استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية
ملتقى الآداب و الأحكام الفقهية فتاوى وأحكام و تشريعات وفقاً لمنهج أهل السنة والجماعة
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-22-2026, 07:34 PM   #121

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الخامس
من صــ 91الى صــ 105
الحلقة (119)




وعمّتها، ولا بين المرأة وخالتها» (١).
٣ - زوجة الغير ومعتدّته -رجعيًّا-؛ إِلا المسبيّة، فإِنّها تحلّ لسابيها بعد الاستبراء، وإِنْ كانت متزوّجة.
فعن أبي سعيد الخدري. «أنّ رسول الله - ﷺ - يوم حنين بعث جيشًا إِلى أوطاس، فلَقُوا عدُوًّا، فقاتلوهم فظهروا عليهم، وأصابوا لهم سبايا، فكأنّ ناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - تحرّجوا من غشيانهنّ من أجل أزواجهنّ من المشركين! فأنزل الله -عز وجل- في ذلك: ﴿والمحصنات من النّساء إلاَّ ما ملكَت أيمانكم﴾؛ أي: فهنّ لكم حلال إذا انقضت عدّتهن» (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: «أي: وحُرّم عليكم الأجنبيّات المحصنات؛ وهنّ المزوّجات ﴿إِلا ما ملكت أيمانكم﴾ يعني: إِلا ما ملكتموهنّ بالسبي؛ فإِنه يحلّ لكم وطؤُهنّ إذا استبرأتموهنّ، فإِنّ الآية نزلت في ذلك».
٤ - المطلّقة ثلاثًا:
لا تحلّ المطلّقة ثلاثًا لزوجها الأوّل؛ حتى تنكح زوجًا غيره. قال الله -تعالى-: ﴿فإِنْ طلّقها فلا تحلّ له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره﴾ (٣).

نكاح الكفار (٤):
قال الله -تعالى-: ﴿وامرأته حمّالةَ الحطب﴾، ﴿وامرأة فرعون﴾

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥١٠٩، ومسلم: ١٤٥٨.
(٢) أخرجه مسلم: ١٤٥٦.
(٣) البقرة: ٢٣٠.
(٤) عن «منار السبيل في شرح الدليل» (٢/ ١٦٦) بحذف.



فأضاف النّساء إِليهم، وحقيقة الإِضافة تقتضي زوجيّة صحيحة.
وقال - ﷺ -: «وُلدْتُ من نكاح لا سفاح» (١).
[قلت: فميّز النّبيّ - ﷺ - بين النكاح والسفاح في أنكحة الكُفّار، وأثبت النكاح].
وإذا ثبتت الصحّة؛ ثبتت أحكامها *ولأنهْ أسلم خلْقٌ كثير في عصر رسول الله - ﷺ -، فأقرّهم على أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيّتها* (٢).
وإنْ أسلم الزوجان معًا، أو أسلم زوج الكتابية، فهما على نكاحهما، ولم تتعرض لكيفية عقده، لما تقدّم. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أنّ الزوجين إِذا أسلما معًا في حال واحدة؛ أنِّ لهما المُقَامَ على نكاحهما؛ ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع.

-------------------------
(١) حديث حسن، خرّجه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (١٩١٤).
(٢) قال شيخنا -رحمه الله- عن الكلام الذى بين نجمتين: «صحيح المعنى، وليس له ذِكر بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث التي وقفْتُ عليها، وإنما استنبط المصنف معناه من جملة أحاديث، منها قوله - ﷺ - لغيلان:»أمسِك أربعًا وفارِق سائرهن«. أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٠١)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٨٩)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«(١٨٨٣)».
ومنها حديث الضحاك بن فيروز عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! إني أسلمتُ وتحتي أُختان، قال: طلِّق أيتهما شئت، وفى لفظ: اختر أيتهما شئت«. أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٦٢)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٨٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٩٠٢)، وانظر»الإرواء" (٦/ ٣٣٤).



«... فإِن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النّبيّ -صلى الله عليه وآله وسلم- كيف وقعت؟ وهل صادفت الشروط المعتبرة في الإِسلام فتصحّ؛ أو لم تصادفها فتبطل؟ وإنما اعتبر حالها وقت إِسلام الزوج؛ فإِن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرّهما، ولو كان في الجاهلية؛ وقد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك. وإِن لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار؛ لم يقرّ عليه، كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم، أو أختان، أو أكثر من أربع، فهذا هو الأصل الذي أصّلَتْه سُنّة رسول الله -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلم-. وما خالفه فلا يُلتفت إِليه، والله الموفق» (١).

نكاح الزانية:
لا يحلّ للرجل التزوّج بزانية. وكذا المرأة لا يحل لها التزوّج بزانٍ، إِلا إِذا أحدثا توبةً نصوحًا.
والله -سبحانه وتعالى- جعَل العفاف شرطًا ينبغي وجوده في كلٍّ من الزوجين قبل النكاح، قال الله -سبحانه-: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «﴿مُحْصِنِينَ غيْرَ مُسَافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أَخْدَان﴾: فكما شرَط الإِحصان في النساء -وهي العِفّة عن الزنى-

------------------------
(١)»التعليقات الرضية" (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٢) المائدة: ٥.



كذلك شرَطَها في الرجال وهو أن يكون الرجل -أيضًا- محصنًا عفيفًا؛ ولهذا قال: ﴿غير مُسافحين﴾ وهم: الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردُّون أنفسهم عَمَّن جاءهم، ﴿ولا متخذي أخدان﴾؛ أي: ذوي العشيقات الذين لا يفعلون إِلا معهنّ».
وقال -سبحانه-: ﴿الزَّاني لا يَنْكِح إِلا زانيةً أو مُشْرِكةً والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾ (١).
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره» -بحذف-: "هذا خبرٌ من الله -تعالى- بأنّ الزاني لا يطأ إِلا زانيةً أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مراده من الزنى إِلا زانية عاصية أو مشركة، لا ترى حُرمةَ ذلك، وكذلك: ﴿الزانية لا ينكحها إِلا زان﴾؛ أي: عاص بزناه، ﴿أو مُشْرِك﴾: لا يعتقد تحريمه.
قال سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: ﴿الزَّاني لا يَنْكِحُ إِلا زانيةً أو مُشْرِكةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح، إِنما هو الجماع، لا يزني بها إِلا زانٍ أو مشرك. وهذا إِسناد صحيح عنه. وقد روي عنه من غير وجه -أيضًا-.
وقوله -تعالى-: ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾؛ أي: تعاطيه والتزويج بالبغايا، أو تزويج العفائف بالفُجّار من الرجال.
وقال قتادة، ومقاتل بن حيان: حَرَّم الله على المؤمنين نكاح البغايا، وتقدّم في ذلك فقال: ﴿وحُرِّم ذلك على المؤمنين﴾.
وهذه الآية كقوله -تعالى-: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ولا مُتَّخِذَاتِ

-----------------------
(١) النور: ٣.


أخْدَان﴾ (١)، وقوله: ﴿مُحصنين غير مُسافحين ولا مُتَخِذي أخْدَان﴾ (٢).
ومن ها هنا ذهب الإِمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- إِلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإِن تابت صحّ العقد عليها؛ وإِلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحُرّة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح، حتى يتوب توبة صحيحة، لقوله -تعالى-: ﴿وحُرّم ذلك على المؤمنين﴾ ...» ثمّ ذكر الحديث الآتي:
عن عبد الله بن عمرو: «أن مرثد بن أبي مرثد الغَنَوِيِّ كان يحمل الأسارى بمكة، وكان بمكة بغيٌّ يقال لها: عَنَاقُ، وكانت صديقَتَه، قال: جئت النبيّ - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقًا؟ قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍِ أو مُشْرِكٍ﴾، فدعاني فقرأها عليّ، وقال: لا تنكحها» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينكح الزاني المجلود إِلا مثله» (٤).
وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٥/ ٥٧٢): «قوله:»المجلود«؛

------------------------
(١) النساء: ٢٥.
(٢) المائدة: ٥.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٠٦)، والنسائي»صحيح سنن النسائي) (٣٠٢٧) وغيرهما، وانظر «الإرواء» (١٨٨٦).
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٠٧)، والحاكم وغيرهم، وانظر «الصحيحة» (٢٤٤٤).



قال الشوكاني (٦/ ١٢٤): هذا الوصف خرج مخرج الغالب، باعتبار من ظهر منه الزنى. وفيه دليل على أنه لا يحل للمرأة أن تتزوج من ظهر منه الزنى، وكذلك لا يحل للرجل أن يتزوج بمن ظهر منها الزنى، ويدل على ذلك قوله -تعالى-: ﴿والزَّانية لا يَنْكِحُهَا إِلا زانٍ أو مُشْرِك﴾». انتهى (١).
قال شيخنا -رحمه الله- في «التعليقات الرضية» (٢/ ١٧٦): «ومعنى الآية: أن الزاني المعروف بالزنى لا ترتضيه زوجًا لها إِلا زانية أو مشركة في نظر الشرع، وكذلك القول في الزانية، وبيان ذلك في»إِغاثة اللهفان«(١/ ٦٦): أنّ المتزوّج أُمِرَ أن يتزوّج المحصنة العفيفة، وإنما أبيح له نكاح المرأة بهذا الشرط، والحكم المعلَّق على الشرط ينتفي عند انتفائه؛ والإِباحة قد علقت على شرط الإِحصان، فإِذا انتفى الإِحصان؛ انتفت الإِباحة المشروطة، فالمتزوّج إِما أن يلتزم حُكم الله وشَرعه، أو لا يلتزم، فإِن لم يلتزِمه؛ فهو مشرك لا يرضى بنكاحه إِلا من هو مشرك مثله، وإن التزمه وخالفه ونكح ما حرم عليه؛ لم يصح النكاح؛ فيكون زانيًا».

فائدة:
وقال لي شيخنا -رحمه الله- حول نكاح الزانية في معرض التوضيح لسؤالٍ سابق: إِذا كان يعلم أنها زانية ولا يعلم أنها تائبة؛ فلا يجوز أن يتزّوجها، ولكنه إِذا تزوّجها وهو لا يعلم أنّها زانية؛ فزواجه صحيح.
وسأَل شيخَنا -رحمه الله- أحدُ الإِخوة عن رجل زنى بامرأة؛ هل يحقّ له الزواج منها؟

------------------------
(١) انظر للمزيد من المسائل والفوائد -إِن شئت- «الفتاوى» (٣٢/ ١١٢ - ١٢٥).


فأجاب الشيخ -رحمه الله- بعدم الجواز. ثمّ قال السائل: وإنْ تابا؟
فأجاب: لا يجوز. وقد لمسْتُ من شيخنا -رحمه الله- أنه يشكُّ في صحّة التوبة. فقلتُ له: إِذا عُلِم صدق توبتهما من خلال بعض القرائن؟ فقال: يجوز.
وسُئل شيخنا -رحمه الله- في بعض مجالسه: رجل فعَل الفاحشة بامرأة، ثمّ حملت، هل يستطيع أن يتزوجها؟
فأجاب: لا أرى هذا؛ لأنّه بالتالي تخطيط لإِلحاق الولد بهما.

عقد المُحرم
*يحرُم على المُحْرِمِ أن يعقد النكاح لنفسه أو لغيره؛ بولاية أو وكالة، ويقع العقد باطلًا* (١).
عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يَنكِح المحرم ولا يُنْكَح ولا يخطُب» (٢).
وما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم» (٣)؛ فهو معارض بحديث ميمونة -رضي الله عنها- نفسها: «أنّ رسول الله - ﷺ - تزوجها وهو حلال» (٤).

----------------------
(١) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٤١٢).
(٢) أخرجه مسلم: ١٤٠٩.
(٣) أخرجه البخاري: ١٨٣٧، ومسلم: ١٤١٠.
(٤) أخرجه مسلم: ١٤١١.



وقال شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(٤/ ٢٣٧):»تنبيه: أخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النّبيّ - ﷺ - تزوج ميمونة وهو محرم».
قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ٤٥): «وصحّ نحوه عن عائشة وأبي هريرة وجاء عن ميمونة نفسها أنه كان حلالًا. وعن أبي رافع مثله، وأنه كان الرسول إِليها (١). واختلف العلماء في هذه المسألة، فالجمهور على المنع لحديث عثمان (يعني: هذا)، وأجابوا عن حديث ميمونة بأنه اختلف في الواقعة كيف كانت، فلا تقوم بها الحجة، ولأنها تحتمل الخصوصية، فكان الحديث في النهي عن ذلك أولى بأن يؤخَذ به. وقال عطاء وعكرمة وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج، كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطْءِ؛ فتعقب بالتصريح فيه بقوله: (ولا يُنكح) بضم أوله. وبقوله فيه (ولا يخطُب)».
وقال الحافظ ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٢/ ١٠٤/‏١) -وقد ذكر حديث ابن عباس-:
«وقد عُدَّ هذا من الغلطات التي وقعت في»الصحيح«، وميمونة أخبرت أن هذا ما وقع، والإِنسان أعرف بحال نفسه، قالت:»تزوجني رسول الله - ﷺ - وأنا حلال بعدما رجعنا من مكة«. رواه أبو داود عن موسى بن إِسماعيل نحوه:»تزوجني النّبيّ - ﷺ - ونحن حلال بِسَرِفَ«.

-------------------------
(١) قال شيخنا -رحمه الله- في التعليق:»في إِسناد حديث أبي رافع: مطر الوراق، وهو ضعيف، وقد خالفه مالك فأرسله، كما يأتي بيانه في «النكاح»، في أول الفصل الذي يلي «باب النكاح وشروطه». رقم (١٨٤٩) ".


قلت [أي: شيخنا -رحمه الله-]: وسند أبي داود صحيح على شرط مسلم، وقد أخرجه في «صحيحه» (٤/ ١٣٧ - ١٣٨) دون ذكر سَرِفَ، وأخرجه أحمد (٦/ ٣٣٢، ٣٣٥) باللفظ الأول الذي في «التنقيح»، وهو على شرط مسلم أيضًا«.
وأضاف -رحمه الله- في التحقيق الثاني على»الإِرواء«(٤/ ٢٢٨):»وذكر ابن القيّم في «الزاد» (٥/ ١١٢ - ١١٣) سبعة أوجه لترجيح حديث ميمونة -رضي الله عنها-؛ منها: أن الصحابة -رضي الله عنهم- غلّطوا ابن عباس، ولم يغلّطوا أبا رافع، كذا قال. وانظر «الفتح» (٩/ ١٦٥)«.
وجاء في»الإِرواء«تحت الحديث (١٠٣٨):»وعن أبي غطفان عن أبيه: أنّ عمر -رضي الله عنه- فرّق بينهما؛ يعني: رجلًا تزوّج وهو مُحْرِم«.
وقال شيخنا -رحمه الله-:»صحيح، أخرجه مالك وعنه البيهقي والدارقطني. ... وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
ثمّ روى مالك عن نافع أنّ عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- كان يقول: «لا ينكح المُحْرِم، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره». وسنده صحيح. وروى البيهقي عن علي قال: «لا ينكح المحرم؛ فإِن نكح رُدّ نكاحه»، وسنده صحيح أيضًا«.
ثمّ قال شيخنا -رحمه الله-:»واتفاق هؤلاء الصحابة على العمل بحديث عثمان -رضي الله عنه- مما يؤيد صحته. وثبوت العمل به عند الخلفاء الراشدين يدفع احتمال خطأ الحديث أو نسْخه، فذلك يدلّ على خطأ حديث ابن عباس -رضي الله عنه-، وإليه ذهَب الإِمام الطحاوي في كتابه «الناسخ والمنسوخ»؛ خلافًا لصنيعه في «شرح المعاني». انظر «نصب الراية» (٣/ ١٧٤). انتهى.


جاء في «سبل السلام» (٣/ ٢٤٠): «قال ابن عبد البر: اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوّجها وهو حلال جاءت من طرق شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإِسناد، لكن الوهم إِلى الواحد أقرب من الوهم إِلى الجماعة؛ فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا؛ فتطلب الحجة من غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو معتمد. انتهى.
وقال الأثرم: قلت لأحمد: إِن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس -أي: مع صحته-؟ قال: الله المستعان! ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس، وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال».
وسألت شيخنا -رحمه الله-: يَحْرُمُ على المُحْرِم أن ينكح، فإِذا فَعَل هل يكون العقد باطلًا؟
قال: هو كذلك.

نكاح الملاعِنَة:
اللِّعانُ والمُلاعَنَةُ والتَّلاعُنُ: ملاعنة الرجل امرأته، يُقال: تلاعنَا والْتَعَنَا ولاعَن القاضي بينهما، وسمّي لِعانًا؛ لقول الزوج: «عليّ لعنة الله إِن كنتُ من الكاذبين» (١).
قال الله -تعالى-: ﴿والذين يَرمُون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إِلا أنفُسُهُم فشهادة أحدِهم أربعُ شهادات بالله إِنَّه لمن الصَّادقين * والخامِسَةَ أنَّ لعنةَ الله عليه إِن كان من الكاذبين * ويدرأُ عنها العذابَ أن تشهد أربع شهادات بالله إِنّه لَمِنَ الكاذبين * والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ الله عليها إِن كان من

--------------------
(١) «شرح النووي» (١٠/ ١١٩).


الصَّادقين * ولولا فَضْل الله عليكم ورحمته وأنّ الله توَّابٌ حكيم﴾ (١).
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «هذه الآية الكريمة فيها فرَج للأزواج، وزيادة مَخرج، إِذا قذَف أحدهم زوجته، وتعسّر عليه إقامة البيّنة، أن يلاعنها، كما أمر الله -عز وجل-، وهو أن يُحضِرها إِلى الإِمام، فيدّعي عليها بما رماها به، فيحلّفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء: ﴿إِنه لمن الصادقين﴾، أي: فيما رماها به من الزنى، ﴿والخامِسَةَ أنّ لعنةَ الله عليه إنْ كان من الكاذبين﴾، فإِذا قال ذلك، بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحَرُمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرَها، ويتوجه عليها حدّ الزنى، ولا يدرأ عنها إِلا أن تُلاعِن، فتشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به، ﴿والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾، ولهذا قال: ﴿ويدرأ عنها العذاب﴾ يعني: الحد ﴿أنْ تشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين * والخامِسَةَ أنّ غَضَبَ الله عليها إِنْ كان من الصادقين﴾. فخصّها بالغضب، كما أنّ الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورمْيها بالزنى؛ إِلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صِدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقّها أنّ غضب الله عليها؛ والمغضوب عليه: هو الذي يعلم الحقّ ثمّ يحيد عنه».
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أيضًا قال: «لاعَنَ النّبيّ - ﷺ - بين رجلٍ وامرأة من الأنصار، وفرّق بينهما» (٢).

----------------------
(١) النور: ٦ - ١٠.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٣١٤.



وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أيضًا: «أنّ النّبيّ - ﷺ - لاعَنَ بين رجل وامرأتِه، فانتفى من ولدها، ففرّق بينهما، وألحق الولَد بالمرأة» (١).
عن ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب عن المتلاعِنَين وعن السُّنَّة فيهما عن حديث سهل بن سعد أخي بني ساعِدَة: أنّ رجُلًا من الأنصار جاء إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا ... وذكر الحديث بقصّته (٢).
وزاد فيه: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد. وقال في الحديث: فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله - ﷺ -، ففارقها عند النّبيّ - ﷺ -، فقال النّبيّ - ﷺ -: «ذاكم التّفريق بين كلّ مُتلاعِنَين» (٣).
وجاء في «الصحيحة» -بحذف- برقم (٢٤٦٥): «المتلاعنان إِذا تفرّقا، لا يجتمعان أبدًا» ... وفيه:
«وأمّا حديث سهل -رضي الله عنه- في حديث المتلاعِنَين قال:»...
فمضت السُّنَّة بعد في المتلاعِنَين أن يفرق بينهما، ثمّ لا يجتمعان أبدًا«أخرجه أبو داود، والبيهقي ...
... وعن عاصم عن زر عن علي قالا:»مضت السُّنَّة في المتلاعِنَين أن لا يجتمعا أبدًا«.

