استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-11-2026, 03:18 PM   #13

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)

كيفية التكشف عند قضاء الحاجة

صــ 9إلى صــ 16
الحلقة (13)

[تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا أراد حاجة)]

قوله:

[حدثنا زهير بن حرب].
هو أبو خيثمة زهير بن حرب، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وقد أخرج عنه مسلم كثيرا، ولهذا يأتي ذكره في صحيح مسلم كثيرا.
قال في التقريب: روى عنه مسلم في صحيحه أكثر من ألف حديث، لكن أكثر منه أبو بكر بن أبي شيبة؛ لأنه روى عنه مسلم أكثر من ألف وخمسمائة حديث.
[حدثنا وكيع].
هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة يدلس، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[عن رجل]
.
هذا الرجل مبهم.
وقد جاء في عون المعبود: (عن رجل) قيل: هو القاسم بن محمد أحد الأئمة الثقات، وقيل: هو غياث بن إبراهيم وهو ضعيف.وأورد البيهقي هذا السند في سننه الكبرى مع تحديد أن الرجل هو القاسم بن محمد،
قال البيهقي: وأخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الله الخسروجردي أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم من أصل كتابه حدثنا أحمد بن محمد بن أبي رجاء المصيصي شيخ جليل حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن القاسم بن محمد عن ابن عمر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد الحاجة تنحى، ولا يرفع ثيابه حتى يدنو من الأرض).ولعل هذا هو الوجه الذي صحح الحديث به.وعلى كل حال فإن معنى الحديث صحيح ولو لم يصح سنده، والأخذ به مطلوب؛ لأن الأمر بستر العورة مطلوب ولا تكشف إلا على قدر الحاجة، والحاجة إنما تكون عند الدنو من الأرض؛ لأنه يحصل به من التستر ما لا يحصل عند رفع الثوب في حال القيام قبل أن يهوي إلى الأرض.
[ذكر الاختلاف في روايات حديث: (أن النبي كان إذا أراد حاجة)]
[قال أبو داود: رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس بن مالك، وهو ضعيف].
قول أبي داود رحمه الله:
(رواه عبد السلام بن حرب عن الأعمش عن أنس وهو ضعيف)، الضعف الذي في هذه الرواية التي أشار إليها أبو داود هو من جهة الإرسال والانقطاع بين الأعمش وأنس؛
لأنه قيل:
إن الأعمش لم يسمع من أنس شيئا، وقد جاء أنه لقيه لكن ما جاء أنه سمع منه.وهي رواية أيضا موجودة عند الترمذي،
وفيه أيضا طريق أخرى عن ابن عمر لكنه قال:
وكلاهما مرسل؛ لأن الأعمش ليس له رواية لا عن أنس ولا عن ابن عمر.وعبد السلام بن حرب هذا ثقة،
قال عنه الحافظ في التقريب:
ثقة له مناكير، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[قال أبو عيسى الرملي: حدثنا أحمد بن الوليد حدثنا عمرو بن عون أخبرنا عبد السلام به].الذي ذكر هذا هو أحد رواة أبي داود وهو أبو عيسى الرملي،
وهو وراق أبي داود يقول:
إن هذا الذي أشار إليه أبو داود وصل إليه من غير طريق أبي داود متصلا إلى عبد السلام.
قوله:
[حدثنا أحمد بن الوليد].
وأحمد بن الوليد هذا ليس له ترجمة في التقريب.
[حدثنا عمرو بن عون].
عمرو بن عون ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عبد السلام].
هو ابن حرب، وهو الذي أشار إليه أبو داود، وعبد السلام يروي عن الأعمش عن أنس، وقد عرفنا العلة التي أشار إليها أبو داود في ذلك وهي أنه ضعيف بسبب الإرسال.وإطلاق أن رواية الأعمش عن الصحابة مرسلة هذا من باب إطلاق المرسل إطلاقا عاما،
وهو غير الإطلاق الخاص المشهور الذي هو قول التابعي:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا،
يعني:
أن المرسل المشهور عند المحدثين هو: ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا.ولكن يأتي الإطلاق العام، وهو أن يروي الراوي عمن لم يدرك عصره أو عمن أدرك عصره ولم يسمع منه، وهذا هو الذي يسمى المرسل الخفي، فالمرسل الخفي يكون الراوي مدركا لمن أرسل عنه ولقيه ولكن لم يسمع منه، ولهذا فإنهم يفرقون بين المرسل الخفي وبين المدلس، فالتدليس يختص برواية الراوي عن شيخ سمع منه ما لم يسمعه منه بلفظ محتمل، أما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه، أو لقيه ولم يسمع منه، فهذا هو المرسل الخفي.
كراهية الكلام عند الحاجة
[شرح حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما)]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[باب كراهية الكلام عند الحاجة.حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا ابن مهدي حدثنا عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض قال: حدثني أبو سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله عز وجل يمقت على ذلك).قال أبو داود: لم يسنده إلا عكرمة بن عمار].
أورد أبو داود هذه الترجمة بعنوان:
باب كراهية الكلام عند الحاجة،
يعني: كون الإنسان يقضي حاجته ويتكلم مع غيره، نعم إذا كان هناك حاجة وضرورة إلى الكلام فله أن يتكلم بحدود الحاجة والضرورة،
مثلا:
إذا كان الإنسان في الخلاء وطرق عليه الباب فلا بأس أن يجيبه، لكن كون الرجل يقضي الحاجة وهذا يقضي الحاجة ويتحدثان كأنهما جالسان للحديث فهذا لا يليق ولا ينبغي، بل على الإنسان أن يسكت عند قضاء الحاجة ولا يتكلم ولا يذكر الله عز وجل، ولكن إذا اضطر إلى الكلام أو كان هناك أمر يقتضي الكلام فليتكلم في حدود ما تدعو إليه الحاجة.
أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط) يعني: لفعل الغائط،
يقال:
ضرب الغائط إذا قضى حاجته،
وأما إذا قيل:
يضرب في الأرض فمعناه: أنه يسافر،
وأما إذا قيل:
ضرب الغائط فمعناه: أنه قضى الحاجة، فـ (ضرب) إذا عدي بنفسه فالمراد به قضاء الحاجة، وإذا عدي بـ (في) فالمراد به السفر في الأرض.
وقوله: (فإن الله يمقت على ذلك) يعني: أن الله يبغض ذلك،
والمقت هو: شدة البغض،
والممقوت هو:
المبغوض.
[تراجم رجال إسناد حديث: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما)]
[حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة].
عبيد الله بن عمر بن ميسرة ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا ابن مهدي].
هو عبد الرحمن بن مهدي، وهو ثقة، بل من أئمة الجرح والتعديل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد قال عنه الذهبي في كتاب (من يعتمد قوله في الجرح والتعديل): إن يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي إذا تكلما في شخص أو جرحا شخصا فهو لا يكاد يندمل الجرح،
يعني:
أنهما إذا اتفقا على تجريح شخص فإنهما يصيبان الهدف ويصلان إلى الغاية في الجرح والتعديل.وابن مهدي إمام من أئمة الجرح والتعديل.
[حدثنا عكرمة بن عمار].
عكرمة بن عمار صدوق يغلط، وروايته عن يحيى بن أبي كثير فيها اضطراب، وهنا روايته في هذا الإسناد هي عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، ويحيى بن أبي كثير اليمامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة،
وهو الذي قال الكلمة المشهورة التي رواها عنه مسلم في صحيحه:
(لا يستطاع العلم براحة الجسم)،
يعني:
من أراد أن يحصل العلم فلابد أن يتعب ولابد أن ينصب؛ لأنه لا يحصل أحد العلم بدون مقابل، بل لابد من بذل النفس والنفيس والغالي والرخيص، فبذلك يحصل العلم، أما أن يريد علما وهو كسول مخلد إلى الراحة، لا يصبر على النصب والمشقة والتعب، فإن هذا لا يحصل شيئا، وطلبه للعلم أو رغبته في العلم مع كسله وخموله من الأماني الكاذبة، ولكن من أراد العلم فليبذل ما يستطيع لتحصيله.
ويحيى بن أبي الكثير اليمامي يروي هذا الحديث عن هلال بن عياض ويقال:
عياض بن هلال وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير، وأخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
[حدثني أبو سعيد].
هو سعد بن مالك بن سنان،
مشهور بكنيته ونسبته:
أبي سعيد الخدري، وهو من أكثر الصحابة حديثا، وهو أحد السبعة الذين عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والحديث ضعيف من جهتين:
من جهة عكرمة بن عمار؛ لأن في روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطرابا، ومن جهة أيضا هلال بن عياض أو عياض بن هلال؛ لأنه مجهول تفرد بالرواية عنه يحيى بن أبي كثير اليمامي.ولكن المعنى صحيح من جهة أن الإنسان لا يجعل حالته وهو يقضي حاجته كحالته في غير ذلك، فلا يتحدث كيف شاء من غير الحاجة ومن غير شيء يدفع إلى ذلك؛ ولأن الكلام أيضا قد يكون فيه ذكر الله، والإنسان لا يذكر الله عز وجل في أماكن قضاء الحاجة.
[الدفاع عن رجال الصحيح الذين تكلم فيهم]
[قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة بن عمار].
وعكرمة بن عمار عرفنا ما قيل فيه، وفي هذا إشارة إلى علة الحديث، وفيه العلة الأخرى وهي: الرجل مجهول الذي هو هلال بن عياض أو عياض بن هلال.وعكرمة بن عمار أخرج حديثه البخاري تعليقا ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.ولكن ينبغي أن يعلم أن الأشخاص الذين تكلم فيهم وقد أخرج لهم البخاري على أحوال، وابن حجر رحمه الله في كتابه (هدي الساري) الذي هو مقدمة الفتح ذكر الذين تكلم فيهم من رجال البخاري على حروف المعجم، وأجاب عن الكلام فيهم من جهة أن الكلام لم يثبت أو أن المتكلم هو نفسه مجروح ولا يقبل جرحه وكلامه، أو من جهة أن رواية هذا الذي تكلم فيه تكلم فيها في شخص أو من جهة شخص، والرواية في الصحيح ليست من جهة الشخص المتكلم فيه، أو لأنه روى عنه حديثا أو حديثين متابعة أو ما إلى ذلك، فذكر الجواب عن هؤلاء الذين انتقدوا وتكلم فيهم، وبين أن الكلام في ذلك أو فيهم لا يؤثر للأسباب التي ذكرها والتوجيهات التي أشار إليها.
وفي بعض النسخ زيادة على كلام أبي داود الأخير: [قال أبو داود: هذا لم يسنده إلا عكرمة وهو من حديث أهل المدينة حدثناه أبو سلمة حدثنا أبان حدثنا يحيى بهذا.يعني: موقوفا].
يعني: موقوفا على أبي سعيد الخدري.والله أعلم.
الأسئلة
[صلاة المتأخر على الجنازة]
q إذا أتيت بعد التكبيرة الثالثة من صلاة الجنازة فكبرت وتبعت الإمام فقرأت الفاتحة ماذا أفعل؟ وإذا كان الإمام يطول في الدعاء هل أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وأدعو للميت بدون تكبير، فإذا سلم الإمام أسرد التكبير الباقي، أم ماذا أفعل؟

a الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فالإنسان يدخل معه، وإذا تمكن أن يقرأ الفاتحة والصلاة على النبي والدعاء فعل، وإذا لم يمكن إلا أحدها فالدعاء هو الأولى؛ لأن الدعاء هو الأصل في صلاة الجنازة، وإذا سلم يكبر، وإذا كبر يدعو للميت دعاء قصيرا فيقول: الله أكبر، اللهم اغفر له، ثم يقول: الله أكبر، اللهم اغفر له، ويسلم.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* خاتم النبيين
* غزوة الخندق
* الصدق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
* زهد النبي صلى الله عليه وسلم وتقلله من الدنيا
* دروس وعبر من غزوة: «الخندق» و «بني قريظة»
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 03:20 PM   #14

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)

ذكر الله تعالى على غير طهر

صــ 1إلى صــ 10
الحلقة (14)

