![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (7) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري اتزان العبد وضبط طاقاته: السادس والعشرون بعد المائة: عبودية الله الحقة تضبط اتزان العبد الصادق، فيكون متزناً في سائر شئونه، لا يطغيه مال ولا عز ولا منصب؛ لأنه يعتبر المال نعمة من الله، وعارية معارة منه إليه، سيسترجعها منه وينقلها إلى غيره في وقت مجهول لا يعلمه، فهو إذاً ينتهز الفرصة في حسن التصرف به واستغلاله استغلالاً صحيحاً، يكسبه المحمدة والخير في الدنيا والدرجات العالية في الآخرة، ولا يطغى فيتجاوز حدود الله فيه، فيتطاول به على الناس، أو يصرفه في شهواته ويتشفى بسببه من هذا في سبيل هذا أو ذاك. أو يبغي فيه الفساد بأي نوع، شأن الماديين الذين لهم أسوة بسلفهم الخبيث (قارون) بل عباد الله المخلصون الصادقون يستخدمون النعمة استخداماً طيباً في جميع وسائل الخير، مبتدئين منها بنصرة دين الله والإنفاق في سبيله ومساندة أهل طاعته - مهما كانوا -، محاذرين وعيد الله بقوله: ﴿ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ﴾ [طه: 81]. وكذلك لا يطغيهم العز والنصر أو المنصب، أو تزيغهم أبهة الملك والسيطرة عما أمروا به وخلقوا من أجله، لاعتقادهم الجازم بأن الله مالك الملك يؤتي الملك من يشاء، ويَنزع الملك ممن يشاء، ويُعز من يشاء ويُذل من يشاء، وأن الله يبتليهم ويختبرهم بالخير والشر فتنة لهم، ليميز سليم القلب من سقيمه، فيراقبون الله ويستعملون ما أولاهم من نعمه في تنفيذ أحكامه، حافظين لحدوده، لايتعدونها قيد أنملة بل يكونون أمناء على ما ولاهم الله إياه وأوصاهم به. والتاريخ يشهد لعباد الله الصادقين بضبط الاتزان وحسن التصرف في نعم الله من مال وملك ووظيفة، بحيث أصبح تاريخهم مشرفاً بين الأمم، لم يتلوث بما تلوث به الماديون الزاعمون للحضارة والرقي والمدنية والمتبجحون بخدمة الشعوب، وهم جلادون للشعوب ومضللون لها، فهم شر البرية كما وصفهم الله، أما الأخيار فهم عباد الرحمن حقاً. الوجه السابع والعشرون بعد المائة: وهو أن من صدق الله فيما عاهده ويعاهده عليه من تكرار الضراعة إليه بـ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5] فهذا ينضبط توازنه في أخلاقه وسلوكه في جميع نواحي الحياة ويكون إنساناً صالحاً لا ينتفع بحياته هو فقط، بل ينتفع به غيره كما أمره الله، وبذلك يحيا حياة طيبة كما وعده الله إذا حقق العمل الصالح المنبعث عن خشية الله ومراقبة حكمه، ولايحصل التوازن وينضبط إلا بالجمع بين العلم والعمل والغاية والوسيلة، والمادة والروح، والمحبة والوجدان، والحكمة والعاطفة، فيحصل حينئذ الإنصاف مع الانتصاف، والإحسان مع الموجدة، والصلة في مقابلة القطيعة، والإعطاء في مقابلة الحرمان، والعفو عند المقدرة، والحلم في مقابلة الغضب، والجمع بين العبادة والعمل، بحيث لا تتعطل أي موهبة من المواهب عن استخراج أي مادة وتسخيرها في أي ناحية، ليحصل الجمع بين العبادة والجهاد بجميع وسائل الكفاح، والاستعداد بجميع أنواع القوة، على اختلاف نواحيها. فإذا توازنت هذه الطاقات وانضبطت في اتجاهاتها مع صلاح العمل المستقيم، وإخلاص القصد لله في هذا كله، حصلت الحياة الطيبة والنصر المبين، والسعادة في الدارين، وحصل الأمن الصحيح الكامل الشامل في الحياة وما بعدها، كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82] فوعد الله بالأمن والهداية العامة في جميع النواحي والشئون لمن لم يخلط إيمانه بشيء من الظلم، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، كما هو مقرر، فقوله (بظلم) يشمل جميع أنواع الظلم في كل شأن وناحية، سواء كان في معاملة الخالق أو المخلوق، وقد دل العقل والنقل على أن الشرك ظلم، وإن الظلم في معاملة الله شرك، إذ الظلم في اللغة هو: النقص، قال تعالى: ﴿ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ [الكهف: 33] والانتقاص من الحق ظلم لأنه انتقاص لصاحبه، وقد دل العقل على أن الإنسان لا ينتقص حق أحد إلا وهو مستهين به، مستخف بشأنه، لايخشاه ولا يرجوه، ولا يوقره، وإنه لا يترك امتثال المأمور إلا حين يستخف بالآمر ولايبالي به، هذا في حق المخلوق في معاملته مع مخلوق مثله، فكيف بحق الخلاق العليم، مالك الملك؟! ومن هنا حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أن الظلم في معاملة الخالق شرك، فقد قال: (( إن الظلم هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال الله على لسان العبد الصالح لقمان: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾؟))[1]. وقال البخاري[2]: حدثنا محمد بن يسار، حدثنا ابن عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله قال: لما نزلت ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ قال أصحابه: وأينا لم يظلم نفسه، فنزلت:﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾. وينبغي أن نعلم أن معاملة المخلوق لها ارتباط بمعاملة الخالق، والوقوف عند حكمه وحدوده، ومن أمعن النظر في جميع المفاسد والأخطار والجرائم، وجدها ناشئة عن اختلاف التوازن، سواء في السلوك الفردي أو الجماعي، فسورة الطيش والغضب والكبرياء والحقد، والشح والهمز واللمز والخيانة والسب، ومؤامرات السوء بسائر أنواع المكر، والسرقة والكذب والاحتيال والقتل، وسائر الجنايات، والبغي والنفاق بجميع فنونه، والانهماك في الحسد، والانطلاق في إشباع شهوات النفس ورغباتها على حساب الآخرين، كل هذا وأمثاله سببه اختلاف التوازن الناشئ من عدم مراقبة الله، وتحقيق عبادته والاستعانة به - جل وعلا- في كل شيء، وكلها تؤدي إلى فساد المجتمعات وتؤذن بخرابها، لأنها السبب في إثارة العداوات واستفزاز الغضب والوثبات، المؤدية إلى الحروب الفاتكة المخربة المعدمة، كما جرى وسيجري أضعافه؛ لأن العالم المادي اليوم يتسابق في صنع ما يدمر المدنية، ويفتك بالحياة من تأثير ما ذكرناه، ومن تقديس العقل وإيثار المادة والنفعية على ما سواهما من الروحانيات التي بها تقوم السموات والأرض، وينضبط التوازن. وكل الجريمة تعود في ذلك على اطراح وحي الله فيما أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - والكفر بالغيب وقصر الإيمان على المحسوس الملموس، مما ركزه طغاة اليهود في مذهب (دارون وفرويد) وغيرها من المذاهب اليهودية التي حلت وأفسدت مجتمعات أوربا وأمريكا، وأخذت الشيوعية منها بقسط، والرأسمالية بقسط، وكلتاهما في الكفر والخبث سواء، وسلوكهما الباطل واختلال توازنهما سيجريان على العالم مختلف الويلات والدمار الرهيب، الذي لا يعلم مداه إلا الله، وهما وإن كانت تقع عليهما المسئولية مباشرة، لكن السبب في ذلك هو تخلي ورثة محمد - صلى الله عليه وسلم - عن القيادة، وانحطاطهم إلى هذه الحالة المشاهدة التي جعلتهم لا في العير ولا في النفير، ولو صدقوا ما عاهدوا الله عليه من حصر العبادة بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لأنقذوا العالم وطهروه من كل فتنة. فورثة محمد - صلى الله عليه وسلم - يجب عليهم القيام بإصلاح هذا الكون، وأن يفتحوا القلوب قبل البلاد، ويقوموا بتطهير الأرض من كل كفر وظلم وفسق وفجور، وأن يكونوا قوامين بالقسط، كما أمرهم الله، دافعين للباطل بسيوف الحق، التي هي سيوف الموحدين، وما يؤيدها من أنواع الحديد، وهذه المهمة لا تتحقق لهم إلا إذا ضبطوا توازنهم بحيث تتوازن جميع طاقاتهم، فلا يطغي بعضها على بعض، ولا يتعطل بعضها لحساب بعض، أو يتحد بلا حساب، فإن التوازن في داخل النفس البشرية حسبما رسمه الله هو الواقي من كل انحراف يكون في المجتمع، وهو الوسيلة لتفجير الطاقات، وبتحقيقه يصدق العمل للقول، وبعدمه يكذب العمل للقول؛ ولذا قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2-3] والمقت: أشد أنواع الكره والغضب. وإذا كان مختل التوازن بهذه المنزلة عند الله فلا عجب من حالتنا اليوم؛ لأن الذي يمقته الله لا يوفقه ولا يرحمه الرحمة الصحيحة الخاصة بالمؤمنين، ولا ينصره على أعدائه، بل يسلطهم عليه، ويمده في الغواية مداً، بدلاً من أن يرده هداية ورشداً، والله ليس بظلام للعبيد، فمن طغى عليه حب المادة وإيثار زهرة الحياة، هانت عنده حدود الله، وضعفت قوته في أمر الله، فكان باخساً لحق الله، مطففاً في معاملته معه، لم يخص الله منه، ولا بمثل معاملته للمخلوق، فهذا لم يكن من أنصار الله الذين كتب الله على نفسه نصرتهم، وتحقيق الغلبة لهم في الدارين، ووعدهم أن يحييهم حياة طيبة يهنئوا فيها بالأمن والسعادة، بل انعكست حاله، فكان في أمر مريج وعيشة ضنك، لا يستريح فيها مع وفرة ماله، وطيب مساكنه، وارتفاع رتبته بين البشر، فوجود ما ينغص عيشته من الأخطار والمخاوف والإرهاصات المتنوعة، والحروب التي ينتظرها ويستعد لها، أو التي يتقلب فيها مابين حروب باردة أو كاوية، فلذاته ممزوجة بالمخاوف والمصائب. وكذلك من طغى على قلبه حب لهو الحديث المتنوع والمجون، على حب ذكر الله وما نزل من الحق، أو طغى على قلبه حب شهواته ومعشوقاته على حب الله ورسوله، فهذا وهذا لا تندفع جوارحه في طاعة الله وتحقيق عبادته على الوجه المطلوب، من المسارعة في مرضاته وحمل رسالته والجهاد في سبيله لنصرة دينه، وقمع المفتري عليه، بل على العكس من كل هذا، وهذا يندفع اندافعاً بهيمياً إلى إشباع شهواته ونيل ملذاته، والتذوق من كل صوت حرام ومأكل ومشرب، ويكون على حد قوله تعالى:﴿ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾ [محمد: 12]. وهناك نوع آخر طغى ويطغى عليه التنسك إلى حد يقطع صلته بالواقع، أو يجعله يقتصر من دينه على صلوات ونحوها دون أن يهتم بشئون الحياة ويسعى لتسييرها على وفق شرع الله، فإنه يكون مفرطاً في جنب الله، ومتجاهلاً نفسه غير محترم لها في الوقت الذي يظن أنه قد احترمها وصرفها إلى عبادة الله، ويكون مخرجاً نفسه من الخيرية العظيمة التي هيأ الله أمة محمد لها، وأساء إلى دين الله بفسحه المجال لأهل الباطل، وإحداثه فراغاً هائلاً ينفذون منه في كل ميدان إلى ما يريدونه؛ لأنه بجموده قد ترك ثغور الإسلام الأخرى في جميع ميادين الحياة مفتوحة لغزو كل مبطل. والتصوف - وإن قل - فقد خلف أهله رجالاً هم الأكثرون من محسوبي الإسلام يصلون صلاة هي مجرد حركات، لا يلتهب بها شعورهم وحماسهم، ويصومون كصيام البهائم المحبوسة عن الطعام، ويحجون ويعتمرون دون أن يشهدوا منافع لهم، بل يشهدوا الزحام واللكام، ويتبادل بعضهم الشتائم، ويرجعون دون أن ينتفع دينهم من نسكهم بشيء، وهكذا مما تنكبت به الأمة عن حال سلفها، فضاعت كرامتهم، وتبددت طاقاتهم، وكانوا مدداً لأعدائهم من حيث لا يشعرون. ومن هنا نفذ علينا اليهود وأفراخهم النصارى وتلاميذهم من أبنائنا الذين انصبغوا برجسهم وثقافتهم، فانصبغت أكثر المناهج في سائر ميادين الحياة بصبغة مادية وثنية إلحادية، بعيدة عن حكم الله فيما أنزل، والسبب الأكبر في ذلك يعود إلى اختلال التوازن في المسلمين - سوقتهم وسراتهم - وقصرهم الدين على جهة دون جهة، مما جعلهم عرضة للغزو المتنوع، وجعل المسلمين في عقر دارهم، فيهم شبه من مسلمي (أوربا) ومسلمي (روسيا) اليوم، ويقيمون بعض الشعائر ويصلون في المساجد، لكن أولادهم في معزل عنهم ويتولى تربيتهم من لا يرضي، في دينه وأمانته، وكل هذا من اختلال توازنهم وانعزالهم عن أزمة الأمور، في جميع ميادين الحياة، وتصميهم على سلب دون إيجاب، فصارت عبودية الله كأنها في شيء دون شيء، والله أوجب على عباده العمل على إقامة حكمه وتسيير دفة الأمور وفق شرعه في كل ناحية وألا يندفعوا مع أي تيار أو يسايروا أحداً حيث سار، بل يدفعوا تيار الباطل، ويدفعوه بوحي ربهم، ويُسيُروا العالم على ضوء هدايته ببذل غاية مجهودهم وتفجير أقصى طاقاتهم، امتثالاً لقوله تعالى:﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ﴾ [الحج: 78] لا بعض جهاده، بل بالمبالغة في ذلك، وهذا إذا حصل توازنهم بتحقيق عبودية الله، ولم يحصل فيهم الاختلال. الثامن والعشرون بعد المائة: الضارع إلى الله صدقاً بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يتجرد من جميع مؤثرات الجاهلية بكافة أنواعها، سواء المألوفة عنده في بيئته أو المستوردة عليه، فينخلع عنها وتبدأ منها عن بغض وعداء، مكتفياً بتلقي الهداية في جميع شئونه من كتاب ربه وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، والجاهلية ليست رسماً خاصاً أو صبغة