![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (7) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة السابعة من برنامج (خاتم النبيين) الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلم على النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين؛ أما بعد: فمرحبًا بكم إخواني وأخواتي الكرام في برنامجكم خاتم النبيين. وقد سبق معنا في الحلقة السابقة الكلام عن الهجرتين الأولى والثانية إلى الحبشة، وكيف هاجروا، وإعدادهم وواقعهم هناك، وآثارهم، والدروس المستفادة من ذلك، ونحن الآن نتحدث عن الحصار الذي أقامته قريش لصدِّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد استاءت قريش من انتشار رقعة الإسلام والدعوة، وكثرة المسلمين، وأخَذَ الإسلام يفشو في القبائل، عند ذلك اجتمعوا وعزموا على أن يكتُبوا كتابًا يتعاقدون فيه على مقاطعة بني هاشم وبني عبدالمطلب مقاطعةً متنوعة؛ فهي اجتماعية فلا يناكحونهم، وأيضًا مقاطعة اقتصادية فلا يبيعونهم ولا يبتعون منهم، وأيضًا يقاطعونهم مقاطعة نفسية فلا يُؤونهم، حتى يسلِّموا لهم النبي صلى الله عليه وسلم لقتله، فلما علِم أبو طالب بذلك جَمَعَ بني هاشم في شِعبه، وعرض عليهم ما قالته قريش وكتبته عن بني هاشم وعن ابن أخيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأجمعوا على أن يحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل أذية، وأن يكون معهم في شِعبهم، وكان تاريخ ذلك كما يقول الواقدي مع هلال المحرم سنة سبع من البعثة، واستمر ذلك الحصار ثلاث سنوات، ولكن خرج من بني هاشم أبو لهبٍ، وانضمَّ إلى قريش، واشتد ذلك الحصار على بني هاشم في الشِّعب، فكان الطعام لا يصل إليهم إلا خُفية، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في الشِّعب يدعو قومه، ويفقههم في دين الله تعالى. وفي مدة الحصار وُلد حَبْرُ الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، ومكثوا في الشِّعب ثلاث سنين، ولم يكن كفار قريش متفقين جميعًا على ذلك الحصار الظالم؛ فهم مختلفون، ولذلك تلاوم رجال من قريش في ذلك، فخرج بعض كفار قريش، ومنهم المُطعم بن عَدي، وعدي بن قيس، ورجال معهم، فحملوا السلاح، ثم خرجوا إلى بني هاشم في الشِّعْب، وفكُّوا حصارهم بعد تلك السنوات الثلاث؛ إذ إن الحصار لا يُرضي هؤلاء الرجال، فعَرَفَتْ قريش أن هؤلاء الرجال سيحمون بني هاشم وبني عبدالمطلب؛ ولذلك فكوا الحصار، ومزقوا الصحيفة المكتوبة للمقاطعة، فخرج المسلمون من الحصار في السنة العاشرة من البعثة، وفي تلك السنة اجتمع على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحصار مصيبتان؛ هما: وفاة أبي طالب، ثم بعد ثلاثة أيام من ذلك وفاة خديجة رضي الله عنها زوجته، وكان مشهد وفاة أبي طالب مشهدًا عظيمًا، فيه الدرس والعِبرة؛ فلما حضرته الوفاة جاء إليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ((يا عمِّ، قلْ لا إله إلا الله؛ كلمة أحاجُّ لك بها يوم القيامة))، وكان بجوار أبي طالب أبو جهلٍ وعبدالله بن أمية، فقالا له: أترغب عن دين عبدالمطلب؟ وفي رواية لمسلم أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((لولا تعيُّرُني قريش بها؛ يقولون: حمله عليها الجَزَعُ، لأقررتُ لك بها؛ أي: بالشهادة))؛ [رواه مسلم]، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]، وقد تتابعت المصائب على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأولها الحصار الظالم، ثم وفاة أبي طالب الذي كان يدافع عنه، ثم وفاة زوجته خديجة التي كانت تؤازره وتواسيه؛ وحيث اجتمعت تلك المصائب، سمَّى بعضهم ذلك العام بعامِ الحزن، واعترض على تلك التسمية آخرون من أهل السير؛ فقد كان أبو طالب سندًا خارجيًّا للدعوة، وكانت خديجة سندًا داخليًّا بعد الله عز وجل، فلما مات أبو طالب آذت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تكن تؤذيه قبل ذلك، ومن ذلك كان وضْعُ سلا الجزور على رأسه عليه الصلاة والسلام وهو ساجد، وأيضًا خَنْق عقبة بن أبي مُعيط له خنقًا شديدًا، وكذلك عزم أبي جهل على أن يطَأ عنقه، كل ذلك كان بعد وفاة أبي طالب، كما نص على ذلك ابن كثير رحمه الله، ثم بعد ذلك الأذى المتتابع من قريش، فكَّر النبي صلى الله عليه وسلم في مكان يكون أنسب من مكان قريش؛ وهي مكة، فاتجه عليه الصلاة والسلام إلى ثقيف في الطائف، وليس معه من أصحابه إلا زيد بن حارثة، وذلك سنة عشر من البعثة، في شهر شوال، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم الطائف، وقابل وجهاءها وكبراءها، ودعاهم إلى الله عز وجل، فلم يستجِبْ إليه أحد منهم، بل أخرجوه منها، ورمَوه بالحجارة عليه الصلاة والسلام، حتى إن رجليه لَتُدْمَيان، وزيد بن حارثة يقيه من الحجارة بنفسه، وشُج رأسه صلى الله عليه وسلم شجاجًا، فانصرف عليه الصلاة والسلام إلى مكةَ، وهو محزون ومهموم، قال: ((ولم أستفِقْ إلا وأنا بقرن الثعالب))، وقرن الثعالب هذا قيل: هو قرن المنازل، كما يقوله القاضي عياض، وقال آخرون بأنه جبل قرب منًى، وقال بعضهم: هو جبل قرب عرفات، قال: ((فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلَّتني فنظرت، فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمِع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ الجبال لتأمره بما شئت، فقال ملك الجبال: يا محمد، إن شئتَ أن أُطبِقَ عليهم الأخشَبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو الرحيم بأمته: بل أرجو أن يُخرِجَ الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا))؛ [رواه البخاري]، ولم يسلم من أهل الطائف إلا رجل واحد، يقال له: عداس، وأيضًا في رجوعه جلس النبي صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة في جوف الليل، فسمع قراءته نفر من الجن، وكانوا سبعة من جن نصيبين، فآمنوا به، وأنذروا قومهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [الأحقاف: 29]. ذكر ذلك ابن اسحاق وابن سعد وابن القيم، وقال آخرون من أهل السير بأن ذلك السماع للجن كان في ابتداء المبعَث، وقيل بأن الحادثة متعددة هنا وهناك، والله أعلم، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكةَ، بعث عبدالله بن أُريقط إلى الأقدس بن شريق ليجيره في دخول مكة، فاعتذر بأنه حليف لقريش، ثم أرسل إلى سهيل بن عَمرو ليجيره، فاعتذر بأن بني عامر لا تجير على بني كعب، فأرسل إلى المطعم بن عدي ليجيره، فأجابه إلى ذلك، وأذِن له بدخول مكة بجواره، فبات عنده تلك الليلة، فلما أصبح المطعم لبِس السلاحَ هو وأولاده الستة، وذهب بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، فجعله يطوف بها وهو وأولاده حرس له، فأقبل أبو سفيان، فقال: هل أجرتَه؟ قال: نعم، قال: إذًا لا نخفر ذمَّتك، وقد حفِظ النبي صلى الله عليه وسلم للمطعم بن عدي إجارته تلك؛ ففي معركة بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النَّتْنَى - وهم من قتلى الكفار يوم بدر - لتركتهم له))؛ [رواه البخاري]. وبعد تلك الجولة المختصرة في حصار الشِّعْب لبني هاشم، ووفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها، وذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، وماذا كان الواقع هناك، ورجوعه إلى مكة، جاءت قصة الإسراء والمعراج، وهذا ما سنعرضه بإذن الله تعالى في الحلقة القادمة. أما الدروس المستفادة من هذا العرض، فكثيرة؛ ومنها: الدرس الأول: على الداعية إلى الله تبارك وتعالى أن يصبر في دعوته فيما يلاقي من عقبات، وأن يذللها ويسليَ نفسه حيالها بالأجر عليها، وأنها قد تكون أحيانًا ابتلاء له في صبره وإيمانه، ومأخذ هذا من السيرة؛ حيث بقاء النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم في الشِّعْب وحصارهم فيه ثلاث سنين، فصبروا واستمروا في دعوتهم، وثبتوا على إيمانهم، ولم يقلل ذلك الحصار من عزائمهم، فجعلوه فرصة يتعلم بعضهم من بعض. الدرس الثاني: إن الظلم والظالمين لهم نهاية خاسرة وخاسئة، أما الصلاح والصالحون، فنهايتهم مشرقة ومشرفة إذا صبروا على إيمانهم وصلاحهم وإصلاحهم؛ وذلك أن قريشًا عندما حاصرت المسلمين في الشِّعْب، كانت نهاية قريش خاسرةً، فلم يستفيدوا شيئًا من الحصار، بل انتشر الإسلام بين القبائل، ودخل الناس في الدين أفواجًا، أما المؤمنون بعد فك الحصار عنهم، فقد استعادوا قوتهم، ودعَوا إلى دين الله تبارك وتعالى، وكانوا هم المفلحين الفائزين، بخلاف كفار قريش، فهم الخاسرون الخاسئون. الدرس الثالث: إن الجليس والصاحب والصديق له تأثيره الواضح على صديقه وجليسه؛ ولذلك قالوا: الصاحب ساحب؛ فهل سيكون مثله في الصلاح والفساد؟ نعم، إلا من رحم الله، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل))، ومأخذ هذا من السيرة، عندما حضرت أبا طالب الوفاةُ، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا عم، قل لا إله إلا الله؛ كلمةً أحاج لك بها عند الله))، فجاءه أبو جهل، وقال: أترغب عن دين عبدالمطلب، فأبى أن يقولها فمات على الكفر، انظر إلى تأثير الجليس مع أن القضية كفر وإيمان، وجنة ونار، فتأمل في أصدقائك وجلسائك، هل أنت مستفيد منهم صلاحًا وإصلاحًا أم غير ذلك، ولا تجامل على حساب دينك، فمن لم تستفِدْ منه، فابعَد عنه؛ لتسلم ويسلم أيضًا قلبُك. الدرس الرابع: الهداية نوعان؛ الأولى: هداية دلالة وإرشاد؛ وهي التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب، وهي التي بيد البشر، والثانية: هداية توفيق وإلهام، وهي بيد الله تعالى وحده، فعلينا ببذل الهداية الأولى وهي الدلالة والإرشاد مع أولادنا وأهلنا وجيراننا والآخرين، وعلينا سؤال الله تعالى هداية التوفيق لنا ولهم، ولقد بُذلت دلالة الإرشاد لأبي طالب، ولكن الله تعالى لم يرِدْ له هداية التوفيق والإلهام. الدرس الخامس: ليس على المسلم في دعوته للآخرين إلا البلاغ؛ قال تعالى: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ﴾ [الشورى: 48]، وهذا رحمة من الله تعالى لعباده، فحرِّك لسانك بدعوة الآخرين، وأما استجابتهم، فهي بيد الله تعالى وحده؛ ولهذا بلَّغ النبي صلى الله عليه وسلم الدعوة لأهل مكة والطائف، بل وبلَّغها للعالمين من الجن والإنس، وأما القَبول والاستجابة، فهذا توفيق بيد الله تعالى يعطيه من يشاء، فمن لم يستجب لدعوة الداعي، فليعلم أنه محروم، فلْيَبْكِ على ذلك الحرمان، وليسأل الله تعالى بصدق أن يرزقَهُ تلك الهدايةَ، فإن لم يعطِه إياها، فهو على خطر عظيم، فأبو طالب حُرم إياها، فكان من أهل النار، والعياذ بالله. الدرس السادس: رد الجميل صفة جميلة، وخَصلة كريمة، فإذا عمِل أحد معك عملًا جميلًا، فحاول التفاعل بردِّ هذا الجميل عليه بأجملَ منه، فهذا من الخصال الطيبة، والخُلُق الحسن، ولا تكن في حالة من الجمود، فيُحسن الناس إليك، وتنسى إحسانهم، ومأخذ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينسَ الفعل الجميل من أبي طالب؛ حيث دافع عنه أبو طالب، وقام على حمايته، فردَّ له الجميل، فحرَص على ألَّا يموت إلا على الإسلام، فحاول معه بالشهادة، ولكن جليس السوء بقدر الله تعالى الكوني كان حاضرًا، فصرفه عن ذلك، وذلك كله بتقدير الله تعالى، نسأل الله عز وجل الثبات على الحق في الدنيا والآخرة. الدرس السابع: من فضل الله تعالى على بعض الناس أن يجعلَه مفتاحًا للخير، حاثًّا عليه، وبعضهم يخذله الله تعالى، ويجعله مفتاحًا للشر مِغلاقًا للخير، فتأمل في معاملتك وتصرفاتك مع الآخرين من أيهما أنت، ومأخذ هذا من السيرة من موقف أبي جهل مع أبي طالب؛ حيث كان مفتاحًا للشر مغلاقًا للخير، فقد أغلق عليه باب الدخول في الإسلام، وحثه على بقائه على الشرك في دين عبدالمطلب، فإياك أن تكون بلسان حالك أو مقالك مغلاقًا للخير. الدرس الثامن: التوبة بابها مفتوح، وهي بإذن الله تعالى مقبولة، إذا تمت شروطها، حتى ولو كانت في مرض الموت ما لم تُغَرْغِر الروح أو تخرج الشمس من مغربها، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، ومأخذ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي طالب وهو في مرض موته، فعرض عليه الشهادة، فدلَّ ذلك على قبولها لو نطق بها، فلنسارع جميعًا إلى التوبة والأوبة، فمن تاب التوبة الصادقة، فليُبْشِرْ بثماني فوائد عظيمة؛ الأولى: أنها تكفر سيئاته، والثانية: أنها تبدل إلى حسنات، والثالثة: أن الله عز وجل يفرح بتوبة عبده فرحًا شديدًا، والرابعة: أن الملائكة تدعو له بالمغفرة؛ قال تعالى على لسان الملائكة: ﴿ فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا ﴾ [غافر: 7]، الخامسة: أن الملائكة تدعو له بالوقاية من عذاب الجحيم؛ قال تعالى على لسان الملائكة: ﴿ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴾ [غافر: 7]، السادسة: دعاء الملائكة له بدخول الجنة؛ قال تعالى على لسان الملائكة: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ﴾ [غافر: 8]، السابعة: دعاء الملائكة لآبائهم وأزواجهم وذرياتهم الصالحين؛ قال تعالى على لسان الملائكة: ﴿ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ [غافر: 8]، الفائدة الثامنة للتوبة: دعاء الملائكة له بالوقاية من السيئات؛ قال تعالى على لسان الملائكة: ﴿ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ﴾ [غافر: 9]، فهذه من ثمار التوبة فلنسارع إليها؛ والله تعالى يقول: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: 31]، وأما إذا مات ولم يتُبْ، فأمره إلى الله، ولكنه على خطر من تلك الفعال السيئة، التي لم يتب منها، وإذا استدام المعصية، فإنه يجمع على نفسه سيئات هو في غِنًى عنها. الدرس التاسع: سعة سمع الله تبارك وتعالى؛ حيث أرسل الله تعالى ملك الجبال إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: ((قد سمع الله قول قومك لك))، فالله تعالى من أسمائه السميع، فلنتقِ الله تعالى في أقوالنا ولفظاتنا، فإن الله عز وجل يسمعنا في جميع أحوالنا في سرنا وعلانيتنا، فلْنَسْتَحِ من الله تبارك وتعالى أن نلفظ ما لا يرضيه من آفات اللسان كالغِيبة والنميمة وغيرهما؛ فاللسان من أعظم الجوارح كسبًا للحسنات والسيئات، فاستشعر حال كلامك بالخير وغيره، فإن الله عز وجل يسمعك، فإن هذا الاستشعار يزيدك من الخير، ويرغِّبك فيه، ويجعلك تنزع عن الشر ويبعدك عنه. الدرس العاشر: عِظمُ شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على الأمة واستشراف المستقبل والتفاؤل الطيب؛ حيث قال عليه الصلاة والسلام لملك الجبال: ((لعل الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا))، وفعلًا تحقق هذا التفاؤل الطيب، وأخرج الله من أصلابهم من يدعو إلى الله تعالى، وينصر هذا الدين، فكن - يا أخي الكريم - في تفكيرك وتصورك للأشياء بعيدَ النظر، متفائلًا مستشرفًا لمستقبل مشرق، صابرًا على تحقيق ذلك، ولا تستعجل؛ فإن المخرجات للأعمال لا تأتي سريعة، ولا تأتي دفعة واحدة؛ فالصبر وبُعد النظر خَصلتان كريمتان وخُلُقان حسنان، لعلنا أن نتحلى بهما، وعكس ذلك الاستعجال في تصور الأمور وسرعة الحكم عليها، وعدم الصبر حيالها. الدرس الحادي عشر: إن النبي صلى الله عليه وسلم كانت رسالته للثَّقَلَينِ؛ الجن والإنس، وهو عليه الصلاة والسلام مرسل للعالمين؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، فقد سمِعه جنُّ نصيبين، فولَّوا إلى قومهم منذرين، ففي الجن صالحون وغير صالحين، كما هو في الإنس. الدرس الثاني عشر: أهمية إحياء قيمة الوفاء بالجميل، وعدم نسيان الفضل لأهل الفضل، فإذا أسدى أحد من الناس إليك معروفًا، فإياك أن تنساه، بل كافئه عليه بالجميل بخدمة مماثلة أو بالشكر المتكرر، أو بالدعاء، أو بالزيارة، أو نحو ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ [البقرة: 237]، ومأخذ هذا أن المُطعِم بن عَدي عندما أجار النبي صلى الله عليه وسلم لدخول مكة بعد رجوعه من الطائف، وفَّى له النبي صلى الله عليه وسلم بالجميل؛ فقال عليه الصلاة والسلام في قتلى بدر: ((لو كان المطعم بن عدي حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى يوم بدر، لتركتهم له))؛ [رواه البخاري]، فلا تنسَ فضل الآخرين عليك في خطأ واحد يخطئونه تجاهك، فإن عدم نسيان الفضل صفة كريمة، وخَلَّة فاضلة، اجتَهِدْ في الاتصاف بها، فإنها من الخلق الحسن الذي يحبه الله تعالى، ويحبه رسوله عليه الصلاة والسلام، أسأل الله تبارك وتعالى أن يوصلنا دار السلام بسلامٍ، وأن يغفر لنا ووالدينا والمسلمين، وأن يجعلنا من أحبِّ عباده إليه، وأن يجعلنا من المقتدين بنبيه عليه الصلاة والسلام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (8) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الثامنة من برنامج (خاتم النبيين) الإسراء والمعراج بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين وأصلي وأسلم على من أُرسل رحمة للعالمين النبي المصطفى الكريم وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد: فسبَق معنا مستمعي الأكارم في الحلقة الماضية الكلام عن حِصار كفار قريش لبني هاشم في الشِّعب عدة سنوات، وأيضًا