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٣١٥، ومسلم: ١٤٩٤.
(٢) انظر الرواية التي قبل هذه في»صحيح مسلم"، وهي في أول كتاب اللعان.
(٣) أخرجه مسلم: ١٤٩٢.



أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي؛ وإسناده حسن في المتابعات». ثمّ قال شيخنا -رحمه الله-: «... إِذا علمت ما تقدّم؛ فالحديث صالح للاحتجاج به على أنّ فُرْقَة اللّعان إِنما هي فَسخ، وهو مذهب الشافعي، وأحمد وغيرهما، وذهب أبو حنيفة إِلى أنه طلاق بائن، والحديث يردُّ عليه، وبه أخذ مالك أيضًا والثوري وأبو عبيدة وأبو يوسف، وهو الحق الذي يقتضيه النظر السليم في الحكمة من التفريق بينهما، على ما شرحه ابن القيّم -رحمه الله تعالى- في»زاد المعاد«؛ فراجعه (٤/ ١٥١ و١٥٣ - ١٥٤)، وإِليه مال الصنعاني في»سبل السلام«(٣/ ٢٤١)».
قال النووي -رحمه الله- في «شرحه» (١٠/ ١٢٣): «... وأمّا قوله - ﷺ -:»ذاكم التفريق بين كل متلاعِنَين«؛ فمعناه عند مالك والشافعي والجمهور: بيان أن الفرقة تحصل بنفس اللعان بين كل متلاعِنَين. وقيل: معناه تحريمها على التأبيد، كما قال جمهور العلماء».

نكاح المشرِكة:
لا يحل للمسلم أن يتزوج من غير الكتابيّات -على ما سيأتي تفصيله إِن شاء الله تعالى-؛ كالوثنية أو الشيوعيّة أو الملحدة أو المرتدَّة عن الإِسلام أو عابدة النّار أو الفرج ... ونحو ذلك.
قال الله -تعالى-: ﴿ولا تُمسِكُوا بعِصَم الكَوَافِر﴾ (١).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقوله -تعالى-: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِر﴾ تحريمٌ من الله -عز وجل- على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات والاستمرارَ معهنّ.

---------------------
(١) الممتحنة: ١٠.


وفي «الصحيح» عن الزهري، عن عروة، عن المسور، ومروان بن الحكم: أن رسول الله - ﷺ - لمّا عاهد كفار قريش يوم الحديبية، جاءه نساء من المؤمنات، فأنزل الله -عز وجل-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءَكم المؤمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إِلى قوله: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَم الكَوَافِر﴾، فطلّق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، فتزوّج إِحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوان بن أمية (١) «(٢).
وقال -سبحانه-: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٣).
قال ابن كثير -رحمه الله- في»تفسيره«:»هذا تحريم من الله -عز وجل- على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبَدة الأوثان. ثمّ إِنْ كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ مُحْصنينَ غير مُسَافحينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدَان﴾ (٤).

-----------------------
(١) وكانا كافرين يومئذ.
(٢) بعض حديث أخرجه البخاري: ٢٧٣١، ٢٧٣٢.
(٣) البقرة: ٢٢١.
(٤) المائدة: ٥.



قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ولا تَنكحوا المشركات حتّى يؤمِنّ﴾: استثنى الله من ذلك نساء أهل الكتاب. وهكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقيل: بل المراد بذلك (١) المشركون من عبَدة الأوثان، ولم يُردْ أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم.
ثمّ قال -رحمه الله-: «قال أبو جعفر بن جرير -رحمه الله- بعد حكايته الإِجماع على إِباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في المسلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إِدريس، حدثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق؛ قال: تزوج حذيفة يهودية، فكتب إِليه عمر: خلِّ سبيلها، فكتب إِليه: أتزعم أنها حرام؛ فأُخلّيَ سبيلها؟ فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا المومسات منهن.
وهذا إِسناد صحيح. وروى الخلال عن محمد بن إِسماعيل، عن وكيع، عن الصلت. نحوه.
ثمّ ساق ابن جرير بإِسناده إِلى زيد بن وهب؛ قال: قال لي عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة (٢).
قال: وهذا أصح إِسنادًا من الأول».

---------------------
(١) أي: في عدم النكاح.
(٢) أخرجه الطبراني، والبيهقي، قال أحمد شاكر: «هذا إِسناد صحيح متصل إلى عمر». قاله محقق «ابن كثير» - ط الفتح.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح النظم الفائق
* مع آية: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون)
* أفكار عملية في كيفية المحافظة على قراءة القرآن بعد رمضان
* أهمية التكرار لتثبيت الحفظ
* حرف الراء وأحكامه تفخيما وترقيقا
* رمضان ووحدة الأمة
* 10 خطوات مهمة لتحقيق النجاح

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-22-2026, 07:37 PM   #122

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الخامس
من صــ 106الى صــ120
الحلقة (120)




وهناك آثار عديدة عن السلف في نكاح نساء أهل الكتاب (١)؛ منها: أن حذيفة -رضي الله عنه- نكَح يهودية، وعنده عربيّتان.
عن أبي وائل قال: «تزوج حذيفة يهودية، فكتب إِليه عمر أن: خلِّ سبيلها، فكتب إِليه: إِنْ كان حرامًا خليتُ سبيلها، فكتب إِليه: إِني لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تَعَاطَوُا المومساتِ منهن» (٢).
ومنها: عن أبي عياض قال: لا بأس بنكاح اليهوديات والنصرانيات إِلا أهل الحرب (٣).
ومع القول بجواز نكاح الكتابيات أصلًا؛ ولكن لا بُدّ من أمْن الفتنة، والنظر إِلى عاقبة الأمور وخواتيمها، فإِنّ من تزَوّج من السلف منهنّ كانت لديهم القُدرة على هدايتهنّ للإِسلام بتوفيق الله -سبحانه-، وكذلك إِحسان تربية الأبناء.
ونحن نرى الآن أن الزّواج من المسلمة العاصية له أثره السَّيِّئُ في الزوج، وانتكاسه ونقْص إِيمانه، فكيف إِذا تزوّج من كتابيّة!
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن الزواج من الكتابيات؟ فقال: أرى عدم الزواج من الكتابيات؛ من باب سدّ الذرائع، وإنْ وقَع لا نُبطِله.

---------------------
(١) انظرها -إِن شئت- في «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٤٦٣).
(٢) قال شيخنا -رحمه الله-: «وهذا إسناد صحيح. وأخرجه البيهقي وقال:»وهذا من عمر -رضي الله عنه- على طريق التنزيه والكراهة ...«. وانظر»الإِرواء" (١٨٨٩).
(٣) المصدر نفسه.



وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٣٢/ ١٨٢): «إِن نكاح المجوسيات لا يجوز، كما لا يجوز نكاح الوثنيات، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وذكره الإِمام أحمد عن خمسة من الصحابة في ذبائحهم ونسائهم، وجعل الخلاف في ذلك من جنس خلاف أهل البدع ...».
وسألت شيخنا -رحمه الله- عن زواج المجوس؟ فقال: يحرُم ذلك.
وسألته -رحمه الله- عن قول بعضهم في جواز الزواج ممّن لهم كتاب غير اليهود والنّصارى؟ فقال -رحمه الله-: لا نعلم أهل الكتاب إِلا اليهود والنصارى.
وجاء في «الإِرواء» (٥/ ٩٠): «وروى البيهقي (٩/ ١٩٢) عن الحسن بن محمد بن علي قال:
كتَب رسول الله - ﷺ - إِلى مجوس هجَر يَعرِض عليهم الإِسلام، فمن أسلَم قُبِل منه، ومن أبى ضُربت عليه الجزية، على أن لا تؤكل لهم ذبيحة، ولا تُنكَح لهم امرأة. وقال:
هذا مرسل، وإِجماع أكثر المسلمين عليه يؤكده، ولا يصح ما روي عن حذيفة في نكاح مجوسية».
قال شيخنا -رحمه الله-: «ورجال إِسناده ثقات» انتهى.

نكاح المسلمة بغير المسلم:
قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا جاءَكُمُ المؤمناتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بإِيمانِهِنّ فإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤمِنَاتٍ فلا تَرْجِعُوهنّ إِلى


الكُفّار لا هُنّ حِلٌّ لهم ولا هم يَحِلّونَ لهُنَّ﴾ (١).
قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: «وقوله -تعالى-: ﴿فإن عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤمِنَاتٍ فَلا تَوْجِعُوهُنَّ إِلى الكُفَّار﴾؛ فيه دلالة على أن الإِيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا.
وقوله -تعالى-: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لهم ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: هذه الآية هي التي حَرّمت المسلماتِ على المشركين، وقد كان جائزًا في ابتداء الإِسلام أن يتزوج المشركُ المؤمنةَ، ولهذا كان أبو العاص بن الربيع زوجَ ابنة النّبيّ - ﷺ - زينب -رضي الله عنها-، قد كانت مسلمة، وهو على دين قومه، فلمّا وقع في الأسارى يوم بدر؛ بَعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمّها خديجة، فلمّا رآها رسول الله - ﷺ -؛ رقّ لها رقّة شديدة، وقال للمسلمين:»إِنْ رأيتم إِن تُطْلقوا لها أسيرها فافعلوا ... «(٢).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ردّ النّبيّ - ﷺ - ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأوّل، ولم يُحدِث نكاحًا» (٣).
وجاء في «الإِرواء» (٦/ ٣٤٠): «... قال قتادة: ثمّ أُنزلت سورة ﴿براءة﴾ بعد ذلك، فإِذا أسلمت المرأة قبل زوجها؛ فلا سبيل له عليها إِلا

---------------------
(١) الممتحنة: ١٠.
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٣٤١)، والحاكم وغيرهم، وانظر»الإِرواء«(١٩٢١).
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٩٥٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي" (٩١٣).



بخطبة، وإسلامها تطليقة بائنة. وإسناده صحيح مرسل». انتهى.
وقال الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (١).
فما كان للكافرِ من سلطانٍ على مسلمة، ونكاحه منها أعظم سلطان عليها؛ عياذًا بالله -تعالى-.
وقد جاء إِليّ من خارج البلاد سؤالٌ مِن أحد الإِخوة وهذا نصُّه:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: فقد هداني الله -سبحانه وتعالى- وعن طريق أحد الإِخوة المؤمنين. ... وحصلتُ على عنوانكم طالبًا منكم المساعدة في سبيل مرضاة الله، والسير على طريق الشرع الإِسلامي الحنيف. والأمرُ كالآتي:
لقد تزوجتُ من امرأة مسلمة بعد طلب يدها للزواج من ذويها، وبعد استئذانها، ثمّ بعد سنتين من الزواج سافرنا إِلى بريطانيا للدراسة، وفي تلك البلاد انشقّت زوجتي عني، وحصل بيننا شِقاق في أمور يسيرة، إِلا أنها أخذت الأمر حُجة لطلب الطلاق من المحكمة البريطانية التي لا تدين بدين الإِسلام، ورفضَت كل طلبٍ للوساطة والصلح؛ من طريق أهل الخير من المسلمين الذين يعرفوننا هناك .. وحتى إِنّها رفضت أن تتحدث -ولو بشكل وُدِّي غير ملزِم- إِلى المركز الإِسلامي (بلندن)، ولمّا كنت أرفض التحاكم إِلى القضاء غير المسلم، ورغم عدم ثبوت أي صحة تُبيح تطليقها منّي بحكم القانون البريطاني؛ مِثل ثبوت سوء المعاملة، أو الضرب، أو الخيانة الزوجية، أو فقدان العقل .. لذلك حكموا بالفراق ومن ثمّ بالطلاق، وفي كل مرة كنّا نتواجه بها في المحكمة أو عن طريق محاميها؛ كانت ترفض دعوتي لها بإِرجاع

---------------------
(١) النساء: ١٤١.


الأمر إِلى قضاءٍ مسلم، وهددتني برفع الأمر إِلى الشرطة البريطانية إِذا حاولتُ الاتصال بها، أو محادثتَها، فأوكلت أمري إِلى الله الواحد الأحد! وعلمتُ فيما بعد أنها تزوّجت من رجل غيرِ مسلم في تلك البلاد دون إِذن مني، إِني أرجوكم أن تساعدوني بتقديم البيان لي في شرع الله -سبحانه وتعالى-، وسنة نبيّه الكريم محمد - ﷺ -.
ولحاجتي الماسّة إِلى البيان أرجو منكم استعجالَ الجواب.
أولًا: هل يجوز لقاضٍ غير مسلم تطليق امرأة مسلمة من زوجها المسلم؟
ثانيًا: هل يقع الطلاق برغم تمسُّك الزوج وطلبه من زوجته الرجوع في الأمر إِلى قضاء مسلم، وكان ذلك ميسّرًا؟
ثالثًا: هل يحِلّ للمرأة في هذه الحالة أن تعدّ نفسها مطلقة من زوجها الأول المسلم؟ وهل يحقُّ لها الزواج من غيره؛ مع العلم أنها مبلّغة بالحذر من اعتبار طلاقها من القضاء البريطاني، وأنّ الأَولى أن يصلح بينهما، أو يطلقها قاضٍ مسلم؟ وطوال هذا الوقت تعلم تلك المرأة عِلم اليقين مكان وعنوان الاتصال المباشر مع زوجها الأول المسلم، ولكنها آثَرت البلاد غير المسلمة، ورفضت العودة إِلى بلادها أو الاتصال به.
أرجو منكم استعجال الجواب، وبإِذن الله، وعسى أن يَرِدَني منكم الجوابُ بفتوى خطية، وعسى أن تبحثوا الأمر مع صاحب العِلم الجليل فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني -حفظه الله وأبقاه-.
وإِني سوف أسعى لإِبلاغها ونُصحها بالعودة إِلى الصراط المستقيم؛ قبل أن تلقى ربّها وهي مذنبة غير تائبة.


هذا .. ووفقّكم الله لكل خير. انتهى.
وعرضتُ السؤال على شيخنا -رحمه الله-؛ فأجاب.
الحمد لله: الجواب عن الأسئلة الثلاثة: لا يجوز، لا يقع، لا يحلّ.
وأنصح السائل أن يَنْفُضَ يده من هذه المرأة، ولا يسأل عنها، ولا يذهب نفسه حسراتٍ عليها، وأن لا يفكِّر أن يعيدها إِلى عصمته ولو رغبت، بعد أن ارتكبت ذينك الذنبين الكبيرين:
١ - تحاكَمت إِلى الطاغوت، ورَضِيت بحكمه، وهذا خُلُق من يزعمون أنهم آمنوا، وقد قال الله فيهم. ﴿يُريدون أن يَتَحَاكمُوا إِلي الطَّاغُوت وقد أُمِروا أن يكفروا به ويُرِيُد الشَّيطانُ أن يُضِلّهم ضلالًا بعيدًا﴾ (١).
٢ - رضيت أن يعلوها زوج كافر، والله -تعالى- يقول: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (٢).
وكتب: محمد ناصر الدين الألباني.

فائدة:
جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٦١): «وسئل عن»الرافضة«هل تزوّج؟
فأجاب: الرافضة المحضة هم أهل أهواء وبدع وضلال، ولا ينبغي للمسلم أن يزوّج موليته من رافضي، وإِنْ تزوج هو رافضية صح النكاح، إِنْ كان يرجو أن تتوب؛ وإلا فترْك نكاحها أفضل؛ لئلا تُفسد عليه ولده، والله أعلم».

-------------------
(١) النساء: ٦٠.
(٢) النساء: ١٤١.



تحريم الزيادة على الأربع:
لا يحلّ للرجل أن يجمع في نكاحه أكثر من أربع زوجات في وقت واحد؛ لقوله -تعالى-: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكم مِنَ النِّسَاءِ مثنَى وثلاثَ ورُبَاعَ﴾ (١). وهذا عدا ما ملكَت يمينه من الإِماء.
عن ابن عمر -رضي الله عنه-: «أن غَيلان بن سلمة الثقفي أسلم، وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلَمْن معه، فأمَره النّبيّ - ﷺ - أن يتخير منهنّ أربعًا» (٢).
وعن قيس بن الحارث قال: «أسلمتُ وعندي ثمانِ نسوة، فذكرتُ ذلك للنّبيّ - ﷺ -؛ فقال النّبيّ - ﷺ -: اختر منهن أربعًا» (٣).
قال ابن كثير -رحمه الله-: «قال الشافعي: وقد دلّت سُنّة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- المبيّنة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله - ﷺ - أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة. وهذا الذي قاله الشافعي -رحمه الله- مُجمَع عليه بين العلماء؛ إِلا ما حُكي عن الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إِلى تسع ...».

تعدُّد الزوجات:
أباح ديننا الحنيف تعدّد الزوجات، على ألا يزيد على أربع؛ خلا ملك

------------------
(١) النساء: ٣.
(٢) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٠١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٨٩)، وانظر «الإرواء» (١٨٨٣).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٩٦٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٨٨)، وانظر «الإِرواء» (١٨٨٥).



اليمين من الإِماء؛ كما تقدّم.
وأوجب العَدْل بينهنّ في الطعام والكسوة والسكن والمبيت.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من كانت له امرأتان فمال إِلى إِحداهما، جاء يوم القيامة وشِقّه مائل» (١).
ومن خاف ألا يعدل فعليه أن يقتصر على واحدة؛ لقول الله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ فإِنْ خفْتُم ألا تَعْدلُوا فَوَاحدَةً أو مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُم ذلك أدْنَى ألا تَعُولُوا﴾ (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله-: «أي: فإِنْ خشيتم من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن؛ كما قال -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حَرَصتم﴾، فمن خاف من ذلك؛ فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري؛ فإِنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحبّ، فمن فعَل فحسَن، ومن لا فلا حرج». انتهى.
وعن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - في قوله -تعالى-: ﴿ذلك أدنى أن لا تعولوا﴾ قال: «أن لا تجوروا» (٣).
والمراد من قوله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو

---------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٦٧)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩١٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٠٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣٦٨٢)، وانظر «الإرواء» (٢٠١٧).
(٢) النساء: ٣.
(٣) أخرجه ابن حبّان في «صحيحه» وغيره، وانظر «الصحيحة» (٣٢٢٢).



حَرَصْتُم﴾ (١) - كما قال ابن كثير -بحذف-: «أي: لن تستطيعوا أيها الناس! أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإِنه وإن حصَل القسم الصوري: ليلة وليله، فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع؛ كما قاله ابن عباس، وعبَيِدة السلماني، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك بن مزاحم».
ثمّ ساق بإِسناد ابن أبي حاتم إِلى ابن أبي مليكة قال: «نزلت هذه الآية: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرَصتم﴾ في عائشة. يعني: أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يحبها أكثر من غيرها (٢)».
ثمّ قال -رحمه الله-: «وقوله: ﴿فلا تميلوا كلّ الميل﴾؛ أي: فإِذا مِلتم إلى واحدة منهنّ، فلا تُبالِغوا في الميل بالكلِّية ﴿فتذروها كالمعلّقة﴾؛ أي: فتبقى الأخرى مُعلّقة.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، والسُّدِّيُّ، ومقاتل بن حيان: معناه: لا ذات زوج ولا مطلقة».
ثمّ ذكر حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من كانت له امرأتان فمال إِلى إِحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقّيه ساقط» (٣).
ثمّ قال -رحمه الله-: «﴿وإِنْ تُصلحوا وتتقوا فإِنّ الله كان غفورًا

----------------------
(١) النساء: ١٢٩.
(٢) وقد سأل عمرو بن العاص -رضي الله عنه- رسول الله - ﷺ -، فقال:»أيّ الناس أحبّ إِليك؟ قال: عائشة". أخرجه البخاري: ٣٦٦٢، ومسلم: ٢٣٨٤.
(٣) تقدّم.



