استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى القرآن الكريم وعلومه > قسم تفسير القرآن الكريم
قسم تفسير القرآن الكريم يهتم بكل ما يخص تفسير القرآن الكريم من محاضرات وكتب وغيرذلك
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 02-19-2026, 08:59 PM   #13
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 118

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

الربع الثالث من سورة النساء

الآية 23: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾: يعني حَرَّم الله عليكم نكاحَ أمّهاتكم (ويدخل في ذلك الجدَّات مِن جهة الأب والأم)، ﴿ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ (ويدخل في ذلك الحفيدات مِن جهة الابن والابنة)، ﴿ وَأَخَوَاتُكُمْ ﴾ (سواء الشقيقات أو اللاتي من جهة الأب أو اللاتي من جهة الأم)، ﴿ وَعَمَّاتُكُمْ ﴾ وهُم: أخوات آبائكم وأخوات أجدادكم أيضاً، ﴿ وَخَالَاتُكُمْ ﴾ وهُم: أخوات أمهاتكم وأخوات جدّاتكم أيضاً، ﴿ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ ﴾ (ويدخل في ذلك حَفِيدات الإخوة والأخوات)، ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ ﴾ ﴿ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾، واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه (يَحرُمُ من الرِّضاع ما يَحرُمُ منالنَسب)، فكُل امرأة حُرِّمَتْ مِنالأقارب: حُرِّمَ مثلها مِن الرضاعة، بمعنى أنه كما حُرِّمَتْ عليه أمه التي ولدته، فإنّ أمه التي أرضعته حرامٌ عليه.

وكذلك أيّ بنت رَضَعتْ من زوجته فهي حرامٌ عليه (لأنها أصبحت ابنته من الرضاعة)، واعلم أن ابنته من الرضاعة هذه تَحْرُمُ أيضاً على أخيه (لأنه أصبح عَمَّها من الرضاعة)، وكذلك يَحرُم على هذه البنت أخو أمها من الرضاعة (لأنه أصبح خالها من الرضاعة).

وكذلك يَحْرُم على الرجل أخواته من الرضاعة (وهُم: بنات هذه المرأة التي رضع منها)، لكنهنّ لا يَحرُمْنَ على إخوته من النسب، وكذلك يَحرُم عليه خالاته من الرضاعة (وهُم: أخوات أمه التي أرضعته)، وكذلك يَحرُم عليه عمّاته من الرضاعة (وهُم: أخوات زوج المُرضِعة)، وكذلك يَحرُم عليه بنات إخوته من الرضاعة، وكذلك يَحرُم عليه بنات أخواته من الرضاعة، وبالنسبة لزوج المُرضِعة: فإنّ أخوات الطفل (الذي رضع من زوجته) لا يَحْرُمْنَ عليه.

ولكن اعلم أنه يُشترَط لهذا التحريم السابق أن يكون الطفل قد رضع منها خمس رضعات فأكثر (كما ثبت ذلك في السُنَّة)، وكذلك أن يكون عُمره لا يزيد عن سنتين (وهما الحَوْلان الكاملان)، أما إذا كانَ عدد الرضعات أقل من خمس، أو كانَ الطفل حينها أكبر من سنتين: فلا يَحرُم عليه أحد بسبب هذه الرضاعة، ويُلاحَظ أنّ الأخ من الرضاعة لا يَرث.


وحُرَّمَ عليكم كذلك: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ﴾ سواء دخلتم بنسائكم، أم لم تدخلوا بهنّ ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾: يعني ويَحرُم عليكم بنات نسائكم(من غيركم) اللاتي يتربَّيْنَ غالبًا في بيوتكم وتحت رعايتكم، ولكنْ بشرط الدخول بأمهاتهنّ، ﴿ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾: يعني فإن لم تكونوا دخلتم بأمهاتهنّ وطلقتموهنّ أو مُتْنَ قبل الدخول: فلا جناح عليكم أن تنكحوهنّ، ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ ﴾: يعني ويَحرُم عليكم زوجات أبنائكم الذين من أصلابكم (إذا فارقوهم أو ماتوا عنهم، سواء دخل الابن بها أو لميدخل)، وكذلك يَحرُم على زوج المرضعة أن يتزوج امرأة ابنه من الرضاعة.

وحُرَّمَ عليكم كذلك: ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ﴾ بنسبٍ أو رِضاع ﴿ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ ومضى منكم في الجاهلية فإنه مَعفو عنه، بشرط عدم الإقامة عليه (وحينئذٍ يختار الزوج منهما مَن كانت تطيعه وتصاحبه بالمعروف، ويُفارق الأخرى بعد أن يُعطيَها حقها)، واعلم أنه لا يجوز كذلك الجَمع بين المرأة وعمتها أوالمرأة وخالتها (كما ثَبَتَ ذلك في السُنَّة)، ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾: يعني: وقد كتبَ اللهُ على نفسهِ أنه غفورٌ رحيم.

الآية 24: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾: يعني ويَحرُمُ عليكم كذلك نكاح المتزوجات من النساء ﴿ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾: يعني إلا مَنْ أسَرتُم منهنّ في الجهاد،فإنه يَحِلّ لكم نكاحهنّ، ﴿ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾: يعني كتب الله عليكم تحريم نكاح هؤلاء ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾: يعني وأجاز لكم نكاح أيّ امرأة (غير هذه المُحَرَّمات) ممَّا أحَلَّهُ الله لكم، بشرط ﴿ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾: يعني أن تطلبوا بأموالكم العفة عن اقتراف الحرام، ﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ﴾: أي فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ مِن نسائكم بالنكاح الصحيح (لأنّ هذه الآية - والتي قبلها - كانت تتحدث عن النكاح، وعن ذِكر مَن يَحرُم نكاحُها ومَن تَحِلّ)، وذلك بدءاً من قوله تعالى: ( ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾)، إلى قوله تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾، وفي هذا رَدٌّ واضح على مَن يتجرأون على دين رب العالمين، ويَستحِلُّون ما يُسَمُّونه بـ (نِكاح المُتعة)، وهو في أصلِهِ زنا، وإنما أوقعَهم في هذا الإثم العظيم: سُوءُ فَهمِهم، واتباعُ أهوائهم.

﴿ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾: يعني فأعطوا نسائكم مهورهنّ، التي فرض اللهُ لهنّ عليكم، كما قال تعالى: ﴿ وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾، ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ﴾: يعني ولا إثم عليكم فيما تمَّ التراضي به بينكم - أيها الأزواج- من الزيادة أو النقصان في المهر، بشرط الاتفاق على مهرٍ محدد في البداية، وذلك ضماناً لحق الزوجة، بحيثُ يَرجع الأمر إليها، فترى: هل هذا الزوج يتقي اللهَ فيها ويعاملها معاملةً طيبةً يَستحق بسببها أن تتنازل له عن المهر (كله أو بعضه)، أو لا يستحق ذلك، ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾.

الآية 25: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾: يعني ومَن لا قدرة له على مهور الحرائر المؤمنات: ﴿ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾: يعني فله أن يَنكح غيرهنّ، من فتياتكم المؤمنات المملوكات ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ﴾: يعني بحقيقة إيمانكم ﴿ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ ﴿ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾: يعني فتزوجوهنّ بموافقة أهلهنّ، ﴿ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾: يعني وأعطوهنّ مُهورهنّ على ما تراضيتم به عن طِيب نفسٍ منكم، بشرط أن يَكُنَّ ﴿ مُحْصَنَاتٍ ﴾: يعني أن يَكُنّ بزواجهنّ هذا طالباتٍ للعِفة عن الحرام، ﴿ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ﴾: يعني وعليكم أن تجتنبوا اختيار الإماء المُجاهرات بالزنى، ﴿ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾: يعني واجتنِبوا أيضاً اختيار مَن يتخذون أصدقاء (للزنى) سِرَّاً ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ ﴾: يعني فإذاتزوجْنَ وأتيْنَ بفاحشة الزنى ﴿ فَعَلَيْهِنَّ ﴾ مِن الحدِّ ﴿ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ ﴾: يعني نصف ما على الحرائر ﴿ مِنَ الْعَذَابِ وذلك في الشيء الذي يمكن تنصيفه، وهو جلد خمسين جلدة للأمَة البِكر (لأنّ البِكر الحُرّة تُجلَد مائة) وتغريبها (يعني إخراجها من قريتها) لمدة ستة أشهر فقط (بدلاً من سَنَة للبِكر الحُرّة)، أما الرَّجْم (الذي هو الموت) فإنه لا يمكن تنصيفه، فلذلك ليس على الإماء المتزوجات رَجْم، إنما عليهنّ تعزير (يعني تأديب وعقاب يَرْدَعُهُنّ عن فعل الفاحشة، وذلك بحسب ما يراه ولي الأمر مناسباً لذلك).

﴿ ذَلِكَ الذي أبيحَ لكم مِن نكاح الإماء إنما أبيحَ (﴿ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ﴾: يعني لمَن خاف على نفسه الوقوع فيالزنى، وشَقَّ عليه الصبر عن الجماع، ﴿ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾: يعني: والصبر عن نكاح الإماء مع العِفة أوْلَى وأفضل ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ ﴾ لكم ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بكم إذ أذِنَ لكم في نكاحهنّ عند العجز عن نكاح الحرائر.

الآية 27: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ويتجاوز عن خطاياكم، ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ ﴾: يعني وأما الذين يَنقادون لشهواتهم ومَلذاتهم فيريدون لكم ﴿ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا ﴾: يعني أن تنحرفوا عن الدين انحرافًا كبيرًا.

الآية 28: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾: يعني يريد الله تعالى - بما شرعه لكم مِن أحكام - أن يُيَسِّر عليكم،فقد ثبتَ أن النبي صلى الله عليه وسلم كانَ إذا خُيِّرَ بين أمرَين: يَختارُ أيْسَرَهما (ما لم يكن إثماً)، فليس معنى أنّ الدينَ يُسر، أنْ يفعل الإنسان ما حرمه الله، وإنما الدين يُسر في أحكامه وتكاليفه، فعلى سبيل المثال: يقول النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري - : (ليكونَنَّ من أمّتي أقوامٌ يَستحِلّون الحِرَ - (والمقصود به الزنى) - والحرير - (أي يَستحِلون لِبْسَهُ للرجال) - ، والخمر، والمَعازف - (وهي الآلات الموسيقية))، فالذي أخبر بأن (الموسيقى) حرام، هو نفسه - صلى الله عليه وسلم - الذي قال: (إن الدين يُسر).

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾: يعني وذلك التيسير في الأحكام - وخصوصاً في أمر النكاح - لأنكم قد خُلِقتمضعفاء.

الآية 31: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ (وهو الجنة)، وبهذا قد ضمن الله تعالى لمن اجتنب الكبائر أن يُكفر عنه الصغائر من السيئات، وأن يُدخله الجنة، فلذلك وَجَبَ علينا البحث عن هذه الكبائر لكي يجتنبها المسلمون، وقد قال بعض العلماء أنّ عددها سَبع، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (هي إلى السبعين أقرب منها إلى السَبع).

هذا، وقد عرَّفها العلماء بأنها: كل ما وَرَدَ فيه حَدّ في الدنيا (كالقتل والزنا والسرقة)، أو جاء فيه وعيد في الآخرة (مِن عذابٍ أو غضبٍ أو تهديد أو لعْن فاعله)، مع التسليم بأنّ بعض الكبائر أكبر من بعض، علماً بأن صاحب الكبيرة لا يُكَفَّر.

هذا، وقد جمعها الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه: (الكبائر)، وقد رأيتُ - إتماماً للفائدة - أن أسوقها إليك مُختصَرة ومُبسَّطة:
(الشرك بالله (ومنه الذبح لغيرهِ تعالى) - قتل النفس - السحر - ترْك الصلاة - مَنْع الزكاة - إفطار يوم من رمضان بلا عذر - ترْك الحج مع القدرة عليه - عقوق الوالدين - هَجْر الأقارب - الزنا - اللُّواط (وهو فِعل قوم لوط) - أكْل الربا - أكْل مال اليتيم وظلمه - الكذب على الله عز وجل وعلى رسوله - الفرار من القتال - غش الإمام للرَعِيَّة وظلمه لهم - الكِبر والفخر والعُجْب والغرور - شهادة الزُّور (يعني يشهد على شيءٍ غير صحيح وهو يعلم أنه كاذبٌ، وكذلك مَن يحتفل بأعياد غير المسلمين، أو يَحضر مجالس الباطل (كالغيبة والنميمة والكذب) وهو موافقٌ لهم) - شُرب الخمر - القِمار - قذف المحصنات (يعني اتّهام نساء المسلمين بالزنا أو مقدماته، ومنه قول القائل: (يا ابن الزانية) أو ما شابَهَ ذلك) - الغُلول (وهو سرقة شيء مِن الغنِيمة قبلَ توزيعِها) - السرقة - قطع الطريق).

وكذلك من الكبائر: (اليمين الغَموس (وهو الحلف الكاذب الذي يغمس صاحبه في النار) - الظلم - المَكَّاس (وهو الذي يجمع الضرائب قهراً وظلماً، ولا يدخل في ذلك ما يراهُ ولي الأمر في مصلحة الدولة، أو في مصلحة المسلمين) - أكْل الحرام بأيّ وجهٍ كان - أن يَقتل الإنسانُ نفسه - الكذب في غالب أقواله - القاضي السوء - أخذ الرِّشوة على الحُكم - تَشَبُّه النساء بالرجال وتَشَبُّه الرجال بالنساء - الدَّيُّوث (وهوالمُستحسِن على أهلِهِ التَبَرُّج والفاحشة) - القوَّاد (وهو الساعي بين الاثنين بالفاحشة) - المُحَلِّل (وهو مَن يتزوج امرأة مُطلقة (ثلاث طلقات) بِنِيَّةِ تحليلها لزوجها الأول)، والمُحَلَّل له (وهو الزوج المُطلِق، الذي يعطي للمُحلِل أجراً ليفعل ذلك)).

وكذلك من الكبائر: (عدم الاستنجاء من البول (وعدم الاحتراز مِن رَذاذه أثناء التبول) - الرياء - تعَلُّم العِلم الشرعي طلباً للدنيا (إلا مَن كان ليس له مصدر رزق إلا ذلك، كإمام المسجد والخطيب والمُحَفِّظ، مع مراعاة أن ينوي بذلك العلم: الدعوة مع طلب الرزق) - كِتمان العلم - الخيانة - المَنَّان (الذي لا يُعطِي شيئاً إلا وتَفَضَّلَ به على مَن أعطَاه، سواء كانَ هذا التفضُّل باللسان أو بالقلب) - التكذيب بالقدَر - التجَسُّس على الناس - النَمَّام (وهو الذي ينقل الكلام بين الناس بغرض التوقيع بينهم) - اللَّعَّان (وهو الذي يُكثِر من لعْن الناس ولعْن الأشياء) - الغدْر وعدم الوفاء بالعهد - تصديق الكاهن والمُنَجِّم - نشوز المرأة على زوجها (يعني تمَرُّدها عليه، ومُعانَدَتِه وإسخاطه وعدم طاعته) - تصوير التماثيل).

وكذلك من الكبائر: (اللَّطْم والنِياحة - الاستطالة على الضعيف - أذى الجار - أذى المسلمين وَشَتْمهم - أذيَّة عباد الله والتطاول عليهم - تطويل الثوب للرجال (فخرا وكِبراً) - لبْس الحرير والذهب للرجال - هروب العبْد من سيده - فيمَن يُدْعَى (نَسَباً) إلى غير أبيه وهو يعلم أنه ليس أبيه (وكان راضياً بذلك) - الجدال بالباطل (يعني يجادل وهو يعلم أنه على باطل، ولكنه يفعل ذلك اتّبَاعاً لهواه) - مَنْع الماء (الزائد عن حاجته) عن الآخرين - الغش ونقص الميزان - الأمْن من مَكْر الله - الإصرار على ترك صلاة الجمعة والجماعة من غير عذر - الإضرار في الوصية (وقد تقدم ذلك في آيات المواريث) - المكر والخديعة - مَن دَلَّ الأعداء على المسلمين - سَبّ أحد الصحابة رضوان الله عليهم).

الآية 32: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ في المواهب والأرزاق وغير ذلك، وإنما انظروا إلى مَن هو أقلّ منكم في النِعَم، وذلك حتى لا تحتقروا نعمة الله عليكم،واحرصوا على فِعل ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقد جُعِلَ ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ﴾: يعني نصيبٌ من الرزق (وذلك بحسب ما اكتسبوه من السَعي والأخذ بالأسباب)، ونصيبٌ من الثواب (بحسب ما اكتسبوه من الطاعة)، ونصيبٌ من العقاب (بحسب ما اكتسبوه من المعصية)، ﴿ وَلِلنِّسَاءِ ﴾ كذلك ﴿ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ من الأعمال، فبذلك رَدَّ سبحانه القضية إلى سُنَّتِهِ فيها وهي: (كَسْب الإنسان)، ونهَى عن التمني والحسد وترْك العمل.

ثم بَيَّنَ تعالى سُنَّةً أخرى في الحصول على المرغوب، ألاَ وهي الدعاء، فقال: ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾: يعني وادعوا اللهَ أن يُعطيكم من فضله مثلما أعطى غيركم (إن كانَ ذلك خيراً لكم)، (وذلك مع الدعاء لهم بالبركة)، فمَن سألَ ربه وألَحَّ عليه مُوقناً بإجابته سبحانه (لِمَا فيه الخير له): فإن الله يوفقه للإتيان بالأسباب الصالحة، ويَصرف عنه الموانع والابتلاء، ويُعطيه بغير سببٍ إن شاء، فهو على كل شيءٍ قدير، ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ إذ هو سبحانه أعلم بما يُصلِحُ حالَ عبادِهِ فيما قسَمَه لهم، وأنه وَزَّعَ المواهب والقُدرات في خَلقه (بين الرجل والمرأة)، وذلك حتى يتكامل المجتمع، ويتضح ذلك في أننا نجد الرجلعندما تَمْرَض امرأته أو تغضب - ويكون عنده طفلٌ رضيع - فهل يستطيع هو أن يُرضِعالطفل؟ طبعًا لا؛ لأنَّ لِكُلّ واحدٍ منهما مهمة معينة، فالعاقل هو مَن يَحترم مواهبَ اللهِ فيخَلقه.

واعلم أن سبب نزول هذه الآية: ﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍأنَّ النساء قُلْنَ: (إننا لم يُكتَبْ علينا الجهاد، وأعطانا ربُّنا نصف الرجل منالميراث)، وقد أوضحَ اللهُ تعالى للمرأة أنها أخذتْ نصف الرجل لأنها محسوبةعليه، فهي لن تنفِق على نفسها، بل سيُنفق عليها الرجل،والمسألة بذلك تكون عادلة.

الآية 33: ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ﴾ هذه الآية منسوخة بآيات المواريث.

الآية 34: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ﴾ توجيه ﴿ النِّسَاءِ ﴾ ورعايتهنّ، وذلك ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾: يعني بسبب ما خَصَّهم الله به من خصائص القوامة والتكليف، ﴿ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾: يعني وبسبب ما أعطوهنّ من المهور، وكذلك بالإنفاق عليهنّ، ﴿ فَالصَّالِحَاتُ ﴾ المستقيماتعلى شرع الله لابد أن يَكُنّ: ﴿ قَانِتَاتٌ ﴾: يعني مطيعات لله تعالى ولأزواجهنّ (في غير معصية الله)، و﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾: يعني حافظاتٌ لكل ما يُؤتمَنَّ عليه (وذلك في غياب أزواجهنّ)، ﴿ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾: يعني وذلك بحفظ الله تعالى لهنّ وإعانتهنّ على ذلك، لا مِن أنفسهنّ، فإنّ النفس أمارة بالسوء، ولو وُكِلَت المرأة إلى نفسها لا تستطيع حِفظ شيء وإنْ قَلّ، وإنما مَن ينوي فِعل الخير يُعطَهُ، وَمَن توَكَّلْ على الله كفاهُ ما أهَمَّهُ مِن أمْر دينه ودنياه، واعلم أنه يُفهَم من ثناء الله تعالى على هؤلاء الصالحات أنه يَجب على الرجل إكرام المرأة الصالحة والإحسان إليها والرفق بها لضعفها.

﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾: يعني واللاتي تخشون تكَبُّرهنّ عنطاعتكم: ﴿ فَعِظُوهُنَّ ﴾ بالكلمة الطيبة والمَوعِظة الحَسَنة، وبإعلامِهنّ الأشياءَ التي تُغضِبكم منهنّ، وبتخويفهنّ من العِصيان حتى لا يَقَعنَ في غضب الله ولعنتِه وعدم قبول أعمالهنّ، وحتى لا تضطروا إلى فِعل الأشياء التي تغضبهنّ، ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾: يعني فإن لم تنفع معهنّ النصيحة الطيبة، وأصرَرنَ على مَعصيتكم ومعاندتكم: فاهجروهنّفي الفِراش، ولا تُكلِموهنّ (إلاَّ لِضرورة)، وذلك حتى يَنتهيْنَ عن ذلك، ويَندمنَ على مُخالفتكم، فإن لم يُؤثر الهَجْر فيهنّ: ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾ ضربًا لاضرر فيه، فلا تضربوهنّ على الوجه، ولا ضرباً يؤثر في عظمٍ أو جِلد، ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ ﴾، وتُبْنَ عن عِصيانكم: ﴿ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ﴾: يعني فاحذروا ظلمهنّ فـ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾: أي فإنّ الله العليَّ الكبير هو وليُّهن، وسوف ينتقمُ مِمَّن ظلمهنَّ.

الآية 35: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ يا أولياء الزوجين ﴿ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾: يعني إِنْ خِفْتُمْ حدوث خِلاف بين الزوجين يؤدي إلى فراقهما (بعد اتباع جميع الوسائل السابقة): ﴿ فَابْعَثُوا ﴾ إليهما ﴿ حَكَمًا ﴾ عدلا ﴿ مِنْ أَهْلِهِ ﴾: يعني من أهل الزوج، ﴿ وَحَكَمًا ﴾ عدلاً ﴿ مِنْ أَهْلِهَا ﴾: يعني من أهل الزوجة; لينظرا ويَحكمابما فيه المصلحة لهما، فـ﴿ إِنْ يُرِيدَا ﴾ أي هذان الحَكمان ﴿ إِصْلَاحًا ﴾ بين الزوجين، ويستعملا الأسلوبالطيب في الصُلح، ويُخَوِّفوهم من هَدم البيت وتشريد الأولاد: ﴿ يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾: يعني بين الزوجين ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا ﴾ لا يَخفى عليه شيءٌ من أمرعباده ﴿ خَبِيرًا ﴾ بما تنطوي عليه نفوسهم.





الربع الرابع من سورة النساء



الآية 36: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحده، وانقادوا له في جميع أوامره، واعلم أنّ العبادة قد عرَّفها ابن تَيْمِيَة رحمه الله بأنها: (هي اسمٌ جامع لكل ما يُحبه اللهُ ويَرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة)، وعَرَّفها ابن القَيِّم رحمه الله بأنها: (هي كمال الحب مع كمال الذل)، وحتى تحقق ذلك بإذن الله تعالى: لا بد أن تتذكر نعم الله عليك حتى تحب اللهَ تعالى، ثم تتذكر أنك تقابل هذه النعم بالمعاصي، فتكره نفسك الأمَّارة بالسوء، فحينها تذِلّ لله تعالى وتنكسر بين يديه قائلاً: (أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)، هذه هي بداية الطريق إلى الله، لأنّ رؤية النعم ورؤية الذنوب تستوجبُ الذلَّ والانكسار والفقر التام بين يدي الله تعالى، والتوبة إليه سبحانه في كل وقت، فلا ترى نفسك إلا مٌفلساً، وأنه لو تخلى عنك سبحانه طرفة عين: لهَلَكْتَ وخَسِرتَ خسارةً لا تُجبَرُ إلا أن يَتداركك الله برحمته.

هذا، وقد جَمَعَ النبي صلى الله عليه وسلم بين رؤية النعم ورؤية الذنوب حينما كان يقول: (سبحان الله وبِحَمدِه أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه)، عِلماً بأن (سبحان الله وبحمده) تعادل في المعنى (سبحان الله والحمد لله)، وقد كان أحد السلف دائماً يقول: (الحمد لله أستغفر الله)، فقال له أحد جُلَسائِه: (ألاَ تُحسِنُ غيرَ هذا؟)، فقال له: (بل أُحسِنُ الكثير، ولكنني رأيتُني أتقلبُ بين نعمةٍ وذنب)، فهو بذلك يُعِدُّ حمداً كثيراً ليساعده في سؤال النعم، كما يُعِدُّ استغفاراً كثيراً ليساعده في سؤال الذنوب.

﴿ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا لا شِركاً أصغر (كالرياء والحلف بغير الله)، ولا شركاً أكبر (كَشِرك العبادة)، فلا يُشركون معه مَلَكاً ولا نبياً ولا ولياً ولا غيرهم من المخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نُشوراً (والنشور هو البعث بعد الموت)، واعلم أن الله لا يَغفر أن يُشرَكَ به (إلا إذا تاب العبد من الشرك قبلَ موتِه).

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾: يعني: وعليكم بتأدية حقوق الوالدين (وذلك بالقول الكريم اللَيِّن، وبطاعة أمْرهما - في غير معصية الله - وبالإنفاق عليهما، وإكرام صديقهما ومَن له تعلق بهما، وصلة رَحِمِهما، والدعاء لهما، وطلب رِضاهما)، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 3507)، فاعلم أنه لن يَرضى عنك الله سبحانه وتعالى حتى يَرضى عنك والداك (ولو كنتَ أعبَد أهل الأرض)، ﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾ إِحْسَانًا ﴿ وَالْيَتَامَى ﴾ ﴿ وَالْمَسَاكِينِوهم مَن لا مالَ لهم ولا كَسْب، وكذلك مَن لهم مالٌ وَكَسْب (ولكنهم لا يَسُدُّون كفايتهم وكفاية مَن يَعُولُونهُم)، ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وهو الجار القريب منكم، واعلم أن الجار إذا كان من الأقارب، فإن له حق الجُوار، وحق القرابة، ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ وهو الجار البعيد عنكم، وكذلك الجار الذي ليس له قرابة، واعلم أنه كلما كان الجار أقربُ بابًا، كلما كان أأكد حقًّاً، فينبغي للمسلم أن يتعاهد جاره بالهدية والدعوة، واللطف في الأقوال والأفعال، وعدم أذيَّتِه بقولٍ أو فِعل، ﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾ وهو الصاحب المُلازم الذي لا يُفارَق؛ كالزوجة، والمرافق في السفر والحَضَر والعمل وطلب العلم، ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ وهو المسافر المحتاج، ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ وهم المماليك من فِتيانكم وفَتياتكم.

فمن قام بهذه المأمورات فهو الخاضع لأمر ربه، المتواضع لعباد الله، الذي يحبه الله، ومَن لم يقم بذلك فإنه عبدٌ مُعرضٌ عن ربه، غيرُ متواضعٍ للخَلق، ولهذا قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا ﴾: أي مُعجَباً بنفسه متكبرًا على الخلق ﴿ فَخُورًا ﴾: أي يمدح نفسه على سبيل الفخر، فهذا الكِبر والفخر يمنع هؤلاء من القيام بحقوق الله وحقوق الآخرين، ولهذا قال تعالى بعدها: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾: أي من المال والعِلم وغير ذلك.


الآية 41، والآية 42: ﴿ فَكَيْفَ ﴾ يكون حال الناس يوم القيامة ﴿ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ وهو رسولها ليشهد عليها بما عملتْ، ﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ أيها الرسول لتكونَ ﴿ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ أنك قد أبلغتَهم رسالة ربِّك، فـ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ ﴾: يعني يتمنون لو أنّ اللهَ يجعلهم والأرض سواء، فيَصيرون ترابًا، حتى لا يُبعَثوا ﴿ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾: يعني وهم لا يستطيعون أن يُخفوا عن الله شيئًا مما في أنفسهم، إذ ختم اللهُ على أفواههم، وشَهِدَتْ عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون.

واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بكى عندما قرأ عليه عبد الله بن مسعود هذه الآية، ولِذا يَحضرني هنا قول أحد الدُعاة: (فإذا كان الشاهدُ قد بَكى، فما بالُ المشهودِ عليهِ لا يَبكي؟).

الآية 44: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ﴾ وهم اليهود الذين أُعطاهم الله علماً من التوراة ﴿ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ ﴾: يعني يستبدلون الضلالة بالهدى، ويتركون ما لديهم من الحجج والبراهين الدالة على صِدق رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ ﴾: يعني ويتمنون لكم - أيها المؤمنون المهتدون - أن تنحرفوا عن الطريق المستقيم; لتكونوا ضالين مثلهم.

الآية 46: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾: يعني: من اليهود فريقٌ ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾: يعني اعتادوا على تبديل كلام الله وتغييره عمَّا هو عليه (افتراءً على الله)، ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ للرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ قولك ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك ﴿ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾: يعني واسمع منَّا لا استطعتَ السماع، ﴿ وَرَاعِنَا ﴾ سَمْعَك، أي: افهم عنا وأفهِمنا، ولكنهم يقولونها ﴿ لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّين ﴾:ِ يعني يَلوون ألسنتهم بذلك، وهم يريدون الدعاء عليه بالرُعُونة (وهي الحُمق والطَيش)، ويريدون بذلك الطعن في دين الإسلام مِن خلال شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم.

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا بدلاً من "سمعنا عصينا"، وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿ وَاسْمَعْ ﴾ دونَ "غير مُسمَع"، وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿ وَانْظُرْنَا ﴾ بدلاً من "راعنا" ﴿ لَكَانَ ﴾ ذلك ﴿ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ ﴾: يعني وأعدل قولاً ﴿ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾: أي ولكنَّ اللهَ طردهم من رحمته، بسبب جحودهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا ﴾ إيماناً ﴿ قَلِيلًا ﴾ لا ينفعهم (كإيمانهم بموسى وهارون، والتوراة (التي أنزِلَت على موسى)، والزَبور (الذي أنزِل على داوود))، ولكنَّ كفرَهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم أضاع هذا الإيمان، لأنّ مَن كفر برسولٍ من الرسل فقد كفر بسائر الرُسُل، كما قال تعالى: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ﴾، ولم يقل: ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ رسولهم ﴾.

الآية 47: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وهذه صِفةُ مَن كان عالما بجميع التوراة ﴿ آَمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا من القرآن ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴾ من الكتب، لأنه يجب عليكم أن تكونوا مُبادرين إليه قبلَ غيركم، بسبب ما أنعم الله به عليكم من العلم والكتاب، ولهذا تَوَعَّدَهم اللهُ على عدم الإيمان فقال: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾: يعني من قبل أن نمحو وجوهكم، ثم نجعل الوجه مكان القَفا، والقَفا مكان الوجه، ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ﴾: يعني أو نلعنهم - بِمَسخِهِم قِردَةً وخنازير - كما لعنَّا اليهود مِن أصحاب السبت، الذين نُهُوا عن الصيد فيه فلم ينتهوا، ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴾: يعني نافذًا في كل حال، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾.

واعلم أنَّ قولَه تعالى: ﴿ من قبل أن نطمسَ وجوهاً ﴾ فيه إشارة إلى أنه متى وقع منهم إيمانٌ قبل الطَمْس: أخَّرَهُ عنهم، وقد آمَنَ بعضهم كَعَبدِ الله بن سَلَام وأصحابه، فرُفِعَتْ عنهم هذه العقوبة بسبب إيمانِ بعض علمائهم.

الآية 49: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ وهم اليهود يُثنون على أنفسهم وأعمالهم،ويَصفونها بالطُهر والبعد عن السُوء؟ ﴿ بَلِ اللَّهُ ﴾ تعالى هو الذي ﴿ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾ مِن عباده، لِعِلمِهِ بحقيقة أعمالهم، ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾: يعني ولا يُنقَصون من أعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار الخيط الذي يكون في شق نَواة التمرة.

الآية 51: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ﴾ وهم اليهود، فإنهم ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾: يعني يُصدقون ويُقِرُّون بصِحة عبادة كل ما يُعبَدُ من دون الله - من الأصنام والكَهَنة والسَّحَرة وشياطين الإنس والجن - تصديقاً يَحمِلهم على تحكيم غير شرع الله، ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: يعني وهؤلاء اليهود يقولون لِمُشرِكي العرب (الذين لم ينزل عليهم أيّ كتاب): ﴿ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا ﴾: يعني دينكم - يا مُشرِكي العرب - خيرٌ من دين محمد، وأنتم أفضلُ طريقاً وأكثر هِداية - في سلوككم وحياتكم والاجتماعية - من أولئك الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم.

مع أنَّ في كتابهم إبطالَ الشِرك وَهَدْمه، ولكنْ ما حَمَلهم على ذلك القول إلا الكفر والحسد وبُغض النبي محمد، فما أشدّ عنادهم وأقلّ عقولهم! فهل يُفَضَّلُ دينٌ قام على (عبادة الأصنام، وتحريم الطيِّبات، وإباحة الخبائث، وإقامة الظلم بين الخلق، وتسوية الخالق بالمخلوقين)، على دينٍ قام على (عبادة الرحمن وحده لا شريك له، وعلى صلة الأرحام والإحسان إلى جميع الخلق، حتى البهائم، وإقامة العدل بين الناس، وتحريم الظلم والخبائث، والصدق في جميع الأقوال والأعمال)؟

ويُلاحَظ هنا أن الله تعالى قال: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا ﴾، رَغمَ أنه كانَ مِن المُتوَقَّع أن يقول: ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أنتم أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا ﴾، أي بصيغة الخطاب، اتفاقاً مع سِياق الآية، ولكنه سبحانه أراد أن يُوضح أن اليهود يقولون ذلك القول أمام مشركي العرب وفي غيبتهم، وهو ما يُسَمَّى: (حكايةً لِمعنى القوْل)، فكأنه تعالى حكى أن اليهود - حين تناجَوا فيما بينهم - قال بعضهم لبعض في شأن أهل مكة: (هؤلاء العابدون للأصنام أهدَى مِنمحمدٍ وأصحابه).

الآية 52: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ﴾: يعني طردهم من رحمته ﴿ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴾ ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.

واعلم أنه لا يجوز أن يقول الرجل لأخيه: (يا ملعون)، أو: (اللهم العن فلاناً) - طالما أنه مسلم ناطقٌ بالشهادتين -، لأن اللعن هو الطرد من رحمة الله، وأنت - بِقوْلك هذا - قد حَكمتَ عليه بالطرْد من الرحمة، فاحذر أن تقول ذلك حتى لا تُرَدّ الكلمة عليك فتُطرَد أنت من الرحمة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا خرجتْ اللعنة مِن فِي - (يعني مِن فم) - صاحبها: نظرتْ، فإن وَجَدَتْ مَسلكاً في الذي وُجِّهَتْ إليه، وإلاَّ عادت إلى الذي خرجتْ منه) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 502)، وهذه هي عقيدة أهل السنة والجماعة: ألاَّ نلعنَ شخصاً بعينه، وألاَّ نَحكم عليه بالرحمة أو الشهادة أو الجنة أو النار، إلا مَن شهد له الله ورسوله بذلك.

الآية 53: ﴿ أَمْ لَهُمْ ﴾: يعني أم لهؤلاء اليهود ﴿ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ﴾؟ فيفضِّلون مَن شاءوا على مَن شاءوا بمجرد أهوائهم؟ وهذا استفهام استنكاري (يعني ليس لهم ذلك) ﴿ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴾: يعني ولو أنه قُدِّرَ أنَّ لهم نصيباً من المُلك لَمَا أعطوا أحدًا منه شيئًا، ولو كان مقدارالنُّقرةالتي تكون في ظهر نَواة التمرة، (وهي عبارة عن ثقب صغير يُضرَب به المثل في صِغَرِه)، وذلك لِشدة بُخلهم.

الآية 54، والآية 55: ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾: يعني أم يحسدون محمدًا صلى الله عليه وسلم على ما أعطاه الله من نعمة النُبُوَّة والرسالة، ويحسدون أصحابه على نعمة التوفيق إلى الإيمان،واتِّباع الرسول، والتمكين في الأرض، ويتمنون زوال هذا الفضل عنهم؟، بلِ اللهُ يَختص برحمته من يشاء، وذلك ليس بغريبٍ على فضل الله تعالى ﴿ فَقَدْ آَتَيْنَا آَلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾: يعني فقد أعطينا إبراهيم وذريته الكتاب (كَصُحُف إبراهيم والتوراة والزبور والإنجيل)، وأعطيناهم الحكمة (وهي السُنَّة التي كانت لأولئك الأنبياء يَتلقونها وَحياً من الله تعالى، وكلها عِلمٌ نافع وحُكمٌ صائبٌ سديد)، وكذلك أعطينا المُلك الواسع لبعضهم (كَداوودَ وسليمانَ عليهما السلام)، فإنعامُهُ تعالى لم يَزَلْ مستمرًا على عباده المؤمنين، كل هذا يَعرفه اليهود، فكيف يُنكِرون إنعامَهُ تعالى بالنُبُوَّة والنصر والمُلك لمحمد صلى الله عليه وسلم (أفضل الخلق، وأعظمهم مَعرفةً بالله وأخشاهم له)، ويحسدونه على ذلك؟، ﴿ فَمِنْهُمْ ﴾: أي فمِن هؤلاء اليهود ﴿ مَنْ آَمَنَ بِهِ ﴾: أي آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وعمل بشرعه، كعبد الله بن سلام وأصحابه، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ﴾: يعني ومنهم مَن أعرض عنه ولم يستجب لدعوته، ومَنَعَ الناس مِن اتِّباعِه، ﴿ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾: يعني وحسبكم - أيها المكذبون - نار جهنم تُسَعَّر بكم (يعني تُوقَدُ عليكم وتفورُ بكم) يوم القيامة.




تفسير الربع الخامس من سورة النساء


الآية 59: (﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ ﴿ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾: يعني وأطيعوا وُلاةَ أمْركم - وهم الحُكَّام - في غير معصية الله، ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾: يعني فإن اختلفتم في شيءٍ بينكم، فأَرجِعواالحُكم فيه إلى كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، هذا ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ ﴾ حق الإيمان ﴿ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾، لأنّ ﴿ ذَلِكَ ﴾ الرَدّ إلى الكتاب والسُنَّة ﴿ خَيْرٌ ﴾ لكم من التنازع والقول بالرأي ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾: يعني وأحسن عاقبةً ومآلاً في الدنيا والآخرة (لأنّ تأويل الشيء هو ما يَؤول إليه في آخر الأمر)، فحُكم اللهِ ورسوله هو أحسن الأحكام وأعدلها وأصلحها للناس في أمر دينهم ودنياهم وآخرتهم.

الآية 60: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ﴾ أولئك المنافقين ﴿ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ ومع ذلك فهُم ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا ﴾ فيفَصْل الخصومات بينهم ﴿ إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾: أي إلى غير ما شَرَعَ اللهُ من الباطل، ﴿ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ ﴾: أي بهذا الباطل؟، ﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ ﴾ بذلك ﴿ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ عن طريق الحق، وفي هذه الآيةدليل على أن الإيمان الصادق يَقتضي الانقياد لشرع الله تعالى، والحُكم به في كل أمرمن الأمور.

الآية 61: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى ﴾ الحُكم بـ ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى ﴾ تحكيم ﴿ الرَّسُولِ ﴾ ﴿ رَأَيْتَ ﴾ هؤلاء ﴿ الْمُنَافِقِينَ ﴾ الذين يُظهرون الإيمان ويُبطِنون الكفر ﴿ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾: يعني يُعرضونعنك، وكذلك يَصُدّون الناس عن اتِّباع دينك.

الآية 62: ﴿ فَكَيْفَ ﴾ يكون حال أولئك المناففين ﴿ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من المعاصي (ومنها تحكيم الطاغوت)؟، ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ ﴾ أيها الرسول معتذرين لِما صَدَرَ منهم و ﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ﴾ لك ﴿ إِنْ أَرَدْنَا ﴾: يعني ما قصَدْنا بتحاكُمِنا إلى غيرك ﴿ إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾: أي ما قصَدْنا بذلك إلاَّ الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم، وهم كَذَبة في ذلك، فإنَّ الإحسان كله في تحكيم الله ورسوله، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾.

الآية 63: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ هم ﴿ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ﴾ حقيقة ﴿ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ من النفاق ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾: يعني وحَذِّرْهُم مِن سوء ما هم عليه، ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾: يعني قولا يؤثر فيهم، ويُخوفهم تخويفاً شديداً.

الآية 64: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ ﴾: يعني إلا لِيُستجابَ له، وفي هذا دليل على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يأمر به وينهى عنه، وفي هذا أيضاً إثبات عِصمة الرُسُل - من الخطأ - فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم طاعة مطلقا، فلولا أنهم معصومون، ولولا أنهم لا يَشرعون ما هو خطأ: لَمَا أمر بذلك مطلقا.

وأما قوله: ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي إن الطاعة من المطيع صادرة بقضاء الله وقدره وتوفيقه، ففيه إثبات القضاء والقدر، والحث على الاستعانة بالله، وبيان أنه لا يُمكِن للإنسان - إن لم يُعِنْهُ الله - أن يطيع الرسول، ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ﴾: يعني ولو أن هؤلاء المنافقين ﴿ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ بفعل السيئات (ومنها التحاكم إلى الطاغوت، وترْكِهِم لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم): ﴿ جَاءُوكَ ﴾ أيها الرسول - في حياتك- تائبين معترفين بخطيئتهم ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾.