خاصة مقصورة على قرن أو قرون مضت. إنما الجاهلية: كل سلوك مخالف لملة إبراهيم وشريعة سيد المرسلين في أي ناحية من نواحي الحياة، والجاهلية التي ينتهجها أكثر الناس اليوم أفظع من كل جاهلية سبقتها؛ لأنها باسم العلم والفن تجعل الناس بمعزل عن منهج الله في الحياة، بل فيها الاعتداء الكامل على سلطان الله في الأرض، والسيطرة على عبيده بكل ظلم ومهانة، والجناية على عقولهم بالدجل والتضليل، وقتل أرواحهم بالأفكار السامة والعقائد المنحرفة التي تضيع دينهم ودنياهم، وفيها من الإغراء على كفر النعمة وإنكار الخالق، أو التنكر لدينه وشريعته والتنديد بها، مما هو تهجم على حكمته واستهانة بعزته، وفيها من التحسين للخلاعة والرذيلة والعمل على إذهاب الحياء ما لا تقبله جاهلية أبي لهب وأبي جهل، فأكبر مهمة للعابد لله تغيير واقعه مما حل به من أنواع الجاهلية بأي وصف ولقب وأي خطة، بل من ضروريات الصدق للضارع إلى ربه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ أن ينخلع من كل عمل أو قول أو اعتقاد جاهلي، وأن يتخلص من ضغط أهل مجتمعه، فلا يصطلح معهم أو يتفق أو يلتقي معهم في أي ناحية، فلا يتعامل في سوقه معاملة جاهلية مبتعدة عن شريعة الله، ولايلتقي مع أي مصرف عمولته على خلاف شرع الله، ولا يلتقي مع أي مصرف في عمولته على خلاف شرع الله، ولا يدخل أولاده في أي مدرسة يكون التعليم فيها على خلاف ملة إبراهيم وشريعة سيد المرسلين، ولا تجره المصلحة العائلية المزعومة إلى الهزيمة بإدخالهم في أي مدرسة كانت فيها خطر على العقيدة بما يخالف التصور الإسلامي الصحيح،ولا يسمح في بيته بدخول أي لون من ألوان الجاهلية من التبرج وإظهار المفاتن أو تضييق الثياب، أو الحفلات الحديثة النابية عن أخلاق الإسلام، فضلاً عن الاختلاط والعياذ بالله، بل تكون مهمته السامية أن يستعلي على هذا المجتمع ويترفع عن جميع عاداته ونظمه، وأن يعمل على تغييره بكل وسيلة من وسائل الحكمة، والتوجيه بسائر وسائل النشر والإعلام المختلفة، لا تخالطه الأنانية والميوعة، فلا يحاول الركون إليه أبداً؛ لأنه يحرمه أن يعيش كما يطلبه الله على وفق شريعته إما بالدجل والتضليل أو بالقهر والضغط المتنوع؛ لأن المجتمع الجاهلي - مهما اختلف اسمه ولقبه- يدعي بعض أهله أن لهم الحق في وضع التصورات والقيم وسن القوانين والنظم التي يجب خضوع الباقين لها؛ مما يجعل بعضهم أرباباً يشرعون وبعضهم عبيداً ينفذون، وقد يدعي الجميع منهم أن له الحق في سلوك ما يهواه، فكيف يلتقي معهم العابد لله حقاً؟ طبعاً لا يلتقي معهم إلا المطفف مع الله أو الجاهل بحكم الله. التاسع والعشرون بعد المائة: العابد لله حقاً والضارع إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يعلم أنه لا يصلح نفسه ولا مجتمعه، بل ولا يصلح جميع أوضاع العالم، إلا بتحقيق عبادة الله وإقامة دينه حسبما شرعه، وليس حسب نظريات قلقة من فلسفات اليهود والملاحدة باسم الحرية والديمقراطية أو الاشتراكية.. إلى آخر المصطلحات الجوفاء. فإن العدالة المطلوبة المنشودة في كل هذه المصطلحات السابقة إنما ينبثق فيه المجتمع من التصور الإسلامي الصحيح المرتكز على عقيدة توحيد الألوهية، التي يرد الأمر فيها كله لله ويقبله عباده الصادقون عن رضا وطواعية وتسليم لأمر الله ورسوله. فلا يطمع أحد بغير ما آتاه الله أو يحقد على غيره من أجل ذلك، كما لا يحاول أحد أن يوجه الناس ضد قضاء الله وقدره، كما يجري ممن ينازع سلطان الله بحكم الأرض أو بعضها على خلاف وحيه الذي بعث به نبيه وعمل به هو وصحابته. فقد بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - والمجتمع العربي فيه أنواع من البؤس والنزعات الطائفية، والاستعمار المحيط به، فلم يأمره بالدعوة إلى قومية يتكتل فيها العرب، ولا بالدعوة إلى اشتراكية يغريهم فيها بالمساواة الكاذبة. ولو دعا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك لاستجاب له أكثر العرب أو كلهم بلا عنت ولا عناء، ولكن الله يعلم أن هذا ليس طريقا مجدياً لحمل الرسالات، ولا لتطهير الضمائر أو إصلاح الجوارح، كما أنه ليس الطريق الصحيح لتخليص الناس وتحريرهم من عبودية بعضهم لبعض واستعداء بعضهم على بعض. فالعبودية الحقة الواجبة لله عى الخلق هي سيطرة سلطان الله على الضمائر والجوارح وسائر الأحاسيس. الثلاثون بعد المائة: بتحقيق عبادة الله يعرف الإنسان نفسه فيغالي بقيمتها، ذلك أنه لا يعرف قيمة نفسه إلا الذي يعرف الله حق معرفته، ويقدره حق قدره، فينزهه عن العبث، ويتيقن أنه لم يخلق السموات والأرض ومابينهما باطلاً؛ لأن ظن الذين كفروا، والله لم يخلقهما إلا بالحق وأجل مسمى، لنهاية لم يطَّلعْ عليها أحد من خلقه، ثم يعرف وظيفته في الأرض وأن اقامة فيها خليفة له، فيتصور وظيفة الخليفة وواجب الخليفة، وذلك التصور ناشئ من اعتقاد أنه لم يخلقه الله عبثاً، تعالى الله وتقدس عن ذلك. وعلى أساس ذلك يشمخ برأسه، متشرفاً بوظيفته العالية الجليلة، مراعياً خدمة مولاه العلي العظيم في تحقيق أوامره، وتنفيذ وصاياه وتشريعاته، مترفعاً عن الخيانة في ترك شي منها، أو التقصير في تنفيذه، وهنالك يتمسك بوحي ربه الذي أورثه إياه من نبيه، وأمده به قبساً ونوراً يهتدي به ويهدي سواه، كما أمره وأوجب عليه، فيعرف قيمته وشرفه بين المخلوقات من ناحيتين: إحداهما: أنه خليفة للملك العظيم، مالك الملك، إله السموات والأرض، فكما يعتز من هو نائب الحاكم من حكام الدنيا باستخلاف الحاكم له، فإن اعتزاز المؤمن العارف بوظيفته لله، والراجي مقامه عند الله، أعظم من اعتزاز ذلك أضعافاً مضاعفة، وهذا الاعتزاز يكسبه الاستمساك بوحيه، والقوة في تنفيذ أوامره، والغلظة على مخالفية، ومحبة أحبابه وأهل طاعته وموالاتهم، وبغض أعدائه المنابذين لوحيه ومعاداتهم ولو كانوا أقرب قريب. ويعلم حق العلم أن الله أقامه مقام القيادة والتوجيه، فلا يقصر في استلام القيادة، ولا يتراخى في مسكها، ولا يقصر في توجيه عموم البشرية إلى الله بما أوحاه إليه، ولا يجمد في قصره على أسلوب واحد أو تصريف واحد، بل ينوع أساليب هدايته ويصرفها إلى كل مثل، ويشبع بها كل مادة، ويكيف بها كل برنامج من برامج التعليم، ومواد النشر والإعلام المختلفة مستغنياً بوحي ربه، المتضمن لكل هداية، والمتكفل بالرد على كل ناحية من نواحي الإلحاد والنظريات المختلفة،والوافي بجميع الحلول لكل المشاكل، معتقداً كفايته عما سواه. ثانيتهما: إنه وارث لنبيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في حمل رسالته وتبليغ دعوته وتوزيع أنوار هدايته، وأن يسلك مع الناس نفس المسلك الذي سلكه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليحصر التلقي من هذا الرسول، كما كان هو حاصراً للتلقي من عند ربه، لا يطيع آثماً ولا كفوراً، متحذراً من كل واحد أن يفتنه عن بعض ما أنزل الله إليه، غير متبع أهواءهم في أي شأن من الشئون، فكذلك المسلم الوارث لنبيه يحصر تلقي الهداية على سنته قولاً وفعلاً، وإقراراً، مما هو تبيين لكلام ربه، ولا يتعداه مثقال ذرة، ولا ينخدع بزخارف القول من غير المسلمين المؤمنين، ولا يسلم لشيء من نظرياتهم المخالفة لمدلول وحي الله، أو ينهزم هزيمة فكرية أمام ما يزعمونه من اكتشافات يظهر بها مؤقتا مما يخالف الوحي، لأن اكتشافاتهم مهما اطردت وتطورت فهي قاصرة جداً، والجديد منها ينقض القديم، ولا يزال الله يريهم من آياته وعجائب صنعه وقدرته ما يتبين لهم به أنه الحق، كما وعد بذلك في الآية (53) من سورة فصلت. فالمؤمن بالله العابد لله المغالي بقيمته بين العالم، لا ينهزم فكرياً أمام ما يذيعونه من نتائج اكتشافاتهم، جازماً أن ما خالف الحق منها سيكذبه اكتشاف جديد موافق لوحي الله، سواء كان قريباً أو بعيداً؛ لأن الله عز وجل لا معقب لحكمه ولا مبدل لكلماته، وكل ما أخبر به على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم -. لابد أن يتحقق وأن ينكشف كذب غيره، وأن تنعكس حالة كل من خالفه وابتغى الخير في سواه، وبهذا اليقين يصمد ثابتاً لا يتغير بشي من جعاجع الناس وفراقعهم، ولا يستخفونه بتقليدهم أو إصدار فتاوى موافقة لأهوائهم ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [المؤمنون: 71]؛ لأنهم إذا استخفوه وفتنوه فغيروا مجرى سيره، تدنى برأسه وسقط إلى مستواهم المادي البهيمي ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 10] وحينئذٍ تذهب ميزته المحمدية بين سائر الأمم. الثاني والثلاثون بعد المائة: هو أن المستعين بالله يملك نفسه ويملك وقته، ويحتفظ بحرية الحركة تلقاء ما يواجه من أمور الحياة طيبها ومكروهها، دون أن يخيفه شيء أو يعوقه أي مؤثر، فيعتمد على الله ثم يثق بنفسه، فيمده الله بقوة معنوية يقدر بها على فعل الكثير، دون استمداد من أحد أو انتظار عونه، وإنما بالاستعانة الصادقة بالله، يحرك قواه الكامنة ويفجر طاقاته وملكاته المدفونة فيه، ويستغل كل فرصة متاحة له دون أي تفريط أو تسويف، فلا يؤجل عمل اليوم لغد، أو يتريث عنه متعلقاً بالأماني؛ لأن ذلك مخالف للاستعانة، ومؤخر أو حارم من حصول الخير. فالاستعانة الصحيحة بالله أعظم دعامة لتحقيق المستقبل وتخفيف عبئه، وتحمل مشاق لتنفيذ كل منهاج في الحياة، والمستعين بالله حقاً ينجح بين العدة الروحية والمادية فلا يخيب مسعاه بإذن ربه، وضده إما أن يغفل أو يكسل، فتطول فترة عنائه التي يبتغي الخلاص منها، وإما أن يقتصر على الماديات مغفلاً جانب الله إلى نفسه من جهة، ويسيره حسب سنته الكونية بما يشقيه - وإن نجح مؤقتاً - لحكمه قضاها الله لاستدراجه وعقوبة غيره به. فإنه لابد من انعكاس أمره كما جرى لكل أمة منحرفة في القديم، وللأمم الشيوعية في الحديث، كذلك من نحا منحاها أو قابل باطلها بباطل معاكس له، ولم يقابلها بما نزل من عند الله من الحق، فإن هذا النوع من الناس تئول به جهوده إلى الانحدار والهزيمة حسياً ومعنوياً، مهما عالج أو غالط، فالله غالب على أمره. الثالث والثلاثون بعد المائة: العابد لله يطهر قلبه من أدران الذنوب وينقيه من الوساوس، ويصقله بذكر الله والتوبة، نادماً متحسراً على كل لحظة فاتت، متلهفاً على ما فرط منها غير عمل صالح، ومتحسراً على ما أمضاه منها في باطل، ومنتهماً على المزيد مما صلح منها، وقد أورد الأصبهاني حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((النادم ينتظر من الله الرحمة، والمعجب ينتظر المقت، واعلموا عباد الله أن كل عامل سيقدم على عمله ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله، وسوء عمله، وإنما العمال بخواتيهما والليل والنهار مطيتان، فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة، واحذروا التسويف فإن الموت يأتي بغتة، ولا يغتر أحدكم بحلم الله،فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله))[3]. ففي هذا الأثر حض على اغتنام فرص العمر وترك التسويف في الطاعة والتوبة والاستزادة من الأعمال، وعدم الاغترار بإمهال الله وحلمه، ويا عجباً ممن ينظف منزله ومتجره ومكتبه كل يوم، ويجدد لذلك الأثاث والبضائع، بل يجدد ثيابه وينظف ما تدنس منها دائباً، ولا ينظف قلبه، ولا يجدد لكل خطيئة أو تقصير توبة، ولا يصفي قلبه لله من كل شيء، كل هذا من الغفلة والغرور ولا يرضى لثيابه بالدنس، ويعمل على دنس قلبه، بل على مزيد منه بترك تطهيره، وفي الحديث: ((إن العبد إذا أذنب ذنباً نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب صقلت وإلا علت قلبه، فذلك الران الذي قال الله فيه: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾))[4]. فالعابد لله يراقب الله بمحاسبة نفسه على كل خطرة أو نظرة، وعلى كل حركة وسكون ليصقل قلبه من سواد المعصية فعلاً والتقصير في الطاعة فلا يلقى الله بقلب أسود، فإذا تدنس ثوبه ذكر دنس قلبه فسعى لتنقيته وتطهيره قبل ثوبه؛ لقوة معرفته أنه محل نظر الله. وإنما كان العابد لله منقياً لقلبه منزهاً لأحاسيسه ليسلم تفكيره مما سوى الله، فتنضبط جوارحه وحركاته وفق حدود الله، فتكسب نفسه الاعتدال والتوازن، وكلما اعتراها شيء من نزعات الشياطين أصلحه بمراقبة الله والتوبة النصوح؛ ليرجع إليها توازنها واعتدالها، فلا تفقد مدد الله، فإن الإنسان في أشد الحاجة إلى تعهد حياته المعنوية والتنقيب في أرجاء نفسه، ليعمل مايصونها من التفكك، والعلل الناشئة من الشرك الذي هو اتباع الهوى، أو المعصية التي لا تكون إلا من غفلة أو غيبوبة منهزم