رحيمًا﴾؛ أي: وإنْ أصلحتم في أموركم، وقسَمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفَر الله لكم ما كان من مَيْل إِلى بعض النساء دون بعض». انتهى.
والحاصل: أن المرء لا يستطيع المساواة بين النساء مِن جميع الوجوه، فلا بُدّ من التفاوت في المحبّة والشهوة والجماع، وقد تقدّم أن عائشة -رضي الله عنها- كانت أحبَّ النساء إِلى رسول الله - ﷺ -.
وجاء التوجيه الرّباني بالإِصلاح والتقوى في الأمور؛ لتكون المغفرة على ما كان من ميل إِلى بعض النساء دون بعض.
وهذا يعني مراعاة الضعف البشري، وليس معنى قوله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حَرَصْتُم﴾ تحريم التعدّد! وهذا الفَهْم السقيم فيه اتهام لربّ العالمين؛ أنه يعلم عدم استطاعة العدل بين النساء؛ ثمّ يأمر -سبحانه- بالتعدُّد!! تعالى الله عن هذا علوًّا كبيرًا.
فلا بدّ ابتداءً أن ينوي المرء العدل ويتحرّاه -كما ينوي عدم الوقوع في أي ذنبٍ آخر؛ ولكنه يُذنب، وأينا لا يظلم نفسه؟! - فإِذا وقعَ منه الميل أو عدم العدل؛ استغفر وأناب، واتقى وأصلح.

ماذا يُشترط على من يريد التعدّد؟
١ - القدرة عليه ماليًا وبدنيًا.
٢ - القدرة على العدل الممكن؛ في ضوء التفصيل السابق، والله -تعالى- يقول: ﴿فإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَة﴾.


فمن لم يخف عدم العدل فقد حلّ له ذلك، وإلا حرُم عليه، فلا بُدّ من الإِيمان والتقوى وقوة الشخصيّة؛ لضبط الأمور بين النّساء.
فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - لا يُفضّل بعضنا على بعض في القسم» (١).

من محاسن التعدّد:
ومحاسن التعدّد كثيرة، منها:
١ - أنّ النّبيّ - ﷺ - يكاثر بأُمّته الأمم يوم القيامة، والتعدّد من الأبواب الموصلة إِلى ذلك.
عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تزوّجوا؛ فإِنّي مُكاثِرٌ بكم الأمم يوم القيامة» (٢).
٢ - أنّ خير الناس أكثرهم نساءً، عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: «هل تزوجتَ؟ قلت: لا. قال: فتزوَّجْ؛ فإِنّ خير هذه الأمّة أكثرها نساءً» (٣).
٣ - أنّ الأمّة المجاهدة تفتقر إِلى عدد كبير؛ يقوم بهذا الأمر العظيم.
٤ - إِنّ الأعداد الكثيرة في أيّ دولة -حين يلي أمورها أمراء متقون وولاةٌ

----------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «الإِرواء» (٢٠٢٠).
(٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى». وله شواهدُ يتقوى بها؛ ذَكرها شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (١٧٨٢).
(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٦٨. وبوّب الإمام البخاري -رحمه الله- بقوله: (باب كثرة النساء).



عادلون- لهي الأولى بالرفعة والسمّو والعزّ.
٥ - أنّ في ذلك علاجًا ناجعًا للنّساء في حالات عديدة؛ فهناك الكثير من النسوة لا تُرْتَضَى زوجة أولى؛ لِكبرها أو لنقصٍ في جمالها، أو لكونها مطلّقة، أو مريضة، أو لا تلِد.
٦ - أنّ قدرة الرجل على الوطء والجماع؛ لا كالمرأة، والله -تعالى- بحكمته وعلِمه خلَقه كذلك.
ولا يخفى ما يصيب المرأة من حيض ونفاس، تؤثّر في حالتها النفسية والبدنية، فماذا يكون من شأن الرجل خلال هذه المُدّة؟! وكيف إِذا كان لدى بعض الرجال رغبة جنسيّة قويّة؟!
٧ - أنّ الفُجّار والفُسّاق ينفّسون عن شهواتهم -على اختلاف درجاتها- بالزنى والفجور والمحرّمات، أمّا المتّقون الذين يحوصون على غضّ البصر وحِفظ الفرج؛ فإِنّ ملاذَهم -بفضل الله- هو التعدّد.
وكلّ ما نقوله في محاسن التعدّد؛ لا يعني أن لا تكون معاناةٌ عند المرأة، أو أن لا ترى ما تكره.
ولكن؛ هل في عدم التعدّد قد ارتاحت من المعاناة، ولم تَرَ إِلا ما تحبّ؟!
وليس يخفى أن الأمور بمجموعها؛ لا بأفرادها، وماذا إِذا زنى زوجها -عياذًا بالله-؟! فلا بُدّ أن تعلم أنّ ما يكون من ضررٍ للرجل أو المرأة من إِباحة التعدد؛ لهو أخفّ من منْعه.
وللعلماء في الأضرار والمنافع كلام طيّب، فقد بيّنوا -مثلًا- أنه يحصل في


الجهاد نقصٌ في الأموال والأنفس والثمرات ... ولكن لا يخفى ما يكون من حال الأُمّة التي لا تجاهد؛ ممّا يركبها من ذِلّةٍ وهوانٍ وطمع الأعداء، فالأموال والأنفس والثمرات كلها تحت تصرف الأعداء إِلا ما شاء الله.
هذا؛ وفي حوارٍ بين زوجين، قال الزوج:
لماذا تحاربين هذا الأمر؟! أتريدين أن أزني؟!
فقالت: ازْنِ؛ ولا تتزوّج!!!

توجيهات وكلمات مضيئة في التعدّد
١ - إِن كثيرًا من النّاس يضربون الأمثلة على فشل زيد وعمرو في التعدّد! فأقول:
إِنّ ضرْب الأمثلة على فشل زيد وعمرو في التعدّد: لهو الفشل في الفقه والعلم! فالأمثلة لا تُلغي الأحكام الشرعيّة، لأنه قد يقول جاهل: لقد أسلم ملحد ذات يوم، وبعد إِسلامه ابتُلي بالفقر والمرض النفسي؛ ثمّ قام بسرقة ألوف الدنانير من بعض المسلمين! فهذا المثال -على ما فيه من فساد- أشبه ما يكون بظلمات بعضها فوق بعض؛ فهل نتوقّف عن الدعوة إِلى الإِسلام.
بل إنّ المرأة قد تتمنّى الوطء الحلال، ولو لمرَّةٍ واحدة، حتى لو طُلّقت، وكم من الرجال والنساء من يشتهي هذا الوطء، ولكن لم ييسّر لهم ذلك، وعدمُه يُفضي إِلى الحرام؛ عياذًا بالله -تعالى-!
ولو أنّ تلك المرأة -بعد ذلك الوطء الحلال- قد أنجبت ولدًا صالحًا ينفعها؛ فهو خير لها من أن تموت من غير نكاح.


٢ - ولا بُدّ أن يعلم هؤلاء المعترضون أنهم بآيات الله يجحدون، وأنّهم يُعارضون الدّين، فليحذروا من هذا كلّه.
وأقول: هل اعتراضهم على الحُكم الشرعي في أمر التعدّد؛ أم على سوء تطبيق بعض الناس؟!
فهل سوء استخدام السيارة يحرّمها؟!
وهل سوء استخدام الهاتف يحرّمه؟!
وهل سوء استخدام المال يحرمه؟!
وكذلك الأمر في التعدّد.
٣ - إِنّ كثيرًا من النّساء؛ لا يمنعهن الموافقة على هذا الأمر إِلا النّاس!
فالمرأة تخشى القيل والقال، وألسنة النّاس! ولو أنها أمِنَت ذلك، ورأت من المجتمع إِقرارًا؛ لما عارضَت هذا الأمر.
ولو جئتَ تستحلفها بالله -سبحانه-: ألَيس الأتقى لربك -عز وجل- أن يعدّد زوجك؛ لقالت: نعم؛ لأنها تعلم أنها لا تستطيع إِشباع غريزته الجنسية مثلًا -ولو ادعت ذلك-، ولأنها تعلم أنه لا يلبّي حاجات زوجها الكثيرة إلاَّ الزّواج.
فإِلى كلّ من خشي النّاس -من ذَكَر وأنثى- أقول:
اخشَ رب النّاس، ملك النّاس، إِله النّاس -سبحانه وتعالى-.
٤ - وأمّا بعض الرجال -وهم أشباه النّساء مع الأسف- الذين شنّوا الحرب على التعدّد؛ فإِنّك لو استحلفتهم بالله -سبحانه-: ألا تتمنّون التعدّد في أفئدتكم؟ وتشتهونه في قلوبكم؟! لما سمعت منهم إِلا الإِقرار.


٥ - ولا بُدّ للمرأة المسلمة أن تثق بربّها -سبحانه- ودينها الحنيف، وألا تخضع للموازين الفاسدة، فلا بُدّ لها أن تُوازِن بين عدم زواجها إِرضاءً للناس، وبين زواجها بما فيه من إِعفاف وإحصان، ومنافع في الدارَين.
٦ - ومع الأسف أن تكون الحرب الشعواء من نساءٍ مسلمات سُمّين بـ (الملتزمات)!! فإِذا سمعن بشيء من هذا؛ غلَت صدورهنّ، وبدأن بإِشعال النيران، وإطالة ألسنتهن طعنًا وافتراءً على العروسين؛ دون تقوى أو مراقبة لله -تعالى-! وبينهنّ حبل التواصي بالباطل ممدود، حتى إِنّ إِحداهنّ (من الداعيات)! سمعت أن فلانًا خطب فلانة، فقالت: أنا التى سأقف ضدّه.
وليست هذه القضيّة -والله- حربًا ومعركة بين فريقين؛ ليحشد كلٌّ منهما ما عنده من الأسلحة الفتّاكة ليحرق الآخر! ولا هي بالمنافسة الشريفة والمسابقة المشروعة؛ ليسارع كلٌّ للانتصار لما عنده! بل إِن الأمر يحتاج إِلى الاحتكام إِلى العلماء وَرَثة الأنبياء -عليهم السلام-؛ وقد قال -سبحانه-: ﴿فاسألوا أهل الذِّكر إِن كنتم لا تعلمون﴾ (١).
وقال -سبحانه-: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنُون حتَّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بينهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهم حَرَجًا ممّا قَضَيْتَ ويُسَلِّموا تَسْلِيمًا﴾ (٢).
وبهذا يكون معنى الآية: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكِّموا ورثتك فيما شجرَ بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممّا قَضَوْا ويسلّموا تسليمًا».
أما أن ترى المرأة نفسها فقيهة مجتهدة في هذا الأمر، فتُفتي من عندها بما

------------------------
(١) النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧.
(٢) النساء: ٦٥.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح النظم الفائق
* مع آية: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون)
* أفكار عملية في كيفية المحافظة على قراءة القرآن بعد رمضان
* أهمية التكرار لتثبيت الحفظ
* حرف الراء وأحكامه تفخيما وترقيقا
* رمضان ووحدة الأمة
* 10 خطوات مهمة لتحقيق النجاح

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-22-2026, 07:40 PM   #123

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الخامس
من صــ 121الى صــ135
الحلقة (121)




تهوى؛ فهذا هو العجَب.
وأنا أعجب من هؤلاء النّسوة اللاتي يُطِلن ألسنتهنّ خوضًا وطعنًا في النّاس، وكأنّ الله -تعالى- قد أحلّ لهنّ هذا الخوض، أو كأنّ الإِجماع في تحريم الغيبة قد صار إِلى سراب؛ فأصبحت غِيبةُ المعدّدين من أفضل القُربات إِلى الله -تعالى-.
وأنا أستحلف هؤلاء النسوة بالله ربّ العالمين: هل استغفرن من هذه الذنوب؟! وهل طلبن التحلُّل ممّن طَعَنَّ فيهم أو فيهنّ؟! هل دعون لهم أو لهنّ في ظهر الغيب؟! هل تُبْن توبةً نصوحًا؟!
هل استحضَرن قول النّبيّ - ﷺ -: «إِني لأرى لحمه بين أنيابكما»؟!
هل استشعرن في أنفسهنّ عذاب النّار، والمُثُولَ بين يدي العزيز الجبّار؟!
هل تدبّرْن قوله -تعالى-: ﴿يومئذٍ تُعرضون لا تَخفى منكم خافية﴾ (١).
وهل خَشِينَ على أنفسهنّ أن تُعرض فضائحهن أمام الخلق؟!
وهل تدبّرن قوله -تعالى-: ﴿يوم تجد كلّ نفسٍ ما عملت من خيرٍ مُحضرًا وما عملت من سوء تودُّ لو أنّ بينها وبينه أمدًا بعيدًا﴾ (٢)؟!
وهل خِفْن على أنفسهنّ أن يجدن ما عملن من سوء وطعنٍ في النّاس مُحضَرًا؟!
كم أُشْفق على هؤلاء النسوة، وعلى ما فيهنّ من حالٍ؛ في محاربة الله ورسوله - ﷺشعرْنَ أو لم يشعرن-!

--------------------
(١) الحاقة: ١٨.
(٢) آل عمران: ٣٠.



كم أرثي لحالهنّ وهنّ يَعِثن في الأرض فسادًا!
كم يتفطّر القلب عليهنّ؛ وهن يُمسِكْن معاول الهدم للإِسهام في هدم المجتمع -وإن زَعمنَ غير ذلك-!
كم يتلوَّع الفؤاد عليهنّ في الجزم بالعِلم والمعرفة والخبرة والمصلحة؛ وهنّ أبعد النّاس من هذا كلّه!
كم أرقُّ لهؤلاء المفلسات اللائي يضيّعن الثواب يوم القيامة؛ وقد اغْتَبْنَ هذا، وطَعَنَّ في هذا، وشَتَمْنَ هذا ... والثمن كله من الحسنات: يوم لا درهم ولا دينار!
فهلمّ إِلى التوبة والإِنابة والاستغفار والندم ﴿من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله﴾ (١).

فائدة:
إِنّ ما جرى عند أُمّهات المؤمنين -رضي الله عنهن- من غَيرةٍ -والنصوص في ذلك كثيرة-: إِنّما هو توجيه وإرشاد للنّساء -ولا سيّما في زماننا- أن هذا حال البشر، وأنّ أمْر التعدّد لا يخلو ممّا تكرهه المرأة، ولا يعنى أنها إِذا لقيت أدنى ما تكره قذِرت التعدّد وجَحدته -عياذًا بالله تعالى-.
وكأنّ ما جرى بين أزواج النبيّ - ﷺ - يقول: هذا هو التعدّد، وهذه هي بشريّة الإِنسان غير المعصوم، فَلَكُنّ في أزواج النّبيّ - ﷺ - ونساء السلف أسوة وقدوة في قَبوله وتحمُّله، مع ورود ما ذكَرْت.
وهناك أمْرٌ هامّ؛ وهو أنّ ما جاء في مِثل هذه الأمور لا يعدو أن يكون بين

----------------------
(١) الشورى: ٤٧.


أزواج النّبي - ﷺ -، لا كحال أكثر النساء اليوم -مع الأسف- مِن تعدّي هذا؛ إِلى المجتمع: غيبةً ونميمةً وقدحًا وطعنًا، وركوبًا للهوى، بل إِنّك قد ترى من الكلام حول التعدُّد ما قد تحكمُ بِكفر بعضهنّ؛ عياذًا بالله -سبحانه-!
٧ - وندائي إِلى كلّ من يسعى إِلى مرضاة الله -تعالى-، ومن يرغب في التعدّد ويسعى إِليه؛ أن يتقي الله -تعالى-؛ ليمحو كثيرًا من الصور المظلمة عن المعدّدين، فالقدوة العملية لها أثرها الكبير.

مسائل في التعدّد:
١ - مَن أَوْلَمَ على بعض نسائه أكثر من بعض (١):
عن ثابت قال: «ذُكر تزويج زينب بنت عند أنس، فقال: ما رأيت النّبيّ - ﷺ - أَوْلَمَ على أحد من نسائه ما أولم عليها، أولم بشاة» (٢).
قال الحافظ -رحمه الله-: «... وأشار ابن بطال إِلى أن ذلك لم يقع قصدًا لتفضيل بعض النساء على بعض، بل باعتبار ما اتفق، وأنه لو وجد الشاة في كل منهن لأولم بها، لأنه كان أجود الناس، ولكن كان لا يبالغ فيما يتعلّق بأمور الدنيا في التأنق. وجوَّز غيره أن يكون فعل ذلك لبيان الجواز».

٢ - إِذا تزوّج البكر على الثيّب، والثيب على البكر:
عن أنس -رضي الله عنه- قال: «من السّنّةَ إِذا تزوّج الرجلُ البكرَ على

---------------
(١) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٦٩".
(٢) أخرجه البخاري: ٥١٧١، ومسلم: ١٤٢٨.



الثيب، أقام عندها سبعًا وقَسَم، وإذا تزوّج الثيّب على البكر؛ أقام عندها ثلاثًا ثمّ قَسَم. قال أبو قِلابة: ولو شئت لقلت. إِن أَنَسًَا رفعه إِلى النّبيّ - ﷺ -» (١).

٣ - القُرْعة بين النّساء إِذا أراد سفرًا (٢):
عن عائشة -رضي الله عنها- «أنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه» (٣).

٤ - النهي عن افتخار الضَّرَّة (٤):
عن أسماء: «أن امرأة قالت: يا رسول الله! إِن لي ضَرَّة، فهل عليَّ جُناحٌ إِن تَشبّعتُ من زوجي غير الذي يعطيني؟ فقال رسول الله - ﷺ -: المتشبّع (٥) بما لم
يُعطَ كلابس ثَوبيْ زور» (٦).

٥ - استئذانُ الرجلِ نساءَهُ في أن يُمرَّض في بيت بعضهنّ:
عن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ رسول الله - ﷺ - كان يسأل في مرضه الذي
مات فيه: أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟ يريد يوم عائشة، فأذِنَ له أزواجه يكون

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٢١٤، ومسلم: ١٤٦١.
(٢) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(باب - ٩٧).
(٣) أخرجه البخاري: ٥٢١١، ومسلم: ٢٤٤٥.
(٤) من تبويب الإمام البخاري -رحمه الله - في»كتاب النكاح«(باب - ١٠٦).
(٥) المتشبّع؛ أي: المتزين بما ليس عنده، يتكثر بذلك، ويتزين بالباطل، كالمرأة تكون عند الرجل ولها ضرّة، فتدّعي من الحظوة عند زوجها أكثر مما عنده، تريد غيظ ضَرّتها.»الفتح".
(٦) أخرجه البخاري: ٥٢١٩، ومسلم: ٢١٣٠.



حيث شاء، فكان في بيت عائشة، حتى مات عندها، قالت عائشة: فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ فيه في بيتي، فقبضه الله؛ وإنّ رأسه لبَين نحري (١) وسَحري (٢)، وخالط ريقه ريقي» (٣).