واعلم أن هذا المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم مُختَصّ بحياته فقط؛ لأن السِيَاق يدل على ذلك (لِكَوْن الاستغفار من الرسول لا يكون إلا في حياته)، وإلاَّ، فلو أنَّ كل مذنب لا يُغفَرُ له إلا إذا أتى الرسول صلى الله عليه وسلم واستغفر له لما تاب أحد، ولَلَزِمَ أن يَبقى الرسولُ حياً لِيستغفر للمذنبين، وأما بعد موته صلى الله عليه وسلم فإنه لا يُطلَبُ منه شيءٌ، لأن ذلك يكون شِركاً.

الآية 65: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ ﴾: يعني فوَرَبِّكَ، وهذا مِثل قول القائل مُهدداً: (أنا لن أقسم، ولكنْ لو لم تفعل كذا: سوف يحدث كذا)، وهذا تأكيدٌ للقسم، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ حق الإيمان ﴿ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾: يعني حتى يجعلوك حَكَمًافيما وقع بينهم من اختلاف (وذلك في حياتك)، ويتحاكموا إلى كتاب الله وسُنِّتِك (بعد مماتك)، ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا ﴾: يعني ضِيقًاً ﴿ مِمَّا قَضَيْتَ ﴾ لهم ﴿ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾: يعني وينقادوا مع ذلك انقيادًا تاماً لهذا الحُكم.

وفي هذا دليل على أنه مِن صَميم الإيمان: تحكيم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم (من الكتاب والسنة) في كل شأنمن شؤون الحياة (مع الرضا والتسليم للحُكم الإلهي) حتى ولو لم يوافق هَوَى العبد.

الآية 66، والآية 67، والآية 68: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ﴾: يعني ولو أوجَبنا على هؤلاء المنافقين المتحاكمين إلى الطاغوت ﴿ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾: يعني أن يَقتل بعضكم بعضًا (كما حصل ذلك لبني إسرائيل عندما أرادوا التوبة من عبادة العجل)، (﴿ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾) مهاجرين في سبيلنا ﴿ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾: يعني ما استجاب لذلك إلا عددٌ قليلٌ منهم، (﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾): يعني ولو أنهماستجابوا لما يُنصحون به من أوامر الله ونواهيه ﴿ لَكَانَ ﴾ ذلك ﴿ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ للإيمان في قلوبهم، وللطاعة على جوارحهم، ﴿ وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا ﴾: يعني وحينئذٍ سنعطيهم منعندنا ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ في الدنيا والآخرة، ﴿ وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾: يعني ولأرشدناهم ووفقناهم إلى طريق اللهالقويم وهو الإسلام، وثبتناهم عليه، ولذلك ينبغي للعبد عندما يقرأ في الصلاة قول الله تعالى: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾، أن يرجو من الله أن يثبته على الإسلام حتى يلقاه، وألاَّ يُضِلَّهُ بذنوبه.

الآية 69، والآية 70: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾: يعني فَأُولَئِكَ سيكونون في صُحبة مَن أنعم الله عليهم بالجنة ﴿ مِنَ النَّبِيِّينَ ﴾ ﴿ وَالصِّدِّيقِينَ ﴾ الذين كَمُلَ تصديقهم بما جاءت به الرُسُل (اعتقادًا وقولاوعملاً)، وكذلك مَن غلب عليه الصدق في أقواله وأعماله، لكثرة ما يَصدُق ويتحرى الصدق، ﴿ وَالشُّهَدَاءِ ﴾ في سبيل الله ﴿ وَالصَّالِحِينَ ﴾، ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ في الجنة، ﴿ ذَلِكَ الْفَضْلُ ﴾: يعني ذلك العطاء الجَزيل إنما هو ﴿ مِنَ اللَّهِ ﴾ وحده، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾، فهو سبحانه يعلم أحوال عباده، ويعلم مَنيَستحقُّ منهم ذلك الثواب الجزيل (بسبب ما قام به من الأعمال الصالحة)، ومَن لا يستحق ذلك.

ولذلك ينبغي للعبد عندما يقرأ في الصلاة قول الله تعالى: (﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ )، أن يستشعر الرجاء والتذلل لله تعالى في أن يجعله في الجنة مع الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وأن يستشعر كذلك في قوله: ﴿ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ أن الله هو الذي أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق والإعانة، والنجاة من الفتن والذنوب، وليس ذلك مَهارةً منهم أو ذكاء، كما قال أحد أهل الجنة: ﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ (أي لكنتُ من المُحضَرين في العذاب)، فبذلك يرجو من ربه هذه النعمة التي ينجو بها من العذاب، ويتنعم بها في الجنة.

الآية 71: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ بالاستعداد لعدوكم ﴿ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ ﴾: يعني فاخرجوا لملاقاته جماعةبعد جماعة ﴿ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾: يعني أو اخرجوا لملاقاته مجتمعين.

الآية 72، والآية 73: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾: يعني وإنَّ منكم لَنَفَرًا يتأخر عن الخروج (لِمُلاقاة الأعداء) مُتثاقلاً وَيُثَبِّطُ غيره (يعني يُلقي في نفوسهم الرغبة في التخلف، ويُحَبِّبه إليهم حتى يَتكاسلوا عن الخروج)، ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾: يعني فإن قُدِّر عليكم أن تُصابوا بقتلٍ أو هزيمة (قَالَ) - مستبشرًا -: ﴿ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾: يعني قد حفظنياللهُ حين لم أكن حاضرًا مع أولئك الذين وقع لهم ما تكرهه نفسي، وَسَرَّهتخَلُّفه عنهم، ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ بنصرٍ وغنيمة ﴿ لَيَقُولَنَّ ﴾ - حاسدًا متحسِّرًا - ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾ في الظاهر: ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمً ﴾.

الربع السادس من سورة النساء

الآية 74: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ ﴾: يعني يبيعون ﴿ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ ليستبدلونها ﴿ بِالْآَخِرَةِ ﴾ ونعيمها الأبدي الذي لا تنغيص فيه، ولا تعب (وهذا بعد أن يُطلَبُ منهم الجهاد من وَلِيّ الأمر - وهو حاكم البلد - دفاعاً عن دينهم، ودفاعاً عن وطنهم المسلم)، ﴿ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ مخلصًا له، مقبلاً على عَدُوِّه ﴿ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾.

الآية 77: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ ﴾ قبل الإذن بالجهاد: ﴿ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ﴾ عن قتال أعدائكم من المشركين، ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾: يعني وعليكم فقط أداء ما فرضه الله عليكم منالصلاة، والزكاة، ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ ﴾: يعني فلما فُرِضَ ﴿ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ ﴾: يعني إذا جماعةٌ منهم قد تغير حالهم،فأصبحوا ﴿ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾ ﴿ وَقَالُوا ﴾: يعني وأعلنوا عما اعتراهممن شدة الخوف، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ﴾؟ ﴿ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾: يعني هَلاَّ أمهلتنا إلىوقتٍ قريب (وذلك رغبةً منهم في متاع الحياة الدنيا)، ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾، وسوف يتركه الإنسان في لحظةٍ خاطفةٍ مِن ليلٍ أو نهار، ثم يُقسَّمُ مالُهُ على ورثته، ويَتوارى هو في التراب، ولن ينفعه إلا عمله الصالح، ﴿ وَالْآَخِرَةُ ﴾ وما فيها مِن نعيمٍ ﴿ خَيْرٌ ﴾ وأبقى ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ ربه، فعمل ما أُمره به،وانتهى عمَّا نُهاه عنه، ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾: يعني ولا يَظلِمُ ربك أحدًا شيئًا، ولو كان مقدار الخيط الذييكون في شق نَواة التمرة.

الآية 78، والآية 79: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ ﴾ عند حلول آجالكم، ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾: يعني ولو كنتم فيحصون مَنيعة، بعيدة عن ساحة المعارك والقتال، ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾: يعني وإن يَحصل لهم ما يَسُرُّهم من متاعهذه الحياة: يَنسبوا حُصوله إلى الله تعالى، فـ ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾: يعني وإن وقع لهم ما يكرهونه: ينسبوهإلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم جهلاً وتشاؤمًا، فـ ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ ﴿ قُلْ كُلٌّ ﴾ مُقَدَّرٌ ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ وحده (بخيره وشَرِّهِ وحُلوِهِ ومُرِّه)، فأقدارُهُ تعالى تدورُ بين الفضل والعدل، ﴿ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾؟ ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾: يعني ما أصابك أيها الإنسان مِن خيرٍ ونعمةٍ: فهو من الله تعالى وحده (فضلاوإحسانًا)، ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾: يعني وما أصابك من شدةٍ وبلاء: فبسبب عملك السيئ، وما اقترفتْه يداك منالخطايا (عدلاً وحِكمة)، ﴿ وَأَرْسَلْنَاكَ ﴾ يا محمد ﴿ لِلنَّاسِ ﴾: يعني لعموم الناس ﴿ رَسُولًا ﴾ تُبَلِّغُهم رسالةربك، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ على صِدق رسالتك.

واعلم أنَّ قوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾: فيه تَسلِيَة وتصبيرٌ من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم عمَّا يُلاقيه من أذى الناس وسوء أخلاقهم؛ كالذين يَنسبون إليه السيئة تشاؤمًا به، فيُخبره سبحانه بأنَّ مهمته أداء الرسالة، وقد أدَّاها والله شاهدٌ على ذلك، وسيَجزيه عليه بما هو أهله، وسيَجزي مَن رَدَّ رسالته وخرج عن طاعته.

الآية 80: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ ﴾ ويتبع سُنَّتَه ﴿ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾، ﴿ وَمَنْ تَوَلَّى ﴾: يعني ومَن أعرض عن طاعة الله ورسوله: ﴿ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾: يعني فما بعثناك رقيبًا علىهؤلاء المعترضين لتحفظ أعمالهم وتحاسبهم عليها، وإنما إلينا مَرجعهم، ثم علينا حسابهم.

الآية 81: ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾: يعني ويُظْهر هؤلاء المُعرضون طاعتهمللرسول صلى الله عليه وسلم، وهم في مجلسه، (﴿ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾): يعني فإذا ابتعدوا عن الرسول وانصرفوا عن مجلسه: ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾: يعني بَدَّلَ جماعةٌ منهمليلاً غيرَ ما أعلنتْه من الطاعة، (والتبييت: هو تدبير الأمر بالليل، حيث اتساع الوقت، والفراغ من العمل، وقلة العيون)، ﴿ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾: يعني واللهُ يكتب ما يُبَيتونه من الشر والباطل (بواسطة ملائكته الكِرام الكاتبين)،وسيُجازيهم عليه أتمّ الجزاء، ﴿ (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾، ولا تُبالِ بهم، فإنهم لنيَضروك، ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ وحده، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾: يعني وكفى به وليّاً يتولى أحوال عباده ويَلطف بهم في جميع أمورهم، ويُيسر لهم ما به سعادتهم وفلاحهم، وَكَفَى بِهِ نَصِيرًا ينصرهم على أعدائهم ويُبين لهم ما يَحذرونه منهم، ويَكفيهم ما يدبرونه لهم من الشر، (فوِلايته تعالى فيها حصول الخير، ونُصرته فيها زوال الشر).

الآية 83: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ ﴾: يعني وإذا جاء هؤلاء الذين لم يَستقر الإيمان في قلوبهم ﴿ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ ﴾: يعني أمْرٌ يجب كتمانه متعلقًابالأمن الذي يعود بالخير على الإسلام والمسلمين، أو بالخوف الذي يلقي في قلوبهمعدم الاطمئنان: ﴿ أَذَاعُوا بِهِ ﴾: يعني أفشَوه وأذاعوا به في الناس دونَ التثبُّت من صحته، ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ ﴾: يعني ولو ردَّ هؤلاء ذلك الخبر الذي جاءهم إلى رسولالله صلى الله عليه وسلم وإلى أهل العلم والفقُه والخبرة: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾: يعني لَعَلِمَ حقيقة معناه أهلالاستنباط منهم (وهم الذين يستخرجون معناه الصحيح) ويعرفون ما يترتب عليه، فإن كان نافعاً أذاعوه، وإن كان ضاراً كتموه)، ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾: يعني ولولا أنْ تَفَضَّلَ الله عليكم ورَحِمكم ﴿ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ ﴾ ووساوسه في قبول تلك الشائعات الضارة ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ منكم من ذوي الآراء الصائبة والعقول السليمة، إذ مِثلُهُم لا تُثيرهم تلك الشائعات، كَكِبار الصحابة من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعين، (وفي الآية دليل على حُرمة الشائعات، ونَشْرها بين الناس قبلَ التثبُّت من صحتها والرجوع إلى أهل العلم والخبرة).

الآية 85: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾: يعني من يَسْعَ - شافعاً - لإيصال الخير إلى غيره: يكن له بشفاعته نصيبٌ من الثواب، ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾: يعني ومن يَسْعَلإيصال الشر إلى غيره: يكن له نصيب من الإثم، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾: يعني شاهدًا وحفيظًا.

الآية 86: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾: يعني فرُدُّوا على قائلها بأفضل مما سَلَّمَ لفظًاً وبَشاشةً، ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾: يعني أورُدُّوا عليه بمثل ما سَلَّم، ولكلٍ ثوابه وجزاؤه ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾: يعني يَحسب أعمال عباده ويُجازيهم عليها، ولو كانَ مثقال ذرةٍ، فاحرص على فِعل الخير دائماً فأنت لا تدري أيَّ عملٍ سيكونُ سبب دخولك الجنة.
امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-19-2026, 03:26 PM   #14
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 118

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

تفسير الربع السابع من سورة النساء بأسلوب بسيط

الآية 88: ﴿ فَمَا لَكُمْ ﴾ أيها المؤمنون قد اختلفتم ﴿ فِي ﴾ شأن ﴿ الْمُنَافِقِينَ ﴾، فأصبحتم ﴿ فِئَتَيْنِ ﴾، فئةٌ منكم تقولُ بقتالهم وأخرى لا تقول بذلك؟ ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾: يعني والله قد أوقعهم في الكفر والضلال بسبب سوء أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾، فلا ينبغي لكم أن تشُكُّوا في أمرهم، بل أمرهم واضح لا إشكال فيه، إنهم منافقون قد تكرر كُفرهم، وَوَالوا الكفار، ﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ﴾: يعني أتوَدُّون هداية مَن صَرف الله قلبه عن دينه؟ ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾: يعني ومَن خَذله الله عن دينه، فلا طريق له إلى الهدى.
الآية 89: ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ﴾: يعني: تمنَّى المنافقون لكم أيها المؤمنون لَوْ تَكْفُرُونَ ﴿ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ في الكفر والجحود، ﴿ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾ بالنصرة والمحبة والمَعونة ﴿ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ بُرهانًا منهم على صِدق إيمانهم، لأن الهجرة إلى المدينة تقطع صِلَتُهُم بدار الكفر، فيَفتُر عزْمهم عن النفاق، ويراجعوا الصِدق في إيمانهم فيؤمنوا، ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ عما دُعُوا إليه ولم يهاجروا: ﴿ فَخُذُوهُمْ ﴾ أينما كانوا، ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ ﴾ من دون الله ﴿ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ﴾.
الآية 90: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾: يعني إلا المنافقين الذين يلجأون وينضمون إلى قوم بينكم وبينهم عهدٌ وميثاق على عدم القتال فلا تقاتلوهم، لأنه باستجارتهم بهم (طالبين الأمان منهم) سيكون لهم نفس حُكمهم في حقن الدم والمال، وذلك حتى لا تنقضوا عهدكم معهم، ﴿ أَوْ جَاءُوكُمْ ﴾: يعني وكذلك المنافقون الذين أتَوا إليكم وقد ﴿ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾: يعني ضاقت صدورهم وكرهوا أن يقاتلوكم، ﴿ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ﴾: يعني كما كرهوا أن يقاتلوا قومهم، فلم يكونوا معكم ولا مع قومهم، فلا تقاتلوهم، ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ ﴾: يعني لَسَلَّطَ هؤلاء المنافقين ﴿ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ مع أعدائكم المشركين، ولكنَّ الله تعالى صرفهم عنكم بفضله وقدرته، ﴿ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ ﴾: يعني فإن تركوكم ﴿ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ ﴿ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾: يعني وقدموا إليكم المُسالَمة (﴿ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ﴾: يعني فليس لكم عليهم مِن طريقٍ لِقتالِهم، وهذا دليل على أن الاعتداء لا يكونُ إلا على المعتدين، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ وهذا هو الكافر المحارِب للمسلمين، أما الكافر المُسالِم فلا يُقتَل، وكذلك المُعاهَد والمُستئمَن في أوطاننا.
الآية 91: ﴿ سَتَجِدُونَ ﴾ قومًا ﴿ آَخَرِينَ ﴾ من المنافقين ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ﴾: يعني يَوَدُّون الاطمئنان على أنفسهم من جانبكم فيُظهِرون لكم الإيمان، كما يَوَدُّون الاطمئنان على أنفسهم من جانب قومهم الكافرين فيُظهِرون لهم الكفر، وهم ﴿ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ﴾: يعني كلما أُعِيدوا إلى مَوطن الكفر والكافرين: وقعوا في أسوأ حال، وكلما عَرض لهم عارض من عوارض الفتن: أعماهم ونَكسهم على رءوسهم، وازداد كُفرهم ونفاقهم، ﴿ فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾: يعني فهؤلاء إن لم يفارقوكم، ويُقدموا إليكم المُسالَمة، ﴿ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ ﴾ عن قتالكم: ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾: يعني حيث وجدتموهم، ﴿ وَأُولَئِكُمْ ﴾ قد ﴿ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾: يعني جعلنا لكم الحُجَّة البيِّنة على قتْلِهم وأسْرِهم (لِكَونِهم معتدين، ظالمينَ لكم، تاركينَ للمُسالَمة، فلا يَلوموا إلا أنفسهم).
الآية 92: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ﴾: يعني إلا أن يقع منه ذلك على وجه الخطأ الذي لا عَمْدَ فيه، ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾: يعني فعليه عِتق رقبة مؤمنة من الأسر، ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾: يعني وتسليم الدِيَة (وهي مائة من الإبل، أو ألف دينار ذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة) يدفعها القاتل إلى أهل المقتول ﴿ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾: يعني إلا أن يعفوا عليه فلا يأخذوا منه هذه الدِيَة، ولا يطالبوه بها، ﴿ فَإِنْ كَانَ ﴾ المقتول ﴿ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ﴾: يعني من قوم كفار أعداء للمسلمين، محاربين لهم ﴿ وَهُوَ ﴾: أي المقتول ﴿ مُؤْمِنٌ ﴾ بالله تعالى وبما أنزل من الحق على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾: يعني فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة فقط، ولا يُعطِي الدِيَة إلى أهله الكفار، إذ لا تُعطَى الدِيَة لعدو يستعين بها على حرب المسلمين، ﴿ وَإِنْ كَانَ ﴾ هذا المقتول المؤمن ﴿ مِنْ قَوْمٍ ﴾ كفار، ولكنْ: ﴿ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾: يعني بينكم وبينهم عهدٌ على عدم القتال: ﴿ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾ وذلك احتراماً لأهله بسبب ما لهم من العهد والميثاق، ﴿ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ ﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾ رقبةً يعتقها، أو كانَ لا يقدر على ثمن عتقها: ﴿ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾، وقد شُرِعَتْ هذه الكفارة في القتل الخطأ لتكون ﴿ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ ﴾ تعالى على العبد القاتل خطأً، ورحمةً به، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بحقيقة شأن عباده ﴿ حَكِيمًا ﴾ فيما شرعه لهم.
الآية 93: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ﴾ بغير حق: ﴿ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ هذا إذا جازاهُ على ذنبه ولم يَقبل توبته، عِلماً بأنه سبحانه يَتفضل على أهل الإيمان فلا يُجازيهم بالخلود في جهنم.
الآية 94: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: يعني إذا خرجتم تضربون الأرض بأرجلكم (مسافرين) لتجاهدوا في سبيل الله ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾: يعني فتثبتوا، وكونوا على بَيِّنَة مِمَّن تلقونهم في طريقكم، حتى لا تقتلوا مسلماً تحسبونه كافراً، لأن التَثَبُّت في هذه الأمور يحصل فيه من الفوائد الكثيرة، والكَفّ عن الشرور العظيمة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
واعلم أن سبب نزول هذه الآية أن نَفَراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا فلَقَوا رجلاً يسوقُ غَنَماً مِن بَني سليم، فلما رآهم سَلَّمَ عليهم قائلاً: السلام عليكم، فقالوا له: ما قُلتَها إلا تَقِيَّةً - أي خوفاً منا - لِتَحفظ نفسك ومَالَك، فقتلوه، فلَمَّا عَلِمَ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، حَمَلَ دِيَتَهُ إلى أهله وَرَدَّ غَنَمَه.
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ ﴾: أي وَلَا تَقُولُوا لمن ظهر منه شيءٌ من علامات الإسلام ولم يقاتلكم، كأن يُعلن إسلامه لكم (بقول الشهادة أو بإلقاء السلام)، فلا تقولوا له: ﴿ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾ لاحتمال أن يكون مؤمنًا يُخفي إيمانه، ثم عاتَبَهم سبحانه بقوله: ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾: يعني لِتطلبوا بذلك متاع الدنيا الزائل، وتأخذوا غنم الرجل الذي قتلتموه، فإن كان قصْدُكم الغنيمة ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾: يعني فعند الله تعالى من الفضل والعطاء ما يُغنيكم به، وما عنده سبحانه خيرٌ وأبقَى من عَرَض الدنيا القليل الفاني، فأطيعوه وأخلِصوا له النِيَّة والعمل.
﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ﴾: أي كذلك كنتم في بدء الإسلام - مثل هذا الرجل الذي قتلتموه - تُخفون إيمانكم عن قومكم من المشركين، ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ بأنْ أظهَرَ دينه، ونَصَرَكم، وأعَزَّكم بالإيمان والقوة والهداية.
فنظرُ العبد لحالته الأولى، يَجعله يعامل الناس بمثل ما كانَ عليه قبلَ هُداه، ولهذا أعاد الأمر بالتبَيُّن فقال: ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾: يعني فتبَيَّنوا مستقبَلاً، ولا تقتلوا أحداً حتى تتأكدوا مِن كُفره، لأنّ قتْل النفس عظيم، ولذلك لَمَّا أُخبِرَ النبي صلى الله عليه وسلم بأن أسامة بن زيد قتل رجلاً قال (لا إله إلا الله) - ظناً منه أنه قالها خوفاً من سيفه - فقال صلى الله عليه وسلم لأسامة: "هَلاَّ شَقَقْتَ عن قلبه"، ومِن هنا خرجتْ القاعدة الفقهية التي تقول: (نحن لنا الظاهر والله يتولى السرائر)، ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ وسيجازيكم على أعمالكم.
وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي للعبد إذا رأى نفسه تميلُ إلى شيءٍ - يُغضِبُ الله - أن يُذَكِّرها بما أعَدَّهُ الله لمن نَهى نفسه عن هواها، وقدَّم مَرضاة ربه على رضا نفسه، فإنَّ في ذلك ترغيبًا للنفس في امتثال أمر الله (وإن شَقَّ عليها ذلك)، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ .
واعلم أنَّ في قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ إرشادٌ إلى المؤمن في أن يَرفق بالعُصاة، وأن يرحمهم لِضَعفهم واستحواذ الشيطان عليهم، وأن يَعذرهم بجهلهم، لأنه كان جاهلاً مثلهم بحُرمة ما يفعل، حتى سَخَّرَ الله له مَن عَلَّمَه وحَلمَ عليه ورَفَقَ به، فإذا رأى عاصياً فعليه أن يقول: (الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به)، وأن يسأل اللهَ الثبات، فقد يتوب الله على هذا العاصي الذي يحتقره، وقد يَخذل الآخر لحظة الاحتضار - بسبب تَكَبُّره - فلا يَنطق بالشهادتين، فحينئذٍ يَتسع صدره للخلق، ويكون ليِّناً ورفيقاً في النصيحة كما عَلَّمَه الله (بالحكمة والموعظة الحسنة) - وذلك بعد أن يُنكِرَ المعصية بقلبه.
وعليه أن يبدأ معه بالثناء عليه وأن يُظهِرَ له أنه يخاف عليه من عذاب الله، كما قال شعيب عليه السلام لقومه: ﴿ (إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ﴾، وليَحذر من أن يُنَفِّرَه من الالتزام والهدى بسبب نصيحةٍ بسوء خُلُق (بغضب) أو أن ينصحه أمام الخَلق، فيَصُدّهُ بذلك عن سبيل الله، فيجده في ميزان سيئاته يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾، فارحم - أخي الحبيب - حتى تُرحَم، واعلم أنه إذا كان نَهْيُك عن المنكر سوف يتسبب في منكر أكبر منه فتوقف، فإنه سَعْيٌ في معصية الله.
الآية 95، والآية 96: ﴿ لَا يَسْتَوِي ﴾: يعني لا يتساوى ﴿ الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: يعني المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾: يعني - باستثناء أصحاب الأعذار منهم فإنهم معذورون بتخلفهم عن الجهاد - أما المتخلف عن الجهاد بغير عذر فلا يتساوى هو ﴿ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ فقد ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ ﴾، ورفع منزلتهم ﴿ دَرَجَةً ﴾ عالية في الجنة، ﴿ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾: يعني: وكُلاً من المجاهدين والقاعدين (من أهل الأعذار) قد وعدهم الله بالجنة، وذلك لِما بذلوا وضحَّوا في سبيل الحق، وبصِدق نية أصحاب الأعذار في الخروج إذا زال عنهم العذر، ﴿ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ فقد منحهم سبحانه ﴿ دَرَجَاتٍ مِنْهُ ﴾ عالية في الجنات ﴿ وَمَغْفِرَةً ﴾ لذنوبهم ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ واسعة، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا ﴾ لمن تاب إليه وأناب ﴿ رَحِيمًا ﴾ بأهل طاعته، المجاهدين في سبيله.
الآية 97، والآية 98، والآية 99: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾: يعني: إِنَّ الَّذِينَ تتوفاهم الملائكة لحظة الاحتضار، وكانوا ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ بقعودهم في دار الكفر وترْك الهجرة، ﴿ قَالُوا ﴾: أي تقول لهم الملائكة توبيخًا لهم: ﴿ فِيمَ كُنْتُمْ ﴾: يعني في أيّ شيءٍ كنتم مِن أمْر دينكم؟ ﴿ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني كنا ضعفاء في أرضنا، عاجزين عن دفْع الظلم والقهر عن أنفسنا، ﴿ قَالُوا ﴾: أي فتقول لهم الملائكة توبيخًا: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾: يعني فتخرجوا من أرضكم إلى أرضٍ أخرى حتى تأمنوا على دينكم؟ ﴿ فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ ﴿ إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾: يعني ويُستَثنَى - من ذلك المصير - هؤلاء الضعفاء الذين ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾: يعني لا يقدرون على دفع القهر والظلم عن أنفسهم، ﴿ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ﴾: يعني ولا يعرفون طريقًا يُخَلِّصُهُم مما هم فيه من المُعاناة ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ الضعفاء ﴿ عَسَى اللَّهُ ﴾: يعني يُرجَى لهم من الله تعالى ﴿ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ لِعِلمه تعالى بحقيقة أمْرهم ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾.
[1] وهي سلسلة تفسير للآيات التي يَصعُبُ فهمُها في القرآن الكريم (وليس كل الآيات)، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو شرحُ الكلمة الصعبة في الآية.
• واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.