عقل. فإن الكيان العاطفي والعقلي للإنسان قلما يتماسك مع حدة الاحتكاك بأنواع الشهوات والمغريات، وتأثير وساوس شياطين الجن، وقرناء السوء من شياطين الإنس، وهذه عوامل الهدم في الكيان البشري، تهدم الضمير وتسلب العقل وتقضي على الفطرة، ولا ينجي منها إلا مواصلة الجهاد في تنقية القلب وتطهيره مما سوى الله، ولذا كان المؤمن دائماً في جهاد أكبر، لحماية مملكته الغالية التي بين جنبيه من استعباد الهوى والشهوات، واستعمار شياطين الجن والإنس لها. الرابع والثلاثون بعد المائة: عبودية الله تستلزم الإخبات له، فالعابد لله يكون مخبتاً له، والإخبات: الاطمئنان، فهو النزول بالنفس عن الكبرياء والغطرسة بأن تستذل لله وحده، وترى فقرها وحاجتها إليه ملازمين لها،ويسمى المكان المطمئن في اللغة: (خبتاً) والإخبات لله هو: الذل والاطمئنان عند ذكره خوفاً ووجلاً، والرضا بقضائه بالصبر على المصائب، وهو عدم الجزع والهلع لا الاستسلام بالكلية، بل يعالج قضاء الله بما قضاه من الأشياء التي تدفعه أو تخفف وطأته، وأ، يكون العابد مقيما للصلاة، مصطبرا عليها كما أمره الله، ليستعين بها على طاعته وتنفيذ وصاياه، وأن يجود بماله بالإنفاق فيما يرضي الله. وقد أوضح معنى الإخبات في قوله عز وجل: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [الحج: 35-34] فالإخبات من لوازم العبودية؛ لأنها مبنية على الذل والخضوع ومنه يسمى الطريق الممهد المذلل بالآلات معبد، لكن هذا الذل لا ينبغي إلا لله وحده، أما لسواه فلا يكون محموداً، بل هو جبن وخنث وميوعة، وقد يكون شركاً والعياذ بالله. وبعكس المخبت (المغرض الانتهازي) الذي يعبد الله على حرف، فإن نال خيراً ونجاحاً عاجلاً رضي واطمأن به ومن أجله، وإن أصابه شر أو انتكس مقصوده بحدوث فتنة أو محنة سخط على الله، وانقلب عن طاعته أو شك فيه - والعياذ بالله - فهذا ليس من العابدين لله، بل هو انتهازي ليس عنده إيمان ولاعقيدة، وعاقبته الخسران المحتم من الله في قوله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [ الحج: 11]. الخامس والثلاثون بعد المائة: العابد لله يلتفت إلى حكمة في مصالحة الأمور، فيدفع الشر والإساءة بالتي هي أحسن، ويكون حكيماً في المعاملة، يستجلب الود والإخاء، ويعفو عن الزلات، ويقابل المسيء بالإحسان، ليستبقي مودته، ويكسب صداقته، بدلاً من أن يشاوره، فيستعجل الخلاف، ويتفاقم الشر، ويعظم الخطر، ويتسع الصدع، قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [فصلت: 34] وهذا إذا كانت الإساءة ليس لها مساس بالدين أولاً، ولم تصدر من خبيث الطبع ثانياً، ولم تتكرر ثالثاً، فإن كان لها مساس بالدين وجب الغضب لله، غيرة له وحمية لدينه، فيعالجها بمقتضى الشرع من إزالة المنكر، وتأديب فاعله حسب حاله، وحال خطيئته، ناوياً بذلك رحمته بتطهيره مما قال أو فعل مع نصرته للحق، فإن الرحمة الصحيحة لا تتحقق إلا بذلك، فرحمته بنصحه وزجره وتأديبه ليرتدع فتطهر جوارحه وأحاسيسه من رجس الخطيئة وشؤمها، وتركه غش له وإيذاء لجوارحه، وتنجيس لروحه، وخيانة لرب العالمين وإخلال بعبوديته. وأما خبيث الطبع فلا ينفع معه التسامح، ولا يجدي فيه المعروف والإحسان، بل يزيد في تمرده وغروره واستعلائه على الأخيار، فعلاجه ودفع ضرره بقمعه بالعقوبة الرادعة الملائمة، نصحاً لله ولكتابه ولرسوله وعباده المؤمنين، وما أحسن قول الشاعر: واخش الأذى عند إكرام اللئيم كما ![]() تخشى الأذى إن أهنت الحر ذا النبل ![]() إن الصنيعة للأنذال تفسدهم ![]() كما تضر رياح الورد بالجعل ![]() وكذلك من تكرر بإهدار الكرامة والنيل من المؤمن، وإن لم يكن خبيث الطبع فإنه يردع حتى لا يكون ذلك سجية له، فيكون ردعه تهذيباً له ورحمة. فالعابد لله يجمع بين الصبر والانتفاضة، وبين الحلم والغلطة حسب الحدود الشرعية، بحيث لا يطغي كل منهما على الآخر، وقيل: لئن كنتُ محتاجاً إلى الحلم إنني ![]() إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج ![]() ولستُ أود الجهل خدناً وصاحباً ![]() ولكنني أرضى به حين أحرج ![]() السادس والثلاثون بعد المائة: عبودية الله توجب على العابد اعتزال المخالفين صراط الله، المنابذين لوحيه،فلا يجالسهم أو يقترب منهم، إلا لمصلحة دين الله، وما يستوجب خدمة عباده الصادقين، ولا يخالطهم على باطل أو يجلس معهم وهم يخوضون في آيات الله؛ لأن العامل لشيء من ذلك مخل بعبودية الله، بل قد انطفأت جمرة الغيرة لله من قلبه، لنقص حب الله فيه أو انعدامه منه والعياذ بالله، وقد قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68]. السابع والثلاثون بعد المائة: عبودية الله توجب على العابد ألا يوالي من خالف أوامر الله أو تجاوزه حدوده، أو عمل على إيذاء المؤمنين أو التنكيل بهم، ولا يتعاون مع فاعل ذلك، ولا يعينه، ولا يدفع عنه عقوبة، ولا يحسن إليه؛ لأنه بذلك يكون مسيئاً إلى الحق وأهله، مشجعاً للباطل وفاعليه، ومؤذياً أولياء الله، وناصراً أعداءه، وبذلك تكون المبارزة لله بالمحاربة كما ورد في الحديث القدسي: ((من عادي لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة))[5].. الحديث. بل عمله منافٍ لأصل التوحيد من الحب في الله والموالاة لأجله، والبغض في الله، والمعاداة من أجله. فالعابد لله لابد أن يعلن البراءة ممن انتهج غير شريعة الله وحكمه، واتبع غير سبيل المؤمنين، حاله في ذلك حاله أبينا إبراهيم إذ تبرأ من قومه المشركين. الثامن والثلاثون بعد المائة: فالعابد لله حقاً يكون صادق الوعد، لا يلويه عن الصدق أي مصلحة أو شهوة، وقد مدح الله نبيه إسماعيل عليه السلام بأنه كان صادق الوعد، وذم المنافقين بإخلافهم الوعد وترك الصدق في قوله تعالى:﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 75-77]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً))[6]. وقيل له - صلى الله عليه وسلم -: أيكون المؤمن جباناً؟ قال: ((نعم))، فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟ قال:((لا))[7]. التاسع والثلاثون بعد المائة: والعابد لله يأمر أهله بالصلاة والزكاة مصطبراً على ذلك، ممتثلاً أمر الله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه:132]. والأهل يشمل الأولاد ذكوراً وإناثاً، والزوجات، والإخوان، والأخوات، وسائر الأقارب أصولاً وفروعاً. ويتسع معنى الأهل باتساع القدرة ونفوذ الكلمة، فالحاكم يدخل في عموم أهله جميع رعاياه مهما كثر عددهم واتسعت بلادهم، فهو مسئول عنهم جميعاً. والصلاة عمود الدين، وهي الفارق بيننا وبين المشركين، والمسلم المؤمن مطالب من الله بقتال الناس حتى يشهدوا الشهادتين، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وإذا كان مطالباً بقتالهم، فكيف يغفل عمن هم تحت يده، أو يهملهم في إقامة هذه الشعائر؟!! الأربعون بعد المائة: عبودية الله تقتضي تحقيق ألوهيته في الأرض كألوهيته في السماء، فتخضع القلوب لسلطانه، وتنقاد الجوارح لطاعته وتمتلئ القلوب من محبته وتعظيمه، وتندفع جميع القوى والطاقات في نصرة دينه، وقمع المفتري عليه، وجعل الحاكمية له وحده، وتكريس كل الجهود لانتزاعها من كل ظالم وطاغوت يريد الاستبداد بها وفق أهوائه. فالعابد لله لا يقر أحداً على ذلك، فضلاً عن أن يخضع له؛ لأن من أقره وخضع له طوعاً يكون عابداً له قد اتخده نداً لله سبحانه وتعالى. أما الخاضع له والمنفذ لحكمه استحساناً فهذا مشرك، بخلاف المرغم عليه وهو ساخط، فإن حكمه حكم من أُكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. فإن عبادة الله تحصر السلطان له وحده في سائر ميادين الحياة، ولا تعتبر لعباد الله جنسية سوى العقيدة التي يتساوى فيها جميع الناس، والخارج عن ذلك ليس عبداً لله ؛ لأن عمله مناقض لمدلول الشهادتين. الحادي والأربعون بعد المائة: العابد لله حقاً عن حب ومعرفة، هو الذي يخر لتلاوة آيات الله خاشعاً مسبحاً، وإجلالاً لعظمة الله وتقديراً له حق قدره، واعترافاً بجميله، وقياماً بشكره، فيتدبر ما يتلوه أو يتلى عليه من وحي ربه، ويعمل بمدلوله بعد تفهمه الناتج من ذلك الخشوع والتدبر والتعظيم، فيكون هادياً مهدياً، صالحاً مصلحاً، مهتدياً بنفسه، داعياً إلى ربه، موزعاً لأنوار الوحيين، مصلحاً بها قلبه، مطهراً بها جوارحه، وساعياً لإصلاح ما قدر على إصلاحه من أهل الأرض على ضوئها، فيكون خليفة صالحاً لله في أرضه، كما أوجب عليه، وخلقه من أجل ذلك، ويكون مقتدياً بنبيه - صلى الله عليه وسلم - محسناً التصرف في ميراثه، مستجلباً بذلك مدد الله ونصرته على أعدائه مهما كانوا، ويحقق إنسانيته الكاملة بانتفاعه بكتاب الله علماً وعملاً. أما من كان على خلاف ذلك فقد دسى نفسه، ونزل بها عن مستوى الإنسان الرفيع إلى مستوى الحيوان الوضيع؛ لأن من لم ينتفع بوحي الله من كتاب وسنة وقد حمله الله إياه فهو كالحيوان، بل شبهه الله بأبلد البهائم وأخسها، فقال: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ﴾ [الجمعة: 5] وهذا المثل لمن لم ينتفع بوحي الله لعدم تقبله والانطباع به؛ لأنه ببلادته كالحمار الذي يحمل الكتب، فإنه لو حملها على ظهره طول عمره لم ينتفع بها لعدم فهمه، فالإنسان الذي شرفه الله وأمده بقبس من نوره فيما أوحاه إلى رسله، إذا زهد فيه وأعرض عن هدايته، وتخلى عن واجبه لله فيه، شابه ذلك الحمار في بلادته، وهو الجاني على نفسه بطرحه لما شرفه الله به، فاستحق ذلك المثل السيئ من الله الذي هو أحكم الحاكمين. ولكن كثيراً ممن رضي بالحياة الدنيا وقصر عمله عليها، وصار غاية همه ومنتهى قصده تأمين معيشته البهيمية، وتربية عياله، وجمع المال أو اكتسابه لهذه الغاية، دون تفكير بحمل رسالته وحماية عقيدته وتركيزها والتضحية بالنفس والمال في سبيل الله، لتنفيذ هذا المخطط، وتوسيع رقعة الإسلام - فهذا النوع الكثير من الناس اليوم- لو قيل لواحد منهم: (أنت كالحمار) غضب وزمجر، ووقع في عرضك، وقال عن نفسه:(أنا الرجل وأنا وأنا) وهو غافل سادر لا يدري أنه مستحق لهذا الوصف السيئ من رب العرش العظيم. وبسبب هذا الشعور الخاطئ وقلة الاهتمام بما أوجب الله من حمل الرسالة لتوزيع الهداية وحماية العقيدة تغلب على المسلمين الجامدين والمحسوبين على الإسلام طغام، ممن تسيرهم الأرتال الخمسة الماسونية اليهودية، وتحركهم المبادئ المادية التي غرسها اليهود على أيدي المستعمرين؛ لأن هؤلاء الطغام انشغلت قلوبهم - التي تركها المسلمون المفرطون فارغة - بتلك المبادئ، واستعلت تحمساً لها، فتصلبوا للدفاع في سبيلها ونجحوا - مؤقتاً- نجاحاً جروا به الخراب والدمار في كل ناحية، وسببه تبلد المسلمين لانطفاء جمرة الغيرة لله في قلوبهم. والله الذي ضرب هذا المثل لمن لم ينتفع بوحيه بحسن حمله ورعاية الأمانة فيه، قد ضرب مثلاً أسوأ منه لمن انحرف عن وحيه وانسلخ منه مبتغياً سواه، مما تهواه نفسه من المذاهب والأذواق، فشبهه بالكلب الذي من طبيعته أنه ﴿ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾ كما نص على ذلك في الآيات [175-176] من سورة الأعراف، وقد ذكرت في عدة مواضع أن هذا المثل هو من معجزات القرآن الخالدة، فإننا نرى المنحرف عن وحي الله إلى شهواته وأطماعه يلهث كالكلب، بل نجد هذا الصنف من الناس يتهارطون في صحفهم وإذاعاتهم، تهارط الكلاب، وإذا سكت بعضهم لم يسكت الآخر عنه فيعود إليه. وهذه من بعض عقوبات الله على الكفرة ومن شابههم من أدعياء الإسلام، الذين إذا ذكروا بآيات الله خروا عليها صما وعمياناً، لا تعيها آذانهم، ولا ترعاها قلوبهم، فلا تنطلق بها جوارهم، فإنهم بذلك يحدثون فراغاً هائلاً تنفتح به جميع ثغورهم أمام غزو أعدائهم المتنوع كما حصل، ولا ينجو المسلمون منه حتى يحققوا عبادة الله بأخذ وحيه بقوة، وأن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق، مبتعدين عن مشابهة أهل الكتاب في أي شيء كما سنوضحه. [1] أخرجه البخاري (32)، وأخرجه مسلم (124). [2] انظر التخريج السابق. [3] أخرجه الطبراني في الصغير (1/ 314) رقم (520)، والبيهقي في الشعب (5/ 453) رقم (7254) وغيرهم من طرق عن مطرف بن مازن عن سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعاً به. وقال ابن عدي في الكامل (6/ 430) وهو بهذا الإسناد منكر. اهـ. ومطرف بن مازن كذبه يحيى بن معين، وقال النسائي: ليس بثقة. انظر ميزان الاعتدال (6/ 443). [4] أخرجه الحاكم في المستدرك(1/ 45)، وابن حبان في صحيحه (3/ 210) رقم (930) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه به. [5] أخرجه البخاري (6502)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [6] أخرجه البخاري (6094)، ومسلم (2607) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. [7] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان(4812)، والخرائطي في مكارم الأخلاق (1/ 54)، ومالك في الموطأ (2/ 990) رقم (1795) من حديث صفوان بن سليم مرسلاً. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (8) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري في العبادة والسلوك: الثاني والأربعون بعد المائة: يجب أن تسيطر عبودية الله على العابد الصادق في سائر أنحاء سلوكه في تصرفه بماله, وفي تربيته لعياله, وفي معاملته مع الناس في الشارع, والمتجر, والمصنع, والمؤسسة والدائرة, وفي جميع واقعيات الحياة, من شئونه الاجتماعية, ونظرته السياسية, ومعاملاته الاقتصادية, وسلوكه في الحكم, إن كان حاكماً, أو منتظماً في دواوين الحكم. فيراقب الله ويخشاه ويتقيه في كل من ذلك، ففي المسلك الاقتصادي يعتبر المال مال الله, لا يصرفه في التبذير ولا في شهواته ورغباته, بل لا يصرف منه أقل قليل في معصية، ولو كانت صغيرة؛ لأن المعصية الصغيرة إذا اقترن بها صرف حقير المال كانت كبيرة. فالعابد لله كما يكتسب المال من حقه لا ينفقه إلا في حقه من طاعة الله, وما يستعين به على حمل رسالته, والقيام بإعلاء كلمة الله, بأي وجه من الوجوه، ومن الإنفاق الواجب عليه, ناوياً الاستعانة به على ذلك، مجتنباً الأشر والبطر ومجاراة السفهاء, أما في ميدان التربية, فيربي عياله وخدمه ومن يمونه من المسلمين تربية دينية صحيحة لا مادية صرفة, بل يجمع فيها بين الروح والمادة, مغلبًا جانب الروح لا جانب المادة, ملاحظاً مسئوليته أمام الله في كل من هم تحت مسئوليته وإشرافه, فلا يذهب للصلاة ويترك من تحت يده, بل لا يدع لهم مجالاً للتمرد على حكم الله والإعراض عنه, والانشغال بغيره, كيلا يكون خائناً لله في ميدان التربية والتعليم، ولا ينام ويغفل عنهم, ولا يتركهم لقرناء السوء، أو يعتمد في تربيتهم على المدارس المادية, ولا يجلب إليهم ممن يسير على مخطط مخالف لوحي الله, بل لا يعتمد ولا يثق بأي معلم حتى يراه صالحاً مطيعاً لله، عالماً بحكمه, وقافاً عند حدوده، معظماً لحرماته, ويبعد أولاده عن التعلم ممن خالف هذه الصفات, إذ لا خير في العلوم المادية إذا خلت عن الدين, فكيف إذا انحرفت بصاحبها عنه, فالمفضل لها ليس عابداً لله، بل هو من عبيد المادة. والعابد لله حقاً من يجعل المستقبل الديني غاية همه, ومنتهى قصده, معتمداً على الله في تحصيل المادة, ساعياً لها سعياً لا يضر بدينه، ويفضل أن يكزن ابنه عابدا لله حاملا لرسالته، ولو في أبسط حرفة, على أن يكون رئيساً ملحداً؛ لأن ولده من كسبه ولا ينتفع إلا بصلاحه وسلامة دينه وسعيه في مرضاة الله, وبعكسها يحرم النفع ويجني الأوزار، إذا كان ضلاله بسبب تفريطه في تعليمه العلم النافع, فعبودية الله تهديه لذلك وتجعله يؤثر الناحية الدينية. أما معاملته مع الناس في السوق والشارع, والمتجر والمصنع, والمؤسسة ونحوها, فإنه يقيم حكم الله في نصحهم وتوجيههم إلى الله, وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وحضهم على الفضيلة, والتعاون معهم على البر والتقوى, وعدم مجاراتهم, أو السكوت على ما يراه من إثم وعدوان, وأن يكون طبيباً لقلوبهم، رحيماً بهم في النصح والتعليم, لا يستهزئ بهم ولا يدعهم بدون توجيه وإنكار، ومن أعياه أمره منهم ابتعد عنه وهجره وقاطعه حتى يفيء إلى أمر الله, ولا يسمح لأي نوع من الفساد أو دواعي الفتنة أن ينتشر في سوقه أو أي مرفق من مرافق بلده أبدًا. وفي سلوكه في الحكم يقف عند حدود الله، ولا يتخطى شريعته أبداً, وفي معاملته مع الحكام ومصاحبته لهم, يذكرهم بأمر الله، وسلطانه الأعلى, ويسدد خطاهم فيما قصروا فيه, ويعظهم ويقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً، ولا يداهنهم بالسكوت أو يغريهم بالمدح الباطل، فإن هذا خيانة لله من جهة, وغش لهم من جهة أخرى، وكله مخل بعبودية الله. الثالث والأربعون بعد المائة: لا تقوم أي دعوة إصلاحية، ولا ينجح أي مجهود لتقويم الأخلاق، وتطهير المجتمع من أنواع الفساد, وتزكية النفوس من الغش والأحقاد, والنفاق والشهوات و الأنانية، إلا بتحقيق عبودية الله على أساس تصحيح العقيدة والاستقامة على الإخلاص لله والصدق معه, حباً له وطمعاً في ثوابه, وشوقاً إلى لقائه, والأنس بقربه ورضوانه, وخوفاً من غضبه وعقابه, وطرده من رحمته, وحرمانه من رؤيته، فيخضع لسلطانه بتدبر وحيه من كتاب وسنة والقيام بتنفيذهما, وتقرير القيم, ووضع موازين النظم على أساسهما, وجعل سلطته خاضعة لهما, مسيرة في فرضهما وتنفيذهما على المجتمع,إذ بدون ذلك تتأرجح الأخلاق, وتتخبط المفاهيم, وتطيش الأوزان، وتتغلب الأغراض النفسية والشهوات, وهمزات الشياطين على كل حركة لا تقوم على أساس العبودية لله, والخضوع لحكمه والتزام وحيه. ولذا كانت جميع دعوات الرسل إلى عبادة وتقرير منهج (لا إله إلا الله) لتحرير الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات, ولكي يتوجهوا إلى خالقهم، وينشغلوا بحبه وذكره, والعمل بطاعته, ويستلهموا الهداية في كل شأن من شئونهم, ونائبة تنوبهم من وحي الله فقط لا يلتفتون إلى غيره, ولا يريدون سواه, وبذلك ينجح عملهم ويثمر مجهودهم وتتوحد صفوفهم؛ لأنه لا يشعر بعضهم بضغط بعض, بل ولا يراه حاصلاً, إنما يرى حكم الله هو المسيطر, وذلك بعدما تتقرر (لا إله إلا الله) في القلوب، وتتكيف بها الأعمال والنظريات والمقترحات, وسائر الأحوال، فتطهر الأرض من طواغيت الأهواء وأرباب الحكم المبني عليها, وهم الذين عارضوا الرسل وقاوموهم. ولو دعتهم رسل الله إلى التكتل تحت قومية أو وطنية يقيمون لأجلها حكماً علمانياً لما عارضوهم, بل طاروا فرحاً بما اقترحوه؛ لأنه يؤيد أهواءهم ويبعثهم على مللهم ونحلهم، ورغباتهم التي هي افتراء على الله وابتعاد عن سبيله, ولكن يأبى ذلك؛ لأنه ليس فيه تحرير صحيح ولا تطهير, وإنما فيه إقرار للتسلط وعبادة الهوى وتوسيع لرقعة الشقاق والجرائم بدل الوحدة والأمن، فالله لم يرسل (نوحاً) لتقرير سلطان قومه على ما يريدونه من التكتل الوطني والعمل المادي, ولم يرسل (هوداً) ليقرر سلطان (عاد) ويجعل لهم الخيرة في النوع الذي يريدونه من الحكم والشهوات،ولم يرسل (صالحاً) إلى (ثمود) لهذا الغرض الذي يعشقه القوميون من مخططات الماسونية اليهودية, ولم يرسل خليله (إبراهيم) ليقرر سلطان قومه ويبيح لهم ما أرادوا, بل قال لهم: ﴿ أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 86-87] وإنما أرسلهم لتقرير عقيدة (لا إله إلا الله) وتوحيد سلطتها, وإعلاء كلمتها على جميع أهوائهم وشهواتهم،فما رضوا برسل الله من أجل انتزاع سلطتهم، وقاوموهم للإبقاء عليها والاحتفاظ بها, مع أنهم لا ينكرون ربوبية الله، ولكن لا يريدون الخضوع لسلطانه، والتقيد بأوامره المزيلة لسلطتهم، والقامعة لأهوائهم. وكذلك لم يرسل محمداً صلى الله عليه وسلم لإقرار سلطان العرب أو غيرهم على ما يريدون, ولو كان هكذا لقلَّ المخالف, بل قال تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ﴾ [ المؤمنون: 71] إن العرب وقت البعثة المحمدية كانوا أشد شراً من حالهم في مطلع هذا القرن الرابع عشر الهجري، والعشرين الميلادي, إنهم أسوأ حالة منا في البؤس والشقاء, والفرقة والتناحر والاستعمار المطوق لهم من جميع الجهات، فالجنوب العربي يتقلب بين استعمار الفرس والأحباش, وباقي الجهات تحت نفوذ الرومان والفرس, ولم يسلم من الاحتلال المباشر إلا ما لا يستحق الاحتلال من الأراضي, التي يصور لنا الشاعر العربي معيشة أهلها في فخر واعتزاز، وتنويه وإعجاب: فما العيش إلا الضب يحرشه الفتى ![]() وورد بمستن اليرابيع أكدر ![]() فلو قام يدعوهم ويلهب شعورهم إلى قومية يتكتلون تحت لوائها وشعاراتها؛ ليطردوا بها المحتل لبلادهم، وسائر ثغورهم، لاستجابوا له بدون كلفة ولا تعنت, واستراح من عنادهم وإيذائهم، وقد يتوجوه ويملكوه أمرهم لما يعرفون من شرفه وأمانته, ولأنه يدعوهم إلى ما لا يخالف أهواءهم ولا يطمس مللهم ونحلهم, ويكبت مقاصدهم؛ لأن الدعوة القومية فيها إقرار لكل ذي باطل على باطله فيما يتعلق بالله. وكذلك لو دعاهم إلى مذهب اجتماعي من مخترعات اليهود المفسدين يثير بها الأكثرية الغوغائية على طبقة الأشراف و الأثرياء، لاستجاب له الأكثر, ثم كان الأقل مغلوباً وانتصر في الحال, بدلاً من أن يتعثر بدعوة (لا إله إلا الله) التي لا تدع لأحد من كل الطبقات شيئاً من الخيرة في أمره, ولكن الله لا يريد شيئاً من ذلك ولا يرضاه ولو في فترة قصيرة؛ لأن الله لا يرضى الشرك لحظة واحدة, ولا يجيز لأحد من أنبيائه وأتباعهم الممالأة عليه أبداً, وليس من حكمته التدرج في خلقه على ضلال؛ لأنه لا يجدي في النهاية, بل يكون هادماً لمقصود الرسالات, ومعجزاتها, ومبادئها الثابتة, من أول وهلة إلى النهاية. ولو علم الله في ذلك خيراً لأمر أنبياءه أو بعضهم أو خاتمهم محمداً صلى الله عليه وسلم أن يدعو إلى مبدأ قومي، أو مذهب اجتماعي, يسير الناس عليه, حتى إذا تجمعوا وقهر بعضهم بعضاً عليه دعاهم بعده إلى التوحيد الخالص بعدما أركسهم في الشرك المتنوع, ولكن يأبى الله أن يشوب دعوة الرسل, أو يتقدمها شيء من ضروب الوثنية المادية، واتباع الهوى، بل كانت الغاية والحكمة بعث الرسل بالتوحيد الذي ينتزع فيه سلطان الأهواء والشهوات من كل ناحية, فلا يبقى للأهواء والشهوات مرتع في الحكم, أو في سائر أنواع السلوك, وهو العليم الحكيم-جل وعلا- يريد أن يمحو سلطان البشر على البشر من أي نوع كان؛ حتى لا يحكم أحد أحداً إلا بحكم الله المطهر للنفوس والجوارح، والمصلح لجميع الأحوال بتحقيق العبودية له وحده. الرابع والأربعون بعد المائة: العابد لله يكون مرهف الإحساس، قوي الشعور, صادق العزيمة عظيم الهمة, يطير إلى الله بجناح الشوق، مسارعاً في مرضاته, نشيطاً في طاعته, محباً للقائه, غير ضجر ولا ملول، فلا يُفقد في مواقف الطاعة ومواقع الجهاد, فضلاً من أن يتفقده أهل الحسبة أو يأطروه؛ لأن من كان كذلك فشعوره بارد,ومحبته ضعيفة، وشوقه مفقود. فعباد الله حقاً يطيرون إليه بأجنحة من الشوق دون زاجر أو مرهب, سوى ما في قلوبهم من معرفة الله الصحيحة ومحبته الصادقة التي انبعث منها الشوق إلى لقائه, تصديقاً بوعده ورغبة في جنته, فتجدهم رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار، يستهمون على الجهاد نصرة لدين الله وطلباً للشهادة المسرعة بهم إلى ما وعدهم ربهم, قد قادهم إلى الله علمهم به, وتقديرهم له حق قدره, وقيامهم العملي بشكر نعمته وبره وإحسانه, ومعرفتهم لوظيفتهم في الأرض من أنهم خلفاؤه فيها, وأمناؤه على وحيه ورسالته, فلذلك لا يبغون عنهما بديلاً. بخلاف الجهلة الذين لعبت عليهم الماسونية واليهودية، وجعلتهم يعملون للطين لا للدين، ويقاتلون في سبيل الشيطان, شيطان الهوى وشيطان الإنس الذي يحبونه ويعملون له من دون الله, ولذا قال تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [يس: 60- 61] وقد أوضحت معنى الشيطان في أول التفسير, فليرجع إليه. الخامس والأربعون بعد المائة: الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يستلزم من صاحبه تجديد حياته كل ساعة بمراقبة الله وخشيته والرجوع إليه بالتوبة والاستغفار, والتزام حكمه في كل شيء, لئلا يتعثر في سيره، أو يستمر على تعثره بدوام ميله مع الشهوات واقترافه للدنايا بسبب إثرته التي لا ينجيه منها إلا تصديق ذلك الابتهال بالعمل, وحسن المراقبة ودوام الاستغفار الصحيح وصدق الاستعانة بربه, حتى لا يكله إلى نفسه ويدعه حيران يتخبط في ضلال حيرته، ويدور في حلقات مفرغة من التجارب المخفقة المضيعة لوقته وطاقاته. السادس والأربعون بعد المائة: الاستعانة الصادقة بالله تحيي الأمل في الإرادة الضعيفة الباردة أو المخدرة المسلولة, وينهض عزيمة العبد الراقدة أو المتبرة, فتجعله يستأنف سيره إلى الله, ويسترجع قواه حسياً ومعنوياً, وتزيل عنه الكنود القديم الذي يعوقه عن ذلك، ويجعله ينال منزلته الحقيقية في الدنيا وفي الآخرة, ذلك أن المستعين بالله محب له, واثق به, معتمد عليه، ناصب وجهه إليه، ملتزم لحكمه, ساعٍ فيما يرضيه, فيكون متسلحاً بالأسلحة الروحية مع الأسلحة