فائدة:
جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٦٩) -بحذف-: «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل متزوّج بامرأتين، وإحداهما يحبُّها، ويكسوها، ويعطيها، ويجتمع بها أكثر من صاحبتها؟
فأجاب: الحمد لله، يجب عليه العدل بين الزوجتين باتفاق المسلمين»، وأشار إِلى الحديث: «من كانت له امرأتان ...»، ثمّ قال:
«فعليه أن يعدل في القَسم، فإِذا بات عندها ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا بات عند الأخرى بقدر ذلك، ولا يُفضّل إِحداهما في القَسم. لكن إِنْ كان يحبها أكثر، ويطأها أكثر فهذا لا حرج عليه فيه؛ وفيه أنزل الله -تعالى-: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ (٤)، أي: في الحب والجماع ... وأمّا العدل في النفقة والكسوة، فهو السنة أيضًا، اقتداءً بالنّبيّ - ﷺ -، فإِنه كان يعدل بين أزواجه في النفقة؛ كما كان يعدل في القسمة».

-------------------
(١) النحر: هو أعلى الصدر.
(٢) السَّحر: الرئة؛ أي: أنه مات وهو مُستند إِلى صدرها وما يحاذي سَحرها منه.
وقيل: السَّحْر: ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن ... أي: أنه مات وقد ضمته بيديها إِلى نحرها وصدرها. «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ٥٢١٧، ومسلم: ٢٤٤٣.
(٤) النساء: ١٢٩.



الولاية على الزّواج
معنى الولاية (١):
الولاية: حقٌّ شرعي، يُنفّذ بمقتضاه الأمر على الغير، جبرًا عنه. وهي ولاية عامّة، وولاية خاصّة. والولاية الخاصّة؛ ولاية على النفس، وولاية على المال.
والولاية على النفس هي المقصودة هنا، أي: ولاية على النفس في الزواج.

من هو الوليّ؟
الوليّ: هو قرابة المرأة؛ الأدنى فالأدنى الذين يلحقهم الغضاضة إِذا تزوّجت بغير كفء؛ وكان المزوّج لها غيرهم ... (٢).
وأدلّة اشتراط الولي كثيرة؛ منها (٣): قوله -تعالى-: ﴿فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ﴾ (٤).
قالى الإِمام الشافعي -رحمه الله-: «هي أصرح آية في اعتبار الولي، وإلا لما كان لعضله معنى» (٥).

-----------------
(١) عن «فقه السنة» (٢/ ٤٤٧).
(٢) انظر «الروضة الندية» (٢/ ٢٨) بتصرّف يسير.
(٣) وقد تقدّم بعضها في (أركان عقد النكاح).
(٤) البقرة: ٢٣٢.
(٥) انظر «سبل السلام» (٣/ ٢٣٣)، وسيأتي الكلام قريبًا -إن شاء الله- حول هذه الآية الكريمة.



وجاء في «سبل السلام» (٣/ ٢٣٣): «ويدلّ لاشتراط الولي ما أخرجه البخاري، وأبو داود، من حديث عروة، عن عائشة: أنها أخبرته أنّ النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاحٌ منها نكاح النّاس اليوم، يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فَيُصْدِقها، ثمّ ينكحها ... ثمّ قالت في آخره: فلمّا بُعث محمد - ﷺ - بالحق هدَم نكَاح الجاهلية كله إِلا نكاح النّاس اليوم (١).
فهذا دالٌّ أنه - ﷺ - قرَّر ذلك النكاح المعتبر فيه الولي، وزاده تأكيدًا بما قد سمعت من الأحاديث، ويدلّ له نكاحه - ﷺ - لأم سلمة، وقولها: إِنه ليس أحد من أوليائها حاضرًا، ولم يقل - ﷺ -: أنكحي أنت نفسك، مع أنه مقام البيان. ويدل له قوله -تعالى-: ﴿ولا تُنْكِحُوا المشركين﴾ (٢) فإِنه خطاب للأولياء بأن لا يَنْكحوا المسلماتِ المشركين ...».
وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٢٩): «... ولا شكّ أن بعض القرابة أَدْخَلُ في هذا الأمر من بعض، فالآباء والأبناء أولى من غيرهم، ثمّ الإِخوة لأبوين، ثمّ الإِخوة لأب أو لأمّ، ثمّ أولاد البنين وأولاد البنات، ثمّ أولاد الإِخوة وأولاد الأخوات، ثمّ الأعمام والأخوال، ثمّ هكذا من بعد هؤلاء. ومن زعَم الاختصاص بالبعض دون البعض؛ فليأتنا بحُجّة، وإن لم يكن بيده إِلا مجرد أقوال من تقدمه؛ فلسنا ممن يُعَوِّل على ذلك، وبالله التوفيق».
وقال الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في «المحلى» (١١/ ٣٥): "وأمّا قولنا: إنه لا يجوز إِنكاح الأبعد من الأولياء مع وجود الأقرب، فلأن الناس كلّهم يلتقون

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥١٢٧.
(٢) البقرة: ٢٢١.



في أب بعد أب إِلى آدم -عليه السلام- بلا شكّ، فلو جاز إِنكاح الأبعد مع وجود الأقرب؛ لجاز إِنكاح كلّ من على وجه الأرض؛ لأنه يلقاها بلا شك في بعض آبائها! فإِنْ حَدُّوا في ذلك حدًّا كُلّفوا البرهان عليه -ولا سبيل إِليه-. فصحّ يقينًا أنه لا حقّ مع الأقرب للأبعد. ثمّ إِنْ عُدِمَ فَمَنْ فَوْقَهُ بِأَبٍ .. هكذا أبدًا؛ ما دام يُعْلَمُ لها وليّ عاصب؛ كالميراث ولا فرق».
وسألت شيخنا -رحمه الله-: «هل ينعقد نكاح المرأة بوليّ؛ مع وجود من هو أولى منه؟».
فأجاب: «إِذا كان بإِذنه جاز؛ وإلا فلا».

*شروط الوليّ:
ويشترط في الولي: الحرية، والعقل، والبلوغ؛ سواء كان المُولَّى عليه مسلمًا أو غير مسلم، فلا ولاية لعبد، ولا مجنون، ولا صبي؛ لأنه لا ولاية لواحد من هؤلاء على نفسه، فأولى ألا تكون له ولاية على غيره.
ويزاد على هذه الشروط شرط رابع، وهو الإِسلام، إِذا كان المُولَّى عليه مسلمًا؛ فإِنه لا يجوز أن يكون لغير المسلم ولاية على السلم؛ لقول الله -تعالى-: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾ (١).

عدم اشتراط العدالة:
ولا تشترط العدالة في الولي؛ إِذ الفسق لا يسلب أهلية التزويج، إِلا إِذا خرج به الفسق إِلى حد التهتُّك؛ فإِنّ الولي في هذه الحالة لا يؤتمن على ما تحت

--------------------
(١) النساء: ١٤١.


يده، فَيُسْلَبُ حقّه في الولاية؛ [وللسلطان في ذلك شأن وتدبير] * (١).
جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٠١): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوّج بامرأة، وليها فاسق يأكل الحرام ويشرب الخمر؛ والشهود أيضًا كذلك، وقد وقع به الطلاق الثلاث: فهل له بذلك الرخصة في رجعتها؟
فأجاب: إِذا طلقها ثلاثًا وقع به الطلاق. ومن أخذ ينظر بعد الطلاق في صفة العقد، ولم ينظر في صفته قبل ذلك: فهو من المتعدين لحدود الله، فإِنه يريد أن يستحل محارم الله قبل الطلاق، وبعده. والطلاق في النكاح الفاسد المختلف فيه عند مالك وأحمد وغيرهما من الأئمة، والنكاح بولاية الفاسق: يصح عند جماهير الأئمة، والله أعلم».

المرأة لا تزوّج نفسها:
ليس للمرأة أن تزوّج نفسها؛ لأنّ الولاية شرط في صحّة العقد. ومن الأدلّة على ذلك:
قوله -سبحانه-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَى منكم والصَّالحين مِن عبَادكُم وإِمَائِكم﴾ (٢).
فكان الخطاب هنا للأولياء.
وكذلك قوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طلَّقتم النّساء فَبَلَغْنَ أجلهُنَّ فلا تَعضُلوهنّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهنَّ إِذا تَراضَوا بينهم بالمعروف ذلك يُوعَظُ به

--------------------
(١) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٤٤٧).
(٢) النور: ٣٢.



من كان مِنْكُم يُؤمن بالله واليوم الآخر ذلكُم أزكى لكُم وأطْهَر والله يَعْلم وأنتم لا تعلمون﴾ (١).
قال ابن كثير -رحمه الله- بحذف:»... عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثمّ يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها. وكذا روى العوفي عنه. وكذا قال مسروق، وإِبراهيم النخعي، والزهري والضحاك أنها نزلت في ذلك. وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية. وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنه لا بدّ في تزويجها مِن وليّ؛ كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها ...» (٢).
ثمّ أشار إِلى ما ورد عن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: «زوجتُ أختًا لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشْتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئتَ تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوْهُنّ﴾؛ فقلتُ: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزَوجها إِيّاه» (٣).

-----------------------
(١) البقرة: ٢٣٢.
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٧) وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٤١).
(٣) أخرجه البخاري: ٥١٣٠.



وعن أبى موسى أنّ النبيّ - ﷺ - قال: «لا نكاح إِلا بوليّ» (١).
وفي رواية: «لا نكاح إلاَّ بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْ عدل» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-. فإِنْ دخَل بها؛ فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطان وليُّ من لا وليّ له» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كُنّا نعدُّ التي تنكح نفسها هي الزانية» (٤).
وأمّا استدلال بعض الفقهاء بقول الله -تعالى-: ﴿فإنْ طَلّقَهَا فلا تَحِلُّ له من بَعْد حتَّى تًنْكِح زوجًا غَيْرَه﴾ (٥).

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٦)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٧٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٦)، وانظر «الإرواء» (١٨٥٨)، و«المشكاة» (٣١٣٠).
(٢) أخرجه أحمد، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإرواء» (١٨٥٨، ١٨٦٠)، وتقدّم.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٨٠)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٤)، وانظر «الإروإء» (١٨٤٠)، وتقدّم.
(٤) أخرجه الدارقطني، والبيهقي، وقال شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦/ ٢٤٩): إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٥) البقرة: ٢٣٠.



وقوله -سبحانه-: ﴿وإِذا طَلَّقتُم النِّساء فبلَغْن أجَلَهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أن يَنْكِحْنَ أزواجَهُنّ﴾ (١).
وقولهم: في هاتين الآيتين إِسناد الزواج إِلى المرأة؛ فهو دليل على أنها تلي أمر نفسها في الزواج!!
فالردّ عليه من وجوه كثيرة، أبرزها ما تقدّم من أدلّة، ثمّ إِن المعنى: حتى تنكح زوجًا غيره في ضوء الشروط المنصوص عليها؛ لا بمعزلٍ عنها، فلا ينبغي أن نضرب بعض النصوص ببعض.
وفي الآية الأخرى في قوله: فـ ﴿لا تَعْضُلُوُهنَّ﴾ ما يدلّ على أن الخطاب للأولياء كما تقدّم.
وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٣١ - ٣٢): «وسئل -رحمه الله- عن امرأة خلاها أخوها في مكان لتوفي عدة زوجها، فلمّا انقضت العدة هربت إِلى بلد مَسيرةَ يوم، وتزوّجت بغير إِذن أخيها، ولم يكن لها ولي غيره: فهل يصح العقد أم لا؟
فأجاب: إِذال يكن أخوها عاضلًا لها، وكان أهلًا للولاية: لم يصح نكاحها بدون إِذنه، والحال هذه، والله أعلم».

إِذا كان الوليّ هو الخاطب (٢):
قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «وخطب المغيرة بن شعبة امرأة هو أوْلى

---------------------
(١) البقرة: ٢٣٢.
(٢) هذا العنوان من»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٣٧".



النّاس بها، فأمَر رجلًا فزوّجه (١). وقال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم بنت قارظ: أتجعلين أمرك إِليّ؟ قالت: نعم، فقال: قد تزوجتك (٢). وقال عطاء: ليُشهد أني قد نكحتكِ، أو ليأمر رجلًا من عشيرتها (٣)».
قال شيخنا -رحمه الله- في «مختصر البخاري» (٣/ ٣٦٦): «المفهوم من كلام الشارح أنّ عطاء بن أبي رباح قاله في امرأة خطبها ابن عمّ لها؛ لا رجل لها غيره، قال حين سألوه عنها:»فلتشهد أنّ فلانًا خطبها، وإني أشهدكم أني قد نكحته«، أو تفوض الأمر إِلى الوليّ الأبعد، وهو معنى قوله بعد هذا:»أو ليأمر رجلًا من عشيرتها«، والكلام جرى على التذكير في ضبط الشارح، ونحن أتينا البيوت من أبوابها».
قال الحافظ في «الفتح» بعد تبويب الإِمام البخاري -رحمهما الله تعالى-: «الذي يظهر من صنيعه أنه يرى الجواز، فإِنّ الآثار التي فيها أمر الولي غيره أن يزوجه ليس فيها التصريح بالمنع من تزويجه نفسه، وقد أورد في الترجمة أثر عطاء الدالّ على الجواز، وإنْ كان الأولى عنده أن لا يتولى أحد طرفَي العقد.
وقد اختلف السلف في ذلك، فقال الأوزاعي وربيعة والثوري ومالك وأبو حنيفة وأكثر أصحابه والليث: يزوج الولي نفسه، ووافقهم أبو ثور: وعن

---------------------
(١) رواه البخاري معلّقًا، ووصله وكيع في»مصنفه«، وعنه البيهقي وسعيد بن منصور، وانظر»الفتح«، و»مختصر البخاري«(٣/ ٣٦٦).
(٢) رواه البخاري معلقًا، ووصله ابن سعد.
(٣) رواه البخاري معلقًا، ووصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه، وانظر»مختصر البخاري" (٣/ ٣٦٦).



مالك: لو قالت الثيب لوليها: زوِّجني بمن رأيت، فزوَّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لَزِمها ذلك، ولو لم تعلم عين الزوج. وقال الشافعي: يزوجهما السلطان، أو ولي آخر مثله، أو أقعد منه. ووافقه زفر وداود. وحُجّتهم أنّ الولاية شرط في العقد، فلا يكون الناكح مُنكحًا كما لا يبيع من نفسه». انتهى.
وقال ابن حزم -رحمه الله-: «وأمّا قولهم: إِنه لا يجوز أن يكون الناكح هو المُنْكِح! ففي هذا نازعناهم، بل جائز أن يكون الناكح هو المُنْكِح، فدعوى كدعوى.
وأمّا قولهم: كما لا يجوز أن يبيع من نفسه! فهي جملة لا تصحّ كما ذكروا، بل جائز إِن وُكِّل ببيع شيء أن يبتاعه لنفسه، إن لم يُحابها بشيء». ثمّ ساق البرهان على صحة ما رجّحه (١)، من أن البخاري روى عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - أعتق صفية، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها، وأولم عليها بِحيس (٢).
قال: «فهذا رسول الله - ﷺ - زوَّج مولاته من نفسه، وهو الحُجّة على من سواه». ثمّ قال: «قال الله -تعالى-: ﴿وأنْكحُوا الأيَامَىَ منكم والصَّالحين من
عِبَادِكُم وإِمَائِكُم إِن يَكُونوا فُقَرَاء يُغْنهم الله من فضله والله واسعٌ عليم﴾ (٣).
فمن أنكح أيّمة من نفسه برضاها، فقد فعل ما أمره الله -تعالى- به، ولم يمنع

---------------------
(١) هذا كلام السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة«(٢/ ٤٥٧).
(٢) أخرجه البخاري: ٥١٦٩، ومسلم: ١٣٦٥.
و(الحَيْسُ):»هو الطعام المتخذ من التمر والأقط والسّمْن. وقد يجعل عوض الأقط: الدقيق أو الفتيت«.»النهاية".
(٣) النور: ٣٢.



الله -عز وجل- من أن يكون المنكح لأيمة هو الناكح لها، فصح أنه الواجب» (١).

غَيْبَةُ الوليّ:
لا ولاية للبعيد مع وجود الوليّ الأقرب؛ فبحضور الأب لا ولاية للأخ أو العمّ؛ فضلًا عن غيرهما، وعقد هؤلاء موقوف على صاحب الولاية: الأب.
وفي حالة غياب الأقرب يأتي من يليه؛ لعموم قوله -تعالى-: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (٢). ولقوله - ﷺ -: «إِذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (٣).
فلا يمكن تعطيل الزواج لغيابه وصعوبة الاتصال به وأخْذِ رأيه، وذلك حين لا يترجّح أوان عودته، ولا يخفى ما يترتّب على ذلك من تفويت مصالح النكاح العامّة والخاصّة، وليس لهذا الوليّ الغائب أن يعترض على ما كان.

ولاية غير الآباء على الصغار:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنه حين هلَك عثمان بن مظعون ترك ابنة له. قال ابن عمر: فزوّجنيها خالي قُدامة -وهو عمها- ولم يشاورها، وذلك بعدما هلك أبوها، فكرهت نكاحه، وأحبت الجارية أن يزوجها المغيرة بن شعبة، فزوجها إِياه» (٤).

---------------------
(١) انظر «المحلّى» (١١/ ٦٣)، وذكره الشيخ السيد سابق -رحمه الله- في «فقه السنة» (٢/ ٤٥٧).
(٢) التغابن: ١٦.
(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٨٨، ومسلم: ١٣٣٧.
(٤) أخرجه أحمد، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٢٣) وغيرهما، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٣٥).




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح النظم الفائق
* مع آية: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون)
* أفكار عملية في كيفية المحافظة على قراءة القرآن بعد رمضان
* أهمية التكرار لتثبيت الحفظ
* حرف الراء وأحكامه تفخيما وترقيقا
* رمضان ووحدة الأمة
* 10 خطوات مهمة لتحقيق النجاح

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-22-2026, 07:42 PM   #124

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الخامس
من صــ 136الى صــ150
الحلقة (122)




وجاء في تبويب «سنن ابن ماجه»: (باب نكاح الصغار يزوّجهن غير الآباء).
وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩): «وسئل -رحمه الله- عن وجل له بنت، وهي دون البلوغ، فزوَّجوها في غَيبة أبيها، ولم يكن لها ولي؛ وجعلوا أن أباها توفي -وهو حي- وشهدوا أن خالها أخوها؛ فهل يصح العقد أم لا؟
فأجاب: إِذا شهد وا أن خالها أخوها؛ فهذه شهادة زور، ولا يصير الخال وليًا بذلك؛ بل هذه قد تزوّجت بغير ولي، فيكون نكاحها باطلًا عند أكثر العلماء والفقهاء، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وللأب أن يجدده، ومن شهد أن خالها أخوها وأن أباها مات؛ فهو شاهد زور، يجب تعزيره، ويعزر الخال، وإِن كان دخل بها فلها المهر، ويجوز أن يزوجها الأب في عدة النكاح الفاسد عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه، والله أعلم».

السلطانُ وليُّ من لا ولي له:
إذا لم يكن للمرأة وليّ؛ فوليّها السلطان.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «أيّما امرأة نُكحت بغير إِذن مواليها؛ فنكاحها باطل -ثلاث مرات-، فإِنْ دخَل بها، فالمهر لها بما أصاب منها، فإِنْ تشاجروا فالسلطانُ وليُّ من لا وليّ له» (١).
وقال الإِمام البخاري -رحمه الله-: (باب السلطان وليّ؛ لقول النّبيّ - ﷺ - «زوّجناكها بما معك من القرآن») (٢).

--------------------
(١) تقدّم تخريجه.
(٢) انظر كتاب النّكاح (باب - ٤٠).



