![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#169 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 76الى صــ90 الحلقة (167) عن الأجر منكما«(١). باب الرَّجز (٢) في الحرب (٣) عن البراء -رضي الله عنه- قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم الخندق وهو ينقل الترابُ؛ حتى وارى التراب شعْرَ صدْرِه وكان رجلا كثير الشعر، وهو يرتجز برجز عبد الله: اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلَّينا فأنزِلَنْ سكينةً علينا ... وَثَبّتِ الأقدام إنْ لاقينا إنَّ الأعداء قد بغَوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا يرفع بها صوته» (٤). مَن أَحبَّ الخروج للغزو يومَ الخميس (٥) عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بنَ مالك -رضي الله عنه- كان ----------------------- (١) أخرجه أحمد، وابن حبان «التعليقات الحِسان» (٤٧١٣) وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٢٢٥٧)، و«فقه السيرة» (ص ٢٥٥). (٢) قال الحافظ -رحمه الله-: «الرَّجَز بفتح الراء والجيم والزاي مِن بحور الشعر على الصحيح، وجَرَت عادة العرب باستعماله في الحرب ليزيد في النشاط ويبعث الِهمَم، وفيه جوازُ تمثَّل النبي - ﷺ - بشِعر غيرِه». (٣) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد) (باب ١٦١). (٤) أخرجه البخاري: ٣٠٣٤، ومسلم: ١٨٠٣. (٥) انظر «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد) (باب-١٠٣). يقول: «لقلّما كان رسول الله - ﷺ - يخرُج إذا خَرَج في سفر؛ إلاّ في يوم الخميس» (١). وعن كعب -رضي الله عنه- «أنّ النبيّ - ﷺ - خرَج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحبُّ أن يخرج يوم الخميس» (٢). ما يُؤمَر من انضمام العسكر (٣) عن أبي ثعلبة الخشني -رضي الله عنه- قال: «كان النّاس إذا نَزَلوا مَنزِلًا؛ تفرَّقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله - ﷺ - إنَّ تفرّقكم في هذه الشعاب والأودية؛ إنما ذلكم مِن الشيطان، فلم ينزل بعد ذلك منزلًا؛ إلاَّ انضَمَّ بعضهم إلى بعض، حتى يُقال لو بُسِط عليهم ثوب لَعَمّهُم» (٤). في المياسرة والمرافقة في الغزو (٥) *قال -تعالى-: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٦). وقال -تعالى-: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (٧) وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٩٤٩. (٢) أخرجه البخاري: ٢٩٥٠. (٣) هذا العنوان من «سنن أبي داود». (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٨٨). (٥) هذا العنوان من كتاب «الإنجاد في أبواب الجهاد» (١/ ١٣٧). (٦) المائدة: ٢. (٧) خصاصة: يعني حاجة، أي: يقدِّمون المحاويج؛ على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك. فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١). وفي حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «الغزو غزوانِ: فأمّا مَن ابتغى وجه الله، وأطاعَ الإمام وأنفَق الكريمةَ (٢)، وياسَرَ الشريك (٣)، واجتنَب الفساد، فإنَّ نومه ونُبْهَهُ (٤) أجرٌ كلُّه» (٥). وعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال النبي - ﷺ -: «إنَّ الأشعريين إذا أرملوا (٦) في الغزو، أو قلَّ طعامُ عيالهم بالمدينة؛ جَمَعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحد، ثمّ اقتسموه بينهم؛ في إناءٍ واحدٍ بالسَّويَّة، فهم منّي وأنا منهم» (٧). وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، حدَّث عن رسول الله - ﷺ -، «أنه أراد أن يغزو فقال: يا معشر المهاجرين والأنصار، إنَّ من إخوانكم قومًا؛ ليس لهم مال ولا عشيرة، فَلْيَضُمَّ أحدكم إليه الرجلين أو الثلاثة، فما لأحدنا مِن ظَهْرٍ يحمله إلاَّ عُقبةٌ كعُقْبَةِ (٨) -يعني- --------------------- (١) الحشر: ٩. (٢) أنفَقَ الكريمة: العزيزة على صاحبها.»النّهاية«. (٣) ياسَر الشريك: ساهَلَه.»المصدر السابق«. (٤) النُّبْهُ: الانتباه من النوم.»المصدر السابق«. (٥) أخرجه أبو داود (٢٥١٥)، وهو في»الصحيحة«(١٩٩٠). (٦) أرملوا: فَنِي زادهم، وأصله من الرَّمل؛ كأنّهم لصقوا بالرَّمل من القلَّة، كما قيل في ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.»فتح«. (٧) أخرجه البخاري: ٢٤٨٦، ومسلم: ٢٥٠٠. (٨) عُقبة: العُقبة بالضم: ركوب مركب واحد بالنوبة على التعاقُب، وهو أن يركب هذا قليلًا، ثم ينزل، فيركب الآخر بالنوبة، حتى يأتي على سائرهم. ملتقط من»الفتح«و»عون المعبود«. والمعنى: لم يكن لي فضلٌ في الركوب على الذين ضممتُهم إليَّ، بل كان لي عُقبةٌ من جملي مثل عُقبة أحدهم.»عون المعبود". أحَدِهِمْ (١)، فضَمَمْتُ إليَّ اثنين أو ثلاثة، قال: ما لي إلاَّ عُقبة كعقبة أحدِهم مِن جملي» (٢) * (٣). عن أبي موسى (٤) -رضي الله عنه- قال: «خرجنا مع النبيّ - ﷺ - في غزاة، ونحن ستة نفر، بيننا بعير نَعْتَقِبُهُ (٥) فَنَقِبَتْ أقدامُنا، ونَقِبَت قدماي، وسقَطَت أظفاري، وكنَّا نلفُّ على أرجُلنا الخِرَقَ، فسُمِّيت غزوةَ ذاتِ الرِّقاع، لمِا كنّا نعْصِبُ من الخِرَق على أرجلنا، وحدَّث أبو موسى بهذا ثمّ كَرِه ذاك، قال: ما كنت أصنع بِأنْ أذكُرَه -كأنّه كَرِه أن يكون شيءٌ مِن عَمَلِه أفشاه-» (٦). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «كنا يوم بدرٍ، كلّ ثلاثة على بعير -أي يتعاقبون- وكان أبو لبابة وعليّ بن أبي طالب زميلَي رسول الله - ﷺ -. قال: فكانت عُقبة رسول الله - ﷺ -، فقالا له: نحن نمشي عنك -ليظلّ راكبًا-. فقال: ما أنتما بأقوى مني على المشي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما» (٧). وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يتخلَّف --------------------- (١) جاءت كلمة (أحدِ) مجرورة بالإضافة لأنَّ تقدير الجملة:»كعقبةِ أحدِهم«. (٢) أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود،»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٠٩) وغيرهما. (٣) ما بين نجمتين من كتاب»الإنجاد«(١/ ١٣٧). (٤) هذا الحديث إشارة من محقِّقَي كتاب»الإنجاد«-حفظهما الله تعالى-. (٥) نعتقبه: أي نركَبُه عُقبة عُقبة. (٦) أخرجه البخاري: ٤١٢٨، ومسلم: ١٨١٦. (٧) أخرجه أحمد في»مسنده«والحاكم: وقال:»حديث صحيح على شرط مسلم«، وانظر تخريج»فقه السيرة" (ص ٢٥٥). في المسير، فيُزجي (١) الضعيف، ويُردف، ويدعو لهم» (٢). حرمة نساء المجاهدين ومن خان غازيًا في أهله (٣): عن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «حُرمَةُ نساء المجاهدين على القاعدين؛ كحُرمةِ أمَّهاتهم، وما مِن رجلٍ من القاعدين يخلُف رجلًا من المجاهدين في أهله، فيخونه فيهم؛ إلاَّ وُقِفَ له يوم القيامة؛ فيأخذ مِن عَمَله ما شاء، فما ظنُّكم؟» (٤). وفي رواية: «فقال: فخُذ مِن حسناته ما شئت فالتفَتَ إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: فما ظنُّكُم؟ (٥). وفي رواية:»... وما مِن رجل مِن القاعدين؛ يخلُف رجلًا من المجاهدين في أهله؛ إلاَّ نُصب له يوم القيامة، فيُقال: يا فلانُ، هذا فلانٌ، فخُذ مِن حسناته ما شئت، ثمّ التفَتَ النبي - ﷺ - إلى أصحابه فقال: ما ظنُّكُم تَرَون، يَدَعُ له مِن حسناته شيئًا؟ «(٦). وفي رواية:»ألا كُلَّما نفَرنا غازين في سبيل الله، خَلَف أحدُهم، له نبيبٌ(١) يزجي: أي يسوقه ليُلحقه بالرَّفاق. «النّهاية». (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢٩٨) والحاكم، وانظر «الصحيحة» (٢١٢٠) وتقدّم. (٣) هذا العنوان من «سنن النسائي» (كتاب الجهاد) (باب ٤٧، ٤٨). (٤) أخرجه مسلم: ١٨٩٧. (٥) مسلم: ١٨٩٧ - ١٤٠. (٦) «صحيح النسائي»: (٢٩٩٠). كنبيب التيس (١)، يمنح أحدُهم الكُثْبة (٢)، أمَا والله إنْ يُمكِنِّي مِن أحدِهم؛ لأُنكِّلَنَّه عنه (٣)» (٤). خروج النساء للتمريض ونحوه عن أنس -رضي الله عنه- قَالَ: «لمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ الناس عَنْ النَبِي - ﷺ - قَالَ وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ، وَإِنَّهُمَا لمُشَمِّرَتَانِ، أرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا (٥) تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ -وَقَالَ غَيْرُهُ تَنْقُلَانِ الْقِرَبَ- عَلَى مُتُونِهِمَا (٦) ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ فِي أفْوَاهِ الْقَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فتَمْلَآَنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهَا فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ» (٧). وعن أنس -رضي الله عنه أيضًا- قال: «كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ - يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ ------------------------ (١) نبيب التيس: صوته عند الوقاع، لشِدّة رغبته فيه. (٢) الكُثْبة: القليل من اللبن وغيره.»شرح النووي«. (٣) لأُنكِّلنَّه عنه: أي لأمنعنَّه عن ذلك بالعقوبة والحدِّ، وفي رواية لمسلم (١٦٩٢ - ١٨)»إلاَّ جعلتُه نكالًا أو نكَّلته«أي: عِظةً وعِبرةًَ لمَن بعده، بما أصبْتُه منه من العقوبة؛ ليمتَنعوا من تلك الفاحشة. قاله النّووي -رحمه الله- أيضًا. (٤) أخرجه مسلم: ١٦٩٢، وانظر رقم (١٦٩٤) أيضًا. (٥) قال الإمام النّووي -رحمه الله- (١٢/ ١٨٩):»قوله: (أرى خَدَم سوقها) هو بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة، الواحدة خدمة، وهي الخلخال، وأمّا السوق: فجمع ساق، وهذه الرواية للخَدَم لم يكن فيها نهي؛ لأنّ هذا كان يوم أحد قبل أمْرِ النساء بالحجاب، وتحريم النظر إليهن، ولأنه لم يَذكُر هنا أنه تعمّد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حَصَلَت تلك النظرة فجأة بغير قصد، ولم يستدِمْها". (٦) أي على ظهورهما. (٧) أخرجه البخاري: ٢٨٨٠، ومسلم: ١٨١١. وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ الماءَ، وَيُدَاوِينَ الجرْحَى» (١). حَمل الرجل امرأتَه في الغزو دون بعض نسائه (٢) عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «كان النبيّ - ﷺ - إذا أرادَ أن يخرُج؛ أقرع بين نسائه؛ فأيتُهُنّ يخرج سهمها؛ خرج بها النبيّ - ﷺ -، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجْتُ مع النبيّ - ﷺ - بعد ما أُنزِل الحجاب» (٣). غزوة النساء مع الرجال عن أنس -رضي الله عنه- «أنّ أم سُليم اتّخذَت يوم حنين خَِنْجرًا فكان معها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله، هذه أمُّ سُليم معها خِنَجرٌ، فقال لها رسول الله - ﷺ -: ما هذا الخِنَجر؟ قالت: اتخذتهُ إنْ دنا مني أحد من المشركين؛ بَقَرتُ (٤) به بطنه، فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك ...» (٥). تحريم إسناد القتال إلى النّساء عن أبي بكرةَ -رضي الله عنه- قال: لقد نفعني الله بكلمةٍ سَمِعْتها مِن رسول الله أيّام الجَمل؛ بعدما كِدْتُ أن ألحقَ بأصحاب الجمل (٦) فأقاتلَ ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٨١٠. (٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (باب - ٦٤). (٣) أخرجه البخاري: ٢٥٩٣، ٢٨٧٩، ومسلم: ٢٧٧٠. (٤) أي شَقَقتُ. (٥) أخرجه مسلم: ١٨٠٩. (٦) يعني عائشة -رضي الله عنها- ومن معها. معهم (١)، قال لما بلَغ رسول الله - ﷺ - أنّ أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى، قال: لن يُفْلِح قومٌ ولَّوا أمرَهم امرأة» (٢). وما ورد من مشاركة بعض النساء في القتال -في حدودٍ ضيقةٍ- يختلف عن تولّيها أمرَ القتال والقيادة. فضل الخدمة في الغزو عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «صَحِبْتُ جريرَ بن عبد الله؛ فكان يخدمني وهو أكبر من أنس. قال جرير: إنّي رأيت الأنصار يصنعون شيئًا لا أجد أحدًا منهم إلاَّ أكْرمتُه (٣)» (٤). وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كنّا مع النبيّ - ﷺ - أكثرنا ظِلًاّ الذي يستظل بكسائه، وأمّا الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبيّ - ﷺ -: ذهب المفطرون اليوم بالأجر» (٥). ------------------------ (١) تأمّل كيف نَفَع الله -تعالى- أبا بكرة -رضي الله عنه- لأنه عَمِل بمقتضى الحديث، ولم يتأوّله فيقول: هذه أم المؤمنين -رضي الله عنها- والأمر سائغ، بل إنّ الله -تعالى- نجّاه من الفتنة والقتال؛ ببركة تعظِيم الحديث وإمضائه. (٢) أخرجه البخاري: ٤٤٢٥. (٣) قال الحافظ -رحمه الله-: في رواية نصر «آليت -أي حَلَفْت- أن لا أصحب أحدًا منهم إلاَّ خَدَمْته». (٤) أخرجه البخاري: ٢٨٨٨، ومسلم: ٢٥١٣. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨٩٠، واللفظ له، ومسلم: ١١١٩. إذن الوالدين في جهاد التطوع الجهاد الواجب لا يلزم فيه إذن الوالدين. أمّا جهادُ التطوّع؛ فإنّه لا بد فيه من إذن الوالِدَيْن المسلِمَين. عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «سألْتُ النبيّ - ﷺ - أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: بِرُّ الوالدين، قال: ثمَّ أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (١). وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحيٌّ والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِد» (٢). وفي رواية: «جاء رجلٌ إلى النبي - ﷺ - يبايعه على الهجرة، وترك أبويه يبكيان، فقال: ارجع إليهما فأضحِكهما كما أبكيتَهما» (٣). وعن جاهمة السُّلمي -رضي الله عنه- قال: «أنّه جاء رجل إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أردتُ أن أغزو، وقد جئت أستشيرك؟ فقال: هل لك من أمّ، قال: نعم، قال: فالزمها؛ فإنّ الجنّة تحت رجليها» (٤). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٢٧، ومسلم: ٨٥. (٢) أخرجه البخاري: ٣٠٠٤، ومسلم: ٢٥٤٩. (٣) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الأدب المفرد» برقم ١٠. (٤) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٩٠٨) وابن ماجه وغيرهم، وانظر تعليق شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضيّة على الروضة النديّة» (٣/ ٤٣٩). وقال في «الروضة النديّة» (٢/ ٧١٨): «وقد ذَهَب الجمهور؛ إلى أنَّه يَجب استئذان الأبوين في الجهاد، ويَحرُم إذا لم يأذنا أو أحدهما، لأنّ بِرّهما فَرْضُ عين، والجهاد فرضُ كفاية، قالوا: وإذا تعيَّن الجهاد فلا إِذْن ...». وقال العلّامة أحمد شاكر -رحمه الله-: «ولعل الأحسن في التوفيق بين الحديثين، أن يُجْعَل ذلك إلى رأي الإمام أو المكلِّف، فإنْ كانت المصلحة تقتضي بأحدهما وجب تقديمه، وقد كان المهاجرون والأنصار يجاهدون، ولم نر في شيء من الروايات، أنهم كانوا يلتزمون استئذان الوالدين في كل غزو». وجاء في «المغني» (١٠/ ٣٨٣): «(وإذا خوطب في الجهاد فلا إذْن لهما، وكذلك كلّ الفرائض لا طاعة لهما في تركها) يعني إذا وجَب عليه الجهاد لم يُعتَبَرْ إذن والديه، لأنه صار فرْضَ عين، وترْكه معصية، ولا طاعة لأحد في معصية الله، وكذلك كلّ ما وجب، مثل: الحجّ، والصلاة في الجماعة والجمع، والسفر للعِلم الواجب. قال الأوزاعي: لا طاعة للوالدين في تَرْك الفرائض والجُمَع والحجّ والقتال، لأنها عبادة تعيّنت عليه، فلم يُعتَبر إذن الأبوين فيها كالصلاة، ولأنّ الله -تعالى- قال: ﴿وَللهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلبَيتِ مَنِ اَسْتَطَاعَ إليَهِ سبيلًا﴾، ولم يَشتَرِط إذن الوالدين». وجاء في كتاب «الإنجاد في أبواب الجهاد» (١) (١/ ٥٢): "وأمَّا مَن له ---------------------- (١) تصنيف الإمام أبي عبد الله محمد بن عيسى بن محمد بن أصبغ الأزدي القرطبي المعروف بابن المُناصف -رحمه الله-، علّق عليه وخرّج أحاديثه مشهور بن حسن آل سلمان ومحمد بن زكريا أبو غازي -حفظهما الله-. أبوان؛ فإنْ كانا يَضيعان بخروجه إلى الجهاد؛ فهو إجماعٌ على أنّ فرضَ الجهاد ساقِطٌ عنه، ذكَره أبو محمد بنُ حزمٍ في «مراتب الإجماع». وإنْ كانا ممّن لا يَضيع، فذهب الجمهور إلى أنّ عليه أن يستأذنهما، فإنْ أذِنا له خرَج، وإنْ أبَيَا عليه لم يجُزْ له أن يخرج. رُوي ذلك عن مالكِ، والأوزاعي، وسفيان الثوري، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل العلم، قال أبو عمر بن عبد البَرِّ: «لا خلاف أعلمه أنّ الرجل لا يجوز له الغزو ووالداه كارهان، أو أحدهما». قلت [والكلام لصاحب «الإنجاد»]: ذلك إذا لم يتعيَّن الفرض، مِثْل أنْ يفْجأ العدوُّ (١)، فيُحتاج إليه في الدفع، ونحوِ ذلك ممّا يتعيّن فيه، لأنه ما لم يتعيَّن، يعصي والديه ويعقُّهما في غير شيء أوجَبَه الشرع، فذلك حرامٌ عليه، وأمّا إذا تعيَّن الفرض، فلا يستأذنهما في تَرْك الفرائض«. ثمّ ذكَر الأدلة على ذلك، ثمّ قال:»وقال الحسن البصري -رحمه الله-: «إذا أذِنَت له أمُّه في الجهاد، وعلِمَ أنّ هواها أن يجلس؛ فليجلس». وقال في «المغني» (١٠/ ٣٨٣) أيضًا: --------------------- (١) وجاء في «التعليق»: «هل حضور الولد الصّف بعد الإذن، يُؤثّر فيه رجوع الأبوين عن الإذن؟ خلافٌ بين أهل العلم، بخلاف رجوعهما قبل حضورِ الصفّ، فالواجب على الولد الرجوع، ما لم يتعيَّن عليه الجهاد، انظر بسط المسألة في:»روضة الطالبين«(١٠/ ٢١٢)،»أسنى المطالب«(٤/ ١٧٧ - ١٧٨)،»مغني المحتاج«(٤/ ٢١٨)،»كشاف القناع«(٣/ ٤٠)،»أحكام إذْن الإنسان«(٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥)،»رسالة الإرشاد إلى بيان الحقّ في حُكم الجهاد«(ص ٧٤ - وما بعدها)». «وإنْ خرَج في جهاد تطوّعٍ بإذنهما، فمنَعاه منه بعد سَيْرِه وقبل وجوبه، فعليه الرجوع، لأنه معنى لو وجد في الابتداء مُنِع، فإذا وُجد في أثنائه منع؛ كسائر الموانع، إلاَّ أن يخاف على نفسه في الرجوع، أو يحدث له عذر؛ مِن مرض أو ذهاب نفقة أو نحوه، فإنْ أمكنه الإقامة في الطريق، وإلا مضى مع الجيش، فإذا حضَر الصفّ، تعيّن عليه بحضوره، ولم يَبْقَ لهما إذن. وإن كان رجوعهما عن الإذن بعد تعيُّن الجهاد عليه، لم يؤثّر رجوعهما شيئًا». هل يُستأذَن الدائن (١) ومن كان عليه دين حالٌّ أو مُؤجَّل، لم يجُز له الخروج إلى الغزو إلاَّ بإذن غريمه، إلاَّ أن يَتْرُك وفاءً، أو يقيمَ به كفيلًا، أو يُوَثِّقَه برهن، وبهذا قال الشافعي. ورخَّص مالك في الغزو لمن لا يقدر على قضاء دينه؛ لأنه لا تتوجه المطالبة به، ولا حبْسه من أجله، فلم يُمنَع من الغزو، كما لو لم يكن عليه دين، ولنا أنّ الجهادَ تقصد منه الشهادة التي تفوت بها النفس، فيفوت الحقُّ بفواتها. عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-: «أنّ رسول الله - ﷺ - قال: يُغفر للشهيد كلُّ ذنبٍ إلاّ الدَّيْن» (٢). وعن أبي قتادة -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله قام فيهم، فذَكَر لهم أن الجهاد في سبيل الله والإيمان بالله أفضل الأعمال، فقام رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إنْ قُتلتُ في سبيل الله تُكفّر عنِّي خطاياي؟ فقال له رسول الله: نعم، إن ---------------------- (١) عن»المغني" (١٣/ ٢٧) بتصرف يسير، وزيادة حديث ابن عمرو -رضي الله عنهما-. (٢) أخرجه مسلم: ١٨٨٦. قُتلتَ في سبيل الله، وأنت صابرٌ محُتسب، مُقبِل غيرُ مُدبر، ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: كيف قلت؟ قال: أرأيتَ إنْ قُتلتُ في سبيل الله أتُكفّرُ عني خطاياي، فقال رسول الله - ﷺ -: نعم؛ وأنت صابرٌ محُتسب مُقبل غيرُ مدبر إلاّ الدَّيْن، فإنّ جبريلَ -عليه السلام- قال لي ذلك» (١). وأمّا إذا تَعيَّن عليه الجهاد، فلا إذْن لغريمه، لأنّه تعلّق بعينِه، فكان مُقدَّمًا على ما في ذمّته؛ كسائر فروض الأعيان، ولكن يُستحَبّ له أن لا يتعرض لمظانّ القتل؛ من المُبارزة، والوقوف في أول المقاتلة، لأن فيه تغريرًا بتفويت الحق (٢)، وإنْ ترَك وفاءً، أو أقام به كفيلًا، فله الغزو بغيرِ إذْن. نصّ عليه أحمد، في مَن تَرك وفاءً، لأنّ عبد الله بن حرام أبا جابر بن عبد الله خرَج إلى أُحُد، وعليه دَينٌ كثير، فاستُشهِد، وقضاه عنه ابنه بعِلم النبيّ - ﷺ -، ولم يذمّه النبيّ - ﷺ - على ذلك، ولم يُنكر فِعْلَه، بل مَدَحه، وقال: «ما زالت الملائكة تُظِلّه بأجنحتها، حتى رفعتموه» (٣). وقال - ﷺ - لجابر: «ألا أُخبرك ما قال الله -عز وجل- لأبيك، قلتُ: بلى، قال: ما كَلَّم الله أحدًا إلاّ من وراء حجاب، وكلّم أباك كِفاحًا (٤)» (٥). قلتُ: أراد المصنف -رحمه الله- أن يجمع بين تلبية واجب الجهاد وأداء ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٨٨٥. (٢) انظر تعليقي في المتن، بعد قليل إن شاء الله -تعالى-. (٣) أخرجه البخاري: ١٢٤٤، ومسلم: ٢٤٧١. (٤) كفاحًا: أي مواجهة، ليس بينهما حجابٌ ولا رسول. «النّهاية». (٥) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٥٨) وغيره. الحقوق. ولكن: لا بُدّ من تفصيلٍ فيما يتعلق بالتّعرض للمبارزة والوقوف في أول المقاتلة. فإنْ كان أُوتي من الشجاعة والإقدام، ما يُمكنه أن يُحقّق نصرًا أو يكون سببًا في استجلاب نفعٍ عامّ أو مصلحة راجحة؛ فلا حرج من مبادرته بذلك. فأمّا الدين، فلا يضرُّه عدم أدائه؛ إذا كان قد بذَل الأسباب المطلوبة منه، ولا يخفى دور الإمام في سدِّ هذا الأمر، والله -تعالى- أعلم. قلت: ثمّ اطلعت على ما جاء في «الإنجاد» (١/ ٥٧) وفيه: «وأمّا المِدْيان (١) فاختلفوا فيه، فرُوي عن الأوزاعي أنّه أرخص في خروجه إلى الجهاد مِن غير إذْنِ صاحب الحقِّ، ورُوي عن الشافعي أنه ليس له أن يغزو بحالٍ؛ إلاَّ بإذْن أهل الدَّيْن، وسواءٌ كان الدَّين لمسلمٍ أو كافر، وفرَّق مالكٌ بين أن يجد قضاءً أو لا يجد، واختلفت مع ذلك فيه الروايات عنه ... ... وقد جاء في أمر الدَّين تشديدٌ كثير غير هذا؛ فأقول [الكلام لصاحب»الإنجاد«]: إنّ تعلّق المأثم بالدَّين، إنما يكون حيث التقصيرُ المُتْلِفُ لذلك الحقِّ، إمّا بالمَطْلِ أو الجحود، أو تَرْكِ أنْ يوصيَ به، وإمّا أنْ يَدَّانَ في غير الواجب، وهو ممَّن لا يقدر على الأداء، وما أشبه ذلك. وللمِدْيان عند إرادة الغزو حالان: مَلاَءٌ أو عَدَمٌ. فأمّا المليء، فإنْ كان حَلَّ دينُه، فالظاهر أنّه لا يجوز أنْ يغزوَ بغير إذْنِ صاحب الحقِّ، فإنْ كان دينه لم يحلَّ بعدُ، فهذا له أن يغزو، وعليه أن يوكِّل مَن ---------------------- (١) المِدْيان: هو الذي يُقرض كثيرًا ويستَقْرِض كثيرًا. انظر»المحيط". يقضيه عنه عند حلوله، والدليل على ذلك أنَّ مَن كان مليئًا، وقد حلَّ الحقُّ عليه، فهو مأمورٌ كلَّ وقتٍ بالقضاء، ففِعْلُه ما يحول بينه وبين ذلك؛ مِن غير إذن صاحب الحق لا يحلُّ له. خرَّج مسلم (١) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «مَطْلُ (٢) الغني ظُلْم، وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ» (٣). وأمّا إذا لم يَحُلْ، فلا حَقَّ عليه الآن في الأداء، فلا يتَّصف بالمطلِ، فليس عليه أنْ يستأذنه، لكن عليه باتفاقٍ أن يوصيَ به، ويُوكِّل على قضائه، فإذا فعَل ذلك فقد أدَّى ما لزِمه ساعتئذِ، وقد قال - ﷺ -: «وإذا أُتبع أحدكم على مليءٍ فَلْيتْبَعْ». وأمَّا إنْ كان عديمًا لا يَجِدُ قضاءً، ولا يرجو كَسْبًا، فهذا روي عن مالك أنه سُئِل عنه فلم يرَ بجهاده بأسًا، يعني: وإن لم يستأذِن غريمه، وهذا ظاهر؛ لأنه لا منفعة له في منْعِه، وليس ممّن عليه حَبْسٌ ولا سلطان، بل هو مخلَّى بإنظار الله -عز وجل- إياه، فلا يَجِب له عليه شيءٌ، ما دام على حالته تلك. قال بعض المتأخرين: ولعله يُرزق في الغزو ما يؤدي به دَينه، ففي الغزو خيرٌ لهما. وقد رُوي -أيضًا- عن مالك ما ظاهِرُه، أنه يَجِب الاستئذانُ على مَن لم يجد وفاءَ من دَيْنِهِ، ولا استئذان على من ترَك وفاءً«. ------------------------ (١) برقم (١٥٦٤)، وانظر»صحيح البخاري" ٢٢٨٧، ٢٢٨٨، ٢٤٠٠. (٢) هو مَنْع قضاء ما استُحِق أداؤُه. (٣) معناه: إذا أُحيل بالدَّين الذي له على موسر، فليَقْبَل الحوالة. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#170 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 91الى صــ105 الحلقة (168) حكم الاستعانة بالمشركين في الجهاد اختلَف العلماء في مشروعية الاستعانة بالمشركين، فذهَب جماعة من العلماء إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وذهَب آخرون إلى جوازها. ومن أهم أدلة المانعين: حديث عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: «خرَج رسول الله - ﷺ - قِبَل بدر فلمّا كان بِحَرَّة الوَبَرَة (١)، أدركه رجل قد كان يُذكَر منه جُرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله - ﷺ - حين رأوه، فلمّا أدركه قال لرسول الله - ﷺ -: جئت لأتَّبِعَك وأصيبَ معك، قال له رسول الله - ﷺ -: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك. قالت: ثمّ مضى، حتى إذا كنّا بالشجرة (٢)، أدركه الرجل فقال له كما قال أوّل مرّة، فقال له النبيّ - ﷺ - كما قال أول مرة، قال: فارجع فلن أستعين بمشرك، قال: ثمّ رَجَع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أوّل مَرّة: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، فقال له رسول الله - ﷺ -: فانطَلِق» (٣). ومن أبرز أدلّة المجوّزين: حديث ذي مخِبَر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ستصالحون الروم صُلحًا آمنًا (٤)، فتغزون أنتم وهم عدوًا مِن ورائكم، ------------------------ (١) الوَبَرَة: موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة. (٢) اسم موضع. (٣) أخرجه مسلم: ١٨١٧. (٤) أي صلحًا ذا أمن. فتُنصَرون وتَغنَمون وتَسلمون ثمّ تَرجعون، حتى تنزِلوا (١) بمَرْج (٢) ذي تُلول (٣)، فيرفع رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غَلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه (٤)، فعند ذلك تغدر الروم وتجمعُ للملحمة (٥)» (٦). وقوله - ﷺ -: «إنّ الله يؤيّد الدين بالرّجُل الفاجِر» (٧). فيُجمَع بين الأحاديث بأنّ الاستعانة بالمشركين لا تجوز إلاّ لضرورة؛ لا إذا لم تكن ثمّ (٨) ضرورة (٩). وبوّب الإمام النّووي -رحمه الله- لمسلم في كتاب «الجهاد والسِّير»، فقال: «باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر إلاَّ لحاجة، أو كونه حَسن الرأي في المسلمين» وذكر الحديث السابق ثمّ قال -رحمه الله- في الشرح: «قوله - ﷺ -: فارجع فلن أستعين بمشرك»، وقد جاء في الحديث الآخر أنّ النبيّ - ﷺ - استعان ---------------------- (١) أي أنتم وأهل الروم. (٢) مرج: أرض واسعة ذات نبات كثير. (٣) ذي تُلول: جمع تَل: موضع مرتفع. (٤) أي: فيكسر المسلم الصليب. (٥) أي للقتال. وانظر «المرقاة» (٩/ ٣١٨). (٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٠٧)، وابن ماجه. وانظر للمزيد من شرح الحديث -إن شئت- «المرقاة» (٩/ ٣١٨) و«عون المعبود»، (١١/ ٢٦٨). (٧) البخاري: ٤٢٠٣، ومسلم: ١١١. (٨) انظر إن شئت المزيد «الروضة الندية» (٢/ ٧٢٢). (٩) قال شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضية» (٣/ ٤٤٣): «انظر رأي الشافعي في»الأم«ففيه تفصيل جيّد». بصفوان بن أُميّة قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إنْ كان الكافر حَسَن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به؛ استُعين به وإلاّ فيُكره، وحَمْل الحديثين على هاذين الحالين». والله -تعالى- أعلم. وجاء في نيل الأوطار (٨/ ٤٥) بعد عَرْض الأدلة ومناقشة الفريقَين: «والحاصل أنّ الظاهر من الأدلّة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركًا مُطلقًا؛ لما في قوله - ﷺ -»إنا لا نستعين بمشرك«من العموم ...». انتهى. قلتُ: ولا أرى معارضة بين هذا وما تقدّم؛ مما جاء في كلام النّووي ونقولاته، وكذا مما قاله صاحب «الروضة» -رحمهما الله- إذْ أصل الحُكم عدم جواز الاستعانة، وتبقى الضرورة مسألة أخرى لا يمكن إغفالها، والنصوص فيها معلومة معروفة، ولكن ينحصر الخلاف ومدار البحث والنظر؛ في تحقيق مناط الحُكم، إذْ هو مرتبط بتنقيح مناطه (١). وأقول: لو أنّ المسلمين عملوا ما أوجب الله -تعالى- عليهم من أسبابٍ لاستجلاب النصر؛ مِنْ إعدادٍ عَقَديّ ومنهجي وروحي ومادي وعسكري ...، وتآلفوا فيما بينهم، وتعاونوا على البرِّ والتقوى؛ لما احتاجوا إلى الاستعانة. ثمّ اطلعت على ما جاء في كتاب «الإنجاد في أبواب الجهاد» (ص ١٥٨): فقد قال مصنّفه -رحمه الله-: «واختلَف أهل العِلم في ذلك: فالجمهور على كراهة الاستعانة بهم في شيءٍ من الغزو، -وهو الصحيح-، لما دلّ عليه القرآن ---------------------- (١) وانظر -للمزيد إن شئت-:»المغني«(١٠/ ٤٥٦)، و»نيل الأوطار«(٨/ ٤٢) و»سُبُل السلام" (٤/ ٩١). والسُّنة الثابتة، ورُوي عن مالك أنه أجاز أن يُستعان بهم في خدمةٍ أو صنعَة. وعن ابن حبيب: أن يُستعان بهم في هدم الحصون ورمي المنجنيق، ... «(١). وجاء في التعليق من قِبَل محقِّقي الكتاب -حفظهما الله تعالى-:»واشترط بعضهم في الاستعانة بهم؛ إحسانهم الرأي في المسلمين، وأن يأمن المسلمون خيانتهم، وأن يكون المسلمون قادرين عليهم؛ لو اتفقوا مع العدو، فإذا وُجِدت هذه الشروط الثلاثة، جازت الاستعانة بهم. وقيل: لا يجوز استصحابهم في الجيش، مع موافقتهم العدو في المعتقد، فعلى هذا تكون الشروط أربعة«. وجاء في التعليق (ص ١٦٠):»فالاستعانة بالمشرك في القتال تجوز عند الحاجة إليه. قال ابن القيم -رحمه الله- في «الزاد» (٣/ ٣٠١) في مَعْرِض كلامه على ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية: «ومنها: أنّ الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة؛ لأن عَيْنَهُ الخزاعيَّ كان كافرًا إذ ذاك -يشير المصنف إلى ما سبق أن ذكره (ص ٢٨٨) أن النبيّ - ﷺ - لما كان بذي الحليفة؛ أرسَل عينًا له مُشركًا مِن خزاعة (٢) يأتيه بخبر قريش- وفيه في المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم». أسأل الله -تعالى- أن يُفرّج كربات المسلمين وأن ينصرهم على الأعداء، إنّه على كل شيء قدير. -------------------- (١) انظر تتمة كلامه وردّه -إن شئت-. (٢) انظر ما جاء في «صحيح البخاري» برقم (٤١٧٨، ٤١٧٩). النهي عن السفر بالمصحف إلى أَرض الحرب عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى أنْ يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوِّ» (١). وفي رواية: «أنَّه كان ينهى أنْ يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوِّ؛ مخافةَ أن ينالَه العدوُّ» (٢). وفي رواية أخرى: «لا تسافروا بالقرآن؛ فإنّي لا آمَنُ أنْ ينالَه العدوُّ» (٣). ما يُنهى عنه في الحرب قال الله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: وقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويَدْخُل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله الحسَن البصري- من المُثلة، والغُلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأيَ لهم ولا قتالَ فيهم، والرُّهبانِ وأصحابِ الصوامع، وتحريقِ الأشجار، وقتلِ الحيوانات لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان وغيرهم ...«. وتقدّم حديث بريدة -رضي الله عنه- قال:»كان رسول الله - ﷺ -، إذا أمّرَ --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٩٩٠، ومسلم: ١٨٦٩. (٢) مسلم: ١٨٦٩ - ٩٤. (٣) مسلم: ١٨٦٩ - ٩٤. (٤) البقرة: ١٩٠. أميرًا على جيش أو سريَّة (١) أوصاه في خاصَّته بتقوى الله ومَن معه مِن المُسلمين خيرًا، ثمَّ قال: «اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا مَن كَفر بالله اغْزوا ولا تَغُلّوا ولا تَغدرِوا ولا تَمْثُلوا ولا تقتلوا وليدًا» (٢). ومما ينهى عنه في الحرب: ١ - قَتْل النساء والوِلدان. عن عبد الله ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إنّ امرأةً وُجِدت في بعض مغازي النبيّ - ﷺ - مقتولة، فأنكَر رسول الله - ﷺ - قَتْل النساء والصبيان» (٣). وعن رباح بن ربيع -رضي الله عنه- قال: «كُنّا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة، فرأى النّاس مجُتمعين على شيء، فبعَث رجلًا فقال: انظر عَلامَ اجتمع هؤلاء؟ فجاء فقال: على امرأةٍ قَتيل، فقال: ما كانت لتُقاتِل! قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعَث رجلًا ففال: قُل لخالد لا تقتلنَّ امرأةً ولا عسيفًا (٤)» (٥). قال القاري -رحمه الله-: ولعلّ علامته أن يكون بلا سلاح.(١) السريَّة: هي قطعة من الجيش؛ تخرج منه، تغير وترجع إليه، قالوا: سُميّت سريّة؛ لأنّها تسري الليل ويخفى ذهابُها. «شرح النّووي» وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ١٧٣١ وتقدم غير بعيد. (٣) أخرجه البخاري: ٣٠١٤، ومسلم: ١٧٤٤. (٤) عسيفًا: أي أجيرًا. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٢٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٩٤)، وانظر «الصحيحة» (٧٠١). قال الخطابي -رحمه الله-: «في الحديث دليل على أنّ المرأة إذا قاتَلت قُتِلَت، ألا ترى أنه جَعل العِلَّة في تحريم قَتْلها لأنّها لا تُقاتِل، فإذا قاتَلَت دَلّ على جواز قتْلها» (١). قلت: ويجوز قتْلها إذا كان هناك سببٌ يدعو إلى ذلك. فقد ورَد قتل المرأة صريحًا؛ كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: «لم يُقتَل مِن نِسائهم -تعني بني قريظة- إلاَّ امرأة إنها لعندي تُحَدِّثُ: تضحك ظهرًا وبطنًا، ورسول الله - ﷺ - يقتُل رجالَهم بالسيوف، إذ هتَف هاتف باسمها أين فلانة؟ قالت: أنا، قُلت وما شَأنُكِ؟ قالت: حَدَثٌ أحْدَثْتُهُ قالت: فانطُلِق بها، فضُرِبَت عنُقها، فما أنسى عجَبًا منها، أنّها تضحك ظهرًا وبطنًا، وقد عَلِمت أنها تُقتَل» (٢). قال الخطّابي -رحمه الله-: «يُقال إنّها كانت شَتَمت النبيّ - ﷺ -، وهو الحَدث الذي أحدَثَتْهُ، وفيه دلالة على وجوب قَتْلِ مَنْ فَعَل ذلك ...» (٣). وعن الأسود بن سريع -رضي الله عنه- قال: «أتيتُ النبيّ - ﷺ - وغزوت معه، فأصبْتُ ظهرَ أفضل النّاس يومئذٍ، حتى قتلوا الوِلدان- وقال مرَّةً: الذرِّيَّة. فبلَغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: ما بال قومٍ جاوزهم القَتْلُ اليومَ حتى قَتَلُوا الذرِّيَّة؟! فقال رجلٌ: يا رسول الله! إنَّما هُمْ أولاد المشركين! فقال: ألا إنَّ خِيارَكُم أبناء المشركين. ثمَّ قال: ألا لا تقتلوا ذُرِّيَّةً، ألا لا تقتلوا ذُرِّيَّةً. --------------------- (١) انظر»عون المعبود«(٧/ ٢٣٦). (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٢٥). (٣) انظر»عون المعبود" (٧/ ٢٣٨). قال: كلّ نَسَمَةٍ تُولد على الفطرة (١)، حتى يَهُبَّ (٢) عنها لسانها (٣)؛ فأبواها يُهَوِّدانها ويُنَصِّرانها» (٤). وعن الصَّعب بن جَثَّامة «أنه سأل النبيّ - ﷺ - عن الدار من المشركين يُبَيَّتُون فيُصاب مِن ذراريِّهم ونسائهم، فقال النبي - ﷺ -: هُم مِنهُم». [قال الزهري: ثمّ نَهى رسول الله - ﷺ - بعد ذلك عن قتل النساء والولدان.] (٥). قال الإمام النّووي -رحمه الله- في «شرح مسلم» (١٢/ ٤٩) -بحذف- ----------------------- (١) التي فطَر النّاس عليها أي الخِلقة التي خَلَق النّاس عليها، من الاستعداد لقَبول الدين والنُّهي للتحلّي بالحق، وقَبول الاستعداد، والتأبّي عن الباطل، والتمييز بين الخطأ والصواب. «فيض القدير». (٢) وفي لفظ (يُعرب)، انظر «صحيح الجامع» (٤٤٣٥)، وانظر لزامًا «الصحيحة» (٤٠١). (٣) فحينئذ إنْ تُرك بحاله، وخُلّي وطَبعه؛ ولم يتعرض له مِن الخارج مَن يصدُّه عن النظر الصحيح مِن فساد التربية، وتقليد الأبوين، والإلف بالمحسوسات، والانهماك في الشهوات، ونحو ذلك؛ لينظر فيما نصب من الدلالة الجلية على التوحيد، وصِدْق الرسول - ﷺ - وغير ذلك نظرًا صحيحًا؛ يوصله إلى الحق، وإلى الرشد، عَرف الصواب، ولَزِم ما طُبع عليه في الأصل، ولم يختر إلاَّ الملة الحنيفية، وإن لم يُترك بحاله بأن كان أبواه نحو يهوديين أو نصرانيين، فأبواه هما اللذان يهوّدانه أي يُصيِّرانه يهوديًّا، بأن يُدخلاه في دين اليهودية المحرَّف المبدَّل، بتفويتهما له أو ينصرانه، أي يصيِّرانه نصرانيًّا ... «فيض القدير» (٥/ ٣٤). (٤) أخرجه أحمد والنسائي في «الكبرى» والدارمي وغير هم وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٤٠٢). (٥) أخرجه البخاري: ٣٠١٢، ومسلم: ١٧٤٥، وما بين المعقوفتين لأبي داود (٢٦٧٢) وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٢٦). «وتقديره: سُئل عن حُكمِ صبيان المشركين الذين يُبَيَّتون فيُصاب مِن نسائهم وصبيانهم بالقتل، فقال: هم مِن آبائهم أي لا بأس بذلك؛ لأنّ أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القِصاص والدِّيات وغير ذلك، والمراد إذا لم يُتعمَّدوا مِن غير ضرورة، وأمّا الحديث السابق (١) في النهي عن قتل النساء والصبيان، فالمراد به إذا تميّزوا، وهذا الحديث الذي ذكرناه من جواز بياتهم وقتْل النساء والصبيان في البيات؛ هو مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور، ومعنى البيات وُيبَيَّتُون: أن يُغار عليهم بالليل، بحيث لا يُعرف الرجل من المرأة والصبي. وفي هذا الحديث: دليلٌ لجواز البيات، وجواز الإغارة على مَن بلَغتهُم الدعوة مِن غير إعلامهم بذلك». انتهى. قلت: وخلاصة القول: عدم جواز تعمُّد قَتْل النساء والصبيان (٢)، وجواز ذلك إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء المقاتلين، لاختلاطهم. والضابط في عدم قتل الصبيان؛ عدم الإنبات، جاء في «صحيح ابن حبان»: «الأمر بقتل مَن أنْبَت الشعر في دار الحرب والإغضاء (٣) على مَن لم يُنْبِت» (٤) ثمّ ذكَر تحته حديث عطية القُرظي -رضي الله عنه- قال: «عُرضْتُ على ------------------------ (١) يشير إلى حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- الذي ذَكَرْتُه في بداية البحث. (٢) قال النّووي -رحمه الله- في»شرح مسلم«(١٢/ ٤٨):»أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث! نهى رسول الله - ﷺ - عن قَتْل النساء والصبيان«وتحريم قَتْل النساء والصبيان إذا لم يقاتِلوا، فإنْ قاتلوا؛ قال جماهير العلماء: يُقتلون». (٣) أي الأمر بإبقائه والسكوت عنه. (٤) هذا العنوان من «صحيح ابن حبان» «التعليقات الحِسان» (٧/ ١٥٤). رسول الله - ﷺ - يوم قريظة، فشكُّوا فيّ، فقيل لي: هل أنبتَّ (١)، ففتّشوني (٢)، فوجدوني لم أُنبِت، فُخلّيَ سبيلي«(٣)». ٢ - قتْل الأُجَراء، لحديث رباح -رضي الله عنه- المتقدّم: «لا تَقْتُلَنَّ امرأةً ولا عَسيفًا». ٣ - قتل المجانين: لعموم قوله - ﷺ -: «رُفِع القلم عن ثلاث ... وعن المجنون حتى يستيقظ». قال في «الإنجاد» (١/ ٢٢٨): «وأمّا المجنون فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف أنّه لا يُقتَل ...». ٤ - قَتْل الرهبان وأصحاب الصوامع الذين لا يخالطون النّاس، وليسوا مِن أهل القتال ولا هم من أهل المشورة والرأي فيه (٤). وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٦٥٩): «الرهبان الذين تنازَع العلماء في قَتْلِهم، وأخْذِ الجزية منهم: هم المذكورون في الحديث المأثورِ عن خليفةِ رسول الله - ﷺ -، أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- أنّه قال في وصيته ليزيد بن أبي سفيان لمّا بَعَثَه أميرًا على فَتْح الشام، فقال له في وصيته: وستجدون أقوامًا قد حبَسوا أنفسهم في الصوامع، فذروهم وما حبَسوا أنفسهم له، وستجدون أقوامًا قد --------------------- (١) أي: هل نبَت شعر عانتك؟ (٢) يعني كشفوا العانة، ونظروا أأنبَتُّ أم لا. (٣) أخرجه ابن حبان في»صحيحه«»التعليقات الحِسان«(٤٧٦٠) وأبو داود وابن ماجة وغيرهم. (٤) قال في»المغني«(١/ ٥٤٣):»لأنّ الرأي مِن أعظم المعونة في الحرب". فحصوا (١) عن أوساط رءوسهم، فاضربوا ما فحصوا عنه بالسيف، وذلك بأنّ الله يقول: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (٢). وإنما نَهَى عن قَتْل هؤلاء، لأنهم قوم مُنقَطعون عن الناس، محبوسون في الصوامع، يُسمَّى أحدُهم حبيسًا، لا يعاوِنون أهلَ دينهم على أمرٍ فيه ضررٌ على المسلمين أصْلًا، ولا يخالطونهم في دنياهم؛ ولكن يكتفي أحدُهم بقدر ما يتبلّغ به. فتنازَع العلماء في قَتْلهم، كتنازُعهم في قَتْل مَن لا يضُرّ المسلمين؛ لا بيده ولا لسانه؛ كالأعمى، والزَّمِن، والشيخ الكبير، ونحوِه؛ كالنساء والصبيان. فالجمهور يقولون: لا يُقتَل إلاَّ مَن كان مِن المعاونين لهم على القتال في الجملة، وإلا كان كالنساء والصبيان. ومِنهم مَن يقول: بل مجرّد الكفر، هو المبيح للقتل، وإنّما استثني النساء والصبيان، لأنهم أموال. وعلى هذا الأصل ينبني أخْذ الجزية. وأمّا الراهب الذي يعاوِن أهلَ دينه بيده ولسانه: مثل أن يكون له رأي يرجعون إليه في القتال، أو نوع مِن التحضيض: فهذا يُقتَل باتفاق العلماء، إذا قُدِر عليه، وتُؤخَذ منه الجزية -وإنْ كان حبيسًا منفردًا في مُتعبّده- فكيف بمن هم كسائر النصارى في معائشهم، ومخالطتهم الناس، واكتساب الأموال بالتجارات والزراعات والصناعات، واتخاذ الديارات الجامعات لغيرهم، وإنّما تميَّزوا على غيرهم بما يُغلِظ كفرهم، ويجعلهم أئمةً في الكُفر، مثل التعبّد بالنجاسات، وترْك النكاح واللحم واللباس؛ الذي هو شعار الكفر، لا سيما وهم الذين يقيمون دين ----------------------- (١) أي: كشفوا عنها بإزالة الشعر. (٢) التوبة: ١٢. النصارى؛ بما يُظهرونه مِن الحِيَل الباطلة التي صَنَّف الفضلاء فيها مُصنّفات، ومِن العبادات الفاسدة، وقَبول نذورهم وأوقافهم. والراهب عندهم شَرْطُه تَرْك النكاح فقط، وهم مع هذا يُجوِّزون أن يكون بتركًا، وبطرقًا، وقسيسًا، وغيرهم مِن أئمّة الكفر، الذين يَصْدُرون عن أمْرِهم ونَهْيهم؛ ولهم أنْ يكتسبوا الأموال، كما لغيرهم مِثْل ذلك. فهؤلاء لا يَتنازَع العلماء في أنّهم مِن أحقّ النصارى بالقتل عند المحاربة، وبأخذ الجزية عند المسالمة، وأنّهم مِن جنس أئمّة الكفر الذين قال فيهم الصدِّيق -رضي الله عنه- ما قال، وتلا قوله -تعالى-: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾«. ٥ - قتل الهَرِم والأعمى، والمقعد -بالقيد السابق-. جاء في»الإنجاد«(١/ ٢٢٧):»وذهب مالك إلى أنه لا يُقتَل الهَرِم، ولا الأعمى، ولا المعتوه، ولا المُقْعَد، ولا أصحاب الصوامع الذين لا يخالطون النّاس، يعني: أنه لا أذى عندهم بقتال ولا مشاركة رأي؛ لانفرادهم ونحو ذلك، ورُوي عن أبي حنيفة وأصحابه، وقال الأوزاعيّ: «لا يُقْتل الحرّاث، ولا الراهب ولا الشيخ الكبير ولا المجنون». وجاء في «المغني» (١٠/ ٥٤٢): «ولنا في الزَّمِن (١) والأعمى أنّهما ليسا من أهل القتال فأشبها المرأة». قلت: وقد اختلف العلماء في العِلَّة الموجبة للقتل، فمنهم مَن قال: --------------------- (١) الزَّمِن: مَنْ مَرِض مرضًا يدوم زمانًا طويلًا وضعف بكِبر سنٍّ أو مطاولة عِلَّة. العِلَّة هي الكُفر (١) لقوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، وقوله - ﷺ -: «أُمِرتُ أن أُقاتل النّاس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله ...» (٣). ومنهم من قال: العِلَّة هي القتال وما في معناه؛ كالمشاركة في الرأي والمشورة. قلت: والراجح هو الثاني لما يأتي: أ. قوله -تعالى-: ﴿وَقاتلُوا في سَبِيلِ اللهِ الذين يُقاتلُونَكم﴾ (٤)، ففيه عدم قتال من لم يُقاتِل. ب. لاستثناء أصنافٍ من الكُفار؛ كالنساء والصبيان والعسفاء، كما في النصوص الثابتة المتقدِّمة، فلا يُسلَّم لهم بما ذهبوا إليه مِن عموم قوله -تعالى-: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥). ج. تعليل إنكار النبيّ - ﷺ - قَتْل المرأة في الحديث المتقدّم بقوله: «ما كانت تقاتل». ----------------------- (١) انظر «المحلى» (المسألة ٩٢٨). (٢) التوبة: ٥. (٣) أخرجه البخاري: ١٣٩٩، ومسلم: ٢٠. (٤) البقرة: ١٩٠. (٥) قلت: بل إنّ هذه الآية الكريمة هي إباحةٌ بعد حظر، ونَصُّ الآية: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، فبعد الإباحة يَرجع الحُكم إلى ما كان قبل الحظر -واجبًا كان أو مستحبًا- كما في «المسوَّدة» وهو هنا يرجع إلى وجوب القتال، وما هي سِمة القتال: إنها على النَّحو الذي كان قبل حظر القتال، وليس له علاقة بما ذهبوا إليه من قَتْلِ كلّ مشرك؛ ومنهم الرهبان وأصحاب الصوامع ... !! بل ينبغي تقييد الآية السابقة بقوله -تعالى-: ﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ الذين يُقاتِلُونَكم﴾ فيكون المعنى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين الذين يقاتلونكم حيث وجدتموهم﴾، وكذا ينبغي إخراج الأصناف الثابت إخراجها من هذه الآية؛ كالنساء والصبيان والعسفاء ... إلخ. والله -تعالى- أعلم. د. وهذا يقوِّي ما قاله الفقهاء من عدم مشروعية مقاتلة مَن لا رأيَ لهم في القتال، ولا هم فيه مِن أهل المشورة. وقال شيخ الإسلام -رحمه الله- في»مجموع الفتاوى«(٢٨/ ٣٥٤):»وإذا كان أَصْل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصودُه هو أن يكونَ الدين كلُّه لله، وأن تكونَ كلمة الله هي العليا، فمن امتنَع مِن هذا قوتل باتفاق المسلمين. وأمّا من لم يكن مِن أهل الممانعة والمقاتَلة، كالنساء والصبيان، والراهب، والشيخ الكبير، والأعمى، والزَّمِن، ونحوِهم فلا يُقْتَل عند جمهور العلماء؛ إلاَّ أن يُقاتِل بقولِه أو فِعْلِه، وإنْ كان بعضهم يرى إباحةَ قَتْلِ الجميع لمجرد الكفر؛ إلاَّ النساءَ والصبيان؛ لكونهم مالًا للمسلمين. والأوّل هو الصواب؛ لأن القتال هو لمن يقاتلنا، إذا أرَدْنا إظهارَ دينِ الله، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (١)، وفي «السنن» عنه - ﷺ -: «أنَّه مرَّ على امرأةٍ مقتولة في بعض مغازيه، قد وقف عليها الناس. فقال: ما كانت هذه لتُقاتِل» (٢). وقال لأحدهم: «الحَقْ خالدًا فقل له: لا تَقْتُلوا ذُريّةً ولا عسيفًا» (٣). وذلكَ أنّ الله تعالى أباحَ مِنْ قَتْلِ النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال -تعالى-: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٤). أي: أنّ القتل وإنْ كان فيه شرٌّ وفساد، ففِي فِتْنة الكُفّار مِن الشرّ والفساد ما هو أكبر منه. ----------------------- (١) البقرة: ١٩٠. (٢) تقدّم تخريجه. (٣) تقدم تخريجه. (٤) البقرة: ٢١٧. فمن لم يمنع المسلمين من إقامة دين الله لم تكن مَضَرَّةُ كُفْره إلاَّ على نفسه؛ ولهذا قال الفقهاء: إنّ الداعية إلى البِدع المخالفةِ للكتاب والسنة؛ يعاقَب بما لا يُعاقَب به الساكت ...». ٦ - النهي عن التحريق بالنّار: عن حمزةَ الأسلمي -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - أمَّره على سريَّة، قال: فخرجْتُ فيها، وقال: إنْ وَجدْتُم فلانًا فأحرقوه بالنار، فولَّيْتُ، فناداني فرجعتُ إليه، فقال: إنْ وجدتم فلانًا فاقتلوه، ولا تُحْرِقُوه، فإنّه لا يُعذِّبُ بالنار إلاَّ ربُّ النَّار» (١). وعن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه قال: «كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَة (٢) معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحُمَّرَة فجعلت تُفَرِّشُ (٣)، فجاء النبي - ﷺ - فقال: مَن فَجَع هذه بولدها؟ ردُّوا ولدها إليها. ورأى قرية نملٍ قد حرقناها، فقال من حَرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنّه لا ينبغي أن يُعذّب بالنار إلاَّ ربّ النار» (٤). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: «بَعَثَنا رسول الله - ﷺ - في بعثٍ فقال: إنْ وجدْتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنّار، ثمّ قال رسول الله - ﷺحين أردنا الخروج-: إنّي أمرتُكم أن تُحرقوا فلانًا وفلانًا، وإنَّ النّار لا يُعذِّب بها إلاَّ الله، ------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٢٧). (٢) طائر صغير كالعصفور،»النّهاية«. (٣) هو أن تفْرش جناحيها وتقرُب من الأرض وتُرفرف،»النّهاية«. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٢٣٢٩). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#171 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 106الى صــ120 الحلقة (169) فإنْ وجدتموهما فاقتُلوهما» (١). وأمّا ما ورد في إحراق زروع الكفّار وقطْع أشجارهم، فهذا مِن باب قوله -تعالى-: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٢). وقوله -تعالى-: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣). وقوله -تعالى-: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤). قال ابن القيم -رحمه الله- في «أعلام الموقعين» (١/ ٣٢٨): «وقد صرَّح الفقهاء بجواز إحراق زروع الكفار وقطْع أشجارهم إذا كانوا يفعلون ذلك بنا وهذا عين المسألة، وقد أقرّ الله -سبحانه- الصحابة على قطْع نخل اليهود لما فيه مِن خزيهم، وهذا يدلّ على أنه -سبحانه- يُحبّ خزي الجاني الظالم ويُشرِّعُه». قلت: يُشير -رحمه الله- إلى قوله- سبحانه-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ (٥) أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٦). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٠١٦. (٢) البقرة: ١٩٤. (٣) الشورى: ٤٠. (٤) النحل: ١٢٦. (٥) قال الحافظ في «الفتح» (٨/ ٦٢٩): «قال أبو عبيدة في قوله -تعالى-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾: أي مِن نخلة، وهي من الألوان، ما لم تكن عجوة أو برنية، إلاَّ أن الواو ذهبَت بكسر اللام، وعند الترمذي من حديث ابن عباس»اللينة: النخلة«في أثناء حديث، وروى سعيد بن منصور من طريق عكرمة قال: اللينة: ما دون العجوة. وقال سفيان: هي شديدة الصفرة تنشق عن النّوى». (٦) الحشر: ٥. عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - ﷺ - «حرَّق نخل بني النّضير وقطع، وهي البويرة (١)، فأنزَل الله -تعالى-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾» (٢). قال أبو عيسى: «وقد ذهَب قومٌ من أهل العلم، إلى هذا، ولم يروا بأسًا بقطع الأشجار، وتخريب الحصون، وَكَرِهَ بعضُهم ذلك وهو قول الأوزاعي، قال الأوزاعي: ونهى أبو بكر الصديقُ يزيدَ أن يَقطَع شجرًا مُثمرًا أو يُخرِّب عامرًا، وعمل بذلك المسلمون بعده. وقال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو وقطْع الأشجار والثمار، وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منهُ بدًا، فأمَّا بالعَبَث فلا تُحرَق، وقال إسحق: التحريقُ سُنة إذا كان أنكى فيهم» (٣). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٥/ ٩) قوله (٤): «(بابُ قطعِ الشجر والنخل) أي: للحاجة والمصلحة؛ إذا تعيّنَت طريقًا في نكاية العدو، ونحو ذلك. وخالف في ذلك بعض أهل العلم، فقالوا: لا يجوز قطْعُ الشجر المثمر أصلًا، وحَملوا ما ورَدَ مِن ذلك إمّا على غير المُثمر، وإمّا على أنّ الشجر الذي قُطع في قصة بني النضير؛ كان في الموضع الذي يقع فيه القتال، وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور. وقال أيضًا (٦/ ١٥٥): وقد ذهَب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب ----------------------- (١) البُويرة: موضع نخل بني النضير»شرح النّووي«. (٢) أخرجه البخاري: ٤٨٨٤، وفي مواضع عديدة، ومسلم: ١٧٥٦. (٣) انظر»سنن الترمذي" تحت حديث رقم (١٥٥٢). (٤) أي الإمام البخاري -رحمه الله-. في بلاد العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجُّوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن لا يفعلوا شيئًا مِن ذلك. وأجاب الطبري بأنَّ النَّهي محمولٌ على القصد لذلك، بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في خلال القتال؛ كما وقَع في نصب المنجنيق على الطائف، وهو نحو ما أجاب به في النهي عن قَتْل النساء والصبيان، وبهذا قال أكثر أهل العلم، ونحو ذلك القتل بالتغريق. وقال غيرُه: إنما نهى أبو بكر جيوشَه عن ذلك؛ لأنّه علم أنّ تلك البلاد ستُفتَح فأراد إبقاءها على المسلمين. والله أعلم». انتهى. قلت: والذي يترجّح لديّ أنّ الحرق والقطع ونحوَهما جائز بنص الكتاب والسُّنة، والأمر يرجع إلى الحاكم في الفعل والترك، فإنْ رأى مصلحةً في مرحلةٍ ما في حرق الزروع والثمار -ومثل ذلك هدم مؤسسات ومبانٍ (١) - فعلَ ذلك، وإنْ رجّح الاستفادة منها لنصرٍ يرجوه، ولم يرَ فائدةً مِن قطعها وحرْقها لم يفعل. أمّا أبو بكر -رضي الله عنه- فإنّه لم يَفُتهُ دليل الكتاب والسنّة، ولكن لا يخفى أنّ الدليل يدلّ على المشروعية، والمشروعية قد تكون ركنًا أو واجبًا، أو مندوبًا أوُ مستحَبًّا. وقد كان موقف أبي بكر -رضي الله عنه- لمصلحةٍ رآها جمْعًا بين النصوص؛ والله -تعالى- أعلم (٢). ------------------- (١) قال الإمام البخاري -رحمه الله- في (كتاب الجهاد باب - ١٥٤): (باب حرق الدور والنخيل). (٢) انظر ما جاء في كتابي «الموسوعة» (٦/ ٢٠٥ - ٢١١). ٧ - النهي عن المُثلَة: كما في حديث بريدة -رضي الله عنه- المتقدم «ولا تَمثُلُوا». أمّا ما ورد في حديث أبي قلابةَ عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «أنّ رهطًا من عُكل -أو قال: عُرَيْنةَ، ولا أعلَمُه إلاّ قال: مِن عُكْلٍ- قَدموا المدينة، فأمَر لهم النبيّ - ﷺ - بِلِقاح (١)، وأمَرَهم أن يخرجوا فيشربوا مِن أبوالها وألبانها، فشربوا حتى إذا برئوا قَتَلوا الراعي، واستاقوا النَّعَم، فبلغَ النبي - ﷺ - غُدوةً، فبعَث الطّلبَ في إثرِهم، فما ارتفَع النهار حتى جيء بهم، فأمَرَ بهم فقطَع أيديَهم وأرجلَهم، وسمَر (٢) أعينهم، فأُلْقُوا بالحرّة يَسْتَسْقُون فلا يُسقَون» (٣). قال أبو قِلابةَ: «هؤلاء قوم سَرَقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله» (٤). وفي رواية: «فأنزل الله -تبارك وتعالى- في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ (٥)» (٦). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن رسول الله - ﷺ -: «ونَزَلت فيهم آية المحاربة» (٧). --------------------- (١) اللقاح: جمع لِقحة وهي الناقة الحَلوب، «شرح الكرماني». (٢) سمرَ: -مخفّفة ومشددة- أي كَحَلَها بمسامير، «شرح الكرماني». (٣) أخرجه البخاري: (٦٨٠٥)، ومسلم (١٦٧١). (٤) أخرجه البخاري: (٦٨٠٥). (٥) المائدة: ٣٣. (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٧٠). (٧) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي»: (٣٧٧٢). وفي رواية: «... فلمّا صحّوا كفروا بعد إسلامهم، وقتَلوا راعيَ رسول الله - ﷺ - مؤمِنًا، واستاقوا ذود (١) رسول الله - ﷺ - وانطلقوا محاربين» (٢). فهذا من باب عقوبة الحِرابة وقد قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). وعن عبد الله بن يزيد -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - «أنّه نهى عن النُّهْبَة والمُثْلَة» (٤). وعن الهيّاج بن عمران أنّ عمران أبَقَ (٥) له غلام، فجعَل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده، فأرسلني لأسأل له، فأتيت سَمَرة بن جُنْدُب فسألتُه، فقال: كان نبيّ الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة وينهانا عن المُثْلَة، فأتيت عمران بن حصين فسألته، فقال: كان رسول الله - ﷺ - يحثّنا على الصدقة وينهانا عن المُثلَة«(٦). ٨ - الغُلول والنُّهْبَة: كما في حديث بريدة -رضي الله عنه- المتقدّم» ... ولا تغُلُّوا«.(١) الذّود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل ما بين الثلاث إلى العشر»النّهاية«. (٢)»صحيح سنن النسائي«(٣٧٦٢)، وأصل أكثر هذه الألفاظ في»الصحيحين«كما تقدّم. (٣) المائدة: ٣٣ - ٣٤. (٤) أخرجه البخاري: ٥٥١٦. (٥) أي: هرب. (٦) أخرجه أبو داود (٢٦٧٦)، وصححه شيخنا -رحمه الله- وانظر»الإرواء" (٢٢٣٠). وسيأتي الحديث عن الغلول في باب خاصٍّ؛ حين التحدّث عن الغنيمة؛ بإذن الله -تعالى-. وعن عبد الله بن يزيد -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ -: «أنّه نهى عن النُّهْبَة والمُثْلَة» (١). وقال الحافظ -رحمه الله- (٩/ ٦٤٤): «النّهب: أخْذ مال المسلم قهرًا جهرًا، ومنه أخذ مال الغنيمة؟ قبل القسمة، اختطافًا بغير تسوية». ٩ - النهي عن الغدر: كما في حديث بريدة -رضي الله عنه- أيضًا المتقدّم: «... ولا تغدِروا». وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: سمعت النبيّ يقول: «لكل غادرٍ لواء يُنصب بغدرته يوم القيامة» (٢). قلت: وهذا اللفظ عام يتضمن الغدر للمسلم والكافر. لذلك بوّب له الإمام البخاري -رحمه الله- في «صحيحه» بقوله: «باب إثم الغادر للبَرِّ والفاجر» (٣). ...........................(١) أخرجه البخاري: ٥٥١٦، وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري: ٣١٨٨، ومسلم: ١٧٣٥. (٣) انظر «صحيح البخاري» (كتاب الجزية والموادعة باب - ٢٢). هل تُرمى حصون العدوّ بالمنجنيق ونحوه من المهلكات وفيهم النساء والذرية؟ قال في «الإنجاد» (١/ ٢٣٦) -بتصرف يسير-: "اختلفوا في رمي حصون العدو بالمنجنيق ونحوِه من المُهْلِكات، وفيهم النساء والذُّرِيَّة، وأُسارى المسلمين؛ فذهَب مالك والشافعيّ وأبو حنيفة والأوزاعي وغيرهم إلى جواز ذلك في الجملة؛ على ما نُفصِّله عنهم، وقيل: لا يجوز ذلك. ذَكرَ فَضْلٌ أنَّ ابنَ القاسم مِن أصحاب مالكٍ رَوَى عنه المنعَ مِن رَمْيِهم بالمجانيق، أو إرسالِ الماء عليهم ليغرقوا؛ إذا كان معهم النساء والأطفال. فأمَّا أبو حنيفة، فذَهَب إلى جواز رَمْيها وتحريقها عليهم بالنّار، وإنْ كان فيها الأسارى والأطفال، وكذلك عنده: لو تَتَرَّسوا بالمسلمين، رُموا -أيضًا-. قال: ويُقصد بذلك مَن فيها من الكُفَّار، فإنْ أصابوا في ذلك مُسلِمًا فلا دِيَة ولا كفّارة. وقال الشافعي: لا بأس برمي الحصن بالمنجنيق والنّار، وكلّ ما فيه نكاية، وفيه النساء والأطفال، ولم يَرَ رَمْيَهم إذا تَتَرَّسوا بالمسلمين إلاَّ في حال الاضطرار؛ حيث يخافهم المسلمون على أنفسهم إنْ كَفُّوا عنهم، فحينئذٍ يُقاتَلون، ولا يُتَعَمَّدُ قَتْلُ مسلم. وقد قيل: يُكَفّ عنهم على كلِّ حال إذا لم يكن بُدٌّ مِن إصابة المسلم، وأيُّ مسلمٍ أصيب ممّن لم يَقْصِد الرامي قَصْدَه بالرمية ولم يره، فعليه تحرير رقبة، ولا دِيَة له، وإنْ كان رآه، وعَرَف مكانه ورمى، وهو مضطرٌ إلى الرَّمي، فعليه دِيَة وكفّارة، وإنْ تعمَّده ولم يكن مضطرًا فالقِصاص. وقال الأوزاعي: يُرمى الحصن بالمنجنيق والنار، وإنْ كان فيه أسرى المسلمين، فإنْ أُصيب أحدٌ مِن المسلمين؛ فهو خطأ تكون فيه الكفّارة والدِّيَة، ورأى أن يُكَفَّ عنهم، إذا تترّسوا بالمسلمين. وعن مالك إجازةُ الرمي بالمنجنيق، ومنْع التحريق بالنار، إلاَّ أن يكون الحصن ليس فيه إلاَّ المُقاتِلَة فقط، فعنه في ذلك روايتان: الإجازة والمنع، ولا أعلم له في التترّس قولًا، وظاهر مذهبه المنع. فأمّا دليل جواز رمي الحصون في الجملة -وفيها الذراريّ-: فما خرّجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، عن الصعب بن جثّامة قال:»سُئِل النبي - ﷺ - عن الدار مِن المشركين يُبيَّتون (٣)، فيصيبون مِن نسائهم وذراريّهم، فقال: «هم منهم» (٤). زاد البخاريّ (٥)، قال: وسَمِعْتُه يقول: «لا حِمى إلاَّ لله ولرسولِه» (٦). وقوله ----------------------- (١) (رقم: ٣٠١٢). (٢) (رقم: ١٧٤٥). (٣) قال بعض العلماء: أي أن يُغار عليهم بالليل، بحيث لا يُعرَف الرجل مِن المرأة والصبيّ. (٤) قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «قوله: (هم منهم) أي في الحُكم تلك الحالة، وليس المراد إباحةَ قَتْلِهم بطريق القصد إليهم؛ بل المراد إذا لم يُمكِن الوصول إلى الآباء؛ إلاَّ بوطء الذريّة، فإذا أُصيبوا لاختلاطهم بهم؛ جاز قَتْلُهم. وقال الكرمانيّ -رحمه الله- (١٣/ ٢٤):»والنهي عن قَتْلهم فيما إذا كانوا هم المقصودين، وكذلك النساء إذا قاتَلْن قُتِلْن أيضًا«. (٥) (رقم: ٣٠١٢). (٦) لا حِمى إلاَّ لله ولرسوله: قال الكرماني -رحمه الله- (١٠/ ١٨٢):»حِمى -بغير التنوين- لغةً: المحظور، واصطلاحًا: ما يَحمي الإمام من الموات والمواشي بعينها، ويمنع سائر = - ﷺوقد قيل له: لو أنّ خيلًا أغارَت من الليل، فأصابت مِن أبناء المشركين-قال: «هم مِن آبائهم» (١). فهذا في نِساء المسلمين وأبنائهم ظاهر، فأمَّا الأسرى مِن المسلمين يكونون معهم في الحصون، فدليلُ مَن أجاز ذلك؛ هو مِن طريق المعنى، وذلك أنَّ قولَه في أبناء المشركين: «هم من آبائهم» ليس على معنى أنهم كُفَّار؛ لأنهم لم يبلُغوا، فلم يخاطَبوا بَعْدُ بالإيمان، ولم يَجْرِ عليهم التكليف، فلا يصحُّ إطلاق وصْفِ الكفر عليهم، لكن معنى: «هم منهم»: رَفْعُ الخرج عن المسلمين في إصابتهم بحُكم الاضطرار، ومعرَّة الاقتحام، أي: لا مأثم يلحق في إصابتهم، فكذلك يجري المعنى في حُكْم الأسرى من المسلمين؛ إنْ أُصيب منهم أحدٌ في أثناء الاقتحام. ووجه المنعِ في الجملة على نحو ما رُوِي عن ابن القاسم: أن لا يُرموا بالمجانيق إذا كان معهم النساء والأطفال؛ عُموم النهي عن قَتْلهم؛ ولأنّ الحديث في إرخاص ذلك؛ إنَّما جاء في البيات والغارات، حيث تدعو الضرورة إلى المباغتة، ولا يوقَن بالذراريّ أن يُصابوا. وأمَّا رمي الحصون -وقد عُلم ما فيها من الذريَّة، والأمر فيهم على الرَّوية وعدم الاضطرار- فليس ممَّا أبيح مِن ذلك، هذا ونحوه هو الذي يتوجه لهذا القول. ---------------------- = الناس من الرعي فيها، والمقصود مِن الحصر؛ إبطال ما كان يحميه الرجل العزيز مِن أهل الجاهلية؛ يأتي الأرض الخصبة فيستَعوي كلبًا؛ فيحمي مدى صوت الكلب من كل وجهة، ويمنع الناس أن يرعوا حوله". (١) أخرجه مسلم: (١٧٤٥ - ٢٨). والأَوْلَى -إن شاء الله- والذي نختاره التفصيل في ذلك، فنقول [القول لمصنِّف «الإنجاد»]: أمَّا إنْ لم يُعلم في الحِصنِ أحدٌ من أُسارى المسلمين؛ فالأظهر جواز رميِهم، مع كون النساء والذريَّة في جملتهم، بدليل الحديث في قوله: «هم منهم»، إذا لم يُقصَدوا، وكان إصابتهم لضرورة الاقتحام، ولقوله - ﷺ - فيهم: «لا حِمى إلاَّ لله ولرسوله». وأمَّا إنْ كان في الحصن أحدٌ من أسارى المسلمين، يُعلم ذلك، فالأظهر توقِّي استعمال ما لا يُؤمَن فيه إصابتُهم، فإْنْ عُلم أنّ ذلك لا يصيب الأسرى، فلا بأس، وذلك لأنّ حديث الصّعب بن جثَّامة؛ لم يجرِ فيه ذِكْر مُسلمٍ، إنما هو في نساء المشركين وأبنائهم، فلا يستباح بذلك الاجتراء في أمر المسلمين. وأظهرُ من هذا والأتمُّ حُجَّةً قولُ الله -تعالى- في تأخير القتال عن أهل مكة عام الحديبية: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). فهذا نصٌ في وجوب التَوقِّي. فإن قيل: إنَّ ذلك خاصٌّ بأهل مَكَّة، فهو دعوى؛ لأن الله -تعالى- إنَّما جعل الحُرمة في ذلك للإيمان لا للبلد، وهذا التفصيل والفَرْق الذي اخترناه؛ إنما نَعْني به الحُكمَ في قتال الحصون، وحيث لا ضرورة تدعو المسلمين؛ لكَسْر العدو ومدافعتهم. وأمَّا عند لقاء جيوش المشركين، وفيهم أُسارى من المسلمين، فأرجو -إن ---------------------- (١) الفتح: ٢٥. شاء الله- أن يكون كلّ شيءٍ مما يُنْكَى به العدوّ سائغًا، سواءٌ أُمِن أن يصيب الأسرى مِن ذلك شيءٌ أوْ لا، إلاَّ أنّهم لا يُتَعَمَّدون، ويُتحفَّظ عنهم بقَدْر الوُسع، وذلك أنَّ في الكفِّ عن القتال، وتَرْك الدِّفاع في مِثل هؤلاء الذين بَرزوا للمسلمين هلاكًا للناس، وتمكينًا لأهل الكُفر مِن الإسلام ﴿وَلَن يجعَلَ اَللهُ لِلكافِرينَ عَلَى المؤمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١). وهذا كلّه ما لم يتترس الكُفّار بالمسلمين، فإنْ تترسوا بهم، بحيث لا يُمكِن قتالُهم إلاَّ مِن وراء قَتْل مسلم، فالأرجح الذي نختاره؛ الكفُّ جُملةً، والقتال لا نراه على حالٍ مِنْ غير تفصيلٍ في قِتال الحصون أو الجيوش؛ لأنّ ذلك إنْ لم تكن ضرورة، فلا خفاءَ به، وإنْ كانت ضرورة بحيث يُبْقي المسلمون على أنفسهم في الكفِّ عن القتال؛ فذلك أيضًا موجودٌ إذا قاتَلوا بقَتْلهم المسلمين الذين تترَّس بهم العدوّ؛ من غير حقٍّ وجب عليهم مُبيحٍ لدمائهم، وليس لأحدٍ أن يَقْتُل مسلمًا بريئًا؛ لينجو بذلك مِن القتل ...». انتهى. قلت: والراجح عندي: أنَّ الأمر يدور حول ترجيح المصالح، واختيارِ أقلِّ الضرَرين وأخفّ الشرَّين؛ مع التحرُّجِ من قَتْل أُسارى المسلمين، ونساء وذراريِّ المشركين؛ تقصُّدًا وتعمُّدًا. ونلاحظ أنّ ترجيح المصنِّف؛ كان يدور حول المعنى المتقدِّم، وسوَّغ إصابة النّساء والذّرّية من المشركين؛ إن لم يكن بُدٌّ مِن ذلك لضرورة الاقتحام، وقد يكون القتال ليلًا، لا يُميَّز فيه الرجل من المرأة، ولا الصبيُّ من الرجل؛ كما ذكَر بعض العلماء. وذكروا قوله - ﷺ -: «لا حِمى إلاَّ لله ولرسوله - ﷺ -». ------------------ (١) النساء: ١٤١. ثمّ بيَّن وجوب توقِّي إصابة أُسارى المسلمين؛ حينما يكونون في حصون العدوِّ، ثمّ استدَلَّ بقوله -تعالى-: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (١). قال الحافظ ابن كثيرٍ -رحمه الله-: «﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ أي: بين أظهُرهم ممن يكتُم إيمانَه ويُخْفيه منهم خيفةً على أنفسهم مِن قومهم، لكُنَّا سلّطْناكم عليهم فقتلتموهم، وأبدْتُم خضراءَهم [يعني: سوادهم أو معظمهم]، ولكن بين أفنائِهم مِن المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالةَ القتل؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي: إثم وغرامة ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عقوبتَهم ليخلِّص مِن بين أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثيرٌ منهم إلى الإسلام. ثمّ قال -تبارك وتعالى-: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تميَّز الكُفّار مِن المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: لسلّطناكم عليهم فلقتلتموهم قَتْلًا ذريعًا». ثمّ ذكَر صاحب «الإنجاد» -رحمه الله-: ما يكون مِن شأن لقاءِ جيوش المشركين، وفيهم أسارى مِن المسلمين، فبيَّن تحريمَ تعمُّدِ إصابتهم، والتحفّظ عنهم بقدر الوُسع، وتسويغَ القتل لطالما هو ممّا يُنكى به العدوّ، مُبَيِّناَ خَطَر الكفّ عن القتال وتَرْك الدفاع، وأنّ في ذلك مفسدةً أعظم من إصابة بعض الأُسارى. ثمّ ذكَر مسألة تترُّس الكُفَّار بالمسلمين، واختار الكفَّ عن ذلك. ------------------ (١) الفتح: ٢٥. قلت: والراجح عندي في مسألة التترس كلام شيخ الإسلام، فقد قال - رحمه الله-: «وقد اتفق العلماء على أنّ جيش الكُفّار إذا تترَّسوا بمَن عندهم مِن أسرى المسلمين؛ وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتِلوا؛ فإنهم يقاتَلون، وإن أَفضى ذلك إِلى قَتْل المسلمين الذين تترَّسوا بهم، وإِن لم يُخَف على المسلمين؛ ففي جواز القتال المفضي إِلى قَتْل هؤلاء المسلمين؛ قولان مشهوران للعلماء، وهؤلاء المسلمون إذا قُتلوا كانوا شهداء، ولا يُتَرك الجهاد الواجب لأجل مَن يُقتَل شهيدًا» (١). أقول: إِن تترُّس الكُفَّار بالمسلمين؛ ممّا يدلّ على عدم إقامة وزنٍ للأسارى، فهم مُعرّضون للقتل مِن قِبَل الكُفّار في أيّ لحظة؛ فإنْ كان في حال عدمِ قتال الكُفّار؛ لا يُؤمَن سلامة الأسارى، ويُخشى انجرار القتل إلى غيرهم، واحتلال بعض مواقع المسلمين؛ فالقتال هو الأولى، ولو أُصيب المسلم ضرورةً مِن غير تعمُّد ولا تقصُّد، والله -تعالى- أعلم. الدعوة قبل القتال قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِبِينَ حَتى نَبعَثَ رَسُولًا﴾ (٢). عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- «أنّه سمِع النبيّ - ﷺ - يقول يوم خَيبر: لأُعطينّ الرايةَ رجلًا يَفتَحُ الله على يديه، فقاموا يرجون لذلك أيُّهُم يُعطى، فغَدوا وكلّهم يرجو أن يُعطى، فقال: أين عليّ؟ فقيل: يشتكي عينيه، فأمرَ فدُعي له فبصَق ---------------------- (١) انظر»مجموع الفتاوى«(٢٨/ ٥٤٦). وجاء ذِكرُه في التعليق على كتاب: الإنجاد» (١/ ٢٤١). (٢) الإسراء: ١٥. في عينيه، فبَرأ مكانَه؛ حتى كأنه لم يكن به شيء، فقال: نقاتلُهُم حتى يكونوا مثلَنا (١) فقال؛ على رِسلك (٢) حتى تنزل بساحتهم، ثمّ ادْعُهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأَن يُهدَى بك رجلٌ واحد؛ خيرٌ لك من حُمْر النَّعَم (٣)» (٤). وفي حديث بريدة -رضي الله عنه- المتقدم: «... وإذا لقيتَ عدوّك مِن المشركين فادْعُهم إلى ثلاثِ خصالٍ (أو خِلال). فأيتُهُنَّ ما أجابوك؛ فاقبَل منهم، وكُفَّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، فإنْ أجابوك فاقبَل منهم، وكُفَّ عنهُم، ثمّ ادْعهم إلى التحول مِن دارِهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إنْ فعَلوا ذلك؛ فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبَوا أن يتَحوَّلوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجري عليهم حُكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء؛ إلاَّ أنْ يجاهدوا مع المسلمين، فإنْ هم أبَوا فسَلْهم الجزية، فإنْ هم أجابوك فاقَبَل منهم وكُفَّ عنهُم، فإن هم أبَوا فاستَعِن بالله وقاتِلهم» (٥). جاء في «نيل الأوطار» (٨/ ٥٣) عقب قوله - ﷺ -: «ثمّ ادْعهم إلى الإسلام»: -------------------- (١) جاء في «نيل الأوطار» (٨/ ٥٥): المراد من المثليّة المذكورة؛ أن يتصفوا بوصف الإسلام، وذلك يكون في تلك الحال بالتكلم بالشهادتين، وليس المراد أنهم يكونون مثلَهم في القيام بأمور الإسلام كلِّها، فإنّ ذلك لا يمكن امتثاله حال المقاتَلَة. (٢) أي اتّئد ولا تعجل. (٣) هي الإبِل الحُمْر، وهي من أنفس أموال العرب، يضربون بها المثَل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه. «شرح النّووي». (٤) أخرجه البخاري: ٢٩٤٢، ومسلم: ٢٤٠٦. (٥) أخرجه مسلم: ١٧٣١ وتقدّم. «وفيه دليل على وجوب تقديم دعاء الكفار إلى الإسلام قبل المقاتَلَة». وفي المسألة ثلاثة مذاهب: الأول: أنّه يَجِب تقديم دعاء الكُفّار إلى الإسلام، مِن غير فرْقٍ بين من بلَغتْه الدعوة منهم، ومن لم تبلغه، وبه قال مالك والهادوية وغيرهم، وظاهر الحديث معهم. والمذهب الثاني: أنّه لا يَجب مطلقًا. المذهب الثالث: أنّه يَجب لمن لم تبلغهم الدعوة، ولا يَجِب إنْ بلغَتْهم لكن يُستحَبّ. قال ابن المنذر: وهو قول جمهور أهل العلم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على معناه، وبه يجمع بين ما ظاهره الاختلاف من الأحاديث. وقال الإمام البخاري -رحمه الله-: «(باب دعوة اليهود والنصارى، وما يقاتلون عليه، وما كتب النبيّ إلى كسرى وقيصر والدعوة قبل القتال (١» (٢). وعن ابن عون قال: كتبتُ إلى نافع، فكتَب إليّ إنّ النبيّ - ﷺ - أغارَ على بني المُصْطَلِق وهم غارّون، وأنعامُهم تُسقى على الماء، فقَتَل مُقاتِلتَهم وسبى ذراريَّهم، وأصاب يومئذٍ جُوْيرية. حدثني به عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش» (٣). وفي لفظ: قال ابن عون: «كتبتُ إلى نافعٍ أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: -------------------------- (١) انظر»صحيح البخاري" (كتاب الجهاد والسِّير) (باب ١٠١). (٢) ثم ذكر تحته حديثين انظرهما -إن شئت- برقم (٢٩٣٨، ٢٩٣٩). (٣) أخرجه البخاري: ٢٥٤١، ومسلم: ١٧٣٠. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#172 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 121الى صــ135 الحلقة (170) فكتَب إليّ إنما كان ذلك في أوّل الإسلام، قد أغار رسول الله - ﷺ - على بني المصطلِق وهم غارّون ...» (١). جاء في «كتاب الإنجاد» (ص ١٦٨): -بعد ذكر حديث سهل رضي الله عنه-: «فتضمَّن ظاهرُ القرآن، ونصُّ حديث سهلٍ؛ الأمرَ بالدعاء إلى الإسلام قبل القتال، وجاء في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- مباغتَتُهم، والإغارةُ عليهم وهم غارُّون، فوجَب أن يُرجَع ذلك إلى اختلاف أحوال الكُفّار؛ فيمن كان قد علِمَ بأمر النبيّ - ﷺ -، وما يُقاتِلُهم عليه، داعيًا إلى الله -تعالى-، وإلى دين الإسلام، أو كان لم يعلم شيئًا من ذلك. والدليل على ذلك قوله في الحديث:»إنما كان ذلك في أول الإسلام«، يعني: دعاءَهم قبل القتال، حيث كانوا جاهلين بأمر النبيّ - ﷺ -، وأحوالُ الكُفّار لا تخلو مِن هذين الوجهين، فأمّا من عُلِمَ، وتُحُقِّق أنّه لم تبلغه دعوة الإسلام، ولا عُلِمَ ماذا يراد منه بالقتال، فلا خِلافَ يُعرفُ أنّه يجب أن يُدعى قبلُ إلى الإسلام، ويعلم بما يجب في ذلك، فإنِ امتنعوا قوتلوا حينئذٍ» (٢). وقال (ص ١٧١): «قال ابن المنذر: ... وكان الشافعيّ وأبو ثور يقولان: فإنْ كان قومٌ لم تبلُغهم الدعوة، ولا عِلْم لهم بالإسلام، لم يقاتَلوا حتى يُدْعَوا إلى الإسلام، قال ابن المنذر: وكذلك نقول». انتهى. قلت: وقد بوّب الإمام النّووي -رحمه الله- للنص الذي قاله نافع، وكان قد حدّثه هذا الحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قائلًا: (باب جواز ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٧٣٠. (٢) انظر تتمة الكلام للمزيد من الفائدة -إن شئت-. الإغارة على الكُفّار الذين بلَغتْهم دعوة الإسلام، مِنْ غير تقدُّم الإعلام بالإغارة». الدعاء عند القتال عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «لمّا كان يومُ بدر؛ نظَر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعةَ عشرَ رجلًا، فاستقبل نبيُّ الله - ﷺ - القبلة، ثمّ مدّ يديه فجعَل يهتف بربّه: اللهم أنجِز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعَدتَني، اللهم إنْ تُهلِكْ هذه العِصابة (١) مِن أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة، حتى سَقَط رداؤه عن مَنْكِبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على مَنْكِبيه ثمّ التزمه مِن ورائه، وقال: يا نبيّ الله كفاك مناشدتُك ربِّك (٢)؛ فإنه سيُنجِز لك ما وعدَك فأنزَل الله -عز وجل-: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٣)﴾ (٤) فأمدّه الله بالملائكة. قال أبو زُمَيل: فحدَّثني ابن عباس قال: بينما رجل مِن المسلمين يومئذ، يَشتدّ في أَثر رجل من المشركين أمامه؛ إذ سمع ضربةً بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدِم حيزوم (٥) فنظَر إلى المشرك أمامه فخرَّ مُستلقيًا. ----------------------- (١) أي: الجماعة. (٢) المناشدة: السؤال، مأخوذة مِن النشيد، وهو رفْع الصوت،»شرح النّووي«. (٣) أي: يردف بعضهم بعضًا، فهم متتابعون، وراء كلّ ملَك، ملَك، على أثر بعضهم،»ملتقط من تفسير ابن كثير". (٤) الأنفال: ٩. (٥) اسم فرس المَلك. فنظَر إليه، فإذا هو قد خُطِمَ أنفُه (١)، وشُقَّ وجهُه كضربةِ السوط، فاخضرَّ ذلك أجمَعُ، فجاء الأنصاري، فحدَّث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: صدْقتَ ذلك مِن مَدَد السماء الثالثة، فقَتَلوا يومئذٍ سبعين وأسروا سبعين» (٢). وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن النبيّ - ﷺ - كان إذا خاف قومًا قال: «اللهمّ إنّا نجعلُكَ في نحورهم، ونعوذُ بك مِن شرورهم» (٣). وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثنتان لا تُردّان -أو قلّما تُردّان-: الدعاء عند النداء، وعند البأس حين يُلْحِمُ (٤) بعضُهم بعضًا» (٥). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله إذا غزا قال: «اللهم أنت عَضُدي ونَصيري، بك أحول، وبك أصول (٦)، وبك أقاتل» (٧). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «﴿حَسْبُنَا اَللهُ وَنِعْمَ الوكيلُ﴾ ---------------------- (١) الخطم: الأثر على الأنف. (٢) أخرجه مسلم: ١٧٦٣. (٣) أخرجه أبو داود والنسائي، وصححه شيخنا -رحمه الله في»الكَلِم الطيب«، رقم (١٢٤). (٤) بضم الياء وكسر الحاء كما قال المناوي، وجاء في»النّهاية«:»أيْ يَشْتَبِك الحرْبُ بينهم، ويَلْزَم بعضُهم بَعْضًا«. (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٢١٥)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»المشكاة«(٦٧٢). (٦) أي: أسطوا وأقهر، والصولة: الحملة والوثبة.»النّهاية«. (٧) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٩١)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٨٣٦) وانظر»الكَلِم الطيب"، بتحقيق شيخنا -رحمه الله- رقم (١٢٥). قالها إبراهيم -عليه السلام- حين أُلقي في النّار، وقالها محمّد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١)» (٢). وعن عليٍّ -رضي الله عنه- قال: «لمّا كان يومُ الأحزاب، قال رسول الله - ﷺ -: مَلأ الله بيوتَهم وقُبورهم نارًا، شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ حين غابت الشمس» (٣). وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنهما- قال: دعا رسول الله - ﷺ - يوم الأحزاب على المشركين فقال: «اللهم مُنْزِل الكتاب، سريع الحساب، اللهمّ اهزم الأحزاب، اللهمّ اهزمهم وزَلْزِلهم» (٤). وفي لفظ: «اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ» (٥). الإلحاح على الله -تعالى- في طلب النصر فيه حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- المتقدّم: «... فما زال يهتف بربه مادًّا يديه، مُستقبل القبلة حتّى سقَط رداؤه عن مَنْكِبيه». وفي رواية: «قال: قال النبيّ - ﷺ - وهو في قُبّة (٦): اللهمّ إني أَنشُدُك عهدَك ----------------------- (١) آل عمران: ١٧٣. (٢) أخرجه البخاري: ٤٥٦٣. (٣) أخرجه البخاري: ٢٩٣١، ومسلم: ٦٢٧. (٤) أخرجه البخاري: ٢٩٣٣، ومسلم: ١٧٤٢. (٥) أخرجه البخاري: ٣٠٢٤، ومسلم: ١٧٤٢. (٦) القُبّة: كلّ بناء مدور، وقال ابن الأثير: القبّة من الخيام: بيت صغير وهو من بيوت العرب، ذكَره العيني -رحمه الله- في»عمدة القاري" (١٤/ ١٩٣). ووعدَك، اللهم إنْ شئتَ لم تُعْبَد بعد اليوم، فأخَذ أبو بكرٍ بيده فقال: حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك -وهو في الدرع (١) - فخرَج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (٢). وقال وُهَيب: حدّثنا خالد يوم بدر» (٣). كراهةُ تمنّي لقاءَ العدْوّ، والأمرُ بالصبر عند اللقاء (٤) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّه قال: «لا تَتَمنَّوا لقاء العدو، فإذا لقيتموهم فاصبِروا» (٥). وجوب الثبات عند لقاء العدوّ ومتى يجوز الفرار يَجِبُ ثبات المقاتلين عند لقاء العدوّ، لقول الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً (٦) فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٧). وتقدّم حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- «لا تتمنّوا لقاء العدوّ ...». ويحرُم الفِرار لقوله -سبحانه-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الذين كفروا ------------------------- (١) الدرع: هي الزَّرَديّة وهي: قميص من حلقاتٍ من الحديد متشابكة، يُلبس وقاية من السلاح. (٢) القمر:٤٥ - ٤٦. (٣) أخرجه البخاري: ٢٩١٥. (٤) هذا العنوان من «صحيح مسلم» (كتاب الجهاد والسِّير) (باب - ٦). (٥) أخرجه البخاري: ٣٠٢٤، ومسلم: ١٧٤٢. وتقدّم. (٦) أي تقاربتم منهم، ودنوتم إليهم. (٧) الأنفال: ٤٥. زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١) (٢). قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «يقول -تعالى- مُتوعّدًا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعَل ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي: تقاربتم منهم ودنوتم إليهم، ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: تَفرّوا وتتركوا أصحابكم، ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي: يَفرّ بين يدي قِرْنِه (٣) مكيدة؛ ليُريَه أنّه قد خاف منه فيتبعه، ثمّ يكرّ عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك، نصّ عليه سعيد بن جبير، والسدي. وقال الضحاك: أن يتقدَّم عن أصحابه ليرى غرةً مِن العدو فيصيبُها. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: فرَّ مِن هاهنا إلى فئةٍ أخرى مِن المسلمين، يُعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى ولو كان في سريةٍ ففرَّ إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم، دخَل في هذه الرخصة» انتهى. وعن عمر -رضي الله عنه- قال: «لو أنّ أبا عبيدة تحيَّز إلي، لكنت له فئة، وكان أبو عبيدة في العراق» (٤). -------------------------- (١) الأنفال: ١٥، ١٦. (٢) عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: نَزَلت في يوم بدر ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾. أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٤٨). (٣) أي: مثلِه في الشجاعة والشدّة والقتال. (٤) صححه شيخنا -رحمه الله في «الإرواء» (١٢٠٥). وفي لفظ عن سويد أنّه سمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- «يقول لمّا هُزم أبو عبيدة: لو أتوني كنت أنا فئتَهم» (١). وقال الضحاك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ المتحيز: الفارّ إلى النبيّ - ﷺ - وأصحابه، وكذلك مَن فرّ إلى أميره وأصحابه. فإمّا إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب؛ فإنّه حرام، وكبيرة من الكبائر (٢). عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات (٣)، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقَتْل النفس التي حرّمَ الله إلاّ بالحقّ، وأكْلُ الربا، وأكْل مال اليتيم، والتَّولي يومَ الزَّحف، وقذْف المحصناتِ (٤) المؤمنات الغافلات (٥)» (٦). ويجوز الفرار مِن الثلاثة ولا يجوز من الاثنين: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إنْ فَرَّ رجلٌ من اثنين فقد فرّ، ومَن فرّ مِن ثلاثة لم يَفرّ» (٧). -------------------- (١) أخرجه البيهقي، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (١٢٠٥). (٢) انظر «تفسير ابن كثير». (٣) الموبقات: المُهلِكات. (٤) المحصنات: العفائف. (٥) الغافلات: أي الغافلات عن الفواحش وما قُذفن به. «شرح النّووي». (٦) أخرجه البخاري: ٦٨٥٧، ومسلم: ٨٩. (٧) أخرجه البيهقي وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (١٢٠٦). وهو وإنْ كان موقوفًا؛ فله حُكم المرفوع؛ بدليل القرآن وسبب النزول (١). فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- لمّا نَزَلَتْ هذه الآية: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢). فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ نزَلَتْ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٣) فكَتَبَ أَنْ لَا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مِائَتَيْنِ. زَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً نَزَلَتْ: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ (٤)» (٥). وفي لفظ: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةِ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ فَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنْ الْعِدَّةِ نَقَصَ مِنْ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ» (٦). ------------------------ (١) انظر الإرواء (١٢٠٦) للمزيد من الفائدة. (٢) الأنفال: ٦٥. (٣) الأنفال: ٦٦. (٤) الأنفال: ٦٥. (٥) أخرجه البخاري: ٤٦٥٢. (٦) أخرجه البخاري: ٤٦٥٣. وخلاصة القول: وجوب الثبات عند لقاء العدوّ، وعدم التولي مِن ميدان القتال، إلاّ إذا رأى أنّ الأفضل والأنفع؛ أن يفرّ ويكرّ، أو يفرّ مِن فئة إلى أخرى من المسلمين؛ يعاونهم ويعانوه ويقوِّي بعضهم بعضا، مع جواز فِرار الرجل من الثلاثة، وتحريم فِراره من الرجلين. لأنه ربّما رجّح أنّه سيُقتل مِن غير فائدة مِن قِبَل الثلاثة، ففراره على التفصيل السابق، أو لأجل معركة أُخرى، وهو الأنفع، والله -تعالى- أعلم. وجاء في «المغني» (١٠/ ٥٥٣): "وإذا كان العدوّ أكثرَ من ضِعف المسلمين، فغلَبَ على ظنّ المسلمين الظَّفَر، فالأولى لهم الثبات؛ لما في ذلك من المصلحة. وإنْ انصرفوا جاز؛ لأنّهم لا يأمنون العَطَب والحُكم عُلّق على مظنّته، وهو كونهم أقلَّ مِن نصف عددهم، ولذلك لَزمَهم الثبات؛ إذا كانوا أكثر من النصف، وإنْ غلَب على ظنّهم الهلاك فيه، ويحتمل أن يلزَمهم الثبات إنْ غلَب على ظنّهم الظَّفَر، لما فيه مِن المصلحة. وإن غلب على ظنهم الهلاك في الإقامة، والنجاة في الانصراف؛ فالأولى لهم الانصراف، وإنْ ثبتوا جاز، لأنّ لهم غرضًا في الشهادة، ويجوز أن يغلبوا أيضًا. وإنْ غلَب على ظنهم الهلاك في الإقامة والانصراف، فالأولى لهم الثبات، لينالوا درجة الشهداء المُقبِلين على القتال محُتسِبين، فيكونون أفضل مِن المولّين، ولأنه يجوز أن يَغلِبوا أيضًا، فإنّ الله -تعالى- يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١) ولذلك صبَر عاصم وأصحابُه، فقاتلوا -------------------- (١) البقرة: ٢٤٩. حتى أكرَمهم الله بالشهادة». جاء في «المغني» (١٠/ ٥٥٠): «ولا يحلُّ لمسلم أن يهرب مِن كافِرَين، ومُباح له أن يهرب مِن ثلاثة، فإن خشي الأسرَ قاتل حتى يُقتَل» انتهى. أقول: فينبغي علينا أن نتعرّف حقيقةً مُرَّة: وهي أنّ الإنسان -لو وقع الجهاد!!! - قد يفرّ مِن عشرين أو ثلاثين؛ إذا عَلِمت أنّ الكُفار بعضهم أولياء بعض وأن المسلمين متفرّقون متناحرون متنازعون، وأنّ الكفّار أكثر إعدادًا وعددًا وسلاحًا وقوةً وتقدُّمًا علميًّا، ونكاد أن نكون في مرتبة المتخلّفين!. فلماذا لا يكون التقويم سديدًا في أمور الجهاد والقتال؟! وليس مرادي أن نَكِلَّ ونيأس؛ فقد قال ربُّنا سبحانه على لسان يعقوب -عليه السلام-: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١). بل مرادي مِنْ ذلك، أن نسلُك الطريق الصحيح في الإعداد الجهادي المفضي إلى النصر بإذن الله -تعالى- (٢). المبايعة على الموت أو عدم الفرار عن مَعْقِل بن يَسار -رضي الله عنه- قال: «لقد رأيتُني يومَ الشجرة، والنبيّ - ﷺ - يبايع النّاس وأنا رافع غُصْنًا مِن أغصانها عن رأسه، ونحن أربعَ عَشْرَةَ مائةً، قال: لم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفرّ» (٣). ------------------- (١) يوسف: ٨٧. (٢) وانظر عنوان (عَجَبًا مِن التخبط والعشوائية في طلب النّصر). (٣) أخرجه مسلم: ١٨٥٨، ورواه النسائي «سنن النسائي» عن جابر، وقال شيخنا -رحمه الله - «صحيح». وعن يزيدَ بنِ أبي عبيد مولى سلمةَ بن الأكوع قال: «قلت لسلمة: على أيِّ شيء بايعتم رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية؟ قال: على الموت» (١). قلت: ليس في هذا تعارُض؛ لأن المبايعة على عدم الفرار -وهو المطلوب- لا يلزم منها الموت دائمًا. قال الحافظ -رحمه الله-: «... المراد بالمبايعة على الموت أن لا يفرّوا ولو ماتوا، وليس المراد؛ أن يقع الموت ولا بُدّ». التحنُّط (٢) عند القتال (٣) عن موسى بن أنس قال: وذَكر يوم اليمامة -قال: «أتى أنسٌ ثابت بن قيس وقد حَسَرَ (٤) عن فَخِذيه، وهو يتحنَّط، فقال: يا عَمِّ ما يَحبِسُك أن لا تجيء؟ قال: الآن يا ابن أخي؟ وجعل يتحنَّط -يعني من الحنُوط-. ثمّ جاء فجلَس فذكرَ في الحديث انكشافًا من الناس (٥) فقال: هكذا عن وجوهنا (٦) حتى نضارب القوم، ما هكذا كنا نفعل مع رسول الله - ﷺ - (٧)، بئس ما --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٩٦٠، مسلم: ١٨٦٠. (٢) التحنّط عند القتال: أي استعمال الحَنوط، وهو ما يُطيَّب به الميت.»الفتح«. (٣) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(باب - ٣٩). (٤) حسَر: كشف. (٥) في رواية ابن أبي زائدة:»فجاء حتى جلَس في الصفّ، والناس ينكشفون«أي: ينهزمون،»الفتح«. (٦) هكذا عن وجوهنا: أي افسحوا لي حتى أقاتِل. (٧) أي بل كان الصف لا ينحرف عن موضعه.»الفتح". عوَّدْتُم أقرانكُم (١)» (٢). مَا يُتَعَوَّذُ مِنْ الْجُبْنِ (٣) عن عمرو بن ميمون الأودي قال كان سعدٌ يُعلّم بنيه هؤلاء الكلمات كما يُعلّم المعلمُ الغلمان الكتابة، ويقول: «إنّ رسول الله - ﷺ - كان يتعوّذ منهنّ دُبرَ الصلاة، اللهمّ إنّي أعوذ بك مِن الجُبن، وأعوذ بك أن أُرَدَّ إلما أرذل العُمُر، وأعوذ بك مِن فتنة الدنيا، وأعوذ بك مِن عذاب القبر» (٤). وعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول: «اللهمَّ إنّي أعوذ بكَ من العَجْز والكَسَل، والجُبن والهرَم، وأعوذ بك مِن فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك مِن عذاب القبر» (٥). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «شرُّ ما في --------------------- (١) أقرانكم: نظراءَكم، أراد توبيخ المنهزمين، أي: عودتموهم الفرار حتى طمعوا فيكم.»