استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-16-2026, 10:22 PM   #13
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 127

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

وقفات مع آيات (15) (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ ‌خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: 9).


موضوع الآية:
بيان فضل المهاجرين والأنصار -رضي الله عنهم-.


قصة نزول الآية:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَابَنِي الْجَهْدُ، فَأَرْسَلَ إلى نِسَائِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُنَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، يَرْحَمُهُ اللهُ)، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَهَبَ إلى أَهْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ضَيْفُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَا تَدَّخِرِيهِ شَيْئًا، قَالَتْ: وَاللهِ مَا عِنْدِي إِلَّا قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ: فَإِذَا أَرَادَ الصِّبْيَةُ الْعَشَاءَ فَنَوِّمِيهِمْ وَتَعَالَيْ، فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ، ‌وَنَطْوِي ‌بُطُونَنَا ‌اللَّيْلَةَ، فَفَعَلَتْ، ثُمَّ غَدَا الرَّجُلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: (لَقَدْ عَجِبَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، أَوْ ضَحِكَ مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةَ)، فَأَنْزَلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (متفق عليه)، وفي رواية لمسلم: تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة -رضي الله عنه-.


تمهيد للوقفات:
الآية تدل على فضل الأنصار، وتشير للتي قبلها، والتي تدل على فضل المهاجرين، وهذا يأخذنا إلى جعل الفوائد كلها حول مكانة الصحابة -رضي الله عنهم-.
وقفات مع الآية:
(1) وقفة تاريخية للكلام عن مكانة الصحابة -رضي الله عنهم-:
- أرسل الله -تعالى- النبي -صلى الله عليه وسلم- رحمة ونورًا للبشرية: قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحديد:9)، فعاده قومه وتعرَّضوا له بالأذى، (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى:23).
- وتبعه قوم باعوا الدنيا واشتروا الآخرة، وتحملوا لذلك كل ألوان الأذى حتى هاجروا: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر: 8).
- ولما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- استقبله قوم قدَّموا له ولأصحابه كل أنواع النصرة والإعانة: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِين َتَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إليهم وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9).
- وقد استمر النبي -صلى الله عليه وسلم- يجاهد ويجاهد معه الصادقون والمفلحون: قال الله -تعالى-: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح: 29).
- وبعد ثلاث وعشرين سنة من التربية والدعوة والجهاد مع نبيهم -صلى الله عليه وسلم- رحل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد تمام الدين: قال الله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة: 3).
- ورغم شدة أمر الوفاة وعظيم المسئولية، استمرت الراية مرفوعة: قال أبو بكر -رضي الله عنه-: "أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران:144)" (رواه البخاري)، وهكذا بقي دين الله يحمله أصحابه.
- وظلت الراية عالية ترفرف كل يوم على أرض جديدة للإسلام وتحقق بشارة القائد -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) (رواه مسلم).


(2) الصحابة من عوامل نجاح الدعوة الإسلامية:
- من خلال ما تقدَّم يظهر لنا أن نجاح الدعوة الإسلامية وانتشارها في الأرض كان له عوامل ثلاثة بعد توفيق الله -تعالى-:
أولها: المنهج الرباني الكامل: قال الله -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) (المائدة: 3).
ثانيها: شخصية رسول الله القائد وتفانيه في الدعوة إلى وفاته: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنذِرْ) (المدثر: 1-2).
ثالثها: الصحابة الذين نقلوا الدِّين ونشروه في العالم: قال -تعالى-: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة:137).
- أعداء الدين من المبتدعة والمنافقين والكفرة والملاحدة يحاولون هدم الدعوة الإسلامية من خلال هدم هذه الأصول الثلاثة بطرق مختلفة، بحسب عقيدة كل طائفة منهم.
- الشيعة الرافضة يهدمون الإسلام من خلال هدم الأصل الثالث (الصحابة) حقدًا وقومية: قال الخميني في كتاب كشف الأسرار: "إن مثل هؤلاء الأفراد الحمقى والأفاكون والجائرون غير جديرين بأن يكونوا في موضع الإمامة، وأن يكونوا ضمن أولي الأمر!" (كشف الأسرار ص 107-108، نقلًا عن الفوائد البديعة)(1).