كذلك سبق معنا ما أُصيب به النبي صلى الله عليه وسلم من مصائب عظيمة في وفاة عمِّه أبي طالب الذي كان يدافع عنه، وأيضًا وفاة زوجته خديجة رضي الله عنها التي كانت تؤازره، وأيضًا في ذَهابه عليه الصلاة والسلام إلى ثقيف في الطائف، وكان يدعوهم إلى الله تبارك وتعالى، وما حصل له عليه الصلاة والسلام في رجوعه، هذا كله ما سبق معنا في الحلقة الماضية، ونحن الآن في هذه الحلقة بصدد الحديث عن حادثة الإسراء والمعراج. جاءت تلك الحادثةُ العظيمة حادثة الإسراء والمعراج تثبيتًا للنبي صلى الله عليه وسلم وتسلية له بعد تلك السنين من الدعوة، وما لقِيهُ من الأذى عليه الصلاة والسلام فيها، وأيضًا لتكون معجزة له صلى الله عليه وسلم، ودليلًا على صحة نبوته، والمقصود بالإسراء هي تلك الرحلة العجيبة التي بدأت من مكة في المسجد الحرام إلى بيت المقدس في المسجد الأقصى؛ حيث يقول الله تبارك وتعالى عنها: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ [الإسراء: 1]، ويقصد بالمعراج أيضًا ما بعد تلك الرحلة من الصعود بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العلا ولُقياه الأنبياء، وما حصل فيها من تشريع وآيات عظام ابتدأت تلك الرحلة من مكة مِن جوار الكعبة كما في الصحيحين، وقال بعضهم: إنه كان من بيت أم هانئ، ولكنه ضعَّفه جمعٌ من أهل العلم، فالذي ورد في الصحيحين أنه من الحِجر، وقد ذكر ذلك ابن كثير والذهبي وغيرهما، وكانت وسيلته البراق في حادثة الإسراء من مكة إلى بيت المقدس، وهذا البراق هو دابةٌ بيضاء طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفهِ، كما عند البخاري ومسلم، وكان الإسراء والمعراج في ليلة واحدة وقد وقع مرة واحدة أيضًا فقط في مكة قبل الهجرة، وقال الواقدي رحمه الله: إنه قبل الهجرة بسنة في شهر ربيع الأول، وقال: هو رأي الكثيرين، وكان ذلك بجسده وروحه عليه الصلاة والسلام يقظةً لا منامًا، وقيل في تاريخ الإسراء أقوال أُخرى، ولكن المتفق عليه أنه بعد عودته من الطائف عليه الصلاة والسلام. والحديث الوارد في قصة الإسراء والمعراج هو حديث طويل جدًّا، فيمكن الرجوع إليه في صحيح البخاري، ولقد كانت تلك الرحلة من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام ومن معجزاته أيضًا، حتى أثارت أفكار كفار قريش وأذهانهم، فذهب بعضهم إلى أبي بكر رضي الله عنه، وقالوا: إن صاحبك يزعُم أنه أُسري به الليلة إلى بيت المقدس، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أهو قاله؟ قالوا: نعم، قال: إن كان قاله فقد صدق، ولهذا سُمي الصديق رضي الله عنه، وقال أيضًا: إني أصدقه بما هو أبعد من ذلك، إني أصدِّقهُ بخبر السماء في بُكْرَةً وَعَشِيًّا، وقد رأى عليه الصلاة والسلام في عروجه إلى السماوات شيئًا من آيات الله تعالى الكبرى والتقى بالأنبياء، ووصف هيئاتهم، ثم رُفع إلى سدرة المنتهى عليه الصلاة والسلام، ورأى أيضًا جبريل على هيئته التي خُلق عليها وقد رآهُ قبل ذلك عند بداية الوحي، وله ستمائة جناح، وكان موقف قريش من تلك الحادِثة هو التكذيب؛ حيث إنهم كفروا بنبوته عليه الصلاة والسلام، وأما السواد الأعظم من المسلمين، فزادتهم تلك الحادثة إيمانًا وتسليمًا، وقد تأثر بعضهم كما ذكره ابن هشام رحمه الله، ولقد بدأت قريش تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عند الحجر عن بيت المقدس وعن أوصافه التي يعرفونها، فما سألوه إلا أجابهم عليه الصلاة والسلام حسب الواقع والحال؛ حيث ورد في الصحيحين أنه قال عليه الصلاة والسلام: (فجلَّى الله لي بيت المقدس، فطفِقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)؛ رواه البخاري ومسلم. وهذه معجزة أخرى له عليه الصلاة والسلام، وحال عروجه إلى السماوات كان يلتقي بنبي واحد أو أكثر، فيسلم عليه ويدعو له، وانطلق به جبريل إلى فوق السماوات السبع حتى بلغ سدرة المنتهى، ثم تأخر جبريل وعُرج به عليه الصلاة والسلام حتى سمع صريف الأقلام، وهنا جاءت فرضية الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: فأوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض على خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فرجعت فمررت على موسى عليه الصلاة والسلام، فقال: بِمَ أمرك؟ فقلت: فرض عليَّ خمسين في كل يوم، فقال موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك إلى آخر الحديث الطويل، وفيه: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى، حتى قال: يا محمد، إنهنَّ خمسُ صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، إلى أن قال في آخر الحديث: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه؛ الحديث بطوله؛ رواه البخاري ومسلم، فليُرجع إليه. وكانت الصلاة في أول فرضيتها ركعتين في كل وقت صلاة عدا المغرب ثلاث ركعات، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فُرضت أربعًا في الظهر والعصر والعشاء، وذلك في الحظر وأقرت ركعتين في السفر كما تقوله عائشة رضي الله عنها. وكانت الصلاة في أول فرضيتها إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، وقيل سبعة عشر شهرًا، وبعد هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، صرفت القبلة إلى الكعبة، وقد كان تاريخ فرضية الصلاة هو تاريخ حادثة الإسراء والمعراج، وقد اختُلف فيها كما سبق، فقيل قبل الهجرة بسنة وقيل بثلاث سنوات، وقيل غير ذلك، لكنهم اتفقوا على أنها بعد رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف، وما زال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يدعو القبائل إلى الله تعالى، فهو ينتظر القبائل القادمة إلى مكة للحج وغيره، فيعرض عليهم الإسلام، وكان يقول في رسالته عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله، تُفلحوا وتملِكوا بها العرب، وتذل لكم بها العجم، وكان الحظ الأكبر في الدخول إلى الإسلام للأوس والخزرج رضي الله عنهم، فقد أمن عددٌ منهم، وقال بعضهم لبعض: والله إنه النبي الذي تعدكم به يهود، فلا تسبقوا إليه وانصرفوا إلى بلدهم المدينة، ودعوا أهلهم وقراباتهم، وأسلم بعض أهل المدينة، وفشا فيهم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك تمهيدًا لهجرته وانتشار الإسلام في المدينة. ثم حصلت بعد ذلك بيعة العقبة الأولى؛ حيث إن النفر الذين أسلموا من الأوسِ والخزرج سابقًا دعوا قومهم في المدينة، فجاؤوا مرةً أخرى، ومعهم نفرٌ غيرهم ممن أسلم من أهل المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا اثني عشر رجُلًا، فبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام والإيمان، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: إن وفيتم فلكم الجنة، وكانت تلك البيعة فتحت الباب واسعًا لإسلام أهل المدينة، وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابعَثْ لنا قارئًا يُقرئنا القرآن، فبعث إليهم مصعب بن عمير رضي الله عنه، فسُمي مقرئ المدينة، ورغم صغر سن مصعب إلا أنه كان له شأنٌ عظيم وأسلم على يديه الكثير من أهل المدينة، وكان منهم أسيد وسعد سيد بني عبد الأشهل، فلما أسلمَ هذان لم يبقَ أحدٌ في بني عبد الأشهل إلا أسلم، فيا بشرى مصعب بذلك، وكانت قريش تحذر جميع القادمين إلى مكة من الاستماع إلى محمد، فحذروا كثيرًا منهم. وكنموذج من هؤلاء الذين حذروهم الطفيل بن عمرو الدوسي، فلما قدم مكة استقبلوه فحذروه أشد التحذير، حتى وضع على أذنيه الكرسف وهو القطن؛ حتى لا يسمع شيئًا من النبي عليه الصلاة والسلام، يقول الطفيل: فغدوت إلى المسجد، فإذا أنا قُرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فسمعته صدفة يقول بعض الكلمات، فكان كلامًا حسنًا، فقلت في نفسي: إني لأعرف السحر والشعر، إن كلامه لحسن فما يمنعني أن أسمع منه، فتبعته عندما خرج من المسجد حتى دخل بيته ودخلت معه، وقلت له تحذير قريش لي من سماعي لك، فاعرِض عليَّ ما لديك، فعرضه وقرأ القرآن، ليقول الطفيل: فوالله ما سمعت قولًا أحسن منه ولا أعدل منه، فأسلمت في ساعتي وآمنت وشهدت شهادة الحق، فعاهدته على دعوة قومي إلى ذلك الدين. أما الدروس المستفادة مما سبق عرضه فكثيرة، منها: الدرس الأول: معجزاته عليه الصلاة والسلام ودلائل نبوته عندما يقرؤها المسلم، فإنه يزداد بذلك إيمانًا وثباتًا؛ لأن المعجزة هي أمر خارق للعادة، ودليلٌ على صدق من جرت على يده من الأنبياء، فكم نحن بحاجة يا إخواني وأخواتي الكرام؟ إلى الاطلاع على تلك المعجزات والدلائل، حتى نكسب من خلال ذلك الثبات وتقوية الإيمان، فإن الله عز وجل قد أيَّد أنبياءه ورسله بها لتكون دليلًا على صدقهم. الدرس الثاني: إن المعجزة عندما تحصل على يد أحد الأنبياء والرسل، وتكون ثابتة، فإن موقف المسلم هو التسليم والإيمان بها، أما تكييف العقل لها، فهو غير لائقٍ؛ لأن العقل له حد محدود، كما أن للبصر حدًّا محدودًا، فاني العقل لا يعرف ما وراء ذلك الخارق، فإن المعجزة خارق على خلاف العادة وفوق مستوى العقل، فالإيمان والانقياد والتسليم لذلك هو الصحيح والأسلم. الدرس الثالث: بعد حصول عددٍ من المصائب للنبي صلى الله عليه وسلم من حصاره في الشِّعب ووفاة عمه وزوجته خديجة، وما قابله به ثقيف في الطائف وكفار قريش من سوءٍ، وغير ذلك من المصائب جاءت حادثة الإسراء والمعراج إكرامًا للنبي عليه الصلاة والسلام، فيُطلعه الله تعالى على آيات كبرى، ويلتقي بالأنبياء، إن هذا لا شك أنه تقوية للنبي صلى الله عليه وسلم، وتأييد له وشرح لصدره، وإزالة لحزنه وارتباطٌ بربه وخالقه، فعلى المسلم إذا حلت عليه المصائب والأحزان والهموم أن يتجه إلى مولاه عز وجل بالدعاء والذكر والصلاة، فإن ذلك لا شك أنه يخفف، بل يزيل الإشكال؛ قال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45]. الدرس الرابع: عظمة قدرة الله تعالى وهو الفعَّال لما يريد، فتأمل كيف تَم الإسراء من مكة إلى القدس، ثم المعراج إلى ما فوق السماء السابعة مع ما حصل من الآيات والتشريعات، ثم الرجوع إلى مكة من القدس، وكل ذلك بليلة واحدة، فإن الله على كل شيء قدير، وإذا أراد شيئًا فهو عليه قادرٌ وأمره، إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون، فلا تستعظم شيئًا تسأله ربك، وثقْ به وظنَّ به الظن الحسن، واعلم أنه على كل شيء قدير، إن تأمُّلك لقدرة الله تبارك وتعالى يوجب تعظيمه في نفسك، وإذا عظَّمته أطعته ولم تعصه؛ لأنه عظيم، وهذا العظيم ثوابه جزيلٌ وعذابه أليم، وهو كما هو شديد العقاب، فهو أيضًا الغفور الرحيم. الدرس الخامس: حين فرضت الصلاة كانت خمسين صلاة، ثم تسلسل التخفيف من الله تعالى على عباده إلى خمس صلوات رحمة بهم، وكل هذا التخفيف والمراجعة بين موسى وربه كله بقدر الله تعالى ورحمته، إن هذا التخفيف في الفعل لخمس مع بقاء الأجر لخمسين صلاة، هو رحمة من الله تعالى وفضل، وهذا يستوجب على العباد الشكر والثناء، والحمد لله رب العالمين، مع حسن الأداء لتلك الصلاة، والمحافظة عليها فإن الفرض استقرَّ في نهاية الأمر على العُشر مما فرض في أول الأمر، فالخمس هي عُشر الخمسين، فهي بفضل الله ورحمته خمس في الفعل وخمسون في الأجر، فلنحافظ عليها أشد المحافظة في أوقاتها وضوابطها قولًا وفعلًا، فما ظنكم يا كرام لو كانت خمسين صلاة، فماذا سيلحق من المشقة؟ لكن الغفور الحليم الرؤوف بعباده جعلها خمسًا فقط، فتأملوا تلك الرحمة الواسعة، وذلك الفضل العظيم، وقوموا بما أوجَب الله عليكم خيرَ قيامٍ، فالصلاة ستشفع لكم أو تخاصمكم حسب محافظتكم عليها، أو تضييعكم لها، فهي تقول: حفِظك الله كما حفظتني، أو تقول: ضيَّعك الله كما ضيعتني. الدرس السادس: إن مصعب بن عمير رضي الله عنه لَما أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ليقرئهم، فهو نعمُ المعلم والداعية، فهو قدوة لنا بعد نبينا عليه الصلاة والسلام في تعليم الناس للخير ودعوتهم إليه، فاحرِص أخي الكريم أن يكون لك بصمة إيمانية، أو اجتماعية، أو تربوية، أو غيرها على غيرك في مجالسك ومحادثاتك ورحلاتك وسفراتك، ووسائل تواصلك. إن تلك البصمة التي تجعلها في الناس هي صدقة جارية لك، وإليك ذلك الموقف يقول أحدهم: كنا في رحلة دورية مع بعض الزملاء، فتحدث أحدهم لمدة محدودة ثلاث دقائق عن فضيلة صيام الاثنين، فلما انتهينا وذهبت إلى زوجتي، أخبرتها بما سمعت، فعزمنا على صيام الاثنين من كل أسبوع، فما زلنا نصومه مدة تصل إلى ثلاثين عامًا، وما زلنا نصومه، فكان مجموع ما صامه هو وزوجته ثلاثة آلاف يوم، فهي في موازينهم ومثلها في موازين ذلك المتحدث في تلك الدقائق المحدودة، فأوصيك ألا تحضر مجلسًا إلا ويكون لك فيه بصمة خير على الجالسين، وهذا جانب كبير من الدعوة، كما كان يفعله مصعب ابن عمير رضي الله عنه وغيره من الصحابة. الدرس السابع: إن المسلم عندما يتأمل ويتدبر القرآن، يزداد معرفة وإيمانًا ونقاوة، ويكسب معرفة الأحكام والحكم، ولذلك لما حذَّرت قريش الطفيل بن عمرو من سماع النبي صلى الله عليه وسلم، عزم هو على ذلك، لكنه سمع شيئًا من كلامه فتدبَّره وتأمَّله، فرآه حسنًا وجميلًا، فكان سببًا في إسلامه وإسلام من وراءه، فكان التدبر والتأمل للقرآن غاية في الأهمية، ولو كنا كذلك في قراءاتنا لاختفى كثيرٌ من السلوكيات السلبية القولية والفعلية، أرأيت من يغتاب الناس كمْ مرة قرأ قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ [الحجرات: 12]، وهكذا سائر المخالفات من الربا والنظر المحرم، والسماع المحرم والسرقة وغير ذلك، فلنحاول تصحيح مسارنا من خلال تدبُّرنا وتأمُّلنا لنصوص الوحيين، ونفعل فعل الطفيل بن عمرو رضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين. الدرس الثامن: إذا أراد الله تعالى بعباده خيرًا ساقه إليهم وساقهم إليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لَما كان يدعو الوافدين إلى مكة لم يستجب له الكثير، لكن لما أراد الله بالأوس والخزرج خيرًا، ساق إليهم اللقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ووفَّقهم للإيمان به والدعوة إلى دينه، فبايعوه عليه الصلاة والسلام على الإيمان به والسمع في المنشط والمكره، وبلَّغوا من وراءهم ودعوهم إلى دين الله عز وجل، حتى دخل الأوس والخزرج في دين الله أفواجًا، وبَقِيَ ذكرهم غالبًا في المدينة عبر التاريخ. الدرس التاسع: أننا حين ندرس السيرة ونعرف حال العهد الأول، وكيف وصِل إليهم هذا الدين بعد أنواع من الشرك، وكان هذا الدين الحنيف لم يطرق أسماعهم من قبلُ، فبعضهم أمن وبعضهم كفرٌ، وحصل القتال لهؤلاء الكفار، وحصلت المصائب العظيمة من الحصار والهجرة والأذى للمؤمنين من قريش أننا حينما نقرأ ذلك لنُدرك نعمة الله تبارك وتعالى علينا؛ حيث جاءنا هذا الدين صافيًا، وعلى فطرة سليمة، ولله الحمد والمنة، مما يجعلنا نلهج كثيرًا بالثناء على الله عز وجل وحمده على نعمة الإسلام، ونسأله الثبات عليها، فهذه نعمة عظيمة جديرة بالتأمل؛ لنعلمَ عِظَمَ نعمة الله تبارك وتعالى علينا، فالجيل الأول بذلوا جهودًا عظيمة في أموالهم وأنفسهم وأوقاتهم؛ ليوصلوا إلينا هذا الدين، فنحن بحمد الله تعالى نتفيأ ظلاله، فعلينا القيام بالواجب في نقله إلى من بعدنا، وتوعية بعضنا بعضًا بحكمه وأحكامه. الدرس العاشر:إن حادثة الإسراء والمعراج تشهد ربطًا وثيقًا بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، فالمسجد الأقصى هو مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو القبلة الأولى للمسلمين، ففي عهد الصحابة وقع المسجد الأقصى تحت عهد الرومان، ثم حرَّره عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبعد خمسة قرون عاث فيه الصليبيون فسادًا، فحرَّره صلاح الدين، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يعيده في وقتنا الحاضر إلى حياض المسلمين؛ لينعموا بالصلاة فيه آمنين. إن دراسة السيرة واستخراج الدروس والعبر مهم جدًّا للثبات على دين الله تبارك وتعالى، والتوعية بأمر هذا الدين، وكم هو جميل أن تعقد الأسرة مجلسًا ولو أسبوعيًّا لمدارسة ذلك ومعرفته، أرجو منك أخي الكريم تطبيق ذلك تفقهًا وتعبدًا وطلبًا للعلم، وتوعية للجميع، نسأل الله تبارك وتعالى السداد والرشادَ والهدى والتقى، وهذه جولة مختصرة حول الإسراء والمعراج والبيعة الأولى للعقبة، وبعض الدروس المستفادة منها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (9) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة التاسعة من برنامج (خاتم النبيين) بيعة العقبة الثانية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين. سبَق لنا في الحديث في الحلقة الماضية عن حادثة الإسراء والمعراج وأسرارها، وما فيها من الآيات والتشريعات، مع عرضٍ مختصر لبيعة العقبة الأولى، مستخرجين من ذلك الدروس والعبر المستفادة من هذا كله. وحديثنا في هذه الحلقة عن بيعة العقبة الثانية، وهي تختلف عن الأولى في عددها وهيئتها وسببها، أما عن عددها، فكانوا سبعين رجلًا، وقيل: ثلاثة وسبعون رجلًا، خرج هؤلاء السبعون من المدينة إلى الحج، مع قومهم الذين يبلغ عددهم خمسمائة وهم أخلاط من المسلمين والمشركين، فهؤلاء السبعون هم من المسلمين، فقد قالوا