الفتح«بتصرف. قلت: فواحرّ قلباه ماذا لو رأى -رضي الله عنه- ما نحن عليه الآن وماذا لو رأى ما عَوّدْنا به أعداءَنا الآن؟! (٢) أخرجه البخاري: ٢٨٤٥. (٣) هذا العنوان من»صحيح البخاري" (كتاب الجهاد والسير) (باب - ٢٥). (٤) أخرجه البخاري: ٢٨٢٢. (٥) أخرجه البخاري: ٢٨٢٣، ومسلم: ٢٧٠٦. الرجل شحٌّ (١) هالع (٢)، وجُبْنٌ خالع (٣)» (٤). قال شيخ الإسلام -رحمه الله- في «المجموع» (٢٨/ ٢٦): «ومِن شرط الجندي أنْ يكون دَيِّنًا شجاعًا. ثمّ قال: الناس على أربعة أقسام: أعلاهم الدَّيِّن الشجاع؛ ثمّ الدَّيِّن بلا شجاعة؛ ثمّ عكسه؛ ثمّ العري عنهما». ما جاء في المبارزة (٥) عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رضي الله عنه- قالَ: «أنا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو (٦) بَيْنَ يَدَيْ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ اَخْتَصمُوا في رَبّهِم﴾ (٧) قَالَ: هُمْ الَّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ، حَمْزَةُ وَعَليٌّ وَعُبَيْدَةُ -أَوْ أَبو عُبَيْدَةَ بْنُ الحْارِثِ- وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ» (٨). -------------------- (١) قال في «النّهاية»: «الشُّحُّ: أشدّ البُخل، وهو أبلغ في المنع من البُخل، وقيل: هو البُخل مع الحِرص، وقيل: البُخل في أفراد الأمور وآحادها، والشُّحُّ عامٌّ: وقيل البخل بالمال، والشُّحُّ بالمال والمعروف». (٢) الهَلَع: أشدّ الجزَع والضَّجَر. (٣) أي: شديدٌ؛ كأنه يخلع فؤاده من شدّة خوفه ... والمراد به: ما يَعْرِض من نوازع الأفكار، وضعف القلب عند الخوف. «النّهاية». (٤) أخرجه أبو داود وغيره، وصحَّحه شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٥٦٠). (٥) ملخص من كتاب «الإنجاد» (١/ ١٩٦) وأضفْتُ له أثرَ أنسِ بن مالك -رضي الله عنه-. (٦) يجثو: أي يقعُد على رُكبتيه مخُاصِمًا، والمراد بهذه الأوَّليَّة؛ تقييده بالمجاهدين مِن هذه الأمّة؛ لأنّ المبارزة المذكورة؛ أول مبارزةٍ وقَعَت في الإسلام، قاله الحافظ في «الفتح». (٧) الحج: ١٩. (٨) أخرجه البخاري: ٣٩٦٥. وفي رواية: قال عَليٌّ -رضي الله عنه-: «تَقَدَّمَ -يَعْنِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ- وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ، فَنَادَى: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنْ الأنصَارِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوه، ُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ، إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةَ بْنَ الحارِثِ، فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبةَ، وَاخْتُلِفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَليدِ ضَرْبَتَانِ، فَأثخَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ، وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ» (١). عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- «أنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فيها قَسَمًا إِنَّ هَذِهِ الآيةَ: ﴿هَذَانَ خَصْمَانِ اختصموا في رَبّهِم﴾ نَزَلَتْ فِي حَمْزةَ وَصَاحِبَيْهِ وَعُتْبةَ وَصَاحِبَيْهِ؛ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدْرٍ» (٢). وعن أبي إسحاق قال: «سأل رجلٌ البراء وأنا أسمع؛ قال: أَشَهِد عليٌّ بدرًا؟ قال: بارَز وظاهر (٣)» (٤). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- «أنّ البراء بنَ مالك -أخا أنس بن مالك- بارَز مرزبان الزارة (٥)، فطعَنه طعنةً فكسر القَرَبوس (٦)، وخلَص إليه فقتَله ...» (٧). --------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٣٢١). (٢) أخرجه البخاري: ٤٧٤٣ واللفظ له، ومسلم: ٣٠٣٣. (٣) ظاهَر: أي لَبِس دِرْعًا على دِرْع، «الفتح». (٤) أخرجه البخاري: (٣٩٧٠). (٥) بلدة كبيرة بالبحرين، وفُتحت الزارة في سنة (١٢) هـ، في أيام أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وصالحوا. ذكَرَه شيخنا -رحمه الله- في التعليق، انظر «الإرواء» (٥/ ٥٧). (٦) قال في القاموس المحيط: «القَرَبوس: حِنو السَّرج، وهما قَرَبوسان»، والحِنو: عود الرحل. (٧) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (١٢٢٤). قال أبو بكر بن المنذر: «وأجمعوا على أنّ للمرء أن يُبارِزَ ويدعو إلى البِراز بإذن الإمام، وانفرَد الحسَن؛ فكان يكرهه ولا يعرف البِراز» (١). ما يجوز للرجل مِنَ الحَمْل وحده على جيش العدوِّ وتأويل قول الله -تعالى-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢): عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: «غَزَوْنَا مِنْ المدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينيَّةَ وَعَلَى الجماعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَليدِ، وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ المدِينَةِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ، فَقَالَ النَّاسُ: مَهْ مَهْ (٣) لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ! يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ! فَقَالَ أبو أيُّوبَ: إِتَما أنزلَتْ هَذ الآيةُ فِينَا مَعْشَرَ الأنصَارِ، لَمَّا نَصَرَ اللهُ نَبِيَّهُ - ﷺ - وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، قُلْنَا: هَلُمَّ نُقِيمُ فِي أمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا فَأَنْزَلَ اللهُ -عز وجل-: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤). فَالْإِلْقَاءُ بِالْأَيْدِي إِلَى التَهْلُكَةِ: أَنْ نُقِيمَ فِي أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَع الجهَادَ. ْقَالَ أبو عِمْرَانَ: فَلَمْ يَزَلْ أبو أيُّوبَ يجاهِدُ فِي سَبِيلِ الله حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينيَّةِ» (٥). وقد اختُلف في تأويل الآية، ذَكَر إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» عن --------------------- (١) انظر كتاب «الإجماع» (ص ٥٩) (رقم ٢٢٩)، وذكَرَه صاحب الإنجاد (١/ ١٩٧). (٢) انظر «الإنجاد» (ص ١٨٨). (٣) اسم فِغل أمر مبنيّ على السكون بمعنى اكفُف. (٤) البقرة: ١٩٥. (٥) أخرجه أبو داود (٢٥١٢) والنسائي في «الكبرى» وابن حبان وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (١٣). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#173 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 136الى صــ150 الحلقة (171) حفص، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء: قال: قلت: أرأيت قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، أهو الرجل يَحْمِل على الكتيبة فيها ألْفٌ، قال: لا، ولكن الرجل يُذنب، فيلقي بيده ويقول: لا توبة (١). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ -: عَجِب ربُّنا -عز وجل- مِن رجلٍ غزا في سبيل الله، فانهزم -يعني: أصحابه- فَعَلِمَ ما عليه، فرجَع حتى أُهريق دمُه، فيقول الله -عز وجل- لملائكته: انظروا إلى عبدي رجَع رَغْبَةً فيما عندي، وشفقةً ممّا عندي، حتى أُهريق دَمُه» (٢). [قلت: وفي الباب، حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «ثلاثة يُحبُّهم الله ويَضْحَك إليهم، ويستَبْشِر بهم: الذي إذا انكشَفَت فِئَة؛ قاتل وراءَها بنفسه لله -عز وجل- فإمَّا أن يُقتَل، وإمَّا أنْ ينصرَه الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا؛ كيف صبَر لي بنفسه»] (٣). واختَلَف أهل العلم في حَمْل الرجل وحدَه على الجيش؛ والعدد الكثير مِن --------------------- (١) أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» وكذا ابن جرير وغيرهما وانظر ما قاله محققا كتاب «الإنجاد» (ص ١٩١)، قلت؛ وأخرج الحاكم نحوه في «المستدرك» ولفظه: «قال له [أي للبراء -رضي الله عنه-] يا أبا عمارة ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، الرجل يلقى العدوَّ، فيقاتل حتى يُقتَل؟ قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب، فيقول: لا يغفره الله لي»، وصحَّحه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٦٢٤). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢١١)، ورواه أحمد وأبو يعلى وابن حبان في «صحيحه»، وحسَّنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٨٤). (٣) أخرجَه الطبراني، وحسَّنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٨٤). العدوِّ؛ فأقول [الكلام لمُصنِّف الإنجاد]: أحوال الذي يَحْمِل وحده ثلاث: حال اضطرار، وذلك حيث يحيط به العدوّ، فهو يخاف تَغَلُّبَهم عليه وأسْرَهُم إياه، فذلك جائزٌ أن يَحْمِل عليهم باتفاق. وحالٌ يكون فيها في صفِّ المسلمين وَمَنَعتِهم، فيَحْمِل إرادةَ السُّمعة والاتصافَ بالشجاعة، فهذا حرام باتفاق. وحالٌ يكون كذلك مع المسلمين، فيحمل غَضَبًا لله، محُتَسِبًا نفسه عند الله، ففي هذا اختلف أهل العلم، فمنهم مَن كَرِهَ حَمْلَه وحده، ورآه مما نهى الله عنه مِن الإلقاء باليد إلى التهلكة، ومنهم مَن أجاز ذلك واسْتَحْسَنه؛ إذا كانت به قُوّة، وفي فِعله ذلك منفعةٌ، إمَّا لنكاية العدوِّ أو تَجرئةِ المسلمين -حتى يفعلوا مِثل ما فَعَل- أو إرهابِ العدوِّ؛ ليعلموا صلابة المسلمين في الدين (١). ----------------------- (١) وجاء في التعليق في الكتاب المذكور: تكاد تُجمِع كلمة الفقهاء على جواز ذلك، بل حكى ابن أبي زمنين في «قدوة الغازي» (ص ١٩٨) الإجماع عليه، ونصُّ عبارتِه: «قال ابن حبيب: ولا بأس أن يَحْملَ الرجل وحده على الكتيبة، وعلى الجيش؛ إذا كان ذلك منه لله، وكانت فيه شجاعةٌ وجَلَدٌ وقوةٌ على ذلك، وذلك حَسَنٌ جميل لم يكرهه أحدٌ من أهل العلم، وليس ذلك مِن التهلكة، وإذا كان ذلك منه للفخر والذِّكر فلا يفعل -وإنْ كانت به عليه قوة- وإذا لم يكن به عليه قوة فلا يفعل وإنْ أراد به الله؛ لأنه حيئذٍ يُلقي بيده إلى التهلكة» ... وجاء في «البيان والتحصيل» (٢/ ٥٦٤) ما يلي: "قال أشهب: وسُئل مالك عن رجل من المسلمين يحمل على الجيش من العدوّ وحدَه، قال: قال الله -تعالى-: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فجعَل كلَّ رجلٍ برجلين؛ بعد أنْ كان كلّ رجُلٍ بعشرة، فأخافُ هذا يلقي بيده إلى التهلكة، وليس ذلك بسواء أنْ يكون الرجل في الجيش الكثيف = ............................= فيحمل وحده على الجيش، وأنْ يكون الرجل قد خلفه أصحابُه بأرض الروم، أحاطوه فتركوه بين ظهرانَيِ الروم، فهو يخاف الأسر فيستقتل فيحمل عليهم، فهذا عندي خفيف، والأول عندي في كثفٍ وقُوَّة، وليس إلى ذلك بمضطر، يختلف أن يكون الرجل يحمل احتسابًا بنفسه على الله، كما قال عمر بن الخطاب: الشهيد من احتسَب نفسَه على الله، أو يكون يريد بذلك السمعة والشجاعة. قال محمد بن رشد: أمّا إذا فعَل ذلك إرادةَ السمعة والشجاعة، فلا إشكال ولا اختلافَ في أنّ ذلك من الفعل المكروه، وأمّا إنِ اضطرَّ إلى ذلك بإحاطة العدوِّ به، فَفَعلَهُ مخافة الأسر؛ فلا اختلاف في أنّ ذلك من الفعل الجائز، إنْ شاء أن يستأسر، وإنْ شاء أن يحمل على العدوِّ، ويحتسب نفسه على الله، وأمّا إذا كان في صفِّ المسلمين، وأراد أن يُحمل على الجيش من العدوِّ وحده؛ مُحْتسِبًا بنفسه على الله ليُقوِّي بذلك نفوس المسلمين، ويُلقي الرعب في قلوب المشركين، فمِن أهل العلم مَن كَرهه ورآه مما نهى الله عنه مِن الإلقاء إلى التهلكة؛ لقولهعز وجل-: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأيدِيكم إلى التهلُكَةِ﴾، وممَن رَوَىَ ذلك عمرو بن العاص، ومنهم من أجازه واستحبَّه لمن كانت به قوة عليه، وهو الصحيح«... قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في»قاعدة في الانغماس في العدوِّ، وهل يباح ... «(ص ٢٤):»والرجل يَنْهزِم أصحابُه، فيقاتِل وحده، أو هو وطائفة معه العدوَّ، وفي ذلك نكاية في العدوِّ، ولكن يظنُّون أنهم يُقْتلون، فهذا كلّه جائز عند عامّة علماء الإسلام؛ مِن أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلاَّ خلاف شاذّ. وأمّا الأئمّة المتبوعون كالشافعي وأحمد وغيرِهما؛ فقد نصّوا على جواز ذلك، وكذلك هو مذهب أيى حنيفة ومالك وغيرهما«، ودلَّل عليه بتطويلٍ من الكتاب والسنة وإجماع السلف، ونحوه في»مجموع الفتاوى«(٢٨/ ٥٤٠) له. وقال الشافعي -رحمه الله- في»الأم«(٤/ ٩٢):»لا أرى ضيقًا على الرجل أن يُحْمل على الجماعة حاسرًا، أو يبادر الرجل، وإنْ كان الأغلب أنّه مقتول؛ لأنه قد بودر بين يدي رسول الله - ﷺ -، وحَمَل رجلٌ من الأنصار حاسرًا على جماعة من المشركين يوم بدر، بعد = وبالجملة، فكل مَن بَذَلَ نفسه لإعزاز الدِّين، وتوهينِ أهْلِ الكفر؛ فهو المقام الشريف الذي تَتَوجّه إليه مُدْحَةُ الله -تعالى-، وكريمُ وعْدِه في قوله -سبحانه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ (١)، وقال -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٢). قلت: والراجح: جوازُ حَمْلِ الرجل وحده على جيش العدوِّ حال الاضطرار، إذا أحاط به العدوُّ، لخوفه تغلُّبَهم عليه وأسْرَهم إيّاه. ويجوز في حالٍ يكون في صفِّ المسلمين ويجد في نفسه القوة فيحمل غضبًا لله، محتسبًا نفسه لله، يفعله لنكاية العدوِّ أو إرهابه، أو ليُجرِّئَ المسلمين، ويفعلوا مِثْل ما فَعَل، إذا ترجَّح لديه الظنُّ أنّ في هذا منفعةَ المسلمين. ولا يجوز هذا الحمل إرادة السمعة ----------------- = إعلام النبي - ﷺ - بما في ذلك من الخير فقُتِل«. وانظر:»الأوسط«(١١/ ٣٠٦ - ٣٠٧). وكلام الإمام أحمد في»مسائل صالح«(٢/ ٤٦٩) قال:»قلت: الأسير يَجِدُ السيف أو السلاح فيحمل عليهم؛ وهو لا يعلم أنّه لا ينجو، أعان على نفسه؟ قال: أما سمعْتَ قولَ عمر حين سأله الرجل فقال: إنّ أبي أو خالي ألقى بيده إلى التهلكة؟ فقال عمر: «ذلك اشترى الآخرة بالدنيا». وقال أبو داود في «مسائله» (٢٤٧): «سمعت أحمدَ بنَ حنبل يقول: إذا عَلِم أنهُ يؤسَر فليقاتل حتى يُقْتل أحب إليَّ». وقال: «لا يستأسر، الأسر شديد». وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سُئل عن الأسير إذا أُسر؛ له أن يقاتلهم؟ قال: «إذا علم أنّه يقوى بهم». (١) التوبة: ١١١. (٢) البقرة: ٢٠٧. والاتصاف بالشجاعة، والله تعالى -أعلم-. أقول: والأصل في هذا؛ التشاور والرجوع للقائد، فقد أمَر ربُّنا -تبارك وتعالى- رسولَه - ﷺ - بالمشاورة؛ فقد قال -سبحانه-: ﴿وَشَاوِرْهُم في الأمر﴾ (١)، وقال -سبحانه-: ﴿وَأَمرُهُمْ شوُرَى بينهم﴾ (٢). الخُيَلاء في الحرب (٣) عن جابر بن عتيك أنّ النبيَّ - ﷺ - كان يقول: «مِن الغَيرة ما يُحِبّ الله، ومنها ما يُبغِض الله، فأما التي يُحبها الله فالغَيرة في الريبة، وأمّا الغَيرة التي يُبغضها الله؛ فالغَيرة في غير ريبة، وإنّ مِن الخيلاء ما يُبغض الله، ومنها ما يُحبّ الله، فأمّا الخيلاء التي يُحب الله؛ فاختيالُ الرجل نفسَه عند القتال، واختيالُه عند الصدقة (٤)، وأمّا التي يبغض الله فاختيالُه في البغي -قال موسى- والفخر» (٥). ...................(١) آل عمران: ١٥٩. (٢) الشورى: ٣٨. (٣) هذا العنوان من «سنن أبي داود» (كتاب الجهاد) (باب - ١١٤). (٤) الاختيال في الصدقة: أن يُعطيَها طيبةً بها نفسه، فلا يَستكثر، ولا يُبالي بما أعطى، ولا يُعطي منها شيئًا إلاّ هو له مستقلّ. انظر «النّهاية» و«عون المعبود» (٧/ ٢٣٠). (٥) أخرجه أبو داود (٢٦٥٩)، «صحيح سنن أبي داود» (الأمّ) (٢٣٨٨)، وابن حبان في «صحيحه» «التعليقات الحِسان» (٤٧٤٢)، وانظر «الإرواء» (١٩٩٩). التكبيرُ عند الحرب (١) عن أنس -رضي الله عنه- قال:»صبَّح النبيّ - ﷺ - خيبرَ، وقد خرَجوا بالمساحِي (٢) على أعناقهم، فلمّا رأَوه قالوا: هذا محمّد والخميس، محمّد والخميس، فَلَجؤا إلى الحصن فرفع النبيّ - ﷺ - يديه، وقال: الله أكبر، خَرِبت خيبر، إنّا إذا نَزَلْنا بساحة قوم ﴿فساء صَبَاحُ المنذَرِينَ (٣)﴾ «(٤). الغارة على الأعداء ليلًا عن الصّعب بن جثّامة -رضي الله عنه- قال: مرّ النبى - ﷺ - بالأبواء -أو بودّان- فسُئل عن أهل الدار يُبيَّتون (٥) مِن المشركين، فيُصاب مِن نسائهم وذراريِّهم، قال: هم منهم» (٦). ---------------------- (١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد) (باب - ٥٦). (٢) المساحي: جمع مِسحاة، وهي المِجرفة من الحديد. «النّهاية». (٣) الصافات: ١٧٧. (٤) أخرجه البخاري: ٢٩٩١ واللفظ له، ومسلم: ١٣٦٥ كتاب النكاح - ٤٨، ٨٧ (باب فضيلة إعتاق أمة ثم يتزوجها) نحوه. (٥) أي: يُصابون ليلًا، وتبييت العدو: هو أن يُقصَد في الليل مِن غير أن يَعلم؛ فيُؤخَذ بغتة، وهو البَيات. «النّهاية». (٦) قال الحافط -رحمه الله-: "هم منهم أي في الحُكم تلك الحالة، وليس المراد إباحة قتْلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد: إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلاّ بوطء الذريّة، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم، جاز قتْلهم. وسمْعتُه يقول: «لا حمى إلاّ لله ولرسوله» (١). قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «لا بأس بالبيات، ولا أعلم أحدًا كَرِهَه» (٢). القتال أول النهار أو الانتظار حتى تهُبّ الريح عن صخرٍ الغامديِّ -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ -: «اللهمَّ بارِك لأمّتي في بُكورها (٣) وكان إذا بعثَ سريَّة أو جيشًا؛ بَعَثهُم من أوّل النهار، وكان صخرٌ رجلًا تاجرًا، وكان يبعث تجارتَه مِن أوّل النهار؛ فأثرى وكثُر مالُه» (٤). وعن جُبَير بن حَيَّة قال: «بَعَث عُمر النّاس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين فأسلم الهرمُزان ... وذكر الحديث إلى أن قال: فقال النعمان: ربما أشهدَك الله مثلها مع النبي - ﷺ - فلم يُندِّمك ولم يُخْزِك ولكني شهْدتُ القتال مع رسول الله - ﷺ - كان إذا لم يقاتِل في أول النهار؛ انتظر حتى تهبَّ الأرواح (٥) وتحضرَ ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٠١٢ وهذا لفظه، ومسلم: ١٧٤٥ وتقدّم. قال العلاّمة العيني - رحمه الله- في»عمدة القاري«:»معناه: لا حمى لأحد يخصُّ به نفسه، وإنما هو لله ولرسوله، ولمن وَرِث ذلك عنه - ﷺ - من الخلفاء؛ للمصلحة الشاملة للمسلمين، وما يَحتاجون إلى حمايته«. (٢) انظر»الفتح«. (٣) قال في»المرقاة«(٧/ ٤٥٤):»أي صَباحِها وأوّل نهارِها ...