شرح سنن أبي داود [007]
من آداب قضاء الحاجة ألا يذكر الله عز وجل عند قضاء الحاجة؛ لأن ذكر الله عز وجل يجب أن ينزه عن مثل هذه الأحوال، فلا يذكر في المواضع المستقذرة، ويستحب أن يذكر عز وجل على طهارة.
رد السلام في حال البول
[شرح حديث: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه)]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[باب: أيرد السلام وهو يبول؟ حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة قالا: حدثنا عمر بن سعد عن سفيان عن الضحاك بن عثمان عن نافع عن ابن عمر قال: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه).
قال أبو داود: وروي عن ابن عمر وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم ثم رد على الرجل السلام)].
قوله:
[باب: أيرد الرجل السلام وهو يبول؟] أي: هل الإنسان إذا كان على قضاء الحاجة وسلم عليه أحد يرد عليه السلام أو لا يرد؟و a أنه لا يرد؛ وذلك أن السلام ذكر لله عز وجل؛ ولأنه دعاء ورده دعاء، والسلام من أسماء الله عز وجل.وذكر الله لا يكون عند قضاء الحاجة، ومن ذلك رد السلام،
وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما:
(أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه)، وهذا يدل على أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يقضي حاجته؛ لأن كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه فيه إشارة وتنبيه إلى أنه ليس للإنسان أن يسلم على من يبول، وأنه إذا سلم عليه وهو يبول لا يرد؛ لأن ترك النبي صلى الله عليه وسلم الرد عليه يدل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يرد السلام وهو يقضي الحاجة.وعلى هذا فيفهم من الحديث أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يبول، وعلى المسلم عليه الذي يقضي حاجته ألا يرد السلام، وفيه أيضا دليل على أن ذكر الله عز وجل لا يكون في حال قضاء الحاجة.وفيه أيضا دليل على أن الإنسان إذا كان يقضي حاجته لا ينبغي له أن يتكلم، ولا أن يخاطب الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما أجاب المسلم بشيء، لا بكلام ولا برد السلام؛ لأن التحية ورد السلام لا يناسب أن يكون في مثل هذه الحال، فهذا يفيد أن الإنسان لا يتكلم وهو يقضي حاجته.وإذا كانت هناك ضرورة تدعو إلى الكلام فللإنسان أن يتكلم على قدر الحاجة.ثم أشار أبو داود رحمه الله إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام بعدما تيمم رد عليه،
فقال:
وروي عن ابن عمر وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم تيمم ثم رد عليه السلام)،
يعني:
أنه بعدما انتهى من بوله تيمم ثم رد عليه السلام.وهذا فيه أن الإنسان حينما يرد السلام ينبغي أن يكون على طهارة، ولكن إذا كان الإنسان ليس على قضاء الحاجة وكان غير متوضئ وغير متيمم فيجوز له أن يذكر الله وأن يرد السلام؛ ولكن الأولى والأشرف أن يكون على طهارة، وقد أورد أبو داود رحمه الله هذا الحديث مسندا في باب التيمم في الحضر.
والمقصود من هذا:
أن يكون رد السلام على حال أكمل وأفضل، وإلا فإن ذكر الله عز وجل والإنسان محدث وليس على وضوء سائغ وجائز، وسيأتي الحديث الذي يدل على ذلك،
وهو:
(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه)،
يعني:
سواء كان متوضئا أو غير متوضئ.
ولكن الذي حصل في هذا:
هو الإشارة إلى ما هو أكمل وإلى ما هو أفضل، والحديث الذي سيأتي يدل على أن ذلك سائغ وجائز،
ولا تنافي بين هذا الحديث والحديث الذي سيأتي والذي فيه:
(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).
[تراجم رجال إسناد حديث: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه)]
قوله:
[حدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة].أبو شيبة هو محمد بن إبراهيم،
ويكنى بـ أبي شيبة وابناه هما:
عثمان وأبو بكر، وأبو بكر اسمه عبد الله ولكنه مشهور بكنيته، وكل منهما ثقة، وكل منهما خرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.وأبو بكر هو المشهور أكثر من عثمان في كثرة الرواية، وكثرة الحديث؛ ولهذا خرج له مسلم في صحيحه -
أي: لـ أبي بكر - أكثر من ألف وخمسمائة حديث، وهو أكثر الشيوخ الذين روى عنهم مسلم،
يعني:
أن الأحاديث التي حدث بها مسلم عن شيوخه أكثرها ما كان عن أبي بكر بن أبي شيبة.وقد اشتهر أبو بكر بن أبي شيبة بكنيته، وكذلك ينسب إلى أبيه بالكنية،
فيقال:
أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو بكر اسمه عبد الله، وأبو شيبة اسمه محمد، وهذا فيه الاشتهار بالكنى، والاشتهار بكنية الأب أيضا، ومثل هذا شهرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أبو بكر بن أبي قحافة، فهو مشهور بكنيته وينسب إلى أبيه مكنى، وهو عبد الله بن عثمان رضي الله عنه، وليس مشهورا باسمه واسم أبيه، وأبوه ليس مشهورا باسمه، وإنما اشتهر بالكنية.وهنا أبو بكر بن أبي شيبة اشتهر بكنيته وكنية أبيه.وأبو بكر رضي الله عنه ليس له ولد اسمه بكر، ولا لـ عمر ابن اسمه حفص، ولكن هذه كنى حصل الاشتهار بها، ولعلها حصلت في زمن مبكر وقبل أن يولد للإنسان ولد، فاستمر عليها وعلى ذكرها.[حدثنا عمر بن سعد].هو أبو داود الحفري،
والحفر: محلة من الكوفة، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن الأربعة.[عن سفيان].هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، وهو ثقة فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.وهنا جاء غير منسوب، لأن أبا داود الحفري من أهل الكوفة، وهو يروي عن سفيان الثوري، وكذلك الضحاك بن عثمان يروي عنه أيضا سفيان الثوري، وحديث سفيان الثوري أخرجه أصحاب الكتب الستة.
وكما قلت: هو من الذين وصفوا باللقب الرفيع الذي هو من أعلى صيغ التعديل: أمير المؤمنين في الحديث، وهو مشهور بالفقه، ومشهور بالحديث رحمة الله عليه.
[عن الضحاك بن عثمان].
هو الضحاك بن عثمان الأسدي، وهو صدوق يهم، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن نافع].
هو نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.(عن ابن عمر).هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عن الصحابة أجمعين.
[حكم ذكر الله عز وجل عند قضاء الحاجة]
والنهي في هذا الحديث الذي يبدو أنه على التحريم؛ لأن الإنسان عند أن يقضي حاجته لا يذكر الله، بل يجب أن ينزه ذكر الله عز وجل عن أن يكون في حال مكروهة أو حال فيها قذر، أو فيها خروج شيء مستقذر.
[شرح حديث: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)]
قال المصنف رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن حضين بن المنذر أبي ساسان عن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: (أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر، أو قال: على طهارة)].أورد أبو داود رحمه الله تعالى حديث المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه: (أنه مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام، حتى توضأ ورد عليه السلام، ثم اعتذر النبي صلى الله عليه وسلم إليه وقال: إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر).أي: أن حالة البول هذه حالة ليست محلا لذكر الله عز وجل، ولكن بعد أن يقضي الإنسان حاجته -حتى قبل أن يتوضأ- هذه حالة لا مانع فيها من ذكر اسم الله عز وجل، ولا مانع من قراءة القرآن، والقرآن هو خير الذكر وأفضل الذكر.ولكن كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عليه السلام إلا بعد أن توضأ، وأشار إلى أنه كره أن يرد إلا وهو على طهارة فيه إشارة إلى الأكمل، وفي هذا أيضا إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يحرص على أن يكون على طهارة؛ حتى يكون أكمل في ذكره لله عز وجل وفي قراءته للقرآن.وإن كان ذكره لله عز وجل بعدما ينتهي من بوله وقبل أن يتوضأ سائغ وجائز، إلا أن هذا فيه إشارة إلى الأكمل وإشارة إلى الأفضل، وفيه حسن خلقه صلى الله عليه وسلم في اعتذاره للمهاجر بن قنفذ وبيانه له حتى يكون في ذلك بيان لهذا الحكم الشرعي، ولتطييب خاطره ونفسه من كونه سلم ولم يرد عليه، وفيه تنبيه أيضا كما أسلفت إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يسلم على من يقضي حاجته.
[تراجم رجال إسناد حديث: (إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر)]
قوله:
[حدثنا محمد بن المثنى].هو أبو موسى العنزي الملقب: الزمن البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فكل منهم روى عنه مباشرة بدون واسطة.وسبق أن ذكرت في درس مضى أن ثلاثة من صغار شيوخ البخاري هم من رجال الكتب الستة وماتوا في سنة واحدة،
وهم:
محمد بن المثنى هذا، ومحمد بن بشار بندار ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، فهؤلاء ثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ماتوا في سنة واحدة قبل وفاة البخاري بأربع سنوات، وهي سنة (252هـ).وذكروا عن محمد بن المثنى أنه مثل محمد بن بشار في أمور كثيرة،
فقالوا:
اتفقا في سنة الولادة، وسنة الوفاة، وكلاهما من أهل البصرة، وكانا متفقين في كثير من الشيوخ والتلاميذ، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في ترجمة محمد بن المثنى: وكان هو وبندار كفرسي رهان.
يعني:
متماثلين، لا أحد منهما يسبق الآخر، كما أن فرسي الرهان يكون بينهما تماثل.
وقال:
إن هذين الاثنين ماتا في سنة واحدة، وكانا كفرسي رهان، واتفقا في أمور كثيرة.
[حدثنا عبد الأعلى].
هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا سعيد].
هو ابن أبي عروبة، وإذا جاء سعيد يروي عن قتادة فالمقصود به ابن أبي عروبة.وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الحسن].
هو الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن حضين بن المنذر أبي ساسان]
.حضين بن المنذر أبي ساسان ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن المهاجر بن قنفذ].
المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه صحابي، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.وفي هذا الحديث أنه توضأ، وفي الحديث الذي روي عن ابن عمر وغيره أنه تيمم، والذي يبدو أنهما قصتان، إحداهما فيها وضوء، والأخرى فيها تيمم.
ذكر الله تعالى على غير طهر
[شرح حديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه)]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر.حدثنا محمد بن العلاء حدثنا ابن أبي زائدة عن أبيه عن خالد بن سلمة -يعني: الفأفاء- عن البهي عن عروة عن عائشة قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله عز وجل على كل أحيانه)].
أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة بعنوان: باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير طهر، بعد أن ذكر الترجمة السابقة التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام إلا بعدما توضأ أو تيمم.ومن المعلوم أن الوقت الذي بين قضاء الحاجة وبين التيمم أو الوضوء يجوز للإنسان أن يذكر الله عز وجل فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم ما حصل منه رد السلام إلا بعد الوضوء أو التيمم، وهذا فيه إشارة إلى الأكمل، وأن الإنسان إذا ذكر الله في حال طهارته فهذا أكمل وأفضل.وبعد هذا أورد هذه الترجمة الدالة على جواز ذكر الله عز وجل على غير طهارة، لكن ليس في حال قضاء الحاجة، ففي حال قضاء الحاجة لا يرد الإنسان السلام، ولكن فيما بين قضاء الحاجة وبين الوضوء أو التيمم يجوز للإنسان أن يذكر الله عز وجل.فأورد أبو داود رحمه الله هذا الباب بعد الباب الذي قبله إشارة إلى أن ما جاء في الباب الذي قبله إنما هو إشارة إلى الأكمل، وفي هذا الباب إشارة إلى الجواز وعدم الحرج، وأنه لا بأس بذلك، وأن الذكر قبل الوضوء خلاف الأولى، ولكن ليس من قبيل التحريم، وإنما الأولى والأفضل والأكمل أن يكون الذكر على طهارة، ولكن ذكر الله عز وجل على غير طهارة جائز لحديث عائشة هذا الذي أورده أبو داود رحمه الله.وكثيرا ما يأتي في التراجم وفي الأحاديث ذكر الرجل، ولا مفهوم له، بمعنى: أن حكم المرأة لا يخالف حكم الرجل، بل حكم الرجل والمرأة واحد، والأحكام هي للرجال والنساء، ولكن يذكر الرجال في التراجم ويأتي ذكرهم في الأحاديث بلفظ الرجل أو الرجال؛ لأن الغالب أن الخطاب مع الرجال؛ لا لأن الحكم يختص بالرجال؛ فبعض الرجال لا يذكر الله على كل أحيانه وبعض النساء كذلك.وقد جاءت أحاديث كثيرة فيها ذكر الرجال، ولا مفهوم لذكر الرجال،
بمعنى:
أن النساء ليس لها حكم آخر، بل حكم النساء هو حكم الرجال، والأصل هو تساوي النساء والرجال في الأحكام، إلا ما جاء يخص الرجال دون النساء، وما جاء يخص النساء دون الرجال، فعند ذلك يصار إلى التفريق، أما حيث لا تفريق وحيث لا يأتي شيء يدل على أن هذا خاص بالرجال أو هذا خاص بالنساء فالأصل هو التساوي بين الرجال والنساء.وقد جاءت جملة كبيرة من الأحاديث في هذا المعنى الذي هو ذكر الرجل، ولا مفهوم له،
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه) وكذلك المرأة التي تصوم صوما تداوم عليه فلها أن تصوم.فقوله: (إلا رجل) هذا لا مفهوم له، بل المرأة مثل الرجل.
وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام:
(من وجد متاعه عند رجل قد أفلس…)، كذلك المرأة إذا كانت مفلسة وقد بيع لها شيء والمبيع موجود عندها فالذي وجده من الغرماء أحق به، سواء وجده عند رجل أو عند امرأة،
فقوله:
(من وجد متاعه عند رجل) لا مفهوم للرجل، فالمرأة مثل الرجل.
وعلى هذا فالقاعدة: أن أحكام الرجال والنساء واحدة، ولا يختص الرجال بحكم دون النساء، ولا النساء بحكم دون الرجال، إلا إذا جاء شيء يدل على التخصيص؛ إما لأنها أحكام تتعلق بالنساء أو لأنها أحكام يفرق فيها بين الرجال والنساء.وهذه الأحكام التي يفرق بها بين الرجال والنساء كثيرة، وقد أشرت إلى جملة منها في الفوائد المنتقاة من فتح الباري وكتب أخرى، وهذه هي الفائدة الوحيدة التي ما عزوتها إلى كتاب؛ لأنني لم أنقلها من كتاب، ولكنني كنت أدون ما يعرض لي من فروق بين الرجال والنساء، فتجمعت جملة كبيرة، فأوردتها في ذلك الكتاب، وهي غير معزوة إلى أحد؛ لأنها مسائل كثيرة يفرق فيها بين الرجال والنساء، فهي الفائدة الوحيدة التي لم تنسب ولم تعز إلى مصدر أو كتاب معين، وهي جملة كبيرة من الأحكام التي يختلف فيها الرجال عن النساء، ويفرق فيها بين الرجال والنساء.
والحاصل:
أن ذكر الرجل في التراجم وكذلك في الأحاديث لا مفهوم له،
وإنما المقصود من ذلك:
أن الغالب أن الخطاب مع الرجال دون النساء.
وبعد ذلك أورد حديث عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه).
[تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه)]
قوله:
[حدثنا محمد بن العلاء].
هو محمد بن العلاء أبو كريب، مشهور بكنيته أبي كريب، وبعض المحدثين يذكره بكنيته،
فيقول: أبو كريب ويكتفي بها، وبعضهم يذكره باسمه منسوبا،
فيقول:
محمد بن العلاء، وبعضهم يجمع بين الاسم والكنية والنسبة، ومعرفة الكنى للمحدثين مهمة،
وفائدتها:
ألا يظن الشخص الواحد شخصين،
وذلك فيما لو جاء في أحد الأسانيد: أبو كريب، وجاء في إسناد آخر محمد بن العلاء.فالذي لا يعرف أن أبا كريب هو محمد بن العلاء يظن أن أبا كريب شخص، وأن محمد بن العلاء شخص آخر، لكن من يعرف أنه واحد فسواء جاء أبو كريب أو جاء محمد بن العلاء فالنتيجة واحدة؛ إذا إنها يراد بها شخص واحد، وإنما يذكر باسمه في بعض الأحيان، ويذكر بلقبه في بعض الأحيان، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن أبي زائدة]
.هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
وهو ثقة يدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن خالد بن سلمة -يعني: الفأفاء -]
.كلمة (يعني) سبق أن مر التنبيه عليها، وأن المقصود منها: أن تلميذ الراوي اكتفى باسمه، وتلميذه هو زكريا بن أبي زائدة، وهو ما زاد على أن قال: خالد بن سلمة، لكن يحيى بن زكريا، أو من دونه هو الذي قال: الفأفاء، وكلمة (يعني) لها قائل ولها فاعل، ففاعلها زكريا بن أبي زائدة، وقائلها: من دون زكريا بن أبي زائدة.وخالد بن سلمة صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن البهي].
البهي لقب، واسم صاحب اللقب عبد الله بن يسار، وهو صدوق يخطئ، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عروة]
.هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وقد مر ذكرهم فيما مضى، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة]
.عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكرهم قريبا.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* خاتم النبيين
* غزوة الخندق
* الصدق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
* زهد النبي صلى الله عليه وسلم وتقلله من الدنيا
* دروس وعبر من غزوة: «الخندق» و «بني قريظة»
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 03:22 PM   #15

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)

الاستبراء من البول

صــ 11إلى صــ 20
الحلقة (15)

الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء

[شرح حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى يدخل به الخلاء.حدثنا نصر بن علي عن أبي علي الحنفي عن همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه).قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه) والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام].
ثم أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة بعنوان:
باب الخاتم يكون فيه ذكر الله يدخل فيه الخلاء.
وهذه الترجمة المقصود منها:
أن ما كان فيه ذكر الله عز وجل هل يدخل به الخلاء أو لا يدخل به في محل الخلاء أو محل قضاء الحاجة؟
وهذا يقال فيه:
إن الأولى والذي ينبغي أنه إذا تيسر ألا يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله فليفعل، ولكنه إذا حصل أمر يقتضي ذلك فإنه لا بأس بذلك، لكن حيث أمكن ألا يدخل بشيء فيه ذكر الله فهذا هو الذي ينبغي.ولكن إن دعت إلى ذلك الحاجة فإنه لا بأس بإدخاله مع الإنسان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان معه خاتم مكتوب فيه (محمد رسول الله) (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر، وهذا فيه ذكر الله؛ لأنه مكتوب فيه (محمد رسول الله) صلى الله عليه وسلم؛
ومن أجل ذلك قال في الترجمة:
فيه ذكر الله.
ثم أورد حديث أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)،
يعني:
أنه لا يدخل به الخلاء، وإنما يدخل بدون الخاتم؛ وذلك لأن فيه ذكر الله عز وجل.فأورد أبو داود رحمه الله حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في هذا، وأنه كان صلى الله عليه وسلم يضع الخاتم.
ثم بعد ذلك قال أبو داود:
إنه حديث منكر.وبين أن المعروف أنه عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري، عن أنس: (أنه اتخذ خاتما من ورق فألقاه).والفرق إنما هو في وضع الخاتم عند دخول الخلاء،
كما جاء في حديث الطريق الأولى التي هي: همام عن ابن جريج،
ولكن قال أبو داود:
إن الحديث منكر، والوهم فيه من همام، والمخالفة فيه من همام، مع أن هماما ليس من الضعفاء،
والمشهور في تعريف المنكر:
رواية الضعيف مخالفا الثقة، وهمام ليس بضعيف، ولكنه من الثقات، وقد أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو ثقة ربما وهم.
قالوا:
ولعل المقصود بذلك: التوسع في معنى المنكر، وهو ما فيه المخالفة من الثقة لمن هو أوثق منه، ومن الضعيف للثقة،
وعلى هذا فيكون المقصود به:
الشاذ؛ لأن مخالفة الثقة للثقات يسمى شاذا ولا يسمى منكرا، لكن بعض أهل العلم يتوسع في إطلاق المنكر على ما فيه المخالفة.
قالوا:
وهذا يتفق مع هذا التوسع، وهو أنه لا توجد هنا المخالفة؛ لأنه ليس هنا ضعيف خالف ثقة، وإنما ثقة خالف من هو أوثق منه.
ولهذا فإن بعض أهل العلم قال: إن أبا داود نوزع في بيان أنه منكر، وأنه ليس فيه إلا تدليس ابن جريج، فإنه مدلس، فإن صرح بالسماع فإنه يصحح، وإلا فإن العلة فيه ليست من همام، وإنما هي من تدليس ابن جريج.وأما الحكم فهو أنه حيث أمكن ألا يدخل الخلاء بشيء فيه ذكر الله عز وجل فهذا هو الذي ينبغي، ولكن إذا احتيج إلى ذلك أو دعا الأمر إلى ذلك -كأن خيف أن يسرق ذلك الشيء الذي فيه ذكر الله عز وجل لو وضعه في الخارج- فإنه يدخل به ولا بأس بذلك، وقد عمت البلوى في أن الناس لابد أن يكون في جيوبهم شيء فيه ذكر الله عز وجل من الأوراق النقدية وغير النقدية، فالدخول بها الخلاء مما تدعو إليه الحاجة ولا يمكن التحرز منه.
[تراجم رجال إسناد حديث: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)]
قوله:
[حدثنا نصر بن علي].
هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وقد وافق اسمه واسم أبيه اسم جده وجد أبيه، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي علي الحنفي].
هو عبيد الله بن عبد المجيد، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن همام].
هو همام بن يحيى، وهو ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري]
.هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك رضي الله عنه، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنس بن مالك من صغار الصحابة، والزهري من صغار التابعين.وهذا الحديث فيه رواية تابعي صغير عن صحابي صغير؛ لأن أنسا رضي الله عنه عمر، وطالت حياته، فأدركه صغار التابعين، ومنهم من روى عنه، ومنهم من لم يرو عنه، وهنا الزهري يروي عنه، وقد سبق أن ذكرنا أن حديث الأعمش عنه مرسل؛ لأن الأعمش لم يرو عن أنس.
[قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد].
وزياد بن سعد أخرج له أصحاب الكتب الستة.وهو يعني بهذا أن المعروف ذكر الواسطة بين ابن جريج وبين الزهري، وهو زياد بن سعد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وبعض أهل العلم قال: إنه يمكن أن يكونا حديثين، فيكون هذا حديث وهذا حديث، فالذي جاء من هذا الطريق حديث، والذي جاء من ذلك الطريق حديث آخر.
وقال: يمكن أن يصحح الحديث الذي قال عنه أبو داود: إنه منكر؛ وذلك لأنه ليس فيه إلا احتمال تدليس ابن جريج، فإن صرح بالسماع حكم له بالصحة والثبوت، وإلا فالعلة فيه ليست من همام، وإنما هي من تدليس ابن جريج.قوله: (اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه)].
الورق هو: الفضة، والمعروف أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب ثم ألقاه فألقى الناس خواتيمهم، وبين لهم أنه حرام، وأما الورق فإنه حلال ومباح اتخاذه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذ خاتما من ورق واستمر عليه الصلاة والسلام عليه،
وجاء عن أنس: (أنه كان يرى وبيص خاتمه في يده صلى الله عليه وسلم)، وكان اتخذ الخاتم من أجل أن يختم به كتبه إلى الزعماء والملوك والرؤساء؛
لأن أصله أنه قيل:
إنهم لا يقبلون الكتاب إلا مختوما،
فاتخذ خاتما وكتب فيه:
(محمد رسول الله) صلى الله عليه وسلم.فهذا الحديث الذي فيه وضع الخاتم هو من طريق زياد بن سعد عن الزهري، لكن فيه أن الخاتم من فضة، والذي أعرف أن الذي نزعه النبي صلى الله عليه وسلم ونزع الناس خواتيمهم هو أنه كان من ذهب، فما أدري هل قضية الفضة حصل فيها شيء من هذا أم لا؟ ولكن الفضة بقيت مباحة واستمرت إباحتها، وعلى هذا فيجوز اتخاذ الخاتم من الفضة.
الاستبراء من البول
[شرح حديث: (أما هذا فكان لا يستنزه من البول)]قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستبراء من البول.حدثنا زهير بن حرب وهناد بن السري قالا: حدثنا وكيع حدثنا الأعمش قال: سمعت مجاهدا يحدث عن طاوس عن ابن عباس قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا فكان يمشي بالنميمة.ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدا وعلى هذا واحدا وقال: لعله يخفف عنها ما لم ييبسا).قال هناد: (يستتر) مكان (يستنزه)].
الاستبراء من البول:
هو الاستنزاه منه، والحرص على السلامة من أن يتطاير على الثوب أو الجسد، فلا يتهاون الإنسان في البول بأن يقع على جسده أو ملابسه ثم لا يستنزه منه، بل عليه أن يحرص على ألا يكون في ثيابه على بدنه نجاسة؛ لأنه ورد الوعيد الشديد فيه، وبيان أنه من الكبائر؛ وذلك لأنه جاء فيه عذاب القبر.
ومن المعلوم أن الكبائر هي: الذنوب التي عليها حد في الدنيا، أو توعد عليها بلعنة أو غضب أو نار.وهنا بين أن صاحب ذلك القبر يعذب في قبره؛ بسبب عدم الاستنزاه من البول، فالإنسان إذا علم النجاسة فعليه أن يبادر إلى إزالتها.لكنه إذا صلى ثم علم أن في ثوبه أو على بدنه نجاسة فإن صلاته صحيحة، وإن علم في أثناء الصلاة فإن عليه أن ينزع الذي فيه نجاسة إذا كان يمكن نزعه ويواصل الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في نعليه وفي أثناء الصلاة نزعهما، فالناس نزعوا نعالهم، ولما فرغ أخبرهم بأن جبريل جاءه وأخبره بأن فيهما نجاسة.فكون النبي صلى الله عليه وسلم بنى على ما قبل النزع دلنا على أن الصلاة تصح في الثوب إذا كان فيه نجاسة أو البدن إذا كان عليه نجاسة إذا لم يعلم إلا بعد الفراغ من الصلاة.وسواء كان قد أصابته النجاسة ولا يدري عنها ولا عرفها إلا بعد الصلاة، أو كان يعلمها من قبل ولكنه نسيها فإن الصلاة تصح، وهذا بخلاف الوضوء، فإن الإنسان إذا صلى بدون وضوء فعليه أن يعيد الصلاة، وإذا صلى وفي ثوبه نجاسة أو عليه نجاسة ولم يعلم بها إلا بعد الفراغ من الصلاة فإن صلاته صحيحة، بدليل حديث نزع الرسول صلى الله عليه وسلم نعليه وهو في الصلاة، وقد اعتبر ما مضى من صلاته قبل النزع، فلو كان ذلك غير سائغ وغير صحيح لاستأنف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة من أولها.
أورد أبو داود رحمه الله حديث ابن عباس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير)،
يعني: أن الله تعالى أطلع نبيه على أن صاحبي هذين القبرين يعذبان،
وقال:
(وما يعذبان في كبير)،
وليس معنى قوله:
(وما يعذبان في كبير) يعني: تسهيل أو تهوين النميمة وعدم الاستبراء من البول،
وإنما المقصود:
أن تركه شيء سهل عليهما ويسير عليهما، وليس عليهما في تركه مشقة، وليس فيه تعب عليهما، بل تركه هين عليهما، ولكنهما تهاونا في ذلك ووقعا في هذا الأمر المحرم، مع أنه ليس بشيء كبير يشق عليهما، بل هو هين إذا وفقهما الله عز وجل للتخلص منه والسلامة منه.فلا يعني ذلك أنه ليس من الكبائر؛ لأن الذنب كبير، ولهذا فالإنسان يعذب عليه في قبره، ولكن المقصود بالنفي هو أنه هين عليهما التخلص منه والسلامة منه، وعدم الوقوع فيه، ومع ذلك فقد وجد منهما التهاون حتى وقعا فيما وقعا فيه.
وقوله:
(إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستنزه من البول أو لا يستبرئ من البول) هذا فيه إثبات عذاب القبر، والأحاديث فيه متواترة، بل قد جاء في القرآن إثبات عذاب القبر،
كما قال الله عز وجل في آل فرعون:
{النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر:46]، فهم يعرضون على النار غدوا وعشيا، أي: وهم في القبور قبل أن تقوم الساعة.فهذا فيه إثبات عذاب القبر من القرآن الكريم، وأما الأحاديث فهي أحاديث كثيرة جدا ومتواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن عذاب القبر حق، وأنه يصل إلى من يستحقه، فالكفار يعذبون في قبورهم كما جاء في آل فرعون، والعصاة من شاء الله عز وجل أن يعذب عذب ومن شاء ألا يعذب فإن الله تعالى يعفو عنه ويتجاوز.والحديث الذي معنا يفهم منه أنهما كانا مسلمين؛ لأنهما لو كانا كافرين لكان العذاب على الكفر، فالكفر والشرك أعظم الذنوب وأخطرها،
ولكن المقصود: أنهما عذبا بهذا الذنب الكبير الذي هو المشي بالنميمة وعدم الاستبراء من البول.ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ جريدة رطبة وشقها قطعتين، وغرز في كل قبر قطعة، وقال: (لعله يخفف عنهما مالم ييبسا)، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على هذا الغيب الذي هو حصول العذاب في هذا القبر،
وعلى سبب العذاب:
وهو النميمة وعدم الاستبراء من البول، وأما الناس فإنهم لا يعلمون، ولا يحصل لهم ما يحصل للرسول صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يطلعه الله عز وجل من الغيب على مالم يطلع عليه أمته،
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع).فالرسول صلى الله عليه وسلم قد أطلعه الله على ما يجري في القبور، ويسمع ما يحصل في القبور من العذاب والصراع والصياح الذي يكون بسبب ذلك، والبهائم كذلك تسمع ما يجري في القبور،
والله تعالى أخفى ذلك على المكلفين:
الجن والإنس؛ حتى يتبين أولياء الله من أعداء الله، وحتى يتبين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأنهم لو أطلعوا على ما يجري في الغيب وما يجري في القبور لما بقي هناك تمييز بين من يكون وليا وبين من كان غير ولي،
والله تعالى شاء أن يكون الناس فريقين:
(فريق في الجنة وفريق في السعير)، فريق يؤمن بالغيب، وفريق لا يؤمن إلا بما يشاهده ويعاينه.فالبهائم -كما جاء في بعض الأحاديث- تسمع، والرسول صلى الله عليه وسلم يسمع، وقد قال: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)،
يعني:
أنهم لو سمعوا ما يجري في القبور من الصراخ والصياح لما قر لهم قرار ولا هدأ لهم بال، بل يمكن أن يصيبهم المرض، ويصيبهم التعب حتى يموتوا، ولا يتمكن بعضهم من أن يدفن بعضا، والله أطلع نبيه على مالم يطلعهم عليه.
إذا: هذا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يأتي ويغرز أو يضع شيئا على المقابر، أو ما إلى ذلك من الأشياء التي تفعل في بعض الجهات وفي بعض البلاد؛ فإن هذا من الأمور المنكرة.
[تراجم رجال إسناد حديث (أما هذا فكان لا يستنزه من البول)]
قوله:
[حدثنا زهير بن حرب].
هو أبو خيثمة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[وهناد بن السري].
هناد بن السري ثقة، أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا وكيع].هو وكيع بن الجراح الرؤاسي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش]
.هو سليمان بن مهران الكاهلي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.والأعمش لقب، ومعرفة الألقاب أمر مهم، وفائدته مثل فائدة معرفة الكنى التي أشرت إليها سابقا، وهي ألا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر باسمه في موضع وذكر لقبه في موضع آخر، فإن الذي لا يعرف يظن أن هذا غير هذا، وهذا غير هذا، ومن يعرف يعلم أنه لا فرق بين هذا وهذا، وأن كلها تطلق على شخص واحد، وإنما ذكر مرة باسمه ومرة بكنيته.
[سمعت مجاهدا].
هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن طاوس]
.هو ابن كيسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
وهو أحد العبادلة، وأحد السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكر ذلك قريبا.
[قال هناد: (يستتر) مكان (يستنزه)].هناد هو شيخ أبي داود الثاني؛
لأن أبا داود له في هذا الحديث شيخان:
الأول: زهير بن حرب والثاني: هناد، وقد ساق أبو داود الحديث على لفظ زهير الذي هو شيخه الأول، ونبه في الآخر إلى أن هنادا خالف زهيرا بلفظ (يستنزه)، فأتى مكانها بلفظ (يستتر)، فساق لفظ الشيخ الأول، وأتى بمخالفة الشيخ الثاني للشيخ الأول في هذه الكلمة، وهي (يستتر) مكان (يستنزه) يعني: يستتر عند البول، وطبعا هذا المعنى يختلف، وهذا على هذه الرواية فيه لزوم الاستتار وعدم كشف العورة أمام الناس عند قضاء الحاجة.
[شرح حديث: (كان لا يستتر من بوله)]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه قال: (كان لا يستتر من بوله) وقال أبو معاوية: (يستنزه (].
عقد أبو داود السجستاني رحمه الله هذه الترجمة بعنوان:
باب الاستبراء من البول.
والمقصود من ذلك:
التنزه منه، والتحرز والتوقي من أن يقع شيء من النجاسة على جسد الإنسان، وعلى ثوب الإنسان، فعلى الإنسان أن يتوقى ذلك،
وسبق أن مر حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
(مر النبي عليه الصلاة والسلام بقبرين فقال: إنهما -أي: صاحبي القبرين- ليعذبان وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول أو فكان لا يستنزه من البول، ثم دعا بجريدة رطبة فشقها اثنتين،
وغرس على كل واحد منهما قطعة وقال:
لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا).وهذا يدل على أن عدم التنزه من البول من الكبائر؛ لأنه جاء الإخبار بالعذاب عليه في القبر،
ومن المعلوم أن الكبيرة هي:
ما كان عليها حد في الدنيا أو توعد عليها بلعنة أو غضب أو نار.وهنا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وجود العذاب في حق هذين الرجلين اللذين كان أحدهما لا يستبرئ من البول، وكان الثاني يمشي بالنميمة، وهو دال على أنهما من الكبائر، وقد ذكرنا أن عذاب القبر حق، وأنه جاء في القرآن ما يدل عليه في حق الكفار،
كما قال الله عز وجل عن آل فرعون:
{النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} [غافر:46].
وهذا الحديث فيه:
أن من الناس من يعذب في قبره،
وفيه:
بيان سبب العذاب، وهو المشي بالنميمة، وعدم التنزه من البول، ففيه ذكر العذاب وذكر سببه،
وفيه:
أن النبي عليه الصلاة والسلام وضع في كل قبر قطعة من عسيب أو من جريدة رطبة،