المادية فلا يغلبه غالب, وقد جربت الدنيا ذلك على أيدي الصحابة الكرام. السابع والأربعون بعد المائة: الضراعةالصادقة المتكررة من عبدالله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ حياة متجددة من المقبل عليه, وعودة ونقلة حاسمة من الغافل عنه, تتغير بها معالم النفس المتغذية بوحي الله, كما تتغير الأرض الموات بالمقادير الكافية من الماء والمخصبات، إنه بالتكرار لهذه الضراعة يصقل قلبه بتكرير مناجاة محبوبه الأعظم، وتتحرك جوارحه لتصديق ما في قلبه بتكرير مناجاة محبوبه الأعظم, وتتحرك جوارحه لتصديق ما في قلبه من الحب والإخلاص لله, فتنفجر طاقاته في حمل رسالة ربه والجهاد في سبيله، ويتوقد ذكاؤه, وتتبارك جهوده ومساعيه ببركة قربه من ربه وعمله لوجهه الكريم؛ لأن الضارع الصادق بهذه الآية تنحصر تحركاته من أقوال و أعمال لله وفق شرعه, لا يشوبها شائبة من نزغات الهوى والشيطان, فيحظى بهذه الثمرة باطناً وظاهراً. وبعكسه البعيد من الله يكون محروماً من النور المعنوي، وعقيماً من النجاح الصحيح فمواهب الذكاء والمعرفة والقوة والجمال تتحول إلى نقم ومصائب, وشقاق ومتاعب، عندما يبتعد صاحبها من الله فيحرم من بركته وتوفيقه، هذا إذا قدر له نجاح مادي مؤقت يئول إلى هكذا، وإلا فالغالب هزيمته وإفلاسه, ولذلك يخوّف الله عباده سوء العاقبة بقوله تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ [ الذاريات: 50 - 51] وكل ما يجريه الله من المهلكات والمروعات في الدنيا فهو إشعار لعباده بما يتعرضهم من المعاطب بسبب التفريط في جانبه, فكما تلتمس النجاة من الخطر الداهم الذي تنظره بعينك فاحسب أعظم حساب لما يوعدك الله به, فاهرب منه إليه. الثامن والأربعون بعد المائة: العابد لله حقاً لا يتجاوز نصوص الوحيين من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم معتقداً كفايتهما في كل شيء، مستيقناً أن ربه – سبحانه – ليس (نسياً) وأنه لا يعزب عن علمه شيء في السموات ولا في الأرض، وأن علمه محيط بالسابق واللاحق, وأن أحكامه وتشريعاته كافية مغنية لحل جميع المشاكل في كل عصر، وأن ما يجري مما يسميه أعداء الله تطوراً إنما هو زيغ وضلال وتهتك وانحلال، وأن التطور الصحيح يجب أن يمشي وفق ما شرعه الله, فإذا خالفه فليس تطوراً, بل هو رجوع إلى جاهلية وهمجية جديدة وإن ظهر بألوان وأسماء مخترعة شتى للدجل والتضليل. فإن خبثاء القصد والعمل قد بهرجوا جاهليتهم بطلاء العلم والمعرفة والحضارة والمدنية ليسوّغوا تسميته تطوراً, والعلم الصحيح والمعرفة الحق على خلاف ما يريدون؛ لأنهما يدلان إلى الله ويخضعان صاحبهما لحكمه, فالعابد لله المتصور لمقصوده من إرسال الرسل يعرف أن الجاهلية ليست صورة معينة لفترات تاريخيه قد مضت وانتهت بلا رجعة, وليس مقابل ما يسمى بالعلم والمعارف والرقي والحضارة؛ لأنها لو كانت كذلك من هذا النوع أو ذاك لفندها القرآن وعاب أهلها بعدم معرفتهم العلوم والفنون المادية والنظم الإدارية أو السياسية، ولأوضحها لهم ليخرجوا بها من جاهليتهم إلى طور جديد, فأعطاهم البديل من الجهل المادي بعلم الكيمياء والفلك والرياضة والطبيعة والجيولوجيا وغيرها، وأعطاهم البديل من الجهل السياسي بالنظريات السياسية المختلفة في المكر والخديعة. ولكن جاهليتهم ليست من عدم علمهم بهذه الأشياء وممارستهم لها, فإن عندهم علوماً مادية ورياضية على حسب متطلبات بيئتهم وزمانهم, وعندهم من فنون القوة والجمال شيئاً لم يبلغ بعضه من بعدهم، كما قال تعالى في الآية (9) من سورة الروم, والآية (69) من سورة التوبة، والآية (21) من سورة المؤمن, وغيرها، وعندهم من أساليب المكر السياسي ما يلائم أحوالهم مما يماثل المكر المعاصر أو يزيد. وإنما جاهليتهم مبنية على اتباع الهوى والشهوات, وتقليد الآباء، ومسايرة الناس بغير هدى من الله, بل على أساس رفض وحي الله ومحاربة رسله وأتباعهم، وإعلان بغضهم، والتنفير عنهم, وتمجيد الاعتماد على النفس وانطلاقها في التصورات والأفعال دون وازع سوى حكم الطاغوت أو القوة المادية, هذه حقيقة الجاهلية الأولى المعادية لرسل الله، سواء كانت جاهلية عربية أو رومانية أو يونانية أو فرعونية أو فارسية أو هندية أو صينية, فلا عبرة بالأسماء ولا بالانتساب، إنما العبرة بالحالة النفسية التي تأبى الانقياد لأمر الله والانصياع لحكمه؛ اتباعاً للهوى ورغبة في الأنانية والنفوذ المطلق بأي صورة ظهرت، وبهذا التعريف الظاهر المنضبط الصحيح يتضح لعبد الله أن لكل قوم في كل زمان جاهلية، فيحذرها ويفر منها إلى الله بالاستمساك بوحيه والاستغناء به والرجوع إليه في كل ورد وصدر, واعتقاد أن جميع المظاهر والتصورات والأعمال المخالفة له جاهلية ورجس من مبتكرات الطواغيت المختلفة, ويدرك الأغوار البعيدة والمقاصد الخبيثة لما يطنطن به الملحدون والمغفلون من كلمات الحرية والحضارة والمدنية, التي هي من شعارات الماسونية البارزة في الثورة الفرنسية وألاعيبها في السلطنة التركية، تلك الأمور التي كان من ثمراتها الحنظلية تمركز اليهودية العالمية وأذنابها بكثير من المراكز الحساسة في أغلب الدول المنصبغة بالجاهلية الحديثة, سواء ادعت العروبة أو الإسلام أو النصرانية أو غيرها من الألقاب المبهرجة, كما كان من ثمراتها فصل الدين عن الدولة, بل إقصاؤه عن جميع واقعيات الحياة ومناصبته العداء، واستغلالهم مسمى (الحرية) لجميع أنواع الإلحاد والعهارة التي تهز القيم الدينية والأخلاق النبوية والأعراف المنبثقة عنهما, وتجاهر بتسفيه أهلها وتشكيك الناس فيهما، وإطلاق العنان للشهوات البهيمية تحت رعاية دولهم, مما يجعل هذه الدول على غاية من (الدياثة) لإقرارها السوء في أعراض أهاليها, وتشجيعهم على ذلك, ويعملون بكل جد ونشاط على جعل الإنسان يعبد نفسه بخدمتها والسعي وراء متطلباتها دون الالتفات إلى الله جعل الإنسان يعبد إنساناً مثله باسم المبدأ أو الفلسفة للمبدأ أو الزعامة فيه, وإعطائه قداسة الألوهية بتعظيم صورته وعرض تماثيله على الجماهير والانحناء له حياً وميتاً في قبره, بل يعملون على عبادة الشخص لفئة خاصة أو وطنه كما هو معروف معمول به في مناهج القوميات التي قلبوا فيها دين الحق، دين تعدد بمختلف الغايات والأصنام الناطقة والاتجاه إليها, مما جعلهم في أحط أنواع الجاهلية واعتقادهم في سوء التأثير والإصرار بسبب عمق التضليل وقوة الدجل واللعب بالعواطف واستغلال العلم المادي وسائر الفنون في هذا السبيل, بحيث قال شاعرهم: لا رب إلا الشعب جل جلاله ![]() فله العبادة لا شريك له ينوب ![]() وقال الشاعر الوثني الآخر: انطلق في ضحاها ومساها ![]() يا أخي قد أصبح الشعب إلها ![]() مع أنه الشعب الذي يتغنى المغرضون باسمه ويأخذون كل شيء باسمه ويحاكمون ويقتلون ما شاءوا باسمه ليس له من أمره و لا مثقال ذرة بل يسوقه الحكم العسكري الغاشم إلى ما يريده, ويحركه تحريك الآلة بحيث تكون الأنعام أحسن منه حالة, وقد قدمنا فيما مضى أن ذلك عقوبة من الله يجريها على من تنكب عبادته فيبتليه بعبادة من لا يرحمه ولا يقبل منه معذرة ولا تسويفا، ومنشأ هذه الأحوال التي يتردى فيها الإنسان هو الانتقاص من كفاية وحي الله وعدم الاستغناء به والانشغال بتدبره؛ فتحصل الرغبة في غيره أو طلب المزيد من غيره لحل المشاكل، فتتلطخ الأدمغة وتفسد التصورات, وبفساد التصور يحصل الانحراف وينقلب الاتجاه بانقلاب المفاهيم, حتى أن الذين ابتلوا بالنظريات العصرية والمذاهب الثورية يرفضون الأخلاق والفضيلة, ويزدرون ما يسمى (الحق) فلا يوجد عندهم ميزان صحيح للحق والفضيلة، كأن الحق والقيم الخلقية ليست إلا أشياء نسبية، اقتصرت شرعيتها وفائدتها على زمان أو مكان خاص أو بيئة مخصوصة، وقد لقبوا المجتمعات المؤسسة على الدين والأخلاق النبوية بالجمود والتزمت والتأخر، وعملوا على القضاء عليها باسم العلم والفنون والتصنيع والتجميل, كأن ذلك لا يتم إلا على حسابها، وصدق معنى الحديث المروي عن علي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنها ستكون فتنة)) قلت: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: ((كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء, ولا يخلق على كثرة الرد, ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ﴾ [الجن:1-2] من قال به صدق, ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم))[1]. فكل ما حدث وما يحدث من النظريات والفتن والفساد وأنواع المحن سببه الانحراف عن تحقيق العبودية لله، والانصراف عن وحيه زهداً فيه أو انتقاصاً له إلى غيره من العلوم المادية والنظريات الماسونية اليهودية المتنوعة, وهداية الله النافعة في كل ميدان والدالة على عبوديته وطريق مرضاته والمحققة للوحدة والأمن الصحيح والعيشة الراضية في الدارين لا تحصل إلا من طريق الوحيين: كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فالمنحرف عنها والمنصرف إلى غيرها مبتعد عن عبودية الله وهدايته ونيل وعده الصادق. وروى الإمام أحمد والنسائي والدارمي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال: ((هذا سبيل الله)). ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله وقال:"هذه سبل, على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه وقرأ: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153][2]. ولا يحصل الاستغناء بالنصين وتحقيق اعتقاد كفايتهما إلا بالإقبال التام عليهما وبذل الجهد في معرفة معانيهما, وحصر التلقي لجميع أنواع الهداية منهما, وحصر معالجة المشاكل كلها فيهما, والتصميم الجازم على دفع كل ما عارضهما مع اعتقاد فساده واعتقاد ظهور ما خفي من فساد, عاجلاً أو آجلاً, فيرفض كل مذهب أو نظرية أو علم يخالفهما من أي مصدر كانت, وبذلك تكمل عبوديته لله ويصدق في ضراعته لله بسؤاله الهداية إلى الصراط المستقيم. التاسع والأربعون بعد المائة: العابد لله لا يقرأ القرآن لأجل المزيد من المعلومات فقط, ولا لأجل تحصيل الثواب الموعود به على كل حرف, فيشرع في قراءته أو يكررها دون تفهم وخشوع, ودون تصميم على التنفيذ لأوامر الله فيه بكل قوة وتحمس, ولا تكون قراءته بقصد الاستمتاع بفصاحته أو التذوق من بلاغته, شأن المائقين المتحذلقين من ذوي الابتعاد والشكوك في الماضي والحاضر، بل يقرأ القرآن لأجل أن يتلقى كلام رب العالمين, كلام الملك العلام, مالك الملك المختص بالفصل يوم القيامة, اليوم الذي لا ينجو فيه إلا العاملون بالقرآن. فعبودية الله تستلزم من عبده الصادق أن يقرأ ذلك الكتاب كقراءة الجندي والموظف الذي يقرأ كتاب رئيسه ليعمل بمقتضاه, وينفذ وصاياه متشرفاً به – إن كان مخلصا – فعبد الله المخلص له، الصادق معه, يتشرف بقراءة كتابه العزيز ووحيه الثاني المفسر له من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم, ويفرح بهما أعظم فرحة، ويتلقاهما كتلقي الجندي في الميدان لتوصيات رئيسه, معرضاً عما سواهما, لا يرفع به رأساً, وبذلك تحصل الطواعية لله ولرسوله، وتنحصر صلة العبد بهما، وينفصل عما عداهما انفصالاً كاملاً, عن شعور إيماني عميق، منبثق من محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومنابذة ما عداهما فراراً من الإثم، والتزاماً بقواعد المحبة وضوابطها. وإذا قرأ عباد الله كتاب الله على هذا النحو وتلقوه بهذه الصورة, انفتحت لهم كنوز العلم والمعرفة، وتيسر لهم العمل به دون إحساس بأي تكليف, بل يستطيعون العمل لله, ويتلذذون به, ويتنافسون بالتضحية في سبيله, ويتسابقون إلى الفداء؛ لأن ذواتهم تكيفت بوحي الله الذي انخنست به قلوبهم, وتغلغل في شرايينهم، وهناك تتفجر طاقاتهم وتصبح ثقافتهم ثقافة محمدية متحركة, زحافة في كل ميدان, وإلى كل صقع ووادِ, لا تقتصر على ملازم الكتب أو أعمدة الصحف والمجلات, و لا تتحجر في الصناديق والدواليب, وإنما تحرك أهلها ذات اليمين و ذات الشمال، حيث أراد الله من الزحف المقدس، الذي قام به أسلافنا عباد الرحمن, والذي لا نزال نسعى في آثاره وبقاياه من الأرض. هذا نتاج القرآن لمن أقبل عليه بفرح وحب، وتشرف وتشوق، وتعاهده حتى ينغرس في قلبه, وينمو في عروقه، ولقد كان السلف لا يتجاوزن بعض آيات منه حتى يحفظوها ويتدبروها ويقوموا بواجبها من التنفيذ، ولم يكن همهم مقصوراً على الاستكثار من قراءته كحالنا في هذا العصر, لشعورهم بعظم المسئولية من الواجبات والتكاليف حتى حصلت عندهم الملكة على تحملها بكاملها، ورعايتها حق رعايتها. فإن هذا القرآن لم يجعله الله كتاب قصة وفن أو أدب وتاريخ، وإنما جعله الله ميثاقه العظيم المتين لعباده في الأرض؛ ليكون منهاجاً لسيرهم في جميع ميادين الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، ومرجعاً وحيداً لهم في سائر ما ينوبهم من ذلك، لا يبقى رمزاً في الخيال مجمداً في الذهن، أو محجوراً في مكان، أو مقصورا على شيء دون شيء, والذين يريدون حصره في شيء من ذلك من المثقفين ثقافة عصرية مادية حسب مخطط أعداء الإسلام قد سلكوا أقبح مسالك الشرك في تنقيص الله وبخسهم لحقه وانتزاعهم لسلطانه, وتأليه أنفسهم من دونه, بجعل الحاكمية لغيره من البشر الذين يريدون أن تكون لهم الخيرة من أمرهم. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]()
