![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#13 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (11) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الحادية عشرة من برنامج (خاتم النبيين) مواقف في طريق الهجرة بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير النبيين، وعلى آله وصَحْبه والتابعين، وبعد: فقد ذكرنا - مُستمعِيَّ الأكارم - في الحلقة الماضية بدايةَ الهجرة إلى المدينة، فذكرنا أسبابها، وكيف كانت هجرتهم رضي الله عنهم، وذكرنا أيضًا موقف قريش من ذلك الحَدَث العظيم المبارك، وأيضًا ذكرنا كيف بدأت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وأيضًا ذكرنا خروجهما إلى الغار، وكيف حفظ الله نبيَّه عليه الصلاة والسلام وأولياءه. ونزدلف الآن إلى ذكر مواقف في طريق الهجرة، فإن الروايات الصحيحة تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكرٍ استأجرا رجلًا، وهو عبدالله بن أريقط، وهو على دين قريش، وكان هاديًا خِرِّيتًا، فَأْتَمناه ودفعا إليه راحِلتَيْهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ، فالطريق مخوف، وقريش تبحث عنهما، وقد وصلت تلك الأمانة، وهما الراحلتان في الوقت المحدد، فارتحل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم راحلتَه، وارتحل أبو بكر راحلتَه وأردف معه عامر بن فهيرة ليخدمهما، ومعهما عبدالله بن أريقط الدليل لهما، فانطلق هؤلاء الأربعة فقط بحفظ الله ورعايته إلى المدينة من الغار، وذلك ليلة الاثنين حيث مكثا في الغار ثلاث ليالٍ، وكان ابن أريقط دليلًا خِرِّيتًا - أي متميِّزًا - في معرفة الطرق، فسلَكَ بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل، ثم على عسفان، وسلَكَ طريقًا بعيدًا عن أعيُن قريش حتى نزل بهما في قباء قرب المدينة. ومن مواقف تلك الهجرة ذلك الأمر الغريب الذي حصل مع سُراقة بن مالك كما عند البخاري، فيقول سراقة: كنا جلوسًا فجاء رجل، وقال: رأيتُ سوادًا ولا أظنه إلا محمدًا وصاحبه فكذبناه؛ لكني ركبت فرسي وأخذت رمحي، فخرجت إلى ذلك السواد، وهو خرج إلى ذلك ليحوز ويفوز بالمئة ناقة التي وضعتها قريش لمن يأتي بمحمدٍ وصاحبه، يقول: فلما دنوتُ منهم عثَرتْ بي فرسي، ثم قامت فلحقت بهم، ثم عثَرت مرةً أخرى، فقامت وركبتها ولحقتهم حتى دنوت منهم وأنا أسمع قراءة محمد، وهو لا يلتفت وأبو بكر يُكثِر الالتفات، فقال أبو بكر: يا رسول الله، هذا الطلب قد لحقنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا))، فيقول سراقة: دنوت منهم جدًّا، فلم يكن بيني وبينهم إلا رمحين، فبكى أبو بكر رضي الله عنه، وقال: يا رسول الله، لحقنا الطلب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لِمَ تبكي?))، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أما إني والله لا أبكي على نفسي؛ ولكن أبكي عليك يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ))، قال سراقة: فساخَتْ يدا فرسي في الأرض فناديتهم بالأمان، فوقفوا فعلمت أن أمر هذا النبي سيظهر فأخبرتهم بأخبار قريش، وعرضتُ عليهم الزاد فأبَوا، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أخْفِ عَنَّا))، فرجع سراقة يقول لقريش: إن تلك الجهة كفيتكم إياها، فابحثوا عنهما في غيرها، فكان في آخر الأمر مُدافعًا عنهما، وهو في أول الأمر يريدهما. ومن مواقف تلك الهجرة سُقْيا اللبن، فقد أخرج الشيخان: البخاري ومسلم، عن أبي بكر قال: ارتحلنا من مكة فسِرْنا في ليلتنا حتى ظهيرة الغد، فرميت ببصري أبحث عن ظلٍّ نأوي إليه فجئت إلى الظل، ففرشتُ فيه للنبي صلى الله عليه وسلم ثم قلت: اضطجع يا نبي الله، فاضطجع، فبحثتُ حولي فإذا براعي غَنَمٍ يريد ذلك الظل، فقلت: هل في غنمك من لبن? قال: نعم، فحلب لنا، ثم أتيتُ به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فوافيتُه قد استيقظ من نومه، فقلت: اشرب فشرب حتى رضيت، ثم ارتحلنا والقوم ما زالوا يطلبوننا. ومن مواقف الهجرة إسلام الراعي، ففي طريقهم للهجرة مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على راعي غنم فاستسقياه لبنًا، فقال الراعي: ما عندي شاة تحلب غير أنها ها هنا عَناق حملت قريبًا، وليس فيها لبن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ادْعُ بها)) فجاء بها الراعي، فمسحَ النبي صلى الله عليه وسلم ضَرْعَها، ودعا فامتلأ ضَرْعُها من الحليب، فحلب النبي صلى الله عليه وسلم، فسقى أبا بكرٍ رضي الله عنه، وسقى الراعي، ثم شرب عليه الصلاة والسلام بعدهما، فقال الراعي: من أنت? فوالله، ما رأيت مِثْلَكَ قَطُّ، قال: ((إنِّي محمدٌ رسولُ الله)) فقال الراعي: أنت الذي تزعم قريش أنك صابئ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنهم لَيَقُولونَ ذلكَ))، فقال الراعي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وإني مُتَّبِعُك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنك لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتِنا)). ومن مواقف الهجرة مرورهما بخيمة أم معبد، وهي عاتكة بنت خالد، وقيل: إنها كانت مسلمة، وقيل: أسلمت فيما بعد، ومنزلها كان بقُدَيْد، وقد مَرَّ بها النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه، وطلبا منها طعامًا بثمنٍ فلم يصيبوا عندها شيئًا، ثم رأوا شاةً هزيلةً واستأذنوا في حلبها، فأذنت واعتذرت بأنها لا تحلب وليس فيها شيء من الحليب؛ لهزالها وضعفها، فمسحَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ضَرْعَها ودعا فحلبها وشربوا وسقوا وبقي شيء من الحليب فأبقوه عندها، ثم قدم زوجُها بعد ذلك فأخبرته الخبر ووصفته لزوجها، فقال: هذا والله صاحبُ قريش الذي يُطلب، ولقد هممْتُ أن أصاحبه، ولأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلًا. ومن مواقف الهجرة أيضًا أنه قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه إلى المدينة لقيا الزبير بن العوام رضي الله عنه في ركب من المسلمين كانوا تُجَّارًا قافلين من الشام، وكان معهم شيء من الثياب، فكسا الزبيرُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابًا بيضًا، ولقيه أيضًا كذلك طلحة بن عبيد الله قادمًا من الشام في عِيرٍ، فكسا كذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه من تلك الثياب، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المسلمين في المدينة قد استبطأوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فعَجَّل رسولُ الله عليه الصلاة والسلام السَّيْرَ، ومضى طلحة إلى مكة وقضى حاجته من تجارته، ثم خرج بعد ذلك بآل أبي بكر، وهاجر بهم إلى المدينة. وكان علي رضي الله عنه قد أقام بمكة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ليؤدي الودائع التي كانت عند النبي عليه الصلاة والسلام للناس، حيث عُرِف النبي عليه الصلاة والسلام بالأمانة والصدق، فكانوا يجعلون الأمانات عنده ودائع، فأدَّاها علي بن أبي طالب رضي الله عنه خلال الأيام الثلاثة، ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرًا إلى المدينة، فأدركه في قُباء على ميلين من المدينة فنزل معه. ومن مواقف الهجرة هجرةُ صهيب الرومي رضي الله عنه، فلما أراد الهجرة إلى المدينة وكان غنيًّا ثريًّا ردَّه كُفَّار قريش، وقالوا: أتيتنا صعلوكًا فقيرًا فكثُر مالُك عندنا، ثم تريد أن تخرج بهذا المال، والله لا يكون ذلك أبدًا، فقال صهيب لمَّا علِم أنهم سيردُّونه: أرأيتم إن جعلت لكم مالي تخلون سبيلي? قالوا: نعم، قال: أشهدكم أني جعلت مالي لكم، قال صهيب رضي الله عنه: وخرجت حتى قدمتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قُباء، فلما رآني قال: ((يا أبا يحيى، ربِحَ البيعُ، يا أبا يحيى، ربِحَ البيعُ، يا أبا يحيى، ربِحَ البيعُ)) قالها ثلاثًا، فقلتُ: يا رسول الله، ما سبقني إليك أحد، فمَنْ الذي أخبرك؟! إنما أخبرك بها جبريل، وفيه نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [البقرة: 207]، وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم في قُباء عند بني عمرو بن عوف، فأقام فيهم، قيل: أربع عشرة ليلة، وقال بعضهم: إنما أقام أربعة أيام فقط، وكان أول عمل عَمِله النبي صلى الله عليه وسلم لما قدمَ قُباء هو تأسيس المسجد، وهو مسجد قُباء المعروف الآن، وهو المسجد الذي أُسِّس على التقوى، كما أخرجه البخاري، ومسجد قُباء هو أول مسجد بُني بعد الهجرة للناس عامة، وهو أول مسجد صلى فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه جماعةً بهذا الظهور والوضوح، وقد اختُلِف في المسجد الذي أُسِّس على التقوى؛ فالجمهور قالوا: إنه هو قُباء، وقال آخرون: هو المسجد النبوي، ومما يؤكد أنه قُباء قوله تعالى: ﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾ [التوبة: 108] حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ قُباء))، والحق أن كلًّا منهما أُسِّس على التقوى، وفي فضيلة مسجد قُباء يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن تطهَّر في بيته ثم أتى مسجد قُباء فصلَّى فيه صلاةً كان كأجْرِ عُمْرة))؛ صحَّحه الألباني، وحسَّنه آخرون، وقد ثبَتَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى قُباء يوم السبت راكبًا وماشيًا. ومن مواقف الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مَرَّ في طريقه برجلينِ من أسْلَم يقال لهما: المهانان، وهما قد اشتهرا بالسرقة والنهب والسلب، فقصدهما النبي صلى الله عليه وسلم وتحدَّث معهما، وعرض عليهما الإسلام فأسلما، وأمرهما أن يقدما عليه في المدينة، فهذه بعض المواقف في طريق الهجرة لعلَّها تكون نِبْراسًا لنا نستلهم منها الدروس والعِبر، ونستكمل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، ونذكر الآن بعض الدروس والعِبَر، فمن هذه الدروس: الدرس الأول: حفظ الله تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام وأوليائه، ونصره لهم وتسديده لأمورهم، ومأخذ هذا أن الدليل الذي يسير خلفَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه هو كافر على دين قريش، وهو عبدالله بن أريقط، وهو يعلم أن قريشًا قد وضعت مئة ناقة لمن يأتي بمحمدٍ وصاحبه، فيمكن لهذا الدليل أن يخونهما كما هي عادة بعض كفار قريش، ويحوز المئة ناقة؛ ولكن الله عز وجل حفظ نبيَّه من ذلك، فكان هذا الدليل على دين قريش؛ لكنه كان ذا أمانةٍ وصِدْقٍ، وسلَكَ بهما طريقًا لا تعرفه قريش؛ بل وتغفل عنه، فسبحان مَن سخَّر هذا لهذا مع اختلاف الدين والمِلَّة! وهذا شاهدٌ كبيرٌ، وغيره كثير من شواهد حفظ الله تعالى لأوليائه وتسديدهم ونصرهم، وأما ما يُصيبهم فهو تكفير وتمحيص. الدرس الثاني: عندما جاء سراقة يطلب النبي صلى الله وسلم وأبا بكر ليسلمهما إلى قريش بكى أبو بكر، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك البكاء، فقال: إني أبكي عليك يا رسول الله، وليس على نفسي؛ وذلك شفقة على النبي صلى الله عليه وسلم وسُنَّته وشريعته، فهل نحن عندما نرى المُحرَّمات تُنتهَك والسُّنَّة تُحارَب، هل ندافع عنها بما نستطيع، ناهيك عن البكاء في ذلك، فمن الناس - مشكورًا مأجورًا - مَن يفعل ذلك الدفاع، وربما بكى؛ لكن البعض الآخر - هداهم الله - كأن الأمر لا يعنيهم، وربما استدلوا بقوله تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ [المائدة: 105]، وهذا الاستدلال في غير محله إذ لو اكتملت تلك الهداية لأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فعدم أمره ونهيه دليلٌ على أن الهداية لم تكتمل؛ ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه: "إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها"، فعلينا جميعًا أن نكون سياجًا منيعًا لسُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم وشريعته. الدرس الثالث: عندما جاء سُراقة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه ليُسلَّمهما إلى قريش اتَّجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربِّه بدعائه، فقال: ((اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ))، وهذا يُعطينا درسًا عظيمًا وجليلًا؛ وهو أنه إذا حصلت لنا مشكلة في أي مجال من مجالات الحياة، فلنجعل الدعاء أحد الحلول لهذه المشكلة، فنجد البعض من الناس - هداهم الله سبيل الرشاد - يبحث عن حلول عديدة لمشاكله؛ لكنه يتخلَّى عن الدعاء، وربما كان الدعاء هو الحل الأمثل لهذه المشكلة، وكم من مشكلة كان الدعاء والإلحاح هو بإذن الله تعالى المزيل لها، والمصلح للحال، ففي كل نوائبك صغيرها وكبيرها لا تنسَ الدعاء، وهو لا يحتاج إلى بحث ولا إلى مال ولا إلى مِنَّة مخلوق ولا شفاعة أحد؛ بل هو كلمات ودعوات تبدؤها بالحمد لله تعالى، وتتوسَّل بالاسم الأعظم ثم ترفعها إلى مولاك، وهو بعد ذلك يتولَّاك، وكلما كثُر الإلحاح قرُبت الإجابة، ولو لم تحصل إجابة، فأنت رابح على كل حال، فلك بدعائك إحدى ثلاث: أن تُعطى ما سألت، أو يُصرف عنك من السوء مثلها، أو تُدَّخَر لك حسنات في موازينك يوم القيامة، فدعاؤك لن يذهب سُدًى، ومن هنا نعرف خطأ مَن يقول من الجهلة: إنني أدعو وأدعو ولم يُستجَب لي، ولم يعلم ذلك المسكين أنه صرف عنه أهوالًا لم يشعُر بها أو ادُّخِرت له حسنات لم يعلم بها، وذلك بسبب دعائه. الدرس الرابع: من حفظ الله تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام وصاحبه أن سراقة بن مالك جاء إليهما في أول الأمر يطلبهما؛ ليُسلِّمهما إلى قريش، وفي نهاية الأمر صار يُدافع عنهما، فيقول لقريش: لا تبحثوا في تلك الجهة فقد كفيتكم إياها؛ وذلك لمَّا رأى من عجائب الأمور التي حصلت له ولفرسه؛ حيث توقفَتْ فرسُه، وساخت في الأرض أرجُلُها، وتكرَّر ذلك مرارًا، وسَمِع دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، فرجع مُدافِعًا عنهما، وهو في أول الأمر يطلبهما، ففي هذا حفظ لهما ودلائل على نبوَّة محمد صلى الله عليه وسلم. الدرس الخامس: ينبغي