![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
|
|
بارك الله فيك ...
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#8 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
|
|
|
|
|
|
|
#9 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
مكارم الأخلاق (8) التودد
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وفي رواية: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). من مكارم الأخلاق المنشودة "التودد": عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا. وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) (رواه مسلم). المقصود بالتودد: التَّودُّد لغةً: من الوُدِّ، والوُدُّ مصدر الموَدَّة. والوُدُّ هو الحُبُّ ويكون في جميع مداخل الخير، والتواد التحاب. واصطلاحًا: قال ابن حجر -رحمه الله-: "هو تقرُّب شخصٍ من آخر بما يحب"، وقال ابن أبي جمرة: "التَّوَادُد هو التَّواصل الجالب" (فتح الباري). حاجتنا إلى التودد في زمان كثرت فيه الخلافات والخصومات والاعتداد بالنفس: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (رواه مسلم). أنواع التودد: التودد نوعان: تودد محمود: وهو ما كان ناشئًا من محبة معتدلة لأهل الخير والصلاح(1). قال -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة: 71). تودد مذموم: وهو التودد إلى الكفار والظالمين وفسقة الناس. قال -تعالى-: (لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) (المجادلة: 22). التودد منه فطري وكسبي: الفطري: من الناس من عنده ذلك طبيعة وفطرة ووراثة أحيانًا. الكسبي: يكون بالتعلم والتدرب. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ) (رواه الطبراني وابن أبي الدنيا، وحسنه الألباني). من صور التودد: التزاور: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: (حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني). التهادي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) (رواه البخاري في الأدب المفرد ومالك، وصححه الألباني). الإعانة والمعاونة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) (رواه مسلم). التبسط والانبساط عند اللقاء: عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). التواصل بالوسائل العصرية الحديثة: مثل الهاتف، الإنترنت بفروعه، البرقيات والبوستات (أحبك في الله - بارك الله لك في أهلك ومالك - ...). شواهد التودد في القرآن والسنة: التودد بين الزوجين: قال الله -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21). المرأة الودود الولود: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). محبة الصالحين: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (مريم:96). تحمل الأذى: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي. فقال: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ) (رواه مسلم). ومن كلام السلف في التودد: قال عمر -رضي الله عنه-: "ثلاثٌ يُصفّينَ لك وُدَّ أخيك: أن تُسَلِّمَ عليه إذا لقيته أولًا، وتوسِّعَ له في المجلس، وتدعوه بأحبِّ أسمائه إليه". وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "التَّقدير نصف الكسب، والتَّودُّد نصف العقل" (إحياء علوم الدين). النبي -صلى الله عليه وسلم- القدوة في التودد: تودُّد النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه وهو صاحب المقام العالي: عن جرير بن عبد الله البجلي -رضي الله عنه- قال: "ما حَجَبَني النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- منذُ أسلمتُ، ولا رآني إلا تَبَسَّمَ في وجهي" (متفق عليه). "وكان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يمرُّ بالصِّبيان فيُسلِّم عليهم" (متفق عليه). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَشْرَ سِنِينَ، وَشَمِمْتُ الْعِطْرَ كُلَّهُ، فَلَمْ أَشُمَّ نَكْهَةً أَطْيَبَ مِنْ نَكْهَتِهِ، وَكَانَ إِذَا لَقِيَهُ وَاحِدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَامَ مَعَهُ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ يَنْصَرِفُ عَنْهُ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ يَدَهُ، نَاوَلَهَا إِيَّاهُ، فَلَمْ يَنْزِعْ مِنْهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ عَنْهُ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَتَنَاوَلَ أُذُنَهُ، نَاوَلَهَا إِيَّاهُ، فَلَمْ يَنْزِعْهَا عَنْهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُهَا مِنْهُ" (أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى، وحسنه الألباني). وعن سهل بن حنيف -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَأتِي ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَزُورُهُمْ، وَيَعُودُ مَرْضَاهُمْ، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُمْ" (رواه الحاكم، وصححه الألباني). عوامل اكتساب خلق التوادد في عناوين: 1- التواضع: (المتكبِّر لا يتودَّد، وله تأويلات كثيرة: يقلل من شخصيَّتي ومكانتي - أنا أعلى منه قدرًا - ...). 