، وهو يشمَل طلبَ العِلم والكَسب«. (٤) أخرجه الترمذي وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٢٠٧)، وانظر»المشكاة«(٣٩٠٨). (٥) الأرواح: جمع ريح وأصله الواو، لكن لما انكسر ما قبل الواو الساكنة انقلبت ياء والجمع يَرُدُّ الأشياءَ إلى أصولها ...»الفتح". الصلوات (١) «(٢). ولا تعارُض بين هذا وما تقدّم مِن الغارة على الأعداء ليلًا، فهذا يختلف حسبما تقتضيه الحاجة، ويتطلّبه الحال، ويُقدّره القائد، والله -تعالى- أعلم. إذا ارتدّ على المقاتل سلاحه فقتله فله أجرُه مرّتين عن سلَمة بنِ الأكوع -رضي الله عنه- قال:»لمّا كان يومُ خيبر، قاتل أخي قتالًا شديدًا مع رسول الله - ﷺ -، فارتدَّ عليه سيفه فقَتَلَه، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ - في ذلك، وشكّوا فيه؛ رجل مات في سِلاحه، وشكّوا في بعض أمرِه. قال سَلَمَة: فقفَل رسول الله - ﷺ - مِن خيبر، فقلتُ يا رسول الله ائذَن لي أن أرجُزَ لك فأَذِن له رسول الله - ﷺ - فقال: عمر بن الخطاب أعلم ما تقول، قال: فقلت: والله لولا اللهُ ما اهتدَيْنا ... ولا تصدَّقْنا ولا صَلَّينا فقال رسول الله - ﷺ -: صدَقْتَ. وأنزِلَن سكينةً علينا ... وثبِّتِ الأقدام إنْ لاقينا والمشركون قد بغَوا علينا قال: فلمّا قضيتُ رَجَزِي قال رسول الله - ﷺ -: مَن قال هذا؟ قلت: قاله ------------------------- (١) قال الحافظ -رحمه الله-: «في رواية ابن أبي شيبة:»وتزول الشمس" وهو بالمعنى. (٢) انظر البخاري: ٣١٥٩، ٣١٦٠، وقد تقدّم الحديث بطوله. أخي، فقال: رسول الله - ﷺ - يرحمُه الله، قال: فقلت يا رسول الله إنّ ناسًا ليهابون الصلاة عليه يقولون: رجلٌ مات بسلاحِه، فقال رسول الله - ﷺ -: مات جاهدًا مجُاهِدًا. قال ابن شهاب: ثمّ سألتُ ابنًا لسلمةَ بنِ الأكوع. فحدَّثني عن أبيه مثل ذلك. غير أنّه قال: حين قُلت: إنّ ناسًا يهابون الصلاة عليه، فقال رسول الله - ﷺ -: «كذبوا، ماتَ جاهدًا مجُاهدًا، فله أجره مرّتين، وأشار بإِصبَعَيْه» (١). من لهم ثواب الشهداء هناك أصناف تُعدّ مِن شهداء الآخرة، كما في حديث مخارق -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - في المقاتل دون ماله بلفظ: «قاتِل دون مالك حتى تكون من شهداء الآخرة» (٢). فهؤلاء يُغسّلون (٣) ويُصلّى عليهم، ولهم أجر الشهداء في الآخرة، وهم: ١ - مَن قُتل دون دِيْنِه. ٢ - المطعون (٤). ٣ - الغريق. ٤ - صاحب ذات الجنب (٥). ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ١٨٠٢، وأصله في البخاري: ٦٨٩١. (٢) سيأتي تخريجه -إنْ شاء الله تعالى-. (٣) إذ لا يُشرع غَسْل الشهيد قتيل المعركة، ولو اتفق أنّه كان جُنُبًا وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٤). (٤) أي: الذي يموت في الطاعون. (٥) الدُمّل الكبيرة، التي تظهر في باطن الجنب، وتَنْفَجر إلى داخل، وقلّما يسلم صاحبها. «النّهاية». ٥ - المبطون (١). ٦ - صاحب الحريق (٢). ٧ - الذي يموت تحت الهدم. ٨ - المرأة تموت في نفاسها بسبب ولدها. ١٠ - من قُتل دون ماله. ١١ - من قُتِل دون أهله. ١٢ - من قُتل دون دمه ونفسه ومظلمته. ١٣ - الموت بداء السِّلّ. وأدلّة ذلك: ١ - عن جابر بن عتيك -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الشهادة سبعٌ سوى القتل في سبيل الله، المطعون شهيد، والغَرِق شهيد، وصاحب ذات الجنْب (٣) شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجُمْع شهيدة (٤)» (٥). ----------------------- (١) من مات في البطن. (٢) هو الذي يقع في حَرْق النار فيلتهب. «النّهاية». (٣) تقدم، وانظر للمزيد -إنْ شثت- «فيض القدير». (٤) أي تموت وفي بطنها ولد، أو تموت من الولادة، والمعنى: ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها. «فيض القدير» بحذف. (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٦٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٦١)، والنسائي «صحيح سنن النسائي، (١٧٤٢)، وانظر»أحكام الجنائز" (ص ٥٤). ٢ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تَعُدّون الشّهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله مَن قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، قال: إنّ شُهداء أُمّتي إذًا لقليل، قالوا: فمَن هم يا رسول الله؟ قال: مَن قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في الطّاعون فهو شهيد، ومَن مات في البطن فهو شهيد» (١). ٣ - عن عُتبة بن عبدٍ السُّلمي -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «يأتي الشهداء والمُتوَفَّون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا، فإنْ كانت جِراحهم كجراح الشهداء تسيل دمًا ريحَ المسك؛ فهم شُهداء، فيجدونهم كذلك» (٢). ٤ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله» (٣). ٥ - وعن راشد بن حبيش -رضي الله عنه-: «أنّ رسول الله - ﷺ - دخل على عبادةَ بن الصامت يعوده في مرضه، فقال رسول الله - ﷺ -: أتعلمون مَن الشهيد مِن أمّتي؟ فأرَمَّ (٤) القوم، فقال عبادة: ساندوني. فأسندوه، فقال: يا رسول الله! الصابرُ المحتسبُ. فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ شهداء أمّتي إذًا لقليلٌ، القتلُ في ------------------- (١) أخرجه مسلم: ١٩١٥. (٢) أخرجه الإمام أحمد، والطبراني في»الكبير«بسند حسن، وحسنه شيخنا -رحمه الله- بشواهده كما في»أحكام الجنائز«(ص ٥٢). (٣) أخرجه البخاري: ٢٨٢٩، ومسلم: ١٩١٤. (٤) أي: سكتوا ولم يجيبوا.»النّهاية". سبيل الله -عز وجل- شهادةٌ، والطاعونُ شهادة، والغَرق شهادة، والبَطْنُ شهادة، والنُفساء يجرُّها ولدها بسَرَرِه (١) إلى الجنّة، والحرِق، والسِّلُّ» (٢). ٦ - وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: «سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد» (٣). ٧ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيت إنْ جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تُعطِه مالك، قال: أرأيت إنْ قاتلني؟ قال: قاتِلْه، قال: أرأيتَ إنْ قَتَلني، قال: فأنت شهيد، قال: أرأيتَ إنْ قتلتُه؟ قال: هو والنار» (٤). ٨ - وعن مخارق -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - فقال: الرجل يأتيني فيُريد مالي؟ قال: ذكِّره بالله، قال: فإن لم يَذْكُر؟ قال: فاستعن عليه مَن حولك مِن المسلمين، قال: فإنْ لم يكن حولي أحَدٌ مِن المسلمين؟ قال: فاستعن عليه السلطان، قال: فإنْ نأى السلطان عنّي (وعَجِل عليَّ)؟ قال: قاتِل دون مالك؛ حتى تكون من شهداء الآخرة، أو تمنع مالك» (٥). --------------------- (١) ما يُقطع من سُرّة المولود. (٢) رواه أحمد بإسناد حسن، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٩٦). (٣) أخرجه البخاري: ٢٤٨٠، ومسلم: ١٤١. (٤) أخرجه مسلم: ١٤٠. (٥) أخرجه النسائي وأحمد، والزيادة له وسنده صحيح على شرط مسلم، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٧). ٧ - وعن سويد بن مقرّن -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قُتل دون مظلمته فهو شهيد» (١). ٨ - وعن سعيد بن زيد -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومَن قُتِل دون دمه فهو شهيد» (٢). ماذا يجد الشهيد من مسّ القتل عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما يجدُ الشهيد من مسّ القتل إلاّ كما يجدُ أحدكم مِن مسّ القَرْصَة» (٣). فضل الحرب في البحر عن أمّ حرام -رضي الله عنها- عن النبيّ - ﷺ - أنّه قال: «المَائِدُ (٤) في البحر الذي يُصيبُه القيء له أجرُ شهيد، والغَرِقُ له أجرُ شهيدين» (٥). --------------------- (١) أخرجه النسائي وصححه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٤١٣). (٢) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وأحمد، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٥٧). (٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٣٦٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٢٢٦٠)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٢٩٦٣)، وانظر «الصحيحة» (٩٦٠). (٤) المائد: هو الذي يُدارُ برأسه من ريح البحر واضطراب السّفينة بالأمواج. «النّهاية». (٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٧٧)، وحسنه شيخنا الألباني -رحمه الله- في «الإرواء» (١١٩٤). في زيادة الأجر للمجاهدين (١) عند الإخفاق (٢): عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ما مِن غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون غنيمةً؛ إلاَّ تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهِم مِن الآخرة، ويبقى لهم الثُّلُث، فإن لم يصيبوا غنيمةً؛ تمَّ لهم أجرهم» (٣). وفي لفظ: «ما مِن غازية أو سريّة، تغزو فتغنم وتسلم؛ إلاَّ كانوا قد تعجّلوا ثُلُثي أُجورِهم، وما من غازيةٍ أو سريّة تخفق وتُصاب، إلاّ تم أجورهم» (٤). ظاهر هذا الحديث أنَّ مَن غزا فغنِمَ، نَقَصَ أجرُ جهادِه -كما ذهَب إلى ذلك قوم-، وليس معنى ذلك كذلك عند أهل العلم والتحقيق، بل أجْرُ الجهاد كاملٌ لكلِّ واحدٍ منهم، بفضل الله -تعالى-، وإنّما يفترقون في زيادة الأجر فوق ثوابِ الجهاد؛ فأمّا مَن غَنِم، فقد حَصَل له في الحال من السرور، ونشاط النفس بالظهور والغُنْم، ما يَدْفعُ عنه آثارَ الجهد في الغزو، وتخلّف المال في النفقة، ونحو ذلك ممّا تَفترق فيه حالُه مِنْ حال مَنْ غزا فلم يُصبْ شيئًا، ولا عفَّى على كدِّه ونفقته خَلَفٌ، فلهؤلاء زيادةُ أجرٍ فوق أجر الجهاد، مِن حيثُ تضاعُفِ آثار الجَهدِ والكرب بفوت المغنم، كما يُؤجَر مَن أُصيب بجهدٍ في نفسه، أو تَلفِ شيءٍ مِن ماله، وذلك أنَّ حالهَم بالإضافة إلى مَن غَنِمَ حالُ مَن أُصيب بفوتِ مثل ذلك. ------------------- (١) هذا العنوان وما يتضمنه من «الإنجاد» (١/ ٨٧). بزيادة وتصرُّف. (٢) قال أهل اللغة: الإخفاق: أن يغزوا فلا يغنموا شيئًا، وكذلك كلّ طالب حاجة إذا لم تحصُل فقد أخفَق، ومنه أخفق الصائد: إذا لم يقع له صيد «شرح النّووي». (٣) أخرجه مسلم: ١٩٠٦. (٤) أخرجه مسلم: ١٩٠٦. فعلى نحو هذا تترتَّبُ زيادةُ الأجر لمِن لم يغنم، ويَتَّصِفُ مَنْ غَنِمَ؛ بنقصان الأجر إذا أضيف أجرُه في ذلك؛ إلى الحَظِّ الذي زِيدَ في ثواب مَنْ لم يغنم، والله أعلم. ... وأدلُّ دليلٍ في ذلك وأوضحه: قوله - ﷺوقد ذكر ما فضَّله الله -تعالى- به، وخصَّه من كَرمِه-: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي؛ كان كلُّ نبيٍّ يُبعث إلى قومه خاصَّةً، وبُعثتُ إلى كلِّ أحمر وأسود، وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تَحِلَّ لأحدٍ قبلي» ... الحديث، ثبت في «الصحيحين»: البخاري ومسلم (١)«. فلو كانت الغنيمة تُحبطُ أجر الجهاد أو تُنْقِصُه، ما كانت فضيلةً، وهذا ظاهر». قلت: إنَّ أَجْر مَن أخفَق ومَنْ غَنِم؛ لا يعلمه إلاَّ الله -تعالى-، وكذا الأجر الكامل وثلثاه، وفي كُلٍّ خيرٌ، وجزالةُ مثوبة، ولكن المراد من الحديث تحفيز هِمّةِ مَن لم يغنَموا؛ بما لهم عند الله -تعالى-؛ فحين يَعْلَم مَن أخفَق أَنَّ له ما هو أفضل من الغنيمة -وهو الأجر المُدَّخَرُ عند الله تعالى-؛ كان ذلك سبيلًا للمزيد مِن الصبر والاحتساب. وفي مِثل هذا قال رسول الله - ﷺ -: «لَيَوَدَّنَّ أهل العافية يومَ القيامة؛ أنَّ جلودهم قُرضت بالمقاريض؛ مما يَرَوْن مِن ثواب أهل البلاء» (٢). وعن أبي سعيد -رضي الله عنه-: «أنّه دخَل على رسول الله - ﷺ - وهو مَوْعوكٌ عليه قَطيفَةٌ، فوضَع يدَه فَوْقَ القَطيفَةِ، فقال: ما أشَدَّ حُمَّاك يا رسول الله! ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٣٣٥، ٤٣٨، ومسلم: ٥٢١. (٢) أخرجه الترمذي، وغيره، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة" (٢٢٠٦). ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#174 |
![]() ![]() ![]()
|
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء السابع من صــ 151الى صــ165 الحلقة (172) قال: إنا كذلك يُشَدَّدُ علينا البَلاءُ، ويضاعَفُ لنا الأجْرُ. ثمّ قال: يا رسول الله! مَنْ أشدُّ الناس بلاءً؟ قال: الأنبياءُ. قال؛ ثمّ مَن؟ قال: العُلماءُ. قال: ثمّ مَنْ؟ قال: الصالحِونَ، وكان أحدُهم يُبتلى بالقَمْلِ حتى يَقْتُلَه، ويُبْتلى أحدُهم بالفقر حتى ما يجدَ إلاَّ العباءةَ يلبَسُها، ولأَحدُهم كان أشدَّ فَرَحًا بالبلاءِ مِنْ أحدِكُم بالعطاء» (١). والشاهد فيه: «إنَّا كذلك يُشدَّد علينا البلاء، ويُضاعف لنا الأجر». فإذا قُلنا إنَّ الإخفاق مِن البلاء، فإنَّ فيه زيادةَ الأجر والثواب. والله -تعالى- أعلم بالصواب. قال الإمام النّووي -رحمه الله- في «شرحه» (١٣/ ٥٢): «وأمّا معنى الحديث: فالصواب الذي لا يجوز غيره، أنَّ الغزاة إذا سَلِموا أو غنموا؛ يكون أجْرُهم أقلّ مِن أجرِ مَن لم يَسلَم أو سَلِم ولم يَغنم، وأنّ الغنيمة هي في مقابلة جُزءٍ مِنْ أجرِ غزوهم، فإذا حَصَلَت لهم فقد تعجَّلوا ثُلُثي أجرِهم المترَتِّب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة مِنْ جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله:»مِنَّا مَن مات ولم يأكل مِن أجرِه شيئًا، ومِنَّا من أينعَت له ثمرتُه فهو يهدبها «أي: يجتنيها. فهذا الذي ذَكَرْنا هو الصواب، وهو ظاهر الحديث ولم يأتِ حديث صريح صحيح يخالِفُ هذا؛ فتعيَّن حَمْلُه على ما ذَكَرنا ...». قلت: وكلام الإمام النّووي -رحمه الله- هو الأرجح لدلالة النصوص على ذلك، ويؤيد هذا ما ثبَت عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها قالت: «أُهْدِيَتْ ----------------------- (١) أخرجه ابن ماجه، وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»صحيح الترغيب والترهيب" (٣٤٠٣). لرسولِ الله - ﷺ - شاةٌ، قال: اقْسِميها، فكانت عائشةُ إذا رَجَعَتِ الخادِمُ تقولُ: ما قالوا؟ تقولُ الخادم: قالوا: بارَكَ الله فيكُم، فتقول عائشةُ: وفيهِمْ بارَكَ الله، نرُدُّ عليهم مثلَ ما قالوا، ويبقى أجْرُنا لنا» (١). هل يسلم المجاهد نفسه للأسر (٢)؟ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «بعث رسول الله - ﷺ - عشَرَة رهطٍ (٣) سريّةً عينًا، وأمَّرَ عليهم عاصمَ بنَ ثابت الأنصاري -جدَّ عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا، حتى إذا كانوا بالهَدَأَة -وهو بين عُسْفَانَ ومكة- ذُكِروا لحِيٍّ من هُذَيْلٍ، يقال لهم بنو لِحْيَانَ (٤)، فَنَفروا لهم قريبًا من مائتي رجل كلُّهم رامٍ، فاقْتصُّوا آثارَهم حتى وجدوا مأكلهم تمرًا، تَزَوَّدوه مِن المدينة، فقالوا: هذا تمرُ يثرب. فاقتصُّوا (٥) آثارهم، فلمّا رآهم عاصمٌ وأصحابُه لجئوا إلى فَدْفَدٍ (٦)، وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزِلوا وأعطونا بأيديكم، ولكم العهدُ والميثاقُ ولا نَقْتُل --------------------- (١) أخرجه ابن السني من طريق النسائي بسند جيِّد، وانظر»الكَلِم الطيب«(٢٣٨). (٢) هذا العنوان مُقتبس من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٧٠). (٣) الرهط مِن الرجال ما دون العشرة، وقيل إلى أربعين، ولا يكون فيهم امرأة، ولا واحدَ له من لفظه.»عمدة القاري«(١٤/ ٢٩١). (٤) بكسر اللام، وقيل بفتحها. (٥) أي: اتَّبَعوها. (٦) قال الحافظ -رحمه الله-:»هي الرابية المشرِفة، قال ابن الأثير: هو الموضع المرتفِع، ويُقال الأرض المستوية، والأول أصحّ". منكم أحدًا. فقال عاصم بن ثابت -أمير السريّة-: أمّا أنا فوالله لا أنزل اليوم في ذمّة كافر، اللهم أخبر عنّا نبيّك، فرموهم بالنَّبْل، فقتلوا عاصمًا في سبعة، فنزَلَ إليهم ثلاثة رهطٍ بالعهد والميثاق، منهم خُبَيْبٌ الأنصاريّ، وابن دَثِنَةَ ورجلٌ آخر، فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتارَ قِسِيِّهم (١) فأوثقوهم. فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبُكم، إنّ لي في هؤلاء لأُسوةً -يريد القتلى- فجرّروه وعالجوه على أن يصحبَهم فأبى، فقتلوه، فانطلقوا بخبيب وابن دَثِنة؛ حتى باعوهما بمكّة بعد وقعة بدرٍ، فابتاع خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وكان خبيبٌ هو قَتَل الحارث بن عامر يوم بدرٍ، فلبِثَ خبيبٌ عندهم أسيرًا. فأخبرني عبيد الله بن عِياض أنّ بنت الحارث أخبرته أنّهم حين اجتمعوا؛ استعار منها موسى يَسْتَحِدُّ بها (٢) فأعارته، فأخذ ابنًا لي وأنا غافلةٌ حين أتاه. قالت: فوجدته مُجْلِسَه على فخذه والموسى بيده، ففزعْت فزعةً عَرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشَيْن أنْ أقتلَه؟ ما كنت لأفعل ذلك. والله ما رأيت أسيرًا قطُّ خيرًا من خبيب، والله لقد وجدتُه يومًا يأكل من قِطْف عِنَبٍ في يده، وإنّه لموثَقٌ في الحديد وما بمكَّةَ مِن ثمر. وكانت تقول إنّه لَرِزق من الله رَزَقَه خُبيبًا. ---------------------- (١) جمع قوس. (٢) يستحِدُّ بها: مِن الاستحداد، وهو حلْق شعر العانة، وهو استفعال مِن الحديد. «عمدة القاري». فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع (١) لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَدًا (٢). ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال (٣) شِلْوٍ (٤) مُمَزَّعِ (٥) فقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْرًا (٦)، فاستجاب الله لعاصم بن ثابتٍ يوم أصيب. فأخبَر النبيُّ - ﷺ - أصحابَه خَبَرهم وما أُصِيبُوا، وبعَث ناسٌ من كُفّار قريش إلى عاصم حين حُدِّثوا أنّه قُتِل ليُؤْتَوا بشيء منه يُعْرَفُ، وكان قد قتل رجلًا مِن عظمائهم يوم بدر، فبُعِث على عاصمٍ مِثْلُ الظُّلّة (٧) مِن الدَّبْرِ (٨) فَحَمَتْه (٩) من رسولهم، فلم يقدروا على أن يقطعوا ------------------------- (١) الجزع: نقيض الصبر. (٢) دعا عليهم بالهلاك استِئصالًا، أي: لا تُبْقِ منهم أحَدًا. «عمدة القاري». (٣) الأوصال: جَمْع وَصل، وهو العضو. (٤) الشِّلو -بكسر المعجمة-: الجسد، وقد يطلق على العضو، ولكن المراد به هنا الجسد. (٥) الممزَّع: المُقطَّع. (٦) قال في «النّهاية»: «... وكلّ من قُتل في غير معركة، ولا حَرْب، ولا خطأ، فإنه مقتولٌ صبرًا». (٧) الظُلَّة: السَّحابة. (٨) الدَّبر -بفتح المهملة وسكون الموحَّدة-: الزنانبير، وقيل ذكور النحل، ولا واحد له من لفظه. «الفتح». (٩) مَنَعتْه منهم. مِنْ لحمه شيئًا» (١) قال العلامة العيني -رحمه الله- في «عمدة القاري» (١٤/ ٢٩٤): «في نزول خُبَيبٍ وصاحبِه، جواز أن يَسْتأْسر الرجل (٢). قال المهلَّب: إذا أراد أن يأخذ بالرخصة في إحياء نفسه؛ فعَل كفِعل هؤلاء، وعن الحَسن لا بأس أن يَستأسِر الرجَل إذا خاف أن يُغلَب. وقال الثوريُّ: أكره للأسير المسلم؛ أن يُمكِّن مِن نفسه إلاَّ مجبورًا، وعن الأوزاعي: لا بأس للأسير المسلم أن يأبى أن يُمكِّن مِن نفسه، بل يأخذ بالشدة والإِباء مِن الأسر والأَنَفة؛ من أن يجري عليه مَلِكٌ كافر -كما فعَل عاصم-». قلت: والأسير هو الذي يرجِّح مصلحته، ويُقرّر أمْرَه، بحسب يقينه وعزمه وما يشاهده، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وقد قال - ﷺ -: «ليس الخبر كالمعاينة» (٣). من ركع ركعتين عند القتل للحديث المتقدم وفيه: «فلمّا خرجوا مِن الحرَم ليقتلوه في الحِلِّ، قال لهم خُبَيب: ذروني أركعْ ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٠٤٥، ٣٩٨٩، ٤٠٨٦. (٢) أي: يُسْلِم نفسه للأسر. (٣) أخرجه أحمد وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»تخريج الطحاوية«برقم (٤٠١)، وقال شيخنا -رحمه الله- في»هداية الرواة«(٥٦٧٠):»حديث صحيح، صحَّحه ابن حبان وكذا صحَّحه الحاكم ووافقه الذهبي". ركعتين، فتركوه فركَع ركعتين ثمّ قال: لولا أنْ تظنّوا أنّ ما بي جَزَع لطوّلتُها، اللهم أحْصِهِم عَدَدًا. ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا ... على أي شِقٍّ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإنْ يَشَأْ ... يُبارِك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّعِ فقتَله ابن الحارث، فكان خبيبٌ هو سنَّ الركعتين لكل امرئ مُسْلم قُتِلَ صَبْرًا«. استقبال الغزاة (١) عن ابن أبي مُليكة قال: قال ابن الزبير لابن جعفر -رضي الله عنهم-: أتذكر إذ تلقّينا رسول الله - ﷺ - أنا وأنت وابن عبّاس؟ قال: نعم، فحَمَلَنا وترَكَك» (٢). وعن السائب بن يزيد -رضي الله عنه- قال: «أَذْكُرُ أني خَرجْتُ مع الغِلمان إلى ثنيّة الوداع؛ نتلقّى رسول الله - ﷺ -» (٣). مراسلة المجاهدين والديهم وأهليهم يُشرَع للمجاهدين مراسلةُ، والدِيهم وأهلِيهم، لتذكيرِهم بالله، وطَلَبِ الدعاء منهم. ---------------------- (١) هذا العنوان من «صحيح البخاري» (كتاب الجهاد والسِّير) (باب - ١٩٦). (٢) أخرجه البخاري: ٣٠٨٢، ومسلم: ٢٤٢٧. (٣) أخرجه البخاري: ٣٠٨٣، ٤٤٢٦. عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «إني لأرى لجِواب الكتاب حقًّا كردِّ السلام» (١). وجاء في «مجموع الفتاوى» (٢٨/ ٤٨) -بحذف-: «مِنْ أحمدَ بن تيمية إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ الله عينيها بنعمه، وأسبَغ عليها جزيل كَرَمِه، وجعَلَها مِن خِيار إمائه وخَدَمِه. سلام الله عليكم، ورحمة الله وبركاته. فإنَّا نَحْمَد إليكم الله الذي لا إله إلاَّ هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلّيَّ على خاتَم النبيين، وإمام المتقين، محمّدٍ عبدِه ورسولِه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا-. كتابي إليكم عن نِعَمٍ مِن الله عظيمة، ومنَنٍ كريمة، وآلاء جسيمة نشكُر الله عليها، ونسأله المزيد مِنْ فضله، ونِعَمُ الله كلَّما جاءت في نموٍّ وازدياد، وأياديه جلَّت عن التعداد، وتعلمون أنّ مقامنا الساعة في هذه البلاد، إنّما هو لأمورٍ ضرورية؛ متى أهملناها فسَد علينا أمْر الدين والدنيا. ولسنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حَمَلَتْنا الطيور لسِرنا إليكم، ولكن الغائب عذره معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنّكم -ولله الحمد- ما تختارون الساعة إلاَّ ذلك، ولم نعزِم على المقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كلّ يوم نستخير الله لنا ولكم، وادعوا لنا بالخِيَرة (٢)، فنسأل الله العظيم أن يَخيرَ لنا ---------------------- (١) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«انظر»صحيح الأدب المفرد«(٨٥٠). (٢) انظر -إن شئت- لمعرفة الفَرقَ بين الخِيْرة -بسكون الياء- والخِيَرة: -بفتح الياء»النّهاية" (باب الخاء مع الياء) كلمة (خير). ولكم وللمسلمين ما فيه الخِيَرة، في خيرٍ وعافية. ومع هذا فقد فتَح الله مِن أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال، ولا يدور في الخيال، ونحن في كل وقت مهمومون بالسفر، مستخيرون الله -سبحانه وتعالى-. فلا يظنّ الظانُّ أنّا نُؤثِر على قُربكم شيئًا مِن أمور الدنيا قطّ، بل ولا نُؤْثِر مِن أمور الدين ما يكون قربكم أرجح منه، ولكن ثَمّ أمورٌ كِبار، نخاف الضرر الخاصّ والعامّ مِن إهمالها. والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. والمطلوب، كثرةُ الدعاء بالخِيرَة، فإنّ الله يَعلم، ولا نعلم ويَقْدِر ولا نَقْدِر. وهو علّام الغيوب. والتاجر يكون مسافرًا فيخاف ضياعَ بعضِ مالِه فيحتاج أن يقيمَ حتى يستوفيَه، وما نحن فيه أمْر يَجِلّ عن الوصف، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته كثيرًا كثيرًا، وعلى سائِر مَنْ في البيت مِن الكبار والصغار، وسائِر الجيران والأهل والأصحابِ واحدًا واحدًا، والحمد لله رب العالمين. وصَلّى الله على محمّد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا». انتهاء الحرب (١) تنتهي الحرب بأحد الأمور الآتية: ١ - إسلامِ المحاربين أو إسلامِ بعضهم، ودخولِهم في دين الله، وفي هذه الحال يُصبحون مسلمين، ويكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم مِن ---------------------- (١) عن «فِقه السنة» (٣/ ٤٤٢) بتصرف. الحقوق والواجبات. ٢ - طلَبِهم إيقافَ القتالِ مدة مُعيَّنة، وحينئذٍ يُحقق القائد الاستجابة إلى ما طلَبوا، [إنْ رأى المصلحة في ذلك] كما فعَل ذلك رسول الله - ﷺ - في صُلح الحديبية. ٣ - رغبتِهم في أن يبقوا على دينهم، مع دفْع الجزية، ويتمّ بمقتضى هذا عقد الذّمة بينهم وبين المسلمين. ٤ - هزيمتِهم، وظَفَرِنا بهم، وانتصارِنا عليهم، وبهذا يكونون غنيمةً للمسلمين. ٥ - وقد يحدُث أن يطلب بعض المحاربين الأمان (١)، فيُجاب إلى ما طلَب، وكذلك إذا طلَب الدخول في دار الإسلام. لا يجوزُ نزْعُ ثيابِ الشهيد التي قُتل فيها (٢) لا يجوز نزْعُ ثيابِ الشهيدِ التي قُتل فيها، بل يُدفن وهي عليه لقولهِ - ﷺ - في قتلى أُحُد: «زمِّلوهم في ثيابهم» (٣)، وفي رواية له: «زمِّلوهم بدمائهم» (٤). استحبابُ تكفين الشهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوق ثيابهِ (٢) يُستحبُّ تكفينُ الشّهيد بثوبٍ واحدٍ أو أكثر فوقَ ثيابهِ. ----------------------- (١) وله شروطه وضوابطه، وسيأتي بإذن الله -تعالى-. (٢) انظر «أحكام الجنائز» (ص ٨٠). (٣) أخرجه أحمد، وانظر أحكام الجنائز (ص ٨٠). (٤) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٨٩٢)، وانظر أحكام الجنائز (ص ٨٠). فعن شَدّاد بن الهاد: «أن رجلًا من الأعراب، جاء إلى النبي - ﷺ - فآمن به واتَّبعَه، ثمّ قال: أُهاجرُ معك، فأوصى به النبيّ - ﷺ - بعضَ أصحابه، فلمّا كانت غزوة [خَيْبرَ] غَنِمَ النبي - ﷺ -[فيها] شيئًا، فَقَسم، وَقَسَمَ له، فأعطى أصحابه ما قَسَم له، وكان يرعى ظَهْرَهم، فلمّا جاءهم دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قَسَمَ لك النبي - ﷺ -. فأخذه فجاء به إلى النبيّ - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: قَسَمْتُه لك، قال: ما على هذا اتَّبعْتُك، ولكن اتَّبعْتُك على أن أرمى إلى هاهنا -وأشار إلى حَلْقهِ- بسهمٍ فأموتَ، فأدخلَ الجنة، فقال: إن تَصدُقِ الله يَصْدُقْك. فَلَبِثُوا قليلًا، ثمّ نهَضُوا في قتال العَدُوِّ، فأُتي به النبيّ - ﷺ - يُحْمَل، قد أصابه سهمٌ حيث أشار، فقال النبيّ - ﷺ - أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدَق الله فصدَقَه. ثمّ كفَّنه النبيّ - ﷺ - في جُبَّةِ النبيّ - ﷺ -، ثمّ قدَّمه فصلَّى عليه، فكان فيما ظَهرَ مِن صلاتِهِ: اللهمَّ هذا عبدك، خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتِل شهيدًا، أنا شهيدٌ على ذلك» (١). وعن الزُّبَير بن العَوّام -رضي الله عنه- قال: «لمّا كان يومُ أُحُد؛ أقبَلتِ امرأةٌ تسعى، حتى إذا كادت أن تُشرِف على القتلى، قال: فَكرِهَ النبيّ - ﷺ - أن تَراهم، فقال: المرأةَ المرأةَ! قال: فتوسَّمْتُ أنها أمّي صفيّةُ، فخرجْتُ أسعى إليها، فأدْركْتُها قبل أن --------------------- (١) أخرجه عبد الرزاق والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٤٥) والحاكم وغيرهم وصححه شيخنا رحمه الله في»أحكام الجنائز" (ص ٨١). تنتهيَ إلى القتلى، قال: فَلَدَمَتْ (١) في صدري، وكانت امرأةً جَلْدةً، قالت: إليك لا أرضَ لك، فقلتُ: إن رسولَ - ﷺ - عَزَمَ عليك، فَوقَفتْ، وأخرجَتْ ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبانِ جئتُ بهما لأخي حمزَةَ، فقد بلغني مقتلُه، فكفِّنْهُ فيهما. قال؛ فجئنا بالثوبين لِنُكفِّن فيهما حمزة، فإذا إلى جَنْبهِ رجلٌ من الأنصار قتيل، قد فُعل بهِ كما فُعل بحمزة، فوجدنا غضاضةً (٢) وحياءً، أن نُكفِّنَ حمزةَ في ثوبين، والأنصاريُّ لا كَفنَ له، فقلنا: لحمزةَ ثوبٌ، وللأنصاريِّ ثوبٌ، فقدَّرناهما فكان أحدُهما أكبرَ مِن الآخر، فأقْرَعْنا بينهما، فكفَّنّا كلَّ واحدٍ منهما في الثوبِ الذي صار له» (٣). لا يُشْرَعُ غَسْلُ الشهيد قتيلِ المعركة ولو كان جُنُبًا (٤) لا يُشْرع غسْل الشهيد قتيل المعركة، ولو كان جُنُبًا، وفي ذلك أحاديث: الأول: عن جابرٍ قال: «قال النبي - ﷺ -: ادفنوهم في دمائهم -يعني يوم أحد- ولم يَغْسِلْهم» (٥). ---------------------- (١) أي: ضربت ودفعت. (٢) الغضاضة: العيب والمنقصة. (٣) أخرجه أحمد -والسياق له بسند حسَن- والبيهقي وسنده صحيح وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٨١). (٤) انظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٢). (٥) أخرجه البخاري: ١٣٤٦. وفي رواية «وقال: أنا شهيدٌ على هؤلاء، وأمَر بدفنهم بدمائهم، ولم يُصلِّ عليهم، ولم يُغسّلهم»، البخاري: ١٣٤٧. وفي رواية: فقال: «أنا شهيدٌ على هؤلاء، لُفُّوهم في دمائهم، فإنه ليس جريح يُجرح [في الله] إلاَّ جاء وجرحه يوم القيامة يدْمي، لونُه لونُ الدم، وريحهُ ريحُ المسك» (١). وفي رواية: «لا تغْسِلوهم، فإنّ كلّ جرحٍ يفوح مِسْكًا يوم القيامة، ولم يُصلِّ عليهم» (٢). الثاني: عن أبي بَرْزَةَ -رضي الله عنه-: «أنّ النبيّ - ﷺ - كان في مغْزىً له، فأفاءَ اللهُ عليه، فقال لأصحابه: هل تفقدون مِن أحدٍ؟ قالوا: نعم، فلانًا، وفلانًا، وفلانًا. ثمّ قال: هل تفْقِدون مِن أحدٍ؟ قالوا: لا: قال: لكني أفقد جُليْبِيبًا، فاطلُبوه. فطُلب في القتلى، فوجدوه إلى جَنْبِ سبعةٍ قد قَتَلهم، ثمّ قتلوه! فأتى النبيُّ - ﷺ -، فوقفَ عليه فقال: قَتَلَ سبعةً ثم قَتَلوه! هذا منِّي، وأنا منه، هذا منِّي، وأنا منه، قال: فَوَضَعه على ساعِدِيْه، ليس له إلاّ ساعدا (٣) النبيّ - ﷺ - قال: فحُفر له ووُضِع في قبره، ولم يَذْكُر غَسْلًا» (٤). الثالث: عن أنس: «أنّ شهداء أُحُد لم يُغَسَّلوا، ودُفنوا بدمائهم، ولم يصلِّ -------------------------- (١) أخرجه البيهقي في»السنن الكبرى«وابن أبي شيبة في»المصنف«وغيرهما وانظر»أحكام الجنائز«، (ص ٧٢). (٢) أخرجه أحمد في»المسند«وغيره وصححه شيخنا -رحمه الله- في: الإرواء» (٣/ ١٦٤). (٣) أي: لم يكن له سرير إلاَّ ساعدي النبي - ﷺ -، وهي رواية ثابتة، انظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٣). (٤) أخرجه مسلم: ٢٤٧٢. عليهم [غير حمزة]» (١). الرابع: عن عبد الله بن الزُّبير في قصة أُحُدٍ واستشهاد حنظلَة بن أبي عامر، قال: «فقال رسول الله - ﷺ -: إنّ صاحِبَكم تَغسِلُه الملائكةُ، فاسألوا صاحِبَتَه، فقالت: خَرَجَ وهو جُنُبٌ لمّا سَمِع الهائعة (٢)، فقال رسول الله - ﷺ -: لذلك غسَّلتْهُ الملائكة» (٣). الخامس: عن ابن عباس قال: «أصيبَ حمزةُ بن عبد المطّلب، وحنظلةُ بن الراهب، وهما جُنُبٌ (٤)، فقال رسول الله - ﷺ -: رأيتُ الملائكةَ تُغَسِّلُهما» (٥). قال شيخنا -رحمه الله - في «أحكام الجنائز» (ص ٧٥): «واعلم أن وجه دلالة الحديث على عدم مشروعية غَسْل الشهيد الجنبِ؛ هو ما ذكَره الشافعيةُ وغيرهُم؛ أنّه لو كان واجبًا لما سَقَطَ بغسل الملائكةِ، ولأَمرَ النبيُّ - ﷺ - بغسلِه، لأنّ المقصودَ منه تعبُّدُ الآدمى به، انظر»المجموع«(٥/ ٢٦٣) و»نيل الأوطار«(٤/ ٢٦)». -------------------- (١) أخرجه أبو داود والزيادة له وللحاكم والترمذي وحسّنه، وغيرهم وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٣). (٢) هو الصوتُ الذي تفْزَعُ منه، وتخافه من عدوّ. «النّهاية». (٣) أخرجه ابن حبان في «صحيحه»، والحاكم، والبيهقي بإسناد جيد، وانظر «أحكام الجنائز» (ص ٧٤). (٤) كذا في «السنن والآثار» للبيهقي، وفي «معجم الطبرانيّ الكبير» «جُنُبان». (٥) أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» وإسناده حسنٌ، كما قال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٢٣). وانظر «أحكام الجنائز»، (ص ٧٥). أين يُدفن الشهيد (١) عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- «أن النبيّ - ﷺ - أَمَر بقتلى أُحُد؛ أن يُرَدّوا إلى مصارعهم، وكانوا قد نُقِلوا إلى المدينة» (٢). عن نُبيح العَنَزي، عن جابر: أن النبيّ - ﷺ - قال: «ادْفِنُوا القتْلَى في مَصَارعِهِمْ» (٣). دفنْ أكثر من شهيد في قبر واحد إذا كَثُر القتلى عن هشام بن عَامِرٍ، قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهَّ - ﷺ - يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْنَا يَا رَسُولَ الله الحْفْرُ عَلَيْنَا لِكُلِّ إِنْسَانٍ شَدِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: احْفِرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: فَمَنْ نُقَدِّمُ يَا رَسُولَ الله؛ قَالَ: قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا، قَالَ: فَكَانَ أَبي ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ، فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» (٤). وقال الإمام البخاري -رحمه الله- (باب دفْنِ الرجلين والثلاثة في قبرٍ) (٥) ثمّ ذكر حديث جابر -رضي الله عنه-: «أنّ النبيّ - ﷺ - كان يجمع بين الرجلين من --------------------- (١) هذا العنوان من سنن النسائي»صحيح سنن النسائي«(٢/ ٤٣١) (٢) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٩٣). (٣) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٨٩٤)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٢٣٠). (٤) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي، (١٨٩٩)، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٧٥٤)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٤٠٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٢٦٦). (٥) انظر «صحيح البخاري» كتاب الجنائز (باب - ٧٣). قتلى أُحد» (١). من غَلب العدوّ فأقام على عرْصتهم (٢) ثلاثًا (٣) عن قتادةَ قال: «ذكَر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة -رضي الله عنهما- عن النبيّ - ﷺ - أنّه كان إذا ظهَر على قوم، أقام بالعَرْصة ثلاثَ ليال» (٤). ما يقول إذا رجع من الغزو (٥) عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «أن رسول الله - ﷺ - كان إذا قَفَل (٦) مِن غزوٍ أو حجٍّ أو عُمرة؛ يُكبّر على كل شَرَف (٧) مِن الأرض ثلاث تكبيرات، ثمّ يقول: لا إله إلاَّ الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قدير، آيبون (٨) تائبون عابِدون ساجدون لربنا حامدون، صدَق الله --------------------- (١) انظر»صحيح البخاري«: ١٣٤٥. (٢) العَرْصة: هي البقعة الواسعة بغير بناء، من دارٍ وغيرها.»الفتح«. (٣) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب الجهاد) (باب - ١٨٥)، وجاء في تبويب»صحيح ابن حبان«نحوه بزيادة:»إذا لم يكن يخاف على المسلمين فيه«. انظر»التعليقات الحِسان«(٧/ ١٥١). (٤) أخرجه البخاري: ٣٠٦٥، ومسلم: ٢٨٧٥. (٥) هذا العنوان من»صحيح البخاري" (كتاب الجهاد) (باب - ٩٧). (٦) قفَل: أي رَجع. (٧) شَرَف: الموضع العالي الذي يُشرِف على ما حولَه. (٨) آيبون: راجعون. ![]() |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الموسوعة الفقهية الكبرى | جندالاسلام | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 7 | 05-13-2019 03:31 PM |
| الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-19-2017 01:59 PM |
| مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة | أنا مسلمة | ملتقى الكتب الإسلامية | 1 | 07-15-2012 07:23 PM |
| الموسوعة الطبية الميسرة | Dr Nadia | قسم الطب العام | 2 | 06-01-2011 03:55 PM |
| برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث | أبوالنور | ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت | 2 | 04-21-2011 09:40 AM |
|
|