(3) سبق الصحابة للعالمين:
- سبقوا العالمين في كل المجالات "ولو زاد عليهم غيرهم في الكمية"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصِيفَهُ) (متفق عليه).
أمثلة مختصرة:
أ- أسرع الناس استجابة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-: قال أصحاب موسى لموسى -عليه السلام-: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) (المائدة:24)، وقال أصحاب عيسي لعيسى -عليه السلام-: (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة:112)، وأما أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285)، وقالوا: "فَقَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدْقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-" (رواه الطبري في تفسيره، وابن كثير في البداية والنهاية).
ب- أشد الناس محبة واتباعا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: قال عنهم عروة بن مسعود -رضي الله عنه- لما رجع إلى قريش -وكان مشركًا يومئذٍ-: "أَيُّ قَوْمٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ، وَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ، وَكِسْرَى، وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ تَعْظِيمَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، فَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ، وَمَا يُحِدُّونَ إليه النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ" (رواه البخاري).
ج- أعظم الناس بذلا لنفوسهم في سبيل الله -تعالى-: ذكر ابن سعد في طبقاته: "لما كان يوم اليمامة، كان أول مَن جرح أبو عقيل الأنصاري -رضي الله عنه-، رُمي بسهم وهن له شقه الأيسر حتى أوشكت يده على السقوط من كتفه، وحمل مع الجرحى إلي الرَّحل، فلما حَمِيَ القتال وانهزم المسلمون، نادي المنادي: يا للأنصار، الله الله، فنهض أبو عَقيل يريد قومه، فقال ابن عمر: ما فيك قتال، قال: قد نوَّه المنادي باسمي، قال ابن عمر: فقلتُ: إنما يقول يا للأنصار، لا يعني الجرحى، قال أبو عَقيل: أنا من الأنصار وأنا أجيبه ولو حَبْوًا، قال ابن عمر: فتحزّم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى ثم جعل ينادي: يا للأنصار كَرَّة كيوم حُنين، قال ابن عمر: فنظرتُ إلى أبي عَقِيل وقد سقطت يده، وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا، ووقفت عليه وهو صريع بآخر رمق، فقلت: أبا عقيل، فقال: لبيك، بلسان مُلْتَاث، لمن الدّبْرة؟ قلتُ: أبْشر، قد قُتل عدوّ الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله" (الطبقات الكبرى لابن سعد، نقلًا عن أخلاق النصر للشيخ أحمد فريد).
- والخلاصة: لو لم يكن لهم إلا شهادة الله (فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) (الفتح:18)، ووعد الله (وَكُلا وَعَدَ اللَّه الْحُسْنَى) (النساء: 95)؛ لكفى، ولا يضرهم طعن الطاعنين.


(4) اختلاف الصحابة كان مِن أجل الدِّين:
- إن أعداء الدِّين من المبتدعة والمنافقين والكفرة يتخذون مِن اختلاف الصحابة ذريعة لهدم الدعوة الإسلامية.
- بداية ... الاختلاف أمر قدري: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ) (هود:118-119).
- إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- باختلافهم قبل وقوعه، وثناؤه على الطائفتين وإن اختلفا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ) (رواه البخاري).
- كان خلافهم للدِّين وليس للدنيا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ)، مقتل عثمان -رضي الله عنه-، وانقسام الرأي السائغ بين معجِّل بالقصاص مِن قتلة عثمان، وهم أهل الشام، ومتريث حتى تتبيَّن الأمور وتستقر الدولة بعد ثورة الفجار، وقتلهم أمير الأبرار عثمان -رضي الله عنه-.
- إنصافهم في أشد حالات الخلاف يثبت ذلك: إنكار علي -رضي الله عنه- على قاتل الزبير -رضي الله عنه-، ذكر ابن كثير -رحمه الله-: "لما استأذن عمرو بن جرموز على علي -رضي الله عنه- بعد قتله الزبير يريد حظوة عنده، فقال له علي -رضي الله عنه-: بشِّر قاتل ابن صفية بالنار، ثم قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيٌّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ) (متفق عليه)، ولما رأى سيفَ الزبير، قال: إن هذا السيف طالما فرَّج الكرب عن وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" (البداية والنهاية).


(5) من واجبنا نحو الصحابة:
- محبتهم والتعرف عليهم ومطالعة سيرتهم العطرة؛ فاتباعهم سبب الرضا: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) (التوبة: 100).
- نشر فضائلهم والتعريف بمكارمهم، فهم القدوة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا) (البقرة:137).
- الذود عن أعراضهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، "مِن وسائل الدفاع عنهم: الرد على الطاعنين، والتشنيع بهم وفضحهم، والمطالبة بمعاقبتهم ومقاطعتهم، وتفعيل كل الوسائل المتاحة مِن: مخاطبة الجهات الرسمية -الحملات الإلكترونية - النشرات - المحاضرات - الخطب- ... ".
- الدعاء لهم والترضي عليهم، وهو ما جاءت به الآية التالية للآية معنا: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا ‌غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر: 10).
فاللهم ارضَ عن الصحابة، واجمعنا بهم في جنات النعيم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كان انتصار المسلمين في معركة القادسية سنة 14هـ على الفرس، ثم سقوط دولة الفرس سنة 16هـ في عهد عمر الفاروق، من أعظم أسباب حقدهم وكيدهم.
امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2026, 05:43 PM   #15
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 127

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

جزاكم الله خيرا
امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-17-2026, 05:44 PM   #16
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 127

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

وقفات مع آيات (16) (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال -تعالى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144).


موضوع الآية:
- الثبات على الدِّين.


قصة نزول الآية:
- قال ابن كثير -رحمه الله- في التفسير: "لما انهزم مَن انهزم مِن المسلمين يوم أُحد، وقُتل مَن قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قُتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم: قتلتُ محمدًا، وإنما كان قد ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثيرٍ مِن الناس، واعتقدوا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد قُتِل، وجوزوا عليه ذلك، كما قد قصَّ الله عن كثيرٍ مِن الأنبياء -عليهم السلام-، فحصل وهن وضعف وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)".