2- لين القول وحسنه: (فالغلظة والفظاظة حاجز في طريق التودد). 3- إغلاق باب الجدال والمراء: (فالخلاف الكثير يغير القلوب ويفسد الوُد). 4- السخاء والجود والإيثار: (فالبخيل والشحيح يحسب كل شيء بالمقابل المادي). 5- بسط الوجه، وبذل العون عند المعاملة: (فهي مفاتيح للقلوب لتأليفها). نسأل الله الغفور الودود، أن يمنَّ علينا بودِّه، وأن يجعل بيننا وإخواننا الود. والحمد لله رب العالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ (1) والذين نتودد إليهم أنواع، وحكم التودد إليهم أنواع؛ فمنهم: الآباء والأمهات، ومنهم الأبناء والقرابات والأرحام، ومنهم الأزواج والأصهار، ومنهم الأصحاب والمشايخ والعلماء، ومنهم الجيران والزملاء. فمنهم مَن يكون التودد إليه واجبًا، ومنهم من يكون مستحبًا. وبالجملة: يتفاوت الحكم بين الواجب والمستحب في حق مَن يشرع لنا التودد إليهم. صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#10 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
مكارم الأخلاق (9) الحياء
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وفي رواية: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني)، وقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). - من الأخلاقيات الكريمة المنشودة: "خلق الحياء": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإسلام الْحَيَاءُ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني). - تعريف الحَيَاء: "الحَياء خُلُقٌ يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ" (قاله الحافظ في الفتح). وقيل هو: "تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان مِن خوف ما يُعَاب به ويُذَمُّ، ومحلُّه الوجه" (التبيان في تفسير غريب القرآن). ويدل عليه قول أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله عنه-: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ" (متفق عليه). - ما أحوجنا إلى نشر خلق الحياء في زمان قَلَّ فيه الحياء، وربما انعدم عند بعض الناس: (مظاهر قلة الحياء في الأقوال والأفعال والسلوك، تنتشر وتسري كالنار في الهشيم)(1). مكانة الحياء في الدين: - عرفت العرب في جاهليَّتها هذا الخلق، فكانوا ذوي مُروءة واستحياء: (أبو سفيان قبْل إسلامه يسأله هرقل ملك الروم عن النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فأجابه بما علم من حال النَّبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- وقال: "فَوَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ" متفق عليه). - ثمَّ جاء الإسلام، فأمر بالحياء وحثَّ عليه، وحضَّ الناس على لزومه والتخلُّق به: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإسلام الْحَيَاءُ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَيَاءُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بِخَيْرٍ) (متفق عليه). وقال: (الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ) (رواه مسلم). وقال: (وَمَا كَانَ الحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - بل شرع الإسلام أحكامًا خاصة للمرأة اعتبارًا للحياء: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: (أَنْ تَسْكُتَ) (متفق عليه). - لذا كان نبي الإسلام هو أعظم الناس حياء: قال أبوسعيدٍ الخدري -رضي الله عنه-: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ" (متفق عليه). وقال -تعالى-: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) (الأحزاب: 53)، قال الشوكاني -رحمه الله-: "أي: يسْتَحْيِي أن يقول لكم: قوموا، أو اخرجوا" (فتح القدير). - فالحياء خلق وسمت الصالحين والصالحات: قال -تعالى- في قصة نبي الله موسى -عليه السلام-: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (القصص: 25)، قال مجاهد: "يعْني: واضعةً ثوبها على وجهها، ليست بخرَّاجةٍ ولا وَلَّاجةٍ" (تفسير مجاهد). أنواع الحياء: - ينقسم الحياء باعتبار مجالاته إلى ثلاثة أنواع: 1- الحياء من الله: عَنْ سَعِيدِ بنِ يَزِيدَ الأَزْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: أَوْصِنِي، قَالَ: (أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِييَ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، كَمَا تَسْتَحِيي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ قَوْمِكَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ). قَالوا: إِنَّا لَنَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ: (لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاِسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَتَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). وقال -تعالى-: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ) (النساء:108)، وفي الحديث: (فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). 2- الحياء من الناس: عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- قال: "لا خير فيمن لا يستحيي من الناس"، وقالت العرب في تمدحها بالحياء: "من كساه الحياء ثوبه لم يَرَ الناس عيبه"، وفي حديث أبي سفيان -رضي الله عنه-: "فَوَاللَّهِ لَوْلاَ الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ" (متفق عليه). 3- الحياء من النفس: - وهذا أكمل أنواع الحياء؛ لأن مَن استحى مِن نفسه كان استحياؤه من غيره أجدر، قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأما حياء المرء مِن نفسه: فهو حياء النُّفوس الشَّريفة العزيزة الرَّفيعة مِن رضاها لنفسها بالنَّقص وقناعتها بالدُّون، فيجد نفسه مستحيًا مِن نفسه حتى كأنَّ له نفسين يستحيي بإحداهما مِن الأخرى، وهذا أكمل ما يكون مِن الحَيَاء؛ فإنَّ العبد إذا استحيا مِن نفسه فهو بأن يستحيي مِن غيره أجدر" (مدارج السالكين). نمَاذِجُ مُشرِقَةٌ مِنَ الحَيَاءِ: 1- أُمُّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا-: عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: (يُرْخِينَ شِبْرًا) فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ! قَالَ: (فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)(2). 2- المَرْأَةُ السَّودَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنهَا: عَنْ عَطَاءَ بنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنهُمَا-: أَلَا أُرِيْكَ امرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرْأَةُ السَّودَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي؛ قَالَ: (إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ) فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. (متفق عليه)(3). 3- حياء أمِّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: قالت: "كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِي الَّذِي دُفِنَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي، فَأَضَعُ ثَوْبِي، وَأَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ زَوْجِي وَأَبِي، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ مَعَهُمْ، فَوَاللهِ مَا دَخَلْتُهُ إِلَّا وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَيَّ ثِيَابِي، حَيَاءً مِنْ عُمَرَ" (رواه أحمد، وصححه الألباني)(4). 4- حياء عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: قالت عائشة -رضي الله عنها-: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِي كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ أَوْ سَاقَيْهِ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَسَوَّى ثِيَابَهُ فَدَخَلَ فَتَحَدَّثَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وَسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ! فَقَالَ: (أَلَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ) (رواه مسلم)، وفي رواية لمسلم: (إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ أَنْ لاَ يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ). خاتمة: - الحياء خُلق من أسمى الصِّفات الإنسانيَّة وألطفِها، وأنْبلِ الأخلاق الإسلاميَّة وأشرفِها، حسبُك إن كنتَ ذامًّا أحدًا، أن تَسْلُب منه هذا الخلق: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ؛ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ) (رواه البخاري). وقال ابن القيم -رحمه الله-: "خُلقُ الحياءِ من أفضل الأخلاق وأجلِّها، وأعظمِها قدرًا، وأكثرِها نفعًا، بل هو خاصة الإنسانية، فمَنْ لا حياءَ فيه ليس معه من الإنسانية إلاَّ اللحم والدم وصورتهم الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء" (مدارج السالكين). وقال الشاعر: فَـلا وَاللَّهِ مَا