|
أقول عن هؤلاء المتلبسين بأقبح أنواع الشرك وأفظعها: إنهم لا يرضون لمواثيقهم و أنظمتهم التي دبروها أن تكون خيالاً في الذهن، لا وجود له في الخارج, أو يكون العمل بها مقصوراً على ناحية دون ناحية, بل يعتبرون هذا ردة وخيانة، كما لا يجوزون لأحد من الشعوب المدينة بها أن يخرج عن طاعة واضعيها، أو يختار لنفسه منهجاً يلائمه سواها، فيعتبرونه متمرداً أو عميلاً خائناً ومتآمراً على سلامة الوطن أو الدولة، إلى غير ذلك من التهم التي يصبون عليه بسببها أنواع العقوبات, فقد جعلوا لأنفسهم منزلة أعظم من الله، إذ جعلوا لأنفسهم ونظمهم الوضعية كامل الإيمان والسلطة والنفوذ في كل شيء دون الله ووحيه العزيز، الذي يزعمون أنه في الضمير فقط, بالله عليكم أي شي في الضمير لا يلهب الحماس, ولا يحرك الجوارح؟!! هذا خيال لا وجود له. وهل يقبلون من أحد دعوى الوطنية في ضميره, وهو لا يعمل لصالح وطنه, ولا ينطق لصالح وطنه؟ أو هل يقبلون من أحد دعوى إيمانه بالقومية في ضميره، وهو يسلك المسالك المخالفة لها في عرفهم العصبي؟ أو يقبلون دعوى الإيمان بالشيوعية وفروعها من الاشتراكيات في الضمير, دون التقيد بخططها ومواثيقها الماركسية؟ إذا كانوا لا يرضون ذلك – وطبعاً لا يرضونه – فما قيمة دعواهم أن الدين في الضمير؟ أو أن العبادة مختصة في المساجد والمعابد، أو أن القرآن جاء بشريعة ودين لعصور قديمة متخلفة؟ أو نحو ذلك من المفتريات الماسونية. حقاً, إن ما في الضمير لا بد أن ينطق به اللسان، وتتحرك به الجوارح والأحاسيس، فإن حلَّ حب الله و رسوله حقاً في الضمير؛ كان وحي الله من كتاب وسنة غذاء للقلب, ومتعة للأحاسيس، فانشغل اللسان بوحي الله وذكره, وتحركت الجوارح إلى طاعته وتنفيذ أوامره، وابتعدت عن موجبات سخطه بدافع روحي لا مثيل له، بحيث إن الإنسان يقدر على التهرب من النظم الوضعية، فيخالفها بشتى الوسائل، ولكن الوازع الديني من خشية الله ومراقبته, والطمع في ثوابه الجزيل, والخوف من عذابه الأليم المقيم، يجعله لا يستهين بأوامر الله، أو يتهرب من تنفيذها، لما حل في ضميره من الحب والمراقبة، وعلى العكس إذا خلا الضمير من حب الله وتعظيمه، وحل فيه حب غير الله أو تعظيم غير الله والخوف منه, انصرف إليه واستمال إلى ما يقذفه عليه, وتحرك إلى ما يريده دون مبالاة بالله, كما هو المشاهد من حال أكثر أهل هذا العصر. ثم إنا نسأل الذين يحصرون الدين في الضمير، نقول لهم: هل تسمحون للمسلم الصحيح أن ينطق بما يمليه ضميره, ويتحرك لما يوجهه إليه ضميره المحب لله حقيقة؟ أو تقيدونه به من كل ناحية على حسب ما تريدون؟ فأي قيمة لما في ضميره. بل أي حرية تتشدقون بها؟ إن المواثيق الماركسية والدساتير الوطنية – بأي صبغة صبغت – لا قيمة لها، إذا كانت خيالاً في الضمير، لا يظهر مفعولها ويبرز وجودها في الخارج, ولكن جندت لها جميع القوى الإعلامية والثقافية والعسكرية حتى انطبعت بها الأدمغة، وفرضت على الناس، وأبرز باسمها طواغيت شتى، فرضوا ألوهيتهم ونفوذهم على البشر, بمختلف أنواع التسلط من فكري وعسكري, فما بال الدين يبقى أكذوبة مزعومة في الضمير؟ وما بال المسلمين يظلون متسولين عطف غيرهم عليهم؟ إن من أعظم الواجب لتصديق حب الله وتحقيق تعظيمه في قلوبهم: الخشوع لذكر الله وما نزل من الحق, وتدبر القرآن بكل حب وشغف ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]. والتصميم على تنفيذ أوامر الله والزحف برسالاته والسعي لإعلاء كلمته في الأرض أشد مما يسعى غيرهم من أهل المبادئ العصبية، والمذاهب المادية الوثنية، فمن العار أن يغلبهم أولئك، إنهم لا يحققون عبودية الله حتى يرعوا ميثاقه الأعظم بتنفيذ وصاياه في وحيه وإقامة حكمه، وأن يقوموا لله قومة الصادق المخلص، لا يخشون غيره ولا يرقبون سواه، فكل منهم مطالب بتحقيق شعار المسلمين ﴿ وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: 79] ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162-163]. وكيف يحقق هذا الشعار بدون تدبر القرآن والتزام نصوصه وتحكيمه فقط على نفسه وعلى غيره في كل ورد وصدر؟ لابد من ذلك، وبتحقيقه يحصل البعث الإسلامي من جديد، وتحصل الوقفة الصحيحة أمام كل جاهلية، مهما انصبغت بالأسماء والألقاب، ومهما ادعت لنفسها من العلم الذي ادعاه أسلافها من الجاهليات, إذ يقابل عباد الله خططهم بما يدفعها و يدمغها ويزهقها ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81] أما الذي يتبع معهم أو يؤول النصوص على وفق أهوائهم أو اكتشافاتهم, أو يضرب بعضها ببعض طالباً وراغباً الراحة في حياة بهيمية يذوب بسببها في بوتقتهم، أو يقتصر من كلام الله على مجرد التلاوة, فهذا فيه شعبة أو شعب من النفاق شعر بها أو لم يشعر, وبعضهم يكون جاهلاً ناقص الإيمان، وبعضهم فيه مشابهة للذين يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكّروا به أو فيه مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني – أي: مجرد تلاوة – ومنهم من هو سَمّاع للقوم الظالمين, فيه استعداد تام لقبول الكذب. وجميع أهل هذه الأصناف مذموم عند الله كما هو صريح وحيه, فلا يكون من المحققين لعبادته بالعمل الصحيح لدينه، وقد روى مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين"[3]. وفي الأثر المعروف الذي رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني - وقد ذكره الطلمنكي -: حدثنا يزيد بن عبد ربه: حدثنا بقية، حدثنا عتبة، عن أبي حكيم: حدثنا عمارة بن راشد الكناني، عن زياد، عن معاذ بن جبل، قال: يقرأ القرآن رجلان, فرجل له فيه هوى ونية يفليه فلي الرأس, يلتمس أن يجد فيه أمراً يخرج به على الناس، أولئك شرار أمتهم، أولئك يعمي الله عليهم سبل الهدى، ورجل يقرأه ليس له فيه هوى ولا نية[4] يفليه فلي الرأس فما تبين له منه عمل به, وما اشتبه عليه وكل إلى الله ليتفقهن فيه فقهاً [5] وما فقهه قوم قط, حتى لو أن أحدهم لبث عشرين سنة ليبعثن الله له من يبين له الآية التي أشكلت عليه أو يفهمه إياها من قبل نفسه, قال بقية: أشهدني ابن عيينة حديث عتبة هذا[6]. الخمسون بعد المائة: العابد لله الذي يأخذ حمده وتقديسه بشغاف قلبه, ويشكره شكراً عملياً على فضله وإحسانه, ومجموع آلائه، مصدقاً بها وقائماً بحقوقها عن حب وتعظيم، وشوق إلى لقائه، وخوف من سخطه وعقابه، وطمعاً قي قربه وثوابه ﴿ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يوم الجزاء والحساب هو الذي يصدق بضراعته إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وهذه الضراعة لا تكون صادقة إلا إذا كان صاحبها محسناً معاملته مع الله، أعظم مما يحسن معاملته مع الناس, فإن المعاملة بمعناها العقلي والشرعي تشمل قبل كل شيء: معاملة المرء مع الله, ربه الذي خلقه وصوره, وشق سمعه وبصره, وأمده بالجوارح والقوى والأحاسيس، وسخر له مافي الأرض جميعاً، وأفاض عليه صنوف النعم، وهداه للتفكير في استعمال المواهب والاستثمار والتكسب، وأودع في كل مادة خصائص ومكيفات نافعة للناس في شتى أحوالهم. هذا الرب الجليل العظيم المتفضل الكريم هو الذي يستحق أحسن المعاملة من طاعة أوامره عن رغبة ومحبة، واجتناب نواهيه عن خوف وحذر, وتنفيذ تشريعاته, وإقامة حدوده, عن تشرف وتطيب, معتقداً أحقيتها, ونجاح علاجها للمشاكل دون ما سواها أبداً, مقتصراً على طلب الهداية وسائر أنواع التثقيف من وحيه الكريم, كتاباً وسنة، ويكون مراقباً لله في سائر حركاته وتدبير شئونه، وبذلك يكون عابداً لله حقاً, ويهديه الله للصدق باستعانته في كل شيء. وإذا راقب الله في ذلك كله سهل عليه حسن المعاملة مع سائر الناس, فلا يبخس أحداً أو يغشه، أو يكذب عليه أو يطمع في عرضه أو ماله, أو يحمل موجدة عليه, لمراقبته لله، وحسن معاملته له أولاً, فهذا معنى الأثر: "الدين المعاملة"[7]. وما أجهل من يقصر معناه على معاملة الناس فقط, بل هذا مع جهله باخس لحق رب العالمين, أو جاحد له. ثم إن هذا الزعم مغالطة مفضوحة لمن تدبر أحوال أهلها؛ لأنه لا يحصل حسن المعاملة للناس تماماً, إلا بالتزام حسن المعاملة مع الله بالتزام حكمه وحفظ حدوده وحسن مراقبته في السر والعلن, فإن من يخشى الله بالغيب هو الذي يحسن المعاملة للناس بدون مقابل, أما الذي لا يخشى الله بالغيب ولا يرجو لقاءه ونيل مثوبته, فإنه وإن أحسن المعاملة للناس وقتاً ما فإنما يحسنها طمعاً في استجلاب مودتهم، أو مراغمة لخصومه, أو في مقابلة شيء, أو لمكر خفي, أو غير ذلك, ولابد أن تنعكس أحواله. ثم إنه – أيضاً -: إن أحسنها في ميدان أو ميادين صغيرة, فلا بد أن يسيئها في أشياء كبيرة, وميادين أخرى، كما نجده من حال الأوربيين, الذين افتتن بهم بعض من رأى مظاهر سلوكهم, وصدق مواعيدهم,. وأمانتهم المؤقتة، ولكنه ينسى ما يفعلونه مع الشعوب التي يستعمرونها, وينسى تكالبهم على ذلك, وتعاونهم على الإثم والعدوان, ومبلغ ضراوتهم بالدم الإنساني, لأدنى طمع وأرخص غاية, كما ينسى قسوة قوانينهم في الماديات، وعبادتهم لها من دون الله، كل هذا ينساه أطفال العقول من المتجولين في بلادهم للسياحة أو الدراسة من أبنائنا, فتبهرهم مظاهر القشور دون أن تنفذ بصيرتهم إلى اللباب، فيلتفتوا إلى ما يعمله هؤلاء من الظلم الجماعي المتنوع. بل إن صعاليكنا هؤلاء ينسون أن من خان أمانة الله في نبذ كتابه, ورفض حكمه وشريعته, فهو لخلقه أخون, وإن من لم يحسن المعاملة لله في السر والعلن, فمعاملته للمخلوق لا تتجاوز النفعية والانتهازية, مهما زعم وادعى، وكم رأينا فيما مر علينا من التجارب من متناقضات الأقوال والأفعال للماديين، وتقلباتهم في مسالكهم السياسية والاقتصادية وغيرها ما يبرهن على أنهم لا يحسون في قرارة نفوسهم بأي وخز في ضمائرهم، لعدم الوازع الديني من خوف الله وحسن معاملته؛ لأنهم في مكان بعيد من عبادة ربهم، فالصادق في ضراعته لله بـ (إياك نعبد) هو الذي يحسن معاملته لله حقاً كما فصلناه, وبحسن معاملته لله تحسن معاملته لخلقه, والعكس بالعكس, والعياذ بالله. الحادي والخمسون بعد المائة: لما كان تطور الأحاسيس، وتجدد الحركات في الإنسان نابعاً من داخل نفسه، وكان الحافز عليهما في بعض الأحيان رغبة بموعد, أو تجدداً لحالة, أو رفعة منزلة, أو ورود شيء من الذكريات يمد ضعفه بقوة, أو يأسه برجاء, أو كسله بنشاط،أو خموله بحزم, ولكن هذا الحافز المحرك في النفس لابد أن يخبو لما يعترضه, أو يسنح في النفس مما ينسخه, كان لابد للإنسان من قوة روحية معنوية, لها روافدها الكافية في قرارة نفسه, ألا وهو الإيمان بالمحبوب الأكبر للمسلمين الحنفاء الحقيقين. فهو الإيمان الذي لا تنضب روافده، بل تتزايد في نفوس المؤمنين صادقي المحبة الذين يذكرونه في كل حال من أحوالهم، ويقدسونه ويكبرونه في نفوسهم تكبيراً معنوياً, نطقوا به فتحركت كوامن نفوسهم بما تنفجر به الطاقات بكل ما أرادوه وصمموا عليه, من تنفيذ أوامره ونصرة دينه, ولم يكن في نفوسهم مجال للخوف من سواه أبداً, ولا مجال للكسل عن طاعته, أو الخمول في تنفيذ حكمه, أو اليأس من مدده ورحمته, فهؤلاء هم أهل ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لا يعتري نفوسهم ما يعتري نفوس غيرهم من الماديين، والذين تدفعهم حوافز وقتية إلى شيء ما، ثم تخبوا أو تتلون بهم حسب اختلافها وتلونها. بل هم بذكر محبوبهم الله العظيم الكريم, وشوقهم ورغبتهم إليه ورجاء ما عنده مما هم موقنون به، تتجدد في نفوسهم تلك المزايا السالفة (كالآلات الأوتوماتيكية) فيملكون أنفسهم ويضبطون وقتهم, ويستغلون مشاعرهم نحو ربهم, ويحتفظون بحرية حركتهم لله وحده, لا يصرفونها لسواه, أو يملكونها غيره. ومن هنا يدرك السر في إيجاد إقامة الصلاة المكررة