وهم في المدينة: إلى متى نترك رسول الله صلى عليه وسلم يلاحَق ويؤذَى بين كفار قومه، فعزموا على المسير إلى الحج مع قومهم، ومبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدفاع عنه وحمايته، وطاعته في المنشط والمكره، وكان ذلك في السنة الثالثة عشرة من البعثة قبيل الهجرة إلى المدينة، فلما قدموا مكة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم محادثات محاطة بالسرية، فتم الاتفاق بينهم وبينه على أن يلتقوا في الشِّعب المجاور لجمرة العقبة في وسط أيام التشريق، وكان ذلك ليلًا؛ حتى لا يكشف كفار قريش ذلك الاتفاق، ويقول كعب بن مالك: دخلنا مكة فسألنا: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرِفه، فلقينا رجلًا من أهل مكة، فسألناه، فقال: ها هو جالس هو والعباس في المسجد، وكنا نعرف العباس؛ لأنه من التجار الذين يتاجرون نحو المدينة، فدخلنا المسجد فوجدناه والعباس جالسين، فأتيناهما وفرح بنا فرحًا شديدًا، فوعدناه في الشِّعب عند العقبة في وسط أيام التشريق ليلًا، فاجتمعنا في الشِّعب وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه العباس، وكان العباس حينها على دين قومه، وقيل: إنه مسلم يخفي إسلامه، ولكنه أحب أن يحضُر بيعة العقبة لابن أخيه، فتكلم العباس مبينًا أهمية تلك البيعة والوفاء بها في حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحثهم على الوفاء بها، فأجابوا لذلك جميعًا، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم من القرآن، ودعاهم ورغَّبهم في الإسلام، وكانت البيعة على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأيضًا على الدعوة إلى الإسلام وعلى النصرة والحماية، وأخبرهم بأن لهم على ذلك الجنة، فقالوا ابسط يدك نبايعك، فأمَرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا منهم اثني عشر رجلًا يكونوا رؤساءَ عليهم، فانتخبوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس من كل قبيلة نقيبًا، فبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصافحة بأيديهم تأكيدًا للبيعة، وكان مع هذا العدد امرأتان وهما نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عَمرو رضي الله عنهما، فبايعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المبايعين، غير أنه لم يصافحهما؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يصافح النساء، وإنما يبايعهنَّ بالكلام، وقال أحد المبايعين وهو العباس بن عبادة: إن شئتَ يا رسول الله لنميل على المشركين اليوم بأسيافنا، فقال عليه الصلاة والسلام: لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم. وبعد تمام تلك البيعة الثانية انكشف سرُّها لأهل مكة، وذلك بمناداة الشيطان لأهل مكة؛ يقول كعب: فلما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قائلًا: يا أهل الجباجب يعني المنازل، هل لكم في مذمم يعني محمد صلى الله عليه وسلم والصُّباة يعني المسلمين المبايعين، فقد اجتمعوا على حربكم، فلما علمت قريش بذلك اتجهوا إلى منازل المشركين من الأوس والخزرج الذين قدموا للحج، فسألوهم عن الخبر، فقالوا: لا نعلم شيئًا من ذلك، فلما مضت أيام التشريق اتَّضح بجلاء وقوع البيعة من هؤلاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فذهبت قريش تبحث عنهم لم يُدركوهم، فلم يدركوا إلا سعد بن عبادة رضي الله عنه، فقد جاؤوا به إلى مكة وعذَّبوه، ولم يستخرجه منهم إلا جبير بن المطعم بن عدي؛ حيث إنه أجاره سعد في تجارة له في المدينة، وهكذا يحفظ الله تعالى أولياءه من كيد الكائدين، وهذه البيعة الثانية لها فضلها العظيم، ولها أثرها على فُشوِّ الإسلام وانتشاره، وقُرنت تلك البيعة بغزوة بدر على فضلها؛ حيث ورد في بدر افعلوا ما شئتم، فقد غفرت لكم؛ حيث يقول كعب بن مالك وهو أحد المبايعين: لقد شهدت بيعة العقبة حيث توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بي بها مشهدَ بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها؛ متفق عليه. يقول ابن حجر في الفتح وإن كانت بدر أول غزوة نصر فيها الإسلام، إلا أن بيعة العقبة كانت سببًا في فشو الإسلام، ومنها نشأت غزوة بدر، ولما رجع الأنصار بعد تلك البيعة الثانية إلى المدينة، أظهروا الإسلام ودعوا إليه، وكان في قومهم بقايا على الشرك، وكان من هؤلاء بقايا عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة، وكان ابنه معاذ شهد تلك البيعة، وكان عمرو قد اتخذ صنمًا في بيته وأسماه مناة، فلما أسلم بعض الفتيان من بني سلمة بدؤوا يدخلون ليلًا على صنم عمرو، فيحملونه ويطرحونه في بعض الحفر المتسقة والقذرة، فإذا أصبح عمرو فلم يجد صنمه ذهب يبحث عنه، فيجده في ذلك المكان المتسخ، فيأخذه ويغسله، ويقول: أما والله لو أعلم من فعل ذلك فيك لأُخزينه ولأفعلنَّ ولأفعلنَّ، فيفعلون ذلك مرارًا، وهو إذا أصبح من كل مرة فعل مثلما فعل في الأولى ينظِّفه ويغسله، فلما أكثروا عليه من ذلك جعل عمرو السيف على الصنم، وقال له: إن كان فيك خير فامتنع، فلما نام عمرو عَدَوْا هؤلاء الفتية على الصنم كما كانوا يفعلون، فلما أصبح عمرو وجده في ذلك المكان السابق مع القاذورات والأوساخ، فحينها علم أنها أصنام لا تنفع ولا تضر، فأسلم وحسُن إسلامه رضي الله عنه، فهؤلاء المبايعون ومن أسلم معهم، أطلق عليهم القرآن الأنصار؛ حيث إنهم نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولئك الذين قبلهم هم المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضل الله ورضوانه، وقد ذكر الله تعالى في سورة الحشر ثلاث فئات: الفئة الأولى: المهاجرون، فقال تعالى فيهم: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الحشر: 8]. والفئة الثانية: الأنصار، فقد قال الله تعالى فيهم: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]. والفئة الثالثة: من جاء بعدهم من الصالحين والمؤمنين إلى يوم القيامة، فقال الله تعالى فيهم: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ ﴾ [الحشر: 10]. وهذه البيعة الثانية هي بيعة العقبة الكبرى وهي حلقة من حلقات النصر والتمكين من الله تعالى لنبيه وللمؤمنين، وإن الله عز وجل لما شرع هذا الدين تكفَّل بحفظه ونُصرة أهله، ولكن الله عز وجل يبتلي عباده وخلقه، فيدال للحق على الباطل أحيانًا، ويدال للباطل على الحق أحيانًا أخرى، وذلك قدر من الله تعالى تنطوي تحته حِكَمٌ عديدة، ليتضح المخلص من المرائي والمنافق من المؤمن، وقوي الإيمان من ضعيفة والآمر والناهي من غيره، ولتقوم الحُجة على الخلق وقوام ذلك كله، هو قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ [يونس: 109]، فأمر الله تعالى في تلك الآية بأمرين مهمين، وهما: الأول: الاتباع للشرع، والثاني: الصبر عليه، ففيهما ينجو المسلم ويفلح في الدنيا والآخرة. وبعد تلك الجولة في بيعة العقبة الثانية نستخلص دروسًا عظيمة التي من أهمها ما يلي: الدرس الأول: إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم عملٌ صالح جليل، بل هو من أوجب الواجبات، وهذه المحبة ليست دعوى فقط، وإنما لها علامة تصدقها أو تكذبها وتقوِّيها، أو تضعفها، وهذه العلامة هي اتباعه صلى الله عليه وسلم والمدافعة عن دينه والدعوة إليه، وهذا الأثر هو سلوك المسلم مع نفسه وإخوانه، ومأخذ ذلك من السيرة أن الأوس والخزرج عندما أسلم بعضهم أحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة، فاتبعوه ودعوا إلى دينه ونصروه ودافعوا عنه، وأيضًا دافعوا عن سنته وعن اتباعه، فلنكن كذلك لتَقْوى محبتنا لنبينا عليه الصلاة والسلام، ولنكسب الأجور العظيمة من خلال ذلك. الدرس الثاني: إن الله عز وجل يحفظ أولياءَه من كيد أعدائهم، ومأخذ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ ما أمره الله به ودعا إلى دين الله، فحفظه الله تعالى وحفِظ مَن آمن به من كيد كفار قريش، وأما ما يصيب الدعاة من أذى، فهو تمحيص لهم وتكفيرٌ، ورِفعة في الدرجات وابتلاءٌ لهم أيضًا في دعوتهم، فليصبروا وليتأملوا أن العاقبة للمتقين وأن الخسارة على الكافرين. الدرس الثالث: عندما نتفيأ ظلال السيرة، ونتمعن في أسرارها، نرى الصحابة رضي الله عنهم عندما يبلغهم الأمر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، يسارعون في الاستجابة لله ورسوله من غير مجادلة أو مناقشة، ما دام أن الأمر أو النهي من الله أو رسوله عليه الصلاة والسلام، سواء في الدخول في الإسلام، أو فعل الأوامر وترك النواهي حال إسلامهم، وهذا هو شأن المسلم الحق، وهو