فوائد حول الآية:


(1) البقاء للمنهج:
- العمل لدين الله لا يتوقف ولا يغيب بتوقف أو غياب الرموز، ولو كانوا أعظم الناس قدرًا: ذكر أصحاب السير: "أن أنس بن النضر مرَّ بنفرٍ مِن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحد، وقد ألقوا ما بأيديهم، فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قُتِل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟! قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
ونادى ثابت بن الدحداح يوم أُحد في قومه فقال: "يا معشر الأنصار، إن كان محمد قد قُتل، فإن الله لا يموت، قاتلوا على دينكم، فإن الله مظفركم وناصركم" (السيرة الحلبية 2/ 22)، "ومرَّ رجلٌ مِن المهاجرين برجلٍ مِن الأنصار -وهو يتشحط في دمه- فقال: يا فلان: أشعرت أن محمدًا قُتِل؟ فقال الأنصاري: إن كان قد قتل فقد بَلّغ، فقاتلوا عن دينكم" (زاد المعاد 2/ 96).
- لا تقل: ذهب الرموز وهم أفضل منا، وليس في الإمكان أحسن مما كان! لا، بل قد يجعل الله البركة فيمَن خلفهم، فيحققون ما لم يحققه السابقون: خالد بن الوليد يوم مؤتة يخلف القادة الثلاثة، ويأتي بأفضل مِن عملهم حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ حَتَّى أَخَذَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) (رواه البخاري).
- أثر فهم نزول الآية بعد ذلك على الأتباع الشاكرين الثابتين: روى البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالتْ: "أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتَّى نَزَلَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النَّاسَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، فَتَيَمَّمَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُسَجًّى بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ: "بِأَبِي أَنْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لاَ يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا"، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- خَرَجَ، وَعُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبَى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَمَالَ إليه النَّاسُ، وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) قالت: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ إِلَّا يَتْلُوهَا".


(2) وجوب الثبات على الدِّين:
- حذر الله -سبحانه- المسلمين من التراجع وعدم الثبات بعد غياب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ).
وللثبات جانبان:
أحدهما: الثبات على ملة الإسلام.
والثاني: الثبات على التزام تعاليم الإسلام.
أولًا: الثبات على ملة الإسلام (والناس فيه على نوعين):
- النوع الأول: مؤمنون ثابتون على ملة الإسلام إلى الممات، مهما كانت الفتن والمحن: قال الله -تعالى-: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) (آل عمران:102)، وكان مِن دعاء نبينا -صلى الله عليه وسلم: (يَا وَلِيَّ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، مَسِّكْنِي بِهِ حَتَّى أَلْقَاكَ) (رواه الطبراني في الأوسط والبيهقي في الدعوات الكبير، وحسنه الألباني).
- مثال لهؤلاء الثابتين على الملة (عبد الله بن حذافة السهمي -رضي الله عنه-): ذكر الإمام البيهقي -رحمه الله- قصته بسنده، قال: "وَجَّهَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- جَيْشًا إلى الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلا، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَأَسَرَهُ الرُّومُ، فَذَهَبُوا بِهِ إلى مَلِكِهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَنَصَّرَ، وَأُشِرِكُكَ فِي مُلْكِي وَسُلْطَانِي؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي جَمِيعَ مَا تَمْلِكُ، وَجَمِيعَ مَا مَلَكَتْهُ الْعَرَبُ -وَفِي رِوَايَةِ الْقَطَّانِ: وَجَمِيعَ مَمْلَكَةِ الْعَرَبِ- عَلَى أَنْ أرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا فَعَلْتُ، قَالَ: إِذًا أَقْتُلَكَ، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، وَقَالَ لِلرُّمَاةِ: ارْمُوهُ قَرِيبًا مِنْ يَدَيْهِ قَرِيبًا مِنْ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَأُنْزِلَ، ثُمَّ دَعَا بِقِدْرٍ وَصَبَّ فِيهَا مَاءً، حَتَّى احْتَرَقَتْ، ثُمَّ دَعَا بِأَسِيرَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ بِأَحَدِهِمَا، فَأُلْقِيَ فِيهَا وَهُوَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَهُوَ يَأْبَى، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِيهَا، فَلَمَّا ذَهَبَ بِهِ، بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ بَكَى، فَظَنَّ أَنَّهُ رَجَعَ، فَقَالَ: رُدُّوهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ، فَأَبَى، قَالَ: فَمَا أَبْكَاكَ إِذًا؟ قَالَ: أَبْكَانِي أَنِّي قُلْتُ فِي نَفْسِي تُلْقَى السَّاعَةَ فِي هَذَا الْقِدْرِ فَتَذْهَبُ، فَكُنْتُ أشْتَهِي أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ كُلِّ شَعَرَةٍ فِي جَسَدِي، نَفْسٌ تُلْقَى فِي اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-! قَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: هَلْ لَكَ أَنْ تُقَبِّلَ رَأْسِي وَأُخَلِّيَ عَنْكَ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: وَعَنْ جَمِيعِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي عَدُوٌّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ، أُقَبِّلُ رَأْسَهُ يُخَلِّي عَنِّي وَعَنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ، لا أُبَالِي فَدَنَا مِنْهُ، وَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَدَفَعَ إليه الأُسَارَى، فَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى عُمَرَ، فَأُخْبِرَ عُمَرُ خَبَرَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: حَقَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ، وَأَنَا أَبْدَأُ، فَقَامَ عُمَرُ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ" (شعب الإيمان للبيهقي).
- النوع الثانيً: كفار وملحدون تركوا الثبات على ملة الإسلام التي فطرهم الله عليها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قَالَ اللهُ: وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ ... ) (رواه مسلم).
- مثال لهؤلاء غير الثابتين على الملة (عبيد الله بن )، وكان قد هاجر مع زوجته أم حبيبة -رضي الله عنها- إلى الحبشة، فتنصر هناك وارتد عن الإسلام: فعن أمِّ حبيبة -رضي الله عنها- قالت: "رأيتُ في النوم عبيد الله بن زوجي بأسوأ صورة وأشوهها، ففزعت، فقلتُ: تغيرتْ والله حاله! فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة، إني نظرت في الدِّين فلم أرَ دينًا خيرًا مِن النصرانية، وكنتُ قد دنت بها، ثم دخلت في دين محمد، ثم قد رجعت إلى النصرانية. فقلت: والله ما خير لك! وأخبرتُه بالرؤيا التي رأت، له فلم يحفل بها، وأكبَّ على الخمر حتى مات" (الطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ الملوك والرسل للطبري).
تنبيه مهم: هذا النوع لا يسقط فيه مَن خالط الإيمان أصول قلبه: ففي حديث أبي سفيان مع هرقل، قال: "وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ" (رواه البخاري).
ثانيًا: الثبات على التزام تعاليم الإسلام (والناس فيه كذلك على نوعين):
النوع الأول:
- ملتزمون بتعاليم الإسلام في الجملة، لا يفرِّطون في الواجبات، ويتنافسون في المستحبات، ثابتون في مواجهة الفتن والمحن، والمعاناة والغربة، وإن خالفهم الناس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْمُتَمَسِّكِ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: (بَلْ مِنْكُمْ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).
- وهم مستحضرون للسنن الشرعية والكونية على الدوام، ويعرفون أن الدنيا دار بلاء ومحنة: قال الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران: 142)، وقال -تعالى-: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت: 2).
- أعظم مثال لهؤلاء الملتزمين بتعاليم الإسلام: (إشارة مجملة إلى ثبات الأنبياء والصحابة والصالحين على مرِّ الزمان).
النوع الثاني:
- غير ملتزمين ولا ثابتين على تعاليم الإسلام، فهم يضعفون في الفتن ولا يجاهدون في المحن: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (رواه مسلم).
- الإشارة إلى ظاهرة التراجع الديني والأخلاقي والعلمي، وغيره في أوساط المتدينين؛ فضلًا عن عامة المسلمين: يحكي أحد الدُّعَاة يقول: "أحدهم كان فقيرًا مجتهدًا في العبادة وطلب العلم، فعمل في التجارة، ومع الوقت صار غنيًّا، فأختفى مِن المسجد تمامًا؛ تقول زوجته: أصبح يسهر الليل كله في متابعة التجارة والتجار وجمع المال، وينام النهار ويجمع الصلوات، فلما كنا فقراء كنا نقوم الليل ونصوم النهار، وأما الآن ... ! وآخر كان فقيرًا يكد طوال يومه ثم صار تاجرًا، وفتحت عليه الدنيا، فصارت أعماله ملؤها الرياء والسمعة، وغيرهم، وغيرهم كثير ... وهناك صور كثيرة لا تُحصَى عندي وعندكم، وعند الناس مِن التراجع!".
نسأل الله السلامة والعافية، وهنا يأتي السؤال الذي لا بد أن يتبادر إلى الأذهان، وهو: ما الأسباب التي تؤدي إلى التراجع وعدم الثبات؟ يُرجَى الرجوع إلى سلسلة "الثبات" خطية وصوتية على موقع: "صوت السلف"، وموقع: "أنا السلفي".

