فكل ما تهواه النفس وتريده وتصبو إليه وتنجذب إليه ترى ذلك الشخص يسير عليه بدون أيّ محاولة للتوقف أن يا نفس هل هذا نداء العقل أم نداء الهوى؟ على الرغم من أن أعظم ما ميّز الإنسان ويميزه العقل الذي كُرّم به، مناط التكليف ولكن رغم هذا قد يسيطر الهوى على الإنسان فيصبح الهوى هو الذي يدله، الهوى هو الذي يأخذ بيده يمينًا أو شمالًا. ولذلك ورد ذكر الهوى واتباع الهوى في القرآن كثيرًا جدًا في آيات متعددة. فالهوى يدعو الإنسان على سبيل المثال إلى عدم القيام لصلاة الفجر،فالنوم في تلك الساعة تحديدًا في غاية الروعة، تهواه النفس، تريد، النفس لا تريد أن تقوم من الفراش الدافئ خاصة في ليالي الشتاء، النفس تريد أن تنام لا تريد أن تقوم. فحين يصبح الهوى هو الذي يسيّر الإنسان يجد الإنسان نفسه متثاقلًا متباطئًا لا يريد أن يقوم للصلاة على الرغم من أنه لو أدرك ما في الصلاة هذه الصلاة تحديدا من خير وثواب ورزق وعطاء في الدنيا وفي الآخرة لقام من مكانه في ثواني! هذا مثال واحد فقط عن الهوى. النفس تهوى أشياء كثيرة، ما لم يُخضعها الإنسان لنداء آخر، القرآن يقدّم البديل دائماً، وتأملوا الربط بين الآية والآية التي تليها: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴿٤٤﴾)إذن العاقل هو الذي يسمع ليس يسمع مجرد سماع وإنما ذلك السماع الذي يولد لديه الاستجابة لأمر الله سبحانه وتعالى. سمع هذه الآية (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) فاتخذ القرار أن لا يجعل الهوى هو الذي يتحكّم فيه وفي حياته وأن يحكّم العقل والشرع قبل أن يخطو خطوة إلى الأمام. أن يسأل نفسه قبل أن يقدم على هذه الخطوة، قبل أن أخرج، أريد أن أخرج إلى مكان مع رفقة مع صحبة أتساءل يا ترى هل فعلًا هذه الخطوة صحيحة؟ أعطي لنفسي ولو ثواني معدودة ولو دقيقةواحدة أسال نفسي قبل أن أخرج لماذا أخرج؟ ما الذي أريده؟ ما الذي سأحصل عليه؟ هذه أسئلة مشروعة ولكن هذه الأسئلة المشروعة لا يسألها إلا العقلاء أولئك الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الذين تستوقفهم آيات الله عز وجل في النفس،في الكون، في القرآن، أولئك الذين حين ينظرون إلى الظل لا يرونه شيئًا عاديًا، أولئك الذين لا يرون في الليل مجرد ليل وإنما يرونه آية من آيات الله عز وجل دليل على قدرته سبحانه وتعالى يرون في النهار شيئًا آخر، يرون في الرياحعظمة من عظمات الله سبحانه، آية على عظمته عز وجل، يرون في المطر، يرون في الأرض يرون في الزرع، أينما توجهوا والتفتوا رأوا آيات الله عز وجل مبثوثة في الكون، مبثوثة في نفوسهم، مبثوثة في الكتاب العظيم، سرعان ما تأخذ بقلوبهم لله سبحانه وتعالى فيخضعون له، ينقادون لأمره، يتخذونه إلهًا ولا يرضون بأحد سواه ربًا وإلهًا ومعبودًا. حينها فقط يصبح هوى النفس تبعًا لما في كتاب الله وما جاء به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، هنا تستجيب النفس بكل ما فيها لما يحبه الله ويرضاه، وهذا بالضبط ما يريد القرآن أن يصنعه في نفوسنا. د.رقية العلوانى (تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا) ![]() |
|
|
|
|
|
|
#22 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
