![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#223 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() ما جاء في رد السلام في الصلاة شرح حديث: (كنا نسلم على رسول الله وهو في الصلاة فيرد علينا ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب رد السلام في الصلاة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا ابن فضيل عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة لشغلاً) ]. أورد أبو داود هذه الترجمة: [ رد السلام في الصلاة ] يعني: رد السلام على المسلِّم من المصلي وهو في صلاته، وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يرد السلام بالإشارة، وجاء عنه أيضاً صلى الله عليه وسلم أنه رد السلام بعد أن فرغ من الصلاة. أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنهم كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم فيرد عليهم السلام، فلما هاجروا إلى الحبشة ورجعوا، سلموا عليه فلم يرد عليهم وقال: (إن في الصلاة لشغلاً) ولكن جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رد بعد السلام، وجاء عن غيره أنه رد وهو في الصلاة بالإشارة. فدل هذا على أنه لا يرد بالكلام وإنما يرد بالإشارة فقط. وحديث ابن مسعود فيه أنه كان يرد عليهم وبعد ذلك لم يرد، وقال: (إن في الصلاة لشغلاً) فيحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم رد عليهم السلام بعد الفراغ من الصلاة، ويحتمل أن يكون غيره، وهذا الحديث ليس فيه ذكر الرد وإنما فيه ذكر الاشتغال بالصلاة عن أي شيء حتى رد السلام. وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن مسعود في الرد بعد السلام، وجاء عن غيره الرد في الصلاة بالإشارة، وهو ثابت عنه صلى الله عليه وسلم. تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نسلم على رسول الله وهو في الصلاة فيرد علينا ...) قوله: [ حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ]. محمد بن عبد الله بن نمير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا ابن فضيل ]. هو محمد بن فضيل بن غزوان وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن الأعمش ]. هو سليمان بن مهران الكاهلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن إبراهيم ]. هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن علقمة ]. هو علقمة بن قيس النخعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عبد الله ]. هو عبد الله بن مسعود الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد فقهاء الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. شرح حديث: (كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا ...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا عاصم عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه فلم يرد علي السلام، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله جل وعز قد أحدث من أمره ألا تكلموا في الصلاة، فرد علي السلام) ]. أورد أبو داود حديث ابن مسعود رضي الله عنه، وفيه أنهم كانوا يسلمون على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وكانوا يأمرون من حولهم بما لهم من حاجة وهم في الصلاة، فقدم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسلم على الرسول صلى الله عليه وسلم على العادة التي كان يعرفها من قبل في رد السلام فلم يرد عليه، فحصل عنده حزن وتفكير وتشويش وهم وغم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه السلام، ثم بعد ذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحدث من أمره ما يشاء) يعني: أنه يحدث من أمره ما يشاء؛ فينسخ ما يشاء، ويثبت ما يشاء. قوله: [ (وإن الله قد أحدث ألا تكلموا في الصلاة) ] يعني: أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة، وبعد ذلك جاء النهي عنه، فكان هذا الذي حصل ناسخاً لما كان موجوداً من قبل من الكلام في الصلاة. قوله: [ (فرد عليه السلام) ] يعني: سلَّم عبد الله بن مسعود عليه في الصلاة ورد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن فرغ من الصلاة. تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا ...) قوله: [ حدثنا موسى بن إسماعيل ]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا أبان ]. هو أبان بن يزيد العطار وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة . من عناية المحدثين بالأسانيد أنهم عندما يكون الجرح في الشخص ليس بثابت، أو لا حاجة لقائله فإنهم لا يعولون عليه، فالحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح ذكر الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري ومنهم: أبان بن يزيد العطار ، فقد جرحه بعضهم بدون حجة، وأجاب الحافظ ابن حجر بأن هذا الجرح لا يثبت؛ لأن الإسناد الذي نقل خبر الجرح فيه من لا يثبت بخبره حجة، فصار هذا الخبر الذي قيل عنه أو الذي نسب إليه غير ثابت بالإسناد إلى من قاله، بل جاء من طريق غير صحيح إلى ذلك الشخص الذي قاله أو جرحه أو تكلم فيه، وهذا يدل على كمال العناية في التوثيق والتجريح، فهم يروونها بالأسانيد. [ حدثنا عاصم ]. هو عاصم بن أبي النجود وهو عاصم بن بهدلة وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وروايته في الصحيحين مقرونة مع غيره، ولكن الذي جرى عليه الاصطلاح في الرموز أن الراوي إذا كانت له رواية في أصل الصحيح -حتى لو كانت مقرونة- فإنهم يرمزون له برمز البخاري و مسلم . [ عن أبي وائل ]. هو شقيق بن سلمة وهو مخضرم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عبد الله ]. هو عبد الله بن مسعود وقد مر ذكره. شرح حديث: (مررت برسول الله وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا يزيد بن خالد بن موهب و قتيبة بن سعيد أن الليث حدثهم عن بكير عن نابل صاحب العباء عن ابن عمر عن صهيب رضي الله عنهم قال: (مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت عليه، فرد إشارة) ، وقال: ولا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه وهذا لفظ حديث قتيبة ]. أورد أبو داود حديث صهيب بن سنان الرومي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلم عليه، فرد إشارة، قال الراوي: [ولا أعلمه إلا قال: إشارة بأصبعه] يعني: رد إشارة بالأصبع، فدل هذا على أن الإنسان عندما يُسلَّم عليه في صلاته أنه يرد بيده ويكون أيضاً الرد بالأصبع، وقد جاء في بعض الروايات المطلقة أنه أشار بيده، وكل ذلك صحيح. تراجم رجال إسناد حديث: (مررت برسول الله وهو يصلي فسلمت عليه فرد إشارة...) قوله: [ حدثنا يزيد بن خالد بن موهب ]. يزيد بن خالد بن موهب وهو ثقة، أخرج له أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ و قتيبة بن سعيد ]. قتيبة مر ذكره. [ أن الليث حدثهم عن بكير ]. الليث و بكير بن عبد الله بن الأشج قد مر ذكرهما. [ عن نابل صاحب العباء ]. نابل صاحب العباء، أو صاحب الأكسية، يعني: أنه كان يبيع العباء والأكسية فنسب إليها، وهو مقبول، أخرج له أبو داود و الترمذي و النسائي . [ عن ابن عمر عن صهيب ]. ابن عمر مر ذكره، و صهيب هو ابن سنان الرومي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وكان صهيب بن سنان الرومي رضي الله تعالى عنه وأرضاه ورحمه أقرن الحاجبين، يعني: ما بين الحاجبين فيه شعر متصل بالحاجبين. [ وهذا لفظ حديث قتيبة ]. يعني: أن هذا لفظ حديث قتيبة وليس لابن موهب ، و أبو داود رحمه الله أحياناً يقول: وهذا لفظه بعد الشيخين مباشرة، وأحياناً يقول ذلك بعد أن ينتهي الحديث كله كما هنا. شرح حديث: (...فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال لي بيده هكذا...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا زهير حدثنا أبو الزبير عن جابر رضي الله عنه قال: (أرسلني نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته، فقال لي بيده هكذا، ثم كلمته فقال لي بيده هكذا، وأنا أسمعه يقرأ ويومىء برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي) ]. في حديث جابر رضي الله عنه الإجابة من المصلي بالإشارة، وليس فيه شيء يتعلق بالكلام. قوله: [ (أرسلني نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق، فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته، فقال لي بيده هكذا، ثم كلمته فقال لي بيده هكذا، وأنا أسمعه يقرأ ويومئ برأسه، فلما فرغ قال: ما فعلت في الذي أرسلتك؟ فإنه لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي) ]. هذا ليس فيه تنصيص على التسليم، ولكن فيه تكليم المصلي والرد بالإشارة، فهو كلمه في أمر قد أرسله به، فأشار إليه، وهذه إشارة إما أن تكون إجابة على الشيء الذي كلمه من أجله، أو أنه أشار إليه يريد أنه يعرض عنه وينتظر حتى يفرغ من الصلاة ثم يكلمه، ولعل جابراً رضي الله عنه إنما كلمه لأنه راكب على البعير، والراكب يكون غير مصل، فهو لم يعلم أنه في صلاة، أو أنه علم أنه في صلاة لكنه كلمه في أمر يحتاج إلى أن يعرف جوابه، أو أنه فهم أن هذا سائغ، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يصرفه عن مخاطبته وهو في الصلاة، ولما فرغ سأله عن الذي أرسله إليه، وقال: ( لم يمنعني أن أكلمك إلا أني كنت أصلي). تراجم رجال إسناد حديث: (...فأتيته وهو يصلي على بعيره فكلمته فقال لي بيده هكذا...) قوله: [ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ]. عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [ حدثنا زهير ]. هو زهير بن معاوية وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا أبو الزبير ]. هو محمد بن مسلم بن تدرس وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن جابر ]. هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود . وجه عدم رد الرسول على جابر حين كلمه وهو يصلي على بعيره لما جاء جابر رضي الله عنه يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فلا يظن به أنه سيكلمه مباشرة دون أن يبدأه بالسلام؛ لأن الأصل أن التكليم يكون بعد السلام، ولكن هنا فيه تكرار الكلام كلمته ثم كلمته، والمشهور عند الناس: السلام قبل الكلام، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يسلم ثم يتكلم، وكلام الناس هذا مطابق للحق، أما أن نقول: لعله لم يرد عليه؛ لأنه كلمه ولم يسلم، فأنا لا أعرف شيئاً في هذا، لكن لا شك أن الكلام لا يأتي إلا بعد السلام. شرح حديث: (...فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني الدامغاني حدثنا جعفر بن عون حدثنا هشام بن سعد حدثنا نافع قال: سمعت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال : كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا. وبسط كفه)، وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل وجعل ظهره إلى فوق ]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى قباء يصلي فيه، فجاءت الأنصار تسلم عليه وهو في الصلاة، فقال الراوي للصحابي الذي كان معه: كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم، قال: هكذا، وأشار بيده وجعل بطنها إلى الأرض، وظهرها إلى فوق. أي: أنه يرد عليهم السلام بالإشارة على هذه الهيئة، وسبق أن مر بنا الحديث الذي فيه: أنه كان يومئ بأصبعه، وسبق أن مر بنا أيضاً حديث عبد الله بن مسعود ، الذي فيه: أنه رد عليه بعد السلام، وعلى هذا فإن المصلي إذا سُلِّم عليه وهو في الصلاة؛ فله أن يرد بالإشارة، أو بعد الصلاة كما جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا. تراجم رجال إسناد حديث: (...فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي) قوله: [ حدثنا الحسين بن عيسى الخراساني الدامغاني ]. الحسين بن عيسى الخراساني الدامغاني صدوق، أخرج له البخاري و مسلم و أبو داود و النسائي . [ حدثنا جعفر بن عون ]. جعفر بن عون صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا هشام بن سعد ]. هشام بن سعد صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، و مسلم وأصحاب السنن. [ حدثنا نافع ]. هو نافع مولى ابن عمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ قال: سمعت عبد الله بن عمر ]. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. شرح حديث: (لا غرار في صلاة ولا تسليم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن أبي مالك الأشجعي عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا غرار في صلاة ولا تسليم). قال أحمد : يعني: -فيما أرى- ألا تسلم ولا يسلم عليك، ولا يغرر الرجل بصلاته فينصرف وهو فيها شاك ]. أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا غرار في صلاة ولا تسليم) ثم ذكر عن الإمام أحمد رحمة الله عليه تفسير الغرار في الصلاة وفي التسليم حيث قال: إن المصلي في الصلاة لا يسلم على أحد ولا يسلم عليه أحد. قوله: [ ويغرر الرجل بصلاته فينصرف وهو فيها شاك ]. من أمثلة ذلك: أنه إذا شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً واعتبرها أربعاً ولم يعتبرها ثلاثاً فإنه في هذه الحالة يكون الشك باقياً معه، أما إذا اعتبرها ثلاثاً وصلى الرابعة، فإن كانت الرابعة زيادة فإنها لا تؤثر، وإن كانت الرابعة باقية على أصلها فهي مكملة لغيرها، هذا هو معنى كونه يغر في صلاته فينصرف منها وهو منها شاك، أما لو أنه شك هل صلى ثلاثاً أو أربعاً واعتبرها ثلاثاً ثم أتى بالركعة الرابعة، فهذا لا يبقى عنده شك. وهذا يفيد أن الأولى للمصلي ألا يسلم على أحد ولا يسلم عليه، لكن إن وجد السلام فإنه يرد بالإشارة أو بعد التسليم كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: [ (لا غرار في صلاة ولا تسليم) ]. الذي يبدو أن الغرار يكون في الصلاة؛ لأن الغرار فيه شك، أما التسليم فليس فيه شك. تراجم رجال إسناد حديث: (لا غرار في صلاة ولا تسليم) قوله: [ حدثنا أحمد بن حنبل ]. هو أحمد بن محمد بن حنبل الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ]. عبد الرحمن بن مهدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن سفيان ]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي مالك الأشجعي ]. هو سعد بن طارق أبو مالك الأشجعي وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، و مسلم أصحاب السنن. [ عن أبي حازم ]. هو سلمان الأغر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وكذلك أيضاً أبو حازم سلمة بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي هريرة ]. هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق. شرح حديث: (لا غرار في تسليم ولا صلاة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن العلاء أخبرنا معاوية بن هشام عن سفيان عن أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أراه رفعه، قال: (لا غرار في تسليم ولا صلاة) ]. قوله: [ (لا غرار في تسليم ولا في صلاة) ] الحديث السابق يفيد بأن الغرار يكون في هذا وفي هذا، لكن على تفسير الإمام أحمد أنه لا يسلم ولا يسلم عليه، وأن الصلاة يغر فيها بأن يخرج منها وهو شاك فيها؛ لكونه أخذ بغير اليقين. ولا أدري ما وجه الشك أو الغرار في التسليم، إلا أن يكون الأمر كما قال الإمام أحمد : إنه لا يسلم ولا يسلم عليه في الصلاة، إلا إذا كان المقصود أنه يغر ويحصل له شيء من التشويش، أو ما إلى ذلك بسبب التسليم، فيمكن أن يكون له وجه. لكن السنة جاءت في أنه يسلم عليه، وأنه إذا سلم عليه رد عليه السلام، وإن كان الأولى أنه لا يسلم عليه حتى لا يحصل له تشويش، ويحمل قوله هنا: (لا غرر في تسليم ولا صلاة) على أن الأولى عدم السلام في الصلاة، ولا يقال: من السنة السلام على الناس وهم يصلون، لكن الشأن في الرد؛ لأن الرد واجب والسلام سنة، وفي الصلاة بكونه يرد بالإشارة أو بعد الصلاة. تراجم رجال إسناد حديث: (لا غرار في تسليم ولا صلاة) قوله: [ حدثنا محمد بن العلاء ]. هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أخبرنا معاوية بن هشام ]. معاوية بن هشام صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، و مسلم وأصحاب السنن [ عن سفيان ]. هو سفيان الثوري مر ذكره. [ عن أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة ]. وقد مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا. [ قال: أراه رفعه ]. يعني: أن أبا هريرة رفعه، وعلى هذا يكون الرفع مشكوكاً فيه. وهذا كما هو معلوم مما يدخل في الاجتهاد، ومن المعلوم أن الشيء الذي لا يقبل الاجتهاد ولا يدخل في الاجتهاد أن حكمه حكم الرفع، أما الذي يدخله اجتهاد فلا يقال: إن له حكم الرفع، وهذا يمكن أن يكون رفعه من طريق عبد الرحمن بن مهدي ؛ لأن عبد الرحمن بن مهدي يروي عن سفيان رفعه، وهنا يشك بأنه رفعه. [ قال أبو داود : ورواه ابن فضيل على لفظ ابن مهدي ولم يرفعه ]. يعني: رواه عن سفيان ولم يرفعه. شرح كلام الخطابي في معنى حديث (لا غرار في تسليم ولا صلاة) قوله: [ (لا غرار في تسليم ولا صلاة) ]. قال الخطابي رحمه الله معناه أن ترد كما يسلم عليك وافياً لا نقص فيه. هذا إذا كان في غير الصلاة، كما في قوله تعالى: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86]. ثم قال: (لا غرار) أي: لا نقصان في التسليم. يعني: بأن الإنسان إذا قيل له: السلام عليكم ورحمة الله، فلا يقول: وعليكم، وإنما يرد كما قيل له أو يزيد؛ وذلك لقوله عز وجل: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] يعني: ردوها بمثل ما ألقيت عليكم أو زيدوا عليها، وهذا كما قلنا إذا كان خارج الصلاة، لكن إذا كان داخل الصلاة؛ فالمعنى هو ما قاله الإمام أحمد : إنه لا يسلم ولا يسلم عليه ولا يرد السلام في الصلاة؛ لأن فيه شيئاً من المشقة على الإنسان المسلم عليه، لكن كما هو معلوم أن السنة قد جاءت بأنه يرد بالإشارة أو بعد الصلاة." ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#224 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() شرح سنن أبي داود (عبد المحسن العباد) كتاب الصلاة شرح سنن أبي داود [118] الحلقة (149) شرح سنن أبي داود [118] جاء النهي عن الكلام في الصلاة إلا لمصلحة الصلاة، ومما نهي عنه في الصلاة تشميت العاطس، فإنه لا يشمت من عطس وحمد الله، أما العاطس فله أن يحمد الله بصوت منخفض، ويشرع التأمين بعد الفراغ من الفاتحة للإمام والمأموم؛ لورود النص عليه من الشارع، فقد ورد أن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. حكم تشميت العاطس في الصلاة شرح حديث: (صليت مع رسول الله فعطس رجل من القوم ... ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب تشميت العاطس في الصلاة: حدثنا مسدد حدثنا يحيى ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن إبراهيم المعنى عن حجاج الصواف حدثني يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فعرفت أنهم يصمتوني، فقال عثمان : فلما رأيتهم يسكتوني لكني سكت، قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي ما ضربني ولا كهرني ولا سبني، ثم قال: إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: يا رسول الله! إنا قوم حديث عهد بجاهلية وقد جاءنا الله بالإسلام، ومنا رجال يأتون الكهان، قال: فلا تأتهم، قال: قلت: ومنا رجال يتطيرون، قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم، قلت: ومنا رجال يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك، قال: قلت: جارية لي كانت ترعى غنيمات قبل أحد والجوانية، إذ اطلعت عليها اطلاعة فإذا الذئب قد ذهب بشاة منها، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فعظم ذاك علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، قال: فجئته بها، فقال: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) ]. أورد أبو داود هذه الترجمة : [ باب تشميت العاطس في الصلاة ]. يعني: حكم ذلك، وأنه لا يجوز؛ لأنه من الكلام، والمصلي لا يكلم غيره ولا يخاطب غيره. وتشميت العاطس كما هو معلوم إنما يكون إذا حمد الله وهو في غير الصلاة، وإذا لم يحمد الله فلا يشمت؛ لأن التشميت إنما يكون بعد أن يحمد العاطس الله عز وجل. وحديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه يفهم منه أن الذي عطس حمد الله، فشمته فقال: يرحمك الله، وكون العاطس يحمد الله في الصلاة لا بأس بذلك؛ لأنه ذكر لله عز وجل، ولا مانع منه، لكن ينبغي للإنسان عندما يحمد الله في الصلاة ألا يرفع صوته وإنما بينه وبين نفسه، ولا يشمته غيره؛ لأنه كلام من الشخص لغيره وليس له ذلك. فشمته معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، فجعل الناس ينظرون إليه نظراً فيه إنكار، فقال في الصلاة: (واثكل أمياه! مالكم تنظرون إلي، فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم) ففهم منهم أنهم يريدون منه أن يسكت وأن ينتهي، فسكت، ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته، قال: (إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) فبين له عليه الصلاة والسلام بعد الصلاة أن الصلاة إنما هي محل للتكبير والتسبيح وقراءة القرآن وذكر الله سبحانه وتعالى، فلا يكون فيها شيء من الكلام بين الناس بعضهم لبعض، وقد كان ذلك سائغاً في أول الإسلام ولكنه نسخ. الأسلوب النبوي في معالجة الأخطاء قوله: [ (فعرفت أنهم يصمتوني، فقال عثمان : فلما رأيتهم يسكتوني لكني سكت، قال: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي ما ضربني ولا كهرني ولا سبني) ]. يحكي معاوية بن الحكم السلمي ما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الصلاة، فيقول: (بأبي هو وأمي) يعني: هو مفدى بأبي وأمي، وهذا ليس بقسم وإنما هي تفدية. قوله: [ (ما ضربني) ] يعني: ما أدبه بالضرب على هذا الصنيع. قوله: [ (وما كهرني) ] يعني: ما أغلظ له في القول. قوله: [ (وما سبني) ] يعني: ما تكلم عليه بكلام يسبه فيه، وإنما قال له صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الصلاة لا يحل فيها شيء من كلام الناس هذا، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) ]. يعني: لا يحل في الصلاة كلام الناس الذي هو التخاطب فيما بينهم، وإنما الشأن فيها إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن. وقوله: [ (أو كما قال صلى الله عليه وسلم) ] . وهذا فيه إشارة إلى أنه لم يتقن اللفظ الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أتقن المعنى، فهذه العبارة تقال إذا كان الإنسان لم يتقن اللفظ ولم يضبطه تماماً، ولكنه أتى بمعناه، وأضاف القول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة، فيأتي بعدها بقوله: أو كما قال صلى الله عليه وسلم، وهذه تستعمل كثيراً في كلام العلماء عندما يحدثون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعنى، ومن غير ضبط منهم لألفاظه صلى الله عليه وسلم، ومن أمثلته هذا الحديث عن هذا الصحابي معاوية بن الحكم السلمي رضي الله تعالى عنه. وكذلك أيضاً جاء مثل ذلك في مقدمة الإمام ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه في ذكر حديث أنس ثم قال في آخره: أو كما قال صلى الله عليه وسلم. فهذه طريقة اتبعها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبعهم عليها العلماء من بعدهم. وهذه الفائدة أشرت إليها في سنن ابن ماجة وأوردتها في الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى. حكم إتيان الكهان قوله: [ (قلت يا رسول الله! إنا قوم حديث عهد بجاهلية؛ وقد جاءنا الله بالإسلام، ومنا رجال يأتون الكهان، قال: فلا تأتهم) ]. بدأ هذا الصحابي يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمور كانت معروفة عندهم في الجاهلية، وهو يريد أن يعرف حكمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على عناية الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم واهتمامهم بمعرفة الأحكام الشرعية، ومعرفة ما يسوغ وما لا يسوغ من الأعمال التي كانت في الجاهلية؛ لأن الإسلام نهى عن أشياء من أمور الجاهلية وأقر أخرى، فما أقر منها ثبت بحكم الإسلام وهو الإقرار، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقر على باطل، وهناك أمور جاء النهي عنها من أمور الجاهلية. فإذاً: الأمور التي كانت في الجاهلية منها ما جاء الإسلام وأقره، ومن ذلك الولي في النكاح، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: أن الرجل عندما يريد المرأة يذهب إلى وليها ويخطبها منه، يعني: أن الولي هو المسئول عن الزواج، وهو الذي يذهب إليه ويخطب منه، فجاء الإسلام وأقر ذلك، ومثل المضاربة في التجارة بالمال، بأن يدفع شخص لآخر مبلغاً من المال على أن يتجر به، وما حصل من ربح فهو بينهما على النسبة التي يتفقان عليها. هذه من الأمور التي كانت موجودة في الجاهلية وأقرها الإسلام، وقد حصل الإجماع من العلماء عليها. وأشياء كثيرة منع منها الإسلام، كما جاء في حديث معاوية بن الحكم السلمي ، حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (ومنا رجال يأتون الكهان) يعني: في الجاهلية، قال: (فلا تأتهم) يعني: لا يجوز أن يذهب إلى الكهان، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنع من الذهاب إلى الكهان، وبيان خطر الذهاب إليهم، وخطر تصديقهم فيما يقولون. والكهان هم الذين يخبرون عن أمور غيبية، ويكون ذلك بالخبط والتخمين، وباستخدام إخوانهم من شياطين الجن، فإن الشيء إذا كان موجوداً يمكن أن يطلع عليه ويخبر عنه بسرعة، لكن يمكن أن يكون إخوانهم من شياطين الجن أخبروهم عن الشيء الذي يطلعون عليه ولا يطلع عليه الإنس، فيكون من الكهان الذين يستعينون بشياطين الجن فيعينونهم، ثم يخبروننا عن أمر، فتحصل فتنة للناس بسبب ذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن الذهاب إليهم وعن تصديقهم فيما يقولون، وحرم الذي يعطى لهم وهو حلوان الكاهن، ومعروف قصة أبي بكر رضي الله عنه مع الغلام الذي كان له، وأنه كان قد تكهن في الجاهلية، ثم لقي هذا الذي تكهن له وأعطاه مكافأة على ذلك، وأعطى أبا بكر فأكل منها، ولما علم أبو بكر ذلك استقاء ذلك الشيء الذي أكله من هذا الغلام الذي جاء عن طريق الكهانة. فجاءت الشريعة بتحريم حلوان الكاهن، وتحريم الذهاب إليهم وتصديقهم فيما يقولون، على أن الجن الذين يستعينون بهم شياطين الإنس لا يعلمون الغيب، وقد جاء القرآن بذلك كما حكى عن الجن الذين سخرهم الله لسليمان عليه الصلاة والسلام في قصة العصا، وأن دابة الأرض أكلتها، قال الله: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14] يعني: هم لا يعلمون الغيب، ولكن يمكن أن يكونوا بسبب ذهابهم وإيابهم يطلعون على أشياء ويخبرون بها إخوانهم من شياطين الإنس. الحاصل: أن الكهان هم الذين يخبرون عن الأمور المغيبة، أما العراف فهو الذي يخبر عن مكان الضالة أو مكان المسروق، والعرافة نوع من الكهانة، وكل ذلك لا يسوغ ولا يجوز. فالرسول صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: (لا تأتهم) يعني: لا تفعل هذا الذي كنتم تفعلونه في الجاهلية، والحكم في الإسلام أنه لا يذهب إلى الكهان ولا يصدقون. حكم التطير قوله: [ (قال: قلت: ومنا رجال يتطيرون قال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدهم) ]. يسمى التطير بذلك نسبة إلى الطيور، فقد كانوا إذا أرادوا السفر أخذوا طيراً فتركوها فإن اتجهت إلى اليمين تفاءلوا وسافروا، وإذا اتجهت إلى الشمال عدلوا عن السفر بسبب ذلك، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (هذا شيء يجدونه في نفوسهم، فلا يصدهم) يعني: هذه الأمور التي كانوا يفعلونها في الجاهلية ينبغي أن تترك، وأن المسلمين يقدمون على ما يقدمون عليه ولا يلتفتون إلى هذه الطيور وما يحصل منها، لا يجوز أن يرجع الإنسان عن السفر الذي أراده؛ لأنه تشاءم من كون الطيور جاءت من جهة الشمال. كذلك الذين يتشاءمون من أرقام معينة فهو من التشاؤم، وبعض الباعة إذا استفتح بيعه بأعرج أو بأعمى تشاءم من ذلك، وهذا غلط وجهل وضعف عقل. حكم الخط على الأرض قوله: [ (قلت: ومنا رجال يخطون، قال: كان نبي من الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذاك) ]. يعني: يخطون في الأرض، وذلك بأنهم كانوا يخطون عدة خطوط، ثم يجعلونها اثنين اثنين اثنين، فإن بقي اثنان صارت علامة خير، وإن بقي واحد كانت علامة شر، فهم يخطون في الأرض ويتفاءلون ويتشاءمون. فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (كان نبي يخط، فمن وافق خطه فذاك) يعني: ولا يمكن أن يوافق خطه؛ لأن هذه إحالة إلى شيء غير معلوم، ولا سبيل إلى معرفته. إذاً: استعمال الخطوط في الأرض، وبناء أشياء عليها، سواء كانت من جهة التشاؤم والتفاؤل أو عن طريق كهانة أو ما إلى ذلك، كل ذلك لا يسوغ ولا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن نبي أنه كان يخط، ومن المعلوم أن النبي الذي كان يخط إنما يفعل بالوحي. قوله: [ (فمن وافق خط ذلك النبي فذاك) ] يعني: أنه لا سبيل إلى موافقته وإلى معرفة موافقته، فيكون استعمال الخطوط في الأرض لا يسوغ ولا يجوز؛ لأنه إخبار عن أمر مغيب، وهو فعل نبي من الأنبياء أنه كان يخط. والاعتماد على هذه الخطوط لا يكون من الشرك الأكبر أو الأصغر، وإنما يكون من التشاؤم، أما إذا كان يعتقد أن الخطوط أو أن غير الله عز وجل هو الذي ينفع ويضر، فهذا هو الشرك، وأما إذا وقع في باله أن هذا علامة خير أو علامة شر، فهذا لا يكون شركاً أكبر. تعظيم ضرب الإماء قوله: [ ( قلت: لي كانت جارية ترعى غنيمات قبل أحد والجوانية، إذ اطلعت عليها اطلاعة فإذا الذئب قد ذهب بشاة منها، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فعظم ذلك علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها) ]. يعني: أن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أسئلة كانت من أمور الجاهلية، ومن الأمور التي كانوا يعتادونها في الجاهلية الكهانة والخطوط في الأرض والتطير، ثم سأله عن أمر يخصه وحادثة حدثت له، وهي: أن جارية له كانت ترعى غنماً له في أحد والجوانية، فتفقد حالها في وقت من الأوقات، وإذا بالذئب قد أخذ واحدة من الغنم، فصك تلك الجارية صكة، فعظم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، وبين صلى الله عليه وسلم أن هذا أمر عظيم لا يسوغ ولا يجوز؛ لأنه حصل منه لها هذا الإيذاء الذي لا يصلح ولا يليق. حقيقة علو الله سبحانه وتعالى قوله: [ (أفلا أعتقها يا رسول الله؟ قال: ائتني بها، فجئته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها، فإنها مؤمنة) ]. وهذا يدلنا على أن خير الخلق وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم سأل بأين الله؟ وأن ذلك سائغ وجائز، وأن الله تعالى في السماء. والمقصود بالسماء العلو؛ لأن كل ما علا وارتفع فهو سماء، فلا يفهم من الحديث أن المقصود بالسماء، هي السماء المبنية، وأن الله تعالى تحويه السماوات، وأنه في داخل السماوات، لا، وإنما المقصود من ذلك العلو، ومن المعلوم أن كل ما علا وارتفع فهو علو، فبالنسبة لنا كل ما فوقنا هو سماء لنا، ومن المعلوم أن العرش فوقه علو، والله تعالى في العلو الذي فوق العرش، لا يحويه شيء من مخلوقاته ولا يحل في شيء من مخلوقاته، فهو مباين لمخلوقاته؛ لأن الله تعالى خلق الخلق وكان هو الموجود وحده، ولما خلقهم لم يحل فيهم ولم يحلوا فيه، بل هو مباين لهم وهم مباينون له، والله تعالى فوق العرش، وقد جاء القرآن الكريم بذلك : أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16] أي: في العلو، فالجارية قالت: في السماء، أي: في العلو، والله سبحانه وتعالى في العلو فوق الخلق مستو على عرشه فوق خلقه، عال على جميع خلقه سبحانه وتعالى. إذاً: كل ما علا، فهو سماء، وما دون العرش مخلوق، والله تعالى لا يحل في شيء مخلوق، والله عز وجل فوق العرش، وما فوق العرش هو الخلو والعدم، وليس فيه إلا الله عز وجل. قوله: [ (قال: وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون) ]. يعني: هذا اعتذار منه لفعله الذي فعل، قال: إنني غضبت وإني أسفت، والأسف هو الغضب، قال عز وجل: فَلَمَّا آسَفُونَا [الزخرف:55] يعني: أغضبونا، فحصل له غضب، وأنه بسبب ذلك صك الجارية هذه الصكة. أما الكلام في الصلاة نسياناً فإنه لا يؤثر، وإنما الذي يؤثر إذا تكلم عامداً، يقول عز وجل في النسيان: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]. تراجم رجال إسناد حديث: (صليت مع رسول الله فعطس رجل من القوم ...) قوله: [ حدثنا مسدد ]. هو مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري و أبو داود و الترمذي و النسائي . [ حدثنا يحيى ]. هو يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ ح وحدثنا عثمان بن أبي شيبة ]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي . [ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ]. هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي المشهور بابن علية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ المعنى ]. أي: أن الطريقين إنما اتفقا في المعنى وليس في الألفاظ. [ عن حجاج الصواف ]. حجاج الصواف ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثني يحيى بن أبي كثير ]. هو يحيى بن أبي كثير اليمامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن هلال بن أبي ميمونة ]. هلال بن أبي ميمونة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عطاء بن يسار ]. عطاء بن يسار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن معاوية بن الحكم السلمي ]. معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، و مسلم و أبو داود و النسائي . وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه. شرح حديث: (...إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله فقل: يرحمك الله...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمد بن يونس النسائي حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: (لما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم علمت أموراً من أمور الإسلام؛ فكان فيما علمت أن قال لي: إذا عطست فاحمد الله، وإذا عطس العاطس فحمد الله فقل: يرحمك الله, قال: فبينما أنا قائم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة إذ عطس رجل فحمد الله، فقلت: يرحمك الله. رافعاً بها صوتي، فرماني الناس بأبصارهم حتى احتملني ذلك، فقلت: ما لكم تنظرون إلي بأعين شُزر؟ قال: فسبحوا، فلما قضى رسول صلى الله عليه وسلم قال: من المتكلم؟ قيل: هذا الأعرابي، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: إنما الصلاة لقراءة القرآن وذكر الله جل وعز، فإذا كنت فيها فليكن ذلك شأنك. فما رأيت معلماً قط أرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم) ]. أورد أبو داود حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه بعض ما في الذي قبله، وفيه زيادة: أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعلم شيئاً من أمور الإسلام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه أنه إذا عطس أن يحمد الله، وأنه إذا سمع العاطس يحمد الله أن يشمته، ويقول له: يرحمك الله، وبينما هو يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فحمد الله ذلك الرجل العاطس، فشمته معاوية بن الحكم رضي الله عنه، فنظر الناس إليه نظراً ساءه، فقال: ما لكم تنظرون إلي بأعين شزر؟! فسبحوا فسكت، فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من المتكلم؟ قالوا: هذا الأعرابي، فأخبره أن الصلاة إنما هي للتسبيح وقراءة القرآن، وأن الإنسان إذا كان في الصلاة يكون هذا شأنه إما أن يكون قارئاً للقرآن، وإما أن يكون ذاكراً مسبحاً لا متكلماً في أمور الدنيا. إذاًً: العاطس إذا عطس في غير الصلاة وحمد الله عز وجل فإنه يشمت، وإذا لم يحمد الله عز وجل فإنه لا يشمت، كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما بالنسبة للصلاة فللعاطس أن يحمد الله سراً، ولكن من سمعه يحمد الله ليس له أن يشمته وهو في الصلاة؛ لأن حمد الله عز وجل ذكر وثناء على الله، وهو سائغ في الصلاة، وأما قول: يرحمك الله -التشميت- فهو خطاب وكلام من المشمت للعاطس، والكلام والمخاطبة في الصلاة لا تسوغ ولا تجوز. بيان رفق النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه قوله: [ (فما رأيت معلماً قط، أرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم) ]. أي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبه بهذا الرفق وبهذا اللين، وقال له: إن الصلاة لا ينفع فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وذكر الله عز وجل، وهذا يدلنا على أن الرفق في التعليم والرفق في التأديب والتوجيه فيه الخير وفيه البركة، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله رفيق يحب الرفق) وقوله: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) وكان هذا سمت نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهديه ومنهجه وطريقته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو خير الناس وأنصح الناس للناس، وهو أكمل الناس نصحاً وأكملهم بياناً وأفصحهم لساناً، وكان هذا شأنه مع أصحابه يعلمهم ويرفق بهم، ويجدون ثمرة هذا الرفق، فيقولون ما يقولون مثل هذه المقالة التي قالها معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: (فما رأيت معلماً أرفق من رسول الله صلى الله عليه وسلم). يتبع ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#225 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() تراجم رجال إسناد حديث: (... إذا عطست فاحمد الله وإذا عطس العاطس فحمد الله فقل: يرحمك الله ...) قوله: [ حدثنا محمد بن يونس النسائي ]. محمد بن يونس النسائي ثقة، أخرج حديثه أبو داود وحده. [ حدثنا عبد الملك بن عمرو ]. هو أبو عامر العقدي ذكره هنا باسمه، ويذكره أحياناً بكنيته، فأحياناً يقول: حدثنا أبو عامر العقدي ، وأحياناً يقول: حدثنا عبد الملك بن عمرو . ألا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر باسمه مرة وذكر بكنيته مرة أخرى، فإن من لا علم له يظن أن عبد الملك بن عمرو هو غير أبي عامر العقدي ، لكن من يكون على علم بذلك فإنه لا يلتبس عليه الأمر، سواء جاء ذكره بعبد الملك بن عمرو أو جاء ذكره بأبي عامر ، فهو شخص واحد وليسا شخصين، وهو ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا فليح ]. هو فليح بن سليمان هو صدوق يخطئ كثيراً، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ عن هلال بن علي ]. هلال بن علي وهو ابن أبي ميمونة الذي مر في الإسناد السابق، ذكر هنا منسوباً إلى أبيه باسمه، وفي الحديث السابق ذكر منسوباً إلى أبيه بكنيته، وهذا مثل ما أسلفت من فائدته ألا يظن الشخص الواحد شخصين، إذا ذكر منسوباً إلى أبيه مكنى أو ذكر منسوباً إلى أبيه مسمى، فإن من لا علم له يظن أن هذا شخص وهذا شخص، ولكن من كان عالماً لا يلتبس عليه الأمر، إن جاء هلال بن علي عرف أنه هلال بن أبي ميمونة ، وإن جاء هلال بن أبي ميمونة عرف أنه هلال بن علي ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عطاء بن يسار ]. عطاء بن يسار وهو ثقة أيضاً، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن معاوية بن الحكم السلمي ]. معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، و مسلم و أبو داود و النسائي . ما جاء في التأمين وراء الإمام شرح حديث: (كان رسول الله إذا قرأ (ولا الضالين) قال: آمين، ورفع بها صوته) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب التأمين وراء الإمام: حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن سلمة عن حجر بن العنبس الحضرمي عن وائل بن حجر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: (( وَلا الضَّالِّينَ ))[الفاتحة:7] قال: آمين، ورفع بها صوته) ]. أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي: [ التأمين وراء الإمام ]. يعني: حكم تأمين المأموم وراء الإمام أنه يؤمن ويرفع صوته بالتأمين، كما أن الإمام يرفع صوته بالتأمين، وقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الإمام يؤمن، وكذلك المأموم جاء أنه يؤمن. وجاء في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع صوته بالتأمين، وليس فيه شيء يتعلق بالمأموم، مع أن الترجمة هي للتأمين وراء الإمام، ولكن وجه إيراده في هذه الترجمة: أن المأموم مطلوب منه أن يتابع الإمام، وأن يفعل مثل ما يفعل الإمام، ولا يخالفه إلا فيما استثني، مثل: سمع الله لمن حمده، فإنه لا يقولها المأموم وإنما يقولها الإمام وحده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: ربنا ولك الحمد) لم يقل: فقولوا: سمع الله لمن حمده، فإن هذا مستثنى من متابعة الإمام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي). إذاً: فالإمام يؤمن ويرفع صوته، والمأموم كذلك يؤمن ويرفع صوته؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) ولا يستثنى من ذلك إلا ما جاء دليل يدل على اختصاصه بالإمام، والذي جاء هو سمع الله لمن حمده، فإنه يقولها الإمام ولا يقولها المأموم، والإمام يجمع بين التسميع والتحميد، والمأموم يحصل منه التحميد دون التسميع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد). إذاً: وجه الاستدلال بهذا الحديث على الترجمة: [ التأمين وراء الإمام ] أي: تأمين المأموم وراء الإمام مأخوذ من جهة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) والإمام يقول: آمين ويرفع بها صوته، فكذلك المأموم يقول: آمين ويرفع بها صوته، استناداً إلى أن الإمام يقتدى به وأنه يتبع، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (صلوا كما رأيتموني أصلي) وستأتي أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها أمر المأمومين بأن يؤمنوا تبعاً للإمام، وأنه إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فليقل المأموم: آمين، يعني: يؤمن وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أمن الإمام فأمنوا) ولكن هذا الحديث ليس فيه تنصيص على تأمين المأموم، ولكن وجه الاستدلال به على تأمين المأموم من جهة أن المأموم مأمور بأن يقتدي بالإمام ولا يخالفه إلا فيما استثني، ولم يستثن ذلك، بل جاء في السنة ما يدل على أمر المأموم بأن يؤمن إذا أمن الإمام. أورد أبو داود حديث وائل بن حجر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: (( وَلا الضَّالِّينَ )) قال: آمين ورفع بها صوته). قوله: [ (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم) ] (كان) تدل على الدوام والاستمرار، يعني: هذا شأنه دائماً، ولكن قد تأتي (كان) أحياناً ولا يراد بها الاستمرار، ولكن يراد بها المرة الواحدة، ومن ذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها قالت: (كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت) فإن