وقال:
(لعله يخفف عنهما مالم ييبسا).وهذا يشعر بأن صاحبي القبر من المسلمين، ولكنهما عذبا بهذين الذنبين، ولو كانا كافرين لكان التعذيب للكفر؛ لأن كل ذنب يعتبر دون الكفر ودون الشرك بالله عز وجل، وذكرنا أنه لا يجوز لأحد أن يفعل كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام من وضع الشيء الرطب وغرزه في القبور؛ لأن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وذلك أن الله تعالى أطلعه على الغيب، وأطلعه على أن صاحبي القبر معذبان، وأطلعه على سبب عذابهما، وهو مشي أحدهما بالنميمة، وعدم استبراء الآخر من البول، وليس أحد يحصل له ما حصل للرسول صلى الله عليه وسلم من الاطلاع على الغيب، فلا يجوز فعل ذلك.وعذاب القبر حق على كل من يستحقه، ومن شاء الله عز وجل أن يعذب به من المسلمين فإنه يصل إليه ذلك ولابد، وسواء دفن أو لم يدفن؛ لأنه لا يختص الأمر بمن دفن في الأرض، بل من يستحق العذاب في البرزخ يصل إليه العذاب،
فلا يقال:
من أكلته السباع وهو مستحق لعذاب القبر يسلم منه، ولا لمن أحرق وذر في الهواء وهو مستحق لعذاب القبر فإنه يسلم منه، بل إن عذاب القبر يصل إلى كل من شاء الله تعالى أن يعذب فيه.وعذاب القبر من الأمور الغيبية التي لا تقاس على أمور وأحوال الدنيا، فإننا نؤمن بعذاب القبر، ونعرف أن القبر إما روضة من رياض الجنة، وإما حفرة من حفر النار، ولو فتحنا القبور فلن نرى جنة ولا نارا، ولكن ذلك لا يجعل الإنسان يتردد أو يتوقف أو يشك، بل عليه أن يصدق وإن لم ير؛ لأن أمور الآخرة أو أمور البرزخ تختلف عن أمور الدنيا، فأمور الدنيا يعرف فيها الناس النار وعذابها وحصول ذلك، وما جاء في الكتاب والسنة من حصول العذاب على المقبورين، فنحن نؤمن به وإن لم نره، وإن لم نشاهده ونعاينه، وهذا هو الفرق بين من يؤمن بالغيب وبين من لا يؤمن بالغيب ولا يؤمن إلا بما يشاهده ويعاينه.وبهذا يكون التمييز بين أولياء الله وأعداء الله، ويكون التمييز بين من يكون موفقا ومن يكون مخذولا، وبين من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب.
وهناك مثال في الدنيا يوضح لنا هذا المعنى: وهو أن الأرواح يحصل لها في النوم نعيم، ويحصل لها عذاب، فينام الشخصان في مكان واحد ثم يقومان من نومهما، وأحدهما كان مرتاحا في نومه ووجد في نومه ما يسره، ووجد أنه يأكل من النعيم ما لذ وطاب ثم يقوم من نومه ولعابه يسيل! والآخر معه في نفس الغرفة، أو في نفس المكان، ولكنه رأى في منامه أن الوحوش تطارده، والحيات تلاحقه، والعقارب تلسعه، ثم قام من نومه فزعا، خائفا مذعورا، وريقه ناشف! فهذان اثنان في مكان واحد، وقد حصل لأرواحهما ما حصل من الفرق الشاسع، والبون البعيد، فكذلك ما يجري في القبور، فإنه قد يكون الاثنان مقبورين في قبر واحد، وأحدهما منعم والآخر معذب، ولا يصل إلى المنعم من عذاب المعذب شيء، ولا يصل إلى المعذب من نعيم المنعم شيء، بل هذا له نعيمه وهذا له عذابه، والله تعالى على كل شيء قدير.
والمهم في الأمر: أن المسلم لا يتردد ولا يتوقف في الإيمان والتصديق بما جاء به كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء أدركه أو لم يدركه، وسواء عقله أو لم يعقله، مع العلم بأن أمور الآخرة ليست مثل أمور الدنيا، وأمور البرزخ ليست مثل أمور الدنيا، حتى يقيس الإنسان هذا على هذا، فإن هناك فرقا، ولا تستوي أمور الدنيا وأمور الآخرة، فإذا وجد الإنسان الشيء الذي لا يعرفه فلا يتوقف ويترد أو يشك فيما جاء به الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل الواجب التصديق والإيمان.والقبور فيها أصوات، وفيها صياح وأهوال،
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع).وقد مر بنا الحديث، وعرفنا ما يتعلق بإسناده، وقد أورد أبو داود رحمه الله له إسنادا آخر حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وقال:
بمعناه، يعني: لم يسق متن الحديث الذي جاء بهذا الإسناد، وإنما أحال إلى المتن المتقدم، ولكن من حيث المعنى،
يعني:
أنه موافق للمتن من حيث المعنى، وليس من حيث اللفظ، ولهذا قال: بمعناه.
وفرق بين أن يقول: بمثله أو بنحوه أو بمعناه؛ لأنه إذا قال: بمثله فمعناه: أن المتن مطابق للمتن لفظا ومعنى،
وإذا قال: بنحوه فمعناه: أنه قريب منه،
وإذا قال:
بمعناه فالمراد: بمعنى الحديث المتقدم وليس بلفظه.
فهنا أحال إلى المتن المتقدم وقال:
بمعناه، ولكنه ذكر كلمة جاءت عن شخص على صيغة، وجاءت عن شخص آخر على صغيرة أخرى.وهي مثلما تقدم في الحديث المتقدم ذكر الاستنزاه والاستتار،
حيث قال أحد الرواة:
(كان أحدهما لا يستتر)،
وقال راو آخر: (كان أحدهما لا يستنزه من البول)،
والاستنزاه هو:
التحرز، والاستتار: فسر أيضا بأنه التحرز والتوقي، وأنهما بمعنى واحد، وفسر أنه بمعنى عدم كشف العورة والتهاون في ذلك.ولكن المطابق لما جاء في الحديث من ذكر البول يدل على أن المقصود من ذلك هو عدم التنزه وعدم التحرز منه؛ لأن كشف العورة يمكن أن تكون مع البول ومع قضاء الحاجة ومع غير ذلك، ولكن الشيء الذي يتعلق ويضاف إلى البول هو عدم التوقي وعدم التحرز منه.
[تراجم رجال إسناد حديث: (كان لا يستتر من بوله)]
قوله:
[حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة سبق أن مر بنا، وهو عثمان بن محمد بن إبراهيم العبسي، وأبوه مشهور بكنيته أبي شيبة، وهو محمد بن إبراهيم، وعثمان هذا ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي.
[حدثنا جرير].
هو جرير بن عبد الحميد الضبي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مجاهد].
هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم: عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله عمر وعبد الله بن عمرو، وابن عباس أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر ذكرهم مرارا.ومجاهد يروي عن ابن عباس بواسطة وبغير واسطة، وكل منهما صحيح.
[وقال أبو معاوية].
أبو معاوية لم يأت ذكره في الإسناد، وهو أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وقوله: (مالم ييبسا) يعني: ما دامت الرطوبة موجودة، وهذا يعني أنه يخفف العذاب بسبب الرطوبة التي في الجريدتين،
ومعنى هذا:
أن التخفيف مؤقت وليس بدائم، وهذا يبين أن التخفيف إنما هو في حق المسلمين وليس في حق الكفار؛ لأن الكفار لا يخفف عنهم العذاب،
كما قال الله عز وجل: {والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور} [فاطر:36]، والذي خفف عنه عذاب النار هو أبو طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بسبب شفاعته له، وهي شفاعة في التخفيف، والذي حصل له مستثنى مما جاء في هذه الآية،
وهذا التخفيف الذي حصل له قد جاء بيانه في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(إنه في ضحضاح من نار، عليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه) وهو أخف الناس.وهذا الذي هو أخف الناس يرى أنه لا أحد أشد منه عذابا؛ لأن كون نعليه في رجليه وشدة حرارتهما يصل إلى دماغه، فالدماغ يغلي من شدة حرارة ما يحصل للرجلين، فإن هذا يبين أن عذاب الله شديد، وأن عذاب النار شديد، وأن أهل النار متفاوتون فيها، وأقلهم عذابا يرى أنه ليس هناك أحد أشد منه عذابا والعياذ بالله!
[شرح حديث: (كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم)]
[حدثنا مسدد قال:
حدثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الرحمن بن حسنة قال: (انطلقت أنا وعمرو بن العاص رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج ومعه درقة، ثم استتر بها، ثم بال،
فقلنا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة، فسمع ذلك،
فقال:
ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟ كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم، فعذب في قبره)
.قال أبو داود: قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى رضي الله عنه في هذا الحديث قال: (جلد أحدهم) وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (جسد أحدهم)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الرحمن بن حسنة رضي الله عنه أنه قال:
(انطلقت أنا وعمرو بن العاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج ومعه درقة)، وهي: الترس الذي يتخذ للوقاية في الحرب،
ويكون من الجلد قال: (فاستتر بها ثم بال،
فقلنا:
انظروا إليه يبول كما تبول المرأة)
،
يعني:
تعجبا من هذا الفعل.وهذا الذي قالاه -أو قاله أحدهما أو قاله أحد معهما- يحتمل أن يكون المراد به أنه جهل من قائله، أو أنه كان قبل إسلام عمرو وقبل إسلام عبد الرحمن بن حسنة وعند ذلك لا يكون هناك إشكال من حيث صدور هذه المقالة، والمذموم هو الكلام الذي فيه تشبيه الرسول صلى الله عليه وسلم في عمله -وهو يبول- بالنساء، وهذا أمر منكر؛ لأن الواجب هو أن كل ما يصدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على التمام والكمال، وهو أحسن حال وأحسن هيئة.
والرسول عليه الصلاة والسلام لما سمع ذلك قال: (ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل؟) يعني: بسبب الكلام الذي قاله لهم، ثم ذكر أنه عذب في قبره؛ لأنهم كانوا في شرعهم ودينهم أن الواحد منهم إذا أصابته نجاسة فإنه يقطع مكان النجاسة ولا يغسلها، وهذا من الأمور الشاقة التي كلف بها بنو إسرائيل وخففها الله عن هذه الأمة، فجعل ما تحصل فيه النجاسة يغسل بالماء، وأما أولئك فكانوا يقرضونه بالمقاريض ويقطعونه، وإذا أصابت الثوب نجاسة لا يغسلونه ولكنهم يقطعون القطعة التي عليها النجاسة ويرمونها، وهذا يتطلب منهم الاحتراز الشديد؛ حتى لا تفسد عليهم ثيابهم، إذ يلزمهم أن يقطعوها إذا أصابها شيء من البول أو شيء من النجاسة.فكانوا يفعلون ذلك اعتمادا على ما في دينهم، فهذا الذي عبر عنه بصاحب بني إسرائيل نهاهم أن ينفذوا هذا الشيء الذي فيه مشقة عليهم، وقد جاء في دينهم وشرعهم، فعذب في قبره؛ لأنه نهاهم أن يفعلوا شيئا هم مكلفون به ومطلوب منهم.ففي قول الرسول صلى الله عليه وسلم هذا تنبيه إلى أنه إذا كان صاحب بني إسرائيل عذب في قبره بسبب ذلك، فإن الذي يحصل منه شيء يتعلق بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه قد يناله ما نال صاحب بني إسرائيل ووجد منه ما قد يكون سببا في تعذيبه في قبره.وفي هذا الحديث بيان أن من أسباب عذاب القبر الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف؛ لأن صاحب بني إسرائيل نهاهم عن شيء هو مشروع في دينهم، وأمر واجب عليهم في دينهم، فنهاهم أن يطبقوا ما جاء في دينهم، ولو كان في ذلك مشقة عليهم؛ لأن التكاليف لابد أن تنفذ ولو كان فيها مشقة على النفوس؛
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)، وهذه الأمة خفف الله عنها ما هو شديد مما كلفت به الأمم السابقة.
ولهذا جاء في حديث الإسراء: (لما أسري برسول الله عليه الصلاة والسلام وفرضت عليه وعلى أمته خمسون صلاة، ومر بموسى اقترح عليه ونصحه بأن يرجع ويطلب من الله التخفيف،
وقال:
إن بني إسرائيل كلفوا بشيء وما قاموا به)
أي: أنه قد جرب، فهو ينصح نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام أن يطلب التخفيف؛ حتى لا يحصل لهذه الأمة من العجز عما كلفت به ويحصل منهم التقصير كما حصل من بني إسرائيل الذين كلفوا وما قاموا بما كلفوا به.فالحديث يفيد أن من أسباب عذاب القبر مثل هذا العمل الذي فيه الاعتراض على الأحكام الشرعية والنهي عن تنفيذ ما جاء به الشرع؛ لأن ذلك الرجل نهاهم أن ينفذوا ما جاء في شرعهم فعذب في قبره.[قال أبو داود: قال منصور عن أبي وائل عن أبي موسى في هذا الحديث قال: (جلد أحدهم)].هذا الحديث جاء أيضا من طريق أبي موسى وفيه قصة، وهذا مما حصل لبني إسرائيل من الآصار التي حملوها وما فيها المشقة عليهم، والله تعالى خفف عنا ولم يكلفنا ما كلفوا به،
وكان فيما جاء في حديث أبي موسى: (جلد أحدهم)،
يعني:
إذا أصابت النجاسة جلد أحدهم قطعه، وفسر الجلد بأنه الجلد الذي يلبس؛
لأنه كان مما يلبس:
الجلود، وعلى هذا فالمقصود به: الجلد الذي يلبس، وفسر بأنه على ظاهره، وأن النجاسة كانت إذا أصابت جلد الإنسان فإنه يقطع أو يزيل هذه التي وقعت عليها النجاسة من جلده، ففسر بهذا، وفسر بهذا، ويكون هذا مما كلفوا به مما هو شاق عليهم.
ولهذا قال الله عز وجل في آخر سورة البقرة:
{ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة:286]، فإن هذا يكون من الآصار التي كلفوا بها والتي خففها الله عز وجل عن هذه الأمة رحمة بها.
[وقال عاصم عن أبي وائل عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(جسد أحدهم)].
ثم ذكر طريقا آخر لحديث أبي موسى غير الطريق السابق وفيه بدل (جلد أحدهم): (جسد أحدهم)،
ولكن قد جاء عند غير أبي داود من هذا الطريق: (ثياب أحدهم).والشيخ الألباني جعل هذه الرواية التي هي ذكر الجسد ضعيفة، وكما ذكرت: جاء في بعض الأحاديث عند غير أبي داود من هذه الطريق: (ثياب أحدهم) بدل (جسد أحدهم).ويحتمل أن يكون المقصود هو إزالة ما حصل من النجاسة من على الجلد، لا أن الجسد يقطع، بل تكون مثل الرواية السابقة، لكن الروايات التي جاءت وفيها ذكر الثياب تبين أن تلك هي المحفوظة أو المعروفة، وهذه تكون ضعيفة أو أنها تفسر بما فسرت تلك، أو تحمل على ما تقدم من ذكر الجلد،
وأن المقصود به: أنه يزال كما يزال الجلد، ويراد بالجسد: الجلد، وليس المراد به جسد الإنسان بمعنى أنه يقطع ويمزق.
ومحتمل أن يكون المراد بجلد أحدهم:
الجلد الذي يلبسه؛ لأنهم كانوا يلبسون الجلود،
ويحتمل أن يكون جلده بمعنى:
أن القطعة من جلد الإنسان التي وقعت عليها النجاسة يزيلها.وفي ذلك شدة عليهم، وذلك يتطلب منهم أن يحذروا من أن يحصل منهم ذلك؛ حتى لا يحصل هذا الجزاء أو هذا الذي كلفوا به؛ لأن الإنسان إذا عرف أن جسده سيحصل له شيء بسبب ذلك فإنه سوف يحذر من أن يقع منه ذلك الذي يسبب قطعه أو يسبب إزالة الجلد.
[تراجم رجال إسناد حديث: (كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم)]
قوله:
[حدثنا مسدد].
هو ابن مسرهد الذي مر ذكره مرارا، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبد الواحد بن زياد].
عبد الواحد بن زياد ثقة، وفي حديثه عن الأعمش مقال، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.وهذا الحديث رواه عبد الواحد عن الأعمش، ولكن الحديث جاء من طرق متعددة.
[حدثنا الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، والأعمش لقبه.
[عن زيد بن وهب].
زيد بن وهب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن حسنة].
عبد الرحمن بن حسنة رضي الله عنه صحابي، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[قال أبو داود: قال منصور]
.يعني: في حديث أبي موسى الأشعري، وهذا أشار إليه إشارة، ومنصور هو: ابن المعتمر الذي مر ذكره قريبا، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي وائل].
هو شقيق بن سلمة، وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبي وائل، ويأتي ذكره أحيانا باسمه.
[عن أبي موسى].
هو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري رضي الله عنه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[وقال عاصم: عن أبي وائل].
هو عاصم بن أبي النجود بهدلة، وأبوه مشهور بكنيته أبي النجود، واسمه بهدلة، وهو صدوق له أوهام، وهو أحد القراء وصاحب القراءة المشهورة: قراءة عاصم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، ولكن حديثه في الصحيحين مقرون، يعني: أنه لم يرو عنه صاحبا الصحيح استقلالا، وإنما رويا عنه مقرونا مع غيره، ومن المعلوم أن من كان كذلك يكون أقل ممن روي عنه على سبيل الاستقلال.
[عن أبي وائل عن أبي موسى].
وأبو وائل وأبو موسى قد مر ذكرهما.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* خاتم النبيين
* غزوة الخندق
* الصدق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
* زهد النبي صلى الله عليه وسلم وتقلله من الدنيا
* دروس وعبر من غزوة: «الخندق» و «بني قريظة»
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 03:26 PM   #16