وهداية الله لهم فيها إلى الضراعة له بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لأنهم بصدق الاتجاه في العبادة والاستعانة يتمكنون من مجابهة الأهوال، ومقارعة الأعداء, دون انتظار أمداد خارجية أو استعمال المكر بين الشعوب, كما يفعله غيرهم, فالتاريخ يشهد أن المصطفى صلى الله عليه وسلم كاتب جميع الملوك مهدداً لهم في وقت واحد, قائلاً لكل ملك: "أسلم تسلم" [8] ثم أصحابه من بعده حاربوا أكبر دول العالم فارس والروم دون أن يهادنوا أحدهما أو يستعينوا به على قتال الآخر, بل حصروا استعانتهم بالله وتوكلهم عليه, فزادهم قوة معنوية وأمدهم بنصره. فإن جميع ما أودعه الله في بني آدم يصلحه الإيمان به على الحقيقة، ويحركه محبته الصادقة ويستنهضه, رجاء ما عنده من النعيم المقيم في جنة عرضها السموات والأرض, ويفجر طاقاته التكبير المعنوي الصحيح، الذي يجعل صاحبه لا يقر له قرار على الضيم أو الانزواء في عقيدته, بل ينطلق بها كالليث الصائل, لا يدع فرصة لعدوه أبداً، ولذا لما رأى اليهود عظمة هذا الدين المفجر للقوى الكامنة, والملكات المدفونة, والمهيئ لأهله كل فرصة, عملوا على إشغال أهله بشتى الدسائس والمؤامرات, وصرفهم عن حقيقته بأنواع البدع والخرافات, ليحرموهم بركته ومدده، فيلعبوا بهم على الحبلين. لعنهم الله., فليعتبر المسلمون وليرجعوا إلى الأصل المعين. الثاني والخمسون بعد المائة: الضراعة إلى الله – جل وعلا – بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مشعرة بهروب صاحبها من الشياطين والمغرضين، شياطين الجن أو شياطين الإنس, الدجالين الذين يبثون في وسائل الإعلام المختلفة زخرف القول غروراً, لعبيد المادة والشهوات والمبادئ والأغراض، هذه الضراعة بتلك الآية الشريفة هروب صادق من هؤلاء إلى الله الحبيب لكل مؤمن، والمتلطف إلى خلقه بنعمه وفضله المتواصل، ذلك الحبيب الذي يجب على العقلاء أن يطيروا إليه بأجنحة معنوية من الشوق، يحدوها الطمع في رضوانه والهرب من سخطه وعقوبته. فإن بصدق الضراعة إلى الله بهذه الآية قولاً وعملاً وقصداً، ينال الإنسان أهليته من كرامة الله في الدنيا والآخرة، فإن الله خلقه ليكرمه ويسوده في الأرض، فإذا عصى الله وطاوع الشيطان – أي شيطان مبتعد عن وحي الله وأمره – فقد سعى في إهانة نفسه بدل كرامتها، وفي رقها لكل شيطان بدلاً من تحريرها لله وحده، وفي تأخير منزلتها وجعلها ذنبًا للغير، بدلاً من رفعتها وسؤددها، وكونها راسا مسيِّرًا لا ذنبًا مسيَّرًا. فهذه الضراعة الجليلة القدر بهذه الآية الكريمة لا يتقدم بها الجهلة بالله وبدينه, من ذوي الشعور النافر عنه إلى غيره, كما لا يتقدم بها تقدماً صحيحاً من هو مسلم بالانتساب من ذوي الشعور البارد، وإنما يتقدم بها أهل التوحيد، العارفون بالله الذين يشعرون بواجبهم لله في حياتهم, فيجددون العهد معه والضراعة إليه بها؛ ليعينهم على مهمتهم التي بها بر من يستحق البر, وقمع من يستحق القمع, من كل ظالم لحق الله, مستهين بأمره, رافض لرسالته, وهو – جل وعلا- يعين الصادق بضراعته إليه فيها, ويسهل عليه طريق عبادته, ويؤهله لتحمل مشاق الدعوة إليه، والصبر في ذاته, ويوفقه للتوبة مما يلم به من الذنوب، التي تغلبه شهوته على ارتكابها، ويفرح بتوبته منها أشد من فرح المضيع لراحلته وقوته في أرض فلاة إذا وجدها، كما ورد في الحديث [9] فدينه محض الرحمة والخير والبركة واليسر, وفيه عصمة من زيغ الأهواء, وتسلط طواغيتها ودجاجلتها. الثالث والخمسون بعد المائة: هذا التوجيه العظيم من الله لعباده المؤمنين بصدق الضراعة إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مع كونه فيه حسم تام للتعلق بغير الله, فإن فيه حسماً صحيحاً لمواد التشاؤم التي تعتري الماديين, عبيد الدرهم والدينار والمتاع, عبيد الأهواء والشهوات, عبيد المطامع والأغراض المختلفة, ممن تتجسد أوهامهم بحسب تجسم أنانيتهم وانتهازيتهم, فيعيشون في الأزمات المتلاحقة، والأنانيات المسعورة, وكثيراً ما يخيب تفاؤلهم وتنعكس آمالهم، فيجرهم تشاؤمهم إلى الانتحار الحسي أو المعنوي بخلاف المؤمن المخبت لله المتوكل عليه، المطمئن إلى إنجاز وعده في العاجل والآجل، فإنه في حبور وسرور, وترفع عما ينحط إليه غيره. الرابع والخمسون بعد المائة: العابد لله حقاً يغتنم جميع الفرص بدون إضاعة فيهتبل فرصة صحته خوفاً من المرض, فيستعمل نشاطه في طاعة الله، بسائر أنواع الجهاد والكفاح، جهاد النفس،وجهاد شياطين الجن, وجهاد شياطين الإنس, المحاولين فتنة الناس عن الدين، مستعملاً شكر الله على الصحة والعافية في هذا السبيل، ويغتنم فرصة غناه وثروته فيجود ببذلها في سبيل الله, تقوية لعقيدته, وزحفاً برسالته, وصيانة لدينه, مهتبلاً فرصتها قبل زوالها بصروف الدهر, التي يقبلها الله كيف يشاء، وعاملاً على تقييدها بشكر الله باستعمالها الصحيح، عكس عباد الهوى الذين يصرفون ثروتهم ومكاسبهم في الأشر والبطر, أو في الصد عن سبيل الله؛ شأن الكفرة والملاحدة، فإن من سلك مسلكهم فقد تنكب عن عبادة الله. كما أن المسرف المبذر للمال, مخالف لأمر الله ومخل بعبوديته، إذا بدد المال في الشهوات والأغراض، والكماليات والبذخ بأنواعه، أو صرفه لرياء الناس وهو مذموم من الله، ومعاقب على ذلك. والعجيب أن هذا النوع من المبذرين يبخل على الله, فلا يصرف المال في الجهات الدينية، بل ويأمر الناس بالبخل في هذا السبيل، كما وصفهم الله في الآية (37) من سورة النساء, والآية (24) من سورة الحديد، فهذا المال من أقوى الطاقات الحيوية للمسلم الحامل رسالة ربه, فإذا أساء التصرف فيه صار مدداً للشيطان وأعوانه، لا مدداً لدين المسلم وعقيدته، ومن هنا تظهر حكمة تحريم الإسراف والتبذير، وحكمة حكم الله على المبذرين بأنهم إخوان الشياطين؛ لأن ثروتهم تسيل على أعداء الله وأعدائهم من الأجانب في الخارج أو من المعتنقين لمبادئهم ومذاهبهم في الداخل، ممن اصطبغوا بصبغة الوطنية ونحوها، وانسخلوا من صبغة الله. فالعابد لله يضبط ثروته بحصر إنفاقها في سبيله، لا يصرفها في غيره, ولا يبخل بها عليه فيعاقبه بحرمانها أو خسرانها حسبما تقتضيه حكمته – جل وعلا – وكما يغتنم العابد لله صحته قبل حلول سقمه، وفرصة غناه قبل فقره, فكذلك يغتنم فراغه قبل شغله, فيهتبل فرصة نعمة الفراغ باستعمالها في طاعة الله، وخدمة دينه بكافة أنواعها، والجهاد في سبيله قبل مشاغل العيلة أو الفتن، ويغتنم فرصة قوة شبابه قبل حلول هرمه وضعفه، فإنه إن فرط في ذلك كان خاطئاً ومحاسباً من الله عليه، والجامع لهذا الاهتبال الواجب هو أن يغتنم كل فرصة، بل كل ساعة ودقيقة من عمره، باستعمالها في مرضاة الله وطاعته، والعزم الأكيد على الجهاد في سبيله بجميع أنواعه ومتطلباته، لا يخلي لحظة واحدة من عمل أو عزم صحيح أكيد على العمل؛ لأنه لا يدري في أي لحظة يموت، فكيف يفرط في أوقاته ولحظاته الغالية، التي لا يقبل الدنيا لها ثمناً؟ ولذا ورد في الحديث: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك"[10]. وفي حديث الآخر عنه صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتا مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر"[11]. وفي حديث آخر عنه صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ"[12]. وقد أشبعت الكلام على هذه الأحاديث في كتاب (من كنوز السنة للحق والحقيقة) والله الموفق. ومن بديع الحكم في ذلك قول القائل: (أتدري كيف يسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه في ارتقاب غده). ولا يزال كذلك حتى ينقضي أجله بغتة فيلقى ربه خاسراً أو نادماً, والذين ضيعوا أعمارهم سدى وباعوها على شياطين الهوى والدجاجلة يخبرنا الله عنهم بقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمونَ مَا لبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ ﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴾ [النازعات: 46]. الخامس والخمسون بعد المائة: تكرار الضراعة الصادقة مع الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يجعل المؤمن صلب العود, عظيم المراس, لا يميل مع كل ريح، ولا يضعف أو يلين أمام أي قوة, ولا ينحني مع أي خلة ولا يندهش أمام أي مفاجأة، أو يحزن عند أي مصيبة؛ لتوجهه إلى الله بكليته، واعتماده عليه في كل نائبة، واحتسابه العوض منه عن كل شي، فحبيبه الأوحد هو الله، وهو ذخيرته وملجؤه، وهو هدفه وغايته، وبذلك تكون شجاعته كاملة، وبطولته خالدة, وأخلاقه فاضلة، وصبره معيناً لا ينفذ، بخلاف ما عداه من أهل الهوايات المادية، والغوايات النفسية، فإنهم وإن كان في بعضهم شجاعة وصبر واستخفاف بالنوائب، فإنهم لابد أن تنال منهم الأحداث مأربها ويلويهم خصمهم على ما يريد في أدنى ما يصابون به من كوارث. أما عباد الله أصحاب تلك الضراعة الصادقة فهم على ما قلناه كما صور لنا التاريخ عزمهم وثباتهم على ما يلاقون من المواقف الحرجة, والنكسات المريرة، كما في واقعة الجسر, وقبلها وبعدها, مما وهب الله لهم به الحياتين؛ لأنهم حرصوا على الموت، ولم يحرصوا على المادة والشهوات، ولم يوقف الزحف الإسلامي ويعكسه إلا الخصلة الأخيرة من الحرص على المادة والشهوة, والالتفات إليهما، مما جعلهم ينكصون على أدبارهم بعدما استنشقوا النصر في ضواحي (باريس). [1] أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه(6/125) رقم (30007) طبعه مكتبة الرشد, والبراز في مسنده (3/72) رقم (836) من طريق ابن أخي الأعور عن الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب به. وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى إلا عن علي و لانعلم رواه عن علي إلا الحارث, اهـ. قلت: ابن أخي الحارث الأعور مجهول. انظر ميزان الاعتدال (7/459) والحارث الأعور كذبه شعبة. انظر التقريب (1029). [2] أخرجه أحمد (1/435), والنسائي في الكبرى(6/343) والدارمي (1/78)=رقم (202). [3] أخرجه مسلم برقم (817) من حديث نافع بن عبد الحارث عن عمر رضي الله عنه. [4] يعني بذلك: نية السوء التي لا يرضاها الله. [5] كذا في الأصل , ولعل فيه سقطاً. [6] لم أقف عليه فيما بين يدي من مصادر. [7] لم أقف عليه. [8] أخرجه البخاري في صحيحه برقم(7), ومسلم (1773) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [9] الحديث المشار إليه أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2744). [10] أخرجه البخاري في صحيحه (6412) من حديث ابن عباس رضي الله عنه [11] أخرجه الحاكم في المستدرك (4/341) من حديث ابن عباس رضي الله عنه وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. [12] أخرجه الترمذي (2306) من طريق محرز بن هارون عن الأعرج عن أبي هريرة به . واستنكره ابن عدي في الكامل على محرز بن هارون. انظر الكامل (6/442), وكذا الذهبي في ميزان الاعتدال (6/30). والعقيلي في الضعفاء (4/230). |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (9) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري الاستعانة بالله وحده: وما مصيبة المسلمين أخيراً إلا عدم الصدق الكامل بتحقيق الضراعة مع الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، وقصر الاعتماد على ولائه ونصرته - جل وعلا-، وهو القائل: ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾ [الأنفال: 40] لم يقل مولاكم الدولة الفلانية أو الفئة الفلانية، ولا نصرتكم عند هذه أو تلك، وقد قدمت فيما مضى أن هذه الآية كما تحفز أصحابها الصادقين إلى القوة المعنوية، فإنها تحفزهم إلى القوة المادية من تسخير جميع ما وهب الله لهم على وجه الأرض، أو في جوفها أو أجوائها من كل مادة؛ للاستعداد بجميع متطلبات القوة، بحيث يكونون أغنى من غيرهم، كما أشرت سابقاً إلى قوة الإيمان، التي قهر بها أسلافهم كل قوة مادية، وأن التفوق الصحيح لا يحصل إلا بها، بل قد يستحيل التفوق المادي على من هم أكثر عدداً وعدة، وأغزر علماً بالماديات، ولكن السبق الذي لا يغلبه غالب هو السبق الروحي بتحقيق مدلول هذه الآية. السادس والخمسون بعد المائة: بصدق الضراعة إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يحصل الانتعاش النفسي في هزيمة الأعداء، والتغلب على الأزمات والصعاب، والاستطالة على العوائق، والانتصار في أغلب المعارك، للاستهانة بما يلاقيه الصادق الضارع بها من الشدائد و الأهوال والمتاعب، لارتفاع قوته المعنوية وصفاء روحه، لما تضمنت من الروافد