قولها: (ولحله قبل أن يطوف بالبيت) إنما حصل مرة واحدة في حجة الوداع. على أن (كان). تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا قرأ (ولا الضالين) قال: آمين، ورفع بها صوته) قوله: [ حدثنا محمد بن كثير ]. هو محمد بن كثير العبدي ، وهو ثقة، من كبار شيوخ البخاري ، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي عن سفيان الثوري . [ أخبرنا سفيان ]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، و سفيان الثوري من المتقدمين في الوفاة، توفي سنة (161هـ) و محمد بن كثير العبدي الراوي عنه توفي بعد سنة (220هـ) ولكنه عُمِّر تسعين سنة؛ ولهذا أدرك المتقدمين. [ عن سلمة ]. هو سلمة بن كهيل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن حجر بن العنبس الحضرمي ]. حجر بن العنبس الحضرمي وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، و أبو داود و الترمذي . في بعض النسخ ذكر: أبي العنبس وهو ابن العنبس وليس كذلك، وكنيته أبو السكن ، و(أبي) مصحفة عن (ابن)؛ لأن (أبي) رسمها قريب من رسم (ابن) ولهذا قد يأتي التصحيف بين كلمة (ابن) و (أبي)، لكن لو كانت الكنية موافقة لاسم الأب، يكون كل ذلك صحيحاً، لكن الكنية هنا غير موافقة لاسم الأب، فهو تصحيف. وقد جاء في بعض الروايات التي ستأتي ابن العنبس ، وجاء في رواية سفيان الثوري أنه قال: ابن العنبس ، وجاء في رواية شعبة عن أبي العنبس . وجاء في رواية شعبة : (أنه خفض صوته بآمين) ولكن رواية سفيان الثوري مقدمة على رواية شعبة وذلك لأمور عديدة منها: أن سفيان أحفظ من شعبة وهو مقدم على شعبة في الحفظ، وكل من سفيان الثوري و شعبة بن الحجاج وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وكل منهما حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ولكن أحدهما أحفظ من الآخر، وهو سفيان ؛ فيكون مقدماً في الحفظ على شعبة . وقد ذكر الحفاظ أن سفيان مقدم على شعبة ، وقد قال شعبة : سفيان أحفظ مني. وكانوا يعتمدون في التمييز بين الثقات أيهما أوثق من بعض، أو أيهما أحفظ من بعض، بعدِّ الأخطاء التي يخطئها هذا وهذا، فإذا عدوا أخطاء هذا وأخطاء هذا، وعرفوا أن هذا أقل أخطاء وأن هذا أكثر أخطاء، فإنهم يقدمون في الحفظ من يكون أقل خطأً. وعلى هذا فرواية سفيان : (أنه جهر بآمين) مقدمة على رواية شعبة : (أنه خفض صوته بآمين) على أن شعبة جاء عنه في بعض الروايات ما يدل على الجهر بآمين، فصارت بعض رواياته موافقة لرواية سفيان الثوري . [ عن وائل بن حجر ]. هو وائل بن حجر الحضرمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه البخاري في جزء القراءة، و مسلم و أصحاب السنن. شرح حديث: (أنه صلى خلف رسول الله فجهر بآمين...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا مخلد بن خالد الشعيري حدثنا ابن نمير حدثنا علي بن صالح عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر رضي الله عنه: (أنه صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجهر بآمين، وسلم عن يمينه وعن شماله حتى رأيت بياض خده) ]. أورد أبو داود حديث وائل بن حجر رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه: أنه قال: آمين وجهر بها عندما قرأ سورة الفاتحة. وفيه: أنه سلم عن يمينه و شماله حتى رأى بياض خده صلى الله عليه وسلم. فهذا يدلنا على ما دل عليه الحديث الأول من التأمين من الإمام والجهر بآمين، وأن المأموم يتابعه في التأمين والجهر، ويدل أيضاً على أن التسليم تسليمتان: تسليمة عن اليمين وتسليمة عن الشمال. تراجم رجال إسناد حديث: (أنه صلى خلف رسول الله فجهر بآمين...) قوله: [ حدثنا مخلد بن خالد الشعيري ]. مخلد بن خالد الشعيري ثقة، أخرج له مسلم و أبو داود . [ حدثنا ابن نمير ]. هو عبد الله بن نمير وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا علي بن صالح ]. هو علي بن صالح بن حي وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [ عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر ]. وقد مر ذكر الثلاثة. شرح حديث: (كان رسول الله إذا تلا (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا نصر بن علي أخبرنا صفوان بن عيسى عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول) ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلا: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]. قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول). وهذا يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: آمين ويجهر بها، وهو يدل على ما دل عليه الحديث الأول من الطريقين المتقدمين، ولكن هنا قصره على إسماع الصف الأول، والحديث في إسناده من هو متكلم فيه، والأصل أن الجهر بالتأمين من الإمام لا يقتصر على إسماع الصف الأول. تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله إذا تلا (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول) قوله: [ حدثنا نصر بن علي ]. هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أخبرنا صفوان بن عيسى ]. صفوان بن عيسى ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، و مسلم وأصحاب السنن. [ عن بشر بن رافع ]. بشر بن رافع ضعيف، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، و أبو داود و الترمذي و ابن ماجة . [ عن أبي عبد الله ابن عم أبي هريرة ]. أبو عبد الله ابن عم أبي هريرة مقبول، أخرج له أبو داود و ابن ماجة . [ عن أبي هريرة ]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام، بل هو أكثر السبعة حديثاً على الإطلاق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. شرح حديث: (إذا قال الإمام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا آمين...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قال الإمام: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) فهذا يدلنا على أن المأموم يؤمن بعدما يقول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] مثل ما جاء في التسميع والتحميد: (إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد) يعني: بعد أن يقول: سمع الله لمن حمده، قولوا: ربنا ولك الحمد، وهذا بعد أن يقول: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] قولوا: آمين، ولا ينتظر حتى يقول الإمام: آمين، بل يقول: آمين بعدما يقول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فيكون تأمين الإمام والمأموم وكذلك الملائكة في وقت واحد، وأن من يحصل منه ذلك ويوافق قوله قول الملائكة، فإنه يجازى على ذلك بأن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه. والمقصود بالمغفرة فيما تقدم هو الصغائر، وأما الكبائر فلا بد فيها من التوبة؛ لأنها لا تكفر بفعل الطاعات وإنما تكفر بالتوبة منها، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، ويقول سبحانه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31]. فإذاً: الذنوب التي تكفر بالأعمال الصالحة إنما هي الصغائر، وأما الكبائر فإن التوبة الخاصة هي التي تكفرها، أما إذا أصر على الكبيرة وحصل منه العمل الصالح، بأن قال: آمين وراء الإمام، فإنه لا تغفر له تلك الكبيرة التي هو مصر عليها، بل تغفر له إذا تاب منها، وأقلع عنها، وندم عليها، وحرص على ألا يعود عليها في المستقبل؛ لأن شروط التوبة ثلاثة: أن يقلع عن الذنب، بأن يتركه نهائياً، وأن يندم على ما قد مضى، وأن يعزم في المستقبل على ألا يعود إليه، والشرط الرابع: إذا كان الأمر يتعلق بحقوق الآدميين، سواء بأموالهم أو أعراضهم أو أبدانهم فعليه أن يطلب المسامحة ممن له عليه حق، أو يؤدي الحقوق إلى أهلها. وعلى هذا فما جاء في هذا الحديث وأمثاله من مغفرة الذنوب بفعل الأعمال الصالحة، إنما يراد به مغفرة الصغائر، وأما الكبائر فإن تكفيرها إنما يكون بالتوبة والإقلاع منها، كما عرفنا ذلك. تراجم رجال إسناد حديث: (إذا قال الإمام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقولوا آمين...) قوله: [ حدثنا القعنبي ]. هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة . [ عن مالك ]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور المحدث، أحد الأئمة الأربعة، وأحد أصحاب المذاهب المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ عن سمي مولى أبي بكر ]. هو سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي صالح السمان ]. أبو صالح السمان كنيته أبو صالح واسمه ذكوان ولقبه السمان ، ويقال له: الزيات ، لأنه كان يبيع الزيت والسمن، فقيل له: السمان وقيل له: الزيات ، وكثيراً ما يأتي بكنيته أبي صالح ، وأحياناً يأتي بكنيته واسمه فيقال: أبو صالح ذكوان ، وأحياناً يأتي بكنيته ولقبه كما هنا حيث قال: أبو صالح السمان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي هريرة ]. وقد مر ذكره. شرح حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب و أبي سلمة بن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه). قال ابن شهاب (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين) ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) وهذا لا يخالف الحديث السابق، الذي فيه: (إذا قال: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فقولوا: آمين، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه) فليس معنى قوله: [ (إذا أمن) ] أي: إذا فرغ من التأمين فأمنوا، وإنما المقصود من ذلك أنه إذا وجد منه التأمين بعد: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فالمأموم يقول عند قول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]: آمين، والملائكة تقول عند قول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]: آمين، فتكون الأقوال متفقة من الإمام والمأموم والملائكة. تراجم رجال إسناد حديث: (إذا أمن الإمام فأمنوا...) قوله: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب ]. القعنبي و مالك مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا. و ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري ، وهو مشهور بالزهري ومشهور بابن شهاب ، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن سعيد بن المسيب ]. سعيد بن المسيب ثقة فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين باتفاق، وأما السابع منهم ففيه ثلاثة أقوال: قيل: هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الذي معنا في هذا الإسناد، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الذي هو مولى سمي الذي مر ذكره، وهو مولاه من أعلى و سمي مولاه من أسفل، فهذا أحد فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، والقول الثالث: أنه سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأما الستة المتفق على عدهم في الفقهاء السبعة فهم: سعيد بن المسيب و عروة بن الزبير بن العوام و خارجة بن زيد بن ثابت و القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق و سليمان بن يسار و عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، هؤلاء الستة المتفق على عدهم من الفقهاء السبعة. ومعنا في الإسناد واحد ممن هو معدود في الفقهاء السبعة اتفاقاً، وواحد ممن هو معدود فيهم على اختلاف في ذلك، وكل من سعيد بن المسيب و أبي سلمة بن عبد الرحمن أخرج حديثهما أصحاب الكتب الستة، بل الفقهاء السبعة كلهم -المتفق عليهم والمختلف فيهم- أخرج لهم أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي هريرة ]. أبو هريرة وقد مر ذكره. شرح حديث: (يا رسول الله لا تسبقني بآمين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه أخبرنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان عن بلال رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! لا تسبقني بآمين) ]. أورد أبو داود رحمه الله حديث بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا رسول الله! لا تسبقني بآمين) قيل: إن معنى ذلك أنه كان يقيم الصلاة وهو في مكان بعيد من الإمام، ثم يأتي بعد ذلك، فهو يريد من النبي صلى الله عليه وسلم ألا يقول: آمين قبل أن يصل ويدخل في الصلاة ويقول: آمين، ولكن الحديث في ثبوته كلام من جهة أن أبا عثمان النهدي الذي يروي عن بلال ، قيل: إنه لم يدرك بلالاً ، وجاء في بعض طرقه أن أبا عثمان النهدي قال: إن بلالاً قال كذا وكذا، وعلى هذا فيكون من قبيل المرسل الذي يحكي فيه التابعي شيئاً في زمن النبوة لم يدركه، وقد روى الحديث موصولاً، وجاء من رواية أخرى مرسلاً، وعلى هذا يكون الحديث منقطعاً غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. تراجم رجال إسناد حديث: (يا رسول الله لا تسبقني بآمين) قوله: [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه ]. هو إسحاق بن إبراهيم بن راهويه الحنظلي المروزي ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة . [ أخبرنا وكيع ]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن سفيان ]. هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عاصم ]. هو عاصم بن سليمان الأحول وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي عثمان ]. هو أبو عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن بلال ]. هو بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وجه طلب بلال من الرسول عدم سبقه بآمين إذا كان بلال يقرأ بفاتحة الكتاب في السكتة الأولى التي بين التكبير والقراءة فلا يستقيم أن يوجه طلبه على هذا؛ لأنه إذا كان بدأ قبل أن يبدأ الإمام؛ فمعنى هذا أنه إذا واصل فإنه سينتهي هو من قراءة الفاتحة قبل أن يقول الإمام: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] فالأمر غير واضح، ولكن يمكن أن يكون معناه هو ما أشرت إليه آنفاً: أنه لم يكن وراء النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتى بعد ذلك، ويمكن أنه كان يشتغل بتسوية الصفوف، فيحصل من الرسول صلى الله عليه وسلم الفراغ من الفاتحة قبل أن يصل، فقال ما قال، لكن الحديث كما هو معلوم غير ثابت من جهة كونه إما مرسلاً، أو منقطعاً بين أبي عثمان النهدي وبين بلال . شرح حديث: (... أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين...) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي و محمود بن خالد قالا: حدثنا الفريابي عن صبيح بن محرز الحمصي حدثني أبو مصبح المقرائي قال: (كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة، فيتحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال: اختمه بآمين، فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة، قال أبو زهير : أخبركم عن ذلك؟ خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأتينا على رجل قد ألح في المسألة، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يستمع منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين، فإنه إن ختم بآمين فقد أوجب، فانصرف الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم فأتى الرجل فقال: اختم يا فلان بآمين وأبشر) وهذا لفظ محمود . قال أبو داود : المقراء قبيلة من حمير ]. أورد أبو داود حديث أبي زهير النميري عن أبي مصبح المقرائي قال: (كنا نجلس إلى أبي زهير النميري وكان من الصحابة، فيتحدث أحسن الحديث، فإذا دعا الرجل منا بدعاء قال: اختمه بآمين، فإن آمين مثل الطابع على الصحيفة، ثم قال: ألا أخبركم عن ذلك؟ خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فأتينا على رجل قد ألح في المسألة، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم يستمع منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين) يعني: أنه إذا جمع بين الدعاء والتأمين يكون قد حصلت له الجنة، أو استحق أن تحصل له الجنة، فذهب رجل ممن سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الرجل وقال له: (اختم بآمين وأبشر). وهذا الحديث يدل على أن الدعاء إذا حصل من الداعي أنه يؤمن في دعائه بعدما يدعو. وآمين معناها: اللهم استجب. لكن هذا الحديث غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن المعلوم أن كثيراً من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم تأتي ولا يروى في آخرها أنه قال: آمين، فكون الإنسان يرى أو يلتزم بها، وأنه لا يقول دعاء إلا ويختمه بآمين، ليس هناك ما يدل عليه. وعلى هذا فإن آمين معناها: اللهم استجب، فإذا دعا المرء وقال: آمين في بعض الأحيان دون أن يلتزمها، ودون أن يعتقد أن هذه سنة ثابتة عن رسول صلى الله عليه وسلم، فلا بأس بذلك، لكن أن يقال: إنها سنة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هو المشكل. تراجم رجال إسناد حديث: (... أوجب إن ختم، فقال رجل من القوم: بأي شيء يختم؟ قال: بآمين...) قوله: [ حدثنا الوليد بن عتبة الدمشقي ]. الوليد بن عتبة الدمشقي ثقة، أخرج له أبو داود . [ و محمود بن خالد ]. هو محمود بن خالد الدمشقي وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ حدثنا الفريابي ]. هو محمد بن يوسف الفريابي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن صبيح بن محرز الحمصي ]. صبيح بن محرز الحمصي مقبول، أخرج له أبو داود . قال الحافظ : اختلف هل هو مفتوح أوله أو مصغر؟ وعلى كل فإنه ممكن أن يقال: صَبيح و صُبيح . [ حدثني أبو مصبح المقرائي ]. أبو مصبح المقرائي ثقة، أخرج له أبو داود . [ كنا نجلس إلى أبي زهير النميري ]. أبو زهير النميري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أبو داود . [ قال أبو داود : المقراء، قبيلة من حمير ]. يريد بذلك: أن أبا مصبح المقرائي ينسب إلى قبيلة من حمير، نسبة نسب وليست نسبة بلد." ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#226 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() شرح سنن أبي داود (عبد المحسن العباد) كتاب الصلاة شرح سنن أبي داود [119] الحلقة (150) شرح سنن أبي داود [119] الخشوع روح الصلاة ولبها، ولذلك نهي عن الحركات فيها لأنها تذهب الخشوع، إلا أنه قد رخص في التصفيق للنساء عند تنبيه الإمام، ورخص في الإشارة عند الحاجة. التصفيق في الصلاة شرح حديث أبي هريرة في التصفيق في الصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التصفيق في الصلاة. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء) ]. أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: التصفيق في الصلاة. أي أن هذا الحكم الذي هو التصفيق في الصلاة إنما هو سائغ في حق النساء وليس في حق الرجال، فإذا حصل للإمام شيء يحتاج إلى أن ينبه عليه؛ فإنه يسبح الرجل وتصفق المرأة، فالتسبيح للرجال والتصفيق للنساء، ولا يكون العكس، فالرجال لا يصفقون والنساء لا تسبح في الصلاة عند تنبيه الإمام على أمر قد حصل منه، فشأن التصفيق أن يكون للنساء لا للرجال. والتصفيق هو أن تضرب المرأة ببطن كفها أو بإصبعين من كفها اليمنى على ظهر الأخرى، ومعناه أنه لا يكون التصفيق باليدين متقابلتين؛ لأن تصفيق بطن اليد على اليد يكون فيه زيادة صوت وزيادة إزعاج، فإنما يكون بتصفيق خفيف، بحيث يكون بطن واحدة على ظهر الأخرى أو العكس، حتى يكون أخف فيحصل به المقصود دون أن يكون هناك صوت مرتفع للتصفيق، كما يحصل فيما إذا كانت بطن اليد اليمنى على بطن اليد اليسرى. ذكر بعض الأحكام التي تختلف فيها النساء عن الرجال جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في التفريق بين الرجال والنساء في التصفيق والتسبيح، والأصل أن الأحكام يتساوى فيها الرجال والنساء، ولا يختلف الرجال والنساء في الأحكام إلا إذا حاء نص يدل على التفريق كهذا الحديث الذي معنا، وإلا فإن الأصل أنه لا فرق بين الرجال والنساء في الأحكام. والأمثلة كثيرة على هذا، منها أمور خمسة جاء النص على أن النساء على النصف من الرجال فيها: فهن في الميراث على النصف، لقوله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11]. وكذلك الشهادة، لقوله عز وجل: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282]. وكذلك الدية، فدية المرأة على النصف من دية الرجل. وكذلك العتق، لأن الرجل إذا أعتق عبداً كان فكاكه من النار، فإذا أعتق جاريتين كانتا فكاكه من النار. والخامسة العقيقة، فإن الغلام يعق عنه بشاتين والجارية يعق عنها بشاة واحدة، هذه من الأمور التي جاءت الشريعة فيها التفريق بين النساء والرجال، وجعلت المرأة على النصف من الرجل فيها. وأما الأحكام الأخرى التي يختلف فيها الرجال عن النساء فأمثلتها كثيرة، ومنها هذا المثال الذي معنا، وهو التسبيح والتصفيق في الصلاة، فإن المرأة تصفق والرجل يسبح، ومن ذلك الغسل من بول الجارية والرش من بول الغلام، ومن ذلك كون الإمام إذا صلى على جنازة المرأة فإنه يقف عند وسطها، وعند رأس الرجل، يعني: هناك مواضع عديدة جاءت السنة فيها بالتفريق بين الرجال والنساء في الأحكام، وعلى هذا فإن الأصل كما قلت هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، إلا إذا وجدت نصوص تفرق، فإنه يصار إلى ذلك التفريق. تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في التصفيق في الصلاة قوله: [ حدثنا قتيبة بن سعيد ]. هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا سفيان ]. هو سفيان بن عيينة المكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إذا جاء شخص غير منسوب بأن ذكر اسمه ولم يذكر نسبه يقال له: مهمل، وإذا جاء قتيبة يروي عن سفيان ، فالمراد به ابن عيينة ، وإذا جاء سفيان يروي عن الزهري ، فالمراد به ابن عيينة ، وهنا يروي سفيان عن الزهري ، إذاً المراد به سفيان بن عيينة المكي ، وليس سفيان الثوري الذي مر ذكره في الأحاديث السابقة، و ابن عيينة متأخر عن الثوري في الوفاة، وإن كان متقدماً، لأنه يروي عن الزهري و الزهري من التابعين، وكانت وفاته سنة مائة وأربع وعشرين أو مائة وخمس وعشرين، و ابن عيينة توفي سنة مائة وثمان وتسعين، أو قريباً من ذلك، فقد طال عمره وأدرك الزهري وأكثر من الرواية عنه. [ عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ]. قد مر ذكر هؤلاء الثلاثة قريباً. شرح حديثي سهل بن سعد في التصفيق في الصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد : (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم وحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف قال: يا أبا بكر ! ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال أبو بكر : ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي رأيتكم أكثرتم من التصفيح؟ من نابه شيء في صلاته فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيح للنساء) قال أبو داود : وهذا في الفريضة. حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا حماد بن زيد عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنه قال: (كان قتال بين بني عمرو بن عوف، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم ليصلح بينهم بعد الظهر، فقال لبلال : إن حضرت صلاة العصر ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس، فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام ثم أمر أبا بكر فتقدم، قال في آخره: إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفح النساء) ].. جاء في الترجمة: باب التصفيق في الصلاة، وتقدم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)، وأورد أبو داود رحمه الله هنا حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه من طريقين، وهو يدل على ما ترجم له المصنف؛ لأنه جاء في آخره: (من نابه شيء في صلاته فليسبح الرجل ولتصفق المرأة). وفيه أنه إذا حصل التسبيح التفت إليه، فدل هذا على أنه عند حصول أمر يستدعي تنبيه الإمام على شيء أنه يسبح له بالنسبة للرجال وتصفق النساء، وأن هذا من الأحكام التي يختلف فيها الرجال والنساء، حيث إن الرجال يسبحون في الصلاة والنساء تصفق، ولا يحصل العكس، بأن تسبح المرأة ويصفق الرجل، وإنما الأمر كما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التسبيح للرجال والتصفيق للنساء. وأشرت في الحديث السابق إلى أن هذه من المسائل التي يختلف فيها الرجال والنساء، وقلت: إن الأصل في الأحكام التساوي بين الرجال والنساء، فالأحكام الثابتة للرجال تثبت للنساء، والأحكام الثابتة للنساء تثبت للرجال، إلا ما يكون من خصائص النساء ولا يكون للرجال به علاقة، وأنه قد جاءت نصوص تميز بين الرجال والنساء في الأحكام، ومنها هذا الموضع الذي معنا، فإنه جاءت السنة أن النساء تصفق وأن الرجال يسبحون، وهناك مسائل كثيرة هي من هذا القبيل وقد أشرت إلى جملة منها في الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى، حيث ذكرت هذه الفائدة، وذكرت ثماني عشرة مسألة كلها من المسائل التي يختلف فيها الحكم بين الرجال والنساء. ورقم الفائدة في الفوائد المنتقاة: (483). فضل الصلح بين المسلمين واشتمل حديث سهل بن سعد رضي الله عنه على عدة أحكام وعلى عدة فوائد، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن بني عمرو بن عوف حصل بينهم خلاف وحصل بينهم تضارب واقتتال ذهب ليصلح بينهم، وهذا يدلنا على أهمية الصلح بين المسلمين، وذلك في العمل على ما يزيل الخلاف، ويحصل معه الوئام. وأيضاً يدل على أن الكبير ينبغي له أن يتولى ذلك بنفسه؛ وذلك لما يترتب عليه من قبول وساطته وصلحه بينهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينب أحداً في ذلك، وإنما ذهب بنفسه صلى الله عليه وسلم. استنابة إمام المسجد من يصلي بالناس عند غيابه في أول الوقت وفي هذا الحديث أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال : (إذا حضرت الصلاة ولم آتك فمر أبا بكر فليصل بالناس) وهذا يدلنا على أن على إمام المسجد إذا أراد أن يتخلف أو حصل له شيء يشغله عن المجيء يجعل من ينوب عنه في ذلك. وفيه أيضاً دليل على الإتيان بالصلاة في أول وقتها، وذلك أن بلالاً أذن وأقام في أول الوقت، ولم ينتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يدلنا على فضيلة الصلاة في أول وقتها، وعلى أنه ينبغي المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، وقد جاء في الرواية الأولى، أن بلالاً استأذن أبا بكر ليقيم الصلاة، وفي الرواية الثانية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره إذا حان وقت الصلاة أن يقدم أبا بكر ، ولا تنافي بين ذلك، لأن الرواية الثانية فيها أن ذلك الإذن حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن بلالاً لما حان وقت الصلاة جاء إلى أبي بكر ليستأذنه في الإقامة، لا من أجل أنه يستأذنه هل يصلي أو لا يصلي، لأنه قد أمر بلالاً أن يأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وهذا يدلنا على أن الإقامة حق للإمام، وليست للمؤذن، وأن الإمام هو الذي يأذن بذلك. جواز أن يكون في الصلاة إمامان في هذا الحديث جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دخل الناس في الصلاة وكانوا في أولها، فتخلص حتى وقف في الصف الأول، ودخل في الصلاة مأموماً خلف أبي بكر رضي الله عنه، فجعل الناس يصفقون لما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبو بكر رضي الله عنه كان لا يلتفت، ولكنه لما رأى كثرة التصفيق التفت فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام قد دخل في الصلاة، فأشار إليه أن امكث مكانك، إشارة بدون كلام، فرفع أبو بكر رضي الله عنه يديه إلى السماء، وحمد الله عز وجل على ذلك، يعني كون النبي صلى الله عليه وسلم أقره وأمره أن يبقى، ولكنه فهم أن هذا الأمر ليس للإيجاب ولا للإلزام، ولم ير من المصلحة أن يكون إماماً للرسول عليه الصلاة والسلام، فتأخر ومشى القهقرى حتى صار في الصف، ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار هو الإمام، وهذا إنما كان في الركعة الأولى، وهو يدلنا على أمور، منها: أنه يمكن أن يكون في الصلاة إمامان، إمام في الأول يدخل في الصلاة، ثم يكون إمام بعد ذلك، كما حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان إماماً بعد إمامة أبي بكر ودخوله في الصلاة، فصار فيها إمامان: أبو بكر دخل في الصلاة حتى مضى شيء من الركعة الأولى، ورسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم وصلى بالناس أكثر الصلاة، فما حصل لأبي بكر إلا جزء يسير من أول الركعة الأولى، والباقي إنما هو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. تغيير الإمام يكون في الركعة الأولى وما جاء في هذا الحديث من كون النائب يدخل في