للأصحاب إذا سافروا أن يُبادروا لخدمة بعضهم بعضًا، فهذا من مكارم الأخلاق وصفاء النفوس، فإن أبا بكر رضي الله عنه مع ما به من التعب والسهر، كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم في مأكله ومشربه ومضجعه بخلاف الأصحاب الذين يتكاسلون عن هذا الخُلُق النبيل، فتراهم مختلفين، قد يوجد فيهم بعض الشحناء وسُوء الطِّباع وقلة الحياء وكثرة الخلاف وضياع الوقت وعدم اتحاد الرأي، وكل هذه السلبيات وأمثالها تزول إذا تفانى الأصحاب والخِلَّان والزملاء في خدمة بعضهم البعض سواء في سفر أو رحلة أو نحو ذلك، فسيسودهم الاحترام المتبادل والكلام الطيِّب والراحة النفسية والطُّمَأْنينة وقلة الخلاف واتِّحاد الرأي ونحو ذلك من المصالح إذا خدم بعضُهم بعضًا. الدرس السادس: بيان دلائل النبوَّة ومعجزاتها للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك من خلال حديث النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر لأُمِّ معبد؛ حيث أتَتْ أُمُّ معبد بشاةٍ هزيلة ليست ذات لبن بل وميؤوس منها، فهي لم تلحق بالرعي لهُزالها وضعفها، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ضَرْعها فدرَّت الحليب الكثير حتى شربوا وارتووا، وأبقوا عندها ما يكفي لحاجتها وذويها، وفي هذا معجزةٌ ودليلٌ على صدق نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما يقرأ المسلم في هذه الدلائل والمعجزات يَقْوَى إيمانُه ويقينُه، فهي أمور خارقة للعادة، فاقرأوا - رحمكم الله - في تلك المعجزات لتتأملوا نبوَّةَ نبيِّكم ودلائلها فهي عِلْمٌ شريفٌ ومن أسباب الثبات على الحق. الدرس السابع: حرص الصحابة رضي الله عنهم على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، وتفانيهم في ذلك، ومن ذلك كِسوة الزبير وطلحة للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه؛ حيث أقبل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه من سفر، وهما سيقابلان الناس، ومثل هذا الحدث يحتاج إلى أخذ الزينة، فبذل الزبير وطلحة تلك الثياب والألبسة للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فاجتمع للنبي عليه الصلاة والسلام بذلك حُسْنُ المَظْهَرِ وطِيبُ المَخْبَرِ. الدرس الثامن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعرَف في مكة بالصادق الأمين حتى وصل الأمر إلى أن المشركين وهم يحاربونه يضعون عنده بعض الودائع؛ لمعرفتهم بصدقه وأمانته؛ حيث لم يجدوا من ذويهم مَنْ يضعون أماناتهم عنده خوفًا من الخيانة؛ ولذلك تأخَّر عليٌّ في الهجرة حتى يُسلِّم الأمانات إلى أهلها بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وفي هذا درس عظيم لنا جميعًا؛ أن نتصف بالصدق والأمانة، ففيهما البركة والخير العظيم، وفي ضدهما الضياع والضلال المبين، فماذا لو ساد هذان الخلقان الناس جميعًا ونحن جزءٌ منهم لزالت كثيرٌ من المشاكل سواء على المستوى الشخصي والفردي أو على المستوى الرسمي والهيئات الحكومية، فلنتعاهد جميعًا على هذين الخُلُقينِ العظيمين: الصدق والأمانة، فنحن الرابحون في ذلك، وإذا تركناهما فنحن الخاسرون، وماذا سينفع ذلك الكاذب والخائن إذا أخذ حفنةً من المال، وهي ليست له فهو سيردُّها حسنات يوم القيامة، ووالله ثم والله، لو امتثل المجتمع هذين الخلقين تمامًا لأغلقت بعض جهات المحاكمة والشُّرَط لزوال المسببات والمشاكل. الدرس التاسع: في هجرة صهيب رضي الله عنه أرغمه كُفَّار قريش أن يترك ماله لأجل الهجرة، فبادر لترك المال مقابل الهجرة، فهو خرج من مكة وليس معه شيء من ماله، وهو غنيٌّ ثريٌّ ابتغاء وجه الله تعالى؛ ولذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ربِحَ البيعُ أبا يحيى))، فهل سيكون هذا الفعل مُوقِظًا لنا في الصَّدَقة وبذلها والإكثار منها، فإن تلك الصدقة مخلوفة، وهي وإن كانت خرجت منك، فهي مرصودةٌ لك، وهي عبارة عن نقل مالك من حساب الدنيا الفاني الفقير إلى حساب الآخرة الباقي النفيس، وعجبًا لمن يعلم تلك الحقيقة ولا يُكثِر من الصدقة، فيا معاشر الأغنياء والفقراء كُلٌّ يتصدَّق مِن وسعه، فالقليل مهما قَلَّ فهو خير عظيم، فإذا كان شِقُّ التمرة يقي من النار، فما بالكم بما هو أكبر من شِقِّ التمرة؟! فاحتسبوا وابذلوا، واعلموا أن ذلك مخلوف عليكم، وكم هو جميل أن يجعل أهل البيت صندوقًا أو حصالةً في مكان بارز من البيت؛ لتكون مجالًا للصَّدَقة، ولو بالقليل، وإذا كانت في سِرٍّ فصاحبها تحت ظلِّ العرش، ثم يفتح ذلك دوريًّا شهريًّا، ويدفع إلى المحتاجين. الدرس العاشر: النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته رأى رجلين فدَعاهما إلى الإسلام، وفي هذا درس لنا جميعًا في سفرنا ورحلاتنا أن نساهم بجهودنا في دعوة الآخرين وبيان أخطائهم وتعديل سلوكهم، وأمرهم بالخير ونهيهم عن الشر، فكم سيحصل من الخير العظيم لو كنا جميعًا كذلك في رحلاتنا القريبة والبعيدة، فكونوا - رحمكم الله - كذلك تفلحوا. أسأل الله تبارك وتعالى أن يوصلنا إلى دار السلام بسلامٍ، وأن يرزقنا قلوبًا وعقولًا راشدة، وألسنة صادقة، وأن يشرح صدورنا، ويُيسِّر أمورنا، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#14 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (12) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الثانية عشرة من برنامج (خاتم النبيين) بداية غزوة بدر الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلِّم على النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصَحْبه والتابعين. ذكَرْنا - إخواني الأكارم - في الحلقة الماضية شيئًا من البعوث والسرايا التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم لمجاهدة الكفار، وذكرنا شيئًا من التشريعات والأحكام التي شرعت في السنة الثانية من الهجرة؛ وذلك كتحويل القبلة، وفرض الصيام والزكاة، وأيضًا ذكرنا الدروس المستفادة من ذلك، والآن في حلقتنا هذه نزدلف إلى الحديث عن غزوة بدر الكبرى، فقد حدثَتْ تلك الغزوة التاريخية العظيمة في نهار يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد ذلك في صحيح مسلم، قال ابن عبدالبر رحمه الله: كانت أشرف غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وأعظمها حرمة عند الله تعالى، وهذا اليوم الذي وقعت فيه الغزوة يُسمَّى يوم الفرقان؛ حيث أعزَّ الله عز وجل الإسلام وأهله، وأذلَّ الشرك وأهله مع قلة المسلمين وكثرة المشركين، ومن خصائص هذه الغزوة ما يلي: أولًا: أن مَن شهِدها فإنه ينسب إليها، فيُقال: فلان البَدْريُّ، ولا يُقال ذلك في غيرها. ثانيًا: من خصائص غزوة بدر أن مَن شهِدها من المسلمين له فضله الكبير؛ حيث ورد عند البخاري عن رفاعة بن رافع وكان بَدْريًّا قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما تَعُدُّون أهلَ بَدْر فيكم، قال: من أفضل المسلمين، قال: وكذلك مَنْ شَهِدَ بَدْرًا من الملائكةِ))؛ رواه البخاري. ثالثًا: من خصائص تلك الغزوة أن من شهِدَها كُتبت له المغفرة إلى يوم القيامة، فقد أخرج البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حاطب بن أبي بلتعة في قصة إخباره لأهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم قال فيه: ((أليس من أهل بدر؟ لعَلَّ اللهَ اطَّلَع على أهل بَدْر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجَبَتْ لكُم الجنة أو فقد غَفَرْتُ لكم))؛ رواه البخاري ومسلم. رابعًا: من خصائصها أن الملائكة قاتلت فيها مع المسلمين إلى غير ذلك من الخصائص. وكان سبب هذه الغزوة أن عِيرًا لقريش عظيمة قادمة من الشام تريد مكة، فيها أموال قريش، فكان فيها ألف بعير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: ((هذه عِير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعَلَّ اللهَ أن يَنْفُلكمُوها)) ذكر ذلك ابن إسحاق رحمه الله، فخرجوا لتلك العير وفيها ثلاثون أو أربعون رجلًا من قريش، وعندما علم أبو سفيان قائد العير بذلك الخروج للمسلمين أرسل ضمضمة بن عمرو إلى مكة ليستنفر قريشًا، ويخبرهم بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام وأصحابه اعترضوها، وقد استطاع أبو سفيان أن ينجو بالعير؛ ولكنه حصل القتال بين المسلمين والكفار حتى أثبت الله الحق وأزهق الباطل، فعندما علِمَ النبي صلى الله عليه وسلم بمسير قريش إلى بَدْر استشار الصحابة، فتحدَّث أبو بكر رضي الله عنه وأحسن، وتحدَّث عمر وأحسن، وقام المقداد بن عمرو، وقال: امْضِ يا رسول الله ونحن معك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أشيرُوا عليَّ أيُّها الناسُ))، وكان يقصد الأنصار، فقام سعد بن معاذ فقال: والله، لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: ((أجَل)) فقال سعد رضي الله عنه: آمنا بك وصدَّقْناك، وأعطيناك مواثيقنا على السمع والطاعة، فامْضِ يا رسول الله لما أردْتَ، فنحن معك؛ فسُرَّ بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((سِيرُوا وأبْشِرُوا، فإنَّ اللهَ وعَدَني إحدى الطائفتين، واللهِ لكأنِّي أنظُر مصارعَ القوم))؛ رواه مسلم. وإن كان هذا هو اتفاق المسلمين على الخروج والقتال، فقد افترق كُفَّار قريش، فبعضُهم يرى الرجوع دون القتال، وكان أبو جهل وهو قائدهم مُصِرًّا على القتال، وممن يرى عدم القتال بنو زهرة وبنو عدي، فقد رجعوا؛ بل إنَّ أبا سفيان قائد العِير يرى الرجوع من دون قتالٍ، وذلك لما ضرب في قلوبهم من الخوف والوجل، وفي تلك الغزوة التقى الجَمْعانِ، وهي معركة قاتل فيها خيارُ أهل الأرض وهم الصحابة رضي الله عنهم، وخيارُ أهل السماء وهم الملائكة عليهم السلام، وشاء الله تعالى ألا يتكافأ العدد، فعدد المسلمين فيها ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، بينما كان عدد المشركين ألفًا وثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، ومع ذلك وقع النصر للمسلمين وهُزِم المشركون وقُتِل صناديدُهم، وميزان النصر ليس بالعدد والعتاد، وما النصر إلَّا من عند الله عز وجل، ولك أن تتخيل أخي الكريم كيف كانت قوة الاستجابة والصمود واليقين، حيث إنه في الشهر نفسه شهر رمضان وهو أول شهر يصومونه؛ حيث إنه فرض في تلك السنة، ثم جاءتْ فيه تلك الغزوة العظيمة، ومع ذلك صمدوا واستجابوا لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وذلك بتثبيت الله تعالى لهم وتوفيقه إياهم، وقد تخلف عن هذه الغزوة عددٌ من الصحابة رضي الله عنهم، ولهم أعذارهم، فمنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث كانت امرأتُه مريضةً فقام عليها، وقد ماتت في مرضها هذا، وهي رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وتخلَّف أيضًا طلحة بن عبيدالله وسعيد بن زيد؛ حيث بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم قبل القِتال ليأتيا بخبر العير عند انطلاقها من الشام، فلما قدم المدينة بالخبر وجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاءه الخبر عنها، فلحقاه حتى لقياه منصرفًا من بَدْر، وتخلَّف أيضًا أبو لبابة رضي الله عنه؛ حيث استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وتخلَّف أبو أمامة ابن ثعلبة؛ حيث كانت أُمُّه مريضةً، فقال له خاله: أقِمْ عند أمِّكَ يا بن أختي، فقال: بل أنت أقم عند أختك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أبا أمامة أن يقيم عند أُمِّه، وتخلَّف عاصم بن عدي؛ حيث استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على قُباء، وتخلَّف أيضًا الحارث بن الصمة؛ حيث انكسرت ساقه في الطريق، فردَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وغير هؤلاء تخلَّفوا بأعذارهم الشرعية رضي الله عنهم أجمعين. وكان الصحابة في مسيرهم إلى الغزوة كل ثلاثة يتعاقبون بعيرًا في ركوبه، وكان علي ومرثد بن أبي مرثد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاقبون بعيرًا، فلما جاء دور النبي صلى الله عليه وسلم في المشي قالا له: اركب يا رسول الله ونحن نمشي عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أنتما أقوى مني، ولا أنا بأغْنَى عن الأجْرِ مِنْكُما)). ومكث النبي صلى الله عليه وسلم يستعرض أصحابه في مشاركتهم للقتال، فرَدَّ مَن استصغره منهم، وكان ممن ردَّه أسامة بن زيد، وابن عمر، والبراء بن عازب، ورافع بن خديج، وأسيد بن الحضير، رضي الله عنهم أجمعين؛ حيث كانوا صغارًا، ويقول سعد بن أبي وقاص: عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعرضنا رأيت أخي عميرًا يتوارى ويختفي، فقلت: ما لك تختفي؟ فقال: أخشى أن يرُدَّني النبي صلى الله عليه وسلم، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام فاستصغره فرَدَّه، فبكى عمير، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ابن ست عشرة سنة. وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإعداد القيادات وتوزيعها، وأعطى اللواء - وهو الراية التي يجتمع حولها الجيش - مصعبَ بن عمير، وقسَّم جيشه إلى كتيبتين؛ الأولى: كتيبة المهاجرين، وأخذ لواءها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثانية: كتيبة الأنصار، وأخذ لواءها سعد بن معاذ رضي الله عنه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام على الميمنة، والمقداد بن عمرو على الميسرة، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، والقيادة العامة كانت في يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقر المسلمين وحاجتهم دعا فقال: ((اللهُمَّ إنهم حُفاةٌ فاحملهم، اللهمَّ إنهم عُراةٌ فاكْسُهم، اللهمَّ إنهم جِياعٌ فأشْبِعْهم))، فاستجاب الله تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام فأغناهم، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم بالفطر؛ حيث إن تلك الغزوة في شهر رمضان، فمن وجد قوةً صام، ومن وجد ضعفًا أفطر، وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم: ((قُومُوا إلى جنَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ)) فقال عمير بن الحمام: بَخٍ بَخٍ، فأخرج تمرات من جَعْبته، فجعل يأكل منهنَّ ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكلَ تمرات هذه، إنها لحياةٌ طويلةٌ، فترك ما كان معه من التمر ثم قاتلهم رضي الله عنه حتى قُتِل؛ رواه مسلم. واقترح سعد بن معاذ في ذلك اليوم أن يُبنى للنبي صلى الله عليه وسلم عريش؛ حفاظًا عليه، فبُني له ذلك العريش، وبات النبي صلى الله عليه وسلم ليلته تلك يدعو ربَّه قائلًا: ((اللهُمَّ إنك إن تُهلِك هذه الفئةَ لا تُعبَد))، وفي البخاري ومسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهُمَّ إني أنشدك عهدَكَ ووعدَكَ))، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله- أي: كافيك - لأنه أشفق عليه فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45] وحيث تجهز المسلمون ورتَّبوا أنفسهم، فقد تجهزت قريش أيضًا في ترتيب جيشها، فنفروا، فلم يتخلف من كِبارهم أحد إلا أبو لهب، ومَن كرِه الخروج أخرجوه، فخرجوا عن بكرة أبيهم، وتجهَّزوا مسرعين، وكان عددهم ألفًا وثلاثمائة وتسعة عشر مقاتلًا، وكان معهم مئة فرس وستمائة من الدروع، وجِمال كثيرة، وكانوا بقيادة أبي جهل - لعنه الله - بينما المسلمون ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فهي معركة غير متكافئة في العدد والعتاد؛ ولكن الله تعالى نصر نبيَّه وأولياءه على أعدائه، وأظهر الحق وأزهق الباطل، ولله الحمد والفضل والمنة، وهو القوي العزيز. ولعلنا نذكر شيئًا من الدروس والعبر فيما سبق، ونستكمل بإذن الله تعالى تلك الغزوة العظيمة في الحلقة القادمة، فمن الدروس في ذلك ما يلي: الدرس الأول: في غزوة بدر ظهر فضل هؤلاء الصحابة المشاركين في الغزوة، ويطلق عليهم البَدْريُّون، حيث وجبت لهم الجنة أو المغفرة كما في الحديث الصحيح، وهذا من فضل الله تعالى عليهم؛ حيث طلبوه فأعطاهم عز وجل، فَلْنَلْتَمِس نحن فضل الله تعالى وعطاءه في كل ما يُقرِّبنا من الله عز وجل من صلاة وصيام وصدقة وبِرٍّ وذِكْرٍ وغيرها، فإن الأعمال الصالحة لا تُحصَى كثرةً، فيا أخي الكريم، اجعل لك مع كل طاعة منهجًا ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، لعَلَّ اللهَ أن يفتح لك من فضله، وإذا فتح لك ذلك الباب من الخير، فاستثمره واشكُر الله تعالى وادْعُ إليه الآخرين، واستفتح أبوابًا أخرى فإن الرب شكور، فإن فعلتَ ذلك فقد سَلَكْتَ طُرُقًا إلى الجنة كما سَلَكَها هؤلاء الصَّحْبُ الكِرامُ، وغُفِرَت ذنوبُك؛ لأن الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات، وكُنْ جازمًا وعازمًا، فرياض الجنة بين يديك، فاملأ وقتك بما فتحه الله عليك من الطاعات لتملأ ميزانك من الحسنات فتَقَرَّ عينُك يوم القيامة. الدرس الثاني:إن قتال الملائكة مع المؤمنين في بدر شاهد كبير وظاهر على معية الله تعالى لعباده المؤمنين، ينصرهم ويسددهم ويعينهم، وإن كان ذلك في القتال فإن معية الله تعالى لعباده بالنصر والتسديد والإعانة تكون بأعمال أخرى يسيرة، ومن أهمها ذكر الله تعالى؛ حيث ورد في الحديث القدسي: ((وأنا معه إذا ذكرني))، فعليك أخي الكريم بكثرة ذكر الله تعالى حتى وأنت تقضي حاجاتك خارج بيتك من شراء وبيع ومعاملات ومراجعات وغيرها، فإن الله تعالى يكون معك فيأتيك العون والتسديد من حيث لا تشعر، فما بال أحدنا إذا خرج من بيته لحاجته أو مراجعة دائرة من الدوائر أو في أي شأن من شؤونه تجده ساكتًا صامتًا إلا من رحم الله. إن هذا الذكر هو سبب لمعية الله، فاحرص عليه وأكثر منه، وهذا زيادة على الأجر الذي تحصل عليه، فما أسعدك حينما تدخل وتخرج وأنت ذاكر لله تعالى وهو يسمعك ويراك ويعلم حاجتك! فأبشر بالتيسير. الدرس الثالث: إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد الخروج استشار الصحابة رضي الله عنهم مع أنه رسول رب العالمين والمؤيد بالوحي، وهذا يعطينا أهمية الاستشارة، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159]، فالاستشارة في فعل الشيء تجمع لك مع عقلك عقول الآخرين، ولا شك أن جمع آراء العقول أكثر سدادًا في الرأي، وربما أشاروا عليك بشيء لم يكن في خَلَدك، فلا تدع الاستشارة في جميع أمورك، وأيضًا كذلك استخر الله عز وجل، فمن استشار واستخار لم يندم، في حين أن بعض الناس يعمل أعمالًا كثيرة ولا تخطر في باله الاستشارة، ثم يجد بعد ذلك مَن يوبِّخه أو يشير عليه بغير فعله، وعلى المستشار أن ينصح له في رأيه، وذلك قبل الفعل، أما إن استشارك بعد الفعل فبارك له عمله، وادْعُ له، وإن كنت ملحًّا في إبداء رأيك المخالف لفعله فليكن برفْقٍ وأحسن عبارة وألطف إشارة، ولا تُكرِّر عليه الرأي، فإن رأيت منه ندمًا فبارك له رأيه، وافتح له إيجابيات في رأيه، وأظهر له ما استحسنته فيه ليفرح به. الدرس الرابع: إن استجابة الصحابة رضي الله عنهم لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم للخروج للعير كانت سريعةً وبقوةٍ، وهكذا المؤمن يستجيب لله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ونحن قد نادانا اللهُ تعالى كثيرًا بقوله: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 278] وغيرها من نداءات المؤمنين في القرآن؛ كترك الربا والتزام الصدق، وكثرة الذكر والتثبُّت من الأخبار والقول السديد وغيرها كثير، فلتكن استجابتنا قويةً وسريعةً ما دمنا في زمن الإمكان ليزداد إيماننا، ويحسن سلوكُنا، وتسلم قلوبُنا، ونرضي ربَّنا، ونقتدي بنبيِّنا عليه الصلاة والسلام، أما إن تأخَّرْنا عن الاستجابة فسنكون مصيدةً للشيطان، نعوذ بالله منه، فتأمَّل نفسَك وواقعك، وصحِّح مسارك قبل ألا يكون لديك فرصة لتصحيح المسار. الدرس الخامس: حيث إن غزوة بدر في رمضان، فكان الصحابة رضي الله عنهم خرجوا صائمين، فبعضُهم أفطر، وبعضُهم بقي على صيامه، فخروجُهم وصيامُهم يُعطينا درسًا عظيمًا في الصبر، واعلم أخي الكريم، أنك لن تنال مُناك إلا بالصبر سواء في دينك أو دنياك، فإذا أردت فعل شيء وثقل عليك فلا يكن الحل هو تركه؛ وإنما الحل هو الصبر عليه؛ لأن عاقبة الصبر أحلى من العسل، وبعد العمل المصاحب للصبر سيجد ذلك العامل نشوةً عاليةَ ولذةً جميلةً ومخرجات طيبة، وهذا يشهد له واقع الصابرين سواءً كان الصبر على طاعة الله أو عن معصية الله أو على أقدار الله تعالى أو على أمور الدنيا ومشاغلها أو على تربية الأولاد والنفس، فالصبر كُلُّه ممدوح، ومخرجاته كلُّها دروس لهذا الصابر، فلنكن كذلك بوركتم ووفقتم. الدرس السادس: حرص الصحابة رضي الله عنهم على مرضاة الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، فقد تقدَّموا للقتال وهم صغار، يرجون ما عند الله تعالى، وبعضهم يبكي عندما ردَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا نُسارع - إخواني الكرام - إلى مرضاة الله تعالى في صلواتنا، وقيامنا، وصيام النفل، وصدقات التطوُّع، وفعل المعروف وغير ذلك؛ ليكون أولادنا كذلك، فما أجمل الحرص مع المسارعة إلى الطاعة عند الصغير والكبير! الدرس السابع: في قصة عمير بن الحمام عندما ترك تلك التمرات التي بيده واستطول الحياة إن هو جلس يأكلها فيها درس لقصر الأمل، فالحياة كُلُّها قصيرة، فاستثمرها بالطاعة؛ ولهذا يقول ابن السماك: الدنيا قليل، ولم يبق منها إلا القليل، وليس لك مما بقي إلا القليل، ولم يبق أيضًا من قليلك إلا القليل. فاستثمر وقتك بإصلاح نفسك والزُّلفى إلى ربِّك لعلَّكَ تحظى برحمة الله تعالى، ثم بدخول الفردوس الأعلى بفضل الله عز وجل. الدرس الثامن:في أول معركة بَدْر وبعد الإعداد والتأهُّب بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربَّه، ويلتجئ إليه، وفي هذا درس عظيم في أن ندعو الله عز وجل في جميع شؤوننا صغيرها وكبيرها، فكل شيء تريد فعله فادْعُ اللهَ عز وجل تيسيره، فلو لم يُيسِّره الله عز وجل لم يتيسر، وإذا تيسَّر أيضًا، فاحمد الله عز وجل على ذلك التيسير، فستجد نفسَك تدعو وتحمد خلال حياتك بملايين المرات، وهذا فضل عظيم وأجر جسيم وكبير تجده في موازينك يوم القيامة فادْعُ الله في جميع أحوالك في حين أن البعض من الناس - هداهم الله - مُقللون جدًّا في هذا الجانب، ويشكون النقص، فيقال لهم: اتجهوا إلى مولاكم، فقد ناداكم لتدعوه فيجيبكم فضلًا منه وكرمًا، وأنت إذا دعوت الله عز وجل، فلن تخيب من تلك الدعوات، فلك بدعواتك إحدى ثلاث؛ الأولى: إما أن تُعطى ما سألت، الثانية: أن يُدفَع عنك من السوء مثلها، الثالثة: أن تُدَّخَر لك تلك الدعوات حسنات في ميزانك، فأنت رابح في جميع أحوالك، ونعتب كثيرًا على بعض إخواننا وأخواتنا في قلة دعائهم عندما لا يحصل لهم ما سألوا أن يتركوا الدعاء بحجة أنه لا يستجاب لهم، وهذا من قلة الفقه والعلم، ووالله ثم والله، لو علم هؤلاء ما دفع الله عنهم من البلاء وما ادَّخَره لهم من الأجور لضاعفوا جهودهم في الدعاء، ولأكثروا من دعاء ربهم عز وجل في جميع أحوالهم، فلنُكثر أيها الأخوة والأخوات من دعاء الله عز وجل، فهو من أفضل العبادات وأجلِّها، وابدأوا دعاءكم بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتوسُّل بالاسم الأعظم الحي القيوم أو يا الله، وأبشروا بعد ذلك بالخير العظيم من الله عز وجل اللطيف الحنَّان المنَّان. أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبَّل مِنَّا أعمالنا، وأن يصلح قلوبنا ونيَّاتنا وذرياتنا والمسلمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#15 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (13) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الثالثة عشرة من برنامج (خاتم النبيين) المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار والوثيقة مع اليهود بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلم على مَن أُرسِل رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبه والتابعين، وبعد: إخواني الأكارم، ذكرنا في الحلقة الماضية الأحداث والمواقف في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة، وأيضًا ذكرنا صورًا من إسلام بعض الصحابة رضي الله عنهم، وأيضًا تعرَّضنا لمسجد قُباء وفضله، وذكرنا شيئًا من دلائل النبوة ومعجزاتها، وبذلك نكون انتهينا من العهد المكي، ونزدلف الآن إلى العهد المدني في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أمضى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثةَ عشرَ عامًا، تلوَّنَتْ تلك الأعوامُ بالأفراح والأتراح في المجال الدعوي، وبقي من عمر النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين أمضاها في المدينة، وفيها شُرعت أكثر الأحكام الشرعية، وانتشر الإسلام في الأرض، وفتح الله تعالى على نبيِّه وعباده فتوحًا عظيمة، وحصلت الغزوات والمعارك. وكان بداية ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة وعلِمَ بذلك أهلُ المدينة كانوا يخرجون صبيحة كل يوم ينتظرون قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا اشتدَّ الحَرُّ رجعوا، فلما كان في يوم الاثنين سنة أربع عشرة من البعثة، وهي السنة الأولى من الهجرة خرجوا كعادتهم، فلما اشتدَّ الحَرُّ رجعوا، وبعد رجوعهم صعد رجلٌ من اليهود على بيته لحاجة له، فنظر فإذا شيء قادم، فاتَّضحه فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَحْبه الكِرام رضي الله عنهم، فقال: يا معشر العرب، هذا جَدُّكم الذي تنتظرونه، فثار المسلمون في حَرِّ الشمس وأخذوا السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَحْبه الكِرام بظَهْرِ الحَرَّة، ولهم تكبير رجَّ المكان فتلقَّوه وحيَّوه وصَحْبَه، وكان بعضهم لا يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ظلَّله أبو بكر عن الشمس عرَفوا أنه هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فغامرتهم الفرحة وغشيتهم السكينة، وظهر في أسارير وجوههم السرور، واتَّضح ذلك كثيرًا وقد استقبلوه خارج المدينة، فمَشَوا معه حتى دخل المدينة عليه الصلاة والسلام، وهم عن يمينه وشماله متقلِّدو سيوفهم، وكلَّما مرَّ على قوم رحَّبُوا به وطلبوه أن ينزل عندهم، فيقول لهم عليه الصلاة والسلام: ((خَلُّوا سَبيلَها فإنَّها مأمُورةٌ)) - يعني ناقته - وكان قد مَرَّ على أربعة أقوام قبيل المدينة كلهم يقول له ذلك، فيرُدُّ عليهم: ((خَلُّوا سَبيلَها فأنَّها مأمُورةٌ))، حتى دخل المدينة عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك مساء يوم الجمعة في جوٍّ مشحونٍ بالفرح والسرور والبهجة، وكان يومًا تاريخيًّا مشهودًا ارتجَّتْ له المدينة بالتحميد والتكبير حتى إن النساء فوق البيوت يتراءونه يقلْنَ: أيهم هو؟ أيهم هو؟ وقال البراء بن عازب: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء مثل فرحهم هذا، ولم تزل ناقتُه عليه الصلاة والسلام تسير به حتى أتَتْ إلى دار بني مالك بن النجار، وهو موضع المسجد النبوي اليوم، فبركَتْ عنده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا إنْ شاءَ اللهُ المنزل))، أمام دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أيُّ بيوتِ أهلِنا أقْرَبُ?)) فقال أبو أيوب رضي الله عنه: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((فانطلِقْ فهيِّئ لنا مَقيلًا))، فاحتمل أبو أيوب رَحْلَ النبي صلى الله عليه وسلم، فوضَعه في بيته، فجاء رجل بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أين تحلُّ يا رسول الله? فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المَرْءُ مع رَحْله))، وأخذ أسعد بن زرارة راحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى داره. وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب سبعة أشهر، وقيل: شهرًا واحدًا، ثم انتقل إلى مساكنه قرب المسجد، فما أحسَنَ حظَّ أبي أيوب! وما أكرم الضيفَ عليه الصلاة والسلام! ولم تقتصر تلك الفرحة بقدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة على المسلمين فقط؛ بل شملت نفرًا من أهل الكتاب، فهذا عبدالله بن سلام رضي الله عنه وكان حين قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يهوديًّا، فيقول عبدالله بن سلام: جئت لأنظر إليه فعرَفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، وكان أول ما سمِعْتُه منه قوله: ((يا أيُّها الناسُ، أفْشُوا السلامَ، وأطْعِمُوا الطعامَ، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنةَ بسلامٍ)). وكانت أول جمعة صلَّاها صلى الله عليه وسلم بالمدينة هي التي كانت في حي بني سالم بن عوف، وعندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب نزل في القسم السفلي وأبو أيوب وزوجته في القسم العلوي، فقال أبو أيوب لزوجته: كيف نمشي فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أثناء الليل فتنحَّوا جانبًا من البيت حتى أصبحوا، ثم ذكر أبو أيوب ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن يكون الرسول في الأعلى وهو في الأسفل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((السُّفْلُ أرْفَقُ بنا وبمَنْ يَغْشانا)) ثم لم يزل أبو أيوب يرجوه ويُلِحُّ عليه في ذلك حتى صعد النبي صلى الله عليه وسلم في الأعلى، وكان أبو أيوب إذا أخذ فضلة العشاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمَّم هو وزوجته مكان يده عليه الصلاة والسلام، فأكل منها رجاء البركة. وعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب بعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم ليأتياه بأهله، فقدما رضي الله عنهما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وأيضًا قدما بزوجته سودة بنت زمعة وغيرهن. فقدموا المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت حاملًا بابنها عبدالله بن الزبير، فلما نزلت قُباء ولدَتْه، فأتت به النبي صلى الله عليه وسلم فحَنَّكَه؛ حيث مضغ النبي صلى الله عليه وسلم التمرة ثم أخذ منها ووضعه في فم عبدالله بن الزبير فحَنَّكَه بها، فكان من أوائل ما دخل إلى جوف عبدالله بن الزبير هو ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا له وباركه، وسمَّاه عبد الله، فكان هو أول مَن ولِدَ في الإسلام بعد الهجرة؛ رواه البخاري. وفي شهر شوال من السنة الأولى من الهجرة تزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة وقد رآها في المنام، فقال عليه الصلاة والسلام بعد تلك الرؤيا: ((إنْ يَكُ هذا من الله يُمْضِهِ))؛ رواه البخاري ومسلم، وهي البِكْر الوحيدة من زوجاته عليه الصلاة والسلام، وقد دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم ضُحى وهي بنت تسع سنين، وكانت كنيتها أم عبدالله، والذي كنَّاها بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم وهي لم يولد لها قَطُّ، وكانت وليمتها مختصرة جدًّا تقدر بالجفنة من الطعام، أتى بها سعد بن عبادة رضي الله عنه؛ أخرجه الإمام أحمد، وحين استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عمد إلى تأسيس لهذا المجتمع المسلم يقوم على أعمدة ثلاثة؛ الأول: بناء المسجد، والثاني: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والثالث: المعاهدة مع اليهود في المدينة، فكان بناء المسجد هو أول الأعمال التي قام بها في المدينة؛ حيث هو الشعار الكبير للمسلمين والإسلام، فهم يجتمعون فيه مرارًا في اليوم والليلة لتأدية تلك الفريضة العظيمة الصلاة. فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا غلامين من بني النجَّار وهما صاحبا الأرض التي عليها المسجد فساومَهما على ثمنها، فقالا: نَهِبُها لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلا بالثمن، فابتاعها منهما بعشرة دنانير، وكانت قبلته إلى بيت المقدس؛ لأنه في أول الأمر قبل أن تتحوَّل القبلة إلى الكعبة كانت إلى بيت المقدس، وتم بناء المسجد، وكان طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع- أي: خمسون مترًا - فهو مربع الشكل، وفي عهد عمر تمت زيادة المسجد، وقد قال عمر عند أمره ببناء المسجد وتوسعته لمن يبنيه، قال له: إياك أن تحمِّر أو تصفِّر، فتفتن الناس – أي: نهي لهذا البنَّاء عن الزخرفة - فهو نهي من عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الزخرفة المشغلة للمصلِّين، وكذلك في عهد عثمان بن عفان زاد فيه كثيرًا فكان المسجد مركزًا للمسلمين للتآلف والتشاوُر، يسلم فيه فئام من الناس، وفيه إيواء الفقراء؛ كأهل الصُّفَّة، ويُقابَل فيه الوفود، وتُصدَر فيه الأحكام، وتنطلق منه الراياتُ، وتنعقد فيه حِلَقُ الذِّكْر والعلم. وذكر البيهقي رحمه الله أن بناء المسجد قد استغرق اثني عشر يومًا، وبعد الفراغ من المسجد تم بناء الحجرات لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استغرق هذا البناء لهذه الحجرات أيامًا قليلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس مستندًا إلى جذع نخلة، فلما كثُر الناس وكان ذلك بعد غزوة خيبر أشار عليه أصحابه رضي الله عنهم، فقالوا: لو اتخذت شيئًا تخطُب عليه؟ فأمر ببناء المنبر، فلما قام على المنبر حَنَّ الجذعُ وأصدر صوتًا كصياح الطفل، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم ومسَحَه فسَكَن، وفي المسجد الروضة الشريفة حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياضِ الجنةِ، ومنبري على حوضي))؛ رواه البخاري ومسلم، قال ابن حجر في الفتح في معنى ذلك: أي تلك البقعة كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة، أو أن يكون الحديث على ظاهره بأن تلك البقعة تنتقل في الآخرة إلى الجنة. والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألْفِ صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام))؛ متفق عليه، وهي تعادل أكثر من ستة أشهر فيما سواه، ومن أسماء المدينة طابة، ففي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ سمَّى المدينةَ طابة))؛ رواه مسلم، وسمَّاها النبي صلى الله عليه وسلم طيبة، وقد نهي عن تسميتها يَثْرِب، قال ابن حجر: لأن كلمة يَثْرِب هي من التثريب، وهو التوبيخ، أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح على المدينة. إخواني الكرام، لعلنا نستخرج بعض الدروس والعِبَر والفوائد مما سبق ذكره، نستكمل مادتنا العلمية في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فمن الدروس ما يلي: الدرس الأول: حرص الصحابة رضي الله عنهم على استقبال النبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه المدينة، وكان ضيفًا عليهم وأكْرِمْ به من ضيف وصحبه الكرام! والدافع لهم في ذلك هو التقرُّب إلى الله تعالى بمحبة هذا النبي الكريم واتِّباعه والإيمان به، ومن حُسْن استقبالهم له وحفاوتهم به خرجوا من المدينة لاستقباله عليه الصلاة والسلام، ومَشَوا معه داخلين إلى المدينة، وفي هذا درس في استقبال الضيوف خصوصًا إذا كانوا من أهل العلم والكِبار والوجهاء وأهل الإحسان بأن يكون الاستقبال محفوفًا بالاهتمام، فإن ذلك يُدخِل السرور، ويُوجِب المحبة، ويسلم الصدور، ويبهج النفس، وذلك بعكس المعهود السلبي عند بعض الناس حيث يستقبل ضيوفه ببرودة وغير اهتمام؛ مما يجعل الضيف قد لا يعود مرةً أخرى، وقد اشتاق الأنصار للالتقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم فحصل لهم ما اشتاقوا إليه، وحقَّ لهم ذلك؛ فهو سيِّدُ ولد آدم، وأفضل خَلْق الله تعالى، ورسول ربِّ العالمين عليه الصلاة والسلام. الدرس الثاني: لقد فرح الصحابة رضي الله عنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فرحًا شديدًا؛ حيث تخلَّص من أذية قريش، وجاء إلى مَن ينصره ويرفع راية دينه، فإن كان الصحابة رضي الله عنهم فعلوا ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم حال وجوده بين أظهرهم، فلنفرح نحن في زماننا هذا بسُنَّته عليه الصلاة والسلام تطبيقًا لها ودعوة إليها، ومنابذة لمن يُعاديها وتربية لأولادنا وأنفسنا عليها ودفاعًا عنها، وإننا إذ نفعل ذلك فهو مقدورنا وما قدَّره الله لنا، وأيضًا عندما نفعل ذلك فإننا لنرجو أن نفرح بلُقْياه عليه الصلاة والسلام في الآخرة ونُحشَر في زمرته وتحت لوائه، فاستمسكوا بسُنَّته وعضُّوا عليها بالنواجذ في أقوالكم وأفعالكم وأعمال قلوبكم، فهذا من أعظم أسباب الثبات على دين الله تعالى، وقوموا بتربية أولادكم على ذلك باستحداث البرامج التربوية داخل أُسَركم وبيوتكم، وذلك كتحفيظ أولادكم لأذكار اليوم والليلة، ودلالتهم على عمل اليوم والليلة؛ كصلاة الضُّحى والسُّنَن الرواتب، وصلاة الوتر، وغيرها من التطوعات، وقد يتسلسل ذلك إلى أحفادكم، ويكون صدقةً جاريةً لكم، فافرحوا بهذا كما فرح الصحابة رضي الله عنهم بلُقْيا النبي صلى الله عليه وسلم. الدرس الثالث: تأمَّل من خلال السيرة كيف أن الله عز وجل يُؤتي فضلَه مَن يشاء، نسأل الله تعالى من فضله، وذلك بعمل مقارنة سريعة بين أهل مكة وهم قريش، وأهل المدينة وهم الأنصار، فالجميع خَلْق من خَلْق الله تعالى؛ ولكن الله عز وجل أسدى فضله وعطاءه للأنصار في المدينة، وحرَمه قريشًا في مكة، فإن الأنصار في المدينة نصروا النبي صلى الله عليه وسلم واتَّبعوه ووقَّرُوه وعزَّروه وأطاعوه، بينما قريش في مكة آذَوْه وحاربوه وطردوه وكفَروا به، فما حجم الفرق بين الفريقين؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير، فعندما تتأمَّل تلك المقارنة فإنك تسأل الله تعالى التوفيق والثبات على الحقِّ في الدارين. الدرس الرابع: في موقف أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في منزله، حيث أشار أبو أيوب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون النبي في الأعلى وأبو أيوب في الأسفل وليس العكس، وذلك كله تقديرًا واحترامًا ومهابة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان أبو أيوب فعل ذلك مع النبي عليه الصلاة والسلام، فلنعمل نحن ذلك مع سُنَّته صلى الله عليه وسلم محبةً له وتوقيرًا ومهابةً، وذلك في تطبيقها والدعوة إليها والتربية عليها وعدم مخالفتها وتمام الإيمان بها. الدرس الخامس: في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وهي ابنة تسع سنين دليلٌ كبيرٌ على جواز تزويج الصغيرات إذا كُنَّ يعقلْنَ الأمر ويفهمْنَه، ودرس لجميع الأولياء الكِرام الذين تبقى بناتُهم ومولياتهم حبيسات البيوت سنين طويلة؛ نظرًا لشروط يتطلبونها هم أو بناتهم، فيا معاشر الأولياء كما تبحثون لأبنائكم عن زوجات، فابحثوا لبناتكم عن أزواج أكْفاء، ولا تزيدوا في شروط لا داعي لها، فليس من صالح الجميع أن تتأخر الفتاة أو يتأخر الشابُّ في الزواج، فالتأخُّر له سلبياته التي تتزايد كلما زاد ذلك التأخر، فالكمال عزيز، فلا بُدَّ من التنازل غير المخل والتفاؤل مطلب الجميع، وهناك زواجات عديدة لم يكمل انعقادها وتمامها؛ بل انتهت أثناء الخطبة، وكان السبب في ذلك شروطًا لا داعي لها ولا تستحق أن يُطلق عليها ثانويات، ناهيك أن تكون ضروريات، فيا معاشر الأزواج والزوجات والآباء والأمهات خفِّفُوا من شروطكم واسْعَوا إلى استثمار الخطاب ما أمكن، وعيشوا حالة التفاؤل ولا بُدَّ من مراعاة كل طرف للآخر، بارك الله لكم وفيكم، وجعلكم مباركين أينما كنتم. الدرس السادس: إن من أعظم النساء بركةً أيسرهُنَّ مؤونة، وقد كانت وليمة عائشة رضي الله عنها تقدر بالجفنة من الطعام، أتى بها سعد بن عبادة، وأيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن بن عوف: ((أوْلِمْ ولو بشاةٍ)) وعندما نُلقي نظرةً على الواقع نجده أحيانًا أليمًا وموجعًا أن تكون الولائم أضعافًا مضاعفة للحاضرين، وربما أن المتبقي منها قد لا يُستفاد منه كما ينبغي، وهذا من طِباع بعض الناس هداهم الله، أما أناس آخرون فقد قدروا تلك النِّعَم فلم يزيدوا إلا القليل، واستفادوا من ذلك المتبقي للفقراء والمحتاجين عن طريق الجمعيات الخيرية وغيرها، فحَريٌّ بنا جميعًا الابتعاد عن الإسراف ما أمكن سواء في الوليمة أو في مقدماتها من المأكولات الشعبية والمحلية. الدرس السابع: أهمية المسجد في حياة المسلم، فهو يتردَّد عليه مرارًا في اليوم والليلة، فعلينا التعرف على فضائله، فالمكث فيه عبادة، فتدعو الملائكة لك وتُصلِّي عليك، وهو في صلاة ما انتظر الصلاة، وأيضًا صلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم هي خيرٌ من ألف صلاة، فهي تعادل في غيره ستة أشهر عدا المسجد الحرام، والمسجد مصدرٌ للعلم والتعلُّم والتواصل والتكافل، فلا يكن المسجد فقط لأداء صلواتكم؛ بل امكثوا فيه في مبادرتكم للصلوات، وكذلك امكثوا بعدها وتعلَّمُوا فيه، وعلى أئمة المساجد ومؤذنيها - حفظهم الله وسلَّمَهم - أن يستشعروا تلك المسئولية من حيث تحقيق المقاصد الشرعية مما كُلِّفوا به والحرص على التوافق ونبذ الخلاف وتحقيق الائتلاف، وعليهم - وفقهم الله - إحياء مساجدهم بالكلمات الوعظية عن طريق الجمعيات الدعوية، وأيضًا من خلال حديث العصر والعشاء، فلهذه المصالح ونحوها بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد حال وصوله المدينة. الدرس الثامن: لما وسَّع عمر بن الخطاب رضي الله عنه المسجد نهى ذلك البَنَّاء أن يزخرف المسجد حتى لا يكون مُشغِلًا للمُصلِّين، وفي هذا درس عظيم لأصحاب الخير والإحسان الذين يقومون ببناء المساجد في عدم الإسراف وإزجاء الأموال في زخرفتها وتحسينها أكثر مما يلزم، ففي هذا مفسدتان: المفسدة الأولى إشغال المصلي بتلك الزخافة الزائدة، والمفسدة الثانية ضياع المال على شيء ليس له مردود، وكلا الأمرين خسارة، فعلى المحسنين ونحوهم أن تكون أموالهم مصروفةً في مكانها الصحيح، فالمساجد تختلف عن البيوت والقصور والمتاحف، فهي ليست مكانًا للزخرفة والنقوش الزائدة؛ ولذلك قال عمر لمن يبني: لا تحمِّر ولا تصفِّر، فتفتن الناس، وهذا أمر واقع، فكثرةُ الزخرفة هي فتنة ومشغلة للمُصلِّين. الدرس التاسع: إثبات معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي حنين ذلك الجِذْع وهو جماد، فكيف صدر منه هذا الصوت؟! فهو أمر خارق للعادة، فسبحان