الربع الثامن من سورة النساء

الآية 100: ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: يعني ومَن يخرج من أرض الشرك إلى أرض الإسلام فِرارًا بدينه، راجيًا فضل ربه: ﴿ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا ﴾: يعني مكانًا يَنعَمُ فيه بما يكونُ سببًا في قُوَّته وذِلَّة أعدائه، ﴿ وَسَعَةً ﴾: يعني ويجد أيضاً سَعَةً في رزقه وعَيْشه، ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾: يعني قاصدًا نُصرة دين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإعلاء كلمة الله تعالى وعبادته ﴿ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ﴾ وهو في طريق هجرته قبل أن يَبلُغَ مَقصِده: ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾: يعني فقد ثَبتَ له جزاء عمله، ووجب أجْرُهُ على الله تعالى كاملاً غير منقوص (فضلاً منه وإحسانًا)، وسيَغفِرُ له ذنوبه، ويَرحمه فيُدخِله جنته ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾.
الآية 101: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني وإذا سافرتم في أرض الله ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: يعني إن خفتم من عُدوان الكفار عليكم في حال صلاتكم، ﴿ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾: يعني يُظهِرون لكم عداوتهم فاحذروهم.
واعلم أن الآية قد ذكرت أن القصر رخصة في حال الخوف من الكفار (لأنَّ غالب أسفار المسلمين - في بدء الإسلام - كانت على خوفٍ من الكفار)، ولكنْ ثبت في السُنَّة أن القصرَ يكونُ رخصةً في السفر عموماً (سواء في حال الأمن أو في حال الخوف).
الآية 102: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ ﴾ أيها النبي ﴿ فِيهِمْ ﴾: يعني في ساحة القتال ﴿ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ﴾: يعني فأردتَ أن تصلي بهم، ﴿ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ﴾: يعني فَلْتَقُمْ جماعةٌ منهم لِيُصَلوا معك، ﴿ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ﴾ معهم لِيحملوها وهم يُصلون، ﴿ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ ﴾: يعني فإذا سجدتْ هذه الجماعة الأولى: فلتكن الجماعة الأخرى من خلفكم في مواجَهة عدوكم، ثم عندما تنهضون إلى الركعة الثانية: تُتِمّ الجماعة الأولى ركعتهم الثانية بأنفسهم، ثم يُسَلِّمون وَحدَهم (هذا كله وأنت واقف قبل ركوعك)، ﴿ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾: يعني ثم تأتي الجماعة الأخرى (التي لم تبدأ الصلاة) فليأتموا بك في ركعتك الثانية (وهي الركعة الأولى لهم)، ثم بعد أن تُسَلِّم أنت: يقوموا لِيُكملوا ركعتهم الثانية بأنفسهم، (وبهذا تكون كل جماعة منهم قد صَلَّتْ ركعة معك وركعة بأنفسهم)، ﴿ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾: يعني وليَحذروا مِن عدوهم وليأخذوا أسلحتهم لِيُصَلُّوا بها، ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ﴾: يعني ليهجموا عليكم هجمة واحدة ليقضوا عليكم، ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ ﴾ فلا تحملونها أثناء الصلاة، ولكنْ: ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ لأنكم حينئذٍ سَتُصَلُّون بدون سلاح، ﴿ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾.
واعلم أن هذه الطريقة السابقة هي إحدى طرق صلاة الخوف، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صَلاها بأكثر من طريقة.
الآية 103: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ ﴾: يعني فإذا أدَّيتم الصلاة بهذه الطريقة السابقة ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ﴾: يعني فداوِموا على ذِكر الله في جميع أحوالكم، ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ ﴾: يعني فإذا زالَ الخوف عنكم ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ كاملةً، وفي أوقاتها، فـ ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾: يعني فإنها واجبة في أوقاتٍ معلومةٍ في الشرع.
الآية 104: ﴿ وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ ﴾: يعني ولا تَضْعُفوا في طلب عدوكم وقتاله، ﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ ﴾: أي تتألمون من القتال وآثاره: ﴿ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ﴾، ومع ذلك لا يَكُفُّون عن قتالكم، فأنتم أوْلَى بذلك منهم لأنكم: ﴿ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ﴾ من الثواب والنصر والتأييد ﴿ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾ هم، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾.
الآية 107، والآية 108: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾: يعني ولا تدافع - أيها الرسول - عن الذين يخونون أنفسهم بمعصية الله تعالى، وَلَا تَكُنْ لهم خَصِيمًا (يعني مُدافعًا عنهم)، فـ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴾: يعني إن الله لا يحب مَن عَظُمَتْ خيانته، وكَثُرَ ذنبه، فهؤلاء ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ﴾: يعني يَستترون من الناس خوفًا من اطِّلاعهم على أعمالهم السيئة، ﴿ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ﴾ تعالى ولا يستحيون منه، ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ مَعَهُمْ ﴾ بعلمه، مُطَّلِعٌ عليهم ﴿ إِذْ يُبَيِّتُونَ ﴾: يعني حين يُدبِّرون ليلاً ﴿ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ﴾ ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾.
الآية 110: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا ﴾: يعني ومَن يُقْدِمْ على عمل سيِّئ قبيح، ﴿ أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ بارتكاب ما يخالف حُكمَ اللهِ وشرعه، ﴿ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ﴾ نادمًا على ما عمل، راجيًا مغفرته وستر ذنبه: ﴿ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا ﴾ له ﴿ رَحِيمًا ﴾ به، فقد قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾، ولذلك ينبغي للعبد - وهو يستغفر الله - أنْ يَستشعرَ في قلبه الندم أنه خالفَ أمْرَ الملك العظيم جَلَّ جلاله، وأنه عَصاهُ بِنِعْمَتِهِ التي أعطاها له وحَرَمَ غيره منها، وأنه كان يعلم أنَّ اللهَ يراه وهو يَعصي ولم يُبالِي بذلك، ولكنْ رغمَ هذا كله فإنه يعلمُ أنه غفورٌ رحيم، فحينئذٍ ينكسر قلبه لله تعالى وهو يستغفره (على كل ما ضاع من عمره في المعصية، وعلى كل ما فاته من الطاعة).
الآية 111: ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا ﴾ متعمداً ﴿ فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ ﴾: يعني فإنما يضر بذلك نفسه وحدها، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا ﴾ بحقيقة أمر عباده ﴿ حَكِيمًا ﴾ فيما يَقضي به بين خلقه.
الآية 112: ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً ﴾ بغير عمد ﴿ أَوْ إِثْمًا ﴾ متعمدًا، ﴿ ثُمَّ يَرْمِ بِهِ ﴾: يعني ثم يَتهم بهذا الإثم شخصاً (بَرِيئًا) لم يفعل شيئاً ﴿ فَقَدِ احْتَمَلَ ﴾: يعني فقد تحمَّل ﴿ بُهْتَانًا ﴾: أي كَذبًا ﴿ وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ واضحاً.
امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-04-2026, 01:03 PM   #15
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 118

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

الربع التاسع من سورة النساء


الآية 114: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ﴾: يعني لا نفعَ في كثير من كلام الناس سِرّاً فيما بينهم ﴿ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾: يعني إلا إذا كان حديثًاً داعيًاإلى بذل المعروف من الصدقة، أو الكلمة الطيبة، أو التوفيق بين المتخاصمين، ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾: يعني ومنيفعل تلك الأمور ﴿ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ﴾: يعني طلبًا لرضا الله تعالى راجيًا ثوابه ﴿ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾.

الآية 115: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ ﴾: يعني ومَن يُخالف ﴿ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ﴾: يعني مِن بعد ما ظهر له الحق ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: يعني ويَسلك طريقًاغير طريق المؤمنين وما هم عليه من الحق، (وأوَّلهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتابعيهم بإحسان)، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصَحِيحَيْن-: (خيرُ الناس قَرْني، ثم الذين يَلونهم، ثم الذين يلونهم)، فمن اتَّبَع طريقاً غير طريقهم: ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ﴾: يعني نتركه وما توجَّه إليه، فلا نوفقهللخير ﴿ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ﴾: يعني ونُدخِله نار جهنم يقاسي حرَّها، ﴿ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾.

واعلم أنّ في قوله تعالى: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ دليل على أن (إجماع المسلمين) هو مصدر من مصادر التشريع (بعد القرآن والسُنَّة)، بمعنى أنه إذا أجمعتْ أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم على شيء فإنه يجب الأخْذ به وعدم مخالفته، فما شَهدَتْ له هذه الأمّة بالقبول، فهو مقبول، وما شَهدَت له بالرَدّ، فهو مَردود، وذلك في جميع علوم الدين (كإجماع أهل التفسير وإجماع أهل الحديث وغيرهم).

ونحن نقول لمن يخالفون الإجماع ولا يأخذون به: (عندما مات موسى عليه السلام: حَرَّفَ اليهود التوراة، فأرسل الله لهم عيسى عليه السلام ليوضح لهم ما حَرَّفوه، ثم لمَّا رُفِعَ عيسى عليه السلام: حَرَّفَ النصارى الإنجيل، فأرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم ليبين لهم ما حَرَّفوه، وعندما مات محمد صلى الله عليه وسلم: تطاوَلَ بعض الخلق على القرآن، وحاولوا أن يُحَرِّفوه (فأفشلهم الله تعالى، وأبطل مَكْرهم، وفضَحَ أمْرهم)، هنا نسأل: (هل كان الله سَيُرسِل نبياً بعد محمد صلى الله عليه وسلم لِيَرُدّ على هؤلاء المفترين؟) بالطبع لا، لأن الله قد أخبر أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو خاتَم النبيين)، إذن مَن سَيَرُدّ عليهم؟! لا يوجد غير إجماع المسلمين بأن هذا القرآن قد نُقِلَ إلينا مُتَواتِراً (يعني من جماعات كثيرة تنقل بعضها عن بعض)، وذلك بحِفظ الله تعالى له، لأنه سبحانه قد تعَهَّدَ بحِفظه وجَمْعِه، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾، وقال تعالى: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ﴾، وذلك لأنه هو الدين الخاتَم، الذي ارتضاه الله لجميع الخلق إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾.

الآية 117، والآية 118، والآية 119: ﴿ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا ﴾: يعني ما يَعبد المشركون من دون الله تعالى إلا أوثانًا لا تنفع ولا تضر (وهم يُسَمُّونهم بأسماء الإناث، كاللات والعُزَّى ومَناة)، ﴿ وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا ﴾: يعني كما هم في واقع الأمر يَدعون شيطاناً متمردًا على الله، إذ هو الذي دعاهم إلى عبادة الأصنام فعبدوها، فهم إذاً عابدون للشيطان في باطن الأمر لا الأوثان، وهذا الشيطان قد ﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ ﴾ ﴿ وَقَالَ ﴾ الشيطان لله تعالى: ﴿ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ﴾: يعني لأتخِذنَّ مِن عبادك عدداً كبيراً يعبدونني ولا يعبدونك، وهم معروفون بمعصيتهم إياك، وطاعتهم لي، ﴿ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ﴾: يعني ولأصرفَنَّ مَن تبعني منهم عن طريق الحق، ﴿ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ﴾: يعني سأعوقهم عن طاعتك بالأماني الكاذبة بأنهم لن يُعذَّبوا، أو بأنه سيُغفَر لهم (حتى وإن استمروا على المعاصي ولم يتوبوا)، ﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آَذَانَ الْأَنْعَامِ ﴾: يعني ولأدعونَّهم ليجعلوا لآلهتهم نصيباً من الأنعام، فيَقطعون آذانها لتكون علامة على أنها ستُذبَح للآلهة، ﴿ وَلَآَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾: يعني ولأدعونَّهم إلى تغيير ما خلقه الله تعالى في الفِطرة، (بالبِدَع والشرك والمعاصي)، وتغيير هيئة ما عليه الخَلق (كالوَشْم والنَمْص (وهو تخفيف الحاجب للمرأة)، وغير ذلك)، ﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴾.

الآية 121: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ المتبعون للشيطان ﴿ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ ﴿ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا ﴾: يعني ولا يجدون عنها ملجأً يهربون إليه منها.

الآية 123، والآية 124: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾: يعني اعلموا أيها المسلمون أنَّ فضْل الله تعالى وثوابه العظيم لا يُنال بأمنياتكم الخالية من العمل، ﴿ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾ من اليهود والنصارى، وإنما يُنالُ بالإيمان الصادق بالله تعالى،وإحسان العمل الذي يُرضيه، فسُنن الله تعالى ثابتة، وهي أنَّ ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه﴾ - إلا لو تاب منه وقَبِلَ الله توبته - ﴿ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا ﴾ يتولى أمره وشأنه، ﴿ وَلَا نَصِيرًا ﴾ ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب، ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ بالله تعالى وبما أنزلمن الحق ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ﴾ دار السعادة والراحة والنعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتَلَذُّ الأعين، التي فيها ما لا عَينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر من أنواع المآكل والمشارب اللذيذة، والمناظر العجيبة، والقصور، والغُرَف المُزَخرَفة، والأنهار الجارية، والأشجار المُتَدَلِّية، والفواكه الغريبة، والأصوات العذبة، وأعلى من ذلك كله تمتع الأرواح بقُرب ربهم، وتلذذ العيون برؤيته، وتلذذ الأسماع بخطابه الذي يُنسيهم كل نعيم، ولولا الثبات من الله لهم لطاروا وماتوا من الفرح والسرور.

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾: يعني ولا يُنْقَصون من ثوابأعمالهم شيئًا، ولو كان مقدار النُقرة التي في ظهر النواة.

الآية 125: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا ﴾: يعني لا أحد أحسن دينًاً ﴿ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾: يعني وهو مُتقِن للعبادة ومُؤديها على النحو الذي شرعه الله تعالى في كتابه وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ﴾ ﴿ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ﴾: يعني وقداصطفى الله إبراهيم عليه السلام، واتخذه خليلاً، والخُلّة (هي أعلى مقامات المحبةوالاصطفاء) وقد شَرَّفَ الله أيضاً بالخُلَّة محمداً صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم خطبهم آخر خطبة، فقال: "أما بعد أيها الناس: فلو كنتُ متخذاً من أهل الأرض خليلاً، لاتخذتُ أبا بكر ابن أبي قحافة خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله".