الصلاة، فيدخل الإمام الأصلي بعد دخول ذلك النائب، فهذا فيما إذا كان في الركعة الأولى، أما بعد ذلك فإن الأولى أن يستمر النائب في الصلاة، وألا يدخل الإمام الأصلي في الصلاة وقد مضى بعض ركعاتها، وذلك كما ثبت أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه، كان في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة من الغزوات؛ والرسول صلى الله عليه وسلم تأخر هو و المغيرة بن شعبة ، وجاء وقت صلاة الصبح، فتقدم عبد الرحمن بن عوف وصلى بالناس، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى ركعة، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف وصلى بصلاة عبد الرحمن بن عوف ، ولما سلم عبد الرحمن بن عوف من الصلاة، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي الركعة التي فاتته، هو و المغيرة بن شعبة . وهذان الحديثان يدلان على التفريق بين هذين الأمرين في كون الإمام يدخل في الصلاة ويكون إماماً، وفي كونه يترك النائب الذي ناب عنه يتم الصلاة، ويقضي الإمام الأصلي ما فاته بعد سلام ذلك الإمام النائب. وفي هذا أيضاً دليل على أنه يمكن للإنسان في صلاته أن يتقدم ويتأخر لمصلحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم من الصف الأول إلى المكان الذي يصلي فيه الإمام، و أبو بكر تأخر من المكان الذي يصلي فيه الإمام إلى الصف الأول، فيجوز السير خطوات يسيرة لمصلحة كما حصل من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن أبي بكر رضي الله عنه، حيث رجع القهقرى وهو مستقبل القبلة. جواز رفع المصلي يديه شكراً لله في هذا الحديث أيضاً أن المصلي له أن يرفع يديه عند تجدد نعمة وهو في الصلاة ويحمد الله على ذلك؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه عندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يثبت مكانه؛ رفع يديه وقال: الحمد لله، أي: على أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره، وأراد منه أن يبقى وأن يستمر في صلاته. جواز الإشارة في الصلاة للحاجة في هذا الحديث دليل على أن الإشارة في الصلاة للحاجة والمصلحة لا بأس بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليه أن اثبت مكانك، فسميت هذه الإشارة أمراً، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتكلم. وفيه أدب أبي بكر رضي الله عنه مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث لم يستمر ولم يصل بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه، بل تأخر، وهذا كما عرفنا إنما كان في أول الصلاة وليس في وسطها، وأما عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فقد كان في وسطها. اعتبار الإشارة في الخطاب لما صلى رسول الله عليه الصلاة والسلام بالناس وفرغ من صلاته قال لأبي بكر : (ما منعك أن تثبت في مكانك إذ أمرتك) هذا أمر بالإشارة وليس بالكلام، فهو يفيد بأن إشارة المصلي في صلاته معتبرة، وأنها تقوم مقام القول، ومثل ذلك الأخرس الذي لا يستطيع أن يتكلم، فإن إشارته المفهمة الدالة على مقصوده تكون معتبرة، فتقوم مقام الكلام، وكذلك من لا يحل له الكلام كمن يكون في صلاة، فإن الإشارة تقوم مقام الكلام. وفيه دليل على أن الإنسان إذا احتاج إلى الالتفات لأمر لا بد منه، فإن له أن يلتفت بلي عنقه دون أن ينصرف عن القبلة. قوله: (ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟ قال: ما كان لابن أبي قحافة ... )، معناه أنه فهم أنه ليس هناك أحد أن يتقدم على الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن الأمر ليس لازماً. ولما فرغ أبو بكر من الكلام وقال: (ما كان لأبي بكر ...)، سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه، ولم يقل كان لازماً عليك أن تفعل كذا وكذا، فدل هذا على أن فعل أبي بكر حسن، وأن هذا هو اللائق بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان أبو بكر في أول الصلاة. قوله: (ما لي أراكم أكثرتم من التصفيح)، هو بالحاء، وهو بمعنى التصفيق؛ لأن التصفيق والتفصيح بمعنى واحد، فهو يأتي بالحاء ويأتي بالقاف، ومنهم من فرق بينهما بأن التصفيق هو ما يكون بضرب باطن اليد ببطن اليد، والتصفيح ما كان ببطن اليد على ظهر الأخرى، ولكن قد جاء في الحديث الذي مر ذكر التصفيق، فدل هذا على أن التصفيق والتصفيح بمعنى واحد. قوله: (من نابه شيء في صلاته فليسبح) معناه أن المشروع بدل التصفيق أن يكون هناك التسبيح، ويكون هذا في حق الرجال، وأما النساء، فهن صاحبات التصفيح أو التصفيق. صفة الالتفات داخل الصلاة قوله: (فإنه إذا سبح) أي المأموم وراء الإمام، (التفت إليه) يمكن أن يكون المقصود من ذلك حيث لا يكون هناك بد من الالتفات، وأما إن كان الأمر يفهم بدون التفات كما يحصل في السهو، وما إلى ذلك، فإنه لا يحتاج إلى التفات. ويمكن أن يكون الالتفات على معنى أعم، وهو أن يكون التفات بالعنق، حيث يحتاج الأمر إلى ذلك، وقد يكون المقصود به كونه ينتبه إلى تسبيحه، بمعنى أنه كان تنبيهاً على أمر من الأمور، حيث لا يحتاج إلى الالتفات بالعنق، فلا يلتفت بالعنق، وليس معناه أنه كلما حصل تسبيح التفت، وإنما يلتفت إذا كان الأمر يقتضي الالتفات كما حصل من أبي بكر رضي الله عنه. (وقد كان لا يلتفت في صلاته) ولكن حيث يحتاج إلى الالتفات يلتفت وإذا لم يحتج إلى الالتفات فإنه يدخل في المعنى الأعم، فيكون معناه انتبه إلى التسبيح وفهم المقصود منه، أو غير ذلك. (قال أبو داود : وهذا في الفريضة)، يعني: الأمر واضح أنه في الفريضة، لأنه جاء في الحديث أنه استأذن أبا بكر أن يقيم وهو في الفريضة، وقول أبي داود رحمه الله: وهذا في الفريضة معناه: فالنافلة من باب أولى أن يسوغ فيها ما ساغ في الفريضة. تراجم رجال إسناد حديثي سهل في التصفيق في الصلاة قوله: [ حدثنا القعنبي ]. هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة . [ عن مالك ]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور، وهو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي حازم بن دينار ]. هو سلمة بن دينار وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن سهل بن سعد الساعدي ] سهل بن سعد رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، و سهل بن سعد الساعدي هذا كنيته: أبو العباس ، وقد قيل: إنه ليس في الصحابة من يكنى بأبي العباس سوى اثنين: وهما سهل بن سعد الساعدي ، و عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الإسناد من الرباعيات عند أبي داود ؛ لأن القعنبي يروي عن مالك ، و مالك يروي عن أبي حازم بن دينار و أبو حازم بن دينار يروي عن سهل بن سعد الساعدي ، فبين أبي داود وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أشخاص، فهذا أعلى ما يكون عند أبي داود من الأسانيد؛ لأنه ليس عنده شيء من الثلاثيات، ليس عنده حديث بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ثلاثة أشخاص، وإنما أعلى ما عنده الرباعيات، وأما البخاري فعنده اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً في صحيحه، بين البخاري وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص، و الترمذي عنده حديث واحد ثلاثي، و ابن ماجة عنده خمسة أحاديث ثلاثية، كلها بإسناد واحد، وذلك الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة، أما مسلم و أبو داود و النسائي فهؤلاء الثلاثة فأعلى ما عندهم الرباعيات، وليس عندهم شيء من الثلاثيات. قوله: [ حدثنا عمرو بن عون ]. عمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أخبرنا حماد بن زيد ]. هو حماد بن زيد بن درهم البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي حازم عن سهل بن سعد ]. وقد مر ذكرهما، وهذا مثل الذي قبله أيضاً رباعي. وهذا الإسناد الثاني رجاله كلهم خرج لهم أصحاب الكتب الستة، بخلاف الإسناد الأول، فإن القعنبي لم يخرج له ابن ماجة . وبنو عمرو بن عوف هم جماعة كبيرة من الأوس وهم سكان قباء، وهم الذين نزل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم أياماً لما قدم من مكة مهاجراً إلى المدينة، وبنى مسجد قباء وصلى فيه، ثم انتقل من قباء إلى مكان مسجده هذا صلى الله عليه وسلم فبناه. ولا أعلم أحداً شارك عبد الرحمن بن عوف في كونه كان إماماً للرسول صلى الله عليه وسلم في شيء من الصلاة، ولهذا لما جاء أبو نعيم في معرفة الصحابة إلى ترجمة عبد الرحمن بن عوف عبر بعبارة فقال: إمام المصطفى صلى الله عليه وسلم، يعني هو الذي صلى به إماماً ركعة واحدة من صلاة الصبح. يتبع ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#227 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() أثر عيسى بن أيوب في وصف التصفيق قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا محمود بن خالد حدثنا الوليد عن عيسى بن أيوب قال: قوله: (التصفيح للنساء) تضرب بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى ]. أورد أبو داود بعد ذكر الحديثين أثراً عن عيسى بن أيوب يصف التصفيق في حق النساء، وأنها تضرب بإصبعين من يمينها على الكف الأخرى، ولعل ذلك من أجل ألا يحصل قوة التصفيق، كما لو ضربت بالكف على الكف، والمقصود من ذلك أن يحصل التنبيه، وإذا حصل التنبيه بأمر أخف فإن ذلك يكون كافياً ويكون مغنياً عما هو أكبر منه. وهذا يسمونه في علم المصطلح المقطوع، وهو أن ينتهي الإسناد إلى التابعي أو من دون التابعي، وهو غير المنقطع؛ لأن الانقطاع هو السقوط في الإسناد، فالمقطوع من صفات المتن، والمنقطع من صفات الإسناد، أما الذي ينتهي إلى الصحابي فيقال له: موقوف، والذي ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال له: مرفوع، فهذا الأثر الذي معنا يقال له: مقطوع، لأنه ينتهي إلى عيسى بن أيوب وهو الذي وصف هذا التصفيق أو التصفيح الذي يكون للنساء. تراجم رجال إسناد أثر عيسى بن أيوب في وصف التصفيق قوله: [ حدثنا محمود بن خالد ]. هو محمود بن خالد الدمشقي وهو ثقة، أخرج حديثه أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ حدثنا الوليد ]. هو الوليد بن مسلم الدمشقي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن عيسى بن أيوب ]. وهو صدوق أخرج له أبو داود وحده. ما جاء في الإشارة في الصلاة شرح حديث: (أن النبي كان يشير في الصلاة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الإشارة في الصلاة. حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه المروزي و محمد بن رافع قالا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن أنس بن مالك : (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلا) ]. أورد أبو داود رحمه الله الإشارة في الصلاة، وهي أن يشير الإنسان بيده لأمر من الأمور، والإشارة إذا كانت لحاجة فقد جاءت بها السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما إذا كانت لغير حاجة فلا تسوغ، وجاء أنه صلى الله عليه وسلم إذا سلم عليه وهو في الصلاة رد بالإشارة، ومر بنا قريباً حديث سهل بن سعد أن الرسول صلى الله عليه وسلم أشار لأبي بكر أن يمكث مكانه. تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يشير في الصلاة) قوله: [ حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه المروزي ]. أحمد بن محمد بن شبويه المروزي ثقة، أخرج له أبو داود وحده. [ و محمد بن رافع ]. هو محمد بن رافع النيسابوري القشيري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة . [ قال: حدثنا عبد الرزاق ]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ أخبرنا معمر ]. هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن الزهري ]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أنس بن مالك ] أنس بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهذا الحديث فيه الزهري وهو من صغار التابعين، يروي عن أنس بن مالك وهو من صغار الصحابة، وقد عمر حتى أدركه صغار التابعين، ومنهم الزهري الذي يروي عنه هنا. شرح حديث النهي عن الإشارة في الصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس عن أبي غطفان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التسبيح للرجال يعني في الصلاة والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها) يعني: الصلاة. قال أبو داود : هذا الحديث وهم ]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه فليعد لها) معناه: أنه يعيد الصلاة وأنه يستأنفها، وهذا يحمل على ما إذا كان لغير حاجة، أما إذا كان لحاجة فقد جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. والحديث غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو متكلم في روايته، وفيه أيضاً أن أبا داود رحمه الله قال: هذا وهم. تراجم رجال إسناد حديث النهي عن الإشارة في الصلاة قوله: [ حدثنا عبد الله بن سعيد ]. عبد الله بن سعيد هو أبو سعيد الأشج وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا يونس بن بكير ]. وهو صدوق يخطئ أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم و أبو داود و الترمذي و ابن ماجة . [ عن محمد بن إسحاق ]. هو محمد بن إسحاق المدني وهو صدوق يدلس، أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم وأصحاب السنن، وهو هنا يروي بالعنعنة، والمدلس إذا روى بالعنعنة ولم يأت ما يقوي روايته، فإنه لا يثبت الحديث في ذلك. [ عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس ]. وهو ثقة، أخرج له أبو داود و النسائي و ابن ماجة . [ عن أبي غطفان ]. قيل: اسمه سعد بن طريف أو سعد بن مالك المري المدني ، ثقة أخرج له مسلم و أبو داود و النسائي و ابن ماجة . وبعض العلماء تكلم في أبي غطفان لكن وثق، و الحافظ في التقريب ممن وثقه، وحديث محمد بن إسحاق حسناً إذا سلم من التدليس، وهو هنا قد روى بالعنعنة. وفيه أيضاً يونس بن بكير صدوق يخطئ، وقول أبي داود : (هذا وهم)، لا أدري ما مقصوده بذلك؛ لكن من حيث الإسناد فيه من هو صدوق يخطئ، وفيه من هو مدلس، وقد روى بالعنعنة. ما جاء في مسح الحصى في الصلاة شرح حديث النهي عن مسح الحصى في الصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في مسح الحصى في الصلاة. حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن الزهري عن أبي الأحوص شيخ من أهل المدينة، أنه سمع أبا ذر يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى) ]. أورد أبو داود هذه الترجمة وهي مسح الحصى في الصلاة، والمقصود بمسحه تسويته حتى يسجد عليه، وذلك إذا كان مكان السجود فيه حصى، ويكون فيه شيء من الارتفاع والانخفاض. والحكم أنه يمسح مرة واحدة ولا يكرر المسح؛ لأن المقصود تسوية المكان الذي يسجد فيه، فإذا كان هناك أمر يدعو إلى ذلك فمرة واحدة كما سيأتي في الحديث الثاني. وأما إذا كان لغير حاجة فلا يفعل الإنسان ذلك، بل يسجد دون أن يمسح. قوله: (إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الرحمة توجهه فلا يمسح الحصى) هذا يدل على أن الحصى لا يمسح أبداً في الصلاة؛ لأن فيه مواجهة الرحمة للإنسان إذا ترك الحصى على ما هو عليه، لكن الحديث غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثابت هو الحديث الذي بعد هذا، وهو أنه إذا كان ولا بد فمرة واحدة من أجل ألا يشوش الحصى على الإنسان في صلاته بأن يكون تحت جبهته. فإذاً: هذا الحديث الذي فيه أن الرحمة تواجهه غير ثابت؛ وذلك لوجود أحد رواته هو سبب تضعيف الحديث وعدم الاحتجاج به. تراجم رجال إسناد حديث النهي عن مسح الحصى في الصلاة قوله: [ حدثنا مسدد ]. هو مسدد بن مسرهد البصري وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري و أبو داود و الترمذي و النسائي . [ حدثنا سفيان ]. هو سفيان بن عيينة المكي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن الزهري ]. قد مر ذكره. [ عن أبي الأحوص ]. هو شيخ من أهل المدينة، وهو أبو الأحوص الذي سبق وأن مر بنا قريباً يروي عن أبي ذر ويروي عنه الزهري وذلك في حديث (لا يزال الله مقبلاً على العبد ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه) فإن ذلك الذي في الإسناد هو هذا الذي في هذا الإسناد، وهو أبو الأحوص قال هنا: شيخ من أهل المدينة، وقال هناك، مولى بني ليث، وهو لا يروي عنه إلا الزهري ، وقد قيل: إنه مجهول؛ لأنه لم يرو عنه إلا واحد، وقال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، وقد أخرج له أصحاب السنن. [ أنه سمع أبا ذر ]. هو جندب بن جنادة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. شرح حديث جواز مسح الحصى مرة في الصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ جدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة عن معيقيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت لابد فاعلاً فواحدة، تسوية الحصى) ]. أورد أبو داود حديث معيقيب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمسح وأنت تصلي، فإن كنت ولا بد فاعلاً فواحدة، تسوية الحصى) يعني: من أجل تسوية الحصى، وسواء كان ذلك قبل الصلاة أو في الصلاة، يمكن للإنسان أن يسوي المكان قبل أن يدخل في الصلاة حتى لا يحتاج إلى التسوية في الصلاة، إذا كانت الأرض فيها انخفاض وارتفاع بسبب الحصى، وإن دخل وهو لم يسو فله أن يسويها مرة واحدة، ولا يكرر ذلك، والمعنى أن هذا الفعل يكون للحاجة، ويكون مرة واحدة؛ لأنه إذا سوي في المرة الأولى بقيت الأرض متساوية على ما هي عليه، فلا يكرر تسويتها في كل ركعة، وإنما يسوي في الركعة الأولى، وهذا هو الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن فيه مصلحة، لأن الأرض إذا كان فيها انخفاض وارتفاع تجعل الرأس يميل إذا سجد عليها بسبب الحصاة الناتئة، فكونه يسوي الحصى عند الحاجة لا بأس بذلك، كما جاء في هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. تراجم رجال إسناد حديث جواز مسح الحصى مرة في الصلاة قوله: [ حدثنا مسلم بن إبراهيم ]. هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا هشام ]. هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن يحيى ]. هو يحيى بن أبي كثير اليمامي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن أبي سلمة ]. هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [ عن معيقيب ]. صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وهذا الحديث مسلسل بالرواة الذين خرج لهم أصحاب الكتب الستة. ما جاء في الرجل يصلي مختصراً شرح حديث: (نهى رسول الله عن الاختصار في الصلاة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرجل يصلي مختصراً. حدثنا يعقوب بن كعب حدثنا محمد بن سلمة ، عن هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختصار في الصلاة). قال أبو داود : يعني: يضع يده على خاصرته ]. أورد أبو داود هذه الترجمة وهي (باب الرجل يصلي مختصراً). يعني: أن الاختصار لا يسوغ، لكن ما المراد بالاختصار؟ سبق لأبي داود رحمه الله أن عقد الترجمة فقال: (باب التخصر والإقعاء في الصلاة)، وأورد حديث عبد الله بن عمر الذي فيه أن رجلاً صلى بجواره ووضع يده على خاصرته، فنهاه عبد الله بن عمر فقال: هذا هو الصلب في الصلاة، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهناك أتى في الترجمة بالتخصر، وجاء التنصيص على كون الفعل وضع يده على خاصرته في الصلاة، ولكن هنا قال: (باب الاختصار في الصلاة)، وهناك أورد حديث ابن عمر وهنا أورد حديث أبي هريرة ، والمعنى واحد من حيث إن الاختصار هو وضع اليد على الخاصرة، ولكن لماذا أعاد هنا الترجمة؟ قال: لأن في الحديث احتمالات، قالها بعض أهل العلم في تفسير الاختصار، أما ذاك فليس فيه احتمالات، لأنه هناك وضع يده على خاصرته فنهاه، وأما هنا فقال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختصار في الصلاة). إذاً: الاختصار الذي جاء في حديث أبي هريرة أورد بعض أهل العلم احتمالات غير احتمالات وضع اليد على الخاصرة، فمنهم من قال: يعتمد على مخصرة وهي العصا، فلما كان هناك احتمالات أتى بهذا الحديث في هذا الباب، وفسره أبو داود بأنه وضع اليد على الخاصرة، وعقبه بالباب الذي فيه الاعتماد على العصا، فلما كان فيه احتمال أن يكون المراد بالاختصار الاعتماد على مخصرة في الصلاة. فإذاً: قوله: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاختصار في الصلاة)، معناه، أن يضع يده على خاصرته، ويكون مثل حديث ابن عمر الذي سبق أن مر في باب التخصر في الصلاة، ولعل هذا هو السبب الذي جعل أبا داود رحمة الله عليه يعقد هذه الترجمة مع أن تلك الترجمة السابقة تشابهها؛ ليبين أن احتمال غير وضع اليد على الخاصرة غير صحيح. تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله عن الاختصار في الصلاة) قوله: [ حدثنا يعقوب بن كعب ]. يعقوب بن كعب ثقة، وحديثه أخرجه أبو داود وحده. [ حدثنا محمد بن سلمة ]. هو محمد بن سلمة الباهلي الحراني وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة و مسلم وأصحاب السنن، ومحمد بن سلمة إذا جاء في طبقة شيوخ شيوخ أبي داود ، فالمراد به الباهلي الحراني ، وإذا جاء في طبقة شيوخ أبي داود فالمراد به المرادي المصري ، فمحمد بن سلمة المرادي المصري هذا شيخ أبي داود ، ومحمد بن سلمة الباهلي الحراني و أبو داود لم يدركه ولم يرو عنه إلا بواسطة، فبهذا يميز بين المصري و الحراني . [ عن هشام ]. هو هشام بن حسان وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن محمد بن سيرين ]. محمد بن سيرين وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، عن أبي هريرة وقد مر ذكره. الأسئلة حكم تصفيق النساء خارج الصلاة السؤال: قوله صلى الله عليه وسلم: (التصفيق للنساء) هل هو خاص بالصلاة، أم يعم خارجها؟ الجواب: حتى في خارج الصلاة، فالمرأة عندما تريد أن تنبه بشيء لا تسبح، كما لو طرق الباب أحد أو استأذن، فإنها لا تسبح ولكنها تصفق. حكم التصفيق للرجال خارج الصلاة السؤال: ما حكم استعمال الرجال التصفيق للتشجيع أو التهييج؟ الجواب: لم تأت بذلك سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يكون عند ظهور أمر مستحسن أو أمر طيب هو التكبير وليس التصفيق، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا حصل شيء يعجبهم يكبرون، كما ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال: (أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، قالوا: الله أكبر)، وكذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أشيع أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه فجاء مغضباً، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشربة قد اعتزل نساءه، فجاء إليه وقال: (يا رسول الله! أطلقت نساءك؟ قال: لا، فقال عمر : الله أكبر الله أكبر) يعني: هذا شيء طيب وشيء حسن، فما صفق، وإنما قال: الله أكبر. فالسنة عند الأمور المستحسنة وعند ذكر الأمور التي تعجب أن يكبر الإنسان ولا يصفق. حكم دخول الحائض المسجد السؤال: هل يجوز دخول الحائض المسجد؟ الجواب: الحائض تعتزل المصلى وتعتزل المساجد، وقد جاء في صلاة العيدين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحيض والعواتق وذوات الخدور أن يشهدن الصلاة، وقال: ويعتزل الحيض المصلى) فالحائض لا تدخل المسجد ولا تجلس فيه، ولكن إذا حصل اضطرار إلى مرور أو ما إلى ذلك مع أمن التلويث فلها ذلك، أما أن تدخل المسجد وتبقى فيه، فليس لها ذلك. من اكتوى أو استرقى خرج من السبعين ألفاً السؤال: إنسان ابتلي بمرض، فطلب الرقية واكتوى، وهو في حالة اضطرار، فهل يخرج من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب؟ الجواب: الحديث واضح بأن السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، وهو إذا حصل له ذلك الشيء الذي ليس فيه صفات أولئك السبعين ألفاً، فعليه أن يجتهد في طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإذا حصل له دخول الجنة فهو على خير وإن لم يكن مع السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. حكم تسمية المساجد بأسماء الأشخاص السؤال: يوجد في بلدنا مسجد مسمى بيزيد بن أبي سفيان ، فهل تجوز تسمية هذا المسجد بهذا الاسم؟ الجواب: تسمية المساجد بأسماء الأشخاص لم يأت فيها شيء يدل على الثبوت ولا على المنع، والأمر في ذلك واسع." ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#228 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() شرح سنن أبي داود (عبد المحسن العباد) كتاب الصلاة شرح سنن أبي داود [120] الحلقة (151) شرح سنن أبي داود [120] ورد في بعض الأحاديث الشريفة جواز اعتماد المصلي على عصا إذا احتاج إلى ذلك، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن الكلام في الصلاة، وورد أنه يسوغ للمصلي أن يصلي قاعداً في الفرض إن عجز عن القيام، وأن يصلي مضطجعاً إن عجز عن القعود، ويجوز لكل متنفل أن يصلي قاعداً، لكن أجره على النصف من أجر القائم. الرجل يعتمد في الصلاة على عصا شرح حديث: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسن وحمل اللحم اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الرجل يعتمد في الصلاة عصا. حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي حدثنا أبي عن شيبان عن حصين بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال: قدمت الرقة، فقال لي بعض أصحابي: هل لك في رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: قلت: غنيمة، فدفعنا إلى وابصة قلت لصاحبي: نبدأ فننظر إلى دله فإذا عليه قلنسوة لاطئة ذات أذنين وبرنس خز أغبر، وإذا هو معتمد على عصا في صلاته، فقلنا له بعد أن سلمنا، فقال: حدثتني أم قيس بنت محصن (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسن وحمل اللحم، اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه) ]. كلمة عن موت الشيخ الألباني رحمه الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب الرجال، ولكن يقبض العلم بموت العلماء) . هذا الحديث الشريف يدلنا على أهمية العلم، وعلى عظم شأن العلماء، وأن فقدهم وذهابهم إنما هو قبض للعلم، وأن الله عز وجل لا يقبض العلم من قلوب الرجال بحيث يكون الإنسان عنده علم ثم يصبح وليس عنده علم، وإنما يقبض العلم بموت العلماء، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر). هذا هو شأن العلماء وهذه هي منزلتهم، حيث وصفهم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنهم وُرّاث الأنبياء، ونعم الميراث ذلك الميراث، ألا وهو العلم الشرعي النافع المستمد من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو العلم الحقيقي الذي هو علم الكتاب والسنة. وإن قبض العلماء -كما جاء في كلام بعض أهل العلم- ثلمة في الدين، ونقص للمسلمين، وإن مما حصل في الليلة الماضية أنه قد توفي العالم الكبير والمحدث الشهير العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله وغفر له، وهو في الحقيقة عالم كبير، ومحدث مشهور، وله جهود عظيمة في خدمة السنة، وفي العناية بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان مصادر تلك الأحاديث، والكتب التي ذكرتها، وبيان درجتها من الصحة والضعف، ومن ذلك هذا الكتاب الذي نشرحه وهو سنن أبي داود ، فإن له فيه وفي غيره جهوداً، حيث اعتنى بذكر ما صح وما ضعف، فجهوده عظيمة، وخدمته للسنة مشهورة، ولا يستغني طلبة العلم عن الرجوع إلى كتبه وإلى مؤلفاته، فإن فيها الخير الكثير وفيها العلم الغزير، وإن ذهاب مثل هذا العالم نقص على المسلمين ومصيبة، ونسأل الله عز وجل أن يعوض المسلمين خيراً، وأن يوفق المسلمين لما فيه الخير، وأن يوفق طلبة العلم للعناية بتحصيله وطبله ومعرفته، إنه سبحانه وتعالى جواد كريم. وهو رحمة الله عليه وإن كان له بعض الآراء التي نعتبره قد أخطأ فيها، ولكنها مغمورة في بحور صوابه، وفيما حصل على يديه من الخير والنفع للمسلمين من خدمة سنة المصطفى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذه الأمور التي حصلت منه -والتي نعتبرها أخطاء- هو مجتهد فيها، وهو مأجور على اجتهاده، ولكن ذلك لا يجعل الإنسان يتساهل أو يتهاون في علمه الكثير الغزير، وفي نفعه العظيم العميم، فإنه بحق من العلماء الأفذاذ الذين اشتهروا في هذا العصر، والذين لهم جهود في خدمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي بداية النصف الأول من هذا العام -الذي هو عام عشرين بعد الأربعمائة والألف- فقد المسلمون فيه عالماً كبيراً من العلماء الربانيين، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً، وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه، وتوفي في آخر النصف الأول أيضاً من هذا العام العالم الكبير والمحدث المشهور: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله عز وجل، وقد توفي بينهما الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله الذي كان يدرس على هذا الكرسي، فهؤلاء علماء قد فقدناهم في النصف الأول من هذا العام، فنسأل الله عز وجل أن يغفر للجميع وأن يتجاوز عنهم، وأن يرفع درجاتهم، فإن هذين العالمين -فيما نحسب- من العلماء الكبار الجهابذة المحققين الذين عندهم العناية الفائقة بالعلم، وعندهم الهمة العالية، وقد حصل على أيديهم الخير الكثير، والنفع العظيم للإسلام والمسلمين، فجزاهم الله عز وجل أحسن الجزاء، وغفر لهم وتجاوز عن سيئاتهم، وختم لنا جميعاً بخاتمة السعادة، إنه سبحانه وتعالى جواد كريم. قوله: [باب الرجل يعتمد في الصلاة على العصا]. يعني: هل له ذلك أو ليس له ذلك؟ فالمصلي إذا كان محتاجاً إلى أن يستعمل العصا وأن يعتمد عليها في قيامه فله ذلك، وقد جاء عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم أنهم كانوا يفعلون ذلك، وجاء في ذلك هذا الحديث الذي أورده أبو داود في هذا الباب، ولكنه حديث ضعيف غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وممن ضعفه العالم المحدث الذي توفي في الليلة الماضية: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله . ومقتضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، لكن هذا لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سبق؛ لأن فيه من هو ضعيف، ولا يعول على حديثه ولا يحتج به. ولكن قد جاء عن بعض الصحابة أنهم كانوا يفعلون ذلك في صلاة التراويح، ومن المعلوم أن القيام في الصلاة من أركان الصلاة وإذا كان الإنسان يقدر على أن يقوم، ولكنه إذا كان يحتاج إلى أن يعتمد على عصا فله ذلك، وقد جاء ذلك عن بعض الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وكان سبب الحديث أن أحد رواته جاء إلى مكان يقال له: الرقة، -وهي بلد معروف- فقيل له: هل لك في رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني: هل لك رغبة في أن تلتقي برجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا يدلنا على أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم لما كانوا موجودين في زمن التابعين، كان التابعون يعتبرون الالتقاء بهم من أجل المكاسب ومن أعظم الغنائم، وكانوا يحرصون على أن يلقوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الصحابة هم الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يلقاهم ينظر إلى العيون التي نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن عيون الصحابة رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا كان التابعون هم الذين يرون الصحابة، وقرن التابعين يلي قرن الصحابة في الفضل. فهذا التابعي لما قيل له: [ هل لك في رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ] كان جوابه عظيماً: [ قلت: نعم، غنيمة ] يعني: رؤيته ولقيه غنيمة. وهذا يدلنا على عظم منزلة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولهذا فرح هذا الرجل بذلك، وسُر به؛ لأنه عرض عليه أن يحصل على غنيمة كبيرة وعلى نعمة عظيمة، ألا وهي رؤية رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: [ فذهبنا إلى وابصة ] وهو وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا وهم ذاهبون إليه: [ ننظر أولاً إلى دله ] يعني: هيئته ولباسه والكيفية التي يكون عليها، قال: [ فذهبنا إليه ] وهذا يدلنا على أن التابعين يحرصون على أن يعرفوا هيئة الصحابة، وعلى دل الصحابة، وهيئة اللبس التي يكون عليها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. قال: [ فوجدنا عليه قلنسوة لاطئة ] يعني: ملتصقة برأسه [ لها أذانان، وعليه برنس خز، لونه أغبر ] والخز هو لباس من الصوف، والبرنس هو الذي يكون رأسه مرتبط به، فما يغطى به الرأس يكون ملتصقاً بالقميص من الخلف، بحيث ينزع عن الرأس ويعاد على الرأس، ولون ذلك البرنس أغبر كلون التراب. فجاءوا إليه ووجدوه يصلي، فلما سلموا قالوا له في ذلك فروي عن أم قيس بنت محصن الأسدية الحديث الذي ذكره أبو داود ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسن وحمل اللحم، اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ولكن الحديث كما عرفنا غير صحيح، وغير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقيام هو ركن من أركان الصلاة، ولا يجوز للإنسان أن يصلي جالساً مع قدرته على القيام، وإذا كان يقدر وليس عليه مشقة في أن يقوم -ولو كان معتمدا ًعلى عصا- فإن هذا هو الذي ينبغي له، وبعض أهل العلم يقول: يصلي جالساً، ولكن الأولى والأحوط في الدين أن يقوم الإنسان ما دام قادراً على القيام، حتى ولو كان معتمداً على عصا؛ لأن في ذلك أخذاً بالأحوط، واطمئناناً إلى كون الإنسان يؤدي ما عليه بارتياح وطمأنينة. تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله لما أسن وحمل اللحم اتخذ عموداً ..) قوله: [ حدثنا عبد السلام بن عبد الرحمن الوابصي ]. وهو مقبول، أخرج حديثه مسلم في المقدمة و أبو داود . [ عن أبيه ]. هو عبد الرحمن بن صخر الوابصي، وهو مجهول، أخرج له أبو داود وحده. [ عن شيبان ]. هو ابن عبد الرحمن ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن حصين بن عبد الرحمن ]. هو حصين بن عبد الرحمن السلمي ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن هلال بن يساف ]. وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً و مسلم وأصحاب السنن. [ عن وابصة ]. هو وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أبو داود و الترمذي و ابن ماجة . [ عن أم قيس بنت محصن الأسدية ]. وهي أخت عكاشة بن محصن الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة في حديث السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، حيث جاء في آخره أن عكاشة بن محصن قال: (يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة). وأم قيس صحابية، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة. ما جاء في النهي عن الكلام في الصلاة شرح حديث النهي عن الكلام في الصلاة قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب النهي عن الكلام في الصلاة. حدثنا محمد بن عيسى قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه قال: (كان أحدنا يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة فنزلت: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام) ]. أورد أبو داود رحمه الله النهي عن الكلام في الصلاة، وقد سبق أن مر بنا قريباً حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه الذي شمت رجلاً وهو يصلي، وأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم نظروا إليه، فتعجب من نظرهم إليه، وأنه رآهم يسكتونه فسكت، ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته قال عليه الصلاة والسلام: (إن الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتحميد وذكر الله عز وجل)، فكانوا قبل ذلك يتكلمون في صلاتهم. وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه أنهم قبل أن ينزل قول الله عز وجل: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] كان الرجل يكلم الرجل إلى جنبه في الصلاة، وقد جاء في بعض الأحاديث أن الرجل يطلب حاجته ويقول: ائتني بكذا واذهب بكذا واعمل كذا، وكانوا في الصلاة، وهذا مثلما يكون في الطواف فالطواف مثل الصلاة يحتاج إلى طهارة ولكن أبيح فيه الكلام. قوله: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238]، أي: ساكتين، والقنوت يأتي لمعان عديدة ومنها السكوت، والمقصود هنا أنهم يكونون ساكتين في صلاتهم لا متكلمين، وإنما يتكلمون بذكر الله عز وجل وقراءة القرآن والتسبيح وما إلى ذلك من الأمور المطلوبة، ولهذا فإن العاطس إذا عطس يحمد الله؛ لأن حمد الله ذكر لله عز وجل، ولكن المشمت لا يشمت لأن التشميت خطاب، حيث يقول: يرحمك الله، فهو يخاطب شخصاً، والذي يقول: الحمد لله، لا يخاطب أحداً، وإنما يذكر الله عز وجل، فيجوز للعاطس أن يحمد الله عز وجل ويكون ذلك سراً، ومن سمعه ليس له أن يشمته؛ لأن التشميت كلام، والكلام ممنوع في الصلاة. وعلى هذا فإن الكلام كان سائغاً في الصلاة وبعد أن نزل قول الله عز وجل وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] قال زيد رضي الله عنه: (أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام). وإذا كان هناك أمر فإنه يكون بالإشارة كما تقدم في باب الإشارة في الصلاة. وعلى هذا فإن الكلام في الصلاة لا يسوغ ولا يجوز وإنما يكون فيها قراءة القرآن وذكر الله عز وجل وحمده والثناء عليه وغير ذلك مما ورد في الصلاة. تراجم رجال إسناد حديث النهي عن الكلام في الصلاة قوله: [ حدثنا محمد بن عيسى ]. محمد بن عيسى هو الطباع ، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً و أبو داود و الترمذي في الشمائل و النسائي و ابن ماجة . [ عن هشيم ]. هو هشيم بن بشير الواسطي ، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن إسماعيل بن أبي خالد ]. وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن الحارث بن شبيل ]. وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة . [ عن أبي عمرو الشيباني ]. واسمه سعد بن إياس ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ عن زيد بن أرقم ]. زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. قوله: [ أمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ]. إذا قال الصحابة: (أمرنا ونهينا) فإن الآمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والناهي لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه إذا قال أمرت ونهيت فإن الآمر له هو الله سبحانه وتعالى، كما مر في الحديث (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم.). ولكن في هذه الآية الكريمة: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] أمر من الله عز وجل لعباده المؤمنين في الوحي الذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه الذي يتلى، حيث أمروا بالقيام قانتين، أي: ساكتين غير متكلمين. ولهذا قال الصحابي الجليل: [ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ]. ما جاء في صلاة القاعد شرح حديث: (صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب في صلاة القاعد. حدثنا محمد بن قدامة بن أعين قال: حدثنا جرير عن منصور عن هلال -يعني ابن يساف - عن أبي يحيى عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: (حدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة، فأتيته فوجدته يصلي جالساً، فوضعت يدي على رأسي فقلت فقال: مالك يا عبد الله بن عمرو قلت: حدثت يا رسول الله أنك قلت: صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة وأنت تصلي قاعداً، قال: أجل، ولكني لست كأحد منكم) ]. أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي: باب صلاة القاعد، وهي إما أن تكون في فرض وإما أن تكون في نفل، فالفرض لا يجوز للإنسان أن يصليه قاعداً إلا إذا عجز عن القيام: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وإذا لم يستطع أن يصلي قاعداً صلى على جنبه وهو نائم على فراشه: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، وسيأتي حديث عمران بن الحصين في ذلك. وإذا صلى المريض جالساً وهو لا يستطيع أن يصلي قائماً فإن أجره لا ينقص عن حال صحته وعافيته؛ لأنه لم يصل جالساً إلا بسبب المرض والعذر الذي أقعده، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على ذلك، وهو الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمله وهو صحيح مقيم). والحديث أورده البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد، وهو حديث واضح الدلالة على أن المريض الذي يصلي الفرض قاعداً له الأجر كاملاً. أما بالنسبة للنافلة فإذا كان الإنسان يصلي النافلة وهو عاجز فله الأجر كاملاً، أما إذا كان يصلي النافلة وهو قادر على أن يقوم فإنه يجوز له ذلك، ولكن أجره على النصف من أجر القائم، وقد جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه هذا الذي أورده أبو داود في سننه قال: حُدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الرجل قاعداً نصف الصلاة) يعني: له نصف الأجر، وهذا إنما هو في النافلة. وقوله: [ حُدثت ]. إذا قالب: الصحابي (حدثت) فالذي يحدثه بذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يسمى مرسل صحابي، وهو أن يروي الصحابي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يسمعه منه، ومراسيل الصحابة حجة. وقد ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجده يصلي قاعداً، فوضع يده على رأسه متعجباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم له الأجر الكامل وله الأجر العظيم، فكيف يصلي جالساً مع أن أجر من يصلي جالساً على النصف من أجر الذي يصلي قائماً، فقال: ( مالك يا عبد الله بن عمرو ) أي: مالك وضعت يدك على رأسك للتعجب؟ فقال: إني حُدثت أنك قلت كذا، وإني رأيتك تصلي قاعداً، قال: (نعم، ولكني لست كأحد منكم) فهذا يدلنا على أن من قدر على القيام وصلى جالساً في النوافل فإن صلاته صحيحة وله أجر نصف القائم في الصلاة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون له الأجر كاملاً كما جاء في هذا الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. يتبع ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| «عون الرحمن في تفسير القرآن» ----متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 521 | 08-10-2026 11:06 AM |
| تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 1889 | 07-19-2026 11:54 PM |
| أبناء العلماء : أبو داود صاحب السنن وابن أبي داود | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 0 | 12-31-2025 07:10 AM |
| شرح كتاب تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد – الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله | أبو طلحة | ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة | 1 | 06-06-2022 05:39 PM |
|
|