الله ما أعظمَه! لذلك كان معجزة لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وذلك كسلام الحَجَر والشَّجَر عليه في مكة، فمعرفة معجزاته عليه الصلاة والسلام تزيد من الإيمان به، وهي سببٌ من أسباب الثبات على الدين. إن من يتأمَّل تلك المعجزات يقوى إيمانُه بقدرة الله تبارك وتعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام، وكم هو جميل أن يكون للأسرة الكريمة مجلسٌ ولو أسبوعيًّا في قراءة تلك المعجزات والتعليق عليها، فهو خيرٌ عظيمٌ لهذه الأسرة. أخي الكريم، إن تأمُّلَك وقراءاتك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تعطيك بإذن الله تعالى دروسًا علمية وعملية، فحافظ على ذلك مقتديًا به متأسيًا به، ومما يُقترح عليك في ذلك قراءة كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري، فهو كتابٌ قيِّمٌ ومفيدٌ، وقد حصل على الدرجة الأولى في المسابقة العالمية، فأسلوبُه سهلٌ ومادَّتُه متميزة. أسأل الله تبارك وتعالى التوفيق للجميع، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#16 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (14) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الرابعة عشرة من برنامج (خاتم النبيين) بداية السرايا والبعوث وبعض الأحكام الشرعية بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم وبارك على خير رُسُلِه وأنبيائه وعلى آله وصَحْبه أجمعين. وقد ذكرنا في الحلقة الماضية إخواني الأكارم ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى المدينة مهاجرًا، فأوَّل ما بدأ به بناء المسجد، ثم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم حدَّد موقفه عليه الصلاة والسلام من اليهود، وكتب الوثيقة بينه وبينهم، وتعرَّضْنا أيضًا لشعيرة الأذان وكيف شُرعت، وتعرَّضْنا أيضًا لبعض الأحكام الشرعية في أول الهجرة، ونستكمل حديثنا في تلك الحلقة في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ومعاركه وسراياه، فحين استقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم وبنى مسجده وآخى بين أصحابه، وعاهد اليهود، بدأ بعد ذلك بخطوات عملية أخرى يكسب من خلالها نشر ذلك الدين والدعوة إليه، وفي الوقت نفسه أيضًا تنزل التشريعات الربانية على نبيِّه عليه الصلاة والسلام في بيان عبادتهم وفي تزكيتهم، ومن ذلك الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم بَعْثُ السرايا والغزوات، وجهاده الأعداء، وترتيبه جيشه، فإن قريشًا لا تزال تمثل عدوًّا للمسلمين، ولا يزال يحيط بالمدينة عددٌ من القبائل تدين بالولاء لقريش. وهؤلاء يمثلون خطرًا على المدينة، وحتى يأمن النبي صلى الله عليه وسلم شرَّهم شكَّل مجموعة من السرايا والغزوات؛ وذلك لتهديد قريش في طريقها إلى الشام من جهة المدينة، وضرب اقتصادها، وأيضًا إبراز قوة المسلمين وتهيئتهم، وقد ذكر ابن سعد رحمه الله أن عدد الغزوات اثنتان وسبعون غزوة، وكانت الغزوات التي قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم تسع غزوات؛ وهي: بَدْر، وأُحُد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحُنين، والطائف، وقد نزل القرآن متحدثًا عن هذه الغزوات الكبار، ففي غزوة بَدْر نزل كثير من سورة الأنفال، وفي غزوة أحد نزل قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ [آل عمران: 121] الآيات، وفي الخندق وقريظة نزل صدر سورة الأحزاب، وفي شأن الحديبية وخيبر نزلت سورة الفتح، وأشير أيضًا إلى فتح مكة في سورة النصر، وفي غزوة حُنين وتبوك نزلت آيات من سورة التوبة، وفي بني النضير شيء من سورة الحشر، وهكذا ينزل القرآن في شأن حروب المسلمين موضحًا الأحكام، مُثبِّتًا لهم، مُعزِّزًا لمواقفهم، مُبيِّنًا أحوالهم. وقد قاتلت الملائكة في غزوة بدر، قيل: كذلك في أُحُد وحُنين، وكذلك نزلت في غزوة الخندق، فزلزلوا المشركين، وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة ينذر بالدعوة بغير قتالٍ، صابرًا هو وأصحابه رضي الله عنهم على كيد المشركين وأذاهم؛ حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الحجر: 94]، ويقول الله عز وجل: ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [البقرة: 109]. فلما قويت شوكة المسلمين، واشتدَّ ساعِدُهم أنزل الله عز وجل الإذن بالقتال؛ حيث قال الله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ [الحج: 39] الآيات، قال ابن عباس رضي الله عنه: هي أول ما نزل في الإذن بالقتال، وأول ما بدأ القتال بدأ ببعث البعوث والسرايا، والسرايا جمع سَريَّة؛ والمراد بالسرية: هي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة من المقاتلين، في السنة الأولى أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سَريَّةً بقيادة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، فخرج بهم حمزة، وكان هدفهم اعتراض عِيرٍ لقريش قادمة من الشام تريد مكة، ثم تتابعت السرايا بعد ذلك واحدة تِلْوَ الأخرى لقتال المشركين، ثم في السنة الثانية من الهجرة بدأت الغزوات، وهي أكبر وأكثر عددًا من السرايا والبعوث، وهذا يدل على قوة المسلمين، وأول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم هي غزوة الأبواء، وتسمى وَدَّان، ومكانها بين مكة والمدينة، والأبواء ووَدَّان هما مكانان متقاربان، ففي البخاري: قال ابن إسحاق رحمه الله: أول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم الأبْواء، ثم بُواط، ثم العُشَيْرة، وكانت في شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة، وعددهم سبعون، ثم في ربيع الأول غزا النبي صلى الله عليه وسلم بُواط، وكان عددُهم مائتي رجل، ثم غزوة العُشَيْرة في جمادى الآخرة، وكان عددهم مائة وخمسين رجلًا في ثلاثين بعيرًا، ولم يقم النبي صلى الله عليه وسلم بعدها في المدينة إلا ليالي معدودة، حتى نزل عدد من التشريعات والأحكام تبيينًا لهذه الأُمَّة لأمر دينها، وتشريعًا لأحكامه. ففي هذه السنة الثانية حصل عدد من الأحكام الشرعية، وعدد من الغزوات والسرايا والبعوث، فمن الأحكام ما يلي: أولًا: تحويل القبلة، ففي النصف من شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة أمر الله عز وجل بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة في المسجد الحرام في مكة، فقد أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: صلَّينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا، ثم صُرِفنا إلى الكعبة؛ رواه البخاري ومسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يُصرَف إلى الكعبة، فقد كان وهو بمكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، ثم بعدها صُرِف إلى الكعبة في السنة الثانية، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يرفع طرفه إلى السماء، ويدعو ربَّه بذلك، فأنزل الله تعالى عليه قوله: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144]، وأول صلاة صلَّاها إلى الكعبة هي صلاة العصر، كما عند البخاري، وقد تأخَّر الخبر عن أهل قُباء، فلم يصِلْ إليهم تحويل القبلة إلا في وقت الفجر، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: بينا الناس بقُباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزِل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة؛ رواه البخاري ومسلم. وحصل مثل هذا لقوم من الأنصار قرب المدينة في صلاة العصر، فانحرفوا نحو الكعبة كما عند البخاري، وفي حديث تحويل القبلة حجة قوية في قبول خبر الآحاد، والعمل به؛ حيث إن البعض من الناس يعمل بالمتواتر دون الآحاد، وهذا خطأ كبير وجسيم، فخبر الآحاد إذا ثبت فهو حجة على الخلق أجمعين، وفي تحويل القبلة تخبَّط أهل النفاق واليهود يُشكِّكون، فقالوا: ما لهؤلاء، تارة يستقبلون الشام، وتارة يستقبلون الكعبة؟! فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: 142] الآية، وأما المسلمون فقالوا: سمِعْنا وأطَعْنا؛ ولكن كيف حال صلاتنا إلى بيت المقدس، وكيف بمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ [البقرة: 143]؛ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. الحكم الشرعي الثاني الذي شرع في مقدم النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة هو صيام يوم عاشوراء، فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وجد اليهود يصومون ذلك اليوم، فسألهم، فقالوا: هذا يوم نجَّى اللهُ فيه موسى وقومَه من فرعون وقومِه، فنحن نصومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نحنُ أحَقُّ بموسى منكم))، فأمر بصيامه، وجاء في فضله أنه عليه الصلاة والسلام سُئل عن صيامه، فقال: ((يُكَفِّر السنةَ الماضيةَ))؛ رواه مسلم. الحكم الثالث الذي شرع في السنة الثانية هو صيام شهر رمضان، وقد فرض بعد تحويل القبلة بشهر، فهو فُرض في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة، وكان صيامه على ثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى: التخيير بين أن يصومه المسلم، أو يُطعم عن كل يوم مسكينًا، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى بإطعام مسكين لكل يوم، المرحلة الثانية: وجوب صيامه، ولا يتناول ذلك الصائم المفطرات إلا فقط ما بين المغرب والعشاء، فإذا دخل وقت العشاء أو نام قبله حُرِّمَت عليه جميع المفطرات إلى الليلة القابلة فوجدوا مشقة كبيرة في ذلك، فجاءت المرحلة الثالثة تخفيفًا على العباد؛ وهي الصيام ما بين الفجر إلى الليل، وهو الذي استقر عليه الحال. الحكم الرابع الذي فرض في السنة الثانية من الهجرة: زكاة الفطر في شهر شعبان، وكان ذلك قبل أن تُفرَض زكاة المال؛ وهي صاع من قوت البلد على الذكر والأنثى، والحُرِّ والعَبْد، والصغير والكبير من المسلمين. الحكم الخامس الذي فرض في هذه السنة: هو زكاة الأموال ذات النصاب، فقد فرضت في هذه السنة؛ الثانية من الهجرة التي هي ركن من أركان الإسلام. إخواني الكرام، هذه أحكام شُرعت في تلك السنة الثانية من الهجرة؛ وهي تحويل القبلة، وصيام رمضان، وصيام عاشوراء، وزكاة الفطر، وزكاة المال، ولعلنا نطرح بعض الدروس والعبر مما سبق، ونستكمل المادة العلمية للسيرة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى: الدرس الأول: أن المربي حين يأمر من يربيهم بشيء من أمور التربية؛ فإنه يكون قدوةً لهم في ممازجة ذلك العمل الذي أمرهم به؛ وذلك ليقتدوا به في ذلك، حتى يحفِّزهم على العمل، ومأخذ هذا من السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه بقتال عدوِّهم لم يتأخَّر عنهم؛ بل كان قائدًا لهم في ذلك، مُطبِّقًا ما يأمرهم به، وهكذا نحتاج في تربيتنا لغيرنا عندما نُوجِّههم إلى سلوكيات إيجابية، فلنكن نحن أول من يطبق ذلك السلوك؛ ليروا ذلك حتى يطبقوه بأنفسهم، أما إذا صدر الأمر وتخلَّف التطبيق؛ فإن عزيمتهم ستضعُف عند التنفيذ. الدرس الثاني: نزل القرآن مُتحدِّثًا عن الغزوات؛ كبَدْر، وأُحُد، والخندق، وغيرها؛ تثبيتًا للمؤمنين على دينهم، وتقويةً لقلوبهم، فنحن بحاجة ماسة للتأمل والتدبر لتلك الآيات؛ ليقوى تمسُّكُنا بديننا، ويعظم ثباتُنا عليه في خضمِّ تلك الفتن في الليل والنهار، فمن قرأ وتدبَّر وتأمَّل فإنه حريٌّ بأن يستلهم الدروس والعبر، معظمًا لله تعالى، متبعًا لشرعه، ثابتًا على دينه لا تزعزعه الفتن. الدرس الثالث: نزول الملائكة في بعض غزوات النبي صلى الله عليه وسلم تقاتل مع المؤمنين يعطينا درسًا عظيمًا أن الله تعالى مع عباده المؤمنين، ينصرهم ويثبتهم، وييسِّر أمورهم، ويشرح صدورهم، وإن من أكثر ما يكون ذلك مع كثرة ذكر الله تعالى حيث ورد في الحديث القدسي: ((وأنا مَعَه إذا ذَكَرني))، وفي قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: 152]، فإذا ذكرت الله تعالى ذكرَكَ الله، وكان مَعَك، فكُنْ مُكْثِرًا من ذكر الله تعالى في ذَهابك وإيابك، ولحظات انتظارك، فهو عبادة عظيمة في أجرها، ويسيرة في تطبيقها، فما عليك إلا تحريك لسانك في تسبيح، أو تهليل، أو استغفار، أو قرآن، أو غيره من الأذكار، فلا تغفل عن هذا ليذكرك الله تعالى ويكن معك. الدرس الرابع: في أول الإسلام لم يُؤمَر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال؛ وذلك لقلة المسلمين وضعفهم، وقوة عدوِّهم؛ ولكن بعد أن قويت شوكتُهم، وكثُر عددُهم، وانتشر دينهم جاء الإذن بالقتال، وفي ذلك درس عظيم في عدم الإقدام على الأشياء التي لا يستطيعها الإنسان، ففي حياتنا اليومية نجد الإغراق أحيانًا في أشياء لا نستطيعها، وهي مكلفة لنا، وفوق طاقتنا، ومع ذلك نفعلها، فلو تم تأجيلها حتى يتسنَّى الحال المناسب لها لكان أليق وأحسن، وذلك له أمثلة كثيرة؛ كالصرف على الأولاد، فالبعض ينفق فوق طاقته تماشيًا مع حال فلان وفلان من الأغنياء والأثرياء، فلو أنفق بقدر الطاقة حتى يفتح الله تعالى عليه من رزقه وفضله لكان خيرًا له، ومثال آخر في تأثيث المنازل يسرف في هذا فوق ما يستطيع، ومثل هذا ينتظر حتى يوسِّع الله عليه من رزقه وفضله، ومثال ثالث في شراء السيارات الفارهة، ومثال رابع في بناء البيوت الشاهقة، وخامس في السفريات المكلفة، ومثال سادس في المناسبات المسرفة، وهكذا حال بعض الناس، فيقال لهؤلاء جميعًا: أدركوا أحجامَكم وقدراتكم، وكونوا معها على حدٍّ سواء. الدرس الخامس: يتضح لنا من خلال السيرة حكم شرعي في الصلاة؛ وهو لو أن الإنسان جهل القبلة، فبحث، فلم يجد ما يدُلُّه عليها، فتحرَّاها واجتهد في ذلك وصلى، ثم جاءه أحد، وأشار عليه بأن القبلة عن يمينك، فليستدر إلى يمينه، وهو يصلي، وليبن على صلاته، وما مضى من صلاته فهو صحيح؛ حيث استدار أهل قُباء في صلاتهم، وبنوا على ما سبق منها. الدرس السادس: في انحراف أهل قُباء للقبلة، وهم في صلاتهم عندما أتاهم آتٍ، وأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت إلى الكعبة، في ذلك حسن الاستجابة لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو واجب المسلم