فِي العَـيْشِ خَـيـْرٌ وَلا الـدُّنـْيـَا إِذَا ذَهَـبَ الحـَـيَاءُ يَعِيشُ المَرْءُ مَا اسْتَحْيَا بِخَـيْرٍ وَيَـبْـقَى العُودُ مَا بَقِيَ الـلِّحَاءُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إنَّ الحديث عن خلُق الحياء ليتأكَّد في هذا العصْر؛ الَّذي تحارَب فيه الأمَّة في أخلاقها حربًا لا هوادةَ فيها، قنوات تصبِّح النَّاس وتمسيهم ببرامج ومشاهدَ تدمِّر الأخلاق، وتمزِّق الحياء، وتطبِّع الرَّذيلة، وتغرِّب المجتمع في سلوكه وأخلاقيَّاته، وطبعه وعاداته، ثمَّ لا تسَلْ بعد ذلك عن هُموم شبابِنا واهتِماماتهم، وثقافة أبنائِنا وسطحيَّة أفكارهم. (2) لَمْ تَرْضَ -رضي الله عنها- أَنْ يُرْخَى الثَّوْبُ شِبْرًا يُجَرْجِرُ فِي الأَرْضِ؛ خوفًا أن تنكشف الأقدام! وَلَكِنَّ نساء هَذَا الزَّمَانِ رَضِيْنَ منهن مَن رضيت بِهَذَا الشِّبْرِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ شِبْرًا يُجَرْجِرُ فِيْ الأَرْضِ، لَكِنَّهُ شِبْرٌ فَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ! فإنا لله وإنا إليه راجعون. (3) فأين نسوة هذا الزمان من هذه المرأة؟ أين نسوة هذا الزمان اللاتي يكشفن عوراتهن باختيارهن للناس أجمعين؟! (4) فأين نسوة هذا الزمان من ذلك؟ أين نسوة هذا الزمان اللاتي يكشفن عوراتهن، ويلبسن الضيق من الثياب أمام الأولاد البالغين، وغيرهم؟ صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#11 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
مكارم الأخلاق (10) الشجاعة
كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وفي رواية: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). - من مكارم الأخلاق المنشودة: "الشجاعة"؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ) (رواه مسلم). - تعريف الشجاعة: قال ابن القيم -رحمه الله-: "هي: ثبات القلب عند النوازل، واستقراره عند المخاوف". - ما أحوجنا إلى التذكير بفضل الشجاعة في زمان غابت فيه الشجاعة عند كثير من الناس(1)، وكثر فيه النفاق والجبن، والمداهنة، والتملق بالباطل تحت مسميات زائفة: عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ" (متفق عليه). (1) شواهد الحث على الشجاعة في القرآن والسنة: - أمر الله -سبحانه وتعالى- المسلمين بالشجاعة عند القتال في سبيله، وذكر مضار الجبن، وأنه من الأخلاق الرذيلة المنقصة للدين والمروءة: قال -تعالى-: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) (البقرة: 190)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال: 45)، وقال: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (الأنفال: 16). - وقد حثَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّته على الشجاعة، وجعَلها مَجلبة لحب الله ورضاه، وسببًا في تحصيل الدرجات العالية: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: («أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). ولما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل: أَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: (كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). - وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن المؤمن الشجاع أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه، وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، من غيره من المؤمنين؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: -: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ) (رواه مسلم). وكان -صلى الله عليه وسلم- ينفِّرهم من الجبن؛ فالشجاع مُحبَّب إلى جميع الناس حتَّى إلى أعدائه، والجبان مُبغض حتى إلى أوليائه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الشجاع يقاتل عمن لا يعرفه، والجبان يفر عن عروسه!" (نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري). والعرب تقول: "إن الشجاعة وقاية، والجُبن مَقتلةٌ" . وقال شاعرهم: وإنَّا لَتَسْتَحْلِي المَنَايا نُفُوسُنا وَنَتْرُكُ أُخْرَى مُرَّةً لا نَذُوقُهَا - وكان -صلى الله عليه وسلم-: يعلم المسلمين أن يتعوذوا من الجبن؛ لما له من الأثر السيئ في الدنيا والآخرة: فعن سعد -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يتعوذ دبر الصلاة: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْن وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَاب الْقَبْر) (رواه البخاري). (2) ضوابط حول أنواع الشجاعة ومجالاتها: 1- الشجاعة مصدرها قوة القلب، وليس قوة البدن: قال ابن القيم -رحمه الله-: "كثير من النَّاس