خاتمة:
- ذكر الآية والتفسير العام مرة أخرى. والإشارة إلى الفوائد جملة.
فاللهم يا مثبت القلوب، ثبت قلوبنا على طاعتك.


صوت السلف
امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-26-2026, 04:13 PM   #17
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 127

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

وقفات مع آيات (17) (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)

كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: 7-8).


موضوع الآية:
- بيان شديد عداوة المنافقين للمسلمين وتعاليم الإسلام، وذكر شيء من صفاتهم.


قصة نزول الآيات:
- قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد ذكر غير واحد مِن السَّلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول، كما سنورده قريبا إن شاء الله تعالى ... قال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحدَّثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعزلوه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعل يلوي رأسه، أي: لستُ فاعلًا ... وقال ابن إسحاق في قصة بني المصطلق: فبينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقيم هناك اقتتل على الماء، جهجاه بن سعيد الغفاري وكان أجيرًا لعمر بن الخطاب، وسنان بن يزيد، فقال سنان: يا معشر الأنصار، وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين، وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي، فلما سمعها قال: قد ثاورونا في بلادنا، والله ما مثلُنا وجلابيبَ قريش هذه إلا كما قال القائل: سمِّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على مَن عنده مِن قومه، وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم في بلادكم إلى غيرها، فسمعها زيد ابن أرقم -رضي الله عنه- فذهب بها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو غليم-، وعنده عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فأخبره الخبر، فقال عمر -رضي الله عنه-: يا رسول الله مر عباد بن بشر فليضرب عنقه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدا يقتل أصحابه؟، لا، ولكن نادِ يا عمر: الرحيل.
فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال، ما قال عليه زيد بن أرقم، وكان عند قومه بمكان، فقالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون هذا الغلام أوهم، ولم يُثْبِت ما قال الرجل، وراح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُهجرًا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير -رضي الله عنه-، فسلَّم عليه بتحية النبوة، ثم قال: والله لقد رحت في ساعة مبكرة ما كنت تروح فيها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أما بلغك ما قال صاحبك ابن أُبي؟ زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعزُ منها الأذلَ، قال: فأنت يا رسول الله، العزيز وهو الذليل، ثم قال: ارفق به يا رسول الله، فوالله لقد جاء الله بك، وإنا لننظِمُ له الخرزَ لِنُتَوِّجَه، فإنه ليرى أن قد سلبته ملكًا، فسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالناس حتى أمسوا وليلته حتى أصبحوا، وصدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين ... وروى الإمام أحمد عن زيد بن أرقم قال: كنت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك(1)، فقال عبد الله بن أُبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، قال، فأتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخبرته، قال: فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك، قال: فلامني قومي، وقالوا: ما أردتَ إلى هذا؟ قال: فانطلقتُ فنمتُ كئيبًا حزينًا، قال فأرسل إليَّ نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن الله قد أنزل عذرك وصدقك، قال: فنزلت هذه الآية: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ ‌لَا ‌تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ . يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) (المنافقون:7-8)" (انتهى من تفسير ابن كثير).