الحق إذا علم شيئًا عن الله تعالى ورسوله، فإنه يُسارع في الاستجابة لذلك، ولا يتوانى، ولا يتأخَّر، والله عز وجل يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]. فيا أخي الكريم، كلنا نقرأ القرآن، وشيئًا من السُّنَّة، ونسمع كلام أهل العلم والوعظ والإرشاد، فبعضنا - مشكورًا مأجورًا - يُفلِح في الاستجابة، ويُسارع فيها، ويدعو إليها، وهذا من فضل الله تعالى عليه، والبعض الآخر يقرأ وربما تجاهل حاله التي هو عليها، فهو يسمع عن تحريم الإسبال ويستمر عليه، ويسمع عن تحريم الغناء ويستمر عليه، ويقرأ في تحريم الغِيبة والكذب ويستمر عليهما، ويقرأ ويسمع في تحريم القطيعة والعقوق وهو على ذلك، وهكذا بقية الأحكام، فإلى متى عدم الاستجابة وضعفها؟! فاستثمر وقتك ما دمت في زمن الإمكان، وقبل زوال الأوان، ولو عُرِض على أصحاب القبور الذين لم يستجيبوا أن يرجعوا ليستجيبوا، لافتدوا ذلك بالدنيا كلها؛ ولكنهم إليها لا يرجعون، فما دمت يا أخي الكريم في زمان يمكنك فيه الاستجابة، فسارع إليها قبل أن تحطَّ رِحالَك في زمان ومكان لا يمكنك الاستجابة والرجوع. الدرس السابع: لا تقوم الحجة على المكلف حتى يبلغه الحكم الشرعي، فتحويل القبلة بدأ بصلاة العصر في المدينة، وأهل قُباء لم يبلغهم ذلك إلا في صلاة الصبح من الغد، فصلَّوا العصر والمغرب والعشاء إلى القبلة الأولى إلى بيت المقدس، فلم يؤمروا بالإعادة، فدلَّ ذلك على أن الحجة لا تقوم حتى يبلغ المكلف الخبر. الدرس الثامن: في فرضية الصيام، وتخفيفه في نهاية الأمر مظهر عظيم من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده؛ حيث شرع ذلك الركن، فلما شقَّ عليهم في أول الأمر خفَّف عنهم برحمته، وواسع فضله عز وجل، وهكذا في كثير من الأحكام؛ لأن الله عز وجل رؤوف بعباده، غفور لذنوبهم، رحيم بهم، ومتى سأل المسلم ربَّه الرحمة أعطاه إياها، فكل النعم رحمة من الله تعالى بعباده، ومن مظاهر رحمة الله تعالى بعباده في الأحكام الفطر في السفر والمرض، وأيضًا كذلك من مظاهر الرحمة قصر الصلاة في السفر، وكذلك المسافر والمريض يكتب لهما ما كان يعملان صحيحين مقيمين، ومن مظاهر الرحمة مضاعفة العمل إلى عشرة أضعافه وهكذا يتتابع عدد من المظاهر في رحمة الله تعالى بعباده، فلله الحمد رب العالمين على رحمته وسعة فضله بعباده. الدرس التاسع: في دراسة السيرة النبوية تظهر مظاهر القدرة الإلهية في نصرة الله تعالى لعباده وأنبيائه وأوليائه وتسديدهم وتيسير أمورهم، فمن آمن وأسلم، فإن الله عز وجل معه بنصره وتأييده، ومن كفَر وعاند، فإن الله عز وجل يخذله ويمكر به، أخي الكريم كم هو جميل أن يكون لك مع أسرتك الكريمة قراءة وجلسة، ولو مرة في الأسبوع في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ للتعرف على هذا الخُلُق الكريم، والمعاملة الحسنة، والتعبُّد والنُّسُك لنبينا عليه الصلاة والسلام، وصحابته رضي الله عنهم مع ما يحصل مع هذا من تصحيح المفاهيم والتصورات، وما يصحب ذلك من نزول السكينة، وغشيان الرحمة، فاحرص أخي الكريم على ذلك، فما أحوجنا إلى مثل هذا! تربيةً لنفوسنا أولًا، ولمن تحت أيدينا ثانيًا، وأيضًا هو علم نتقرَّب به إلى الله تعالى، وكم هو جميل أن يكون ذلك المقروء مسابقة بين الأولاد لتحفيزهم وتشجيعهم! ومما يقترح في ذلك كتاب الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري، وقد كان هذا الكتاب قد حاز المركزَ الأول في المسابقة العالمية في السيرة، أو أن تكون القراءة في كتاب مختصر ككتاب " نور اليقين في سيرة سيد المرسلين "، وسيستفيد الجميع زيادة على ما ذكر الثبات على دين الله تعالى والاستمساك به، فإن الإنسان إذا قرأ في الكتاب والسنة، ثم في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يتعرف على كثير من أسباب الثبات على دين الله؛ لأن هؤلاء الصحابة الكِرام كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبتوا بتوفيق الله تعالى لهم، فما أحوجنا إلى أن نكون كذلك في زماننا هذا! أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من عباده المفلحين، الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، اللهم أوصلنا إلى دار السلام بسلامٍ، وبارك لنا في أعمالنا وأعمارنا، واغفر لنا، وارحمنا ووالدينا والمسلمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#17 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (15) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الخامسة عشرة من برنامج (خاتم النبيين) القدوم على المدينة بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين على إحسانه، والشُّكرُ له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم وبارك على خير أنبيائه، وعلى آله وصَحْبه وأتباعه إلى يوم الدين. وقد سبق معنا - إخواني الأكارم - في الحلقة الماضية الكلام عن قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ حين الهجرة، وكيف استقبله أهل المدينة ذلك الاستقبال الحافل المفعم بالبهجة والفرحة، وأيضًا سبق معنا أين نزل النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف نزل، وأيضًا كيف بنى المسجد والحجرات، ونستكمل في هذه الحلقة شيئًا من أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة في أول أيامه، فبعد بناء المسجد وتأسيسه شَرع النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ حيث إن المهاجرين لما هاجروا من مكة تركوا كثيرًا من أموالهم في مكة، فكانوا بحاجة إلى مؤازرة إخوانهم من الأنصار، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجد حلًّا لهذه الحالة المادية عند المهاجرين، فعَقَد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقد عُقِدتْ تلك المؤاخاة في دار أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال آخرون: إنها عُقِدتْ في المسجد، وقد وصلت تلك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إلى حد التوارُث، فكان يَرِث المهاجريُّ الأنصاريَّ، والأنصاريُّ المُهاجِريَّ، وهو ليس من رَحِمِه؛ ولكن بسبب المؤاخاة، فنُسِخ ذلك بقول الله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ﴾ [الأنفال: 75]، وكانت تلك المؤاخاة مظهرًا شريفًا ورائعًا من مظاهر حسن الإسلام، والتعاون على البر والتقوى والتكافل الاجتماعي، فجاءت تلك المؤاخاة لتزيل عن المهاجرين وَحْشةَ الغُرْبة، وأُنْسًا لهم عن مفارقة الأهل والعشيرة، ومن نماذج تلك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ما حصل بين أبي عبيدة بن الجرَّاح وأبي طلحة رضي الله عنهما، وأيضًا ما حصل بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع رضي الله عنهما، وقد تكون المؤاخاة أحيانًا بين المهاجرين أنفسهم بعضهم مع بعض، فالأعلى مع الأدنى، وكانت المؤاخاة مع تسعين إلى مئة من الصحابة رضي الله عنهم، وقد سجَّل الأنصار مواقف نبيلة في البذل والعطاء لإخوانهم المهاجرين، كما سجَّل المهاجرون مواقف مماثلة في الشكر وردِّ المعروف للأنصار، وفي الصحيحين وغيرهما قصة سعد رضي الله عنه حين عَرَض على أخيه عبدالرحمن بن عوف أن يُناصفه أهلَه ومالَه، فعَرَض عليه رضي الله عنه أن يُناصفه هؤلاء الأهل وهذا المال، فيتركه لعبدالرحمن بن عوف، فقال له عبدالرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلِكَ ومالِكَ؛ ولكن دُلُّوني على السوق، فذهب إلى السوق فربِح فيه ربحًا كثيرًا. ومن نماذج المؤاخاة أن الأنصار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين النخيل، فأبى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال الأنصار للمهاجرين تبرعًا منهم: تكفوننا المؤونة والسقي، ونشرككم في الثمرة؛ رواه البخاري. فشاركوهم في المؤونة وشاركوهم في الثمرة، إن تلك المؤاخاة قد أذابَت العصبية والقبلية بصورة عملية واقعية رائعة، فما أحوجنا في زماننا هذا إلى المؤاخاة المعنوية التي تذيب القبلية والعصبية للجنس أو البلد، والمقياس في ذلك هو التقوى، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]. وهؤلاء الأنصار سموا بذلك؛ لأنهم نصروا دين الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم حبَّهم علامةً على الإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يُحِبُّهُمْ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُهُمْ إلَّا مُنَافِقٌ))؛ رواه البخاري، وأيضًا دعا لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((اللهُمَّ اغفِرْ للأنصار ولأبناءِ الأنصار ِولأبناءِ أبناءِ الأنصارِ ولنساءِ الأنصار))؛ رواه البخاري، وقال أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام: ((آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصار، وآيةُ النِّفاق بُغْضُ الأنصارِ))؛ رواه البخاري ومسلم، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أحَبَّهم أحَبَّه اللهُ، ومَن أبْغَضَهم أبْغَضَه الله))؛ رواه البخاري ومسلم. فهذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وهي العمل الثاني الذي أسَّسَه النبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى المدينة وذلك بعد العمل الأول والأهَمِّ وهو بناءُ المسجد، أما العمل الثالث الذي عمله النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى المدينة فهو المعاهدة وكتابة الوثيقة مع اليهود في المدينة؛ حيث إنه لمَّا وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان بها عدد كبير من اليهود، وحيث نظَّم النبي صلى الله عليه وسلم العلاقة بين المهاجرين والأنصار كان لا بُدَّ أن يُنظِّم العلاقة مع غير المسلمين، واليهود أبرزُهم؛ وذلك ليأمَن شرَّهم وحتى تكون تلك المعاهدة حُجَّةً للنبيِّ عليه الصلاة والسلام في معاملتهم بما يستحقون. وهذه الوثيقة يُصحِّحها قوم من أهل العلم، وربما ضعَّفَها آخرون، وكان من بنود تلك الصحيفة ما يلي: أولًا: أنَّ مَن خالف تلك الصحيفة فإنه يُحارب ويُقاتل، ثانيًا: من بنود تلك الصحيفة أن يكون بينهم النصح والبر دون الإثم، ثالثًا: أن جوف المدينة حرام على اليهود، رابعًا: أن الجار كالنفس غير مضارٍّ ولا آثم، خامسًا: أن ما كان من خلاف في هذه الصحيفة أو شجار فمردُّه إلى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، سادسًا: أن من خرج من المدينة فهو آمن، وقد بلغت بنود الصحيفة قرابة بضعة وثلاثين بندًا كلها في تنظيم الحياة مع اليهود؛ ليعيش المجتمع المدني آمنًا عابدًا لربِّه مطمئنًّا مستكينًا، وبهذه الحكمة أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قواعدَ وأسَّس هذا المجتمع المسلم، وأيضًا كذلك في السنة الأولى من الهجرة شُرع الأذان، فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاةَ، ليس يُنادى لها، فتكلَّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال آخرون: بل بُوقًا مثل بُوق اليهود"؛ متفق عليه. ثم جاءت بعد ذلك رؤيا عبدالله بن زيد رضي الله عنه؛ حيث رأى صفةَ الأذان المعهود في منامه، فلما أصبح حدَّث بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنها لرؤيا حَقٍّ إن شاء الله، قُمْ فألْقِ على بلال ما رأيتَ، فليؤذن؛ فإنه أندى صوتًا منك))، فقمتُ مع بلال، فجعلتُ ألقي عليه ويُؤذِّن، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ذلك حينما سمِعَ ذلك فقال: والذي بعثك بالحق، لقد رأيتُ مثل ما رأى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فللهِ الحمدُ))، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربعةٌ من المؤذِّنين؛ وهم: بلال، وابن أُمِّ مكتوم بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ بقُباء. وفي فضل الأذان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإنَّه لا يَسْمَع صوتَ المؤذِّنِ جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيء إلا شهِدَ له يومَ القيامة))؛ رواه البخاري، ويُسَنُّ لمن يسمَع الأذان خمس سُنَن؛ وهي: أولًا: المتابعة للمؤذِّن، ثانيًا: أن يُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان مباشرة، ثالثًا: أن يقول: اللهُمَّ رب هذه الدعوة التامَّة والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابْعَثْه مقامًا محمودًا الذي وعدْتَه، رابعًا: أن يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، خامسًا: أن يدعو بما شاء، فهذه خمس سُنَن في الوقت الواحد، وفي اليوم والليلة خمس وعشرون سنة، فحافظ عليها. ولما قدم المهاجرون المدينة استنكروا ماءها، وقد كان هناك عين رومة، وهي لرجل من بني غِفار، وكان يبيع القِرْبة منها بمُدٍّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((تبيعنيها بعين في الجنَّةِ))، فقال: ليس لي ولعيالي مال غيرها، فبلغ ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: تجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: ((نَعَم)) فاشتراها عثمان رضي الله عنه بخمسة وثلاثين ألف درهم، وجعلها للمسلمين. ومن الأحكام التي حصلت في أول الهجرة أن الصلاة زِيدت من ركعتين في أول الأمر إلى أربع ركعات بعد الهجرة، وذلك في الظهر والعصر والعشاء، إلا المغرب والفجر فبقيت على عددها، وكانت تلك الزيادة إنما هي في الحضر، وأقرت ركعتين في السفر، وكان اليهود يضمرون العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أشدهم حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر، وسلام بن مِشْكم، وكعب بن الأشرف ونحوهم من أكابر اليهود، فكانوا يُثيرون البلبلة عند المسلمين، ومن ذلك قول بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بمحمدٍ غدوةً، ونكفُر بالعشية حتى نلبس عليهم دينهم، فنزل قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [آل عمران: 72]، فعداوة اليهود متأصِّلة على المسلمين قديمًا وحديثًا، والله تعالى يقول: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، فهم لا يرضيهم إلا الخروج من الإسلام