تشتبه عَلَيْهِ الشجَاعَة بِالْقُوَّةِ، وهما متغايران، فَإِن الشجَاعَة هِيَ ثبات الْقلب عِنْد النَّوَازِل وَإِن كَانَ ضَعِيف الْبَطْش" (الفروسية المحمدية لابن القيم). وقال الشاعر: تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيْفَ فَتَزْدَرِيْهِ وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ مَزِيرُ وَيُعجِبُكَ الطَّرِيرُ فَتَبْتَلِيهِ فَيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّرِيرُ - فالفطرية: يولد بها الإنسان، أو يرثها من أهله وعشيرته، ومثالها: شجاعة الغلام الذي قال لعمر: "ليس الطريق ضيقًا فأوسعه لك، ولم أقترف ذنبًا فأخاف منك" (عيون الأخبار لابن قتيبة). - والكسبية: يكتسبها الإنسان بالتعلم والتجارب والمخالطة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ) (رواه الطبراني في الأوسط، وحسنه الألباني). (أمثلة: الجندي الجديد - الخطيب الجديد -...). 3- الشجاعة طبيعية وأخلاقية: - فالطبيعية: تكون تجاه الألم الطبيعي والمشقة، أو التهديد والتخويف بالموت. (مثاله: الثبات عند ملاقاة عدو). - والأخلاقية (الأدبية): هي القدرة على التصرف بشكل صحيح تجاه المخالف. (مثاله: توجيه النصيحة للمخطئ - أو إنكار المنكر على صاحبه وعدم الاستحياء من ذلك). 4- الشجاعة منها محمود ومذموم: - فالمحمود منها: ما كان في نصرة الحق ورد الباطل. - والمذموم منها: ما كان من أجل حظ النفس والأمور الدنيئة.(الحمية للقبيلة والعائلة في الباطل - الرياء ليسمع الناس - في الفجور والاجتراء على المحرمات - ...)(2). 4- الشجاعة ليست قاصرة على القتال، بل لها ميادين كثيرة: (الدعوة والتعليم - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر - سياسة الناس،). 5- الشجاعة ليست في الإقدام فحسب؛ بل الشجاعة هي الإقدام في موضع الإقدام، والإحجام في موضع الإحجام، والثبات في مواضع الثبات، والزوال في موضع الزوال. وضدُّ ذلك مُخل بالشجاعة، وهو إما جُبن، وإما تهور، وإما خفة وطيش: (شجاعة خالد بن الوليد، وقرار الانسحاب يوم مؤتة). (3) نماذج في الشجاعة: 1- شجاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ" (متفق عليه)، وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَلُوذُ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا" (أخرجه أحمد بسند صحيح). 2- شجاعة أبي بكر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- لما تولى الخلافة: (يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم - إنفاذ جيش أسامة - حروب الردة ومانعي الزكاة - وغيرها). 3- شجاعة مؤمن آل فرعون -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وموقفه الشجاع في الاجتماع الظالم للفراعنة، لما دبروا لقتل موسى -عليه السلام-: قال الله -تعالى- عنه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) (غافر: 28). 4- شجاعة داعي القرية الظالمة: قال -تعالى-: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ . قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ . قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ . وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ . وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ . اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ . وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ . إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ . إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس: 13-27)، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "وطئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبه من دُبُره" (تفسير الطبري). 5- شجاعة شباب الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم-: قال الذَّهبي -رحمه الله- في السِّير: "وبلغنا أنَّ البراء يوم حرب مسيلمة الكذَّاب أمر أصحابه أن يحتملوه على ترسٍ، على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة، فاقتحم إليهم وشدَّ عليهم، وقاتل حتى افتتح باب الحديقة"، يعني: للمسلمين ليدخلوا "فجُرح يومئذٍ بضعةً وثمانين جرحًا، ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهرًا يداوي جراحه، وقد اشتهر أن البراء قَتَل في حروبه مائةَ نفسٍ من الشُّجعان مبارزة" (سير أعلام النبلاء). 