فوائد حول الآيات:
(1) المقصود بالنفاق وبيان أنواعه:
- قال ابن القيم -رحمه الله-: "أما النفاق: فالداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئًا منه وهو لا يشعر، فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرًا ما يخفى على مَن تلبس به، فيزعم أنه مصلح، وهو مفسد، وهو نوعان: أكبر وأصغر) (مدارج السالكين).
- فأما الأول منهما -وهو أخطر النوعين-: فهو نفاق الاعتقاد، الذي يخلِّد صاحبه في النار، بل يجعله في الدركات السفلى من النار، وذلك بأن يُظهر صاحبُه الإيمانَ وهو في الحقيقة على الكفر الباطن، وقد يقر بوجود الله ويؤمن به، ولكنه لا يرى متابعة الرسول -عليه السلام- وتصديقه فيما أخبر به.
- وعلى هذا النوع كان عبد الله بن أبي بن سلول وطغمته من المنافقين: قال الله -تعالى- فيهم: (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (المنافقون: 2).
- وهم مع ذلك معصومو الدم والمال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) (متفق عليه)، وقال منكرًا على أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-: (أقَتَلْتَهُ بَعْدَ ما قالَ: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ... ) (متفق عليه).
- إلا إنهم كفار في الأخرة، متوعدون بأشد العذاب: قال الله -تعالى-:(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) (النساء:140)، وقال: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء:145).
- ولا تجوز الصلاة عليهم لمَن تحقق عنده كفرهم، وقد قال -سبحانه- آمرًا نبيه -صلى الله عليه وسلم- ألا يصلي على أحدٍ مات منهم أبدًا، لما اطلعه على أسمائهم، وكفرهم: (‌وَلَا ‌تُصَلِّ ‌عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ) (التوبة:84).
- وأما النوع الثاني من النفاق: فهو الذي لا يُخرِج الإنسانَ من الدِّين، ولكنه من أكبر الذنوب والمعاصي، وهو النفاق العملي.
- ومن أمثلته: الرياء، والكذب والغدر، وعدم الوفاء بالوعد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- -: (آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه).
- فاحذروا النفاق والمنافقين وخداعهم، واحذروا التخلق بأخلاقهم فإنه خطر عظيم وجر إلى الكفر والخسران والبوار.


(2) شدة عداوة المنافقين للإسلام والمسلمين:
- للمسلمين أعداء كثر، ولكن المنافقين أشدهم وأخطرهم: قال -تعالى-: (‌هُمُ ‌الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المنافقون:4).
- سبب اختصاصهم بأشد العداوة للمسلمين من وجوه:
1- حرب الكفار علينا أيام، وحرب المنافقين على الدوام؛ لأنهم يعيشون بيننا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهم: (هُمْ مِن جِلْدَتِنَا، ويَتَكَلَّمُونَ بأَلْسِنَتِنَا) (متفق عليه).
2- حرب الكفار علينا معلنَة، فيتحفز المسلم ويأخذ حذره، وحرب المنافقين في الغالب مستترة، وهي أشر.
3- الكفار لا يطلعون على عوراتنا ونقاط ضعفنا، بخلاف المنافقين.
4- وأعظم ذلك كثرة حديث القرآن عنهم؛ تحذيرًا من شرهم، وعظيم خطرهم:
- سورة التوبة (129) آية، منها: 100 آية تتحدث عن صفات المنافقين؛ ولذا سُمِّيت الفاضحة، وافتتحت سورة البقرة في صدر المصحف بالكلام عن أصناف العالم الثلاثة في نحو عشرين آية، فكان نصيب المؤمنين أربع آيات، والكافرين آيتين، والمنافقين ثلاثة عشر آية! 43 آية من الآيات الطوال في القرآن تتحدث عن المنافقين! 17 سورة مدنية من 30 تتحدث عن المنافقين! (مدارك السالكين لابن القيم).


وقفة مهمة:
- كل ذلك وهم يومئذٍ ثلاثة في الألف في مجتمع المسلمين، قال كعب بن مالك في قصة تخلفه في غزوة تبوك: "وكانوا بضع وثمانين رجلًا"؛ فكيف وقد صاروا كثرة في مجتمعات المسلمين بعد ذلك؟! سمع حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- رجلًا يقول: "اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقكم مِن قلة السالك" (مدارج السالكين لابن القيم)، وقال -رضي الله عنه: "الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ فِيكُمُ الْيَوْمَ شَرٌّ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْنَا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَكَيْفَ ذَاكَ؟! قَالَ: إِنَّ أُولَئِكَ كَانُوا يُسِرُّونَ نِفَاقَهُمْ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ يُعْلِنُونَ"، وقال مالك -رحمه الله-: "النفاق في زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الزندقة في زماننا" (مدارج السالكين لابن القيم).


(3) من أبرز صفات المنافقين:
أ‌- قلوبهم ممتلئة بالشبهات والشكوك التي أهلكتهم: قال -تعالى-: (‌فِي ‌قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة:10)، (أمثلة عصرية: الهجوم على ثوابت الدين: كالحدود، والمواريث، وفتنة القبر، ونحو ذلك)(2).
ب‌- يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف: قال -تعالى-: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُون بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67)، (أمثلة عصرية: منع الحجاب أو النقاب مع إباحة العري! - دعاء الركوب في الطائرة عندهم عنصرية، والموسيقى تحضر وحرية! - سماع القرآن أثناء العمل عندهم منكر! وسماع الموسيقى عندهم معروف! - المناداة بمنع مادة الدِّين مِن الدراسة!).
ت‌- يبغضون التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ‌تَعَالَوْا ‌إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)(النساء:61) (أمثلة عصرية: قول بعضهم الشريعة رجعية - لا تدخِلوا الدِّين في حياتنا).


(4) وضوح قضية الولاء والبراء عند الصحابة -رضي الله عنهم-:
- قال ابن كثير -رحمه الله- بعد الآية: "وقال محمد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله بن عبد الله بن أبي، لما بلغه ما كان من أمر أبيه أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمتِ الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس، فأقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا. وذكر عكرمة: أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبي قال له ابنه: وراءك، فقال: ما لك؟! ويلك! فقال: والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- -وكان إنما يسير ساقة- فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أما إذا أَذِن لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجز الآن. وقال الحميدي في مسنده: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدًا حتى تقول: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأعز وأنا الأذل" (انتهى من تفسير ابن كثير).
- علِّموا واعتقدوا مِن غير شك، حرمة موالاة الكافرين ونصرتهم، ولو كانوا من أقرب الناس إليهم نسبًا: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ‌عَدُوِّي ‌وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ) (الممتحنة:1).
نسأل الله -تعالى- أن يخلِّص البلاد والعباد من شرور المنافقين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قال الحافظ في الفتح: "والذي عليه أهل المغازي، أنها غزوة بني المصطلق، ويؤيده حديث جابر".
قلتُ: "ومما يؤيد ذلك أيضًا: أن المنافقين لم يخرجوا في تبوك، وقعدوا ونزلت فيهم سورة التوبة، تفضحهم بالقعود".
(2) فيتهمون كلَّ مَن يتمسك بالدِّين بالرجعية والتخلف، والجمود العقلي!


صوت السلف
امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 07-04-2026, 09:53 PM   #18
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 127

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

وقفات مع آيات (18) (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)




كتبه/ سعيد محمود
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ) (يس: 12).


موضوع الآية:
- التحريض على الأعمال الصالحة التي تترك آثارًا بعد الموت والرحيل عن الدنيا.


قصة نزول الآية:
قال ابن كثير -رحمه الله-: "ورد في ذلك أحاديث:
- الحديث الأول: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد"، قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا ذلك، فقال: "يا بني سلمة: دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم" (أخرجه أحمد ومسلم).
- الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فقال لهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن آثاركم تكتب"، فلم ينتقلوا. (أخرجه ابن أبى حاتم والترمذي، وقال الترمذي: حسن غريب)، وروى الحافظ البزار عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بُعد منازلهم من المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فأقاموا في مكانهم.
- الحديث الثالث: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فثبتوا في منازلهم" (أخرجه الطبراني)".


التفسير العام للآية:
إنا نحن نحيي الأموات جميعًا ببعثهم يوم القيامة، ونكتب ما عملوا من الخير والشر في حياتهم، وآثارهم التي كانوا سببًا فيها في حياتهم وبعد مماتهم مِن خير، ومِن شر، وكلَّ شيء أحصيناه في كتابٍ واضحٍ هو أمُّ الكتب، وإليه مرجعها، وهو اللوح المحفوظ؛ فعلى العاقل محاسبة نفسه، ليكون قدوة في الخير في حياته وبعد مماته (انتهى بتصرف من المختصر في التفسير - مركز تفسير للدراسات).


تمهيد مهم بين يدي الوقفات:
قال المفسرون -رحمهم الله- في قوله -تعالى-: (وَآثَارَهُمْ)، قولان:
أحدهما: أن المراد بذلك آثار خُطَاهم إلى الطاعة أو المعصية.
والقول الثاني: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها مِن بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. (تفسير ابن كثير).
قلتُ: وقصة النزول تشهد للقول الأول، وصدر الآية يشهد على الشمول للقولين، والله أعلم.