واتِّباع اليهودية والنصرانية، فمتى يعي المعجبون بهم ذلك ويبتعدون عن موالاتهم والتشبُّه بهم ليسلم لهم دينهم؟! فإن تولوهم فهم على خطر عظيم وجسيم. إخواني الكرام، لعلنا نستخرج بعض الدروس والعِبَر والفوائد مما سبق، ونستكمل مادتنا العلمية في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فمن الدروس ما يلي: الدرس الأول: إن تلك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هي من محاسن الإسلام، فهو ترابُط رُوحي وجسدي، وإن كان ذلك بينهم رضي الله عنهم، فإن التآخي باقٍ عند المسلمين إلى يوم القيامة تكافلًا وترابُطًا ونُصْحًا وتوجيهًا وإعانةً، وهذا من المحاسن الكُبْرى للإسلام التي من خلالها يكون جسدُ الأمة جسدًا واحدًا متماسكًا، فالمجتمع هو أنا وأنت، فإذا كنا متكاتفين؛ فسيسعد المجتمع، ويكون لُحْمةً واحدةً، ومن مجالات ذلك التماسُك التوجيه التربوي والتكافُل المالي من الصدقة والزكاة وغيرهما، وأيضًا إغاثة الملهوف، وإعانة العاجز، وزيارة المريض، وصِلة الرَّحِم، وإظهار حقِّ الجار، وبَذْل السلام، وبذل المعروف، ونحو ذلك، فلو أن تلك المجالات ظهرت ظهورًا واضحًا في المجتمع لصار المجتمع سعيدًا، يشعُر بإخوانه من حوله، فلنجتهد على إظهارها، فابدأ بنفسك ولا ترتبط بالآخرين فلك أجرك وثوابك الجزيل عند الله تعالى، ولو لم يعمل بها إلا أنت، فإذا رآك الآخرون اقتدوا بك، فكسبت مثل أجورهم. الدرس الثاني:إن إسداء المعروف يستوجب الشكر عليه؛ ليتكرر ذلك المعروف، ومأخذ هذا من أحداث الهجرة أن الأنصار لما قاموا بخدمة المهاجرين رضي الله عن الجميع وضيَّفوهم أجزل المهاجرون الشكر للأنصار على صنيعهم الجميل، وهكذا كُلَّما أسدى أحدٌ إليك معروفًا ولو صغيرًا فاشكره عليه، فإن هذا الشكر له أثر كبير على النفوس وتقوية لها، وكن شاكرًا دائمًا لصاحب الإيجابية حتى ولو كانت الإيجابية على غيرك فشُكْره تعزيزٌ له، وبعضنا قد يعاتب على السلبية إذا رآها ولا جناح؛ لكن قد لا يشكر على الإيجابية إذا رآها فلا بُدَّ من التوازن بين الشكر والعتاب، وما أجمل أن ترى عملًا طيبًا حسنًا لشخص ما فتُزجي شكرك له وثناءك عليه! فسيتضاعف لديه النشاط والجهد في تكرار ذلك العمل الإيجابي، فيكون لك مثل أجره، فلنكن جميعًا كذلك - جزيتم الجنة - لتكثُر إيجابياتُنا. الدرس الثالث:في قول عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: دُلُّوني على السوق، عندما عرض عليه أخوه سعد بن الربيع أن يُناصفه ماله وأهله، في ذلك درس عظيم على العمل والنشاط ونَبْذ الكسل، فإن الحياة قد تثقل أحيانًا بمتطلباتها ومستقبلها من زواج وسكن ونفقات وغيرها، فعلى شبابنا المبارك أن يبحثوا عن العمل في جميع المجالات، ولا يتوقف على مجال وظيفي معين، فبعض الشباب قد يرغب في مجال من العمل فينتظره وقتًا طويلًا فتسير الحياة ويتسارع الزمن وهو ما زال في الانتظار، وهذا خطأ واضحٌ جليٌّ، فإن كنت أخي الشاب تنتظر ما تريده وترغبه من العمل، فإنك حين انتظارك يجب أن تعمل عملًا آخر تكسب من خلاله شيئًا من المال؛ حتى لا تخسر المال والعمل جميعًا، فالأعمال الحرة متنوعة وواسعة ومتشكلة، فانظر ما يناسبك منها، وكن مع ذلك منتظرًا لما تريده وترغبه من الوظيفة الأخرى. الدرس الرابع:في حدث المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار زالت - وكأن لم تكن - تلك العصبية القبلية، فإنها إن تعززت أفسدت، فهي ليست مقياسًا للفضل والرفعة، وإنما المقياس الحقيقي، هو في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، فللنسب شرفه ورفعته؛ لكنه ليس مقياسًا للتفاضل بين الناس، فانظر إلى التقيِّ نظرةَ احترامٍ وتقديرٍ، ولو كان من أقل الناس نسَبًا، وانظر إلى الشقيِّ نظرةَ إشفاقٍ، ولو كان من أرفع الناس نسَبًا، فالفضل في التقوى والعمل الصالح. الدرس الخامس:إن حبَّ الأنصار علامةٌ على الإيمان، وحبهم عبادة وقُرْبة إلى الله تعالى، وعلامة حُبِّهم اتِّباعهم؛ حيث إن المحبة ليست ادِّعاءً فقط باللسان، وإنما لا بُدَّ أن يتوافق اللسان مع الجوارح لتصدق المحبة، فمَن أحبَّهم وخالفَهم فليس صادقًا في محبَّتِه، فمحبَّتُهم مع اتِّباعهم إيمان، وبُغْضهم نِفاقٌ، ومَنْ أحبَّهم يكسب بحُبِّهم أن الله عز وجل يُحِبُّه، ومن أبغضَهم أبغضَه الله كما ثبَت ذلك كله في الأحاديث الصحيحة. الدرس السادس:الرؤيا هي من طرق الوحي إذا رآها نبيٌّ من الأنبياء أو أقرَّها ذلك النبيُّ، فهذه شعيرة الأذان جاءت في رؤيا أحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فأقَرَّها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فصارت شريعةً ظاهرةً لهذا الدين، وعلى المسلم إذا رأى رؤيا، فإن كانت حسنةً وصالحةً أخبر بها مَن يُحِب، وسأل عن تعبيرها، وإن كانت سيئةً كتَمَها وتعوَّذ بالله من الشيطان، ونفَث عن يساره ولم يسأل عنها، فإنها بذلك لا تضرُّه، في حين أن البعض من الناس - هداهم الله - يتحدَّثون بكل ما يرون، ويسألون عن كل ما يرون، وهذا جانب من الخطأ الذي يجب تعديله؛ حتى لا يحصل ما يكرهه. الدرس السابع:الأذان شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام، وله فضل عظيم، وحيث إنه كذلك فينبغي علينا الاعتناء بالأذان من عدة جهات؛ من جهة المؤذِّن في أمانته في ضبطه للوقت، ومن جهة المستمع أيضًا في متابعته وتطبيق سُنَنه الخمس المشهورة المعروفة، في حين أن بعض الناس قد يسمع المؤذِّن ثم ينشغل بأحاديث جانبية ثانوية يمكن تأجيلها حتى يتابع المؤذِّن ويَنال الأجر العظيم؛ بل لو كان في سيارته فسمِع المؤذِّن فوقف قليلًا ليتابع وينال ذلك الأجر العظيم وهو دخول الجنة لكان أمْرًا حَسَنًا طيبًا، فاحرص على ذلك فهو من الأعمال الصالحة المتكررة، وعلينا التسابُق إلى الأذان كما كان يفعله الصَّحْب الكِرام. الدرس الثامن: بيان حرص عثمان بن عفان رضي الله عنه على استثمار المواقف الصالحة، ومأخذ ذلك من حدث الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن كانت له بئر رومة: ((بِعْنِيها ولك عينٌ في الجنَّةِ))، فاعتذر عن هذا، فاشتراها عثمان رضي الله عنه وسَبَّلَها للمسلمين، فالحرص على سقي الماء وحفر الآبار هو عمل صالح جليل رائع، ففي كل كبد رطبة أجْر، فبذلك سقيت الظمآن، فأنت قد أطعمته وأدخلت عليه السرور، ونلت أجر الصدقة عليه، ومن فرص ذلك وضع البرَّادات في أماكنها المناسبة، وأيضًا إيصال الماء المعلَّب إلى العمالة الذين يعملون في الطرق ونحوها، وأيضًا التصدق به على الفقراء والمساكين، وأيضًا ما يتعلق بالمساجد وروَّادها، والاحتساب في بذله في المناسبات الكبيرة والصغيرة، وإن أمرًا آخر قد ينساه كثيرٌ من الناس، وهو ما تضعه في بيتك لنفسك وأولادك فاحتسبه صَدَقةً، فهو يكتب لك كذلك، ويجري على ذلك سائر النفقات على الأولاد، ففي الحديث المتفق عليه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنْفَقَ الرجلُ على أهلِه نفقةً يحتسبها فهي له صَدَقة))؛ متفق عليه، فلنحتسب في نفقاتنا على أولادنا باستحضار النية بأنها صدقة عليهم، وقيام بواجب النفقة، فقد ينفق بعضُ الآباء الآلاف من الريالات على أولاده، فليحتسبها لتكون له صَدَقةً كما في الحديث السابق، واحتسابُها أن يمُرَّ على قلبه أن هذه صَدَقةٌ على أولاده. الدرس التاسع: بيان عداوة اليهود للمسلمين، وكيف أساءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصَحْبه الكِرام؛ حيث إنهم آذوه وحاولوا قتله، وأساءوا إلى دين الإسلام، وحاولوا تفريق الأمة وبثهم للسُّمِّ الزُّعاف في إنتاجهم الثقافي، ومع ذلك كله نجد مع الأسف من المسلمين من يميل إليهم ويواليهم، وكيف يفعل ذلك وقد عملوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ودينه وصَحْبه ما عملوا، فهؤلاء أحفاد أولئك، والحية لا تَلِد إلا حيَّةً، فعداوتهم وبغضهم والبعد عنهم هو قربة يتقرَّب بها المسلم إلى ربِّه، والله عز وجل يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ [المائدة: 51]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ [المائدة: 51]، فهذا وعيدٌ شديدٌ يخشى المسلم على نفسه من تلك الموالاة لهم أن يختم له بها، أو يأتيه من فساد قلبه ما يأتيه من خلال موالاته لهم، وكافيك أنهم نسبوا الفقر إلى الله تعالى، وقد قتلوا بعض أنبيائهم، وكتموا العلم، وحرَّفوا كتابهم، وكفروا بالله عز وجل، فكيف بعد ذلك يأتي مَن يواليهم على حساب دنيا حقيرة قليلة فانية؟! فليحذر أولئك أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي منهج يسير عليه المسلم تزكيةً لنفسه وسلامةً لقلبه وشرحًا لصدره وتصحيحًا لمفاهيمه، ماذا أخي الكريم لو قرأت في كل يوم ولو عشر دقائق أو صفحةً من كتاب، فستدرك بذلك شيئًا كثيرًا وجليلًا وجميلًا من السيرة النبوية في وقت يسير، فابدأ واستمر فأنت تقرأ سيرة أعظم رجل في التاريخ وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وما تقرؤه اذكره في مجالسك لتفيد وتستفيد، وهذا من طلب العلم ونشره فسيُيسِّر الله تعالى لك به طريقًا إلى الجنة، وأيضًا أن يكون لك مع أولادك مجلسٌ في هذه السيرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك تستخرجون الدروس والعِبَر، فأنتم بذلك تكونون سببًا في حضور الملائكة إلى مجلسكم وغشيان الرحمة عليكم، وأيضًا تنزل عليكم السكينة ويذكركم الله تعالى فيمن عنده، وأيضًا يتربَّى الأولاد على تلك السيرة النبوية، وتُصحِّح مفاهيمهم، ويحظون بالأعمال الصالحة من خلال إرشادات هذا النبي الكريم، ومن خلال اقتداء الصحابة رضي الله عنهم به عليه الصلاة والسلام، فما أجمل تلك الجلسات أن تكون في بيوتنا وبين أولادنا ومع إخواننا وزملائنا! فهي لا شكَّ خيرٌ عظيمٌ. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنَه، وصلى الله وسلم، وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#18 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (16) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة السادسة عشرة من برنامج (خاتم النبيين) شيء من تفاصيل غزوة بدر بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على مَن بعثه الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: ذكرنا في الحلقة الماضية الكلام عن غزوة بدر وخصائصها وتاريخها وأسبابها، وأيضًا ذكرنا عددَ كلٍّ من المسلمين والمشركين، وأيضًا كيف سارع الصحابة الكِرام رضي الله عنهم لهذه الغزوة، وكيف كان ترتيب جيش المسلمين، وما شعارهم، إلى آخر ما تم ذكره، والآن في حلقتنا هذه نزدلف في تلك الغزوة العظيمة إلى بعض تفاصيلها؛ فقد خرج المسلمون إلى ملاقاة عير أبي سفيان، فلم يستعدوا للقتال، ولا ظنوا أنهم سيلقون قتالًا؛ ولكن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشًا خرجت من مكة بلفِّها ولفيفها لملاقاة المسلمين، ومنعهم من العير، فعند ذلك استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم، فكره بعضهم القتال؛ لأنهم لم يستعدوا له، فما خرجوا إلا لفئة قليلة وهم حُرَّاس العير، فلما علموا بخروج قريش كرهوا ذلك؛ لعدم المكافأة، وأيضًا للضعف في الاستعداد، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾ [الأنفال: 5]، وقد أشار الكثيرون من الصحابة على النبي صلى الله عليه وسلم بأننا معك مقاتلون ومدافعون، ولو خضت بنا هذا الوادي لخضناه معك مع أن المكافأة بين الجيشين غير متساوية؛ فعدد الكفار يزيد على ألف رجل، أما عدد المسلمين فهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، فلا مكافأة بينهم في العدد، وكذلك لا مكافأة بينهم في العتاد، فالكفار معهم مئة فرس وستمائة درع وجِمال كثيرة، وأما المسلمون فمعهم فرسٌ واحدٌ مع المقداد بن عمرو رضي الله عنه، وشيءٌ يسير من الجِمال، ومع عدم المكافأة في العدد والعتاد، فقد أراد الله تعالى نصر هذه الفئة المؤمنة؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123]؛ بل في صحيح مسلم قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُرينا مصارع القوم قبل المعركة بيوم، فيقول: ((هذا مَصْرعُ فلان، وهذا مصرعُ فلانٍ))، فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم. وارتحل جيش المسلمين حتى نزلوا بالعدوة الدنيا في بدر، والمشركون بالعدوة القصوى، والعدوة الدنيا هي القريبة من المدينة، وأما القصوى فهي القريبة من مكة، وحيث أصاب المسلمين عطش وضعف، فأنزل الله تعالى المطر في تلك الليلة على المسلمين، فشربوا وارتووا وتلبَّدت أرضهم وقويت؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ [الأنفال: 11] الآية، فشربوا وارتووا وقويت نفوسهم وتلبَّدت الأرض فزال غبارها، وتحرك المسلمون قليلًا حتى استولوا على بئر بدر، وبعد أن نزل المسلمون عند ماء بدر واستقر أمرهم أشار سعد بن معاذ رضي الله عنه ببناء العريش للرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليكون ذلك العريش مقرًّا للقيادة، وبُني العريش من الجريد، وكان على مرفع من الأرض يطل على المعركة، فدخله النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وجلس حول ذلك العريش سعد بن معاذ ونفر من الأنصار ومعهم سيوفهم يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجهز الجيش في تلك الليلة وهي ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان وصبيحتها المعركة بين المسلمين والكفار، وفي تلك الليلة نزل النعاس على المسلمين فناموا جميعًا، وكانت ليلة آمِنة، فاخذوا قسطهم من الراحة والنوم، قال الله تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾، يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما فينا فارس يوم بدر إلا المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم- يعني في تلك الليلة- وهذا من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين؛ ليرتاحوا قبل غزوتهم، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد بات تلك الليلة يصلي تحت شجرة، يتضرع إلى الله تعالى ويُكثر من قوله: ((يا حي يا