الآية 127: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ﴾: يعني وما زالوا يستفتونك في النساء (أي: في شأن ما لَهُنَّ وما عليهنَّ من حقوق، كالميراث والمهر وغير ذلك)، ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ وحده ﴿ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ﴾، وقد أفتاكم سبحانه فيهنَّ وبَيَّنَ لكم حقوقهنَّ وواجباتهنَّ في الآيات الأولى من هذه السورة، حيث قررتْ الآيات حق المرأة والطفل في الميراث، وحثتْ على المحافظة على مال اليتيم.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾: أي: وما يُتلَى عليكم في يتامى النساء في أول السورة كافٍ لا تحتاجون معه إلى مَن يُفتيكم، إذ بَيَّنَ لكم سبحانه أنه إذا كانت تحت أيديكم يتيمات وكنتم ترغبون في نكاحهنّ فأعطوهنّ مهورهنَّ كاملة مثل باقي النساء، وإذا كنتم لا ترغبون في نكاحهنّ فأعطوهنّ مالهنّ وزَوِّجوهُنَّ غيركم، ولا يَحِلّ لكم أن تحبسوهنّ في بيوتكم من أجل أموالهنّ.

﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾: أي وكذلك قد بَيَّنَ الله لكمأمر الضعفاء ﴿ مِنَ الْوِلْدَان ﴾ الصغار، حيث قد أعطاهم حقهم وافياً في آيات المواريث، ﴿ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ ﴾: أي وكذلك بَيَّنَ لكم وجوب القيام لليتامى بالعدل، وترْك الظلم عليهم فيحقوقهم، ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾ لا يَخفى عليه شيء،وسيجازي كُلاً بما يستحق.

الآية 128: ﴿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا ﴾: يعني وإذا خافت الزوجة ترَفُّعَ زوجها عنها وعدم رغبته فيها، ﴿ أَوْ إِعْرَاضًا ﴾ عنها بوجهه، فلا يكلمها ولا يَأنَس بها (وذلك لِسُوء خُلُقِها، أو لِكِبَر سِنِّها وعدم رغبتها في المعاشرة الزوجية، أو غير ذلك)، وأراد أن يفارقها، فآثَرَتْ هي البقاءَ معه: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾: يعني فلا بأس ولا حرج في هذه الحالة ﴿ أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ﴾: يعني فلها أن تُجْري مع زوجها صُلحاً (وهو ما يُسَمُّونه: تفاوُضاً) يَحفظ لها بقاءها في بيتها عزيزة محترمة، وذلك بأن تتنازل له عن بعض حقها في الفراش (فتَهَبُ بعضَ أيامها لزوجته الثانية)، أو تتنازل عن بعض ما كان واجباً لها من النفقة أو الكسوة، فإنّ هذا خيرٌ لها من الفراق، ولهذا قال: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ﴾: يعني والصلحأوْلَى وأفضل من الفراق، وذلك لضمان النفقة عليها وغير ذلك.

وقوله تعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ﴾: يعني وقد فُطِرَتْ النفوس على البخل، فهو مُلازمٌ للنفس البشرية لا يفارقها (والمرأة كالرجل في هذا)، إلا أن المرأة أشَحّ منه في أن تُعطي شيئاً مِن حقها لغيرها، إذاً فليُراعِ الزوج هذا، ولا يَستغل اضطرارها لهذه المصالحة فيُنقِصها كثيراً من حقوقها، ولهذا قال تعالى بعدها: ﴿ وَإِنْ تُحْسِنُوا ﴾ معاملة زوجاتكم ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ اللهَ فيهنّ، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ لا يَخفىعليه شيء، وسيَجزيكم بالإحسان إحساناً وبالخيرِ خيراً.

الآية 129: ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ﴾ أيها الرجال ﴿ أَنْ تَعْدِلُوا ﴾ العدل التام ﴿ بَيْنَ النِّسَاءِ ﴾ في المحبة وميلالقلب، أما في النفقة والكِسوة والعِشرة بالمعروف فهذا مُستطاع.

﴿ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ على تحقيق العدل في الحب فلن تستطيعوا، ولذلك لا يؤاخِذ الله تعالى به، ولكنْ بشرط: ﴿ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ ﴾: يعني فلا تُعرِضوا عن المرغوب عنها كُلَّ الإعراض﴿ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ﴾: أي حتى لا تتركوها كالمرأة المُعلَّقة التي (ليست متزوجة ولا هي مُطلَّقة) فتأثموا، ﴿ وَإِنْ تُصْلِحُوا ﴾ أعمالكم فتَعدِلوا في النفقة والعطاء بين زوجاتكم ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ الله تعالى وتخشوه فيهنّ:﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا ﴾ يغفر لكم ما عجزتم عن القيام به لِضَعفكم ﴿ رَحِيمًا ﴾ يرحمكم في دنياكم وأخراكم بسبب تقواكم له.

الآية 130: ﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا ﴾: يعني: فإذا تعذر الاتفاق بين الرجل وامرأته، فلا بأس بالفراق، فإذا تفرقا: ﴿ يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا ﴾ منهما ﴿ مِنْ سَعَتِهِ ﴾ وفضله، فيُغني الزوج بزوجةٍ خيرٍ له منها، ويُغني الزوجة بزوجٍ خيرٍ لها منه، وإن انقطعتْ نفقتها من زوجها (بعد الفراق)، فإنَّ رِزقَها على المتكفل بأرزاق جميع الخلق، القائم بمصالحهم، ولذلك قال بعدها: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾، فمَن كان كذلك قهو قادرٌ على إغنائهما، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا ﴾ في فضله وعطائه ﴿ حَكِيمًا ﴾ فيما يقضي به بين عباده.

الآية 131: ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ وما بينهما، ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ من اليهود والنصارى، ﴿ وَإِيَّاكُمْ ﴾: أي وكذلك عَهِدنا إليكم يا أمة محمد ﴿ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ﴿ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني فإنه سبحانه غنيٌ عنكم; لأنّ له جميع ما في السمواتوما في الأرض ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا ﴾ عن خلقه، فلا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين وجحود الجاحدين، وكان سبحانه ﴿ حَمِيدًا ﴾ في صفاته وأفعاله، مُستحقاً للثناء في كل حال.

الآية 134: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾: يعني مَن كانت هِمَّتُهُ وإرادته دَنِيَّة غير متجاوزة ثواب الدنيا، وليس له إرادة في الآخرة فإنه قد قَصُرَ سَعْيُهُ ونَظَرُه، ومع ذلك فلا يَحصل له من ثواب الدنيا سوى ما كَتب الله له منها، فإنه تعالى هو المالك لكل شيء، ﴿ فَعِنْدَ اللَّهِ ﴾ وحده ﴿ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾: فلْيَطلبهما منه ولْيَستعن به عليهما، فإنه لا يُنالُ ما عنده إلا بطاعته، ولا تُدرَكُ الأمور الدينية والدنيوية إلا بالاستعانة به، والافتقار إليه على الدَوام.

وله سبحانه الحكمة في توفيق مَن يوفقه، وخذلان مَن يَخذله، وله الحكمة كذلك في عطائه ومَنْعِه، ولهذا قال: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا ﴾ لأقوال عباده ﴿ بَصِيرًا ﴾ بأعمالهم ونياتهم، وسيجازيهمعلى ذلك.
تفسير الربع العاشر من سورة النساء



الآية 135: (﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ﴾: يعني كونوا قائمين بالعدل في كل أموركم، ﴿ شُهَدَاءَ لِلَّه ﴾:ِ أي مؤدينللشهادة لوجه الله تعالى، ﴿ وَلَوْ ﴾ كانت ﴿ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ﴾ ﴿ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا ﴾: يعني: ومهما كان شأن المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا، فلا يَحمِلَنَّكم غِنى الغنى ولا فقْر الفقير على تحريف الشهادة أو كتمانها (ظناً منكم أنَّ ذلك في مصلحته)، فإنَّ الله تعالىأوْلَى به منكم، وأعلم بما فيه صلاحه، ﴿ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا ﴾: يعني فلا يَحمِلَنَّكم الهوى والتعصب للغير على ترْكالعدل، ﴿ وَإِنْ تَلْوُوا ﴾: يعني وإن تحرفوا الشهادة بألسنتكم فتأتوا بها على غير حقيقتها، ﴿ أَوْ تُعْرِضُوا ﴾ عنها بترْك أدائها أو بكتمانها: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾: أي عليمًا بدقائق أعمالكم،وسيجازيكم بها.

الآية 136: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا ﴾: أي داوِموا على ما أنتم عليه منالتصديق الجازم ﴿ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ﴾ على رُسُله الكرام، ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ عن طريق الحق.

الآية 138، والآية 139: ﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾: يعني أخبِرهم بخبرٍ يَظهرُ أثره على بَشرَةِ وجوههم ألماً وحسرة، (وهو العذاب المؤلم في النار).

وهؤلاء المنافقون هم ﴿ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ ﴾: يعني أيَطلبون بذلك النُصرة والقوة عند الكافرين؟ إنهم لا يملكونذلك، ﴿ فَإِنَّ الْعِزَّةَ ﴾ والنُصرة والقوة ﴿ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾: أي جميعُ ذلك للهِ وحده.

الآية 140، والآية 141: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ﴾: أي نَزَّلَ عليكم في القرآن ﴿ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ ﴾: أي فلا تجلسوا مع الكافرين والمستهزئين ﴿ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ﴾: يعني إنكم إذا جالستموهم، وهم على ما همعليه من الكفر والاستهزاء، فأنتم مِثلهم؛ لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية كالفاعللها.

وكذلك السامع لغَيْبَةِ أخيه (يعني بما يَكرهه في غيبته)، وكانَ في استطاعته أن يدافع عنه، أو أن يقول لهم: (الله يهديه ويغفر له)، ليمنعهم بذلك من غيبته، أو كانَ في استطاعته أن يترك مجلس الغيبة ولم يفعل، وكان راضياً بذلك، ومُقِرَّاً للمغتابين على ما هم عليه: فإنه مغتابٌ مثلهم يأكل لحم أخيه ميتاً.

﴿ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا يلْقَونفيها سوء العذاب، وهؤلاء المنافقون هم ﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ ﴾: يعني ينتظرون ما يَحِلُّ بكم من الفتن والحرب:﴿ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ ونَصَرَكم على عدوكم وغَنِمتم: ﴿ قَالُوا ﴾ لكم: ﴿ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ﴾ نناصركم؟، ﴿ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ ﴾: يعني قَدْرٌ من النصر والغنيمة، ﴿ قَالُوا ﴾ لهم: ﴿ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: يعني ألم نساعدكم ونَحْمِكُم من المؤمنين؟ ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ﴾ وبينهم ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ﴾: يعني ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين طريقًا ليغلبوهم بالحُجَّة والبرهانً في الآخرة، وإنما قلنا (في الآخرة) لأن السِياق كان يتحدث عن أن الله سوف يحكم بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة.

الآية 142، والآية 143: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ ﴾:أي يعتقدون بجهلهم أنهم يُخادعونَ اللَّهَ،بما يُظهرونه من الإيمان ومايُبطنونه من الكفر، ظنًّا منهم أنّ ذلك يَخفى على الله تعالى، ﴿ وَهُوَ خَادِعُهُمْومجازيهمبمثل عملهم، ﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى ﴾: أي قاموا إليها في فتور، ﴿ يُرَاءُونَ النَّاسَ ﴾ ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾، ولذلك أمر الله المؤمنين - في آيةٍ أخرى - أن يذكروا الله ذكراً كثيراً، لأن الذكر الكثير براءةٌ من النفاق.

وإنَّ مِن شأن هؤلاء المنافقين أنهم﴿ مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾: يعني حَيارَى مترددين بين الكفر والإيمان، لا يستقرون علىحال، فـ﴿ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ ﴾: يعني فلا هم مع المؤمنين ولا هم مع الكافرين، ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ ﴾: يعني ومَن يَصرف الله قلبه عن الإيمانوعن الاستمساك بهديه: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾: يعني فلن تجد له طريقًا إلى الهداية واليقين.

الآية 144: (﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ بالنصرة والمحبة والإعانة وبإفشاء أسرار المؤمنين لهم، ﴿ أَتُرِيدُونَ ﴾ بمودَّة أعدائكم ﴿ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾: أي حُجَّةً ظاهرة على عدم صِدق إيمانكم؟

الآية 145، والآية 146: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾: يعني في أسفل منازل النار يوم القيامة، ﴿ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ يدفع عنهم سوء هذا المصير، ثم ذكر تعالى الأمل الوحيد لهم في النجاة من ذلك العذاب الأبدي فقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾ ما أفسدوه من أحوالهمباطنًا وظاهرًا، ﴿ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ من شر النفس والشيطان، واستمسكوا بدين الله، (﴿ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾) في الدنيا والآخرة، ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾.

الآية 147: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ ﴾: يعني ماذا يستفيد الله تعالى من تعذيبكم ﴿ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾ فإنه سبحانهغني عن ذلك، وإنما يعذب العباد بذنوبهم إن لم يتوبوا وأصَرُّوا على ما هم فيه، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا ﴾ لعباده علىطاعتهم له، ﴿ عَلِيمًا ﴾ بكل شيء.
امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-12-2026, 06:16 AM   #16
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 118

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

تفسير الربع الحادي عشر من سورة النساء بأسلوب بسيط


الآية 148، والآية 149: ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ﴾: أي: لا يُحِبُّ الله أن يَجهر أحدٌ بقوْل السُوء من السَبّ والغيبة وغير ذلك ﴿ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ﴾: يعني: لكنْ يُباح للمظلوم أن يدعو على ظالِمِه، وأن يَذكُره بما فيه من السوء، لِيبيِّن مَظْلمته، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا ﴾ يَسمع أقوالكم، فاحذروا أن تتكلموا بما يُغضبه فيعاقبكم على ذلك، وَكَانَ اللَّهُ ﴿ عَلِيمًا ﴾ بنيَّاتكم وأعمالكم، ثم حَبَّبَ اللهُ تعالى إلى عباده المؤمنين فِعل الخير في السر أو العَلَن، وإلى العفو عَمَّن ظلَمهم فقال: ﴿ إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ ﴾: يعني إن تُظهِروا الخير أو تُخفوه، فإنَّ الله تعالى سيُعطِي فاعلَه خيراً، ﴿ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء ﴾: يعني أو تعفو عَمّن أساء إليكم في أبدانكم أو أموالكم أو أعراضكم، فإنَّ الجزاء من جنس العمل، فمَن عفا عن الخَلق: عفا اللهُ عنه، ومَن أحسن إلى الخلق: أحسن الله إليه، فلهذا قال: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ﴾: أي يعفو عنعباده مع قدرته عليهم، وسيعفو سبحانه عن صاحب العفو حينما تزِلّ قدمه، فيَجني - في حق الله - ما يستوجب به العقوبة، فيَشكر اللهُ له عفوه السابق فيعفو عنه.

الآية 150، والآية 151: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِه ﴾ بأن يؤمنوا بالله ويُكَذِّبوا رسله الذين أرسلهم إلى خَلقه، ﴿ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ﴾: أي ببعض الرسل (﴿ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾: يعني ويريدون أن يتخذوا طريقاًبين الكفر والإيمان، وليس هناك إلا طريق واحد (وهو الإيمان أو الكفر)، فمَن آمن بكل الرسل فهو المؤمن، ومَن آمن ببعضهم وكفر ببعضهم فهو الكافر، ولهذا قال: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾، أما المؤمنون فإنهم يُقرُّون بنبوَّة الرُسُل أجمعين، ولا يفرقونبين أحدٍ منهم في الإيمان بهم، وبما جاؤوا به من التوحيد.

الآية 153: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ ﴾ وهم هنا اليهود، الذين جاؤوا يسألونك (على سبيل العناد) سؤالاً يتوقف عليه تصديقهم أو تكذيبهم، وهو أن تأتي إليهم بمعجزة تشهد لك بالصِدق، وهي ﴿ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاء ﴾:ِ أي تُنَزِّلَ عليهم القرآن جُملةً واحدة كما نَزَلت التوراة والإنجيل، وهذا غاية الظلم منهم والجهل، فإنَّ الرسولَ بشر، ليس في يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهو الذي ينزل ما يشاء في الوقت الذي يشاء (بحسب الأحوال والأحداث)، وذلك لتربية عباده، وتثبيت المؤمنين، والرد على المخالفين، مما يدل على اعتناء الله برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، كما قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾، فلاتَعجب أيها الرسول مِن طلب هؤلاء اليهود ﴿ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾: أي عياناً بالبصر، ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ﴾: أي بسبب ظُلْمِهم أنفسهم حين سألوا أمرًا ليس منحقِّهم، ﴿ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾: يعني: وبعد أن رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يَرَهُ غيرهم (حيث فلق الله لهم البحر وأنجاهم وأغرق عدوهم)، وبعد أن شاهدوا الآيات البينات (القاطعة بنفي الشرك) على يد موسى: اتخذوا العجل إلهاً يعبدونه من دون الله، ﴿ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ ﴾: أي فعَفونا عن عبادتهم العجل بسببتوبتهم، ﴿ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾: يعني وآتينا نبيهم موسى حُجَّة عظيمة تؤيِّد صِدق نُبُوَّتِه، فقهر بها أعداءه، ولم يؤثر ذلك في طباعهم.

الآية 154، والآية 155: ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ ﴾: يعني ورفعنا فوق رؤوسهم جبل الطور - تهديداً لهم - حين امتنعوا عن الالتزام بالعهد المؤكَّد الذيأعطوه بالعمل بأحكام التوراة، ﴿ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا ﴾: يعني وأمرناهم أن يدخلوا باب "بيت المقدس" سُجَّدًا،فلم يفعلوا، ﴿ وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ ﴾: أي وأمرناهم ألا يَعْتَدُوا بالصيد في يوم السبتفاعتدَوا، واصطادوا، ﴿ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾: أي وأخذنا عليهم عهدًا مؤكَّدًا على أن يعملوا بما في التوراة، فنقضوا هذا العهد، إذاً فلا غَرابة في سؤالهم إيَّاك أن تنزل عليهم كتاباً من السماء.

﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ ﴾: أي فبسبب نقضهم للعهود لعنَّاهم، لأن هذا نظير قوله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ﴾، ﴿ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ ﴾: يعني وكذلك لَعَنَّاهُمْ بسبب كفرهم بآيات الله الدالة على صِدق رسله، وكذلك بسبب: ﴿ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾، وكذلك بسبب: ﴿ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾: أي عليها أغطية فلا تفقه ما تقول، ﴿ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ ﴾: يعني بلطمس الله عليها بسبب كُفرهم، ﴿ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا ﴾ إيمانًا ﴿ قَلِيلًا ﴾ لا ينفعهم (كإيمانهم بموسى وهارون والتوراة)، ولكن كُفرهم بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم أضاع هذا الإيمان.

الآية 156: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا ﴾: يعني: وكذلك لَعَنَّاهُمْ بسبب كُفرهم وافترائهم على مريم بما نسبوه إليها من الزنى، وهيبريئة منه.

الآية 157: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾: يعني ولَعَنَّاهُمْ أيضاً بسبب قولهم - على سبيل التَهَكُّم والاستهزاء -: (إننا قتلنا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مريم الذي يَدَّعِي أنه رسولَ اللَّه)،وهذا مثل قول فرعون وهو يتحدث عن موسى: (﴿ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾)).

فأكْذَبَهم اللهُ تعالى في ذلك بقوله: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ ﴾: يعني وما قتلوا عيسى عليه السلام ﴿ وَمَا صَلَبُوهُ ﴾ ﴿ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ﴾: يعني: بل صلبوا رجلا شبيهًا به ظنًّا منهم أنهعيسى، ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ﴾: يعني: ومَن ادَّعى قَتْلَهُ من اليهود قد وقعوا في شك وحَيْرَة: هل هذ الرجل (الذي ألْقِيَ عليه شبه عيسى) هو عيسى؟ أو غيره؟ إنهم لم يجزموا أبداً بأنّ مَن ألقوا عليه القبض فصلبوه وقتلوه هو المسيح عليه السلام، و ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ﴾: يعني لا عِلْمَ لديهم في ذلك ﴿ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ﴾ ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ﴾: يعني وما قتلوه مُتيقنين بأنه هو،بل كانوا شاكين مُتوهمين.