وقفات حول الآية:
(1) حول القول الأول:
- خطى الإنسان وسعيه في الدنيا بالخير والشر مكتوبة عليه عند الله: قال الله -تعالى-: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لبني سلمة: "دياركم ... تكتب آثاركم"، وقال قتادة: "لو كان الله تعالى مغفلًا شيئًا من شأنك يا ابن آدم، أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار" (تفسير ابن كثير).
- لذلك فالصالحون يتنافسون في تكثير الخطى في سبيل الله: فعن جابر رضي الله عنه- أَنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "ما اغْبَرَّتْ قَدَما عَبْدٍ في سَبيلِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ"، قَالَ فَتَوَاثَبَ النَّاسُ عَنْ دَوَابِّهِمْ فَمَا رُؤِيَ أَكثر مَاشِيا من ذَلِك الْيَوْم" (رواه ابن حبان). وعن يزيد بن أبي مريم قال: "لحقني عباية بن رفاعة بن رافع، وأنا ماشٍ إلى الجمعة، فقال: أبشر، فإن خطاك هذه في سبيل الله، سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن اغبرت قدماه في سبيل الله، فهما حرام على النار" (رواه البخاري).
- بل يتكلفون ذلك احتسابًا للأجر: " لما خرج جيش أسامة -رضي الله عنه- بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، خرج أبو بكر رضي الله عنه- حتى أتى الجيش، فأشخصهم وشيعهم، وهو ماشٍ على قدميه، وأسامة راكب، وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- يقود دابة أبو بكر -رضي الله عنه-، فقال له أسامة -رضي الله عنه-: يا خليفة رسول الله، والله لتركبن أو لأنزلن، فقال: والله لا تنزل ووالله لا أركب، وما عليَّ أن أغبر قدمي في سبيل الله ساعة، فإن للغازي بكل خطوة يخطوها سبع مئة حسنة، تكتب له، وسبعمائة درجة ترفع له، وترفع عنه سبع مئة خطيئة. (مختصر طريق دمشق لابن منظور، تاريخ الطبري لابن جرير الطبري).
وروى ابن جرير عن ثابت، قال: "مشيت مع أنس -رضي الله عنه- فأسرعت المشي، فأخذ بيدي فمشينا رُويدًا، فلما قضينا الصلاة، قال أنس: مشيتُ مع زيد بن ثابت، فأسرعت المشي، فقال: يا أنس، أما شعرت أن الآثار تكتب؟".
- أما أهل الفساد والغفلة... فهم يتنافسون في تكثير الخطى في الباطل، أو الصد عن سبيل الله(1): قال الله -تعالى- عن مشركي مكة يوم بدر: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيط) (الأنفال: 47).
- فيا أخي ... كن من الصالحين ولا تكن من الغافلين والفاسدين، واجعل آثارك وخطاك في سبيل الله: (فكم من أناس جيشوا الجيوش، وكانت الخطى والآثار للحرب على الإسلام، أو لصالح أعداء الإسلام، وكم من أناس من المنصرين كثروا الخطى في إفريقيا وغيرها، وكم من أناس كثروا الخطى في الأسفار إلى بلاد المعاصي، وأماكن المعاصي؛ فكل ذلك وآثاره بعد موتهم يكتب عليهم: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).


(2) حول القول الثاني:
- هذا القول أعم وأشمل: قال سعيد بن جبير: (وَآثَارَهُمْ)، يعنى: "ما سنوا من سنة، فعمل بها قوم من بعد موتهم"، وقال مجاهد: (وَآثَارَهُمْ)، "ما أورثوا من الضلالة" (تفسير ابن كثير).
- ينبغي على كل عاقل أن يحرص على الأعمال التي يبقى للعبد أجرها بعد وفاته ورحيله من هذه الدنيا الفانية، قال -تعالى-: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقَى معهُ واحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ، ومالُهُ، وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُهُ) (متفق عليه).
- وإذا كان هناك أعمال صالحة تبقى حسناتها جارية بعد الرحيل، فكذلك هناك أعمال سيئة تبقى سيئاتها جارية بعد الرحيل: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَن عَمِلَ بهَا بَعْدَهُ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أُجُورِهِمْ شيءٌ، وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بهَا مِن بَعْدِهِ، مِن غيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِن أَوْزَارِهِمْ شيءٌ) (رواه مسلم).
- ويظهر أثر العمل الصالح من الفاسد بعد الرحيل عند أول منازل الآخرة: ففي حديث البراء الطويل: "ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: مَن أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح"، وعلى الجهة الأخرى: "ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث" (رواه أبو داود، وصححه الألباني).