تدبر آية: قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اليوم استوقفني جزء من آية في سورة آل عمران، الآيات التي تحدثت عن غزوة أحد وكلنا يعلم أن غزوة أحد وما حدث فيها كان من المواقف الصعبة جدا على المسلمين وتلك المواقف أراد القرآن من خلالها ومن خلال التعامل مع تلك الأحداث أن نتعلم منها درسًا بل دروسًا في حياتنا وتعاملاتنا. يقول الله عز وجل (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165) آل عمران). استوقفني الجزء (قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) عشرات الأحداث والصعوبات والمصائب والنتائج السلبية تحدث في واقعنا اليوم كأفراد ومجتمعات ودول ونتساءل “أنى هذا” ولننا في كثير من الأحيان لا نقف على ما وقفت عنده الآية (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) صحيح كل ما في هذا الكون لا يخرج عن إذن الله سبحانه وتعالى وإرادته ومشيئته ولكن هذا لا يلغي الإرادة الإنسانية ولا الكسب الإنساني ولا العمل وإلا لم يكن هناك معنى لمحاسبة الإنسان ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، ما يحدث في واقعنا كمجتمعات ودول وأفراد في غالب الأحيان إنما هو من عند أنفسكم فيما يتعلق بالمسؤولية الفردية. استوقفني هذا الجزء من الآية لأننا في كثير من الأحيان حين تحدث إخفاقات في حياتنا لا نعزوها إلى أنفسنا ولا نعزو هذه الإخفاقات إلى مسؤوليتنا الفردية ولا نقف مع ذواتنا وقفة مراجعة ومحاسبة أنا ماذا فعلت فخرجت وتوصلت إلى هذه النتيجة السلبية؟ أو هذه النتيجة غير المرضية؟! ما الذي قادني إلى الإخفاق؟ ما الذي ينبغي أن أتعلمه وما الذي ينبغي أن أتجنبه في حياتي لكي لا تتكرر التجربة، لكي لا تتكرر الإخفاقات التي تحدث، لكي لا تعاود المصائب الكرة بعد الكرة في حياتنا ومجتمعاتنا. مقولة “التاريخ يعيد نفسه” هذه مقولة ينبغي أن نتوقف عن سردها بتلك العفوية الساذجة التي ما أصابتنا إلا في المزيد من المصائب. التاريخ لا ينبغي أن يعيد نفسه حين يتعلم الإنسان من ذلك التاريخ ومن أحداثه، الناريخ لن يعيد نفسه حين يقف المؤمن مع آيات الكتاب ويتعلم منها الدروس ويأخذ العبر ويتعلم أن لا يعيد التجربة الفاشلة مرة بعد مرة وإلا صار التاريخ، كل التاريخ مهزلة في حياة الأمم والشعوب! الشعوب والأفراد الذين لا يتعلمون من تاريخهم ولا من ماضيهم هم شعوب فعلًا يستحق الواحد منهم أن يعيد التاريخ عليه نفسه مرات ومرات ففي الإعادة إفادة كما يقال، وكثرة التكرار يمكن أن تعلّم الإنسان الذي لا يتعلم – لا أريد أن استخدم الكلمة في الأمثال السائدة- هذه الإخفاقات ينبغي أن نتوقف عندها. بعض الطلبة على سبيل المثال تسقط منهم الكلمات ليس سهوًا وإنما بطريقة عفوية لما يتعلمونه من واقعهم ومجتمعاتهم وأسرهم، حين يفشل في امتحان ما أو يحصل على درجة قليلة أو على أداء غير جيد، أول كلمة يقولها: أمي وأبي قالوا لي وعمي وخالي: أصابوك بعين! أيّ عين تلك التي نتحدث عنها؟! وهل كل العيون فقط تصيب عالمنا العربي والإسلامي تحديدًا؟ تصيبنا كأفراد ومجتمعات وشعوب ودول؟! ما بال تلك العين لا تصيب إلا نحن؟! أيّ عين تلك التي أصبحنا نرد إليها الإخفاقات والفشل واليأس الذي بات يسيطر علينا من الداخل ويهزمنا من الداخل لا من الخارج. (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ) هو من عند نفسي التي ينبغي أن تتعلم الدرس وتقف وتسأل وتحاسب وتكتب بالورقة والقلم لماذا حدث ما حدث؟ ليس لأجل أن أجترّ الماضي وأبكي عليه وأندب حظي! ف المسألة ليست فيها حظ، الحظ في القرآن هو العمل، الحظ لا يمكن أن يكون عملية صدفة وربط للأحداث بدون شواهد ليس العيب أن نفشل ليس العيب أن نخوض تجربة وتجربتين وأكثر ولا يحالفنا النجاح ولكن العيب كل العيب أن لا نتعلم من كل تلك التجارب الفاشلة التي نمر منها. العيب كل العيب أن لا نخرج من التجربة الفاشلة أصلب عودًا وأصفى ذهنًا وأسرع إدراكًا وأكثر فهمًا وعمقًا ما أصابنا وما يصيبنا وأكثر توقعًا وإدراكًا وحذرا في الأيام المستقبلية في الخطوات التي نخطوها، في القرارات التي ينبغي أن نتخذها في حياتنا، علينا أن نتعلم من أخطائنا كما يعلمنا القرآن في كل تلك المواقف التي يعرضها لنا. رقيه العلواني اسلاميات |
|
|
|
|
|
|
#23 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
تدبر آية: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا
لو تأملنا في حقيقة الدنيا، لو تأملنا في الحكمة وراء هذا الخلق العظيم الذي خلقه الله سبحانه لوجدنا الإجابة على ذلك في العديد من آيات الكتاب العظيم، واحدة من تلك الإجابات ما جاء في قوله عز وجل في أول سورة الملك (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾ الملك). ودعونا نتوقف عند قوله عز وجل (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) يا ترى كيف نحسن العمل؟ وهل إحسان العمل يقتضي الزيادة فيه؟ هل إحسان العمل يُكتفى فيه الزيادة في الطاعة أو في الفعل أو في النوافل أو ما شابه؟ أم أن ثمة أمر آخر يتعلق بإحسان العمل؟ لو بحثنا عن ذلك لوجدنا أن الأمر الذي يتوقف عليه حسن العمل عند الله عز وجل إنما هو الإخلاص بمعنى تخليص العمل من كل ما يشوبه وتقديم العمل بين يدي الله عز وجل خالصاً لوجهه. وعرّف العلماء الإخلاص بتعريفات متعددة ولكن مجمل هذه التعريفات تدور حول أن الإخلاص أن لا تطلب على عملك شاهدًا إلا الله ولا تنتظر مجازيًا سواه، صدق النية والتوجه لله سبحانه وتعالى، إرادة وجه الله عز وجل في كل شيء، عدم التصنّع للناس أو انتظار المحمدة منهم أو طلب أموال أو تعظيم أو ثناء أو محبة وإنما إرادة وجه الله عز وجل فيما نقوم به من عمل. المسألة لا تدور حول حجم العمل، فهب أنك تصدقت بمال المسألة لا تدور حول كمية المال الذي تصدقت به ولا الذي أنفقت إنما مدار القبول عند الله عز وجل أن آتي بالعمل خالصًا لوجهه. وتأملوا قوله عز وجل (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦٢﴾ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴿١٦٣﴾ الأنعام) لله رب العالمين لا شريك له، عملي الذي أقوم به لله وحده لا أنتظر منه جزاء من البشر وإنما هو خالصًا لله وحده. ويستوقفني ذلك الموقف من النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه رجل يسأله: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ يريد الأمرين مع بعض، يريد الأجر ويريد الذكر، يريد الثناء من الناس، يريد أن يقال عنه لشجاع جريء لا يخاف الموت، فماذا له؟ فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا شيء له، أعادها ثلاث مرات ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا شيء له، ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا وابتُغي به وجهه. ولذلك كان العديد من الصالحين يتحرّجون حتى من أن يعرف بهم أقاربهم بما يقومون به من عبادات وصدقات ومساعدة للمحتاجين وتفريج كروبهم وهمومهم. ولنا نحن اليوم ونحن نرى في حياتنا الكثير من المظاهر التي اختفت فيها هذه العملة، الإخلاص سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا أحد يطّلع عليه، سرٌ بين الإنسان وربه. لا أستطيع أن أصف إنسانًا وأقول: هذا فلان مخلص في عمله. ولكن ماذا خسرنا اليوم حين لم يعد موضوع الإخلاص في نفس الأهمية التي كان عليها في عهد النبوة على سبيل المثال؟ هناك ضعف في الهمة، هناك خمول في تحصيل الأعمال والإقبال عليها، هناك شعور في بعض الأحيان بشيء من العجز والإحباط وضيق في الصدر، الإنسان قد يعمل العمل في ظاهر العمل أنه عمل صالح ولكن الإشكالية أنه لا يجد لذلك العمل ثمرة في حياته من راحة، من طمأنينة، من سعة في الصدر، وهنا عليه أن يراجع نفسه في قضية الإخلاص هنا عليه تمامًا أن ينتبه هل بالفعل هناك إخلاص في هذا العمل الذي اقوم به أم أن العمل قد داخله شيء آخر؟ ولكن لنا أن نتساءل: ماذا لو قلّ الإخلاص في نفسي وفي قلبي في العمل الذي اقوم به حتى وإن كان العمل صالحًا، نحن نتكلم عن الأعمال الصالحة ماذا حين يقل فيها الإخلاص كيف نعالجه؟ أعظم معالجة لهذه القضية أن نتوقف طويلًا عند حقيقة الدنيا ونتعرف عليه وندرك كم هي ضيئلة ونتعرف على الناس وعلى أن هؤلاء البشر الذين قد نعمل لهم ألف حساب لأجل ثناء أو محمدة أو ما شابه إنما هم بشر مثلنا لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا لا يملكون لأنفسهم موتًأ ولا حياة ولا نشورًا لا يملكون جزاء لأنفسهم فكيف يمكن أن يجازونا بما نفعل؟!. إذا وقفنا عند هذه الحقائق طويلًا وشعرنا بأهميتها وأدركنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده كل شيء، هو الذي يجازي بالإحسان إحسانًا هو صاحب الفضل والإنعام هو الذي يمكن أن يقبل من عباده الدرهم والدينار ويضاعفه أضعافًأ كثيرة، هو الذي يقبل الصدقة من عباده، هو الذي يقبل التوبة، هو الذي يقبل إدخال الفرح والسرور على المساكين والمحتاجين، هو الذي لا ينظر إلى حجم العمل الذي نقوم به ولا إلى عدد الدنانير التي نتصدق بها ولكن ينظر إلى تلك القلوب التي باشرت هذه الأعمال الصغير منها والكبير. فالله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى صورة العمل وإنما ينظر إلى القلب وموقع العمل فيه والتوجه فيه نحو الله سبحانه. هذه المعاني حين تبدأ في التعزيز في قلبي وفي نفسي وحياتي يتغير معنى تقديم العمل، لا يعد الإنسان بالفعل يرى الناس حال مزاولته لعمل من الأعمال لا يرى لعمله أحد مستحق للتوجه به ونحوه إلا الله سبحانه وتعالى، وهنا يتحقق معنى الإخلاص ويجد الإنسان ثمرة لذلك الإخلاص: حلاوة في العمل، طمأنينة في النفس، سعة في الرزق، غقبال على الطاعات وعمل فتور وتكاسل عنها، توفيق في الخير والعمل الصالح، فتح أبواب الرزق والرزق لا ينحصر في مال ولا في ولد ولا في صحة، من أعظم أنواع الرزق أن يرزقك الله طاعة ربما أنت لم تسعَ إليها، أن يفتح لك باب خير ربما أنت ما وقفت ولا قمت بالسعي لأجله أو لفتحه ولكنه فتح أمامك، كل هذه الدلائل والعلامات علامات على قبول العمل من الله سبحانه وتعالى، ثمرات لذلك الإخلاص الذي نحتاج اليوم أن نعتني به أشد الاعتناء. اسلاميات |