فإذا كانوا يزعمون أنه هو الذي صُلِب، ويّزعمونَ أنه إلهٌ (فهل هناك إلهٌ - يتعَذب على أيدي بعضِ خَلقِهِ - يَستحق أن يُعبَد؟!)، (وهل يُعقل أن يُعبَد الصليب الذى قتِلَ عليه إلهٌ وأغرقه دماً، أمْ يُكسَر وَيُدَنَّسُ؟!)، (وإذا كانوا يعتقدون أنَّ الصَلب كانَ من أجل تكفير خطيئة آدم عليه السلام، فهل يتحمل الأبناء خطيئة الآباء؟ أمْ أنَّ اللهَ لم يكن قادراً أن يغفرَ مِن غير تعذيب؟!)، (ومَن الذى كان يَحكم الكون، وَيُسَيّر المخلوقات ويرزقها، ويُمسِك السماء حتى لا تقع على الأرض عندما ماتَ الإله؟!)، (وإنْ كانوا يزعمون أنّ الإله قد مات، فمَن الذى أحياه؟ هل هو الذى أحيا نفسه؟ أمْ أنّ هناك إلهاً آخر هو الذى أحياه؟، ولماذا لم يَقهر الموتَ عندما جاءه لينتزع روحه، أليس هو إلههم كما يزعمون؟!)، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل هو سبحانه - جَلَّ في عُلاه - الحي الذي لا يموت، القيوم الذي لا ينام، الجبار القهار ذو القوةِ المتين.

الآية 158: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾: يعني: بل رفع اللهُ عيسى إليه ببدنه وروحه حيًّا، وطهَّره من الذين كفروا، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا ﴾ في مُلكه ﴿ حَكِيمًا ﴾ في تدبيره وقضائه.

الآية 159: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ﴾: يعني: وما مِن أحد من أهل الكتاب (المختلفين في أمر عيسى عليه السلام) يكون موجوداً وقت نزول عيسى في آخر الزمان إلاَّوسيؤمن بأنه عبدٌ لله ورسولٌ منه، وذلك ﴿ قَبْلَ مَوْتِهِ ﴾: يعني بعد نزوله من السماء (لأنه لن يموت حتى ينزل في آخر الزمان)، فحينئذٍ يُوقِنُ أهل الكتاب أنه ماقُتِلَ وما صُلِبَ (لأن بنزوله ورؤيته: قد زالت الشُبهة التي كانت عندهم)، وعندما يَنزل: يَقتل الدجال، ويؤمن به أهل الكتاب مع المؤمنين، حتى تكون المِلَّة واحدة (وهي مِلَّة الإسلام).

﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ ﴾ عيسى عليه السلام ﴿ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ﴾ بتكذيب مَنكَذَّبَه، ولم يتبع بشارته بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويَشهد بتصديق مَن صدَّقه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك يشهد على اليهود أنهم كَذَّبوه وطعنوا فيه، وعلى النصارى أنهم جعلوه شريكاً مع الله تعالى في عبادتهم، وأنه بَرِيءٌ مِمَّن فعل ذلك، قال تعالى - حاكياً عن عيسى عليه السلام: ﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾.

الآية 160: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾: يعني فبسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة: ﴿ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ ﴾ منالمأكولات ﴿ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾: أي كانت حلالاً لهم، ﴿ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾: يعني وكذلك كان هذا التحريم بسبب صدِّهم أنفسهم وغيرهم عن دين الله القويم، وهو الإسلام.

الآية 162: ﴿ لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ﴾: يعني: لكنِ المتمكنون في العلم بأحكام الله من اليهود، ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ بالله ورسوله ﴿ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ وهو القرآن ﴿ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ كالتوراة والإنجيل، ﴿ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ﴾ أي وأخُصّ الْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ - لِمَزيدِ فضلِهم - وهم الذين يؤدُّون الصلاة في أوقاتها بخشوع، وكذلك: ﴿ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ وهو الجنة.
الربع الأخير من سورة النساء



الآية 164: ﴿ وَرُسُلًا : أي وأرسلنا للناس رُسُلاً، فمنهم مَن ﴿ قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ ﴾ في القرآن ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾: أي مِن قَبلِ هذه الآية، ﴿ وَرُسُلًا ﴾ أخرى ﴿ لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ﴾ لِحكمةٍ أردناها، ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾.

وفي هذه الآية إثبات صفة الكلام لله تعالى كما يليق بجلاله، وأنه سبحانهكَلَّمَ نبيه موسى عليه السلام حقيقةً بلا وَساطة، وهذا مِثل قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾، وفي هذا ردٌ قاطع على مَن يُنكرون صفة الكلام لله تعالى، ويتحَجَّجون بأنه لا يليق به سبحانه أن يتكلم، فهذا قولٌ باطل، وافتراءٌ على الله عز وجل، بل على العكس تماماً، فإنَّ الذي يتكلم خيرٌ وأكمل مِن الذي لا يتكلم، والذي يسمع ويُبصِر خيرٌ وأكمل مِن الأصَمّ والأعمى، وإنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، ولَمَّا أراد الله تعالى إبطال عبودية هذه الآلهة المزعومة مِن دونِه: كانَ يُظهِر صفة النقص التي فيها، كما قال تعالى - حكايةً عن ابراهيم عليه السلام: ﴿ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾، فكيف تُعبَدُ آلهةً صَمَّاء لا تسمع ولا تُبصِر ولا تتكلم؟، وكذلك لما أراد إبطال عبودية النصارى لعيسى عليه السلام وأمِّه قال عنهما: ﴿ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ﴾، فكيف تُعبَدُ آلهة تحتاج إلى الطعام والشراب وتفتقر إليه، وبالتالي تحتاج إلى قضاء حاجتها؟!

الآية 166: ﴿ لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ ﴾: يعني: إن يَكفُر بك اليهود وغيرهم، فاللهُ يَشهد لك بأنك رسوله الذيأَنْزَلَ عليه القرآن العظيم، فقد ﴿ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ ﴾: أي يشهدونَ كذلك بصِدق ماأُوحِيَ إليك، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾: يعني وشهادة الله وحدها كافية.

الآية 167: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ بالله وبرسوله، ﴿ وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾: يعني وصَدُّوا الناسَ عن الإسلام، أولئك ﴿ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا ﴾ عن طريق الحق.

الآية 170: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ بِالْحَقِّ ﴾: أي بالإسلام، الذي هو دينُ الحق ﴿ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا ﴾ به واتبِّعوه ﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾ ﴿ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾: يعني وإن تُصِرُّوا على الجحود والعِناد: فإن الله غنيٌ عنكم وعن إيمانكم; لأنه سبحانه مالِكُ السموات والأرض وما فيهما، فإذا كانت السموات والأرضقد خضعَتا لله تعالى (كَوْنًا وقدَرًا)، فأوْلَى بكم أن تؤمنوا باللهوبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبالقرآن الذي أنزله عليه، وأن تنقادوالذلك (شرعًا) حتى يكون الكونُ كلُّه خاضعًا لله (قدرًا وشرعًا)، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾.

وفي الآية دليلعلى عموم رسالة نبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم للناس أجمعين.

الآية 171: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴾ وهم هنا النصارى: ﴿ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾: يعني لا تتجاوزوا الاعتقاد الحق في دينكم، ﴿ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾ فلا تجعلوا له صاحبةً ولا ولدًا، فـ ﴿ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ﴾ وهي كلمة: "كُن" التي خلقه الله بها، ﴿ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ وهو جبريل عليه السلام، الذي أرسله الله إلى مريم بكلمة "كُن"، فنفخها جبريل في مريم بأمر ربه، واعلم أن الروح هو اسم من أسماء جبريل عليه السلام،والدليل على ذلك: قوْل الله تعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾.

﴿ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴾ ومنهم محمد صلى الله عليه وسلم للناس الذي تجدونه في كتبكم، ﴿ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ﴾ بأن تجعلوا عيسى وأمه شريكين مع الله، ﴿ انْتَهُوا ﴾ عن ذلك ﴿ خَيْرًا لَكُمْ ﴾ ﴿ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ ﴿ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ﴾: أي تنزَّهَ اللهُ تعالى عن ذلك، فإنه ليس مُحتاجاً إلى ولدٍ كما يحتاجُ البشر، فإنّ البشر يحتاجون إلى ولدٍ يَخدمهم ويرعاهم في كِبَرهم، وعند مرضهم، وحالَ ضَعفِهم، أما اللهُ تعالى فهو - سبحانهُ - القوي الغني الذي لا يحتاجُ إلى شيءٍ مما يحتاجُه البشر، فلا يحتاجُ إلى زوجةٍ أو ولد، لأنه سبحانه ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني كل ما في السموات والأرض ملْكُه، فكيفيكون له منهم صاحبة أو ولد؟ ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ على تدبير خلقه وتصريف معاشهم.

فسبحان الله العظيم، أحياناً يقولون عن المسيح إنه هو الله، وأحياناً يقولون إنه ابن الله، وأحياناً يقولون إنه ثالثُ ثلاثة، فمَن إلههم الذي يعبدون؟!

الآية 172: ﴿ لَنْ يَسْتَنْكِفَ ﴾: أي لن يَأْنف (يعني لن يَتقزَّز) ولن يمتنع ﴿ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ﴾ ﴿ (وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ) ﴾: يعني وكذلك لن يأنَفَ الملائكةالمُقَرَّبون من الإقرار بالعبودية لله تعالى، ﴿ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾: يعني ومن يأنف عن الانقياد والخضوع ﴿ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ ﴾ كلهم ﴿ إِلَيْهِ جَمِيعًا ﴾ يوم القيامة، ويَفصلُ بينهم بحُكمه العادل ويُجازيكُلاً بما يستحق.

الآية 174، والآية 175: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ وهو رسولنا محمد، وما جاء به منالبينات والحجج القاطعة، وأعظمها القرآن الكريم (المعجزة الخالدة التي تشهد له بصِدق نبوته ورسالتهالخاتمة)، ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾ وهو القرآن، ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ ﴾ اعتقادًا وقولا وعملا، ﴿ وَاعْتَصَمُوا بِهِ ﴾ من شر النفس والشيطان وكذلك استمسكوا بالنور الذيأُنزل إليهم، ﴿ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ ﴾: يعني فسيُدخلهم الجنة رَحمةً منه وفضلاً، ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾: أي ويوفقهم إلى سلوك الطريقالمستقيم المُوصل إلى روضات الجنات.
من سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف أ.د. التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف) واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.

رامى حنفى محمود

شبكة الألوكه الشرعية
امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-17-2026, 12:08 AM   #17
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 118

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      


سورة المائدة



سلسلة كيف نفهم القرآن؟

الربع الأول من سورة المائدة


الآية 1: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾: يعني أوْفوا بالعهود التي أخذها اللهعليكم (من الإيمان بشرائع الدين، والانقياد لها)، وكذلك أَوْفُوا بِالْعُقُود التي تعاقدتم عليها فيما بينكم (من عقود البيع والشراء وغيرها)، ومِن هنا خرجتْ القاعدة الشرعية التي تقول: (العقد شريعة المتعاقدين) - بشرط ألاَّ يخالف ذلك العقد: كتاب الله، أو سُنَّة رسولهصلى الله عليه وسلم - فلا تنقضوا تلك العقود، ولا تتركوا واجباً، ولا ترتكبوا معصية، ولا تُحرِّموا حلالاً، ولا تستحلوا حراماً، فقد ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ﴾وهيالإبلُ والبقر والغنم ﴿ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾: يعني إلا ما بَيَّنه سبحانه لكم مِن تحريم المَيْتة والدم وغير ذلك،وهي المحرمات المذكورة في الآية الآتية: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ... ﴾.

﴿ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾: يعني وكذلك حَرَّمَ اللهُ عليكم الصيد وأنتم مُحرِمون بِحَجٍّ أو عُمرة، فلا تستحلوه، وسَلِّموا الأمرَ لله تعالى فيما أحَلَّهُ وحَرَّمه، فـ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾، فما أراده تعالى: حَكَمَ به حُكماً مُوافقا لِحكمته وعَدْله، مِثل أمْرِهِ لكم بالوفاء بالعقود (لِما في ذلك مِن حصول المصالح لكم، ودفع المَضارّ عنكم).

الآية 2: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ ﴾: أي لا تتعدَّوا حدوده ومعالم دينه، فلا تستحلوها بترْك واجب، ولا بفِعل مُحرَّم، ومن ذلك مناسك الحج والعمرة، ﴿ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ ﴾: يعني ولا تستحِلُّوا القتال في الأشهر الحُرُم، وهي: ذو القعدة وذو الحجةوالمُحَرَّم ورجب.

﴿ وَلَا الْهَدْيَ ﴾: يعني ولا تستحِلُّوا حُرمة الهَدْي، وهو ما يُهدَى للبيت الحرام من بهيمة الأنعام، ليُذبَح فيه ويُوزَّع على الفقراء، ﴿ وَلَا الْقَلَائِدَ ﴾ والقلائد جمع قِلادة، وهي ضفائر مِن صوف أو وَبَر، كانوا يضعونها في رقاب الهَدي لتكونعلامةً على أن الرجل يريد الحج، ولإظهار أن هذه البهيمة التي يَسُوقها هي هَدْيٌ فيُحترَم، وقد كان ذلك الفِعلُ إظهاراً لشعائر الله، فلا تستحلوا حُرمَتَها.

أما ما يفعله البعض من تعليق بعض التمائم (كَحِدوة الحصان والكَفّ وغير ذلك)، فيُعلقها في بيته أو سيارته، اعتقاداً منه أنها تنفع أو تضر، أو أنها تجلب الحظ، (وكذلك الإشارة بالكف في وجه مَن يتوقع منه الحسد - اعتقاداً منه أن ذلك يدفع الحسد)، فكل هذا حرام لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الرُّقَى - (أي رقى السَحَرة التي لا يُفهَم معناها، أو الرُّقَى المشتملة على الشرك بالله تعالى) - والتمائم والتِوَلَةَ شِرك)(والحديث في صحيح الجامع برقم: 1632) (والتِوَلَة هي نوع من السِحر يُحَبِّب المرأة إلى زوجها).

واعلم أن السبب في تحريم هذه التمائم هو تعلق القلب بغير الله تعالى، إذ لا يَملك النفع والضر إلا الله، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾، وقال مخاطباً نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم - وهو خير الخلق - لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فكيف بمن دونه؟!، وفي هذا رَدٌّ على كل مَن يعتقد أن بعض الصالحين - أو الأولياء - يملكون لهم ضراً أو نفعاً أو يقربونهم إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾.

﴿ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾: يعني ولا تَسْتَحِلُّوا قتال أو أذية قاصدي البيت الحرام الذين ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ ﴾: أي الذين يطلبون من فضل الله ما يُصلِح معاشهم (وذلك بالتجارة والمكاسب المباحة في الحج)، ﴿ وَرِضْوَانًا ﴾: أي ويطلبون رضوان ربهم عليهم (وذلك بأداء الحج والعمرة والصلاة في الحرم وغير ذلك)، فهؤلاء لا تتعرضوا لهم بسوء، ولا تهينوهم، بل أكرِموهم، واعلم أنه يدخل في هذا الأمر: تأمين الطرق الموصلة إلى بيت الله تعالى، وجَعْل القاصدين له مطمئنين مستريحين، غير خائفين على أنفسهم، ولا على أموالهم.

﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾: يعني وإذا حَلَلْتم من إحرامكم: فإنه يُباحُ لكم الصيد، ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ ﴾: يعني ولا يَحمِلَنَّكم بُغْض قوم - بسبب: ﴿ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ وذلك عندما منعوكم من أداء العمرة (عام الحُدَيْبِيَة)، فلا يَحمِلَنَّكم بُغضُهم على ﴿ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ عليهم بغير ما أذن الله لكم (وهو قتالهم إن قاتلوكم وترْكهم إن تركوكم)، ﴿ وَتَعَاوَنُوا ﴾ فيما بينكم ﴿ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾: أي على فِعْل الخير وتقوى الله، ﴿ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ ﴾ وهو التجرؤ على المعاصي التي يأثم صاحبها، ﴿ وَالْعُدْوَانِ ﴾: وهو التعدي على الخَلْق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فيجب على العبد كَفّ نفسه عن إعانة غيره على كل معصيةٍ وظُلم، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ﴿ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾: أي عقابه شديد لا يُطاق ولا يُحتمَل.

الآية 3: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ﴾ وهو الحيوان الذي تفارقه الحياة بدون ذبح شرعي، ويُستثنَى من ذلك مَيْتة الجَراد والسمك، فإنهما حلال (كما ثبتَ ذلك في السُنَّة)، ولَعَلَّ الحكمة من تحريم المَيْتة: هو احتقان الدم في جوفها ولحمها، مما يتسبب في إضرار مَن يأكلها، ﴿ وَالدَّمُ ﴾: يعني وحُرِّمَعليكم شُرب الدم، ويُستَثنى من الدم: (الكبد والطحال) فإنّ أكلهما حلال، كما ثبت ذلك في السُنَّة.

﴿ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ ﴾: يعني وكذلك حُرِّمَ عليكم لحم الخنزير، فلا تغتروا بمَن يستحلوه (افتراءً على الله)، بل هو مُحرَّم مِن جُملة الخبائث، ﴿ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ﴾: يعني وكذلك حُرِّمَ عليكم كل ما ذُكِرَ عليه غير اسم الله عندالذبح، ﴿ وَالْمُنْخَنِقَةُ ﴾ وهي التي حُبِس نَفَسُها حتى ماتت (كأن تموت غريقة، أو تُخنَق بحبل، سواء بقصد أو بدون قصد)، ﴿ وَالْمَوْقُوذَةُ ﴾ وهي التي ضُربَتبعصا أو حجر حتى ماتت، أو هُدِمَ عليها شيءٌ، ﴿ وَالْمُتَرَدِّيَةُ ﴾ وهي التي سَقطت من مكان عالٍ أو هَوَت فيبئر فماتت، ﴿ وَالنَّطِيحَةُ ﴾ وهي التي ضَرَبَتْها أخرى بقرنها فماتت، ﴿ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ﴾: يعني وحَرَّم اللهعليكم البهيمة التي أكلها السبع، كالأسد والنمر والذئب، ونحو ذلك، فإنها إذا ماتت - بسبب افتراس السبع لها - ثم أدركتم منها جزءاً لم يأكله السبع، فإن هذا الجزء لا يَحِلّ لكم أكْله.

وأما قوله: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾: يعني واستثنى- سبحانه - من هذه المحرمات: أن تدركوا ذبح البهيمة (قبل موتها بأحد الأسباب المميتة، كالخنق والسقوط وغير ذلك)، فحينئذ يَحِلّ لكم أكْلها، بشرط أن تدركوا ذبْحها والروح مستقرة فيها، بحيث إذا ذُبِحَت: اضطربتْ للذبح، وحَرَّكتْ رِجْلها بقوة، فإن هذا علامة على أنها كانت حية، وأنها ماتت بالذبح، وليس بهذا السبب المميت.

وأما إذا كانت البهيمة تغرق، ولم يتمكن من الوصول إلى رقبتها حتى يذبحها: فعليه أن يسمي الله تعالى، ثم يطعنها - طعنة واحدة - في جسدها بسِكين أو بشيءٍ حاد، بشرط أن تتسبب تلك الطعنة في أن ينزف الدم منها، واعلم أن هذه حالة استثنائية في التذكية (للضرورة)، لأن البهيمة ستموت حَتماً بالغرق، وليس هناك إمكانية من الوصول إلى رقبتها، إذن فالانتفاع بها - عن طريق التذكية - أوْلَى من أن تموت هباءً.

﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ ﴾: يعني وحَرَّم الله عليكم الذبائح التي ذُبِحَت على الأصنام والأحجار المنصوبة (التي تمثل إلهاً أو غير ذلك مما يُعبَد من دون الله تعالى)، ومِثلها ما يُذبَح على قبور الأولياء والصالحين، ﴿ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ﴾: أي: وحَرَّم اللهُ عليكم الاستقسام بالأزلام، ومعنى الاستقسام: طلب معرفة ما يُقسَم لكم ويُقدَّر، والأزلام هي ثلاثة قِداح - أي: ثلاثة آنية - متساوية في الحجم، كانت تستعمَل في الجاهلية، مكتوب على أحدها "افعل" وعلى الثاني "لا تفعل" والثالث لا كتابة فيه، فإذا هَمَّ أحدهم بأمرٍ ما: أدار تلك القداح على جوانبها، ثم اختار أحدها، فإذا خرج المكتوب عليه "افعل": مَضَى في أمره، وإن ظهر المكتوب عليه"لا تفعل": لم يَمضِ، وإن ظهر الثالث (الذي لا شيء عليه): أعاد الاختيار، حتى يخرج أحد القدَحَيْن فيعمل به، فحَرَّم اللهُ ذلك عليهم، وعَوَّضَهم عنه بالاستخارة لربهم في جميع أمورهم.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أي المحرمات المذكورة - إذا ارتُكبت - فإنها ﴿ فِسْقٌ ﴾: يعني خروج عن أمرالله وطاعته إلى طاعة الشيطان.

﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾: يعني الآن انقطع طمع الكفار من أن ترتدوا عن دينكم إلىالشِرك (وذلك بعد أن نصَرْتُكم عليهم، وأظهرتُ دينكم)، واليوم المُشار إليه هو يوم عرفة، إذ أتَمَّ اللهُ دينه، ونصرَ عبده ورسوله، وانخذل أهل الشرك انخذالاً بليغاً، بعد ما كانوا حريصين على رَدّ المؤمنين عن دينهم، فصاروا يخشون المؤمنين، ولهذا قال: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ﴾: أي فلا تخشوا المشركين، واخشوا اللهَ الذي نصركم عليهم، وَرَدَّ كَيدهم في نحورهم، ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾: أي دِين الإسلام بتحقيق النصر وإتمام الشريعة، ﴿ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ بإخراجكم منظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ فالزموه، ولاتفارقوه.

واعلم أن هذه الجملة: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ قد فضحت كل مَن يَدَّعي كذباً أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وأمَرَهُ أن يفعل كذا، فإن لم يفعل فسوف يحدث له كذا، فنقول له: (اتقِ اللهَ ولا تفتري الكذب، فإن الله تعالى قد أخبر أن الدِين قد كَمُل، ولن يُضافَ إليه شيءٌ آخر).

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ ﴾: يعني فمن ألجَأتهالضرورة - وهو في مجاعة شديدة - إلى أكْل شيءٍ من المُحَرّمات المذكورة في الآية، وكانَ ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ﴾: أي غير متعمد لارتكاب إثم، وغيرَ طالبٍ للمُحَرّم - لِلذّةٍ أو غير ذلك، ولا مُتجاوز - في أكلِهِ - ما يَسُدّ حاجته ويرفع اضطراره: فلهتناوله، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.

الآية 4: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾: يعني يسألك أصحابك: ماذا أُحِلَّ لهم أَكْلُه؟ ﴿ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾: يعني الحلال الطيب من الطعام والشراب (وهو كل ما لم يُذكَر تحريمه)، ﴿ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ﴾: يعني وكذلك أُحِلَّ لكمالصيدَ الذي تصطاده لكم الحيوانات (ذوات المخالب والأنياب) التي دَرَّبتموها على الصيد (كالكلاب والفهودوالصقور ونحو ذلك مما يُعَلَّم)، بشرط أن تكونوا قد أرسلتموها للصيد، أما إذا اصطادته بنفسها - دونَ إرسالكم لها - فلا تأكلوها، واعلم أن المُكَلِّب: هو مُعَلِّم الكلاب، ومُدَرِّبها على الصيد، ويُقال للصائد: مُكَلِّب، وعلى هذا فإنَّ قوله تعالى: ﴿ مُكَلِّبِينَ ﴾ يكون بمعنى: صائدين.

﴿ تُعَلِّمُونَهُنَّ ﴾ طلب الصيد ﴿ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ﴾ إذ هو سبحانه الذي سَخَّرها للإنسان ابتداءً، وهو الذي عَلَّمَه ما لم يكن يعلم، ﴿ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ ﴾: يعني فكلوامما أمْسَكْنَ لكم من الصيد فهو حلال طيب، (حتى وإن أتى بالصيد ميتاً بسبب الصراع معه، أما إذا أتى به حياً: فمِن كمال التذكية أن تذبحوه)، ولكنْ بشرط: ﴿ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾: يعني واذكروا اسم الله عند إرسال هذه الحيوانات للصيد، كأن يقول مَثلاً: (بسم الله هاته)، وكذلك إذا صاد الإنسان صيداً بسلاحٍ ما: فعليه أن يذكر اسم الله عليه قبل إطلاق السلاح عليه (حتى وإن مات بسبب أثر السلاح قبل أن يذبحه، فهو حلالٌ طيب)، وأما قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ففيه وعيدٌ لمن لم يتق الله في أكل ما حَرَّمَ أكْله من الميتة وأنواعها، ومِن أكْل صيدٍ صادَه حيوان غير مُدَرَّب من الجوارح، فليتق عقوبة الله في ذلك فـ ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾.

الآية 5: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾: يعني: وَفِي هذا اليوم الذي أكمل الله تعالى لكم فيه الدين: أحَلّ لكم ما سألتم عنه، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ ﴾ (وهو جميع الطيبات من الطعام والشراب)، ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ﴾: يعني وذبائحُ اليهود والنصارى حلالٌ لكم (إن ذبحوها حَسَبَ شرعهم)، وذبائحكم حلالٌ لهم، ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾: يعني وأَحَلَّ لكم نكاح الحرائر العفيفات من المؤمنات، ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾: أي وكذلك أَحَلَّ لكم نكاحَ الحرائر العفيفات من اليهود والنصارى، هذا إذا أمِنتم من التأثر بدينهنّ، وكذلك ﴿ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ ﴾: يعني إذا أعطيتموهُنَّ مُهورهن، وكنتم طالبين بهذا الزواج التعفف عن الحرام، وكنتم ﴿ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾: يعني غير مرتكبين للزنى جَهراً، ﴿ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ﴾: يعني ولا متخذي عشيقات سراً، ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ ﴾: يعني ومن يجحد شرائع الإيمان: ﴿ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ ﴿ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾.

الآية 6: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ﴾: أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وأنتم على غير طهارة: ﴿ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ - والمِرْفَق: هو المِفْصَل الذي بين الذراعوالعَضُد، وهو ما يُطلِق عليه بعض الناس لفظ: (الكُوع)، والصحيح أنَّ اسمه المِرفَق - ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾: يعني وامسحوا رؤوسكم، ﴿ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ﴾: أي واغسلوا أرجلكم مع الكعبين (والكعبان: هم العظمانالبارزان عند مُلتقى الساق بكف القدم)، ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾: يعني وإن أصابتكم جنابة: فتطهروا منهابالاغتسال قبل الصلاة، ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ ﴾: يعني أو قضىأحدكم حاجته، ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾: يعني أو جامَعتم زوجاتكم ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ﴾ للوضوء أو للغُسل: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾: أي فاضربوا بأيديكم وَجْهَ الأرض الطاهرة ﴿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ﴾ وذلك بأن يَنوي العبدُ التيَمُمَ بقلبه ويُسمِّي، ثم يَضرب الترابَبيدَيْه ضربة واحدة فقط ثم يَنفخ في يدَيْه، ثم يَمسَح بِهما وجهَهُ وكفَّيه فقط، وهذه الصفة سواء كان التيَمُم نيابةً عن الوضوء، أو كان نيابةً عن الغُسل.

﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ﴾: يعني ما يريد الله في أمر الطهارة أن يُضَيِّق عليكم،﴿ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ﴾: يعني بل أباح التيمم توْسِعَةً عليكم، ورحمة بكم، إذ جَعَله بديلاً للماء في الطهارة،﴿ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾: يعني فكانت رخصة التيمُّم من تمام النعم التي تقتضي شُكْر المُنعِم بطاعته فيما أمروفيما نهى.

واعلم أنه يَجُوز التيَمُم أيضاً لمَن بهِ جُرْح أو مرض (مثل مرض الجُدَري) وَوَجَدَ مَشقَّة من الوضوء (أو الغُسل) بالماء (وذلك بزيادة المرض، أو تأخُّر الشِّفاء)، (وكذلك إذا كان الماء شديدَ البُرودة وعَجَزَ عن تسخينِه،وغلبَ على ظَنِه حُصُول ضَرَر باستعماله وهو بارد)، (وكذلك مَن كانالماء قريبًا منه إلاَّ أنه يَخاف ضَيَاعَ متاعه، أو فوْتَ رفقتِه، أو حالَ بينهوبَيْن الماء عَدُوٌّ ظالِم، أو نار، أو أيُّ خوف كان في القَصْد إليهمَشَقَّة، فهذا يتيمم أيضاً لأنه يَصعُب عليه الوصول إلى الماء)، (وكذلك لو كان الماء بِمَجْمَع الفُسَّاق وتخافُ المرأةُ على نفسها منهم)، (وكذلك مَن كان مريضًا لا يقدر على الحركة ولا يجد مَن يُناولُهُ الماء)، فكل هؤلاء يَجُوز لهم التيَمُم.

واعلم أنه يَنقُض التيَمُمَ جميعُ نواقض الوضوء، ويُزَاد عليها وجود الماء لمَن فقدَهُ، أو قدَرَ على استعماله لمَن عَجَزَ عنه.

الآية 7: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ من التيسير فيما شَرَعه لكم، ﴿ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ ﴾: يعني واذكروا عهده الذي أخذه سبحانه عليكم، والمراد به هنا: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، إذ بها وجب الالتزام بسائر التكاليف الشرعية، وأما قوله: ﴿ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ فقد قالها الصحابة - بلسان الحال - عندما بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، وقد قالها كل مسلم - بلسان الحال أيضاً - لمَّا شَهِدَ للهِ بالوحدانية ولنبيه بالرسالة، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾.

الآية 8: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ ﴾: يعني قوموا بحق الله تعالى (مُخلِصين له، طالبينَ ثوابَه)، ﴿ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾: يعني وكونوا شُهداء بالعدل، ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ ﴾: يعني ولا يَحمِلَنَّكم بُغْضُ قوم ﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾ بينهم في الحُكم، بل ﴿ اعْدِلُوا ﴾ بين الأعداء والأحباب على درجةٍ سواء، فذلك العدل ﴿ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾: يعني أقرب لخشيةالله، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾.

الآية 11: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ مِن الأمنِ، وإلقاءِ الرعب في قلوب أعدائكم، واذكروا ﴿ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ﴾: أي أرادوا أن يبطشوابكم، فصرفهم الله عنكم، وحال بينهم وبين ما أرادوه بكم.

ولَمَّا أمرهم تعالى بذِكر النعمة: أمرهم بالخوف من المُنعِم أن يُبدل نعمته بنِقمةٍ إن عَصَوه، فقال: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ واحذروا أن تخالفوا أمْرَهُ فيُسلط عليكم أعداءكم، وغير ذلك من أنواع عقوباته، ثم أمرهم سبحانه بما يستعينون به على عدوهم، وعلى جميع أمورهم، فقال: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾: أي فتوكلوا - أيها المؤمنون - عليه وحده في أموركم الدينية والدنيوية، وثِقوا بعَونه ونَصره.
تفسير الربع الثاني من سورة المائدة بأسلوب بسيط


الآية 12: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾: أي أخذ عليهم العهد المؤكَّد بأن يُخلِصوا العبادة له وحده، ﴿ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾: يعني وأمَرَ اللهُ موسى عليه السلام أن يجعل عليهم اثنَي عشر عريفاً (رئيساً) بعدد فروعهم (حيث كان بنو إسرائيل اثني عشر قبيلة)، وذلك ليأخذوا عليهمالعهد بالسمع والطاعة (لله ولرسوله ولكتابه)، ويَحُثوهم على القيام بما أُمِرُوا به، (واعلم أن النقيب هو مَن يُنَقِب عن أمور القوم ومصالحهم ليرعاها لهم، فيبحث عن شؤونهم ويتولى أمورهم)، ﴿ وَقَالَ اللَّهُ ﴾ لبني إسرائيل: ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ بحفظي ونصري وإعانتي ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي ﴾: أي وصدَّقتمرسلي فيما أخبروكم به، ﴿ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾: يعني ونصرتم هؤلاء الرسل، ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾: يعني وأنفقتم في سبيلي، طالبينَ ثوابي: ﴿ لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ ﴿ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ العهد ﴿ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾: يعني فقد خرج عن طريق الحق إلى طريق الضلال.

الآية 13: ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ﴾: يعني فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم المؤكَّدة: طردناهم من رحمتنا، ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ﴾: أي غليظة، فلا يَنْفُذ إليها خير، ولا تَلينُ أمام المعجزات الباهرات، بل جَعَلتهم يتجرأون على حدود الله تعالى، فكانوا ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾: يعني يبدلون كلام الله (الذي أنزله على موسى، وهو التوراة)، ويفسرونه على غير وجهه الصحيح، وذلك بما يتناسب مع أهوائهم ومقاصدهم السيئة،فإن عجَزوا عن التحريف: تركوا ما لا يتفق معأهوائهم، فلم يُظهروه للناس، ﴿ وَنَسُوا حَظًّا ﴾: يعني وتركوا نصيبًا ﴿ مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ فلم يعملوا به، ﴿ وَلَا تَزَالُ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ﴾: يعني تجدمن اليهود خيانةً وغَدرًا، فهُم على مِنهاج أسلافهم ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾: يعني فاعفُ عنسوء معاملتهم لك، ﴿ وَاصْفَحْ ﴾ عنهم، فلا تتعرض لهم بمكروه، وبذلك تكون قد أحسنتَ إليهم ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ الذين يُحسِنون إلى مَنأساء إليهم (بالعفو والصفح عنهم).

الآية 14: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ ﴾: يعني وكذلك الذين ادَّعَوا أنهم أتباع المسيح عيسى - وهم ليسوا كذلك - أخذنا عليهم العهد المؤكدالذي أخذناه على بني إسرائيل: بأن يَتبعوا رسولهم وينصروه،﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ فلم يعملوا به، وبدَّلوا دينهم كما صنع اليهود،﴿ فَأَغْرَيْنَا ﴾: يعني فألقينا ﴿ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾، فجعلناهم يُعادي بعضهم بعضًا ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾، ﴿ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ يوم القيامة، وسيعاقبهم على صَنيعهم.

الآية 15: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ عن الناس مما في التوراة والإنجيل،﴿ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾: يعني وهناك أشياء - مما كنتم تخفونها من الكتاب - لا يَذكر عنها شيئاً، ولا يلومكم على إخفاءها، لأن الحكمة تتطلب ألاَّ يفعل ذلك، (﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ﴾ وهوالقرآن الكريم.

واعلم أن حرف الواو الذي بين كلمة: (نُورٌ)، وبين كلمة: (كِتَابٌ مُبِينٌ): تسمى (عطف بيان)، يعني عطف توضيح، لتبين أن هذا النور هو الكتاب المبين الواضح، وليس معناها أن (النور)، شيئٌ، و (الْكِتَابِ المبين) شيئٌ آخر، فكأنّ المعنى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ، وهو هذا الكتاب المبين).

الآية 16: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ ﴾: يعني يهدي الله بهذا القرآن مَن اتَّبَع رضا الله (ففعل ما يُرضيه، واجتنبَ ما يُغضِبه)، ليوصلهم إلى طريق السلامة والسعادة ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ ﴾: أي بإذن ربهم، ﴿ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾: يعني ويوفقهم إلى الثبات على دِينه القويم الذي لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام.

الآية 17: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ ﴾ النصارى ﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ﴾ ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول- : ﴿ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾: يعني: لو كان المسيح إلهًا كما تدَّعون، لقَدرَ أن يدفعقضاء الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أُمِّه ومَن في الأرض جميعًا، وقد ماتت أمعيسى فلم يَدفع عنها الموت، فكذلك لا يستطيع أن يدفعه عن نفسه، فهذا دليلٌ على أنه بشر كسائر بنيآدم، ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾: أي: وجميع الموجودات في السماوات والأرض ملكٌ لله تعالى وحده ﴿ يخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.

الآية 18: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ ﴾؟ أي: فلِمَ عَذّب أسلافكم بذنوبهم، فمَسَخهم قِردةً وخنازير وغير ذلك مما هو ثابتٌ في كتبكم وفي تاريخكم؟ فلو كنتم أحبابه ما عَذبكم، فأحبابُ الله تعالى حقاً هم أهل طاعته، وقل لهم أيضاً: ﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾: يعني بل أنتم خلقٌ مثلُ سائر بني آدم، تجري عليكم أحكام العدل والفضل، فنِسبتكم إليه تعالى نسبة مخلوق إلى خالق، وعبدٌ إلى مالك، فمَن آمَنَ منكم وعمل صالحا:ً غفرَ له وأكرمه، ومَن كفر منكم وعمل سُوءا:ً عَذبه وأهانه، كما هي سُنَّته في سائر عباده، إذ هو سبحانه ﴿ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ من عباده إذا أتوا بأسباب المغفرة، ﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من عباده إذا أتوا بأسباب العذاب، ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾، فأيُّ شيءٍ خَصَّكم بهذه الفضيلة، وأنتم مِن جُملة مملوكات الله تعالى الذين يرجعون إليه في الدار الآخرة، فيجازيهم بأعمالهم؟

الآية 19: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يُبَيِّنُ لَكُمْ ﴾ الحق والهدى ﴿ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ﴾: يعني بعد مُدَّة من الزمن بين إرساله وإرسال عيسى ابن مريم؛ ﴿ أَنْ تَقُولُوا ﴾: يعني لِئَلاَّتقولوا: ﴿ مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ﴾ فإنه لا عُذرَ لكم بعد إرساله إليكم، ﴿ فَقَدْ جَاءَكُمْ ﴾ من الله ﴿ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فهو سبحانه قديرٌ على عقاب العاصي، وعلى إثابة المطيع، وعلى مغفرة ذنوب التائب، قال تعالى في الحديث القدسي: (مَن عَلِمَ أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب: غفرتُ له ولا أبالي، ما لم يُشرك بي شيئاً) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 4330).

ولذلك ينبغي للعبد المؤمن كلما تذكر هذه الجملة: (والله على كل شيءٍ قدير)، أن يتذكر أنه سبحانه قادرٌ أن يغفر له يوم يقرره بذنوبه، وقادرٌ أن يثبته في القبر عند سؤال الملكين، فيتقلب قلبه حينئذٍ بين الخوف من ذنوبه، وبين الرجِاء في قدرة الله تعالى على المغفرة.

الآية 20: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ﴾ ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا ﴾ تَملِكون أمركم بعد أنكنتم مملوكين لفرعون وقومه، ﴿ وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾: يعني وقد منحكم مِن نِعمه صُنوفًا لم يَمنحها أحدًا منعالَمي زمانكم، مِثل المَنّ والسلوى وغير ذلك.

الآية 21: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ ﴾: أي الأرض المُطهَّرة، (وهي "بيت المَقدس" وما حولها)، فهذه الأرض هي ﴿ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾: أي التيفرض الله عليكم أن تدخلوها وتقاتلوا مَن فيها من الكفار، ﴿ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾: يعني ولا ترجعوا عن قتالهم، فتخسروا خَيرَي الدنيا الآخرة.

الآية 22: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ ﴾: أي أشداء أقوياء، لا طاقة لنا بحربهم، ﴿ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ﴾: يعني وإنَّا لننستطيع دخولها وهم فيها، ﴿ فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ﴾.

الآية 23: ﴿ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ ﴾: يعني يخشون الله تعالى، وقد ﴿ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ﴾ بطاعته وطاعة نبيِّه، فقالالبني إسرائيل: ﴿ ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ ﴾: أي ادخلوا على هؤلاء الجبارين باب مدينتهم، أخْذًا بالأسباب، (﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ﴾ ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

الآية 24: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ ولن نقاتلهم، وهذا إصرارٌ منهم علىمخالفة موسى عليه السلام.

الآية 25: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ﴾: يعني لا أقدر إلا على نفسي وأخي، ﴿ فَافْرُقْ ﴾: أي فاحكم ﴿ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾.

الآية 26: (﴿ قَالَ ﴾) الله لنبيه موسى عليه السلام: ﴿ فَإِنَّهَا ﴾ أي الأرض المقدَّسة ﴿ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾ ﴿ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ حائرين ﴿ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾: أي فلا تأسف يا موسى علىالقوم الخارجين عن طاعتي.


امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 04-27-2026, 06:24 AM   #18
مشرفة قسم القرآن


الصورة الرمزية امانى يسرى محمد
 
الملف الشخصي:






 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 118

امانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of lightامانى يسرى محمد is a glorious beacon of light

افتراضي

      

  • تفسير الربع الثالث من سورة المائدة بأسلوب بسيط


    الآية 27، والآية 28، والآية 29: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ : أي واقصص - أيها الرسول - على اليهود الذين هَمُّوا بقتلِك وقتل أصحابك خَبَر ابنَيْ آدم (قابيل وهابيل)، وهوخبرٌ حقٌ، ليعلموا بذلك عاقبة جريمة القتل الذي هَمُّوا به، ولإظهار موقفك الشريف منهم حيث عفوتَ عنهم، فلم تقتلهم بعد أن تمَكَّنتَ منهم، وكنتَ معهم كخير ابنَي آدم (وهو هابيل المقتول ظلماً) ﴿ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا ﴾ وهو ما يُتَقرَّب به إلى اللهتعالى، ﴿ فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا : أي فتقبَّل الله قُربان هابيل؛ لأنه كان تقيًّا، ﴿ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ ﴾: يعني ولم يتقبَّل قُربانقابيل؛ لأنه لم يكن تقيًّا، فحسد قابيلُ أخاه، و ﴿ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ﴾، فـ ﴿ قَالَ ﴾ هابيل: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾، ثم قال هابيلُ واعظًا أخاه: ﴿ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴾، وإن رَضِيتَ قتلي فـ ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ: يعني أريد أن ترجع إلى الله يوم القيامة حاملاً إثم قتلك لي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك، ﴿ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴾.