قال القرطبي -رحمه الله-: «وإذا كانت المرأة بموضع لا سلطان فيه، ولا وليّ لها، فإِنها تُصيِّرُ أمرها إِلى من يوثَق به من جيرانها، فيزوجها ويكون هو وليّها في هذه الحال؛ لأن الناس لا بد لهم من التزويج، وإِنما يعملون فيه بأحسن ما يمكن.
وعلى هذا، قال مالك في المرأة الضعيفة الحال: إِنه يزوجها مَن تُسند أمرها إِليه؛ لأنها ممن تضعُف عن السلطان، فأشبهت من لا سلطان بحضرتها، فرجعت في الجملة إِلى أن المسلمين أولياؤها» (١).
وجاء في «المحلّى» (١١/ ٣٠): «وصح عن ابن سيرين في امرأة لا ولي لها، فولت رجلًا أمرها، فزوّجها، قال ابن سيرين: لا بأس بذلك، المؤمنون بعضهم أولياء بعض».

عضْل الوليّ:
عضْل المرأة: هو منْعها من التزوّج ظُلمًا.
وليس للولي أن يعضل من يلي أمرها دون مسوّغ، أو سبب شرعي، فتقدُّم من يُرضى عن دينه وخُلُقه -حين يدفع مهر المِثل- لا يجوز ردّه، ومن حقّها أن تشكو وليّها إِلى القاضي.
قال الله -تعالى-: ﴿وإِذا طلَّقْتُم النَّسَاء فَبَلَغْن أجلهُنّ فلا تَعْضُلُوهُنّ أنْ يَنْكِحْنَ أزواجَهنّ إِذا تراضَوا بينهم بالمعروف﴾ (٢).

----------------
(١) «الجامع لأحكام القرآن» (٣/ ٧٦)، وذَكَرْهُ الشيخ السيد سابق -رحمه الله- في «فقه السنة» (٢/ ٤٥٩).
(٢) البقرة: ٢٣٢.



وقد نزلت هذه الآية في معقل بن يسار -كما تقدّم-.
فعن الحسن قال: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾ قال: حدثني معقل بن يسار أنها نزَلَت فيه قال: «زوجْتُ أختًا لي من رجل فطلَّقها، حتى إِذا انقضت عدّتها جاء يخطُبُها، فقلت له: زوجْتُك وأفرشتُك وأكرمتُك، فطلقتَها، ثمّ جئت تخطبها! لا والله لا تعود إِليك أبدًا! وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إِليه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا تَعْضُلُوهُنّ﴾، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزوجها إِيّاه» (١).
جاء في «المحلّى» (١١/ ٦١) تحت المسألة (١٨٤١): «ولا يكون الكافر وليًّا للمسلمة، ولا المسلم وليًّا للكافرة، الأب وغيره سواء، والكافر ولي للكافرة التي هي وليّته، يُنكحها من المسلم والكافر.
برهان ذلك قول الله -عز وجل- ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢)، وقال -تعالى-: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض﴾ (٣)، وهو قول من حفِظْنا قوله، إِلا ابن وهب صاحب مالك قال: إِن المسلم يكون وليًا لابنته الكافرة في إِنكاحها من المسلم أو من الكافر! وهذا خطأ لما ذكرنا. وبالله -تعالى- التوفيق».
وجاء فيه أيضًا (٤٣ - ٤٤) تحت المسألة (١٨٢٨): "وإذا أسلمت البكر ولم يسلم أبوها، أو كان مجنونًا؛ فهي في حُكم التي لا أب لها؛ لأن الله

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥١٣٠، وتقدّم.
(٢) التوبة: ٧١.
(٣) الأنفال: ٧٣.



-تعالي- قطع الولاية بين الكفار والمؤمنين، قال -تعالى-: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا تَتَولَّوا قومًا غَضِبَ الله عليهم﴾ (١).
وقال -تعالى-: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (٢).
وصح في المجنون قول رسول الله - ﷺ -:»رفع القلم عن ثلاثة«؛ فذكر منهم:»المجنون حتى يفيق«(٣).
وقد صحّ أنه غير مخاطب باستئمارها ولا بإِنكاحها، وإنما خاطب -عز وجل- أولي الألباب، فلها أن تنكح من شاءت بإِذن غيره من أوليائها، أو السلطان».
جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ٣٥): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل أسلم: هل يبقى له ولاية على أولاده الكتابيِّين؟
فأجاب: لا ولاية له عليهم في النكاح، كما لا ولاية له عليهم في الميراث، فلا يزوج المسلم الكافرة، سواء كانت بنته أو غيرها، ولا يرث كافر مسلمًا ولا مسلم كافرًا، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف ... (٤)».

---------------------
(١) الممتحنة:١٣.
(٢) التوبة: ٧١.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٦٩٨)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٦٠) واللفظ له وغيرهما، وانظر «الإرواء» (٢٩٧)، وتقدّم.
(٤) انظر تتمّة الإِجابة للمزيد من الفائدة -إن شئت-.



اليتيمة تُستأمر في نفسها:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تُسْتأمر (١) اليتيمة في نفسها، فإِنْ سكتت فهو إِذنها، وإن أبت فلا جواز عليها (٢)» (٣).
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «توفي عثمان بن مظعون، وترك ابنة له من خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص، قال: وأوصى إِلى أخيه قدامة بن مظعون، قال عبد الله: وهما خالاي، قال: فخطبت إِلى قدامة بن مظعون ابنة عثمان بن مظعون، فزوَّجنيها، ودخل المغيرة بن شعبة، يعني: إِلى أمّها، فأرغبها في المال، فحطَّتْ إِليه (٤)، وحطَّتْ الجارية إِلى هوى أمّها، فأبيا حتى ارتفع أمرهما إِلى رسول الله - ﷺ -، فقال قدامة بن مظعون: يا رسول الله! ابنة أخي أوصى بها إِليّ، فزوجتها ابنَ عمتها عبدَ الله بن عمر، فلم أقصِّرْ بها في الصلاح، ولا في الكفاءة، ولكنها امرأة، وإِنما حطَّتْ إِلى هوى أمها! قال: فقال رسول الله - ﷺ -: هي يتيمة، ولا تنكح إِلا بإِذنها. قال: فانتُزعت -والله- مني، بعد أن ملكتها، فزوجوها المغيرة بن شعبة» (٥).
جاء في «زاد المعاد» (٥/ ١٠٠): «وقضى رسول الله - ﷺ - أن اليتيمة

---------------------
(١) أي: تُسْتأذن.
(٢) أي: لا تعدّي عليها ولا إِجبار.»المرقاة«(٦/ ٢٩٨).
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٤٣)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٨٦)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣٠٦٧)، وانظر»الإرواء«(١٨٣٤)، وانظر -إِن شئت المزيد من الفائدة- ما جاء في»الفتاوى«(٣٢/ ٤٣ - ٥٣).
(٤)»أي: مالت إليه، ونزلت بقلبها نحوه«.»النهاية«.
(٥) أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (١٨٣٥).



تُستأمر في نفسها، و»لا يُتْمَ بعد احتلام (١) «، فدلّ ذلك على جواز نكاح اليتيمة قبل البلوغ، وهذا مذهب عائشةرضي الله عنها-، وعليه يدلُّ القرآن والسّنّة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة وغيرهما.
قال -تعالى-: ﴿ويَستفتُونك في النّساء قُل الله يُفِتيكُم فيهنَّ وما يُتْلَى عليكم في الكتاب في يَتَامَى النِّساء اللاتي لا تُؤتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنّ وتَرغَبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ (٢).
قالت عائشة -رضي الله عنها-: هي اليتيمة تكون في حَجر وليها، فيرغب في نكاحها، ولا يُقْسِط لها سُنة صَداقها، فنهوا عن نكاحهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ سُنّة صَداقهنّ (٣)».

استئذان المرأة قبل النكاح:
عن ابن عباس -رضي الله عنه- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «الأيّم (٤) أحقّ بنفسها مِن وليّها، والبِكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتها» (٥).

----------------------
(١) أخرجه عدد من الأئمة، وصححّه شيخنا -رحمه الله - في «الإِرواء» (١٢٤٤) بعددٍ من الطُّرق والشواهد.
(٢) النساء: ١٢٧.
(٣) انظر «صحيح مسلم» (٣٠١٨).
(٤) الأيّم في الأصل: التي لا زوج لها؛ بكرًا كانت أو ثيبًا، مطلَّقة كانت أو متوفّى عنها، ويريد بالأيّم في هذا الحديث الثيّب خاصة، يُقال: تأيمت المرأة وآمت: إِذا أقامت لا تتزوّج. «النهاية».
(٥) أخرجه مسلم: ١٤٢١.



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تُنكَح الأيّم حتى تُستأمَر، ولا تُنكَح البكر حتى تُستأذَن، قالوا: يا رسول الله! وكيف إِذنها؟ قال: أن تسكت» (١).
قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح»: «أصل الاستئمار: طلبُ الأمر؛ فالمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب الأمر منها. ويؤخذ من قوله: لا تستأمر؛ أنّه لا يعقد إِلا بعد أن تأمر بذلك».
وعن خنساءَ بنت خذامٍ الأنصارية: «أنّ أباها زوّجها وهي ثيّب، فكرهَت ذلك، فأتت رسول الله - ﷺ -، فردّ نكاحها» (٢).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ جارية بكرًا أتت النّبيّ - ﷺ -، فذكرت أن أباها زوّجها وهي كارهة، فخيرها النّبيّ - ﷺ -» (٣).
وثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنه: «كان إِذا أراد أن يُزوّج بنتًا من بناته جلس إِلى خدرها، فقال: إِنّ فلانًا يذكرُ فلانة -يسمّيها، ويسمّي الرجل الذي يذكُرها-! فإِنْ هي سكتت؛ زوَّجها، أو إِن كرهت نقرت الستر، فإِذا نقرته لم يزوجها» (٤).
وقال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «باب إِذا زَوّج الرجل ابنته وهي كارهة،

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥١٣٦، ومسلم: ١٤١٩.
(٢) أخرجه البخاري: ٥١٣٨.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٤٥)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٥٢٠)، وانظر»المشكاة«(٣١٣٦).
(٤) انظر»الصحيحة«(٢٩٧٣)، وانظر للمزيد ما جاء في»الفتاوى" (٣٢/ ٣٠).



فنكاحه مردود» (١).
ثمّ ذكر حديث خنساء بنت خدام.
جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٧٢) بعد أن ذكَر عددًا من الأدلّة المتقدّمة وقال: «والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهي تفيد أنه لا يصح نكاح من لم ترْضَ؛ بِكْرًا كانت أو ثيّبًا».
وقد فصل العلامة ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (٥/ ٩٥) فأجاد وأفاد.

الوكالة في الزواج:
*الوكالة من العقود الجائزة في الجملة؛ لحاجة الناس إِليها في كثير من معاملاتهم.
وقد اتفق الفقهاء على أنّ كلّ عقد جاز أن يعقده الإِنسان بنفسه، جاز أن يُوكِّل به غيره، كالبيع، والشراء، والإِجارة، واقتضاء الحقوق، والخصومة في المطالبة بها، والتزويج، والطلاق، وغير ذلك من العقود التي تقبل النيابة.
وقد كان النّبيّ -صلوات الله وسلامه عليه- يقوم بدور الوكيل في عقد الزواج، بالنسبة لبعض أصحابه؛ روى أبو داود عن عقبة بن عامر: أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت: نعم! فزوَّج أحدهما صاحبه، فدخَل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يعطها شيئًا.
وكان ممّن شهد الحديبية وكان مَن شهد الحديبية له سهم بخيبر، فلمّا

--------------------
(١) انظر»صحيح البخاري" (كتاب النكاح) (باب - ٤٢).


حضرته الوفاة، قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقًا، ولم أُعطها شيئًا، وإنّي أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهمًا، فباعته بمائة ألف» (١).
وفي هذا الحديث دليل على أنه يصحّ أن يكون الرّجل وكيلًا عم الطرفين.
عن أمّ حبيبة: «أنها كانت عند ابن ، فهلَك عنها، وكان فيمن هاجر إِلى أرض الحبشة، فزوّجها النجاشيُّ رسولَ الله - ﷺ - وهي عندهم» (٢).
ويصح التوكيل من الرجل العاقل البالغ الحر؛ لأنه كامل الأهلية، وكلّ من كان كامل الأهلية، فإِنه يملك تزويج نفسه بنفسه، وكل من كان كذلك، فإِنه يصح أن يُوكِّل عنه غيره.
أمّا إِذا كان الشخص فاقد الأهلية أو ناقصها، فإِنه ليس له الحق في توكيل غيره؛ كالمجنون، والصبي، والمعتوه، فإِنه ليس لواحد منهم الاستقلال في تزويج نفسه بنفسه.
والتوكيل يجوز مطلقًا ومقيدًا:
فالمطلق: أن يُوكِّل شخص آخر في تزويجه، دون أن يقيده بامرأة معينة، أو بمهر، أو بمقدارٍ مُعين من المهر.
والمقيّد: أن يوكّله في التزويج، ويقيده بامرأة معيّنة، أو امرأة من أسرة معينة، أو بقدر معين من المهر* (٣).

----------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٩)، وانظر «الإِرواء» (١٩٢٤).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٣٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٤٢).
(٣) ما بين نجمتين عن «فقه السُّنّة» (٣/ ٤٦٣).



جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٣٢): «ويجوز لكل واحد من الزوجين أن يوكّل لعقد النكاح، ولو واحدًا؛ لحديث عقبة بن عامر عند أبي داود أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم، وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما صاحبه ... الحديث. وقد ذهب إِلى ذلك جماعة من أهل العلم: الأوزاعي، وربيعة، والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأكثر أصحابه، والليث، وأبو ثور. وحكى في»البحر«عن الشافعي، وزُفَر: أنه لا يجوز. وقال في»الفتح«: وعن مالك: لو قالت المرأة لوليها: زوجني بمن رأيت، فزوّجها من نفسه أو ممن اختار؛ لزمها ذلك؛ ولو لم تعلم عين الزوج ...».
وسألت شيخنا -رحمه الله-: هل ترون صحّة عقد الزواج للغائب إِذا وُثّق؟
فقال: نعم؛ بالشرط المذكور.

هل الكفاءة (١) في الزواج معتبرة؟
هذه من المسائل التي اختلف فيها العلماء؛ فمنهم من قال باعتبارها، ومنهم من لم يقُل بذلك. ومن الأحاديث التي ذكَرها القسم الأوّل في ذلك:
١ - ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنّ النبيّ - ﷺ - قال: «ثلاث لا يؤخَّرن: الصلاة إِذا أتت، والجنازة إِذا حضرت، والأيّم إِذا وجدت لها كفُؤًا» (٢)، وهو ضعيف.
٢ - ما رُوي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- «أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: العرب

------------------------
(١) الكفء: المِثل والنظير.
(٢) أخرجه الترمذي وقال: حديث غريب حسن، قال شيخنا -رحمه الله-:»وفيه سعيد ابن عبد الله الجهني؛ قال أبو حاتم: مجهول ...«. وانظر»المشكاة«(٦٠٥)، و»ضعيف الترمذي" (٢٥).



أكفاءٌ بعضهم لبعض، قبيلة لقبيلة، وحيٌّ لحي، ورجلٌ لرجل؛ إِلا حائك أو حجّام» (١). وهو موضوع.
وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: «جاءت فتاة إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: إِنّ أبي زوَّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته! قال: فجعل الأمر إِليها، فقالت: قد أجزْتُ ما صنَع أبي، ولكن أردتُ أن تعلم النساء أَنْ ليس إِلى الآباء من الأمر شيء»، وهو ضعيف (٢).
وعلى افتراض ثبوته أقول بما جاء في «الروضة» (٢/ ١٧): «ومحلّ الحُجّة منه قولها: ليرفع بي خسيسته، فإِنّ ذلك مُشعِر بأنه غير كفؤ لها، ولا يخفى أن هذا إِنما هو من كلامها، وإنما جعل النّبيّ - ﷺ - الأمر إِليها؛ لكون رضاها مُعتَبرًا. فإِذا لم ترض، لم يصح النكاح، سواء كان المعقود له كفؤًا، أو غير كفؤ. وأيضًا هو زوَّجها بابن أخيه؛ وابن عمّ المرأة كفؤ لها»، ثُمَّ ذكَّرني أحد الإِخوة بتراجع شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» تحت الحديث (٣٣٣٧) عن إِعلاله بالانقطاع فثبت وصْلُه.
٣ - وذكروا أثر عمر -رضي الله عنه-: «لأمنعنّ تزوُّج ذوات الأحساب إِلا من الأكفاء». وقد أخرجه الدارقطني، وفيه انقطاع؛ فإِن إِبراهيم بن محمد بن طلحة لم يد رك عمر -رضي الله عنه-. وانظر «الإِرواء» (١٨٦٧).
وهناك من استدلّ بأحاديث ثابتة، لكنها لا تدلّ على المطلوب. ومِن ذلك

-------------------
(١) أخرجه الحاكم، وجاء في «الروضة الندية»: «وفي إِسناده رجل مجهول، وقال أبو حاتم: إِنه كذب لا أصل له، وذكر الحُفّاظ أنه موضوع». وانظر «الإرواء» (١٨٦٩).
(٢) انظر «نقد نصوص حديثية» (ص ٤٤) و«التعليقات الرضية» (٢/ ١٤١).



حديث:»خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إِذا فقهوا«(١).
فهو كما جاء في»الروضة الندية«(٢/ ١٤٣) -بتصرّف-:»ليس فيه دلالة على المطلوب؛ لأن إِثبات كون البعض خيرًا من بعض؛ لا يستلزم أنّ الأدنى غير كفؤ للأعلى.
وهكذا حديث: «إِنّ الله اصطفى كنانة من ولد إِسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٢).
وكذلك حديث سمرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «الحسب: المال، والكرم: التقوى» (٣).
وأيضًا حديث بريدة -رضي الله عنه- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنّ أحساب أهل الدنيا الذين يذهبون إِليه: المال» (٤).
فهذا ليس فيه إِقرار على ما ذهب إِليه أهل الدنيا، وإنما هو إِيضاحٌ للمعاني، وحكاية عن صنيعهم، قال صاحب «الروضة» (٢/ ١٨): «... فيكون في حُكم التوبيخ لهم والتقريع».
والخلاصة؛ أنّ أحاديث هذا الباب -كما قال بعض العلماء في غير هذا

-------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٤٩٣، ومسلم: ٢٦٣٨.
(٢) أخرجه مسلم: ٢٢٧٦.
(٣) أخرحه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٦٠٩)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٣٣٩٩)، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٧٠).
(٤) أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (٦/ ٢٧٢).



الموضوع- صحيحها غير صريح، وصريحها غير صحيح، وسيأتي ما أستطيعه -إِن شاء الله- من البيان.
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (١٩/ ٢٩): «وليس عن النّبيّ - ﷺ - نصٌّ صحيح صريح في هذه الأمور [عدم اعتبار الكفاءة]».
وجاء في «الفتح» (٩/ ١٣٣): «ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث».
ومنهم من قال بعدم اعتبار الكفاءة في النكاح؛ وأنها لا تكون إِلا في الدين والخُلُق.
قال الله -تعالى-: ﴿إنَّ أكْرَمَكُم عِنْدَ الله أتْقَاكُم﴾ (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «النّاسُ وَلدُ آدم، وآدم من تراب» (٢).
قال الإِمام البخاري -رحمه الله-: «وقوله: ﴿وهو الذي خلَق من الماء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكان ربّك قديرًا﴾ (٣)».
وهذا يُشعِر من الإِمام البخاري -رحمه الله- أنه يرى اعتبار الكفاءة في الدين فحسب؛ إِذ البشر من الماء، فلا بغي ولا تفاخر، ولا ترفُّع في النكاح.
ومما ذكَره الإِمام البخاري -رحمه الله-: حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-

--------------------
(١) الحجرات: ١٣.
(٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٠٠٩).
(٣) الفرقان: ٥٤.