قيوم)) يكرر ذلك حتى أصبح، فلما أصبحوا في يوم الجمعة يوم الغزوة، يوم الفرقان، يوم القتال، وهو اليوم الذي التقى فيه الجَمْعان، وكل جيش قد تأهَّب لقتال الجيش الآخر، نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: ((الصلاةَ عبادَ اللهِ))، فجاءوا فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد الصلاة حرَّضَهم على القتال وحثهم عليه، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه يصفون جنودهم؛ لملاقاة عدوِّهم، وأمر أصحابه ألا يبدأوا القتال حتى يأمُرَهم، وفي صحيح البخاري أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: ((إذا أكسبوكم- أي: دنوا منكم- فارْمُوهم واستبقوا نَبْلكم))، وفي صبيحة هذا اليوم جاءت قريش إلى وادي بدر استعدادًا للقتال والمواجهة، فلما رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهُمَّ هذه قريشٌ قد أقبلَتْ بخُيلائها وفَخْرها تُحادُّكَ وتُكذِّبُ رسولَك، اللهم فنصرَك الذي وعَدْتَني، اللهم أحِنْهُم الغَداةَ)) فلما وصل جيش قريش إلى ميدان المعركة بعثوا عمير بن وهب يستطلع من بعيد على جيش المسلمين، وعن عددهم وعتادهم، فتجوَّل عمير حول العسكر، فرجع إلى قومه، فقال: القوم ثلاثمائة، يزيدون قليلًا أو ينقصون قليلًا، وقال لهم: يا معشر قريش، رأيت البلايا تحمل المنايا، نواضح المسلمين تحمل لكم السم الناقع، فأروا رأيكم، فلما سمع حكيم بن حزام ذلك أشار على عتبة- وكان من كبار قريش- أن يرجع بالناس ولا يُقاتل المسلمين، فقال عتبة: اذهب إلى أبي جهل فإنه لا يصرف الناس غيره، ثم قام عتبة خطيبًا فيهم فقال: أيها الناس، إني أرى قومًا مستميتين، لا تصلون إليهم وفيكم قوة، فلما سمع أبو جهل كلام عتبة قال له: أنت تقول هذا يا عتبة؟! وهل امتلأ جوفك رعبًا وخوفًا؟! فلا نرجع حتى نقاتلهم وقد جبنت يا عتبة، فقال عتبة لأبي جهل: إِيَّايَ تُعَيِّرُ يَا مُصَفِّرَ اسْتِهِ؟! ستعلم أينا الجبان، ومعنى مُصفِّر استه؛ أي: كلمة تقال للمترف المتنعم الذي لم يجرب الشدائد. فأفسد أبو جهل رأي عتبة، فتغلب الطيش على الحكمة، وأول قتيل في هذه المعركة هو الأسود بن عبد الأسد من المشركين، وكان رجلًا شرسًا سيِّئ الخُلُق، فقال: أعاهد الله، لأشربن من حوض المسلمين أو لأهدمنه حتى يظمئوا أو أقتل دونه، فلما خرج إلى الحوض لهدمه خرج إليه حمزة رضي الله عنه، فضرب حمزة قدم الأسود حتى قطع رجله، ثم حبا عتبة إلى الحوض ليبر بيمينه، ثم قتله حمزة رضي الله عنه داخل الحوض، فكان هذا أول قتيل في معركة بدر، ثم بعد ذلك بدأت المبارزة، فخرج ثلاثة من خيرة فرسان قريش وهم: عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، وابنه الوليد بن عتبة، وخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار وهم: عوف ومعاذ ابنا الحارث، وعبدالله بن رواحة رضي الله عنهم، فكأنهم استصغروهم، فقالوا: يا محمد، أخرج لنا أكفاءنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي، فبارز عبيدة عتبة، وبارز علي الوليد بن عتبة، وبارز حمزة شيبة، فأما حمزة وعلي رضي الله عنهما فقد قتلا صاحبيهما مباشرةً، وأما عبيدة مع صاحبه فاختلفا ضربتين فجرح كل منهما صاحبه، ثم كرَّ حمزة وعلي على عتبة فقتلاه، وفي هؤلاء الستة نزل قول الله تعالى: ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ ﴾ [الحج: 19] الآيات؛ رواه البخاري ومسلم. وهكذا فقد المشركون ثلاثة من أكبر فرسانهم في أول القتال دفعة واحدة، فاستشاطت قريش غضبًا، وتزاحف الجيشان والتقى الصفَّان، ودنا بعضهم من بعض، ولما اشتدَّ القتال استفتح أبو جهل فقال: اللهم أقطعنا للرحم فأَحِنْه الغداةَ، فنزل قول الله تعالى: ﴿ إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾ [الأنفال: 19] الآية، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام، فما زال يناشد ربَّه قائلًا: ((اللهم أنجِز لي ما وعدْتَني، اللهم إني أَنْشُدُكَ عهدَك ووعدَك))، واجتهد في الدعاء حتى سقط رداؤه عليه الصلاة والسلام، فقال له أبو بكر وقد أشفق عليه: حسبك يا رسول الله؛ فإن الله عز وجل سينجز لك ما وعدك، وفي تلك الأثناء نزل خيار السماء من الملائكة، فقد روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد دعائه هذا أغفى إغفاءة يسيرة، ثم انتبه، فقال: ((أبْشِر يا أبا بكرٍ، أتاكَ نصرُ الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثَنياه النَّقْع))؛ أي: الغبار؛ أخرجه البخاري، هكذا بدأ الهجوم الكاسح من المسلمين على المشركين، والرسول عليه الصلاة والسلام يُبشِّر أصحابه بقوله: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45]، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب، ثم رماها في وجوه القوم، فما من أحد إلا وأصابت عينيه، فقال: ((شاهت الوجوه))؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]، وقتل من صناديد قريش سبعون، وأُسِر منهم أيضًا سبعون أسيرًا، وأما المسلمون فقد استشهد منهم أربعةَ عشرَ رجلًا، وكان أيضًا من نتائج بدر أن الأعداء صاروا يخافون من المسلمين وفي أثنائها أيضًا وبعدها أسلم الكثيرون، ولما انتهت المعركة دَفَن النبي صلى الله عليه وسلم أربعةَ عشرَ رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في بئر خبيثة في بدر؛ كما رواه البخاري. وبعد ثلاثة أيام من بدر رجع النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة رضي الله عنهم إلى المدينة وهم يصطحبون الأسرى من بدر، ولما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم أبناء العم والعشيرة، فأرى أن تأخذ منهم الفدية وتُطْلِقهم، ولعل الله أن يهديهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما ترى يابن الخطاب؟)) فقال عمر رضي الله عنه: أرى أن تمكننا منهم فنضرب أعناقهم حتى يعلم الله أننا ليس في قلوبنا هوادة للمشركين؛ ولهذا جاء القرآن موافقًا لرأي عمر رضي الله عنه، إخواني الكرام وفي نهاية هذا العرض السريع لتلك الغزوة لعلنا نستخرج الدروس والعبر مما سبق. الدرس الأول: إن انتصار الحق على الباطل ليس بالعدد والعتاد؛ وإنما هو تأييد من عند الله تبارك وتعالى للحق وأهله ومكر بالباطل وأهله، وهذه هي الفطرة الإلهية أن الله تعالى ينصر دينه وأولياءه، وهذا يظهر جليًّا من خلال تلك الغزوة العظيمة حيث لم يتكافأ عدد المسلمين مع المشركين؛ بل إن المشركين أضعاف المسلمين في عددهم وعتادهم؛ ولكن الله تعالى بالمرصاد لمن خالف أمره، فهنيئًا لأهل الحق بانتصارهم وإن حصل ضد ذلك فهو ابتلاء لأهل الحق وإملاء واستدراج لأهل الباطل، أما الفطرة الثابتة فهي أن الله تعالى ينصر دينه وأولياءه على الباطل وأهله، والمحصلة النهائية على كلا الحالين من النصر والهزيمة أن أهل الحق هم الناجون وإن هزموا، وأن أهل الباطل هم الهالكون وإن انتصروا. الدرس الثاني: يظهر من خلال تلك الغزوة العظيمة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وهي أنه أراهم مصارع القوم قبل المعركة والقتال، فيقول الصحابة رضي الله عنهم: والله ما تأخر هؤلاء القوم عن مكانهم الذي حدده النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه معجزة عظيمة لهذا النبي الكريم، ولنعلم أخواني وأخواتي الكرام أن القراءة في المعجزات النبوية تعطي دروسًا عظيمة وقوة الإيمان بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، فما أجمل أن يكون لنا قراءة وتدبر في تلك المعجزات النبوية، فهي من دلائل النبوة الكبرى، يستنير بها المسلم، وتكون سببًا لثباته وتعظيمه لله عز وجل. الدرس الثالث: الله تعالى لطيف بعباده المؤمنين فينصرهم وييسر أمورهم ويشرح صدورهم، وهذا من مظاهر الرحمة الإلهية واللطف الرباني، وهذا يظهر من خلال ما حصل في تلك الغزوة من إنزال المطر ليعزز الأرض ويقويها، ويزيل عنها غبارها؛ حيث كانت أرضهم رملية مغبرة، وكذلك ألقى عليهم النعاس أمنة منه لهم؛ ليرتاحوا ويأخذوا قسطًا من النوم أيضًا؛ ليلقوا عدوَّهم بنشاط وقوة وبسالة، وكذلك من لطف الله تعالى عليهم ما حصل لهم من الثبات حال اللقاء فهو عامل مهم في النصر بعد توفيق الله تعالى، وأيضًا من لطفه بهم أن الله تعالى قلل الكفار في نظر المسلمين وأيضًا كثر المسلمين في نظر الكفار؛ وذلك لتقوى عزيمة المسلمين، وهذا أمر خارق، إن هذه العوامل كلها وأمثالها هي من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين، فالله تعالى شكور، فلما استجابوا لأمره لم يتركهم؛ وإنما جازاهم على صنيعهم بحيث كان معهم، ومن كان الله معه، فلن يغلبه أحد، ومَن عصاه فهو المخذول المذموم. الدرس الرابع: إن الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى من أعظم الأسباب في كشف الكربات ونزول الخيرات، وهذا يظهر جليًّا من كثرة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم حال القتال وسؤاله لينصر الله تعالى عباده، فيقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا يدعو ويتوسل بالحي القيوم، ثم ذهبتُ إلى ميدان القتال ورجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثانية، فإذا هو ساجد يدعو، ثم ذهبتُ إلى ميدان القتال ورجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة ثالثة، فإذا هو ساجد يدعو، فالالتجاءُ إلى الله تعالى في جميع الأحوال في السلم والحرب، والخوف والأمْن، والصحة والمرض، وغيرها، مطلبٌ كبيرٌ لكل مسلم. فيا إخواني الكرام، لا غنى لنا جميعًا عن ربنا ولا طرفة عين، فلنكن في جميع حاجاتنا وأحوالنا ندعو الله تعالى بتيسيرها، ولا نتوقف على الأسباب الظاهرة المبذولة، فقد تفشل الأسباب وينجح الدعاء، فوصيتي لك أخي الكريم أنك إذا أردتَ عملًا معينًا من شراء أو علاج أو استشارة أو سفر أو غير ذلك من شؤونك، فادْعُ الله تعالى بتيسيره، فلو لم يُيسِّره الله لم يتيسر، والبعض منا قد تمر به أحلك الظروف وأشدها فينسى الدعاء، ويبحث عن الأسباب المحسوسة، فالدعاء هو ارتباط بالله تعالى وثيق، وكذلك هو العمل الذي تربح فيه في غالب أحوالك، فلك بدعائك أن تُعطى ما سألت، أو يدفع عنك سوء أو يُدَّخر لك حسنات، فأنت رابح وبكثرة، وإنني أرغب في تصحيح مفهوم خاطئ عند البعض؛ حيث إذا لم يجد حقيقة ما سأل ترك الدعاء وقال: إنه لا يُستجاب لي، وهذا لا شك أنه جهل عظيم، فكم دفع الله عنك من البلاء، فلربما أن ذلك بسبب الدعاء، وأيضًا وما يدريك أن الله تعالى ادَّخَر لك حسنات تجدها أحوج ما تكون إليها، فالدعاء عبادة عظيمة لا نغفل عنه أيها المباركون، ولنُرَبِّ أولادنا عليه، واستفتح دعاءك بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا بالتوسل بالحي القيوم، ثم اسأل الله تعالى تجد الإجابة قريبةً جدًّا بإذن الله عز وجل. الدرس الخامس: في غزوة بدر حصل للكفار خلل في اتفاقهم، وافترقوا أيضًا في آرائهم، وذلك في مبدأ الغزوة وفي نهايتها، وهذا يعطينا درسًا عظيمًا؛ أن الباطل مهما انتفش فهو غير متفق، والسبب الكبير في ذلك أنه مخالف للفطرة، ويظهر خلله في نتائج أعماله وإن كان متفقًا في الظاهر إلا أنه متخلخل في الباطن، فالكفار في تلك الغزوة حصل لهم من الخلاف ما جعل بعضهم يُعيِّر بعضًا بالجبن والخوف كما حصل ذلك بين عتبة وأبي جهل، ولكل منهما أعوان وأنصار، فالباطل دائمًا يختلف ولا يتفق؛ لأن الاتفاق نعمة، والاختلاف نقمة، وكلاهما بيد الله تعالى، فمن أطاعه أعطاه النعمة، ومن خالفه جازاه بالنقمة، فيا ليتنا ندرك هذا تمامًا؛ لكي تكون نعم الله تعالى علينا متتابعة، وأيضًا متتالية، فاحرص أخي الكريم أن تكون مُتبعًا للحق في جميع أحوالك، وفي حال اختلاف الناس فعليك برأي العلماء الراسخين في العلم فاتبعهم فإنهم يسيرون مع الدليل من الكتاب والسنة، ولا تغترَّ بكثرة الباطل، فعدد المشركين في غزوة بدر أضعاف المسلمين ومع ذلك هزموا، فانجُ بنفسك من مواطن الفتنة والرَّدَى. إخواني الكرام، تلكم لفتات يسيرة عن غزوة بدر الكبرى التي كان لمن شارك فيها شرفٌ كبيرٌ في مغفرة ذنوبهم ودخولهم جنات النعيم برحمة الله تعالى، فلنقرأ عنها وعن غيرها من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليتصحح عندنا أفعال وأقوال وأحكام كانت خاطئةً من ذي قبل، فنعبد الله تعالى على بصيرة، فعندما تجتمع الأسرة ولو مرة في الأسبوع، ثم يتداولون بينهم شيئًا من هذا، فهم على خير عظيم وثواب جزيل وهو مجلس تحفُّه الملائكة وتغشاه السكينة وتنزل عليه الرحمة، ويذكر الله تعالى أصحابه فيمن عنده، وماذا نريد بعد ذلك؟! وإن التجربة برهانٌ كبيرٌ، فلعلك أخي المبارك تعقد ذلك المجلس مع أولادك، وستجد من الأرباح ما لم يكن في الحسبان، إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي منهجٌ يسير عليه المسلم تزكيةً لنفسه وسلامةً لقلبه وشرحًا لصدره وتصحيحًا لمفاهيمه، وما تقرؤه من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام اذكره في مجالسك لتفيد وتستفيد، وهذا لا شك أنه من طلب العلم ونشره. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من عباده المفلحين، وأن يوصلنا دار السلام بسلام، كما أسأله تبارك وتعالى أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يجعلنا من عباده الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأن يغفر لنا ووالدينا والمسلمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| عدي بن حاتم | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 0 | 04-24-2026 09:04 PM |
| قصص النبيين للأطفال كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 05-10-2025 11:27 AM |
| حاتم مجمع مقطع 1 مصحف حاتم فريد الواعر فيديو بكامل الصفحة مصور | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 04-19-2025 06:59 PM |
| حاتم بخط كبير 114 سورة مكتوب المصحف المصور فيديو كامل ل حاتم فريد الواعر | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 12-05-2023 06:37 PM |
| فلاش.. خاتم المرسلين | Dr Nadia | قسم السيرة النبوية | 3 | 02-14-2017 09:25 AM |
|
|