الخلاصة: (اترك أثرًا صالحًا قبل الرحيل):
- سل نفسك: ما آثارك لو جاءك الموت الآن؟ وكم غرسًا للخير غرست؟ وكم ضالًّا عن الحق هديت؟ وكم سبيل من سبل الخير سبلت؟! واجتهد أن تكون من الذين خلدوا من بعدهم آثارًا صالحة من المكارم والصالحات.
قال الشاعر:
قـد ماتَ قـومٌ وما ماتَـت ْمـكارِمُهم وعاشَ قومٌ وهُم في الناسِ أمواتُ
- اترك أثرًا صالحًا بعد رحيلك، وسل نفسك دائمًا: أين أنا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين فتحوا البلاد، ونشروا الإسلام والدِّين والسنة؟ وأين أنا من الأئمة الذين ملأوا الأرض علمًا ودعوة وتصانيفَ وعلومًا، الذين ما زالت الدنيا تترضى وتترحم عليهم؟ (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَان) (الحشر: 10)، (كم من الحسنات والرحمات والدعوات تعود للبخاري، وللشافعي، ولأحمد وغيرهم من الأئمة؟ وقد رحلوا عن الدنيا منذ مئات السنين، ولا تزال تصلهم الحسنات إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها).
- اترك أثرًا صالحًا بعد رحيلك ولو كان يسيرًا، فالأجور يعطيها مَن كان كريمًا شكورًا: "يحكي أحد الدعاة: أنهم في التسعينيات افتتحوا مسجدًا صغيرًا، ولما كان يوم الجمعة كان المسجد لا يكفي الناس، وكان بجوار المسجد ورشة لتنجيد المفروشات، هي لأحد أهل المسجد، فكلَّم هذا الداعي صاحب الورشة -رحمه الله- أن يسمح لهم يوم الجمعة بجزءٍ من الورشة لاستقبال بعض المصلين ساعة الجمعة فقط، فما كان من هذا الرجل -رحمه الله- إلا أن قال: كيف تستأذنني؟ والله من اليوم هذا الجزء يدخل إلى المسجد، ثم أمر العاملين عنده بنقل أدوات العمل فورًا، وتم تجهيز المكان، ودخل في المسجد، وهو إلى يومنا هذا ينتفع به المصلون، وحفظة القرآن، حيث خصص بعد توسعة المسجد ليكون مقرأة لتحفيظ القرآن للأطفال! ولقد مات الرجل المتصدق هذا منذ سنواتٍ كثيرةٍ، ولا يزال أثره يجري عليه -بإذن الله- بالأجر والثواب" (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
- ويحكي أحد الدعاة في قصة التزامه السنة والدعوة، وسبب ذلك، وهو: أن رجلًا من قرابته من عامة الناس، كان يرتاد مسجدًا كل جمعة لأحد الوعاظ المشاهير في الثمانينيات، فدعاه إلى الصلاة معه في هذا المسجد، وسماع الشيخ، فذهب معه، ومن يومها أطلق لحيته وصار يحفظ القرآن، ثم انتقل إلى مدارس المنهج السلفي، حتى صار أحد دعاة المنهج السلفي على مدى ثلاثين عامًا تقريبًا! وقد مات الرجل الذي دعاه منذ سنوات، ولا تزال الحسنات تصل إليه بأثر هداية هذا الداعية! (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
- احذر ... أن تترك أثرًا فاسدًا ولو كان يسيرًا، فالآثار السيئة واللعنات هي التي ستلاحقك بعد الرحيل(1): (وَمَن سَنَّ في الإسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كانَ عليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَن عَمِلَ بها)، وقال -تعالى- عن أمثالهم: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِين) (القصص:42)، وقال -تعالى-: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب) (المسد:1)، وقال -تعالى-: _وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) (هود:60).


(3) أعمال تبقى آثارها الصالحة بعد الرحيل:
- الدعوة إلى الله وتعليم الناس الخير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا، ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا) (رواه مسلم).
- نشر العلم النافع: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ مِمَّا يلحقُ المؤمنَ من عملِهِ وحسناتِه بعدَ موتِه عِلمًا علَّمَه ونشرَه ... ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، (إن لم تكن عالمًا؛ فأعن طلبة العلم النبهاء تشاركهم في الآثار الصالحة).
- الصدقة الجارية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ... ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أربعةٌ تجري عليهِم أُجورُهم بعدَ الموتِ: ... ورجلٌ أجرَى صدقةً فأجرُها لهُ ما جَرتْ ... ) (رواه أحمد، والطبراني).
- الولد الصالح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: ... أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أربعةٌ تجري عليهِم أُجورُهم بعدَ الموتِ: ... ورجلٌ ترك ولدًا صالحًا يدعو له) (رواه أحمد والطبراني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللَّهَ -عزَّ وجلَّ- ليرفَعُ الدَّرجةَ للعبدِ الصَّالحِ في الجنَّةِ فيقولُ: يا ربِّ، أنَّى لي هذِهِ؟! فيقولُ: باستِغفارِ ولدِكَ لَكَ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).
- الموت في حراسة ثغور الإسلام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رِباطُ يَومٍ ولَيْلَةٍ خَيْرٌ مِن صِيامِ شَهْرٍ وقِيامِهِ، وإنْ ماتَ جَرَى عليه عَمَلُهُ الذي كانَ يَعْمَلُهُ، وأُجْرِيَ عليه رِزْقُهُ، وأَمِنَ الفَتّانَ) (رواه مسلم).


خاتمة:
- الدنيا قصيرة الأجل، فاحرص على اغتنام عمرك في الآثار الصالحة، لتكون لك بعد موتك: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِين) (يس:12).
اللهم أحسن خاتمتنا، وأصلح آثارنا من بعدنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
(1) أمثلة على الآثار الفاسدة: (مَن أسسوا النظم والمبادئ الفاسدة: كالعلمانية، والليبرالية، ونحوها، وكالذين عبثوا بهوية الأمة الإسلامية فأدخلوا عليها التغريب والقوانين الوضعية وغيرها، وكأصحاب المعاصي الجارية: كالأفلام، والمسلسلات، والأغاني، ونحوها... )، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا) (رواه مسلم).


صوت السلف
امانى يسرى محمد غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
آداب, مع, وقفات
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
وقفات مع آيات الحج ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 5 06-05-2026 02:37 PM
وقفات تربوية مع آيات الميراث امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 1 04-06-2026 02:46 PM
وقفات مع آيات ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 0 03-09-2026 12:04 PM
وقفات مع آيات النصر في كتاب الله امانى يسرى محمد قسم تفسير القرآن الكريم 0 01-02-2026 08:05 AM
التحذير من تخرصات مسيلمة الكذاب حول تأليف آيات تشبه آيات الكتاب أسامة خضر قسم فضيلة الشيخ فؤاد ابو سعيد حفظه الله 6 02-02-2013 11:47 AM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009