التسليم والانقياد لله تعالى ولرسوله عليه الصلاة والسلام، فلا يعارض أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام برأيه وعقله، ولهذا لما قالوا لأبي بكر رضي الله عنه في حادثة الإسراء والمعراج أنها حصلت في ليلة واحدة، قال رضي الله عنه قولته المشهورة: إن كان قاله فقد صدق، فعلى المسلم أن يتأمل أقواله وأفعاله وتصرفاته، هل هي متوافقة مع أمر الله ورسوله أم مخالفة، فحسن الاستجابة هو الإسلام والإيمان الحق، وينقص الإيمان بقدر نقص تلك الاستجابة في الأوامر والنواهي، فاحرِص أخي الكريم على ذلك فهو خير كله. الدرس الرابع: النبي صلى الله عليه وسلم بايع الصحابة رضي الله عنهم في بيعة العقبة، وصافَحهم، وكان معهم امرأتان أسلمتا وبايعتا النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه بايعهما بالكلام وليس بالمصافحة، ونستلهم من ذلك درسًا عظيمًا، وهو عدم جواز مصافحة الرجل للمرأة الأجنبية عنه، ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: إني لا أصافح النساء، وقالت عائشة رضي الله عنها: ما مسَّت يدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له، ما كان يبايعهنَّ إلا بالكلام، وقد سُئلت اللجنة الدائمة للإفتاء: هل يجوز مصافحة المرأة الأجنبية ولو من وراء ساتر على يدها? فأجابت بما يلي: لا يجوز للمرأة أن تصافح الرجال الأجانب ولو من وراء ساتر، وجريان العادة بذلك عند بعض المجتمعات لا يبيح ما حرمه الشرع عليها؛ انتهى. فعلينا جميعًا حسن الاستجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهو الأسلم والأحكم والأتقى. الدرس الخامس: عِظم الفضيلة التي حباها الله عز وجل للمبايعين في تلك البيعة الثانية، فقد كانت نصرًا عظيمًا للإسلام، وفتحًا مبينًا؛ حيث انتشر الإسلام بعدها وأسلم الكثير من أهل المدينة، وهذا توفيق يسوقه الله عز وجل لمن يشاء من عباده، فعلى المسلم أن يتعرض لتوفيق الله تعالى ونفحاته بفعل الأسباب التي توصله إلى ذلك، فهؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أراد الله تعالى بهم خيرًا، فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن بعضهم كان لا يعرفه، فأسلموا وحسُن إسلامهم، ومن جانب آخر تأمَّل حال أبي طالب، فقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم سنين، وأيضًا يدافع عنه، ولكنه لم يرد الله تعالى له الهداية إلى الإسلام، فسبحان من فتح على قلوب هؤلاء وهو أحكم الحاكمين، ونسأله الثبات على الحق في الدارين. الدرس السادس: إن الوفاء بالعهد والوعد خصلة كريمة وصفة جليلة رائعة، يتصف بها أولو الألباب والعقول الزاكية؛ حيث إن نكث العهد والوعد صفة ذميمة وخصلة مشينة، ومأخذ هذا من السيرة ما فعله أصحابه بيعة العقبة، عندما عاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم وبايعوه، فقد أوفوا بعهدهم وبيعتهم، وناصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوا إلى دينه، وهكذا شأن المسلم إذا وعد واحدًا أو عاهده، وفَّى بذلك، وإذا كان ذلك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مع الله تعالى أوثق وأقوى، وقد أخذ الله عز وجل الميثاق على بني آدم وأشهدهم أنه ربُّهم وخالقهم ومعبودهم، فليوفوا بذلك على مراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، فكل معصية هي تمثل نسبة من النقص في هذا الميثاق، فعلى المسلم إذا فعل تلك المعصية أن يستغفر وينيب، فهو أقوى للميثاق، وكلما فعل معصية فليعلم أنه مَن مسَّ ذلك الميثاق بشيء من النقص، فليتداركه بالحسنة تمحو تلك المعصية. الدرس السابع: إن عمرو بن الجموح رضي الله عنه كان معجبًا بصنمه قبل إسلامه، ويعتقد أنه ينفع ويضر، وهذا كله عندما استقل بعقله واقتدى بجهلة قومه، ولكنه لما تأمل الشرع الحكيم وعظمة الشارع، قاده ذلك بإذن الله تعالى إلى الدخول في الإسلام، إن تدبرنا لمقاصد نصوص الوحيين للكتاب والسنة، سيقودنا ذلك إلى مزيد من العلم والثبات وقوة الإيمان، فكن متدبرًا ولو في بعض قراءاتك لتلك النصوص. الدرس الثامن: الجزاء من جنس العمل، فإن كان صالحًا كان جزاؤه الثواب، وإن كان سيئًا كان جزاؤه العقاب، فلا تظلم نفس شيئًا، ويقول الله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]. إن هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم لَما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهم: إن وفَّيتم فلكم الجنة، فكان جزاؤهم موافقًا لعملهم، فقد قاموا بالوفاء أحسن قيام رضي الله عنهم وأرضاهم، فكن أخي الكريم مستلهمًا تلك القاعدة في أقوالك وأفعالك، وهي أن الجزاء من جنس العمل، فمن اغتاب الناس أو ظلمهم ونحو ذلك، فهم سيأخذون حقوقهم منه يوم القيامة مثلًا بمثل وآكل الربا، فلا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطان من المس، والمتكبرون يحشرون يوم القيامة كالذر مثلًا بمثل، وهكذا في الأعمال الصالحة والسيئة جزاؤها يماثلها. الدرس التاسع: قال أحد المبايعين للنبي صلى الله عليه وسلم وهو العباس بن عباده رضي الله عنه: إن شئت لنميل عليهم بأسيافنا غدًا، فجاء التوجيه النبوي الكريم بقوله عليه الصلاة والسلام: (لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم)، وفي هذا درسٌ عظيم في كبح جماح العواطف، وعدم الاستعجال، وتحقيق الأناة في تحصيل الأمور الشرعية، فالعواطف ليست مقياسًا لتحصيل المصالح، وهذا نحتاجه كثيرًا وكثيرًا مع أهلنا وزملائنا وجيراننا وغيرهم، فلا نتصرف تحت توجيه العاطفة، وإنما عليك بالشرع وتوجيهه، فهو خير كله، وهو أسلم وأحكم، فعليك بالتعرف على المواقف وعلاجها من جهة شرعية لتسلم وترتاح. الدرس العاشر: عندما ذكر الله عز وجل الناس في سورة الحشر ثلاث فئات، وهم الأولى: المهاجرون، والثانية: الأنصار، والثالثة: كل من جاؤوا بعدهم، فهذه الفئة الثالثة في حقها هذا الدعاء العظيم، وهو قولهم: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10]. إن هذا الدعاء بقلب حاضر هو دعاء عظيم ينشرح به صدرُك، ويسلم به قلبك، وتسعد به في الدنيا والآخرة. أخي الكريم إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي منهج يسير عليه المسلم؛ تزكيةً لنفسه وسلامة لقلبه، وشرحًا لصدره، وتصحيحًا لمفاهيمه، ماذا أخي الكريم لو قرأت في كل يوم ولو عشر دقائق من الوقت أو صفحة أو صفحتين من كتاب، فستدرك بذلك شيئًا كثيرًا وجليلًا وجميلًا ورائعًا من السيرة النبوية في وقت يسير، فابدأ واستمر، فأنت تقرأ سيرة أعظم رجل في التاريخ وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وما تقرأه أيضًا اذكره في مجالسك لتستفيد ويستفيد غيرُك أيضًا، هذه جولة مختصرة مع بيعة العقبة الثانية، وشيء من دروسها المستفادة، وكونوا على الموعد إن شاء الله تعالى، مع عرضٍ لأول أحداث الهجرة إلى المدينة. اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، ووفِّقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، واجعلنا يا ربنا ممن يؤتى الحكمة، واغفِر لنا ووالدينا والمسلمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#10 | |
![]() ![]() ![]() ![]()
|
مشكور على الطرح المفيد بارك الله فيك وجزاكم كل خير |
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
#11 |
![]() ![]() ![]()
|
بارك الله فيكِ |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#12 |
![]() ![]() ![]()
|