6- شجاعة نساء الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُن-: (أسماء بنت أبي بكر): قالت لابنها -عبد الله بن الزبير- حين قال: "إني أخاف أن يمثَّل بي الحجاج، قالت: يا بني ما يضير الشاة سلخها بعد ذبحها"؛ عندئذٍ خرج فقاتل قتالًا باسلًا حتى استُشهد، وأقبل عليه الحجاج فحز رأسه، ثم بعث بها إلى عبد الملك بن مروان، وصلبه منكسًا. فقالت: "ما يمنعني من الصبر، وقد أُهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بغي من بغايا بني إسرائيل"، وحين طرح الحجاج جسد ولدها في مقابر اليهود، ثم أرسل إليها أن تأتيه، فأبت أن تأتيه، فأرسل إليها: لتأتين أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك حتى يأتيني بك، فأرسلت إليه: "وَاللهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي! قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ! فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ! بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ! قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا" (رواه مسلم). والمبير هو: المسرف في إهلاك الناس وقتلهم. 7- شجاعة صبيان الصحابة -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم-: معاذ بن عمرو بن الجموح وصاحبه، قالا لعبد الرحمن بن عوف وهو واقفٌ بينهما يوم بدر حيث غمزه أحدهما فقال: "يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَغَمَزَنِي الْآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، قُلْتُ: أَلَا إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي، فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ" (متفق عليه). (الصبي الذي ثبت ولم يفر عند رؤية عمر -رضي الله عنه-). 8- شجاعة عُميان المسلمين (عبد الله بن أم مكتوم): ومع أنَّ الله أنزل عذره، فكان يغزو بعد ذلك، ويقول: "ادفعوا إليَّ اللواء فإنِّي أعمى لا أستطيع أنَّ أفرَّ وأقيموني بين الصَّفين!" (سير أعلام النبلاء). خاتمة: - على الأمة أن تسعى بكل الوسائل الممكنة لبثِّ هذا الخلق العظيم في أبنائها؛ لأنه من أسباب عودة عزها وصلاحها: قال ابن تيميَّة -رحمه الله-: "لَمَّا كان صلاح بني آدم لا يَتمُّ في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم؛ بيَّن الله -سبحانه- أنّه من تَولَّى عنه بترْكِ الجهاد بنفْسِه، أَبدَلَ الله من يَقوم بذلك: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير) (الاستقامة). نسأل الله أن يجعلنا من الشُّجعان في الحقِّ والعمل به. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ (1) من المؤسف أننا صرنا نرى الشجاعة في أصحاب الباطل، يدافعون عن قضياهم بكل قوة، وفي المقابل: لا نرى في أكثر أصحاب الحق ذلك. وصدق عمر -رضي الله عنه-: "عجبت لجلد الفاجر، وعجز الثقة!". (2) ومن أقبح أمثلة الشجاعة في الباطل: شجاعة ابن أخطب اليهودي يوم عرض على القتل يوم بني قريظة، فجعل يبدي جَلَدًا وشدة عداوة للمسلمين. صوت السلف |
|
|
|
|
|
|
#12 | |
|
مشرفة قسم القرآن
![]() ![]() |
مكارم الأخلاق (11) الوفاء
مقدمة: - الإسلام يحثّ على مكارم الأخلاق ويدعو إليها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). - من مكارم الأخلاق المنشودة "الوفاء"(1): قال تعالى: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: 237). ومدحت العرب الوفي، فقالوا: الحر مَن راعى وداد لحظة وانـتـمى لـمـن أفـاده لفـظة أُعَلِّمُه الرمايةَ كُلَّ يَومٍ فلمَّا اشتدَّ ساعِدهُ رَماني وَكَم علَّمتُه نظمَ القوافِي فَلمَّا قالَ قافيةً هجاني أعلمه الفُتُوَّة كلَّ وَقتٍ فلمَّا طَرَّ شارِبُه جَفاني (1) مكانة الوفاء والأوفياء: - الإسلام يأمر بالوفاء وحفظ المعروف، ورد الجميل، ومقابلة الإحسان بالإحسان، والمكافأة للمعروف بمثله أو بأحسن منه والدعاء لصاحبه: قال -تعالى-: (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن:60)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). - الوفاء هو خلق أصحاب النفوس الكريمة السوية، فالأوفياء لا ينسون المعروف والجميل، ولو كان شيئًا يسيرًا: فهذا كعب بن مالك -رضي الله عنه- لما بُشِّر بتوبة الله -تعالى- عليه انطلق مسرعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- فرحًا بذلك، فقال عن نفسه: "دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. فَكَانَ كَعْبٌ لَا يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ" (متفق عليه). - الأوفياء الكرام يزيدهم الإحسان وفاءً واعترافًا بالجميل، وينتظرون الفرصة لرد الجميل وفاء لصاحبه: روى مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: (لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلاَءِ النَّتْنَى، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ) (رواه البخاري). فقد حمى النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن أذى المشركين بعد عودته مِن