عن النّبيّ - ﷺ - قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» (١).
فالذي ينبغي أن يصار إِليه؛ الظَّفَرُ بذات الدين.
ثمّ ذكر -رحمه الله- حديث سهل -رضي الله عنه- قال: «مرّ رجل على رسول الله - ﷺ -، فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِنْ خطب أن يُنْكَحَ، وإِن شَفِعَ أن يُشفّع، وإن قال أن يُستمَع! قال: ثمّ سكت. فمرّ رجلٌ من فُقراء المسلمين؛ فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حريٌّ إِن خطب أن لا يُنْكَح، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإن قال أن لا يُستمع! فقال رسول الله - ﷺ -: هذا خيرٌ من ملء الأرض مِثل هذا» (٢).
والحديث في غاية التصريح إِلى ما يذهب إِليه من يقول باعتبار الكفاءة في الدين والخُلُق.
وفي رواية: «مرّ رجل على رسول الله - ﷺ -، فقال لرجلٍ عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس ...» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أنّ أبا هند حَجَمَ النَّبيَّ - ﷺ - في اليافوخ (٤)، فقال النَّبيّ - ﷺ -: يا بني بياضة! أنكحوا أبا هند، وانكحوا إِليه» (٥).

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٠٩٠، ومسلم: ١٤٦٦.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٩١.
(٣) أخرجه البخاري: ٦٤٤٧.
(٤) أي: وسط رأسه.
(٥) أخرجه البخاري في «التاريخ»، وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٠)، =



وجاء في «سُبل السلام» (٣/ ٢٥٠) عقب هذا الحديث: «... فنبه على الوجه المقتضي لمساواتهم [أي: المسلمين]، وهو الاتفاق في وصف الإِسلام.
وللناس في هذه المسألة عجائب، لا تدور على دليل غير الكبرياء والترفع، ولا إِله إِلا الله! كم حُرِمت المؤمناتُ النكاحَ لكبرياء الأولياء واستعظامهم أنفسهم، اللهم إِنّا نبرأ إِليك من شَرْطٍ ولّده الهوى، وربّاه الكبرياء ...».
وعن عائشة -رضي الله عنها-: «أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس -وكان ممن شهد بدرًا مع النّبيّ - ﷺ - تبنّى سالمًا وأنكحه بنت أخيه هندًا بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار» (١).
وعن فاطمة بنت قيس -رضي الله تعالى عنها- أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لها: «انكحي أُسامة» (٢).
جاء في «سُبل السلام» (٣/ ٢٥٠): «وفاطمة قرشية فِهْرِيَّة، أخت الضحاك بن قيس، وهي من المهاجرات الأُوَل، كانت ذات جمال وفضل وكمال، جاءت إِلى رسول الله - ﷺ - بعد أن طلّقها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة بعد انقضاء عدتها منه، فأخبرته أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطَباها، فقال رسول الله - ﷺ -:»أما أبو جهم؛ فلا يضع عصاه عن عاتقه. وأمّا معاوية؛ فصعلوك لا مال له. انكحي أسامة بن زيد ... «الحديث، فأمرَها بنكاح أسامة مولاه ابن مولاه، وهي قرشية، وقدّمه على أكفائها ممن ذَكَر، ولا أعلم أنه طلب

----------------------
= وابن حبّان وغيرهم، وانظر»الصحيحة" (٢٤٤٦).
(١) أخرجه البخاري: ٥٠٨٨.
(٢) أخرجه مسلم: ١٤٨٠، وتقدّم.




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح النظم الفائق
* مع آية: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون)
* أفكار عملية في كيفية المحافظة على قراءة القرآن بعد رمضان
* أهمية التكرار لتثبيت الحفظ
* حرف الراء وأحكامه تفخيما وترقيقا
* رمضان ووحدة الأمة
* 10 خطوات مهمة لتحقيق النجاح

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-22-2026, 07:44 PM   #125

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      



الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الخامس
من صــ 151الى صــ165
الحلقة (123)






من أحد من أوليائها إِسقاط حَقّه».
وعن أبي حاتم المُزَنِيِّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا جاءكم من ترضون دينه. وخُلُقه فأنكحوه، إِلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد، قالوا: يا رسول الله! وإن كان فيه؟ قال: إِذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه. ثلاث مرات» (١).
وجاء في «الروضهَ الندية» (٢/ ٢٠ - ٢١): «وأعلى الصنائع المعتبرة في الكفاءة في النّكاح على الإِطلاق: العلمُ؛ لحديث:»العلماء ورثة الأنبياء«(٢).
والقرآن الكريم شاهد صدق على ما ذكرناه، فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿قُل هل يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لا يعلمون﴾، وقوله -تعالى-: ﴿يرفعِ الله الذيق آمنو امِنْكُم والذين أُوتُوا العلم درجات﴾، وقوله -تعالى-: ﴿شهد الله أنّه لا إِله إلاَّ هُوَ والملائِكَة وأولو العلم﴾، وغير ذلك من الآيات والأحاديث المتكاثرة، منها حديث:»خياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إِذا فقهوا«، وقد تقدّم.
وبالجملة؛ إِذا تقرر لك هذا، عرفتَ أن المعتبر هو الكفاءة فى الدين والخلُق، لا في النسب (٣)». انتهى.

--------------------
(١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٨٦٥، ٨٦٦)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٦٠١)، وحسنه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٨٦٨)، و«الصحيحة» (١٠٢٢).
(٢) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم، وحسنه لغيره شيخنا -رحمه الله- في «صحيح الترغيب والترهيب» برقم (٧٠).
(٣) وانظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- ما قاله ابن القيم -رحمه الله- من كَلامٍ قَيِّمٍ =



وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «تخيّروا لنُطفِكم، وانكحوا الأكفاء، وانكحوا إِليهم» (١).
وقال شيخنا -رحمه الله- في «الصحيحة» (٣/ ٥٧) عقب الحديث: «ولكن يجب أن يُعلم أنّ الكفاءَة إِنّما هي في الدين والخُلُق فقط».

المهر
حُكمه:
جعل ديننا الحنيف للمرأة مهرًا يُدفع من قِبَل الزوج وأوجبه عليه.
جاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧١): «ودليل وجوبه: أنّه -صلى الله عليه وآله وسلم- لم يسوّغ نكاحًا بدون مهر أصلًا.
وفي الكتاب العزيز: ﴿وآتوا النساء صَدُقاتهنَّ نِحْلَةً﴾ (٢)، وقوله: ﴿فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٣)، وقال: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضى بعْضُكُم إَلى بعض﴾ (٤) الآية، وقال -تعالى-: ﴿ولا جُنَاح عَليْكُم أنْ تنْكِحُوهُنَّ إِذا

-------------------
= في»زاد المعاد«(٥/ ١٥٨).
(١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٦٠٢)، والحاكم وغيرهما، وانظر»الصحيحة" (١٠٦٧).
(٢) النساء: ٤.
(٣) النساء:٢٠.
(٤) النساء:٢١.



آتَيتُمُوهُنَّ أُجورَهنَّ﴾ (١)». انتهى.
وهذا بما استحلّ من فرجها، كما في الآية المتقدّمة.
وقال -سبحانه-: ﴿وكيف تأخذُونَه وقد أفْضَى بعْضُكم إِلى بعض﴾.
قال العلامة السعدي -رحمه الله-: «وبيان ذلك: أنّ الزوجة -قبل عقد النكاح- مُحرّمة على الزوج، ولم ترض بحلّها له إِلا بذلك المهر، الذي يدفعه لها. فإِذا دخَل بها وأفضى إِليها، وباشَرها المباشرة التي كانت حرامًا قبل ذلك [وهي الجماع]، والتي لم ترض ببذلها إِلا بذلك العِوض، فإِنه قد استوفى المُعوَّض، فثبت عليه العِوض، فكيف يستوفي المُعوَّض، ثمّ بعد ذلك يرجع في العِوض؟ هذا من أعظم الظلم والجور، وكذلك أخذ الله على الأزواج ميثاقًا غليظًا بالعقد، والقيام بحقوقها».
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أنّ رسول الله - ﷺ - قال للمتلاعِنَين: «حسابكما على الله، أحدُكما كاذبٌ، لا سبيل لك عليها، قال: مالي؟! قال: لا مال لك، إِنْ كنت صدقتَ عليها؛ فهو بما استحللت من فرجها. وإنْ كنتَ كذبتَ عليها؛ فذاك أبعدُ لك» (٢).
*وهذا المهر المفروض للمرأة، كما أنه يحقق هذا المعنى، فهو يطيّب نفس المرأة ويرضيها بقوامة الرجل عليها؟ قال -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامُون على النّساء بما فضَّل الله بَعْضَهُم على بَعْضٍ وبما أنْفَقوا من أمْوَالِهم﴾ (٣)، مع ما

----------------
(١) الممتحنة: ١٠.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٣١٢، ومسلم: ١٤٩٣.
(٣) النساء: ٣٤.



يضاف إِلى ذلك من توثيق الصِّلات، وإِيجاد أسباب المودة والرحمة* (١).
وقال الله -تعالى-: ﴿وآتوا النِّساء صَدُقاتِهِنَّ نحْلَة فإِنْ طبْنَ لكم عن شيء مِنْهُ نَفْسًا فكُلوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢).
أي: آتوا النساء مهورهن فريضةً مُسمّاة.
قال ابن كثير -رحمه الله- بعد ذِكْر عدد من أقوال السلف: «ومضمون كلامهم: أنّ الرجل يجب عليه دفْع الصَّداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طَيِّبَ النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النِّحلة طَيِّبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صَداقها طيِّبًا بذلك، فإِن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه؛ فليأكله حلالًا طيبًّا، ولهذا قال: ﴿فإِن طِبْنَ لكم عن شيء منه نَفْسًا فكلوه هَنِيئًا مَرِيئًا﴾».

قدْر المهر:
*لم تجعل الشريعة حدًّا لقلّته ولا لكثرته، إِذ الناس يختلفون في الغنى والفقر، ويتفاوتون في السعة والضيق، ولكل جهة عاداتها وتقاليدها، فترَكت التحديد؛ ليعطي كل واحد على قدر طاقته، وحسب حالته ... وكل النصوص جاءت تشير إِلى أنّ المهر لا يشترط فيه إِلا أن يكون شيئًا له قيمة [وثمن]؛ بقطع النظر عن القلة والكثرة؛ فيجوز أن يكون خاتمًا من حديد [مبالغة في تقليله]، أو قدحًا من تمر، أو تعليمًا لكتاب الله، وما شابَه ذلك،

--------------------
(١) ما بين نجمتين عن كتاب «فقه السنّة» (٢/ ٤٧٨).
(٢) النساء: ٤.



إِذا تراضى عليه المتعاقدان* (١).
وقال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (١١/ ٩٧) تحت المسألة (١٨٥١) فيما يجوز من الصَّداق.«... ولو أنه حبَّة بُرٍّ أو حبَّة شعير أو غير ذلك، وكذلك كل عمل حلال موصوف؛ كتعليم شيء من القرآن أو من العلم أو البناء أو الخياطة أو غير ذلك إِذا تراضيا بذلك. وورد في هذا اختلاف».
وقوله -تعالى-: ﴿... وآتَيتُم إِحْداهُنَّ قِنْطَارًا﴾ (٢) يدل على جواز الكثرة، وعدم تحريم ذلك.
قال العلامة السعدى -رحمه الله-: «مع أنّ الأفضل واللائق؛ الاقتداء بالنّبيِّ - ﷺ - في تخفيف المهر ... لكن قد يُنهى عن كثرة الصَّداق؛ إِذا تضمّن مفسدةَ دينية، وعدم مصلحة تُقاوَم».
وجاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٢): «السُّنّة تخفيف الصّداق وأن لا يزيد على نساء النّبيّ - ﷺ - وبناته ...».
وجاء في «الروضة الندية» (٢/ ٧٣): «قال: في»الحجة«: ولم يضبط النّبيّ - ﷺ - المهر بحدٍّ لا يزيد ولا ينقص؛ إِذ العادات في إِظهار الاهتمام مختلفة، والرغبات لها مراتب شتى، ولهم في المشاحَّة طبقات؛ فلا يمكن تحديده عليهم؛ كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحدٍّ مخصوص».
عن سهل بن سعد الساعدي يقول: «إِني لفي القوم عند رسول الله - ﷺ -؛ إِذْ

---------------------
(١) ما بين نجمتين عن»فقه السُّنَّة" (٢/ ٤٧٨) بحذفٍ يسير.
(٢) النساء: ٢٠.



قامت امرأة فقالت: يا رسول الله! إِنها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ (١) فيها رأيك، فلم يجبها شيئًا، ثم قامت فقالت: يا رسول الله! إِتها قد وَهَبت نفسها لك، فرَ فيها رأيك، فلم يُجبها شيئًا، ثمّ قامت الثالثة فقالت: إِنها قد وَهَبت لك، فرَ فيها رأيك، فقام رجلٌ فقال: يا رسول الله! أنكِحْنيها، قال: هل عندك من شيء؟ قال: لا، قال: اذهب فاطلب ولو خاتمًا من حديد، فذهب وطلب، ثمّ جاء فقال: ما وجدتُ شيئًا، ولا خاتمًا في حديد، قال: هل معك من القرآن شيء؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا، قال: اذهب فقد أنكحتُكها بما معك من القرآن» (٢).
وعن أنس قال: «خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مِثلك يا أبا طلحة! يُردّ، ولكنك رجل كافر، وأنا مسلمة، ولا يحلّ لي أن أتزوجك، فإِنْ تُسلِم فذاك مهري، وما أسألك غيره. فأسلَم؛ فكان ذلك مهرها» (٣).
وقد يكون المهر على العمل يُعمل؛ وجاء في تبويب «سنن أبي داود»: (باب، في التزويج على العمل يُعمَل).
ثم ذكر حديث سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه-؛ وفيه: «هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم سورة كذا وسورة كذا -لسُورٍ سمّاها-، فقال له رسول الله - ﷺ -: قد زوجتُكَها بما معك من القرآن» (٤).

-----------------------
(١) فعل أمرٍ من (رأى)؛ أي: انظر.
(٢) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم: ١٤٢٥.
(٣) أخرجه النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٣٣)، وانظر تخريجه في «أحكام الجنائز» (ص ٣٨).
(٤) أخرجه البخاري: ٥١٤٩، ومسلم، ١٤٢٥، وهذا لفظ أبي داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٦)، وتقدّم.



و(العمل يُعمل) هنا: إِفادة زوجِهِ من السور التي يحفظها، وذلك أنّ المهر المادّي إِنما هو بما يستحلّه الرجل من فرج المرأة، فينبغي إِذًا أن نحمل المهر هنا؛ على إِفادتها من خلال تعليمه لها ما استطاع من هذه السُّور، وانتفاعها بعمله بمقتضاها -ما استطاع إِلى ذلك سبيلًا-. فليس المراد من حفظه القرآن الا ما تستفيد منه هي ليكون مهرها.
وبذا، فيفيدنا ما جاء من تبويب في «سنن أبي داود» قوله: «التزويج على العمل يُعمل» أن يقدّم أعمالًا أو خدماتٍ معيّنة للزوجة؛ فقد يعلّمها القراءة أو الكتابة، وقد يتعهّد بعلاجها إِنْ كان مختصًا بذلك ... إِلخ. والله -تعالى- أعلم.
مسألة: إِذا اختلف ما اتفق عليه العاقدان في السرّ والعلانية.
جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٩): «وسئل -رحمه الله- عن رجل تزوج امرأة وأعطاها المهر، وكُتب عليه صَداقًا ألف دينار، وشرطوا عليه أننا ما نأخذ منك شيئًا إِلا عندنا عادة وسمعة، والآن توفي الزوج، وطلبت المرأة كتابها من الورثة على التمام والكمال؟
فأجاب: إِذا كانت الصورة ما ذُكِر؛ لم يجُز لها أن تطالب إِلا ما اتفقا عليه، وأمّا ما ذُكر على الوجه المذكور؛ فلا يحلّ لها المطالبة به، بل يجب لها ما اتفقا عليه».
وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا اتفق العاقدان في السرّ على المهر، ثمّ تعاقدا في العلانية بأكثر منه واختلفا؛ فبِمَ يكون الحُكم؟
فأجابني شيخنا -رحمه الله-: الحُكم بالمعلَن.


وقال الإِمام البخاري -رحمه الله-: (باب تزويج المعسر الذي معه القرآن والإِسلام (١».
قال الله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضْلِه﴾ (٢).
وذكر حديث سهل بن سعد.
قال الحافظ: «قوله [أي: الإِمام البخاري]: لقوله -تعالى-: ﴿إِنْ يَكُونوا فُقَراء يُغْنِهِم اللهُ مِنْ فَضلِه﴾: هو تعليل لحُكم الترجمة، ومحصّله أن الفقر في الحال لا يمنع التزويج؛ لاحتمال حصول المال في المآل، والله أعلم».
وقال الإِمام البخاري (٣) -رحمه الله-: (باب المهر بالعُروض وخاتمٍ من حديد). والعُروض ما يقابل النقد، كما قال الحافظ -رحمه الله-.

فائدة:
جاء في «السلسلة الضعيفة» (٤): «قد اعتاد كثير من الآباء مثل هذا الشرط [أي: أن يشترط لنفسه سوى المهر]، وأنا وإنْ كنتُ لا أستحضر الآن ما يدلّ على تحريمه، ولكني أرى -والعلم عند الله تعالى- أنه لا يخلو من شيء، فقد

----------------------
(١) انظر»صحيح البخاري«(كتاب النكاح) (باب - ٦)، وذكر الإِمام البخاري -رحمه الله- الآية في (باب - ١٤).
(٢) النّور: ٣٢.
(٣) انظر»صحيح البخاري«(كتاب النكاح)»باب - ٥١«.
(٤) تحت الحديث الضعيف برقم (١٠٠٧):»أيّما امرأة نُكحت على صداق أو حباء أو عدّة قبل عِصمة النكاح، فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح، فهو لمن أُعْطِيَهُ. وأحقُّ ما أُكْرِمَ عليه الرجل ابنتُهُ أو أختُهُ".



صحّ أن النبيّ - ﷺ - قال:»إِنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق (١) «، ولا أظن مسلمًا سليم الفطرة، لا يرى أن مثل هذا الشرط ينافي مكارم الأخلاق، كيف لا؟! وكثيرًا ما يكون سببًا للمتاجرة بالمرأة إِلى أن يحظى الأب أو الولي بالشرط الأوفر، والحظ الأكبر، وإلا أعضلها! وهذا لا يجوز؛ لنهي القرآن عنه» (٢). انتهى.

النهي عن المغالاة في المهور:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّ مِن يمُن (٣) المرأة تيسير خِطبتها، وتيسير صَداقها، وتيسير رحمها». قال عروة: يعني: «تيسير رحمها للولادة». قال عروة: «وأنا أقول مِن عندي: مِن أوّل شُؤمها: أن يكثر صَداقها» (٤).
وعن أنس: «أنّ رسول الله - ﷺ - رأى عبد الرحمن بن عوف وعليه وَضَرٌ (٥) من

---------------------
(١) أخرجه البخاري في»الأدب المفرد«، وأحمد، والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الصحيحة«(٤٥).
(٢) وانظر -إِن شئت- ما قاله الإِمام ابن حزم -رحمه الله- في»المحلّى«(١١/ ١٢٧) تحت المسألة (١٨٥٥)
(٣) اليُمْنُ؛ أي: البركة، وضدّه الشُّؤم.»النهاية«.
(٤) أخرجه أحمد وغيره، وحسّنه شيخنا -رحمه الله- في»الإرواء«تحت (١٩٢٨)، وكان شيخنا -رحمه الله- قد تردد في أسامة بن زيد؛ أهو الليثي أم العدوى؟! وفي التحقيق الثاني»للإرواء«(٦/ ٣٥٠) قال -رحمه الله-:»ثم رأيت ما يرجّح أنه الليثي، وهو قول السخاوي في «المقاصد» (ص ٤٠٤)، وسنده جيّد«.
(٥) الوضر: لطخ من خلوق، أو طيب له لون، وذلك من فعل العروس إِذا دخل على زوجته، والوضر: الأثر من غير الطيب.»النهاية".