|
|
|
|
|
|
#24 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
![]() تدبر آية: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء صدور الخطأ من الإنسان أمر طبيعي، ما منا ومن أحد إلا وقد أخطأ ذات يوم، ليست الإشكالية الكبرى في أن نخطئ ولكن السؤال: يا ترى كيف نتعامل مع الخطأ حين يصدر منا؟ هل نمتلك شجاعة مراجعة النفس واتهام النفس بالتقصير وتحمل المسؤولية؟ أم أننا نتهرب من ذلك كله ونبرر لأنفسنا من خلال محاولة رمي وإلقاء اللوم على الآخرين؟! الإشكالية في الخطأ والتي يختلف فيها الناس هي: كيفية التعامل مع الأخطاء. والخطأ كما نعلم جميعاً قد يكون من قبل الإنسان لذاته وقد يكون خطأ مع الله عز وجل يُستدرك بالتوبة ويُصحح بالتراجع عن الذنوب والعزم على عدم العودة إليها، وقد يكون الخطأ مع الآخرين وهذا ما نريد أن نتوقف عنده اليوم. قد يحدث خلل في العلاقة بين الإنسان وغيره سواء من كان يجاوره في منزل أو في العمل أو حتى في الأسرة الواحدة، فيا ترى كيف نتعامل مع تلك الأخطاء؟ هل نبرئ أنفسنا ونصدر الأحكام السريعة على الآخرين بتحميلهم مسؤولة ما حدث؟ وهل هذا التصرف بتحميل الآخرين مسؤولية الخطأ الذي يقع بيني وبينهم هل هذا النوع من التعامل بالفعل يمكن أن يؤدي إلى إصلاح العلاقات؟ هل هو ما نحتاج إليه في علاقاتنا مع الآخرين؟ هل هو يمكن أن يقوي العلاقة بيننا وبينهم أم أنه يضعفها ويحوّلها إلى مجرد شكليات؟ ما هو الأصلح في هذ كله؟ هل الأصلح أن أراجع النفس وأحاول أن أبحث عن أسباب التقصير وأبادر بالتصحيح؟ أم الأولى أن أتهرب من ذلك كله وأبرئ نفسي وأتهم الآخرين!؟. القرآن كما تعودنا دائماً يراجع في الإنسان ويأخذ بيده ليراجع أعماق نفسه ويبحث عن القضية من كل الجوانب ويجعل الإنسان يتساءل مع نفسه ليصل إلى النتيجة. تأملوا في قوله عز وجل (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) يوسف) . هذه الآية العظيمة التي جاءت على لسان زوجة العزيز كما ورد عند غالبية المفسرين تصور حالة إنسانية طبيعية، حالة إنسان أخطأ ولكنه بدأ يتعامل مع ذلك الخطأ بعيداً عن الشعور بالإعتزاز الأعمى بالذات والتعصب للنفس وللشخصية. (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي)، ثقافة الإعتذار، ثقافة التعامل مع الأخطاء لا يمكن أن تأتي من تلقاء نفسها، لا تأتي إلا عن طريق الإستشعار ومراجعة النفس ومحاسبة النفس بأني بالفعل صدر مني خطأ، ثم بعد أن أراجع وأكاشف نفسي بالخطأ عليّ أن أمتلك قدراً من الشجاعة بحيث أتحمل فيه المسؤولية عن خطأي. أنا أخطأت فما الذي يمنعني أن أتحمل مسؤولية ذلك الخطأ؟ ما الذي يمنعني من أن أعترف أمام من أخطأت في حقهم أني قد أخطأت وأني أعتذر؟ لماذا أصبحت ثقافة الإعتذار اليوم في زماننا مفقودة إلى حد ما؟! لماذا أصبحنا نربط بين الإعتذار وضعف الشخصية؟! لماذا أصبحنا نعتقد أن الشخص الذي يتراجع ويعتذر عن أخطائه أصبحنا نرميه بنظرة الإستخفاف ونظرة ملؤها التصور أن هذا إنسان ضعيف، إنسان لا يملك نفسه، إنسان غير مهتم بشأنه أو بذاته، غير معتز بنفسه. وهل الإعتزاز بالنفس كما يعلمنا عليه القرآن واحترام النفس تعني ألا أنظر لأخطائي؟! أن لا أرى أن تلك الأخطاء ممكن أن تصدر مني؟! الإنسان الذي يحترم فعلًأ ذاته ونفسه شجاع، إنسان يدرك أن الخطأ وارد تماماً ولكن ليس الإشكالية في ورود الخطأ ولا في صدوره كما قلنا، الإشكالية في قدرته على التعامل مع ذلك الخطأ، الإشكالية في تربيته وتنشئته على تحمل المسؤولية، على الإعتراف والتراجع، نجد في بعض الأحيان على مستويات مختلفة الكثير منا يتهرب من المسؤولية من خلال الجدال العقيم ومحاولة إقناع الطرف الآخر أنك أنت الذي أخطأت وليس أنا! في كثير من المؤسسات بما فيها المؤسسة الأسرية مؤسسة البيت والمنزل لا نجد فيها الكثير من إشعار الطفل والأبناء في محيط الأسرة أن الإعتذار سلوك حضاري يحتاج إلى شجاعة ويحتاج إلى احترام وتقدير للإنسان أولاً مع نفسه وثانياً مع الآخرين. ثقافة الإعتذار والشعور بتحمل المسؤولية تجاه الخطأ من أكثر الأمور التي نحتاج إليها في التعامل مع أبنائنا وبناتنا وطلابنا في المدارس وفي الجامعات. الإعتذار لا يعني ضعف الشخصية، لا يعني عدم احترام النفس، على الإطلاق! هو على العكس تماماً، الإنسان الذي يتراجع عن خطئه ويحاول أن يصحح ذلك الخطأ، هو يحاول أن يرفع عن نفسه الظلم الذي يمكن أن يقع فيه مع الآخرين. وكلنا يعلم عشرات الأحاديث التي قال بها النبي صلى الله عليه وسلم كلها تؤكد أن الإنسان الذي يأتي يوم القيامة وقد حمل معه مظالم الآخرين وقع في ظلم الآخرين ولو بكلمة ولو بظنّ سيء، هذا الإنسان يتحمل تلك الأوزار والأعباء يوم القيامة، فلم لا نتخلص من كل ذلك حين نراجع أنفسنا وحين نراجع تصرفاتنا وطريقة تفاعلنا مع الآخرين؟ حين نعترف حين يقتضي الأمر أن نعترف؟ حين نتراجع ونصحح الأخطاء؟ حين ندرك تماماً أن ثقافة الإعتذار سلوك حضاري تماماً، سلوك لا يقدم عليه إلا الشجعان، لا يقدم عليه إلا الإنسان الذي يحترم نفسه، لا يقدم عليه إلا الإنسان الواثق تماماً من قدراته المدرك أن ثقافة وجود الخطأ وصدور الخطأ وارد ولا يعني أبداً أنه هو إنسان فيه ضعف أو فيه خلل، فصدور الخطأ ليس بالشيء الملازم لشخصية الإنسان ولكن أمر طارئ كالغبار تماماً، يستطيع الإنسان أن ينفض عن نفسه الغبار كما يستطيع أن ينفض عن نفسه تراب الخطأ بالإعتذار والتراجع وتحمل المسؤولية اسلاميات |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| سورة الأنعام (تدبر د/ رقية العلواني) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 28 | 10-19-2025 07:36 PM |
| سورة المائدة (تدبر د/ رقية العلواني) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 27 | 09-26-2025 04:26 PM |
| سورة النساء (تدبر د/ رقية العلواني) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 28 | 09-23-2025 06:01 PM |
| ( الطموح )رقية العلواني | امانى يسرى محمد | ملتقى فيض القلم | 1 | 09-16-2025 07:13 PM |
| سورة آل عمران (تدبر د/ رقية العلواني) | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 8 | 09-15-2025 06:33 PM |
|
|