الطائف. (حكاية في الوفاء: الحاجة الريفية التي كانت تريد أن يكون حجها لزوجها المتوفى)(3). - بل لا يردون الإساءة لصاحب المعروف، ولو أساء إليهم (الإنسان الكريم أسير الإحسان): عروة بن مسعود -المتحدث عن المشركين يوم الحديبية- يقول لأبي بكر -وقد سبَّه أبو بكر سبًّا شديدًا-: "أمَا والَّذي نفسي بيدِه لولا يدٌ كانت لك عندي لم أَجْزِك بها لأجَبْتُك" (رواه البخاري وغيره). (2) ذم الجحود ونكران الجميل: - وأما اللئام: فلا يحفظون معروفًا، ولا يشكرون جميلًا، بل لا يزيدهم الإحسان والمعروف إلا تمردًا! قال الشاعر: إذا أنتَ أكرمتَ الكريم ملكته وإن أنتَ أكرمت اللئيم تمردا - اللئام يعرفونك ويتملقونك زمان الانتفاع منك، فإذا زال نسوك أو تنكروا لك: قال الله -تعالى- عن صاحب السجن الذي نسى معروف يوسف -عليه السلام- بمجرد خروجه ومسايرة حياة القصور: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) (يوسف: 42). (حكاية المدير البترولي الذي تنكرت له زوجته وأولاده بعد المعاش وقد جرَّدوه من كل شيء. انظر الهامش: 4). - اللئام يهدمون كل جميل، وينكرون كل معروف، إذا أسأت إليهم: قال -تعالى-: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى? إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ . فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى? أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) (القصص: 18، 19). (3) عاقبة الجحود وعدم الوفاء: - مِن عاقبة نكران الجميل (زوال النعم، وحلول النقم، واستحقاق العقاب): ففي حديث الأقرع والأبرص والأعمى أن الملَك قال لمَن أعترف بالجميل: "لاَ أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ. فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ رُضِيَ عَنْكَ وَسُخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ" (متفق عليه). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ، يَكْفُرْنَ) قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: (يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ) (متفق عليه). (4) أعظم مَن يجب علينا الوفاء لهم: - مدخل: أعظم مَن يجب علينا الوفاء لهم وحفظ جميلهم ثلاثة: (النبي -صلى الله عليه وسلم-، والوالدان، والمشايخ والعلماء). - نموذج في الوفاء وحفظ الجميل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- (بطاعته واتباع سنته والموت على ذلك): روي عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أُحُد لطلب سعد بن الربيع، وقال: إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: كيف تجدك؟ قال: فأتيته وهو في آخر رمق به سبعون ضربة ما بيْن طعنة برمح وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقلت: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمرني أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: إني في الأموات، فأبلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عني السلام، وقل: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًّا عن أمته، وقل: إني أجد ريح الجنة، وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله -تعالى- إن خلص إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-مكروه، وفيكم عين تطرف، ثم لم يبرح أن مات" (السيرة النبوية لابن هشام). - نموذج في الوفاء وحفظ الجميل للوالدين (ببرهما وعدم عقوقهما، والدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما): كان ابن عمر -رضي الله عنهما- يمشي في الصحراء على دابته، فقابله أعرابي فتوقف ابن عمر ونزل، ووقف معه، وقال: ألستَ فلانَ بن فلان؟ قال: بلى، ثم ألبسه عمامة كانت عليه، وقال له: اشدد به رأسك، ثم أعطاه دابته وقال: اركب هذا، فتعجب أصحاب ابن عمر، وقالوا له: إن هذا مِن الأعراب، وهم يرضون بالقليل، فقال: إن أبا هذا كان ودًّا لعمر، وإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ) (رواه مسلم). - نموذج في الوفاء وحفظ الجميل للمشايخ والعلماء (باحترامهم وتوقيرهم والدعاء لهم، والحذر مِن الإساءة إليهم): قال أبو حنيفة -رحمه الله-: "ما صليتُ منذ مات شيخي حماد إلا استغفرتُ له مع والدي!". وقال أبو يوسف -رحمه الله-: "إني لأدعو لأبي حنيفة قبْل أَبوي!". وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "ما بتُّ منذ ثلاثين سنةً إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له!". وقال الشافعي -رحمه الله-: "الحر مَن راعى وداد لحظة، وانتمى لمَن أفاده لفظة". خاتمة: وجوب الوفاء وحفظ الجميل مع كل الناس: - بالجملة يجب الوفاء وحفظ الجميل لكل مَن له علينا