صُفرةٍ، فقال النّبيّ - ﷺ -: مَهْيَمْ (١)؟! فقال: يا رسول الله! تزوجت امرأة من الأنصار، قال: ما سُقت إِليها؟ قال: وزن نواة (٢) من ذهب، قال: أوْلِمْ ولو بشاة» (٣).
وعن أبي سلمة قال: «سألت عائشة: كم كان صَداق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أُوقية ونشًّا. قالت: أتدري ما النشُّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية (٤)» (٥).
وعن أبي العجفاء السلمي، قال: «خطَبنا عمر فقال: ألا لا تغالوا بصُدُق النساء، فإِنها لو كانت مَكرُمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها النّبيّ - ﷺ -، ما أصدق رسول الله - ﷺ - امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية» (٦).
وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير النكاح أيسره» (٧).

---------------------
(١) أي: ما أمْرُك وشأنك؟ «النهاية».
(٢) جاء في «النهاية»: «النواة: اسم لخمسة دراهم، كما قيل للأربعين: أوقية وللعشرين: نشٌّ ... والنواة في الأصل: عجمة التمرة».
(٣) أخرجه البخاري: ٢٠٤٩، ومسلم: ١٤٢٧.
(٤) النَّشّ: نصف الأوقية، وهو عشرون درهمًا، والأوقية: أربعون، فيكون الجميع خمسمائة درهم. «النهاية».
(٥) أخرجه مسلم: ١٤٢٦.
(٦) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٢)، والنسائي، والترمذي وصححه، وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في «الإِرواء» (١٩٢٧).
(٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٩)، وابن حبان، والحاكم =



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِنّي تزوّجتُ امرأةً من الأنصار، فقال له النّبيّ - ﷺ -: هل نظرت إِليها؟ فإِنّ في عيون الأنصار شيئًا، قال: قد نظرت إِليها، قال: على كم تزوجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ - ﷺ -: على أربع أواقٍ؟ كأنّما تنحِتون الفضّة من عُرْض هذا الجبل» (١).
جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٢ - ١٩٤): «ويُكره للرجل أن يصدق المرأة صدقًا فيضرّ به إِنْ نَقَده، ويعجز عن وفائه إِنْ كان دينًا. قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِني تزوجت امرأة من الأنصار. فقال - ﷺ -: على كم تزوّجتها؟ قال: على أربع أواقٍ. فقال له النّبيّ - ﷺ -: على أربع أوَاقٍ؟ فكأنما تنحتون الفضة من عُرْض هذا الجبل! ما عندنا ما نعطيك؛ ولكن عسى أن نبعثك في بعْث تصيب منه! قال: فبعث بعثًا إِلى بني عبس، بعث ذلك الرجل فيهم. رواه مسلم في»صحيحه«(٢). والأوقية عندهم: أربعون درهمًا، وهي مجموع الصَّداق، ليس فيه مقدم ومؤخر.
وعن أبي عمرو الأسلمي: أنه أتى النّبيّ - ﷺ - يستعينه في مهر امرأة، فقال: كم أمهرتها؟ فقال: مائتي درهم. فقال: لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم (٣).

----------------------
= وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٩٢٤).
(١) أخرجه مسلم: ١٤٢٤.
(٢) برقم: ١٤٢٤.
(٣) أخرجه الحاكم، وأحمد وقال الحاكم:»صحيح الإِسناد«، ووافقه الذهبي، وانظر»الصحيحة" (٢١٧٣).



رواه الإِمام أحمد في «مسنده». وإذا أصدقها دينًا كثيرًا في ذمته وهو ينوي أن لا يعطيها إِياه؛ كان ذلك حرامًا عليه (١).
وما يفعله بعض أهل الجفاء والخيلاء والرياء، من تكثير الهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخْذه من الزوج، وهو ينوي أن لا يعطيهم إِياه؛ فهذا منكر قبيح، مخالف للسنة، خارج عن الشريعة.
وإِنْ قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه؛ فقد حمَّل نفسه، وشغل ذمّته، وتعرّض لنقص حسناته، وارتهانه بالدَّين؛ وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضرّوه.
والمستحب في الصَّداق -مع القدرة واليسار- أن يكون جميع عاجله وآجله لا يزيد على مهر أزواج النّبيّ - ﷺ - ولا بناته، وكان ما بين أربعمائة إِلى خمسمائة بالدراهم الخالصة، نحوًا من تسعة عشر دينارًا. فهذه سُنّة رسول الله - ﷺ -. مَنْ فَعَلَ ذلك فقد استن بسنة رسول الله - ﷺ - في الصَّداق، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: كان صَداقنا إِذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق، وطبق بيديه، وذلك أربعمائة درهم. رواه الإِمام أحمد في «مسنده»، وهذا لفظ أبي داود في «سننه» (٢).
وقال أبو سلمة: سألْت عائشة: كم كان صَداق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان

----------------------
(١) وفي الحديث: «مَنْ تزوَّج امرأة على صَدَاق؛ وهو ينوي أنْ لا يُؤدِّيه إِليها، فهو زانٍ» أخرجه البزّار وغيره وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (١٨٠٦ - ١٨٠٧).
(٢) وهو في سنن النسائي «صحيح سنن النسائي» (٣١٤٠) ولفظه: «كان الصَّداق إِذ كان فينا رسول الله - ﷺ - عشر أواق».



صَداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشًا. قالت: أتدري ما النشّ؟ قال: قلت: لا. قالت: نصف أوقية: فتلك خمسمائة درهم. رواه مسلم (١) في «صحيحه». وقد تقدّم عن عمر أن صَداق بنات رسول الله - ﷺ - كان نحوًا من ذلك. فمن دعته نفسه إلى أن يزيد صَداق ابنته على صَداق بنات رسول الله - ﷺ - اللواتي هن خير خلق الله في كل فضيلة، وهنّ أفضل نساء العالمين في كل صفة: فهو جاهل أحمق. وكذلك صَداق أمهات المؤمنين، وهذا مع القدرة واليَسار. فأمّا الفقير ونحوه فلا ينبغي له أن يصدق المرأة إِلا ما يقدر على وفائه من غير مشقة.
والأولى فعجيل الصَّداق كله للمرأة قبل الدخول إِذا أمكن، فإِنْ قدّم البعض وأخّر البعض: فهو جائز، وقد كان السلف الصالح الطيب يرخصون الصَّداق. فتزوّج عبد الرحمن بن عوف في عهد رسول الله - ﷺ - على وزن نواة من ذهب. قالوا: وزنها ثلاثة دراهم وثلث. وزوّج سعيد بن المسيب بنته على درهمين، وهي من أفضل أَيِّمِ من قريش، بعد أن خطبها الخليفة لابنه، فأبى أن يزوجها به، والذي نُقل عن بعض السلف من تكثير صَداق النّساء؛ فإِنما كان ذلك لأن المال اتسع عليهم، وكانوا يعجلون الصَّداق كلّه قبل الدخول؛ لم يكونوا يؤخرون منه شيئًا. ومن كان له يَسار ووجد، فأحب أن يعطي امرأته صَداقًا كثيرًا؛ فلا بأس بذلك، كما قال -تعالى-: ﴿وآتيتم إِحداهنّ قِنْطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ (٢). أمّا من يشغل ذمّته بصَداق لا يريد أن يؤديه، أو يعجز عن وفائه، فهذا مكروه، كما تقدّم. وكذلك من جعل في ذمّته صَداقًا كثيرًا

----------------------
(١) برقم: ١٤٢٦.
(٢) النساء: ٢٠.



من غير وفاء له: فهذا ليس بمسنون. والله أعلم».
وليُعلم أنّ ابتعاد الناس عن هذه النصوص والعمل بمقتضاها؛ قد أدّى إِلى العزوف عن الزواج، أو أنه جرّ أزمات اقتصادية للأُسر بعد الزواج، وأضحى الفُحش أقرب من النكاح الحلال عند عددٍ من الشباب والشابّات.
فلنحذر من مظهريات النكاح، والمغالاة في المهور التي تقتُل العفّة والطُّهر، وتعسّر الحلال، وتيسّر الحرام، وتستجلب الهموم والكُربات.

إِثقال الصَّداق يجعل العداوة في نفس الزوج:
عن أبي العجفاء السُلمي قال: قال عمر بن الخطاب: «لا تغالوا صَداق النساء، فإِنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم وأحقّكم بها محمد - ﷺ -، ما أَصدق امرأة من نسائه، ولا أُصْدِقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإنّ الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، ويقول: قد كَلِفتُ إليك علَقَ القِربة -أو عَرَق القربة (١) -. وكنت رجلًا عربيًا مولَّدًا (٢)، ما أدري ما عَلَق القِرية -أو عَرَق القِربة-؟» (٣).

------------------------
(١) عَلَق القربة أو عَرَق القربة؛ أي: تحملت لأجلك كل شيء حتى عَلق القربة، وهو حبلها الذى تُعلّق به.
وعَرَق القربة؛ أي: تكلفت إِليك وتعِبت، حتى عرقِتُ كَعَرق القِربة، وعرقها: سيلان مائها. «النهاية».
(٢) هو الذي ولد بين العرب، ونشأ مع أولادهم وتأدّب بآدابهم. وقال الجوهري: رجلٌ مُولَّدٌ: إِذا كان عربيًا غير محض، وانظر «النهاية».
(٣) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١٥٣٢)، وأبو داود "صحيح سنن =



هل يدخل على زوجه إِذا لم يُمْهِرْهَا (١)؟
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «لمّا تزوج عليّ فاطمة، قال له رسول الله - ﷺ -: أعطها شيئًا، قال: ما عندي شيء، قال: أين درعك الحُطميّة؟» (٢).
وجاء في تبويب «سنن أبي داود» قبل هذا الحديث: (باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها).
وجاء في تبويب «سنن النسائي» تحت (باب نِحْلة الخلوة) بلفظ: «... أنّ عليًا قال: تزوّجْتُ فاطمة -رضي الله عنها- فقلتُ: يا رسول الله! ابْنِ بي. قال: أعطها شيئًا ...» (٣).
قال ابن حزم -رحمه الله-: «*ومن تزوج، فسمّى صَداقًا أو لم يُسمّ، فله الدخول بها؛ أحبَّت أم كرهت، ويقضى لها بما سمّى لها؛ أحبّ أم كره، ولا يُمْنَعُ من أجل ذلك من الدخول بها، لكن يُقضى له عاجلًا بالدخول، ويقضى لها عليه، حسب ما يوجد عنده من الصَّداق، فإِن كان لم يُسم لها شيئًا، قضي عليه بمهر مِثلها، إِلا أن يتراضيا؛ بأكثر أو بأقل».
قال ابن المنذر -رحمه الله-: «أجمع كل من يُحْفَظُ عنه من أهل العلم، أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها، حتى يعطيها مهرها».

-----------------------
= أبي داود«(١٨٥٢)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٨٨٩)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٣١٤١) وغيرهم، وانظر»الإِرواء«(١٩٢٧).
(١) هذا العنوان وكذا الثلاثة الآتية بعده بينها تداخُل؛ رأيتُ إِبقاءَها للمزيد من الفائدة والتفصيل.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح أبي داود«(١٨٦٥)، والنسائي»صحيح النسائي«(٣١٦١).
(٣)»صحيح سنن النسائي" (٣١٦٠).




التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح النظم الفائق
* مع آية: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون)
* أفكار عملية في كيفية المحافظة على قراءة القرآن بعد رمضان
* أهمية التكرار لتثبيت الحفظ
* حرف الراء وأحكامه تفخيما وترقيقا
* رمضان ووحدة الأمة
* 10 خطوات مهمة لتحقيق النجاح

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-22-2026, 07:47 PM   #126

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الخامس
من صــ 166الى صــ180
الحلقة (124)




وقد ناقش صاحب»المحلّى«هذا الرأي، فقال:»لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه من حين يعقد الزواج؛ فإِنها زوجة له، فهو حلال لها، وهي حلال له، فمن منَعَها منه، حتى يعطيها الصَّداق أو غيره، فقد حال بينه وبين امرأته، بلا نصٍّ من الله -تعالى- ولا من رسوله - ﷺ -، لكن الحق ما قلنا: ألا يمنع حقّه منها، ولا تمنع هي حقّها من صَداقها، لكن يطلق الدخول عليها؛ أحبَّت أم كَرِهت، ويُؤخَذ مما يوجد له صَداقها؛ أحب أم كره، وصح عن النّبيّ - ﷺ - تصويب قول القائل: «أعط كلّ ذي حقٍّ حقّه» (١) * (٢).
وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: هل يتحقّق النكاح بالوليّ والشاهدين؛ وبه تستحلّ الفروج، أم أنّ للمهر علاقة؟
فأجاب -رحمه الله-: «ليس له علاقة، فيمكن أن يبني بزوجته؛ بالشرطين المذكورين في الحديث، وأن يؤخّر المهر لها؛ دون الاتفاق على كميّة المهر، وإِذا اختلفوا، فهو مُكلّف شرعًا بأن يدفع لها مهر المِثل -أي: مثيلاتها من نساء قبيلتها-: سنّها، ثيّب، بِكر، قبيحة، جميلة، ويمكن في صورة نادرةٍ جدًّا؛ أن يجعل مهرها تعليمها القرآن، بل ثبتَ أن أمّ سليم قد جعلَت مهر أبي طلحة -رضي الله عنهما- إِسلامه، فأسلم، وكان مهرَ زوجه».
ثمّ قرأْتُ ما جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٧٦) وهو قوله: «... أقول: لم يَرِدْ ما يدلّ على أنّ المهر شرطٌ مِن شروط العقد أو رُكن من أركانه. وأمّا قوله

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ١٩٦٨.
(٢) انظر»المحلى«(١١/ ٨٧ - ٩١) وذكره السيد سابق -رحمه الله- في»فقه السنة" (٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤).



-سبحانه-: ﴿ولا جُناح عليكم أن تنكحُوهنّ إِذا آتيتموهنّ أجورهنّ﴾ (١)،
فالمراد أنّ المهر واجب للمنكوحة لا يجوز مَطْلُهَا منه، ولو كان العقد لا يصحّ إِلا بالمهر؛ لم يقل الله -عز وجل-: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضة﴾ (٢)؛ فإِنّ هذه الآَية تفيد أنّ العقد قد يقع قبل فرض المهر».
ثمّ ذكَر بعض الأدلّة على ذلك.
وقال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٣٢/ ٢٠٧): «إِذا خلا الرجل بالمرأة، فمنعته نفسها من الوطء ولم يطأها؛ لم يستقر مهرها في مذهب الإِمام أحمد -الذي ذكره أصحابه: كالقاضي أبي يعلى، وأبي البركات، وغيرهما-، وغيره من الأئمة: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وإذا اعترفت بأنها لم تمكّنه من وطئها؛ لم يستقر مهرها باتفاقهم.
ولا يجب لها عليه نفقة ما دامت كذلك باتفاقهم، وإِذا كانت مبغضة له مختارة سواه؛ فإِنها تفتدي نفسها منه».

ماذا إِذا دخَل بها ولم يفرض لها صَداقًا؟
عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: "أنّ النّبيّ - ﷺ - قال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ قال: نعم! وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانًا؟ قالت نعم! فزوّج أحدهما صاحبه، فدخل بها الرجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يعطها شيئًا -وكان ممن شهد الحديبية، وكان مَنْ شهد الحديبية له سهم بخيبر- فلمّا

-------------------
(١) الممتحنة: ١٠
(٢) البقرة: ٢٣٦.



حضرته الوفاة قال: إِنّ رسول الله - ﷺ - زوّجني فلانة، ولم أفرِض لها صَداقًا، ولم أُعطها شيئًا، وإني أشهدكم: أني أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذَت سهمًا، فباعته بمائة ألف» (١).
وكنت قد سألت شيخنا -رحمه الله- في موطن آخر. هل يمكن الدخول بدون مهر ثمّ يدفع؟ فقال -رحمه الله-: نعم؛ يدفع لها مهر مَثِيلاتها.

الزواج بغير ذِكر المهر:
يجب الاتفاق على المهر للأحاديث المتقدّمة -قلّ أو كثُر-، ولكن إذا وقَع الزواج بغير ذكر المهر صحّ، قال الله -تعالى-: ﴿لا جُناح إنْ طَلَّقْتُم النّساءَ ما لم تَمَسّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لهُنَّ فريضة﴾ (٢).
وإِذا دخَل بها الزوج، أو تُوفّي قبل ذلك؛ فإِن للزوجة مهرَ المِثل والميراث.
عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: «أنه سئل عن امرأة تزوجها رجل، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يدخل بها حتى مات؟ فقال ابن مسعود: لها صَداق نسائها؛ لا وكس (٣) ولا شطط (٤)، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى رسول الله - ﷺ - في بروَع (٥) بنت واشق -أمرأة لنا-

---------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٨٥٩)، وانظر»الإِرواء«(١٩٢٤)، وتقدّم.
(٢) البقرة: ٢٣٦.
(٣) الوكس: النقص.
(٤) الشطط: الجور.
(٥) انظر ضبطها في»أسد الغابة" (٧/ ٣٥٦) برقم (٦٧٧٢).



مثل ما قضيت» (١).
وفي رواية: «أنه أتاه (٢) قوم فقالوا: إِنّ رجلًا منّا تزوج امرأة، ولم يفرض لها صَداقًا، ولم يجمعها إِليه، حتى مات؟ فقال عبد الله: ما سئلت -منذ فارقت رسول الله - ﷺ -- أشد علي من هذه! فأْتوا غيري، فاختلفوا إِليه فيها شهرًا، ثم قالوا له في آخر ذلك: من نسأل إِن لم نسألك؟! وأنت من جلة أصحاب محمد - ﷺ - بهذا البلد، ولا نجد غيرك؟ قال: سأقول فيها بجهد رأيي، فإِنْ كان صوابًا، فمن الله وحده لا شريك له، وإِن كان خطأً، فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، أرى أن أجعل لها صَداق نسائها، لا وكس ولا شطط، ولها الميراث، وعليها العدة أربعة أشهر وعشرًا، قال: وذلك بسمْع أُناسٍ من أشجع، فقاموا فقالوا: نشهد أنك قضيت بما قضى به رسول الله - ﷺ - في امرأة منّا -يقال لها: بروع بنت واشق-. قال: فما رُئي عبد الله فرح فرحته يومئذ إِلا بإِسلامه».
وفي رواية: «وذلك بحضرة ناس من أشجع، فقام رجل -يقال له: معقل بن سنان الأشجعي- فقال: أشهد أنك قضيت بمِثل الذي قضى به رسول الله - ﷺ -، في امرأة منا -يقال لها: بْروَع بنت واشق-، فما رُئي عبد الله فرح بشيء بعد الإِسلام كفرحه بهذه القصة» (٣).
جاء في «سُبُل السلام» (٣/ ٢٨٩): «والحديث دليل على أنّ المرأة

-------------------
(١) أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه شيخنا -رحمه الله في»الإِرواء«(١٩٣٩).
(٢) أي: عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
(٣) أخرجه النسائي والسياق له، وابن حبان والرواية الأخرى له، والحاكم وغيرهم، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء" (٦/ ٣٥٨).