خاتم النبيين (10) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة العاشرة من برنامج (خاتم النبيين) بداية الهجرة وأحداثها بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله وصلى الله وسلم وبارك على نبيه ومصطفاه وعلى آله وصحبه ومَن والاه. ذكَرنا في الحلقة الماضية عرضًا لبيعة العقبة الثانية في سببها وعدد المبايعين فيها وشروطها ونتائجها، وكذلك المواقف التي فيها والدروس المستفادة منها، وننتقل في حلقتنا هذه إلى فاصل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وهو الهجرة إلى المدينة. إن حدث الهجرة إلى المدينة حدثٌ عظيمٌ وتحوُّلٌ كبيرٌ في مسار الدعوة وفي مستقبل الإسلام، وهو مرتبطٌ ببيعة العقبة الثانية، وكذلك مرتبط بأحوال المسلمين في مكة، ولعل هناك أسبابًا عدة في حصول الهجرة إلى المدينة، من تلك الأسباب: أولًا: اضطهاد المؤمنين في مكة والتضييق عليهم، حتى خشي هؤلاء المؤمنون على أنفسهم فتنتَهم في دينهم، ولذلك تجد منهم مَن هاجر إلى الحبشة، ومنهم من هاجر إلى المدينة، والسبب الثاني في حصول الهجرة إلى المدينة تكذيب قريش للنبي صلى الله عليه وسلم، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يهاجر إلى المدينة لوجود الأنصار فيها، خصوصًا أصحاب بيعة العقبة الثانية ومَن أسلم بعدهم، ثالثًا من الأسباب تآمُر قريش على النبي صلى الله عليه وسلم، خصوصًا بعد وفاة أبي طالب وأذيَّتهم له والتضييق عليه، رابعًا من الأسباب التي جعلت المؤمنين يهاجرون إلى المدينة أنهم هاجروا؛ ليعبدوا الله عز وجل في مكان آخر أكثر أمنًا وأقل أذية، وأكثر أعوانًا على الخير. هذه بعض الأسباب لحصول حدث الهجرة التاريخي إلى المدينة، وروى ابن سعد في الطبقات عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما صدر رجال العقبة الثانية من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، طابت نفسُه عليه الصلاة والسلام؛ حيث جعل الله تعالى له منعة وقومًا أهل حرب، وحين علمت قريش بذلك اشتد بلاؤها وأذاها على المسلمين، فشكا المسلمون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذنوه في الهجرة، فقال عليه الصلاة والسلام: إني أُريت دار هجرتكم ذات نخلٍ بين لابتين وهما الحرتان، ثم بعد أيام أذِن لهم عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى المدينة، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي يعني ظني إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب)؛ متفق عليه. وبعد ذلك خرج المسلمون أرسالًا من مكة مهاجرين إلى المدينة مشاةً ورُكبانًا على خُفية من قريش، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقام بمكة ينتظر أن يؤمر بالهجرة إلى المدينة، ولم تكن الهجرة سهلة وميسرة؛ لأن قريشًا تضع العراقيل والعقبات أمام المهاجرين، وتَسلُبهم أموالهم، فضحى هؤلاء المهاجرون رضي الله عنهم وأرضاهم بأموالهم مقابل بقائهم في المدينة، وفرارًا بدينهم من الفتنة، وكانت المدينة دار وباء آنذاك، حتى أصاب ذلك الوباء عددًا من الصحابة المهاجرين رضي الله عنهم، وكانوا يُصلون قعودًا من أثره، وعندما علموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم في النوافل، تجشَّموا رضي الله عنهم القيام، فصلوا قيامًا مع ضعفهم وسقمهم، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه قائلًا: (اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكةَ أو أشدَّ، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مُدنا، وصحِّحها لنا، وانقلْ حُمَّاها إلى الجُحفة)؛ متفق عليه. وكان المهاجرون إلى المدينة لكل فردٍ منهم أو مجموعة منهم قصةٌ وموقف وحكاية؛ لأن قريشًا كانت كلما علِمت بأحد يريد الهجرة آذتْه وحاولتْ فتنتَه، وربما حبسته، ولذلك لا يجرؤ الكثيرون على الهجرة إلا خُفية، فيمكن الرجوع إلى كتب السِّير للاطلاع على تلك المواقف، ففيها دروس وعبرٌ، وهكذا لم يمضِ شهران على بيعة العقبة حتى لم يبق بمكة من المسلمين إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعلي، أو مفتون أو محبوس أو مريض أو ضعيف عن الهجرة، وكان أبو بكر رضي الله عنه كثيرًا ما يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبًا)، فيطمع أبو بكر أن يكون الصاحب هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية عند البخاري: على رِسلك فإني أرجو أن يؤذن لي، وكانت قريش تريد الخلاص من النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر عددٌ من المؤرخين ومنهم ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية، قال: فاجتمع كبار قريش في دار الندوة، وتشاوروا في القضاء على النبي صلى الله عليه وسلم كيف يكون، ويروي بعضهم أن الشيطان قد حضر معهم ذلك الاجتماع، فقال بعضهم: احبسوه بالحديد ووثِّقوه بالرباط، وتربصوا به حتى يموت، وقال آخرون: ننفيه عن البلاد، ولا يضيرنا بأي وادٍ هلك، وقال أبو جهل: يُؤخذ من كل قبيلة شابٌّ جلد قوي، ثم يجتمعون فيقتلونه بسيوفهم، فارتضوا ذلك الرأي، وعزموا على تنفيذه بتأييد الشيطان لهم، فأخبر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بذلك، فنزل عليه قول الله عز وجل: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ [الأنفال: 30]. وهذا مما تحيكه قريش للإسلام ولنبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، وعندما أُذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة أتى إلى أبي بكر في وقت لم يكن يأتي به إليه، وكان ذلك في الظهيرة متخفيًا، فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله ما جاء بك تلك الساعة إلا أمر ذو بالٍ، وقد كان عند أبي بكر ابنتاه عائشة وأسماء رضي الله عنهما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أخرِج من عندك، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إنما هم أهلك يا رسول الله، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إني أُذن لي في الخروج - أي الهجرة - فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم فبدأ، أبو بكر وأهله بتجهيز الراحلتين والطعام ونحو ذلك، فلم يعلم أحد بخروج النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو بكر وابنتاه وعلي بن أبي طالب، ثم اتجه إلى جهة الجنوب إلى الغار، مع أن المدينة إلى جهة الشمال، وذلك ليوهم قريشًا؛ حيث إن قريشًا ستبحث عنه في جهة المدينة وهي الشمال، فلما وصلا إلى الغار مكَثَا فيه ثلاث ليال، وكان خروجهما للغار ليلًا، ووصلاه في ظهيرة الغد، وكان عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب حكيم يَبيت عندهما في الغار، فيذهب في السحرِ إلى مكة؛ ليصبح مع قريش في مكة، وكأنه بات معهم ليوهِمهم ذلك، فيسمع أخبارهم فينقلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وأيضًا عامر بن أبي فهيرة يأتيهما بلبن بعد العشاء، وكان مع أبي بكر ما له لقضاء حاجتهما حال الهجرة، وقد خلد القرآن ذكر أبي بكر رضي الله عنه في أحداث الهجرة؛ حيث قال الله تبارك وتعالى: ﴿ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40]، وعندما قدم على الغار قال أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: مكانك يا رسول الله، حتى أستبرأ لك الغار من السِّباع والحيات، وشارك أيضًا في خدمتهما أسماء بنت أبي بكر؛ حيث كانت تأتيهما بالطعام، وقد سخر أبو بكر رضي الله عنه نفسه وأهله وماله في حدث الهجرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ما نفعني مال قط، ما نفعني مال أبي بكر، فلما سمع ذلك أبو بكر بكى، وقال: (وهل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله)؛ أخرجه أحمد. وأما المشركون فقد بقوا ينتظرون خروج الرسول صلى الله عليه وسلم من بيته، ولم يعلموا أنه في الغار، وقد خرج من بيته وأعمى الله أعينهم عنه، فجاء رجل وهم على هذه الحال، فقال: ماذا تنتظرون هنا؟ قالوا: ننتظر محمد يخرج من بيته، قال: خيَّبكم الله قد خرج وما ترك أحدًا منكم إلا ووضع على رأسه ترابًا، فرأوا ذلك التراب، فلم يصدِّقوا الرجل؛ لأنهم نظروا في البيت، فإذا أحد مُسجًّى على الفراش، فقالوا: هذا محمد، فلما قام، فإذا هو علي رضي الله عنه، أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت على فراشه، وأنه لا يمسه منهم شيء، فحينها جُن جنون قريش، وذهبوا يبحثون عنه، ووضعوا مكافأة مقدارها مائة ناقة لمن يأتي به وصاحبه؛ أخرج ذلك البخاري في الصحيح، فركِبوا كل مركب للبحث عنهما، حتى وصلوا إلى قرب الغار، بل وصلوا إلى فم الغار، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؛ رواه البخاري، ومعنى ثالثهما؛ أي: ناصرهما ومُعينهما، ومعهم بعلمه بهما وتأييده لهما، وقد سمع أبو بكر أصوات أقدامهم فأصابه همٌّ وغم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحزن إن الله معنا، وقد روى بعضهم أن العنكبوت قد نسجت نسجًا على بعض الغار، فاستبعدوا أن يكون فيه، ولعلنا نذكر شيئًا من الدروس والعبر مما سبق ذكره، ونستكمل مسيرة الهجرة بإذن الله تعالى في الحلقة القادمة. أما الدروس والعبر، فكثيرة، منها: الدرس الأول: إن حدث الهجرة هو فتح من الله تبارك وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام وأوليائه؛ حيث حصل لهم عُسر ومشقة وأذية، فأراد الله عز وجل لهم اليُسر، فقدَّر لهم تلك الهجرة المباركة، وإن من الفطرة للمؤمنين أن العُسر يتبعه اليسر؛ حيث يأتي عليه فيخرجه، وقد يتعجل ذلك اليُسر أو يتأخر؛ لأن ذلك بقدر وحكمة من الله تبارك وتعالى، فإذا حصل لك أخي الكريم عسرًا، فادعُ الله تعالى باليسر، وكن على ثقة بإتيانه وحصوله بإذن الله تعالى، فإن