    الآية 30، والآية 31: ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ﴾: يعني فَزَيَّنت لقابيلَ نفسُه أن يقتل أخاه، وشَجَّعَته على ذلك ﴿ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ الذين باعواآخرتهم بدنياهم، فلما قتل قابيلُ أخاه لم يَعرف ماذا يصنع بجسده ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ﴾: أي يَحفر حفرةً فيالأرض ليَدفن فيها غرابًا مَيِّتًا؛ وذلك ﴿ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ ﴾: يعني لِيَدُلّ قابيل كيف يَدفن جُثمان أخيه؟ فـ ﴿ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي ﴾: أي بَدَن أخي، لأنّ بدن الميت عورة، ﴿ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ على حَمْله على عاتقه طوال هذه المُدَّة وعدم دفنِه.

    واعلم أن بعض الناس يتشاءمون إذا سمعوا صوت الغراب أو صوت البُومة أو غير ذلك، فهذا لا أصلَ له في الإسلام، بل هو مَنهيٌ عنه، لقول النبي صلى الله عليهوسلم: (الطِّيَرَةُ شِرْكٌ - (والمقصود بالطيرة: التشاؤم) -، وَمَا مِنَّا إِلاَّ - (يعني وما منا مِن أحد إلا وقد يقع في قلبه شيءٌ منالتشاؤم) - ولكنّ الله يُذهِبُهُ بالتوكل) (انظر السلسلة الصحيحة 1/ 791).

    والمعنى: أن الله تعالىيُذهِبذلك من القلببالتوكلعليه وتفويض الأمر إليه، والتعلق بمُسبب الأسباب وحده (الذي بيده ملكوت كل شيءٍ، والذي خلق كل شيءٍ بقدر).

    الآية 32: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ﴾: أي من أجل قبح جريمة القتل وما يترتب عليها مِن مفاسد عظيمة:﴿ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾: أي شَرَعنا لبني إسرائيل، لكثرة ما شاعَ بينهم من القتل (فقد قتلوا الأنبياء والدُعاة)، فأوحينا إليهم ﴿ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾: يعني بغير سبب (مِنقِصاص أو حَدّ)، ﴿ أَوْ قتلها بغير ﴿ فَسَادٍ ﴾ قامت به ﴿ فِي الْأَرْضِ كَسَلب الأموال وقتل الأبرياء، فإذا قتلها ﴿ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾: يعني يُعَذَّب عذاب مَن قتل الناس جميعاً، لأنه بتجرئه على قتل النفس التي لم تستحق القتل: عُلِمَ أنه لا فرْقَ عنده بين هذا المقتول وبين غيره، وإنما ذلك بحسب ما تدعوه إليه نفسه الأمارة بالسوء، ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا ﴾: يعني ومَن امتنع عن قَتْل نفسٍ حرَّمها الله - مع قدرته على قتلها، ومع تزيين نفسه له بذلك - وإنما مَنَعَه خوفه من الله تعالى: ﴿ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ لأن الحفاظعلى حُرمة إنسان واحد يعادل الحفاظ على حُرمات الناس كلهم، ولأنَّ ما معه من الخوف يمنعه مِن قتل مَن لا يستحق القتل.

    ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾: أي ولقد جاءت رسلُنا إلى بني إسرائيل بالحُجج والدلائل التي لا يَبقى بعدها حُجة لأحدٍ على ارتكاب ما حَرَّمه الله، ﴿ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ﴾ أي بعد مجيء الرسل إليهم: ﴿ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾: يعني متجاوزون لحدود الله (بارتكابمَحارمه، وترْك أوامره)، ساعينَ في الأرض فساداً.

    الآية 33: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾: يعني يبارزون الله تعالى بالعداوة، ويعتدون على أحكامه، وعلىأحكام رسوله، ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ﴾ بقتل الأنفس، وسلب الأموال، وغير ذلك: ﴿ أَنْ يُقَتَّلُوا ﴾ ويكون تنفيذ هذا الحد من خلال ولي الأمر (حاكم البلد)، ﴿ أَوْ يُصَلَّبُوا ﴾ (والصَلب: أن يُشَدَّ الجاني على خشبة، ثم يقتل)، ﴿ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ ﴾ وذلك بأن تُقْطَع يدُهاليمنى ورجله اليسرى، فإن لم يَتُبْ تُقطعْ يدُه اليسرى ورجلُهاليمنى، ﴿ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ﴾: يعني أو يُنفَوا إلى بلدٍ غير بلدهم، ويُحبَسوا في سجن ذلك البلد حتى تَظهرتوبتُهم، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الجزاء الذي أعدَّه الله للمحاربين لله ورسوله إنما يكونُ ﴿ لَهُمْ خِزْيٌ ﴾: أي ذلّ ﴿ فِي الدُّنْيَا ﴾ ﴿ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ إن لم يتوبوا.

    الآية 34: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾: يعني: لكنْ مَن أتى مِن المحاربين لله ورسوله طائعًا نادمًا ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ﴾ فإنهيسقط عنه ما فعله في حق الله (أي يسقط عنه ذلك الحد في الدنيا، فلا تقيموه عليه)، ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لعباده التائبين ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بهم.

    الآية 35: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ﴿ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾: أي وتَقَرَّبواإليه بطاعته والعمل بما يُرضيه، ﴿ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾: يعني لكي تفوزوا بجناته.

    الآية 38:﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا - يا وُلاة الأمر - ﴿ أَيْدِيَهُمَا ﴾ بما يَقتضيه الشرع، وذلك ﴿ جَزَاءً بِمَا كَسَبَا ﴾: أي جزاءً لهماعلى أَخْذهما أموال الناس بغير حق، و ﴿ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ﴾: أي وعقوبةً يَمنع اللهُ بها غيرهما أن يصنع مثلصنيعهما، ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾.

    الآية 39: ﴿ فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ ﴾: يعني فمَن تاب مِن بعد سرقته، ﴿ وَأَصْلَحَ ﴾ في كل أعماله، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ﴾: أي يقبل توبته ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾.

    فإذا كانت التوبة نصوحاً مستوفية لشروطها: (الإقلاع عن المعصية، والندم على مافات، وأن يَصدق في العزم - والإصرار - على عدم العودة إلى المعصية، وأن يَرد الحقوق لأصحابها، أو يطلب مسامحتهم ويدعو لهم، أو يتصدق بِنِيَّة أن يصل الثواب إليهم، هذا إذا لم يستطع هو الوصول إليهم)، فإن الله يقبلها، ويمحو بها الذنب.

    ولكنَّ الشأنَ كله في تحقيق التوبة النصوح، والإتيان بها على وجهها، فهذا هو الذي ينبغي أن يُقلِقَ العبدويجعله خائفاً مِن أن يُحبَطَ عمله وألاَّ تُقبَلَ توبته فيَهلك، ولهذا كان اتهام التوبة والخوف من عدم قبولها من علامات التوبةالنصوح، فالتائب الصادق لا يزال خائفاً وَجِلاً، قال ابن القيم رحمه الله (ما مُختصَرُه):
    (وأمااتهام التوبةفلأنها حقٌ عليه، لا يتيقن أنه أدَّى هذا الحق على الوجه المطلوب منه، الذي ينبغي له أن يؤديه عليه، فيخاف أنه ما وفاها حقها، وأنها لم تُقبَل منه، وأنه لم يَبذل جهده في صحتها، وأنها لم تكن خوفاً من الله تعالى، وإنما كانت لسببٍ آخر.

    ومِن اتهام التوبة أيضا: ضعف العزيمة، والتفات القلب إلى الذنب، وتذكره مِن حينٍ إلى آخر، ومنها: طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب، حتى كأنه قد أُعطِيَ منشوراً بالأمان، ومنها: جمود العين، واستمرار الغفلة، وألاَّ يَستحدث بعد التوبة أعمالاً صالحة لم تكن له قبلالخطيئة.

    فالتوبة المقبولة الصحيحة لها علامات،منها: أن يكون العبد بعد التوبة خيراً مما كان قبلها،ومنها: تقطُّع قلبه ندماً وخوفاً، فلا يزال الندم والخوف مصاحباً له لا يأمن مكر الله طرفة عين، حتى يسمع قول الرسل لقبض روحه:﴿ ألاَّ تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون(فهناك يزول الخوف).

    ومن مُوجبات التوبة الصحيحة أيضا: كَسرة خاصة تحصل للقلب، تُلقِيهِ بين يدي ربه طريحاً ذليلاً خاشعاً، كحال عبدٍ هارب مِن سيده، فأُخِذَ فأُحضِرَ بين يديه، ولم يجد مَن يُنجيه مِن سَطوَتِه، ولم يجد منه مَفراً ولا عنه غِناء، وعَلِمَ أنّ حياته وسعادته وفلاحه ونجاحه في رضاه عنه، وقد عَلِمَ بإحاطة سيده بتفاصيل جناياته، هذا مع حبهلسيده، وشدة حاجته إليه، وعِلمه بضعفِهِ وعَجْزه وقوة سيده، وذُلِّه وَعِزّ سيده،فيجتمع من هذه الأحوال ذلٌ وخضوع، ما أنفعه للعبد، وما أقربه به من سيده!

    فوالله ما أحلى قوله في هذه الحالة: أسألك بعزك وذلي إلاَّ رحمتني، أسألك بقوتك وضعفي، وبغناك عني وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير، وليس لي سيد سواك، لا مَلجأ ولا مَنجَى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال مَن خضعتْلك رقبته، ورَغِمَ لك أنفه، وفاضت لك عيناه، وذَلَّ لك قلبه).

    تفسير الربع الرابع من سورة المائدة بأسلوب بسيط




    الآية 41: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾: أي يسارعون في جحود نُبُوَّتك ﴿ مِنَ ﴾ المنافقين ﴿ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فإني ناصرُكَ عليهم، ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾: يعني ولا يَحزُنك أيضاً تسرُّعاليهود إلى إنكار نبوتك، فإنهم قومٌ ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ﴾: أي يستمعون للكذب، ويَقبلون ما يَفترِيهأحبارُهم، ﴿ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ﴾: يعني ويَقبلون كلام قومٍ آخرين لا يحضرون مجلسك، وهؤلاء الآخرون ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾: أي يُبَدِّلونكلام الله مِن بعد ما عَقَلوه، و ﴿ يَقُولُونَ ﴾ لليهود الذين يحضرون مجلسك: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ﴾: يعني إن جاءكم مِن محمد ما يوافق الذيبدَّلناه وحرَّفناه من أحكام التوراة فاعملوا به، ﴿ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ﴾: يعني وإن جاءكم منه ما يُخالفهفاحذروا أن تقبلوه أو تعملوا به، ﴿ وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ﴾: يعني ومَن يَشأ اللهُ ضلالته فلن تستطيع دَفْعَ ذلك عنه، ولن تقدر على هدايته، ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أي المنافقون واليهود هم ﴿ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ﴾ من دَنَس الكفر، ﴿ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ﴾: أي ذلُّ وفضيحة، ﴿ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾.

    الآية 42: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾: يعني: وهؤلاء اليهود يجمعون بين الاستماع إلى الكذب وقبوله وبين أكل الحرام، ﴿ فَإِنْ جَاءُوكَ ﴾ يتحاكمون إليك ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾: يعني فاقضِ بينهم، أو اتركهم، ﴿ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ ﴾ يقدروا على أن ﴿ يَضُرُّوكَ شَيْئًا ﴾ ﴿ وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾: أي بالعدل ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾.

    الآية 43: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ ﴾: يعني: إنَّ صنيع هؤلاء اليهود عجيب، فهم يَحتكمون إليك - أيها الرسول - وهم لا يؤمنونبك، ولا بكتابك، مع أن التوراة التي يؤمنون بها ﴿ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ﴾ ﴿ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾: أي ثميتولَّون مِن بعد حُكمك إذا لم يُرضهم، فجمعوا بذلك بين الكفر بشرعهم، وبين الإعراض عنحُكمك، ﴿ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾.

    الآية 44: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾: يعني فيها إرشاد من الضلالة، ونورٌ مُبَيِّن لأحكام الحلال والحرام، مُخرِجٌ من ظلمات الجهل، ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا ﴾ يعني: وإنَّ النبيُّين - الذين انقادوا لحكم الله تعالى - قد حكموا بالتوراة ﴿ لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾: أي قد حكموا بها بين اليهود، ولم يَخرجوا عنحُكمها ولم يُحَرِّفوها، ﴿ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ ﴾: يعني وكذلك قد حكم بها عُبَّاد اليهود وعلماؤهم (الذين يُرَبُّونالناس بشرع الله)، وذلك ﴿ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﴾: أي بما استأمنهم أنبياؤهم على تبليغ التوراة، والعمل بها، ﴿ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ﴾: يعني وكان الربانيون والأحبار شهداء على أن أنبياءهم قد حكموابين اليهود بكتاب الله.

    ثم يقول تعالى لعلماء اليهود: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ ﴾ في تنفيذ حُكمي; فإنهم لا يقدرون على نفعكم ولا ضَرِّكم، ﴿ وَاخْشَوْنِ ﴾ وحدي، فإني أناالذي أملك النفع والضر، ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾: يعني ولا تأخذوا عِوَضًا حقيرًا مِن الدنيا مقابل ترْك الحُكم بما أنزلتُ، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾: واعلم أنَّ العلماء قد اختلفوا بشأن هذه الجملة: هل هي في المسلمين، أو في اليهود (اتفاقاً مع سِياق الآية)؟، وقد ثبت عنابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في هذه الآية: (ليس الكُفر الذي تذهبون إليه) أي إنّ المراد بالكفر فيها: (كُفر دونَ كُفر)، يعني ليس الكُفر المُخرج من المِلَّة، وقالالقرطبيفي تفسيره: (فأماالمسلم فلا يُكَفَّر وإن ارتكب كبيرة)، هذا مع الأخذ في الاعتبار دائماً أنَّ العُذر بالجهل قاعدة شرعية أصُولِيَّة، وأنه مِن صُلب هذا الدِين.

    الآية 45: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا ﴾: يعني وفَرَضنا عليهم في التوراة: العدل والمساواة في القِصاص، فشرعنا لهم ﴿ أَنَّ النَّفْسَ ﴾ تُقْتَل ﴿ بِالنَّفْسِ ﴾، (﴿ وَالْعَيْنَ ﴾) تُفْقَأ (﴿ بِالْعَيْنِ ﴾)، (﴿ وَالْأَنْفَ ﴾) يُقطَع (﴿ بِالْأَنْفِ ﴾)، (﴿ وَالْأُذُنَ ﴾) تُقْطع (﴿ بِالْأُذُنِ ﴾)، (﴿ وَالسِّنَّ ﴾) تُقْلَعُ (﴿ بِالسِّنِّ ﴾)، بمعنى أنه إذا قلع شخصٌ إحدى الأسنان لشخصٍ آخر (أو كَسَرها)، فإنّه يقتص منه بقلْع سِنِّهِ (أو كَسْرها)، (﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾: يعني وشرعنا لهم أنَّه يُقْتَصُّ في الجِراحات أيضاً بالعدل والمساواة، ﴿ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ ﴾: أي فمن تجاوز عن حقه في الاقتصاص من المُعتدي ﴿ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ ﴾: يعني فإنّ ذلك العفو يكونُ تكفيراً لبعض ذنوبه وإزالةً لها، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ فيالقصاص وغيره ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾.

    الآية 46، والآية 47: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ ﴾: يعني وأتْبَعنا أنبياء بني إسرائيل ﴿ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾، فكانَ عليه السلام ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ﴾: أي مؤمنًا بالتوراة، فلم يُنكرها ولم يَتجاهلها، ﴿ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ﴾: يعني وأنزلنا إليه الإنجيل هادياً إلى الحق، ونوراً مُبَيِِّّنًالِما جَهِلَهُ الناس مِن حُكم الله تعالى، ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ﴾: أي وكان الإنجيل شاهدًا على صِدق التوراة، مُقَرِّراً لأحكامها (إلا ما نسخه اللهُ منها بالإنجيل)، ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾: يعني وقد جعلناه بيانًا للذين يخافون الله، ورادعاً لهم عن ارتكابالمحرَّمات، فإن أهل التقوى هم الذين ينتفعون بهذا الهدى.

    واعلم أن هذه الهداية التي ذكرها تعالى في قوله: ﴿ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾: هي هداية خاصة للمتقين، غير الهداية التي ذُكِرَتْ في قوله تعالى: ﴿ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ﴾ فهذه هداية عامة لجميع الناس، ثم أخبر تعالى أنه أمرهم وقتها بالحكم بالإنجيل، فقال: ﴿ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ ﴾ الذين أُرسِل إليهم عيسى - قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم - ﴿ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴾: أي بما أنزل الله في الإنجيل من الأحكام، وأخبرهم أنَّه ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾.

    الآية 48: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾: أي وأنزلنا إليك القرآن، وكل ما فيه حق، وجعلناه ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ﴾: أي يَشهد على صِدق الكتب التي قبله،وأنها من عند الله، مُصدقًا لما فيها مِن صِحَّة، ومبيِّنًا لِما فيها من تحريف،﴿ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾: أي وناسخًا لبعض شرائع هذه الكتب، ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ أي بين المحتكمين إليك من اليهود ﴿ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه ﴾ إليكفي هذا القرآن، ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ﴾: يعني ولا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهوائهم وآرائهم، ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً ﴾: يعني: فقد جعلنا لكل أمة منكم شريعة، ﴿ وَمِنْهَاجًا ﴾: أي وجعلنا لكم طريقًا واضحًا مستنيرًا ناسخًا لما قبله، وهو الإسلام، وقد جعلنا شريعتك ناسخة لجميعالشرائع.

    ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾: أي لجعلكم جماعة متفقة - على دين واحد - يَؤم بعضها بعضًا، ولَجعل شرائعكم واحدة، ولم يجعل شيئًا من الكتب ناسخًا لشيءٍ من الشرائع،﴿ وَلَكِنْ ﴾ لم يَشأ ذلك، بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة، وذلك ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ ﴾: يعني ليختبركم ويَنظر كيف تعملونَ عند ظهور هذه الشريعة الناسخة: هل ستتبعونها وتنقادون إليها بمجرد قيام البراهين على صِدقها، ونهوض الأدلة البَيِّنة على صِحَّةنَسْخها لشرائعكم، وترجعون عن شريعتكمبعد أن أحببتموها واعتدتم عليها؟، أم سَتَمِيلون إلى شريعتكم، فتؤثرون الركون إليها والعكوف عليها لمجرد اتباع الهوى، وتزيغون عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، تكَبُّراً عن الانقياد لها (كما فعل أول المتكبرين إبليس)؟

    ولَمََّا كانَ في هذا الاختبار أعظم تهديد، قال لهم: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾: أي بادروا إلى هذه الشريعة الناسخة بغاية جهدكم، وسارعوا إلى ما هو خيرٌ لكم في الدارين (وذلك بالعمل بما في القرآن العظيم)، فـ ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ وسيَجزي كُلاًّ بعمله.

    الآية 49: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾: واعلم أنَّ قوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ ﴾ معطوف على قوله تعالى - في الآية التي قبلها -: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾، فكأنّ المعنى: (﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾، فلْتَحكمْ بينهم به)، أو: ﴿ (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾، وللحُكم به).

    ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾: أي ولا تتبعأهواء الذين يَحتكمون إليك من اليهود، (وقد كَرَّرَ تعالى النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير من ذلك)، ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾: يعني واحذرهم أن يُضِلوك عن بعض ما أنزل الله إليكفتترك العمل به، ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾: يعني فإن أعرض هؤلاء عن قبول ما تَحكم به: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾: أي فاعلم أن الله يريد أن يَصرفهمعن الهدى بسبب ذنوبٍ اكتسبوها مِن قبل، ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾: أي: عُصاة خارجون عن طاعةربهم ورسله، (فهَوَّن اللهُ على رسوله بهذه الجملة ما قد يجده من ألم تمرد اليهود والمنافقين، وإعراضهم عن الحق الذي جاءهم به ودعاهم إليه).
امانى يسرى محمد متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
القرآن, بأسلوب, بسيط؟, سلسلة, نفهم, كيف
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
كلمات في القرآن الكريم نفهم معناها خطأ.. امانى يسرى محمد ملتقى اللغة العربية 3 03-12-2026 01:57 AM
ملخص لأهم أحكام المواريث بأسلوب بسيط جدًّا امانى يسرى محمد ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية 0 12-21-2025 12:00 AM
(( 12 حلقة صوتية Mp3 )) سلسلة كيف تتعلم أحكام التجويد ببساطة أبوالنور قسم أحكام التجويد 19 09-11-2023 11:28 AM
سلسلة واسطوانة كيف تتلذذ بالصلاة مشارى الخراز ابدأ بنفسك ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية 4 06-30-2018 04:44 AM
شرح العقيدة الواسطية بأسلوب سهل و جميل Abujebreel ملتقى الصوتيات والمرئيات والفلاشات الدعوية 5 08-07-2016 05:19 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009