تستحق كمال المهر بالموت، وإن لم يُسَمِّ لها الزّوج ولا دخل بها، وتستحق مهر مِثلها».

فيمن تزوّج ولم يُسمِّ صداقًا حتى مات (١):
فيه الحديث المتقدّم عن عبد الله، في رجل تزوّج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها الصَّداق، فقال: لها الصَّداق كاملًا، وعليها العدة، ولها الميراث. فقال معقل بن سنان: سمعت رسول الله - ﷺ - قضى به في بَرْوَعَ بنت واشق (٢).
وجاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٨٠): «فيه دليل على ثبوت المهر بالموت بطريق الأولى؛ لأنّه إِذا ثبت مع عدم التسمية؛ يثبت معها بفحوى الخطاب، فهذا الحديث يكفي في الاستدلال به على أن الموت يجب به المهر والميراث».

مهر المِثل:
*مهر المِثل؛ هو المهر الذي تستحقه المرأة، مِثل مهر من يماثلها وقت العقد في السنّ، والجمال، والمال، والعقل، والدين، والبكارة، والثيوبة، والبلد، وكل ما يختلف لأجله الصَّداق؛ كوجود الولد، أو عدم وجوده؛ إِذ إِن قيمة المهر للمرأة تختلف عادة باختلاف هذه الصفات، والمعتبر في المماثلة من جهة عصبتها، كأختها، وعمّتها، وبنات أعمامها.
وقال أحمد -رحمه الله-: «هو معتبر بقراباتها من العصبات، وغيرهم من

----------------------
(١) هذا العنوان من سنن أبي داود»صحيح سنن أبي داود«(٢/ ٣٩٧).
(٢) انظر تخريج الحديث الذي قبله، وانظر»صحيح سنن أبي داود" (١٨٥٧).



ذوي أرحامها، وإِذا لم توجد امرأة من أقربائها من جهة الأب متصفة بأوصاف الزوجة، التي نريد تقدير مهر المِثل لها، كان المعتبر مهر امرأة أجنبية، من أسرة تماثل أسرة أبيها»* (١).
عن عروة بن الزبير: «أنه سأل عائشة -رضي الله عنها- عن قول الله -تعالى-: ﴿وإِنْ خفْتُمْ﴾ إِلى ﴿وَرُبَاعَ﴾؟ فقالت: يا ابن أختي! هي اليتيمة تكون في حَجْر وليَّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوَّجَها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثلَ ما يُعطيها غيره، فَنُهُوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا (٢) لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق (٣)، وأُمِروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهنّ. قال عروة: قالت عائشة: ثمّ إِنَّ النّاس استفتوا رسول الله - ﷺ - بعد هذه الآية؟ فأنزل الله: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساء﴾ إِلى قوله: ﴿وتَرْغَبُون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، والذي ذكر الله أنه يُتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي قال فيها: ﴿وإِنْ خِفتم أن لا تُقْسِطوا في اليتامى فانكحوا ما طابَ لكم من النساء﴾، قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى: ﴿وَترغبون أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ يعني: هي رغبة أحدكم ليتيمته التي تكون في حَجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها من يتامى النساء إِلا بالقسط؛ من أجل رغبتهم عنهنّ» (٤).

----------------------
(١) ما بين نجمتين عن «فقه السّنّة» (٢/ ٤٧٨).
(٢) أي: يعدلوا.
(٣) أي: أعلى عادتهنّ في مهورهن ومهور أمثالهنّ. «شرح النووي».
(٤) أخرجه البخاري: ٢٤٩٤، ومسلم: ٣٠١٨.



ففي قول عائشة -رضي الله عنها-: «فنُهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهنّ أعلى سُنّتهنّ من الصَّداق»؛ مراعاة مَهْر المِثل في النساء كما لا يخفى.

العدْل في المهور:
لحديث عروة بن الزبير السابق وفيه: «... فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ، ويبلغوا بهن أعلى سُنّتِهنّ من الصَّداق».
وكيف يقسط في صَداقها؟
قد بيّنته عائشة -رضي الله عنها- بقولها: «.. فيعطيها مِثل ما يُعطيها غيره».

العَدْل في صداق اليتيمة:
للنصّ السابق، وفيه قول عائشة -رضي الله عنها-: «هي اليتيمة تكون في حجر وليّها، تُشاركه في ماله، فيُعجبه مالها وجمالها، فيُريد وليُّها أن يَتَزَوّجها بغير أن يقسِط في صَداقها، فيُعطيها مثل ما يُعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إِلا أن يُقسطوا لهنّ».

الرجل هو الذي يحدّد المهر:
والرجل هو الذي يُحدّد المهر؛ لكن في ضوء ما تقدّم من توجيهات وقواعد، ويراعي مهر المِثل، ولا يُغالي في ذلك.
وفي بعض مجالس شيخنا -رحمه الله-: أفادنا أنّ الرجل هو الذي يحدّد


ذلك، وذكر عددًا من الأدلّة؛ منها:
حديث أنس -رضي الله عنه- قال: «سأل رسول الله - ﷺ - عبد الرحمن بن عوف -وتزوّج امرأة من الأنصار-: كم أصدقتها؟ قال: وزن نواة من ذهب» (١).
وذكَر ما يتعلّق بخاتمة الأمر، وعدم رفض ولي الزوجة.

متى يجب عليه نصف المهر؟
إِذا طلّق الرجل زوجه قبل الدخول بها، وكان قد فرَض لها قدْرًا مُعينًا؛ فإِنّه يجب عليه نصف المهر.
قال -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم إِلا أنْ يَعْفُون (٢) أو يَعْفُوَ الذي بِيَدِه عُقْدَةُ النكاح وأنْ تَعْفوا أقْرَبُ للتَّقْوَى ولا تَنْسَوا الفَضْلَ بَيْنَكُم إِنّ اللهَ بما تَعْمَلون بصير﴾ (٣).

ماذا يجب مِن المهر إِذا أغلق الباب وأرخى الستر ولم يدخل بزوجه؟
عن زرارة بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: «قضى الخلفاءُ الراشدون

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥١٦٧، ومسلم: ١٤٢٧، وتقدّم.
(٢) قال ابن كثير -رحمه الله-:»وقوله: ﴿إِلا أن يعفون﴾ أي: النساء عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء.
قال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلا أن يعفون﴾ قال: إِلا أن تعفو الثًيّب فتدَعَ حقّها".
(٣) البقرة: ٢٣٧.



المهديّون؛ أنّ مَن أغلق بابًا، أو أرخى سترًا؛ فقد وجب المهر، ووجبت العدّة» (١).
وعن عمر -رضي الله عنه- قال: «إِذا أُجيف الباب، وأُرخيت الستور؛ فقد وجب المهر» (٢).
هذا؛ وقد فصّل الإمام ابن حزم -رحمه الله- في ذلك تفصيلًا قويًّا تحت المسألة (١٨٤٦)؛ فارجع إِليه -إِن شئت-. وقال في آخر المسألة:
«فإِن تعلّقوا بمن جاء ذلك عنه من الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فلا حُجّة في أحد دون رسول الله - ﷺ -.
وقد اختلفوا كما ذَكَرْنا (٣)؛ فوجَب الردّ عند التنازُع إِلى القرآن والسُّنّة».
جاء في «السيل الجرّار» (٢/ ٢٨١): «... وأمّا الخلوة فلم يكن في المقام ما ينتهض للاحتجاج به، ولم يصحّ من المرفوع ما تقوم به الحُجّة ...
وقد قال -عز وجل-: ﴿وإِنْ طَلّقتُموهنّ من قبل أن تَمَسّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتُم﴾، فإِن كان المراد بالمس الجماع؛ فظاهره أنَّ الخلوة ليست بجماع، وإِن كان المس أعمّ من الجماع، وهو وضع عضو منه على عضو منها؛ فليست الخلوة المجردة مَسًّا؛ وإن أرخى عليها مائة ستر، ونظر إِليها

------------------------
(١) أخرجه الإِمام أحمد وغيره، وصححه شيخنا -رحمه الله- في»الإِرواء«(١٩٣٧).
(٢) أخرجه الدارقطني بإِسناد صحيح، وانظر»الإِرواء" (٦/ ٣٥٧).
(٣) وكان قد ذَكر -رحمه الله- آثارًا عديدة، بعضها في إِيجاب المهر كاملًا، وبعضها في نصفه.



ألف نظرة! وإِذا عرفت هذا؛ فلا حاجة بنا إِلى التكلم على الخلوة الصحيحة والفاسدة».
وقال شيخنا -رحمه الله - في «السلسلة الضعيفة» بعد الحديث (١٠١٩) -بحذف-: «من كشف خمار امرأة، ونظر إِليها، فقد وجَب الصَّداق؛ دخل بها أم لم يدخل» (١):
«وجُملة القول؛ أن الحديث ضعيف مرفوعًا، صحيح موقوفًا. ولا يقال: فالموقوف شاهد للمرفوع لأنه لا يقال بمجرد الرأي؛ لأمرين:
الأوّل: أنه مخالف لقوله -تعالى-: ﴿وإِنْ طَلّقتُمُوهنّ من قبل أن تَمَسُّوهنّ وقد فَرَضْتُم لهُنّ فَريضة فَنِصفُ ما فَرَضتم ..﴾ (٢)؛ فهي بإِطلاقها تشمل التي خلا بها. وما أحسن ما قال شريح:»لم أسمع الله -تعالى- ذكر في كتابه بابًا ولا سترًا، إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصَّداق«(٣).
الثاني: أنه قد صح خلافه موقوفًا، فروى الشافعي (٢/ ٣٢٥): ... عن ابن عباس -رضي الله عنهما-:»أنه قال في الرجل يتزوج المرأة، فيخلو بها ولا يمسها، ثمّ يطلّقها: ليس لها إِلا نصف الصَّداق؛ لأن الله يقول: ﴿وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ وَقَدْ فرَضْتُم لَهُنَّ فَرِيضَة﴾. ومن طريق

-----------------------
(١) أخرجه الدارقطني؛ وفيه علّة الإِرسال، وضَعْف ابن لهيعة، وانظر «الضعيفة» (١٠١٩).
(٢) البقرة: ٢٣٧.
(٣) «تفسير القرطبي» (٣/ ٢٠٥)، وهو عند البيهقي بسند صحيح عنه نحوه. قاله شيخنا -رحمه الله-.



الشافعي رواه البيهقي (٧/ ٢٥٤).
قلت: وهذا سند ضعيف، لكن قد جاء من طريق أخرى عن طاوس، أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور: ثنا هُشيم: أنبأ الليث عن طاوس عن ابن عباس:»أنه كان يقول في الرجل أُدخلت عليه امرأته، ثمّ طلقها، فزعم أنه لم يمسها، قال. عليه نصف الصَّداق«.
قلت: وهذا سند صحيح، فبه يتقوّى السند الذي قبله، والآتي بعده عن علي بن أبي طلحة.
ثمّ أخرج البيهقي عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله -تعالى-: ﴿وإِن طَلَّقْتُمُوهُنّ قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنّ ..﴾ الآية:»فهو الرجل يتزوّج المرأة، وقد سمى لها صَداقًا، ثمّ يطلقها من قبل أن يمسها، والمس الجماع، فلها نصف الصَّداق، وليس لها أكثر من ذلك.
قلت: وهذا ضعيف منقطع، ثم روى عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: «لها نصف الصَّداق، وإِنْ جلس بين رجليها». وقال: «وفيه انقطاع بين الشعبي وابن مسعود».
فإِذا كانت المسألة مما اختلف فيه الصحابة، فالواجب حينئذ الوجوع إِلى النص، والآية مؤيدة لما ذهب اليه ابن عباس؛ على خلاف هذا الحديث، وهو مذهب الشافعي في «الأمّ» (٥/ ٢١٥). وهو الحق- إِن شاء الله تعالى-". انتهى كلام شيخنا -رحمه الله-.
قلت: ومِثل ذلك يُقال في أثر زرارة -رضي الله عنه-؛ لأن إِيجاب العدّة إِنما


هو على مَنْ دخَل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا نَكَحْتُم المؤمنات ثمّ طَلَّقْتمُوهُنّ مِنْ قَبْلِ أن تَمَسُّوهَنّ فَمَا لَكُم عَلَيْهنّ من عدّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (١).
والراجح: أنه إِذا أَغلق الباب وأرخى الستر، ولم يدخل بزوجه؛ فلها نصف الصَّداق، ولا عدّة عليها -والله تعالى أعلم-.
قال ابن كثير -رحمه الله-: «... وتشطير الصداق -والحالة هذه- أمْر مُجمعٌ عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإِنه متى كان قد سَمَّى لها صَداقًا ثمّ فارقَها قبل دخوله بها، فإِنه يجب لها نصف ما سمّى من الصَّداق، إِلا أن عند الثلاثة أنه يجب جميع الصَّداق إِذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها ...» (٢).

فوائد متفرِّقة:
*جاء في «الفتاوى» (٣٢/ ١٩٧): «وسئل -رحمه الله تعالى- عن رجل اعتقلته زوجته عند الحاكم على الصَّداق مدة شهرين، ولم يوجد له موجود: فهل يجوز للحاكم أن يبقيه أو يُطْلِقه؟
فأجاب: إِذا لم يُعرَف له مال؛ حلّفه الحاكم على إِعساره وأطلقه، ولم يجز حبسه وتكليفه البينة والحالة هذه في المذاهب الأربعة».
*وسألتُ شيخنا -رحمه الله-: هل يسقط المهر إِذا فُسخ العقد لإِعسار الرجل أو لعيبٍ فيه؟!
فأجاب -رحمه الله-: إِذا بنى أو دخَل؛ فهو حقٌّ لها.

--------------------
(١) الأحزاب: ٤٩.
(٢) انظر -إِن شئت- تتمّة الكلام عن الإِمام الشافعي -رحمه الله-.



* وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا ارتدّت المرأة عن الإِسلام، فهل يسقط المهر عن الرجل قبل الدخول؟
فأجاب -رحمه الله-: لا يسقط حقّها؛ لأنّ حقّها تحقّق بمجرّد العقد، وكان العقد مشروعًا، والحقّ يبقى في ذمّته.
قلت: وبعد الدخول؛ هل هو من باب أولى؟
فأجاب -رحمه الله-: نعم.
* وسألت شيخنا -رحمه الله-: إِذا اكتشف الرجل عيبًا بالمرأة؛ يمنَعه من الاستمتاع؛ فهل له أخْذ ما أعطاها من الصّداق؟
فأجاب -رحمه الله-: إِذا جامعها لا، وإذا لم يجامعها، فله ذلك.

الإِمهار عن غيره:
عن أمّ حبيبة: «أنها كانت تحت عبيد الله بن ، فمات بأرض الحبشة، فزوجها النجاشي النّبيّ - ﷺ -، وأمهرها عنه أربعة آلاف، وبعث بها إلى رسول الله - ﷺ - مع شرحبيل ابن حسنة».
قال أبو داود: «حسنةُ هي أمّه» (١).

الرجل هو الذي يُعدّ البيت ويؤثثه ويجهّزه:
لا شكّ أنّ *المسؤول عن إِعداد البيت إِعدادًا شرعيًا، وتجهيز كل ما يحتاج له من الأثاث، والفرش، والأدوات: هو الزوج. والزوجة لا تسأل عن شيء من ذلك، مهما كان مهرها ... لأنّ المهر إِنما تستحقه الزوجة في مقابل الاستمتاع

--------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٨٥٣).


بها، لا من أجل إِعداد الجهاز لبيت الزوجية، فالمهر حقٌّ خالصٌ لها. ليس لأبيها، ولا لزوجها، ولا لأحد حقّ فيه* (١).
وقد قال الله -تعالى-: ﴿الرِّجال قَوّامون على النِّساء بمَا فَضَّل الله بَعضهم على بعض وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوَالِهم﴾ (٢).
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: «﴿وبمَا أنفقوا من أمْوَالِهِم﴾؛ أي: من المهور والنفقات والكُلَف التي أوجبها الله عليهم لهنّ في كتابه وسنة نبيه - ﷺ -».

النفقة
المراد بالنفقة: الشيء الذي يبذله الإِنسان؛ فيما يحتاجه هو أو غيره؛ من الطعام والشراب وغيرهما (٣).

حُكمها:
النفقة واجبة بالكتاب والسّنّة والإِجماع.
قال الله -تعالى-: ﴿وعلى المولود له رِزقُهنّ وكِسْوَتُهُنّ بالمعروف لا تُكلَّف نفسّ إِلا وُسْعَها﴾ (٤).
قال ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية: «أي: وعلى والد

-------------------
(١) ما بين نجمتين عن»فقه السنة«(٢/ ٤٩٠) -بحذف-.
(٢) النساء: ٣٤.
(٣)»سبل السلام" (٣/ ٤١٤).
(٤) البقرة: ٢٣٣.



الطفل نفقة الوالدات، وكسوتهنّ بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهنّ في بلدهنّ؛ من غير إِسراف ولا إِقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال -تعالى-: ﴿لينفق ذُو سَعَة من سَعَته ومن قُدرَ عليه رِزْقُهُ فَلْيُنْفِق ممَّا آتاه الله لا يُكَلّفُ الله نفسًا إِلا ما آتاها سَيَجْعَل الله بعد عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (١). قال الضحاك: إِذا طلّق الرجل زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.
وقال -سبحانه وتعالى-: ﴿أسكنوهنّ من حيث سَكَنْتُم من وُجْدِكم ولا تُضارُّوهنّ لتضيِّقوا عليهنّ وإِن كُنَّ أُولاتِ حملٍ فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ فإِن أرضعن لكم فآتوهنّ أجورهن وأْتَمِرُوا بينكم بمعروف وإِن تعاسرتم فَسَتُرْضِعُ له أخرى﴾ (٢).
*وقوله -سبحانه-: ﴿أسكنوهنّ من حيثُ سكنتم﴾، أَي: عندكم.
وقوله -تعالى-: ﴿مِن وُجْدِكُم﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني سعتكم. حتى قال قتادة. إِن لم تَجِد إِلا جنب بيتك فأسكِنها فيه* (٣).
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ - في حَجَّة الوداع: «اتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنِّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإِن فَعَلْن ذلك؛ فاضربوهنّ

---------------------
(١) الطلاق: ٧.
(٢) الطلاق: ٦.
(٣) ما بين نجمتين من»تفسير ابن كثير".



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح النظم الفائق
* مع آية: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون)
* أفكار عملية في كيفية المحافظة على قراءة القرآن بعد رمضان
* أهمية التكرار لتثبيت الحفظ
* حرف الراء وأحكامه تفخيما وترقيقا
* رمضان ووحدة الأمة
* 10 خطوات مهمة لتحقيق النجاح

ابو الوليد المسلم غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
الميسرة, الموسوعة, المطهرة, الفقهية, الكتاب, في, فقه, والصوت
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الموسوعة الفقهية الكبرى جندالاسلام ملتقى القرآن الكريم وعلومه 7 05-13-2019 03:31 PM
الموسوعة الفقهية للدرر السنية كتاب الكتروني رائع عادل محمد ملتقى الكتب الإسلامية 4 11-19-2017 01:59 PM
مفهوم الفساد وأنواعه في ضوء نصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة أنا مسلمة ملتقى الكتب الإسلامية 1 07-15-2012 07:23 PM
الموسوعة الطبية الميسرة Dr Nadia قسم الطب العام 2 06-01-2011 03:55 PM
برنامج الموسوعة الفقهية الكبرى الاصدار الثالث أبوالنور ملتقى برامج الكمبيوتر والإنترنت 2 04-21-2011 09:40 AM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009