هؤلاء المؤمنين قد كانوا ببلدهم مكة، وحصل لهم من الأذية والمضايقة والعسر شيءٌ كثير، فجعل الله لهم فرجًا في تلك الهجرة. الدرس الثاني: على المسلم أن يخرُج ويبتعد عن مجالس وأماكن الفتن، وما يضعف الإيمان، فإن ذلك الابتعاد هو أسلم لدينه وآخرته ودنياه، بينما لو مكث في تلك الأماكن للفتن، فلربما أصابه ذلك الافتتان، فزاغ قلبه، ولذلك هاجر هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم من بلدهم مكة خشية الافتتان عن الدين، ففرُّوا إلى المدينة؛ ليسلَم لهم دينُهم، فهم أسوة وقدوة لنا بأن نتجنَّب مجالس وأماكن الفتن التي تُضعف الإيمان في القلب، وتُسهل المعصية على الجوارح، فإن تلك الأماكن هي سوق الشيطان الذي يصطاد به العباد، فلا تكن أخي الكريم صيدًا في شباك عدوك، واختر مَجالسَك ومُجالسيك. الدرس الثالث: إن رؤيا الأنبياء هي إحدى طرق الوحي، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهاجر إلى المدينة، فامتثل أمر ربه عز وجل، وأمر المؤمنين بذلك فهاجروا، وهذه الرؤيا هي من المبشرات يراها المسلم أو تُرى له، فإذا رأيت رؤيا حسنة فحدِّث بها مَن تُحب، واحْمَد الله تعالى عليها، وإن رأيت رؤيا سيئة فلا تُخبر بها أحدًا، ولا تسأل عنها، واستعِذْ بالله من شرها فإنها لا تضرُّك، في حين أن البعض من الناس يسأل عن كل شيء، ويخبر بكل شيء، وهذا لا شك أنه نوع من الجهل. الدرس الرابع: كان الصحابة رضي الله عنهم عندما هاجروا إلى المدينة، أصابَ بعضهم شيءٌ من وباء المدينة، فضعفوا، فصار بعضهم يصلي قاعدًا، فلما علموا أن القاعد على النصف من أجر القائم قاموا في صلواتهم، وهذا يدل على حرصهم على تحصيل الخير وعدم نقصانه، والاستزادة منه، وهذا شأن المسلم أن يحرص على الاستزادة من الخير؛ لأنه لا يدري ما مقامه في الدنيا، فاحرص أخي الكريم في ذَهابك وإيابك ولحظات الانتظار لديك ونحوها - على كثرة ذكر الله تبارك وتعالى؛ لتحصُل على الكثير من الأجور والحسنات، فإن فعلت ذلك فأنت من الموفَّقين. الدرس الخامس: النبي عليه الصلاة والسلام رحيم بأُمته، ويعيش شعورهم ويرأف بهم، ومأخذ ذلك أنه عليه الصلاة والسلام دعا الله عز وجل أن تزول حُمَّى المدينة، ودعا بالبركة فيها، فاستجاب الله تعالى دعوة نبيه عليه الصلاة والسلام، فأزال عنها الحمى وبارك فيها، وهكذا المسلم يدعو لإخوانه المسلمين، فيخص ويعم، وكلما دعوت لأحد بخير، فإن الملك يقول: ولك بمثلٍ، فاستكثروا رحِمكم الله من الدعاء للمسلمين بخصوص وعموم، فهم بأمسِّ الحاجة إلى ذلك في دينهم ودنياهم، ففيهم من الأمراض والديون واللأْوى والمشكلات ما نرجو أن يكون دعاؤكم سببًا في رفعه ودفْعه وتخفيفه. الدرس السادس: أدب النبي صلى الله عليه وسلم مع ربه واستجابته له؛ حيث بقي النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن أول المهاجرين حتى أذن له ربُّه بذلك، وهذا غاية في الاسترشاد بأمر الله تبارك وتعالى، فلما أذِن له ربه هاجر، ولله عز وجل في ذلك الحكمة البالغة في تقدير ذلك. الدرس السابع: إن نصرة هذا الدين هي بيد الله تبارك وتعالى، وثمة أسباب تُبذل ليتحقق ذلك النصر، وأما الباطل فهو في مآله إلى الخسران المبين، وإن انتشر وانتفش، ومأخذ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته كانوا في مكة مستضعفين، وقد اجتمعت قريش على أذيتهم وفتنتهم، ومع ذلك نصر الله تعالى عباده على أعدائه، فهاجروا بسلام وعبدوا ربَّهم باطمئنان، بل إن قريشًا اجتمعوا في دار الندوة على الانتقام من النبي صلى الله عليه وسلم، فكان أمرهم ذلك وبالًا عليهم، وأنجى الله تعالى نبيه والمؤمنين، فالله عز وجل ناصرٌ دينَه وأولياءَه، ولكن لحكمة يريدها الله عز وجل قد يتأخر ذلك النصر، والله عز وجل هو الحكيم العليم. الدرس الثامن: إن حُسن الترتيب والتنظيم والتخطيط الجيد، يُعد من أهم أسباب النجاح في الحياة عمومًا، وفي الناحية الدعوية على سبيل الخصوص، ومأخذ هذا من السيرة حسن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم وتخطيطه مع أبي بكر في أمر الهجرة؛ حيث تم ذلك بكتمان الخبر عن قريش، وكان في الزمن المناسب أيضًا، وعلى هيئة تناسب الحال كذلك، مع اتفاق مبرم مع آل أبي بكر في مسألة الطعام والشراب وأخبار قريش، وكل ذلك تَم بتنسيق وتشاور ولم يكن عشوائيًّا، فما أحوجنا في حياتنا كلها عامة وخاصة في شؤوننا الدعوية الفردية والجماعية إلى التخطيط الجيد لننجح في حياتنا، أما العشوائية فلا تُعرف سلبياتها من إيجابياتها، وقد يخسر الفرد أوقاتًا طويلة وجهودًا كثيرة بسبب عدم التخطيط لهذا المشروع. الدرس التاسع: إن التوكل على الله عز وجل - وهو تفويض الأمر إلى الله تبارك وتعالى، مع الأخذ بالأسباب - من أهم ركائز النجاح في الحياة، فمن توكل على الله تعالى كفاه، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3]؛ أي كافيه، ومأخذ ذلك من السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فعَلَا الأسباب في أمر الهجرة، مع تفويض الأمر إلى الله تعالى، فكانا متوكلين على الله عز وجل، فكفاهم الله تعالى شرَّ كفار قريش، فحفظهما بحفظه، فإن التوكل على الله تعالى حقَّ التوكل يطرد كثيرًا من الهموم والأحزان والمشاكل إذا كان حقيقيًّا صادقًا، وإذا توكلت على الله تعالى في أمورك فاطرُد عن نفسك الأفكار المزعجة والسلبية، وعش حالة التفاؤل والحال الطيبة، فإنك بذلك تلمس نتيجة التوكل في قلبك وتصرفاتك، وذلك بارتياح الضمير وسكون النفس وهدوء البال. الدرس العاشر: إذا كان الله تعالى معك، فأي شيء تفقده، إنك معك كل شيء، ومأخذ ذلك من السيرة قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر رضي الله عنه: (ما بالك باثنين الله ثالثهما)، وقوله أيضًا: (لا تحزن إن الله معنا). إن معية الله تعالى لعبده غاية في الأهمية، وهي تعني النصر والتأييد والإعانة، فهو معه بعلمه يعلم حاله ويعينه ويوفِّقه، وييسِّر أمره، فاحرص أخي الكريم على الأعمال التي ثوابها أن يكون الله معك، وأضرب لذلك مثالًا بعملين احرِص عليهما: العمل الأول: الإحسان إلى الآخرين، فالله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، فاحرِص على أن تُحسن إلى غيرك بأي نوع من الإحسان، سواء عملي أو قولي ولو كان يسيرًا، فإن الله عز وجل معك ورحمته قريبة منك؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 56]، وأيضًا يحبك الله، إن الله يحب المحسنين، فالنتيجة للإحسان معية ومحبة ورحمة، فسارع إلى ذلك رحمك الله. العمل الثاني: كثرة ذكر الله تعالى، ففي الحديث: (وأنا معه إذا ذكرني)؛ رواه البخاري. فكن مكثرًا من الذكر ليكون الله معك، فأين أصحاب الأعمال الشاقة والمعاملات المستعصية؟ لماذا لا يكثرون من ذلك الذكر ليكون الله معهم، يُعينهم وييسر أمورهم ويوفِّقهم، فما أحوجهم إلى ذلك، ففي ذَهابك وإيابك ولحظات انتظارك، كن مكثرًا من ذكر الله تعالى، وإن كنا نقول بمعية الله لك، فهذا زائد عن الأجر المترتب على هذا الذكر، فتأمل ذلك ولا يُنسينَّك الشيطان إياه بالغفلة والسهو والنسيان. أخي الكريم، هذا جانب مختصر من الأحداث الأولى للهجرة، وبعض دروسها المستفادة منها، وكم هو جميل أن تجعل لأسرتك الكريمة مجلسًا ولو أسبوعيًّا فيه شيءٌ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وتستخرجون من ذلك الدروس والعبر، فيكون له أثرٌ إيجابي على الأولاد في تصحيح مفاهيمهم، وبناء أفكارهم الإيمانية، مع ما يحصل من تنزُّل الملائكة وغشيان الرحمة، وأن يذكرَكم الله تعالى فيمن عنده، فيا لها من حوافز وجوائز عظيمة! ويا لها من أثر عظيم على طُمأنينة أهل البيت وجمع شملهم، إني أرجو ذلك منكم أيها الوالدان الكريمان. اللهم وفِّقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، وأصلحنا وأصلح لنا، وأصلِح بنا، ووفِّقنا لما تحبه وترضاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| عدي بن حاتم | ابو الوليد المسلم | قسم التراجم والأعلام | 0 | 04-24-2026 09:04 PM |
| قصص النبيين للأطفال كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 2 | 05-10-2025 11:27 AM |
| حاتم مجمع مقطع 1 مصحف حاتم فريد الواعر فيديو بكامل الصفحة مصور | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 04-19-2025 06:59 PM |
| حاتم بخط كبير 114 سورة مكتوب المصحف المصور فيديو كامل ل حاتم فريد الواعر | الحج الحج | ملتقى القرآن الكريم وعلومه | 1 | 12-05-2023 06:37 PM |
| فلاش.. خاتم المرسلين | Dr Nadia | قسم السيرة النبوية | 3 | 02-14-2017 09:25 AM |
|
|