معروف، والحذر مِن نكران الجميل؛ فإنه خبث في الطبع، وحمق في العقل: قال -تعالى-: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (البقرة: 237). وقال بعض العقلاء: "تعلموا أن تنحتوا المعروف على الصخر، وأن تكتبوا آلامكم على الرمل؛ فإن رياح المعروف تذهبها!". - إن عدم الوفاء ونسيان الفضل دليل على قلة المروءة، ونقص في كمال الرجولة؛ فالسوي لا ينسى المعروف المسدَى إليه؛ لأن مِن صفات الرجولة: الكرم والوفاء، وصون العشرة وحفظها(5). إن الوفـاء عـلى الـكـرام فريضة واللـؤم مــقـرون بذي الـنسيـان وترى الكريم لمن يعاشر حافظًا وتـرى اللـئـيـم مـضيـع الإخوان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ (1) نعني بالوفاء هنا: حفظ جميل مَن لهم علينا معروف وإحسان، وعدم نسيان فضلهم، بما يأتي التنبيه عليه. (2) يحسن الإشارة إلى بعض صور الجحود وعدم الوفاء: (الوالد الذي عقه أولاده وأهملوه بعد الكبر حتى مات وحده في شقته - الوالدة التي وضعها ولدها بدار المسنين ليتخلص من خدمة زوجته لها - الزوج الذي كافئ زوجته التي عاشت معه على المرة والمرة، بطلاقها والزواج من غيرها بعد ما أغناه الله - الشيخ أو المعلِّم الذي بعد ما ربَّى وعلَّم، ناطحه التلميذ وصار له ندًّا - وغيرها كثير يتكرر في اليوم عشرات أو مئات المرات، مع اختلاف الأشخاص والأماكن). (3) ملخص الحكاية: كانت لنا دروس في مسجد الفندق قبل أيام المناسك، وجاءت هذه المرأة تسأل وهي متأثرة جدًّا وتبكي، فقالت: يقولون لي لا يصلح حجك عن زوجك المتوفى! فقلت لها: هذا غير صحيح، طالما حججت عن نفسك ظنًّا مني أنها قد سبق لها الحج. فقالت: لا، أنا ما حججت قبل ذلك. فقلت لها: إذًا كلامهم صحيح، فلا بد أن تحجى أولًا عن نفسك ثم إن شاء الله في العام القادم تحجي عن زوجك المتوفى. فإذا بالمرأة تبكي بشدة وتقول: "دا الراجل عاش طول عمره شقيان، وأنا كنت نفسي هو اللي يحج!". (4) ملخص الحكاية: كانت لنا دروس في مخيمات منى أيام المناسك، وكنت أتحدث عن بعض الأعمال الصالحة التي يجب علينا الاهتمام بها بعد العودة، وأشرت الى برِّ الوالدين والحذر من العقوق، وذكرت بعض الحكايات من الواقع في ذلك، فإذا برجل من الحضور يبكي متأثرًا، ثم جاءني بعد الدرس وقال: إن عندي حكاية شخصية مؤثرة، لعلها تنفعك في الدعوة. قال: كنت مديرًا بشركة بترولية، ولى راتب كبير جدًّا، وكانت عندي أملاك كثيرة -شقق وسيارات وفيلات، وغيرها-. فلما قاربت سن المعاش بدأت أحوال زوجتي وأولادي تتغير تدريجيًّا، وبطريقة أو بأخرى جعلوني أكتب أملاكي لهم، ولم يبقَ لي إلا شقة الزوجية. ومرت شهور قليلة وخرجتُ على المعاش، وصار دخلي الشهري مبلغ قليل جدًّا بالنسبة لراتبي كالمعتاد، وبدأت الزوجة والأولاد يظهرون النفرة مني ومن كل شيء يتعلق بي، ثم تطورت الأمور إلى التصريح بالرفض التام للبقاء معهم، وأصرت الزوجة على الطلاق، والأولاد يؤيدونها، وتم الطلاق والفراق منهم لي جميعًا، ولم يتركوا لي شيئًا إلا شقة الزوجية، ودارت الأيام وأنا أعيش وحيدًا، فتزوجت امرأة أخرى صالحة رضيتْ بكل ظروفي، وبعدها بشهور قليلة إذ بالشركة البترولية يعينوني مستشارًا براتب كبير والحمد لله رب العالمين، وها أنا أصطحب تلك الزوجة الجديدة معي، فهي في الخيمة المجاورة، ولله الحمد والنعمة. (5) حكاية طريفة في الوفاء: كان لرجل شجرة عنب كثيرة الثمر، فكان إذا مرَّ به صديق له اقتطف عنقودًا ودعاه فيأكله وينصرف شاكرًا، فلما كان يوم، قالت امرأته: "ما هذا مِن أدب الضيافة، ولكن أرى إن دعوت أخاك، فأكل، فمددت يدك معه مشاركًا؛ إيناسًا له وتبسطًا، وإكرامًا، فلما كان الغد؛ وانتصف الضيف في أكله؛ مد الرجل يده وتناول حبة، فوجدها حامضة لا تساغ، فتفلها وقطب حاجبيه، وأبدى عجبه مِن صبر ضيفه على أكل أمثالها، فقال الضيف: قد أكلتُ مِن يدك مِن قبْل على مرِّ الأيام حلوًا كثيرًا، ولم أحب أن أريك مِن نفسي كراهة لهذا، تشوب في نفسك عطاءك السالف!". صوت السلف |
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| مكارم الأخلاق | ابو الوليد المسلم | ملتقى فيض القلم | 11 | 05-21-2026 05:58 AM |
| الأربعون في مكارم الأخلاق | ابو الوليد المسلم | ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية | 0 | 05-01-2026 03:17 PM |
| من درر العلامة ابن القيم عن مكارم الأخلاق | ابو الوليد المسلم | ملتقى الحوار الإسلامي العام | 3 | 03-10-2026 05:15 AM |
| أمثال وحكم عن مكارم الأخلاق | ابو الوليد المسلم | ملتقى الطرائف والغرائب | 0 | 02-08-2026 11:38 AM |
| مكارم الأخلاق للطبراني كتاب الكتروني رائع | عادل محمد | ملتقى الكتب الإسلامية | 4 | 11-21-2017 02:13 PM |
|
|