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      






شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)

المواضع التي نهي عن البول فيها

صــ 1إلى صــ 12
الحلقة (16)

شرح سنن أبي داود [008]

من آداب قضاء الحاجة:
ألا يقضي الإنسان حاجته في الأماكن التي يستفيد منها غيره، أو يتأذى الناس من قضاء الحاجة في هذا المكان، كالطريق وأماكن الظل ونحوها.
البول قائما
شرح حديث: (أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائما)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب البول قائما.حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم قالا: حدثنا شعبة ح وحدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة وهذا لفظ حفص عن سليمان عن أبي وائل عن حذيفة أنه قال: (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما، ثم دعا بماء فمسح على خفيه).قال أبو داود: قال مسدد: قال: (فذهبت أتباعد، فدعاني حتى كنت عند عقبه)].
أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة: (باب: البول قائما)، يعني: ما حكمه؟ والمعروف من عادته صلى الله عليه وسلم أنه كان يبول قاعدا، والبول قائما جاء عنه نادرا وقليلا، وهو يدل على أن ذلك جائز، ولكن ما داوم عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأولى والأفضل والأكمل، وهو أن يكون الإنسان عن قعود لا عن قيام، ولكنه إذا فعل ذلك قائما في بعض الأحيان فلا بأس بذلك إذا أمن ألا يقع عليه شيء من البول بسبب ذلك، ويكون فعل الرسول صلى الله عليه وسلم له في بعض الأحيان أو نادرا فيه بيان الجواز عندما يحتاج الإنسان إلى ذلك.وقد يكون الرسول صلى الله عليه وسلم فعل ذلك نادرا لضرورة دعته إلى ذلك، ولكن كونه صلى الله عليه وسلم حصل منه ذلك وهو قائم يدلنا على أن الإنسان يجوز له أن يبول قائما إذا دعا الأمر إلى ذلك، لكن بشرط ألا يصل إليه شيء من رشاش البول بسبب كونه يبول عن قيام.ذكر المصنف حديث حذيفة رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فجاء سباطة قوم،
والسباطة هي:
المكان الذي يلقى فيه الأتربة والقمائم وما إلى ذلك، فإنه إذا كنست البيوت وجمع ما يحصل عن كنسها فإنه يلقى في أفنية البيوت،
يعني:
خارجها وقريبا منها.وغالبا ما يكون ذلك المكان فيه أتربة وأشياء إذا وقع عليها البول فإن الأرض تشربه ولا يحصل من ذلك تطاير رشاش البول؛ لأن الأرض تكون سهلة، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء سباطة قوم فبال قائما، وكان معه حذيفة فأراد أن يتباعد، فطلب منه أن يرجع إليه وأن يكون في مكان قريب منه حتى يستره.وقد يكون هذا الذي جاء في الحديث فيه إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم اضطر إلى ذلك، وأنه احتاج إلى أن يفعله، وأنه ما استطاع أن يصبر إلى أن يصل إلى مكان آخر، ولهذا فعل ذلك وطلب من حذيفة أن يقرب منه حتى يستتر به.والحديث يدل على أنه يجوز البول قائما للحاجة، والأصل أن يبال في حال الجلوس.
قوله:
[(ثم دعا بماء فمسح على خفيه)].
يعني:
توضأ ومسح على خفيه، وهذا الحديث مختصر؛
لأن الحديث فيه:
(توضأ ومسح على خفيه) يعني: أنه غسل أعضاء الوضوء، وأما الخفان فقد مسح عليهما؛ لأنه كان عليه خفان فمسح عليهما.فالمقصود: أنه توضأ ومسح على الخفين، والحديث فيه اختصار ذكر آخره، والذي هو ذكر المسح دون أوله الذي فيه ذكر الوضوء.
تراجم رجال إسناد حديث: (أتى رسول الله سباطة قوم فبال قائما)
قوله:
[حدثنا حفص بن عمر].
حفص بن عمر ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي.
[ومسلم بن إبراهيم].
هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي الأزدي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قالا: حدثنا شعبة].
هو ابن حجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، وصف بأنه أمير للمؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[(ح) وحدثنا مسدد]
.هذه الحاء هي للتحويل، وهذا أول موضع في سنن أبي داود يأتي فيه ذكر التحويل بالحاء التي تكتب حاء مفردة.والمقصود منها: الدلالة على التحول من إسناد إلى إسناد؛ لأنه ذكر الإسناد الأول ثم أراد أن يرجع ويذكر إسنادا آخر من شيخه إلى أن يلتقي مع الإسناد الأول عند شخص، ثم يستمران إلى الآخر.وهذا يسمى التحويل.وحاء التحويل تكتب حاء مفردة،
وينطق بها فيقال: حاء؛ حتى يسمع السامع أن هناك تحولا، وأنه رجع من جديد ليذكر إسنادا آخر ليبدأ فيه من شيخ بإسناد غير الإسناد الذي ذكر شيخه أو شيوخه من قبل، ولكن الإسنادين يلتقيان عند شخص ثم يستمران طريقا واحدا إلى الآخر.وحاء التحويل فيها التفريق أو الفصل بين أثناء الإسناد وأول الإسناد، ولهذا يأتي بعدها واو،
فما يقول:
ح حدثنا،
وإنما يقول: ح وحدثنا؛ لأن هناك عطفا على الإسناد الأول، ولكن الإسناد الثاني يمشي إلى أن يلتقي عند المكان الذي وقف عنده الإسناد الأول ثم يستمران بعد ذلك.ومسدد قد عرفناه.
[حدثنا أبو عوانة].
هو الوضاح بن عبد الله اليشكري، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة وهو مشهور بكنية أبي عوانة.
[وهذا لفظ حفص].
قال أبو داود:
وهذا لفظ حفص، يعني: أن اللفظ الذي سيسوقه هو لفظ الشيخ الأول؛
لأن له ثلاثة:
حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم ومسدد، الشيخان الأولان في الإسناد الأول والشيخ الثاني في الإسناد الثاني، ولكن قد أشار أبو داود إلى أن هذا لفظ حفص، يعني: أن الكلام الذي سيسوقه هو لفظ حفص، والذي هو الشيخ الأول.
[عن سليمان].
يعني: أن الالتقاء كان عند سليمان، فالإسناد الأول شيخ شيخ أبي داود هو شعبة، وفي الإسناد الثاني شيخ شيخه أبو عوانة، ويلتقي الإسنادان عند سليمان ثم يتحدان فوق ذلك، وسليمان هو سليمان بن مهران الأعمش، وقد جاء هنا باسمه غير منسوب.وقد سبق أن مر بنا مرارا أنه يذكر بلقبه الأعمش، وهذا يظهر فيه فائدة معرفة الألقاب،
وهي كما قال علماء المصطلح:
ألا يظن الشخص الواحد شخصين؛
لأن الذي لا يعرف أن سليمان هو الأعمش يظن أنه إذا جاء في إسناد:
الأعمش،
وجاء في إسناد آخر:
سليمان أن سليمان غير الأعمش، وأن هذا شخص وذاك شخص آخر، لكن من يعرف الأسم والكنية لا يلتبس عليه الأمر.
[عن أبي وائل].
شقيق بن سلمة، وقد مر ذكره قريبا.
[عن حذيفة].
هو ابن اليمان، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي ابن صحابي، ووالده استشهد يوم أحد، وحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه حديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[قال أبو داود: قال مسدد: قال: فذهبت أتباعد].
يعني:
أن الشيخين الأولين -وهما: حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم - قد انتهى الحديث عندهما إلى قوله: (فمسح على خفيه).وأما مسدد الذي هو شيخه في الطريق الثاني فعنده زيادة ليست عند شيخيه الأولين.
قال حذيفة: (فذهبت أتباعد) يعني: أردت أن أبتعد عنه، [(فدعاني حتى كنت عند عقبه)].والدعوة هنا يحتمل أن يكون قد ناداه وكلمه، وهذا يفيد أن الإنسان عندما يبول ويكون هناك حاجة للكلام وأمر يقتضي الكلام أنه يجوز له أن يفعل ذلك، ويمكن أن يكون بالإشارة،
يعني: أشار إليه بأن يأتي حتى كان عند عقبه قريبا منه ليستره.
الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده
[شرح حديث: (كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره)]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يبول بالليل في الإناء ثم يضعه عنده.حدثنا محمد بن عيسى حدثنا حجاج عن ابن جريج عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة عن أمها أنها قالت: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)].أورد أبو داود رحمه الله باب في الرجل يبول في الليل في الإناء ثم يضعه عنده.وقد ذكرت فيما مضى أنه يأتي مرارا ذكر الرجل في التراجم وفي المتون، وليس المقصود به خصوص الرجل، بل الحكم للرجال والنساء، وإنما ذكر الرجل لأن الخطاب غالبا يكون مع الرجال.فالأحكام التي للرجال هي للنساء والتي للنساء هي للرجال مالم يأت شيء يخص الرجال أو يخص النساء.هذا هو الأصل، وهو قاعدة من قواعد الشرع،
أي:
التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام إلا ما جاء فيه شيء يخصص للرجال أو يخصص للنساء في الأحكام.
وأورد أبو داود رحمه الله حديث أميمة بنت رقيقة:
(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له قدح من عيدان) والمقصود بالعيدان: النخل، ولعل المقصود أن هذا القدح كان يتكون من ساق النخل؛ لأن العيدان هو النخل الباسق الذي تتخذ الأوعية من ساقها.وقد سبق أن مر بنا في سنن النسائي وكذلك في صحيح البخاري وصحيح مسلم ذكر النهي عن الإنتباذ في أوعية ومنها النقير،
والنقير هو:
ما يتخذ من جذوع النخل أو سيقانها، وذلك بأن ينقر وسط الساق ثم يتخذ وعاء.
وبعض المفسرين قال: إن المقصود: أنه من عيدان النخل إذا قطع خوصها وضم بعضها إلى بعض، لكن مثل هذا غالبا لا يحصل منه أنه يمسك الماء؛ لأنه يذهب الماء بين تلك الأعواد، ويمكن أن يعمل على طريقة محكمة بحيث لا يذهب، لكن العيدان الذي هو النخل الطوال والذي ينقر ساقه أو قطعة من ساقها لا يذهب منه الماء؛ لأنه يتخذ وعاء، وقد سبق أن مر بنا أنهم كانوا يتخذون الأوعية من ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانتباذ في النقير، وهو ما ينقر من جذوع النخل ومن سيقانها.
قوله:
[(كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه بالليل)].
يعني: أنه كان يتخذ هذا الإناء ويبول فيه، ثم يضعه عنده، وقد جاء في بعض الروايات أن هذا كان في مرضه عليه الصلاة والسلام، وأنه كان مضطرا ومحتاجا إلى ذلك.والحديث الذي معنا في إسناده حكيمة، وهي لا تعرف، ولكن قد جاءت أحاديث صحيحة تدل على ذلك، ولكنها مقيدة بمرضه صلى الله عليه وسلم، فيكون ما جاء في هذا الحديث متفقا مع ما جاء في الأحاديث الأخرى، فهو وإن كان فيه مقال إلا أن الأحاديث الأخرى تشهد له وتدل على ما دل عليه.
[تراجم رجال إسناد حديث: (كان للنبي قدح من عيدان تحت سريره)]
قوله:
[حدثنا محمد بن عيسى].

هو محمد بن عيسى البغدادي الطباع، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقا وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا حجاج].
هو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة].
حكيمة بنت أميمة بنت رقيقة لا تعرف،
يعني:
مجهولة، وحديثها أخرجه أبو داود والنسائي.
[عن أمها].
هي أميمة رضي الله عنها، وهي صحابية، أخرج حديثها أصحاب السنن.والله أعلم.
[المواضع التي نهي عن البول فيها]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[باب المواضع التي نهي عن البول فيها.حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) حدثنا إسحاق بن سويد الرملي وعمر بن الخطاب أبو حفص -وحديثه أتم- أن سعيد بن الحكم حدثهم قال: أخبرنا نافع بن يزيد حدثني حيوة بن شريح أن أبا سعيد الحميري حدثه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل)].
أورد الإمام أبو داود رحمه الله هنا: باب المواضع التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البول فيها.وهذه الترجمة معقودة لبيان الأماكن التي ليس للإنسان أن يقضي حاجته فيها؛ لأن في قضاء الحاجة فيها ضرر على الناس؛ لحاجتهم إلى تلك المواضع، فنهى عن البول فيها من أجل دفع الضرر عن الناس وعدم إفساد تلك الأماكن التي يكون الناس بحاجة إليها.
[شرح حديث أبي هريرة: (اتقوا اللاعنين)]
أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اتقوا اللاعنين، قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟! قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم)، و (أو) هنا للعطف،
يعني:
هذا أو هذا، فأي واحد منهما فإنه يمنع منه.
وقوله عليه الصلاة والسلام:
(اتقوا اللاعنين)،
أي:
ابتعدوا عن قضاء الحاجة في تلك الأماكن، وأطلق على هذين المكانين
-وهما: قارعة الطريق والظل الذي يستظل به الناس- أنهما لاعنان، والصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم سألوا عن اللاعنين: ما هما؟
فأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن المقصود بذلك:
الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم.
قوله:
[(الذي يتخلى)] يعني: الذي يقضي حاجته ويتغوط أو يبول في طريق الناس أو ظلهم؛ لأن الطريق الذي يسلكونه هو معبرهم ومسلكهم؛ ولأنه إذا حصل منه قضاء الحاجة في الطريق فإنه يعرض الناس إلى أن يطئوا النجاسة أو يجعل هناك منظرا يسوءهم ويكون في نفوسهم شيء من هذا المنظر الكريه الذي رأوه.والظل هنا هو الذي يحتاج الناس إليه بأن يستظلوا من الشمس إذا مروا في الطريق أو في أي مكان يحتاجون إليه للاستظلال به للقيلولة أو الجلوس تحته، فإن الإنسان لا يجوز له أن يقضي حاجته في هذا المكان.ولا يعني هذا أن كل ظل لا تقضى الحاجة فيه، بل من الظل ما هو يسير وليس معروفا أنه محل استظلال للناس، فمثل هذا لا بأس بقضاء الحاجة فيه.وإنما الذي يكون فيه المنع هو ما كان يحتاج الناس إليه،
ولهذا قال:
(في طريق الناس أو في ظلهم)،
أي:
الذي يستظلون به لكونهم يأتون وهناك شجر كبار في الطريق، فالناس يحتاجون إلى أن يجلسوا تحتها ويستظلوا بها، فمن جاء وقضى حاجته تحتها فإنه يكون بذلك قد أفسد الظل على الناس الذي هم بحاجة إليه.
وإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم على هذين الموضعين بأنهما لاعنان قد فسر بتفسيرين:
الأول: إما أن يكون المقصود أن فعل ذلك سبب ووسيلة لأن يلعن من فعل ذلك، فأطلق على المكانين بأنهما اللاعنان.
الثاني: أن لاعن: بمعنى ملعون؛ لأنه يأتي فاعل بمعنى مفعول،
كما يقال عيشة راضية بمعنى:
مرضية، وسر كاتم بمعنى مكتوم.
والمعنى: أن من فعل ذلك فإنه يلعنه الناس ويسبونه ويشتمونه ويذمونه، لأنه حصل منه التسبب في إيذائهم،
يعني:
أنه عرض نفسه لأن يذمه.ومن المعلوم أن هذا اللعن ليس للمعين، وإنما هو لعن بالوصف،
من باب:
لعن الله من فعل هذا، ومن المعلوم أن اللعن بالوصف سائغ وجائز، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة في اللعن بالأوصاف لا بالأعيان،
كقوله عليه الصلاة والسلام:
(لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)،
وقوله:
(لعن الله النامصة والمتنمصة)، ونحو ذلك من اللعن بالوصف لا بالعين.وأما لعن المعين فإن ذلك لا يجوز، إلا إذا علم وأنه كان كافرا ومات على الكفر، فإذا كان كافرا وعرف موته على الكفر فإنه يلعن، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يلعن؛ لأن المعين قد يتوب وقد يمن الله عز وجل عليه بالهداية ويرجع من الكفر إلى الإسلام.فلعن المعين هو الذي جاء المنع منه، وأما اللعن بالوصف فإن ذلك سائغ؛ لأنه لا تعيين فيه.
فإذا: من فعل ذلك فإنه يلعن بفعله،
ومن وجد هو يفعل ذلك فلا يقال:
لعن الله فلانا؛ لأن لعن المعين لا يجوز.
[شرح حديث معاذ: (اتقوا الملاعن الثلاثة)]
ثم أورد أبو داود حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا الملاعن الثلاثة: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل).هذا الحديث مثل الذي قبله؛ حيث أطلق على الأماكن بأنها ملاعن؛ لأن من فعل ذلك فيها يكون سببا في لعن الناس له فيها.
والبراز في الموارد يعني: قضاء الحاجة فيها.والأصل في البراز أنه الفضاء الواسع، ولكن كني به عن قضاء الحاجة في موارد الماء،
وموارد الماء هي:
الأماكن التي يرد الناس فيها على الماء أو الطرق التي تؤدي إليه؛ فإن ذلك مما يحتاج الناس إليه، وقضاء الحاجة فيه يعرض المار لوطء النجاسة أو لرؤية المنظر الكريه والمنظر السيء، وكل ذلك فيه إيذاء للناس.وكذلك قارعة الطريق،
وقارعة الطريق هي:
المكان الذي يسلكه الناس، وهي الجادة، وسميت (قارعة)؛ لأن أقدامهم تقرعها، فيكون الطريق بينا واضحا بسبب توارد الأقدام وتكررها عليه، وقد يكون الطريق -إذا كان في أرض سهلة- حفرة على طول الطريق؛ بحيث يحفر في الأرض على مقدار الجادة التي تطؤها الأقدام، وهذا شيء مشاهد ومعاين ومعروف في الأماكن التي ليست مزفلتة وليست مرصوفة بأشياء صلبة، فإن تكرر وطء الأقدام على مكان معين أو على طريق معين يؤثر ذلك فيه حتى يكون واضحا.
فالقارعة:
هي وسط الطريق أو المكان الذي تقرعه أقدام الناس، فتؤثر فيه بتكرر مشيها ووطئها عليه،
والظل أي:
الذي يحتاج الناس إليه، وليس كل ظل يمنع قضاء الحاجة فيه، وكذلك لا يمنع الطريق الذي هو مهجور أو أن سلوكه نادر.فالمكان الذي اعتاد الناس أن يمشوا فيه وأن يسلكوه، أو الظل الذي يستظلون به، لكونه ظلا واسعا تحت شجرة كبيرة مثلا، فاعتاد الناس أن ينزلوا تحت مثل هذه الشجرة، فحينئذ لا يجوز لأحد أن يفسد ذلك عليهم.
[تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة: (اتقوا اللاعنين)]
قوله:

[حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو ابن جميل بن طريف البغلاني، وبغلان قرية من قرى بلخ، وبلخ هي من أكبر بلاد خراسان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسماعيل بن جعفر].
إسماعيل بن جعفر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن العلاء بن عبد الرحمن].
هو العلاء بن عبد الرحمن الجهني الحرقي وهو صدوق ربما وهم، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، أي: أن الذين رووا عن الأب هم الذين رووا عن الابن.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو أكثر السبعة حديثا على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.
[تراجم رجال إسناد حديث معاذ: (اتقوا الملاعن الثلاثة)]
قوله:

[حدثنا إسحاق بن سويد الرملي].
إسحاق بن سويد الرملي ثقة أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[عمر بن الخطاب أبو حفص].
وهو صدوق أخرج حديثه أبو داود وحده، وهو على اسم الصحابي الخليفة رضي الله عنه وكنيته، فهذا عمر بن الخطاب أبو حفص والخليفة الراشد أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب، فهو على اسمه وهذا شيخ لـ أبي داود.ولم يرو عنه إلا أبو داود ولهذا لا يأتي في الكتب الأخرى، فلم يمر بنا لا في البخاري ولا في مسلم ولا في النسائي؛ لأنه ليس من رجالهم، وكذلك لا يأتي لا في الترمذي ولا في ابن ماجة؛ لأنه من رجال أبي داود وحده.
قوله:
[وحديثه أتم].
يعني:
أن الشيخ الثاني الذي هو أبو حفص عمر بن الخطاب حديثه أتم من حديث شيخه الأول.
[أن سعيد بن الحكم حدثهم].
سعيد بن الحكم ثقة أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا نافع بن يزيد].
نافع بن يزيد ثقة أخرج حديثه البخاري تعليقا ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثني حيوة بن شريح].
حيوة بن شريح ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن أبا سعيد الحميري حدثه].
أبو سعيد الحميري شامي مجهول أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة].
وروايته عن معاذ مرسلة وهنا روايته هي عن معاذ، فهو مجهول وأيضا السند فيه انقطاع؛ لأن روايته عن معاذ مرسلة، وهذا من قبيل إطلاق المرسل على ما ليس من قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا؛ لأنه هنا يروي عن معاذ وروايته عن معاذ مرسلة بمعنى: أن فيها انقطاعا.
[عن معاذ].
معاذ بن جبل رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.
[وفي رواية ابن الأعرابي: قال أبو داود: هذا مرسل وهو مما انفرد به أهل مصر].
يعني:
أن هذا حديث مرسل، وهو مثلما ذكر الحافظ ابن حجر أبو سعيد الحميري روايته عن معاذ مرسلة.
قوله:
[هو مما انفرد به أهل مصر] يعني: أن في الإسناد ثلاثة من أهل مصر وهم: سعيد بن الحكم، ثم نافع بن يزيد، ثم حيوة بن شريح، وهؤلاء كلهم مصريون.ومن المعلوم أن الحديث هذا وإن كان مرسلا إلا أنه مع الحديث الأول مؤداهما واحد ونتيجتهما واحدة، والذي يفيده لفظ الحديث من جهة الطريق ومن جهة الظل ومن جهة الموارد يدخل في ذلك كل ما في معناها من الأشياء أو الأماكن التي هي محل جلوس الناس أو تجمعاتهم أو مسالكهم، كل ذلك يمنع منه؛ لأن العلة هي دفع الأذى.فهذه الأماكن كل ما كان في معناها فإنه يكون مثلها؛ لأن الحكم واحد والحكمة واحدة والعلة واحدة وهي دفع الأذى عن الناس وعدم إيصال الأذى إليهم.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* خاتم النبيين
* غزوة الخندق
* الصدق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
* زهد النبي صلى الله عليه وسلم وتقلله من الدنيا
* دروس وعبر من غزوة: «الخندق» و «بني قريظة»
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 03:29 PM   #17

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)

المواضع التي نهي عن البول فيها

صــ 1إلى صــ 13
الحلقة (17)

شرح سنن أبي داود [009]
من الآداب التي جاء بها الشرع في التخلي:
ألا يبول الإنسان في الماء الراكد ثم يغتسل فيه، وألا يبول في جحر؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد، وإذا فرغ الإنسان من قضاء حاجته فعليه أن يأتي بالذكر الوارد في ذلك.
البول في المستحم
[شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في البول في المستحم.حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل والحسن بن علي قالا: حدثنا عبد الرزاق قال أحمد حدثنا معمر أخبرني أشعث وقال الحسن: عن أشعث بن عبد الله عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)،
قال أحمد:
(ثم يتوضأ فيه؛ فإن عامة الوسواس منه).أورد أبو داود رحمه الله باب البول في المستحم،
والمستحم هو:
مكان الاستحمام،
أي: مكان الاغتسال،
وقيل له:
استحمام لأنه مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار؛ فإنه يغتسل بالماء الحار لاسيما في الشتاء.
وقوله:
(يستحم) يعني: يغتسل، وسواء كان الماء حاراً أو بارداً.
وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)،
وقال أحمد:
(ثم يتوضأ فيه).وأحمد هو أحد الشيخين اللذين روى عنهما أبو داود وهو الإمام أحمد بن حنبل.والحديث يدل على النهي عن أن يبول الإنسان في المستحم ثم يتوضأ ويغتسل فيه، وقيل: إن المنع إنما هو في المكان الذي يستحم فيه إذا كان أرضاً سهلة، بمعنى: أنه يمسك البول ويمسك النجاسة.
ومن العلماء من قال:
إن المقصود به إذا كان صلباً بحيث إن الإنسان إذا بال يتطاير البول على الإنسان فيلحقه الضرر، وكذلك إذا كان المكان مكاناً صلباً ينحبس فيه البول ويتجمع فيه البول فإنه يحصل بذلك تعرض للوقوع في النجاسة،
أما إذا كان له مجرى يمشي فيه كالأماكن الموجودة في البيوت في هذا الزمان من كون الماء له مسالك يذهب فيها فقالوا:
إنه لا بأس ولا مانع من الاغتسال فيها.
قوله:
[(فإن عامة الوسواس منه)
يعني:
أن الإنسان إذا بال في مكان يستحم فيه ثم وقع البول على أرض ترابية فإن النجاسة يمسكها التراب وتبقى في التراب، والإنسان قد يطأ على هذا المكان النجس ورجله مبلولة إذا كان قد يبس، وإذا كانت الأرض صلبة فإنه يترتب على ذلك أن يتطاير عليه رشاش البول، فيؤدي ذلك إلى الوسواس،
ويظل يقول: هل حصلت نجاسة أو لم تحصل نجاسة؟ هل علقت نجاسة أو لم تعلق نجاسة؟ فيكون في ذلك وسواس.فهذا هو معنى الحديث، وهذا هو التعليل للنهي عن الاغتسال أو البول في المستحم، لكن إذا كان مثل ما هو موجود في هذا الزمان من وجود أماكن يبول الناس ويستحمون فيها والنجاسة تذهب ولا يبقى لها أثر فإن ذلك لا محذور فيه ولا مانع عنه، وإنما النهي فيما إذا لم يكن هناك مجرى والأرض ترابية ويبقى البول على التراب ويطأ الإنسان عليه ويكون منه ملامسة للنجاسة أو كانت الأرض صلبة فيجتمع الماء والبول فيها فيؤدي ذلك إلى الوطء عليه أو كونه يبقى وينشف وتكون الأرض نجسة، أما إذا كان البول يمشي والماء يلحقه فإنه لا يحصل بذلك الذي يحصل في هذه الأحوال.
إذاً: النهي فيما إذا ترتب على ذلك مساسه، فإذا لم يترتب عليه مساسه بأن النجاسة تذهب والبول يذهب والماء يتبعه ولا يبقى شيء يؤثر فإنه لا بأس ويجوز البول في مكان الاستحمام.
والحديث ورد لأوله طرق أخرى،
وأما قوله:
(فإن عامة الوسواس منه) فما جاء إلا من طريق واحدة والطريق هذه فيها كلام، لكن أوله إذا ضمت الطرق بعضها إلى بعض يكون ثابتاً، وأما ما جاء من ذكر الوسواس الذي جاء من طريق واحدة فهذا هو الذي يضعف.
[تراجم رجال إسناد حديث: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه)]
قوله:

[حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل].
أحمد بن محمد بن حنبل الإمام الجليل المشهور أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهو آخر الأئمة الأربعة؛
والأئمة الأربعة هم:
أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة توفي سنة (150هـ) وتوفي مالك سنة (179هـ) وتوفي الشافعي سنة (204هـ) وتوفي أحمد سنة (241هـ).فالإمام أحمد هو آخر الأئمة الأربعة وفاة، وهو الذي اشتهر بكثرة الحديث، وكتابه المسند يبلغ أربعين ألف حديث، فهو موسوعة ضخمة واسعة، وله مؤلفات أخرى غير المسند، لكن المسند كتاب جامع وواسع.وهو محدث فقيه وإمام مشهور وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة.
[والحسن بن علي].
الحسن بن علي هو الحلواني الهذلي، وهو ثقة حافظ أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا النسائي ولم يمر بنا ذكره في النسائي؛ لأنه ليس من رجاله،
ويقال له:
الحلواني نسبة إلى بلد،
ويقال له:
الهذلي نسبة إلى قبيلة.
[حدثنا عبد الرزاق].
عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني محدث مشهور مصنف، صاحب المصنف وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[قال أحمد: حدثنا معمر]
يعني: أن عبد الرزاق قال: حدثنا معمر، والمصنف هنا أراد أن يبين اختلاف شيخيه بالتعبير فيما بعد عبد الرزاق؛
لأنهما اتفقا على قولهما: حدثنا عبد الرزاق، ثم افترقا؛ فواحد ذكر صيغة التحديث وواحد جاء بالعنعنة.
وأحمد قال في روايته:
أخبرني أشعث فقط،
وأما الحسن بن علي الحلواني فقال: عن أشعث بن عبد الله فأتى بعن بدل أخبرني وأتى بالنسب؛ لأن ذاك ذكره مهملاً غير منسوب،
يعني:
في إسناد أحمد، وأما في إسناد الحسن بن علي فجاء مسمى منسوباً،
حيث قال:
عن أشعث بن عبد الله.
فإذاً: الفرق بين الاثنين هو: أن هذا عبر بالإخبار ولم ينسبه وهذا عبر بعن ونسبه.ومعمر هو ابن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو شيخ عبد الرزاق، وعبد الرزاق أكثر من الرواية عنه وصحيفة همام بن منبه التي تبلغ مائة وأربعين حديثاً روايات مسلم التي أوردها في صحيحه هي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام.فهو من شيوخ عبد الرزاق الذين أكثر عنهم، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أشعث].
هو ابن عبد الله وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً وأصحاب السنن الأربعة.
[عن الحسن].
الحسن هو ابن أبي الحسن البصري، وهو ثقة يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن مغفل].
عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.والحديث فيه الحسن وهو مدلس وقد روى بالعنعنة، ولكن الحديث الذي سيأتي والطريق الآخر فيه ما يشهد للجملة الأولى التي هي النهي عن البول في المغتسل.
وأما قوله: (فإن عامة الوسواس منه) فهذه ما جاءت إلا من طريق الحسن وهو مدلس ولم يصرح بالسماع، فتكون غير ثابتة، لكن أول الحديث قد جاء ما يشهد له وما يدل عليه من طريق أخرى وهي التي ذكرها أبو داود رحمه الله بعد ذلك.
وقوله:

[وقال الحسن: عن أشعث].
يعني:
عن عبد الرزاق عن معمر عن أشعث بن عبد الله.
وهذا الحديث فيه زيادة في نسخة ابن الأعرابي: [وروى شعبة وسعيد عن قتادة عن عقبة بن صهبان قال: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: (البول في المغتسل يؤخذ منه الوسواس) وحديث شعبة أولى].وهذا ما دام أنه ما نسبه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه يكون موقوفاً.
قال:
[ورواه يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن عن ابن مغفل قوله].
يعني:
أنه موقوف.
[شرح حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم)]
قال المصنف رحمه الله تعالى:

[حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري -وهو ابن عبد الرحمن - قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وآله سلم كما صحبه أبو هريرة قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم صحبه كما صحبه أبو هريرة:
(أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم)،
يعني: يوماً بعد يوم، (وأن يبول في مغتسله)، وهذا يوافق الجزء الأول من الحديث المتقدم فيكون شاهداً له.
وقوله: (نهى أن يمتشط أحدنا كل يوم)،
المقصود بذلك: الإشارة إلى الابتعاد عن الترفه وعن كون الإنسان يشغل نفسه دائماً وأبداً في حاله وتجمله وما إلى ذلك، وإنما يكون الإنسان متوسطاً لا مهملاً ولا متوسعاً وشاغلاً وقته في إظهار نفسه بمظهر أحسن؛ لأن ذلك الشغل يكون فيه ترفه ويكون فيه أيضاً اشتغال عن أمور أخرى يكون بحاجة إليها.فعلى الإنسان ألا يكون شاغلاً باله في نفسه وفي هيئته وفي شكله وفي لباسه وفي شعره وعنايته به وما إلى ذلك، لكن إذا كان الأمر يحتاج إلى ذلك بأن يكون شعثاً ويكون كثيفاً أو يكون هناك أشغال تؤدي إلى أن يكون شعثاً فلا بأس بإصلاحه وترجيله، وقد سبق أن ذكرنا ما يدل على ذلك في شرح كتاب الزينة في آخر سنن النسائي، فيكون المنع إنما هو في الذي لا تدعو إليه حاجة ولا تدعو إليه ضرورة، أما إذا كان الإنسان صاحب عمل وصاحب شغل ويصيبه الشعث ويصيبه التراب ويصيبه كذا وكذا فهذا لا بأس أن يعنى بشعره كل يوم.
[تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم)]
قوله:

[حدثنا أحمد بن يونس].
أحمد بن يونس هو أحمد بن عبد الله بن يونس وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
الملقي:
[حدثنا زهير].
زهير بن معاوية، ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن داود بن عبد الله].
داود بن عبد الله ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.
[عن حميد الحميري -وهو ابن عبد الرحمن -].
حميد بن عبد الرحمن الحميري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة،
وهنا قال:
هو ابن عبد الرحمن يعني: أن هذا من زيادات من دون التلميذ من أجل توضيح هذا الراوي.
وكما ذكرت سابقاً هناك عبارتان لهذا الغرض: إحداهما: (يعني) والثانية: (هو) والذي هنا هو لفظ (هو) وليس لفظ (يعني).
[عدالة الصحابة وما جاء في تحديد مدة صحبة بعضهم للنبي]
قوله:
[قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة]
.هذا فيه ذكر الرجل بنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهي الصحبة دون أن يسميه، ولكن أثبت صحبته وأنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة، وأبو هريرة معروفة صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم.ويحتمل أن يكون المراد بالصحبة الملازمة، ويحتمل أن يكون المراد بالصحبة التي أشار إليها وأضافها إلى أبي هريرة التحقق من أنه صحابي، فكما أن أبا هريرة محقق أنه صحابي فهذا محقق أنه صحابي،
فيحتمل أن يكون ذكر أبي هريرة المقصود منه:
التحقق من أنه صحابي كما أن أبا هريرة حقيقة صحابي أو أن المقصود به كثرة ملازمة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا هريرة رضي الله عنه لازم النبي صلى الله عليه وسلم.وقد ذكر الحافظ ابن عبد الهادي في (المحرر في الحديث) عند حديث حميد الحميري،
قال:
لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين كما صحبه أبو هريرة.قال: الرجل المبهم قيل: هو الحكم بن عمرو وقيل: عبد الله بن سرجس،
وقيل:
عبد الله بن مغفل.
وتحديد مدة الصحبة بأربع سنين جاء في سنن أبي داود في باب النهي عن وضوء الرجل بفضل المرأة ووضوء المرأة بفضل الرجل حيث قال: (حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن داود بن عبد الله ح وحدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة عن داود بن عبد الله عن حميد الحميري قال: لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين كما صحبه أبو هريرة).فالإسناد هو الإسناد الأول إلا أن له طريقاً أخرى تنتهي إلى داود بن عبد الله، وعلى هذا فكون المجهول فلان أو فلان أو فلان هذا يتوقف على معرفة أن كل واحد منهم صحبه أربع سنين.وعلى كل -سواء عرف أو لم يعرف- فالصحابة رضي الله عنهم المجهول فيهم في حكم المعلوم سواء سمي أو لم يسم، ولا تؤثر جهالة الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فكل تؤثر جهالته إلا الصحابة، وكل يحتاج إلى البحث عنه إلا الصحابة؛ لأن الصحابة عدلوا من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يحتاجون إلى تعديل أحد، وغيرهم هو الذي يحتاج إلى أن تعرف أفعاله فيعدل أو يجرح.
النهي عن البول في الحجر
[شرح حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر)]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[باب النهي عن البول في الجحر.حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عبد الله بن سرجس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر).قال: قالوا لـ قتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: كان يقال: إنها مساكن الجن].
أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي: [باب النهي عن البول في الجحر]، والجحر هو: الثقوب التي تكون في الأرض والتي تحفرها بعض الحيوانات أو بعض هوام ودواب الأرض وتدخلها وتكون فيها.
ثم أورد حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى أن يبال في الجحر) وأحد رواة قتادة قال له: ما يكره من البول في الجحر؟
يعني: ما هو السبب في كراهية البول في الجحر؟
فقال: يقال: إنها مساكن الجن،
يعني:
أن هذا هو التعليل للنهي عن البول فيها.
وهذا من كلام قتادة وأيضاً قال:
يقال: إنه كذا وكذا، لكن لاشك أن الإنسان عليه أن يجتنب البول في الجحر سواء كان فيها مساكن جن أو كان فيها دواب وحيوانات، فالإنسان لو بال في الجحر ثم خرج عليه من ذلك الجحر حية أو عقرب أو شيء ففزعه وقام ولوث نفسه بالنجاسة فإن ذلك يكون بسبب هذا التصرف الذي فعله.فليس للإنسان أن يبول في الجحر، وهذا الحديث غير ثابت، لكن معناه صحيح، وهو أن الإنسان لا يؤذي تلك الحيوانات بالبول؛ لأن فيه إيذاء لها، ثم أيضاً قد تخرج وتؤذيه ويتأذى هو، إما تؤذيه بكونها ضارة فتصيبه بضرر أو على أقل الأحوال يفزع فيتناثر البول على جسده أو على ثيابه فيترتب على ذلك مضرة ومفسدة.فالحديث لم يصح،
ولكن معناه:
أن الإنسان يجتنب ذلك؛ لما قد يترتب على ذلك من المفاسد ومن الأذى، وذلك بكونه يؤذي غيره ممن هو في الجحر سواء كان جناً أو حيوانات أو دواباً من دواب الأرض، وأيضاً قد يناله هو الضرر بكونه يخرج منه شيء يؤذيه أو على أقل الأحوال يفزع منه فتقع عليه النجاسة بسبب ذلك.
[تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر)]
قوله:

[حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة].
عبيد الله بن عمر بن ميسرة ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[عن معاذ بن هشام].
معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي صدوق ربما وهم وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة مدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن سرجس].
عبد الله بن سرجس رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.وهذا الحديث معلول،
والعلة التي فيه هي:
أن قتادة قيل: إنه لم يسمع من عبد الله بن سرجس وأيضاً هو مدلس وقد روى بالعنعنة، فلو كان سمع منه فإن هناك علة أخرى وهي التدليس؛ لأن قتادة مدلس وقد روى بالعنعنة.
فإذاً:
العلة هي: رواية قتادة عن عبد الله بن سرجس وهو إما أنه لم يلقه فيكون السند منقطعاً، أو لقيه ولكن روى عنه بالعنعنة، فيكون الإسناد فيه تدليس.
ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء
[شرح حديث: (أن النبي كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)]

قال المصنف رحمه الله تعالى:
[باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء.حدثنا عمرو بن محمد الناقد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة عن أبيه قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)].
أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة وهي:
[ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء]؛ لأنه سبق أن مر ذكر ما يقول إذا أراد أن يدخل الخلاء.
أورد أبو داود حديث عائشة رضي الله عنها:
(أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك).
يعني:
أطلب وأسأل غفرانك، وهو مفعول به حذف عامله،
والتقدير:
أسألك غفرانك أو أطلب غفرانك، فهو كلام مختصر ذكر فيه المفعول وحذف الفعل والفاعل، ومن المعلوم أن الفاعل هو المتكلم، وهو ضمير مستتر في أطلب،
أي:
أطلب أنا غفرانك.
وقيل:
إن الحكمة في كونه يقول: (غفرانك)، هي أنه يحصل التقصير من الإنسان إذا كان في مكان قضاء الحاجة حيث يمتنع من ذكر الله.
ويمكن أيضاً أن يكون المراد به: غفرانك مما يحصل مني من التقصير في عبادتك وفي شكرك؛ لأنك قد أنعمت علي بالنعم، وحصل لي فائدة المطاعم والمشارب، وأنت تفضلت علي بسهولة دخولها وخروجها، وهي نعمة عظيمة أنعمت بها علي، فأنا أسألك المغفرة لما حصل مني من التقصير في شكر هذه النعم ومقابلة هذه النعم التي أنعمت بها علي، وهي أن الطعام يأكله الإنسان ويتغذى به ويستفيد منه، ثم يتحول إلى رجيع وإلى بول ويخرج منه بسهولة ويسر بدون مشقة، ولم يحبس الله الغائط والبول فيتضرر الإنسان.كل ذلك محتمل، وكل ذلك صالح بأن يكون طلب المغفرة يرجع إليه،
يعني: إما لكون الإنسان جلس فترة وهو لا يذكر الله، أو لأنه حصلت له هذه النعم التي لا يقوم بشكرها ولا يؤدي شكرها، وهي نعم عظيمة تستوجب من الإنسان الشكر لله عز وجل، ولكنه مقصر؛ ولذا يطلب من الله تعالى المغفرة.
[تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك)]
قوله:
[حدثنا عمرو بن محمد الناقد].
عمرو بن محمد الناقد ثقة أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[عن هاشم بن القاسم].
هاشم بن القاسم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إسرائيل].
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يوسف بن أبي بردة]
.يوسف بن أبي بردة مقبول،
أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن قال عنه الحافظ في التقريب:
مقبول، وذكر في تهذيب التهذيب أن ابن حبان ذكره في الثقات وأن العجلي وثقه، يعني: توثيقه جاء عن ابن حبان والعجلي، ولم يذكر فيه جرح.
[عن أبيه].
وهو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
وهي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وما قاله الحافظ عن يوسف عنه: بأنه مقبول وأنه يحتاج إلى متابعة، لا يحتاج إلى متابعة؛ لأنه وثقه ابن حبان والعجلي،
وصحح الحديث عدد من الأئمة:
صححه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان وأبو حاتم والنووي والذهبي وابن الجارود، فهؤلاء سبعة أشخاص صححوا هذا الحديث، فهو ثابت وصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ولا يضر قول الحافظ ابن حجر فيه:
إنه مقبول، وإنه يحتاج إلى متابعة.فهو لم يأت من طرق أخرى وإنما أتى هو من طريق واحدة عن إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة، ويوسف قال عنه الحافظ: إنه مقبول،
والمقبول في اصطلاح ابن حجر هو:
ما يحتاج إلى متابعة،
ولكن كما قلت:
الحديث صححه سبعة من العلماء، ويوسف وثقه العجلي وذكره ابن حبان في الثقات.فالحديث صحيح،
وعلى هذا يقول الإنسان عند الخروج:
غفرانك،
وقد جاء في بعض الأحاديث:
(الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)، لكن هذا لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هو ضعيف،
والثابت هو هذا الذي جاء في هذا الحديث وهو:
(غفرانك).والله تعالى أعلم.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* خاتم النبيين
* غزوة الخندق
* الصدق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
* زهد النبي صلى الله عليه وسلم وتقلله من الدنيا
* دروس وعبر من غزوة: «الخندق» و «بني قريظة»
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-11-2026, 03:33 PM   #18

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


شرح سنن أبي داود
(عبد المحسن العباد)

المواضع التي نهي عن البول فيها

صــ 1إلى صــ 13
الحلقة (18)

شرح سنن أبي داود [010]
من آداب قضاء الحاجة:
عدم الاستنجاء والاستبراء باليمين؛ لأن اليمين مكرمة، فلا تستعمل إلا في الأمور الطيبة، والشمال تستخدم في عكس ذلك،
ومن الآداب أيضاً:
الاستتار عند قضاء الحاجة.
كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء
[شرح حديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء.حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا أبان حدثنا يحيى عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه، وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه، وإذا شرب فلا يشرب نفساً واحداً)].أورد أبو داود رحمه الله تعالى باب كراهية مس الذكر باليمين في الاستبراء،
يعني:
عند قضاء الحاجة، فإن الإنسان عندما يستنجي أو يستجمر يبتعد عن مس ذكره وإزالة ما حصل في قبله من شيء على إثر قضاء الحاجة بيمينه، فإن ذلك يكون بالشمال ولا يكون باليمين؛ لأن اليمين إنما هي للأكل والشرب والأخذ والإعطاء وغير ذلك من الأمور الطيبة.وأما الأمور الأخرى التي فيها إزالة أذى كالاستنجاء والاستجمار والتمخط وغير ذلك فإنما تكون بالشمال.
وقد أورد أبو داود رحمه الله حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)، يعني: عند تنزهه واستجماره واستنجائه لا يستعمل اليمين في ذلك، وإنما يستعمل الشمال، وهذا هو مقصود أبي داود رحمه الله من إيراد هذا الحديث تحت هذه الترجمة.
قوله: [(وإذا أتى الخلاء فلا يتمسح بيمينه)
يعني:
أنه لا يستعمل اليمين لا في مس الذكر ولا في إزالة آثار البول، وإنما يستعمل اليسار سواء في قبله أو دبره.فكل ما يتعلق بإزالة الأذى إنما يكون بالشمال ولا يكون باليمين سواء بالنسبة للقبل أو الدبر.
قوله: [(وإذا شرب فلا يشرب نفساً واحداً)
يعني:
أنه لا يستمر في الشرب والإناء في فمه؛ لأنه لابد أن يتنفس في الإناء إذا استمر، ولكن عليه أن يخرج الإناء ويتنفس ثم يعيده، ويكون ذلك ثلاث مرات كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.فلا يشرب الإنسان نفساً واحداً؛ لأن الشرب بنفس فيه مضرة على الإنسان في شربه وفيما يترتب على استعمال الماء بهذه الطريقة الذي يعب فيها الماء عباً ويسرع ويكون ذلك بنفس واحد.وتنفس الإنسان في الماء الذي يشربه شيء سيئ وليس بحسن، وإنما عليه أن يشرب بثلاثة أنفاس وليس بنفس واحد، بحيث يزيل الإناء عن فمه ثم يعيده ثم يخرجه ويتنفس ثم يعيده؛ هكذا جاء في السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
[تراجم رجال إسناد حديث: (إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره بيمينه)]
قوله:

[حدثنا مسلم بن إبراهيم].
مسلم بن إبراهيم هو الأزدي الفراهيدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وموسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قالا: حدثنا أبان].
أبان هو ابن يزيد العطار ثقة، أخرج له أصحاب الكتاب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنا يحيى].
هو يحيى بن أبي كثير اليمامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن أبي قتادة].
عبد الله بن أبي قتادة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
(عن أبيه)
.
وهو أبو قتادة رضي الله، واسمه الحارث بن ربعي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته أبي قتادة، وهو صحابي جليل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وقد ذكروا عدة أقوال في اسمه والمشهور أنه الحارث بن ربعي.
ويقال:
عمرو ويقال: النعمان بن ربعي.
[ذكر الخلاف في تخصيص النهي عن مس الذكر بحال قضاء الحاجة]
وأما النهي عن مس الذكر فقد يقال:
هل هو خاص في حال قضاء الحاجة أو على العموم؟و a أن الحديث جاء في قضاء الحاجة، وأبو داود إنما عقد الترجمة في حال قضاء الحاجة،
فقال:
في الاستبراء،
وبعض أهل العلم يقول:
إن ذلك يكون عاماً في جميع الأحوال،
ومنهم من يقول:
إنه إذا حصل هذا في حال الاستبراء فغيره من باب أولى، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن كونه يمسه وليس فيه نجاسة ولا فيه شيء يستقذر ليس من باب أولى مما إذا كان في حال وجود النجاسة عليه وإزالة القذر منه، بل الذي جاء في هذا الحديث والذي جاء هذا النص هو لأن فيه إزالة أذى، واليمين إنما تستعمل في الأمور التي هي بعيدة عن تلك الأماكن، فلا يظهر المنع في غير حال الاستبراء.
[شرح حديث: (أن النبي كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه)]
قال المصنف رحمه الله تعالى:
[حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي حدثنا ابن أبي زائدة قال: حدثني أبو أيوب -يعني: الإفريقي - عن عاصم عن المسيب بن رافع ومعبد عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: حدثتني حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه، ويجعل شماله لما سوى ذلك)،
يعني:
أن اليمين تكون للطعام، فيأكل بها ويشرب بها، وكذلك عندما يلبس الثياب يبدأ باليمين.وكذلك تستعمل اليمين في كل أمر مستحسن؛ فعند دخول المسجد تقدم اليمين، وهكذا المصافحة، والأخذ والإعطاء، وكل ذلك إنما يكون باليمين لا يكون بالشمال، والشمال تستعمل في الأمور التي هي دون ذلك مما فيه إزالة أذىً أو امتهان.
[تراجم رجال إسناد حديث: (أن النبي كان يجعل يمينه لطعامه وشرابه وثيابه)]
قوله:

[حدثنا محمد بن آدم بن سليمان المصيصي].
وهو محمد بن آدم بن سليمان المصيصي الجهني صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي.
[حدثنا ابن أبي زائدة].
ابن أبي زائدة هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو أيوب -يعني: الإفريقي -].
أبو أيوب الإفريقي هو عبد الله بن علي صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والترمذي، وكلمة (يعني: الإفريقي) هذه كما ذكرنا مراراً وتكراراً هي زيادة ممن دون التلميذ.
[عن عاصم].
هو عاصم بن أبي النجود بهدلة صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وحديثه في الصحيحين مقرون،
أي:
أنهما لم يرويا عنه على سبيل الاستقلال وإنما على سبيل التبع.
[عن المسيب بن رافع].
المسيب بن رافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومعبد].
هو معبد بن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حارثة بن وهب الخزاعي].
حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حفصة].
هي حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
[شرح حديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره)]
قال المصنف رحمه الله تعالى:

[حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثني عيسى بن يونس عن ابن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة قالت: (كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى)].
أورد أبو داود رحمه الله حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
(كانت يدر سول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره)،
يعني:
كانت لاستعمال الطهور بحيث يدخلها الإناء ويغرف بها بحيث يخرج الماء من الإناء بها لطهوره عندما يريد أن يتوضأ، فإذا أراد أن يتطهر ويتوضأ فإنه يستعمل يده اليمنى في طهوره.وهكذا طعامه.
قوله: (وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى) يعني: إذا ذهب للخلاء فإنه يستعمل يده اليسرى، وما كان من أذى مثل المخاط وإخراجه من الأنف كل ذلك يكون باليسرى.
[تراجم رجال إسناد حديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره)]
[حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع].
هو أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وأبو توبة الحلبي هذا هو الذي اشتهرت عنه الكلمة المشهورة في حق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم وفيما يتعلق ب معاوية، وهي أن معاوية رضي الله عنه ستر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اجترأ عليه اجترأ على غيره، ومن تكلم فيه تكلم في غيره.
ولهذا قال:
هو ستر لأصحاب رسول الله.
يعني:
هو حاجز وحاجب، ومن اجترأ عليه فقد تجاوز ذلك الحجاب،
بمعنى أنه:
عرض نفسه وسهل لنفسه أن يتكلم في الصحابة؛ لأنه تكلم في واحد منهم،
ولذا قال: هو ستر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن اجترأ عليه اجترأ على غيره،
يعني:
أن من سهل عليه أو أقدم على الكلام فيه بما لا ينبغي وبما لا يليق فإنه يسهل عليه أيضاً أن يقع في بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.وهي كلمة عظيمة وواضحة؛ لأن ذلك الصحابي الجليل رضي الله عنه تكلم فيه بعض من لم يوفق ومن خذل ولم يحالفه الصواب، فتكلم فيه وقدح فيه، وهو أحد كتاب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب رسول عليه الصلاة والسلام.والكلام في أي واحد من الصحابة إنما هو علامة على خذلان فاعله، كما قال أبو المظفر منصور السمعاني في كتابه الاصطلاح -وهو رد على أبي زيد الدبوسي من الحنفية-: إن القدح في أحد من الصحابة علامة على خذلان فاعله وهو بدعة وضلالة، فالتكلم في أي واحد من الصحابة إنما هو دليل على سوء المتكلم ودليل على أن المتكلم أقدم على الإضرار بنفسه.ولهذا الحافظ ابن حجر رحمه الله لما جاء عند حديث المصراة في صحيح البخاري وذكر أن بعض الحنفية لا يقولون بمقتضاه فيما يتعلق بكونه يرد الشاة ومعها صاعاً من تمر؛
لأن أحد الحنفية قال:
إن الحديث من رواية أبي هريرة، وأبو هريرة ليس في الفقه مثل عبد الله بن مسعود! أبو هريرة له آلاف الأحاديث، وإذا تُكلم فيه في حديث سهل الكلام في الأمور الأخرى، وما الفرق بين حديث وحديث؟
فالحافظ ابن حجر رحمه الله قال:
وقائل هذا الكلام إنما آذى نفسه بكلامه.يعني: أنه قال كلاماً أذاه ومضرته عليه هو، وليست على أبي هريرة.
فالاعتذار الذي حصل من أن الحديث من رواية أبي هريرة وهو في الفقه ليس مثل عبد الله بن مسعود معناه:
أنه ليس بفقيه، وهذا كلام ساقط وكلام باطل.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وقائل هذا الكلام إنما آذى نفسه وتصوره كافٍ في الرد عليه.
يعني:
أنه لا يحتاج إلى رد، بل مجرد تصور هذا الكلام يعرف أنه سيء وأنه كلام ساقط وأنه لا قيمة له، وهذا يغني عن أن الإنسان يشغل نفسه في الرد عليه؛ لأن هذا كلام في غاية السوء.فالصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يجب احترامهم وتوقيرهم واعتقاد أنهم خير الناس وأنهم ما كان مثلهم في الماضي ولا يكون مثلهم في المستقبل.
والذي يتكلم فيهم وقد مضى على عصرهم أزمان معنى هذا:
أن الحسنات تجري عليهم حتى ممن يقع في نفسه شيء عليهم، فيؤخذ من حسنات المتكلم للذي تكلم فيه،
كما جاء في حديث المفلس في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس من لا درهم له ولا متاع)،
يعني:
أن المفلس حقاً هو الذي ليس عنده درهم ولا متاع، نعم هو مفلس في الدنيا لكن المفلس حقاً هو المفلس في الآخرة،
ولذا النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(ولكن المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام وحج ويأتي وقد شتم هذا وضرب هذا وسفك دم هذا وأخذ مال هذا، فيعطى لهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار).ف أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي قال هذه الكلمة العظيمة التي فيها بيان قدر الصحابة، وأن من سهل عليه أن يتكلم في واحد منهم فمن السهل عليه أن يتكلم في غيره.
[حدثني عيسى بن يونس].
هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي عروبة].
ابن أبي عروبة هو سعيد بن أبي عروبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي معشر].
أبو معشر هو زياد بن كليب الحمصي ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
[عن إبراهيم].
هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو يرسل كثيراً.وهنا يروي عن عائشة، وهذا من قبيل المرسل؛ لأن الحديث الذي سيأتي يبين أن هناك واسطة بينه وبينها، وهو الأسود بن يزيد النخعي، وأيضاً هو توفي سنة (96هـ) وعائشة توفيت سنة (59هـ) وعندما توفي كان عمره قريباً من خمسين سنة،
يعني:
أنه ما أدرك من حياتها إلا الشيء اليسير، وهي كانت بالمدينة وهو كان بالكوفة.والحديث الذي بعده يوضح هذا؛ لأنه من رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة، ففيه واسطة، وهذا يبين أنه مرسل،
والمرسل في اصطلاح المحدثين المشهور فيه:
أنه قول التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه يطلق إطلاقاً عاماً على رواية الراوي عمن لم يدركه أو أدركه ولم يلقه.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق وهي التي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لاسيما بما يتعلق في أمور البيت وما يجري بين الرجل وأهل بيته مما لا يطلع عليه إلا النساء؛ فإن عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها حفظت الكثير ووعت الكثير من السنن التي لا يطلع عليها إلا النساء مما كان يجري بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين زوجاته.فهي من أوعية السنة، وقد رفع الله شأنها وأعلى ذكرها وأنزل الله براءتها فيما رميت فيه من الإفك في آيات تتلى من سورة النور، ومع ما أعطاها الله عز وجل من الفضل وما أكرمها به من الرفعة كانت تتواضع لله عز وجل،
كما جاء في الصحيح أنها رضي الله عنها وأرضاها هجرها رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة طويلة وكان يقول لها:
(يا عائشة إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفري)،
ولما أنزل الله براءتها كانت تقول:
(وكنت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرئني الله بها -لأن رؤيا الأنبياء وحي- ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله فيّ آيات تتلى) أي: أنها تقول عن نفسها: أنا لا أستحق أن ينزل فيَّ القرآن، وإنما كانت تتمنى أن يأتي وحي عن طريق المنام، يرى النبي صلى الله عليه وسلم فيه براءتها، ولكن الله برئها مما رميت به بآيات، ولكن هذا يدل على تواضعها.وابن القيم رحمه الله في كتابه (جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام) عندما جاء إلى الكلام على الصلاة الإبراهيمية وعندما جاء في الكلام على آل محمد ذكر كلاماً عن أمهات المؤمنين، وكل واحدة منهن عقد لها فصلاً وأتى بكلاماً يخصها،
ولما جاء عند عائشة رضي الله عنها وأرضاها وبين ما أكرمها الله تعالى به وأشار إلى تواضعها في قولها:
(ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله في آيات تتلى)،
قال معلقاً على كلامها: فما شأن من يصلي ركعتين في الليل ثم يقول: أنا كذا، أو يصوم يوماً من الدهر ويقول: أنا كذا؟!
يعني:
أنه يتبجح بعمله، وهي التي أعطاها الله عز وجل من الإكرام ما أعطاها ومع ذلك تتواضع،
كما قال الله عز وجل في حق أوليائه:
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}،
أي:
يؤتون ما آتوا من الأعمال الصالحة ويتقربون له بالأعمال الصالحة ومع ذلك قلوبهم وجلة، وهم وجلون خائفون ألا يتقبل منهم، {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون:60]،
فهذا هو شأن أولياء الله:
جمعوا بين العمل والمخافة والتواضع.
[طريق أخرى لحديث: (كانت يد رسول الله اليمنى لطهوره) وتراجم رجال إسنادها]
قال المصنف رحمه الله: [حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن أبي معشر عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه].أورد أبو داود رحمه الله هذه الطريق الثانية التي ساق إسنادها وأحال متنها إلى المتن المتقدم،
أي:
بمعنى الحديث المتقدم أو المتن المتقدم.والإسناد هو نفس الإسناد المتقدم إلا أن فيه بين إبراهيم وعائشة الأسود،
يعني:
أن الإرسال الذي في الإسناد الأول أمن وعرف الواسطة فيه وهو الأسود بن يزيد النخعي.قوله:
[حدثنا محمد بن حاتم بن بزيع].
محمد بن حاتم بن بزيع ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[حدثنا عبد الوهاب بن عطاء].
عبد الوهاب بن عطاء صدوق يخطئ، أخرج حديثه البخاري في (خلق أفعال العباد) ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[حدثنا سعيد].
سعيد هو بن أبي عروبة؛
لأنه في الإسناد الأول قال:
ابن أبي عروبة فذكره منسوباً ولم يذكر اسمه، وفي الإسناد الثاني ذكر اسمه وما ذكر نسبته، وسعيد الذي في الإسناد الثاني هو ابن أبي عروبة الذي في الإسناد الأول؛
لأنه في الإسناد الأول ما ذكر اسمه وإنما تلميذه روى عنه بقوله:
ابن أبي عروبة، وأما تلميذه في الإسناد الثاني فذكره باسمه سعيد،
وما قال:
ابن أبي عروبة.فمعرفة الأشخاص بأنسابهم وأسمائهم وألقابهم وكناهم من الأمور المهمة، والإنسان إذا عرف ذلك يأمن الخطأ في أن يظن أن الشخص الواحد شخصان؛ لأن الذي لا يعرف هذه الأمور إذا جاء ابن أبي عروبة في إسناد وجاء سعيد في إسناد آخر فإنه يظن هذا شخصاً وهذا شخصاً آخر مع أنهما شخص واحد، وإنما ذكر باسمه غير منسوب مرة وذكر بنسبه غير مسمى مرة أخرى، فذكر بنسبه غير مسمى في الإسناد الأول وذكر في الإسناد الثاني مسمى غير منسوب.
[عن الأسود]
.الأسود بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
الاستتار في الخلاء
[شرح حديث: (ومن أتى الغائط فليستتر)]
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الاستتار في الخلاء.حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي أخبرنا عيسى بن يونس عن ثور عن الحصين الحبراني عن أبي سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أكل فما تخلل فليلفظ وما لاك بلسانه فليبتلع، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج، ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج).
قال أبو داود:
رواه أبو عاصم عن ثور قال: حصين الحميري، ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخير.
قال أبو داود:
أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم].أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة (باب الاستتار في الخلاء)،
يعني:
أنه إذا ذهب الإنسان يقضي حاجته في فضاء وفي خلاء فإنه يبحث عن شيء يستتر به يجعله أمامه؛ بحيث إنه لو مر أحد فإنه لا يرى عورته، فالاستتار مطلوب، والنبي صلى الله عليه وسلم بال في أصل جدار،
يعني: جعله ستراً له،
وكذلك جاء في حديث ابن عمر:
(أنه أناخ راحلته واستقبلها وجعلها أمامه)،
يعني:
جعلها ستراً له، فالاستتار مطلوب عند قضاء الحاجة.فإذا لم يكن في الأماكن المخصصة كالتي في البيوت وغيرها وإنما كان في العراء أو في الخلاء أو في الأماكن البارزة التي يمكن أن يرى الناس فيها الإنسان إذا قضى حاجته فإنه يستتر بأن يجعل أمامه شيئاً إما حجرة أو شجرة لا يستظل بها؛ لأنه ورد النهي عن التخلي في ظل الناس، وأن ذلك لا يجوز، لكن يجوز تحت الشجرة الصغيرة التي يجعلها الإنسان سترة له أو فيها ظل لا يحتاج الناس إليه؛ لأنه ظل ليس بواسع وإنما هو قليل، فمثل ذلك لا بأس بجعله سترة، والاستتار مطلوب.وقد أورد فيه أبو داود رحمه الله حديثاً لا يصح؛ لأن في إسناده مجهولاً أو مجهولين؛ فهو غير ثابت، ولكن الاستتار ثابت ومطلوب، وفائدته معروفة ومحققة.
والحديث الذي أورده أبو داود في هذه الترجمة هو حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اكتحل فليوتر)،
أي:
فليكتحل وتراً، والوتر هو واحد ثلاثة خمسة، هذا هو الوتر، فهناك أوتار وأشفاع، ولكن ليكن انتهاؤه بوتر أو ختامه بوتر.
قوله:
[(من فعل فقد أحسن)
يعني:
من أوتر عند اكتحاله فقد أحسن.
قوله:
[(ومن لا فلا حرج عليه)
يعني:
ومن لم يوتر بمعنى أنه جعله شفعاً ولم يجعله وتراً فلا بأس.
قوله: [(ومن استجمر فليوتر)] أي: قطع الخارج أو أثر الخارج بالجمار،
وهي:
الحجارة،
ويقال له:
استجمار لأنه مأخوذ من استعمال الحجارة في إزالة آثار الخارج من بول أو غائط،
وقيل له:
استجمار لأنه فعل للجمار وهي الحجارة.
ولهذا يقال للحصى الذي يرمى به الجمار في منى:
جمار،
فقوله:
(من استجمر) يعني: من استعمل الحجارة في قضاء الحاجة (فليوتر)،
يعني: فليكن استجماره وتراً.وقد سبق أن مر بنا أنه لا يستنجي الإنسان بأقل من ثلاثة أحجار.
قوله:
[(ومن أكل فما تخلل فليلفظ، وما لاك بلسانه فليبلع)
يعني:
إذا خلل أسنانه وأخرج شيئاً من أسنانه فإنه يلفظه، وما كان كان في لسانه فإنه يبلعه.
قوله: [(ومن أتى الغائط فليستتر، فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره)].هذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث للترجمة،
فقوله: (فمن أتى الخلاء فليستتر)،
يعني:
من ذهب إلى قضاء الحاجة في مكان خالٍ وفي مكان في فضاء فليجعل أمامه شيئاً يستره.
قوله: [(فإن لم يجد إلا يجمع كثيباً من رمل فليستدبره)].
يعني: فإن لم يجد شيئاً يستره فليجمع كثيباً من رمل وذلك بأن يلم التراب حتى يبرز أمامه ويقضي حاجته وراءه،
ثم قال:
(من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج عليه) لكن الاستتار كما هو معلوم قد جاء في غير هذا الحديث كما أشرت إلى ذلك آنفاً.
قوله:
[(فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم)] وهذا كما هو معلوم أن الشياطين تحضر في أماكن قضاء الحاجة، ولهذا سبق أن مر أن هذه الحشوش محتضرة،
يعني:
تحضرها الشياطين، ولأن الحالة التي يكون الإنسان عليها لا يذكر فيها الله عز وجل، وهم يأتون إلى الأماكن التي لا ذكر لله عز وجل فيها وإلى الأماكن القذرة.ولهذا شرع أن يقال عند دخول الخلاء: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث).
[تراجم رجال إسناد حديث: (ومن أتى الغائط فليستتر)]
[قال أبو داود: رواه عاصم عن ثور قال: حصين الحميري].
يعني: بدل حصين الحبراني؛
لأنه قال في الأول:
الحبراني،
وهنا قال:
الحميري، والحميري والحبراني بمعنى واحد؛ لأن حبران فخذ من حمير، فهي نسبة خاصة ونسبة عامة مثل أبو إسحاق السبيعي الهمداني: السبيعي نسبة خاصة والهمداني نسبة عامة؛ لأن سبيع من همدان، وهكذا حبران هم من حمير، فإذا جاء في بعض المواضع حبراني وجاء في بعضها حميري فالمؤدى واحد؛ لأن حمير نسبة عامة وحبران نسبة خاصة.
والحاصل:
أن أبا داود رحمه الله أراد أن يبين اللفظ الذي جاء عن أبي ثور من طريق أبي عاصم، وأنه عبر بـ الحميري بدل الحبراني في الإسناد المتقدم.
[ورواه عبد الملك بن الصباح عن ثور فقال: أبو سعيد الخير]
أي: أضاف إليه الخير.
[قال أبو داود: أبو سعيد الخير هو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم].
[حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي].
إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا عيسى بن يونس].
عيسى بن يونس مر ذكره.
[عن ثور].
هو ثور بن يزيد الحمصي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
[عن الحصين الحبراني].
الحصين الحبراني هو الحميري، وقد عرفنا أنه لا فرق بينهما، وهو مجهول، أخرج حديثه أبو داود وابن ماجة.
[عن أبي سعيد].
وأبو سعيد هذا هو حبراني أيضاً، وهو مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة،
فـ أبو داود ذكر أن عبد الملك بن الصباح رواه وقال:
أبو سعيد الخير،
ثم قال أبو داود:
أبو سعيد الخير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحافظ ابن حجر في التقريب قال:
إن هذا غير هذا، وقد وهم من خلط بينهما، بل هذا شخص وهذا شخص، فـ أبو سعيد الخير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الذي في الإسناد فهو أبو سعيد الحبراني مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود وابن ماجة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق.
وقوله:
[رواه أبو عاصم عن ثور].
أبو عاصم الضحاك بن مخلد، وهناك أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي، لكن خشيش بن أصرم مات سنة (253هـ) والضحاك بن مخلد مات سنة (21هـ) أو بعدها، فبين وفاتيهما فترة، وعلى هذا فيكون هو الضحاك بن مخلد أبو عاصم النبيل، وهو من أتباع التابعين،
وهو الذي روى عنه البخاري عدداً من الأحاديث الثلاثية التي بين البخاري فيها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أشخاص:
صحابي وتابعي وتابع تابعي.فـ أبو عاصم النبيل هو من أتباع التابعين، وهو الذي يمكن أنه يروي عن ثور بن يزيد الحمصي.والضحاك بن مخلد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.
[ورواه عبد الملك بن الصباح].
عبد الملك بن الصباح صدوق،
قال في التقريب:
أخرج له البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة.ولم يذكر أبا داود مع أنه موجود عند أبي داود في هذا الإسناد، فكأنه يرى أنه ليس من رواته، وإنما ذكر هذه الرواية تعليقاً وتنبيهاً فقط على الرواية المتقدمة.فلا أدري هل الأشخاص الذين يأتون هكذا لا يذكرون أو أنه سها عن ذلك، والمسألة تحتاج إلى معرفة الاصطلاح.وأبو عاصم كما هو معلوم له أحاديث كثيرة عند أبي داود بطريقة متصلة لكن عبد الملك هو الذي ما ذكر أنه روى له أبو داود، فهذا يحتاج إلى معرفة اصطلاح المزي هل ترك مثل هؤلاء أم لا؟ لأنه لا أحد يذكر تعليقاً إلا البخاري، وأما غيره فلا يذكر، لكن هل هذه الإشارة يغفلونها نهائياً ولا يعتبرون الرجل من رجال أبي داود؟ يحتاج هذا الأمر إلى أن يبحث.
وأبو داود قال: أبو سعيد الخير هو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو بناءً على هذا، لكن كلام الحافظ ابن حجر يفيد بأن هناك خطأً، وأن هذا شخص آخر ليس الذي في هذا الإسناد، وأن من جمعهما وخلط بينهما فقد أخطأ،
والذي في الإسناد ذكره الحافظ ابن حجر في التقريب وقال: إنه مجهول، كتلميذه الذي هو الحصين الحبراني، فهذا مجهول وهذا مجهول،
وكل منهما ليس له إلا هذا الحديث أيضاً في هذين الكتابين:
كتاب أبي داود وكتاب ابن ماجة، لكن أبا سعيد الخير ذكر تمييزاً، فـ الحافظ لما ذكر ترجمة لـ أبي سعيد الخير ما رمز لأحد خرج له،
فإنه قال:
أبو سعيد الحبراني،
بضم المهملة الحمصي ويقال:
أبو سعيد الخير،
اسمه زياد وقيل: عامر وقيل: عمر، مجهول من الثالثة.
ثم قال:
أبو سعيد الخير الأنماري صحابي له حديث، وقد وهم من خلطه بالذي قبله ووهم أيضاً من صحف الذي قبله به.تمييز.
يعني: أن أبا سعيد هذا هو الحبراني وهو المجهول.وأما أبو سعيد الخير فله حديث واحد، ولكن ما ذكر من الذي رواه،
وإنما رمز له بقوله:
تمييز،
يعني:
أنه له حديث واحد ليس في الكتب الستة.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* خاتم النبيين
* غزوة الخندق
* الصدق في حياة النبي صلى الله عليه وسلم
* زهد النبي صلى الله عليه وسلم وتقلله من الدنيا
* دروس وعبر من غزوة: «الخندق» و «بني قريظة»
* الخوارج تاريخ وعقيدة
* ستون عامًا على رحيل الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
(عبد, للعباد, أتى, متجدد, المحسن, الله, العباد), داود, شاء, شرح, سنن, هو
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 1779 06-30-2026 09:58 PM
«عون الرحمن في تفسير القرآن» ----متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم قسم تفسير القرآن الكريم 515 06-29-2026 11:18 AM
شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله ابو الوليد المسلم ملتقى الكتب الإسلامية 663 06-28-2026 05:27 AM
أبناء العلماء : أبو داود صاحب السنن وابن أبي داود ابو الوليد المسلم قسم التراجم والأعلام 0 12-31-2025 07:10 AM
شرح كتاب تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد – الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله أبو طلحة ملتقى عقيدة أهل السنة و الجماعة 1 06-06-2022 05:39 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009