الروحية العظيمة؛ لأن فيها توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، والتوحيد العلمي الاعتقادي، ولأن المسلم المؤمن يضرع بها إلى الله غالباً بعد البسملة وبعد قراءة ثلاث آيات عظيمات، تتضمن تقديسه والثناء عليه، والتوسل بذكر عظيم أسمائه وصفاته، والاعتراف بحكمه وعدله، وتنزيهه عما لا يليق به، كما يقتضيه الحمد المطلق والاعتراف له بالنعمة الكاملة والفضل المتواصل، كما يقتضيه مسمى الرب المربي لخلقه على العموم. والاستعانة به وحده هي تحقيق التوكل عليه والتفويض إليه واعتراف العبد بأن ناصيته بيده، وانحصار رجائه له - تبارك وتعالى -، وإسلام ناصيته له، والهروب إليه بهذه الضراعة عن رق ما سواه وتسلط ما سواه، والأنس بأنواره المعنوية عن ظلمات غيره بأنواعها، كما أن في هذه الضراعة العظيمة براءة العبد من حوله وقوته، بل من كل حول وقوة لسواه تعالى، وتفويضهما إليه، وجميع ما قلناه من بعض معانيها هو توسل إلى الله بكامل توحيده المرضي له والمحبب إليه، مما له أعظم التأثير في حصول ما ذكرناه للصادقين، كما حصل ذلك للسلف الصالح، الذين نصرهم الله بالريح وبجنود لم يروها، وأمدهم بالعزة والعلم والحكمة، ودفع عنهم بها آلام الكروب، ونجاهم من الهموم والأحزان، وجعلهم في بهجة روحية منقطعة النظير. وكل من صدق هذه الضراعة بفعله وحسن قصده، حصل من الله على ما حصلوا، أما من كان نطقه بها وتكريره لها عادة تقليدية موروثة، كحال أكثر الناس اليوم فحظه منها على حسب تطفيفه مع الله، بعدم الغيرة لدينه، والغضب لحرماته، وعدم الدفع برسالته، والجهاد والإنفاق في سبيله، وعدم مساندة المسلمين وحبهم، وبغض الكافرين وحربهم، فمن هذه المواقف السلبية تترتب فوائد الآية، وثمرة نتائجها، وفي الأثر: (كما تدين تدان). أما بحصول ما ذكرناه من صدق المبتهل بها عملياً فإنه يتحفز للقيام بواجب الله، وحمل رسالته، وتنفيذ وصاياه، والعمل على إعلاء كلمته بالحكم بشريعته؛ فيشمخ إلى تحقيق الأمر وهو: السابع والخمسون بعد المائة: وهو الجهاد في سبيل الله على ضوء هذه العقيدة التي شرحنا كثيراً من مدلولها فيما مضى، فإن من تمام معرفة الله وقوة توحيده والصدق بالضراعة إليه ألا يترك صولة الباطل، فضلاً عن السماح له بالانتشار، بل يغضب لله ويصول على الباطل، قبل أن يصول عليه وينصب نفسه مهاجماً لا مدافعاً؛ لأنه متى ترك صائل الباطل أو استهان بانتشاره استفحل أمره، وعظم شره وخطره، والمدافع في الغالب لا خير فيه، ورجاء انتصاره قليل. وعزة المؤمن أن يكون كالليث الصائل في نصرة عقيدته، والدفع بها إلى الأمام، لا أن يتميع فيغزى في عقر داره، أو يكون مهدداً فيشتد همه وغمه ويكون عرضة للعدو الخارجي والمنافق الداخلي، ولكن بصولته في الجهاد وإقدامه عليه يندحر العدو ويُقْمَع المنافق، وينكبت، فيتبدل همه وغمه فرحاً ونشاطاً وقوة، ولذا قال تعالى: ﴿ قَاتِلُوهُمْ ﴾ ولم يقل: دافعوا ﴿ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾[التوبة: 15-14] فعدوك في العقيدة، كالجمل الحاقد، لا يذهب غيظه ويزيل حقده، إلا التأديب الرادع الذي يخرج ما في صدره، من الاستعلاء والرغبة في الانتقام بما يدمغه ويخيفه. والجهاد وإن كان مكروهاً للنفوس، فعاقبته خير وعزة وبركة، ولا تكرهه نفوس العابدين لله حقاً، الضارعين إليه صدقاً، ومشروعيته لحفظ العقيدة، وسلامة نفوس أهلها من الفتنة عن الدين،التي هي أشد من القتل و أكبر جرماً، والعمل على إعلاء كلمة الله؛ ليدين الناس بحكمه ويستسلموا له، ولو لم يسلموا فإنه ليس للإكراه على الدين، فإن العقيدة أمرها باطني، وإنما هو لإخضاع الناس لحكم الله، وردعهم عن فتنة المسلمين بشتى الوسائل وأن يكون دين الله عالياً وكلمة الكفر سافلة بجميع أنواعها، لأنها افتراء على الله، وهو وإن كان فيه قتل حسي لبعض النفوس، فمصلحته راجحة لاستبقاء أكثرها وإحيائها، حياة معنوية طيبة كما وصفها الله - تعالى-. فالصادق مع الله بتكرار هذه الضراعة بهذه الآية لا يخاف من صولة الباطل، ولا يستسلم له أبداً، بل يواصل كفاحه بشتى أنواع الجهاد ووسائله الممكنة، غير هياب ولا وجل، فلا يرهب الموت لسببين يقويان عزمه ويضبطان قوته وتفكيره، عن الانحلال والشتات، ويجعلانه يستأسد أمام أعدائه وخصومه في العقيدة الإسلامية وهما: 1- إيمانه القوي بأن طلب السلامة لا يؤخر من أجله أو يزيد في أيام عمره أو ساعتها، وإنما يكون سبباً لهلاكه الحسي أو المعنوي، كالبهيمة المسخرة المذللة بما اكتسبه من سوء مغبة الهزيمة والهوان. 2- إيمانه بحياة أخرى سعيدة بجوار الله ورضاه، فيكون مشتاقاً إلى لقائه والفوز بجنانه. وهذان السببان كلاهما يضبطان أعصابه، ويمدان روحه وبصيرته بمدد من الله، ويحققان له الرجولة والبطولة في المواقف الحرجة، فيكون على حد قول الشاعر المخاطب نَفْسَه: أقول لها وقد طارت شعاعاً ![]() من الأبطال ويحك لن تراعي ![]() فإنك لو طلبت بقاء يوم ![]() على الأجل الذي لك لن تطاعي ![]() وقول الشاعر الآخر المسلي لنفسه، المقوي لعزيمته، بتصويره الواقع الذي لا مفر منه في سنة الله الكونية والشرعية: أقول لها إذا جشأت وجاشت ♦♦♦ مكانك تحمدي أو تستريحي بل يكون هو أعلى شأناً منهما، وأقوى صبراً، وأعز نفساً، وأصدق عزيمة، لما انحشى في جوانحه من حب الله وتعظيمه، والشوق إليه و الإخلاص له قصداً وعملاً، والله الموفق. الثامن والخمسون بعد المائة: في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ اعتراف من العابد لله بأن الله هو الذي أقدره ويقدره على العبادة، ففي هذا تجديد لحمد الله وتأكيد لمعاني التوحيد المرضي لله، ولذا جعلها الله بينه وبين عبده، كما ورد الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حيث قال في ضمنه:"هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل"[1]. فإن هذه الآية التي ارتبط بها ما بعدها هي خير ذخيرة للمؤمن الصادق فيما بينه وبين الله، فمن واجب المبتهل بها أن يفرغ قلبه مما سوى الله ويصفيه لله وحده، وأن يندفع بجوارحه إلى لله حسب أوامره مستمطراً عونه تعالى ومدده، والله لا يخيبه أبداً، ولن يخلف الله وعده. التاسع والخمسون بعد المائة: هذا التعليم من الله لعباده لذلك الابتهال بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وتكريره المتواصل في كل ركعة وفي كل قراءة، يشعرهم بوجوب الاستقامة على عبادة الله، والحيلولة دون ما يعوقهم أو يصدهم أو يفتنهم عنها، وذلك بحماية عقيدتهم وصيانتها، والعمل على نشرها وتقويتها، والدفع بها إلى الأمام، كيلا يسمحوا لأي تيار أن يجرفهم عنها. وحماية عقيدتهم هي بالاكتفاء بوحي الله كما أوضحناه في الأمر الثامن والتاسع والأربعين بعد المائة، وصيانتها بالابتعاد التام عن الملاحدة والمبتدعين وسد المسامع عما يشيعونه ويذيعونه في وسائل إعلامهم، ورفضها ومقارعتها لمن عنده علم بتزييفها، وحصانة عن التأثير بها، والمحاذرة من جميع وسائل الفتنة عن العقيدة والدين بقطع مادتها، وعدم السماح بدخولها أو انتشارها، وحفظ الثغور الحسية أو المعنوية عن تغلغلها، ومقاطعة أهلها من المتساهلين بالدين، أو المشككين فيه، أو المحرفين لنصوصه، والمحاولين تقريبه إلى نظريات الماديين والفلاسفة، أو تأويله حسب أذواقهم، فإن بغضهم وهجرهم من الواجبات، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 68] وقال تعالى في الآية (140) من سورة النساء: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ فضرر المنافق والملحد أشد بكثير من ضرر الكافر الأصلي الصريح، وهو أشد فتكاً في الروح من الجرب المعدي للجسم. وخير مشغل للقلب والحواس عن الغزو الفكري ما قدمناه في الأمر الثامن والتاسع والأربعين بعد المائة، وما ذكرناه قبلها في عدة وجوه مع الانشغال بنشر الدعوة وتركيز العقيدة، والاعتناء بتدعيمها، والدفع بها إلى الأمام، فإنه مع نفعه للناس فيه وقاية لصاحبه بإذن الله. الستون بعد المائة: تعليم الله للمؤمنين هذه الضراعة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ بصيغة الجمع، وكون الفرد منهم ملزماً بهذه الصيغة، فيه إعلام من الله مؤكد بالتذكير بأن هذا الدين الإسلامي الحنيف هو الرابطة الوحيدة بين المسلمين على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وتباعد أقطارهم وبلادهم، فهو الذي يجعل جميع الأمم الإسلامية كمجتمع واحد وأسرة واحدة؛ حتى يصبحوا بهذه القوة المتكتلة كالجسد الواحد، طبقاً لما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأعظم وصف وأجمعه حيث قال: "إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"[2]. فربط الإسلام المسلمين فيما بينهم كربط كل عضو من أعضاء البدن بالآخر إذا تألم جزء منه تألم كله ولا يستقيم تماماً إلا بالفلاح الذي يرد له العافية مما أصابه وبتركه فالمرض يسري ويستفحل شره، فكذلك الأسرة الإسلامية في جسدها الممتد في مشارق الأرض ومغاربها يجب عليها رعاية هذا الجسد، والعمل على وقايته من الأمراض الحسية والمعنوية، وصيانته من كل نائبة، والدفاع عن كل جزء منه، بل الصولة الصحيحة دون حماه، ليكون مرهوب الجانب، وأن يتكاتف المسلمون المؤمنون جميعاً على تحقيق هذه الوحدة المؤكدة في وحي الله، والتي يكررون الضراعة مع الله بمقتضاها في كل تلاوة للفاتحة، وفي كل ركعة من الصلاة أيضاً، وأن يقضوا على كل مظاهر الفرقة، ويجتثوا جذورها، وأن يحاربوا جميع التيارات المناوئة لهذا الدين بعقيدته الوحدوية، محاربة علمية دقيقة شاملة، لأن تلك التيارات غزت الأدمغة باسم العلم والفن، فمقابلتها بغيره شطط لا يجدي نفعاً، فلا بد من تكريس جهودهم لمقاومة المذاهب الفكرية مقاومة علمية عميقة، ونقدها نقداً مفنداً دامغاً، وأن يقابلوا كل مؤسسة بمثلها مما يعارضها وينقضها، فيقابلوا المدرسة بمدرسة، والجامعة بجامعة، ودور. التربية والحضانة بمثلها، والمعاهد والمجامع العلمية المادية بما يقابلها من المعاهد الإسلامية، ومعاهد التربية الحديثة المادية بمعاهد تربية روحية تفوقها، ويقابلوا النوادي الثقافية والرياضية الناشفة من الدين بنوادٍ أخرى مشبعة بروح الدين، ويقابلوا المكتبات المادية أو المكتبات المؤسس بعضها أو أكثرها لخدمة المذاهب الفكرية والمبادئ العصبية الجاهلية المجددة بمكتبات تخدم العقيدة الإسلامية، وترويج كتبها بأحدث وسيلة وأرخص ثمن، ويقابلوا الصحف المادية والمغرضة، بصحف دينية فيها تركيز على العقيدة وكشف الباطل وإظهار عورات أهله، ويقابلوا الإذاعات المغرضة وسائر الإعلام من القصص والمجلات و أشرطة الأفلام وغيرها بإذاعات ووسائل إعلامية أخرى توجه الناس إلى الحق وتضبط عقولهم وأوقاتهم، وتحفظها من سرقة شياطين الإنس واختطافها، وهكذا فليقابلوا كل وسيلة هدم بوسيلة بناء، ويرخصوا أنفسهم وأموالهم في سبيل ذلك، ويحتفوا بولاة أمورهم، ويسندوهم ويتعاونوا معهم، ويتركوا المواقف الانعزالية والحالات الانهزامية، فلا يتلبسوا بها أبداً، ليكونوا من الصادقين مع الله، ويجب ذلك ويتعين بصفة حتمية على ولاة أمور المسلمين من الملك الكبير إلى الموظف الصغير، لينتشلوا جسد هذه الأمة الذي تداعت عليه عصابات الضلال من كل ناحية بشتى أنواع الإثم والعدوان، وبجميع أنواع الغزو الفكري والعسكري والحروب الباردة والكاوية، والتي تلتقي فيها جميع المعسكرات على حرب الإسلام وتحطيم جسمه حسبما خططته لهم اليهودية الصهيونية على أيدي الماسونيين وعملائهم وكسبهم من المنصبغين بدعايتهم والمتلطخين برجسهم والذين كانوا لهم عوناً، بل كانوا أشد على الإسلام منهم، لتنديدهم بالإسلام وتشهيرهم بالمسلمين، أو مناصرتهم لأعداء الله وأعداء المسلمين باسم القومية أو بدعوى النفعية، مما جعلهم يستفزون قصار النظر ضدهم بسبب المواقف التي خذلوهم بها، وقد عملت الماسونية اليهودية على إبراز هذا الداء الدوي في جسم الأمة الإسلامية لهذا الغرض، كما قامت من قبل بإشغال الملوك والسلاطين بأنواع الفتن وألوان المطامع والأهداف الأنانية عن نجدة من يستحق النجدة، كما حصل للسلطان التركي الذي قصر همته على احتلال مصر في وقت تكالُب الصليبيين على الأندلس، ولم يعبأ بنصرة أهله وانتشالهم من مخالب الأعداء، على الرغم من استنجاد الملك به، ولو قدم لنصرة مسلمي الأندلس وانتشال بلادهم لظفر بالجميع وحصل له أكثر من مراده، وكان عزة الدهر ومفخرة التاريخ، وكانت نجدته أعظم نفعاً للمسلمين وأشد قمعاً للكفار من نجدة المعتصم للمستنجدة به القائلة وامعتصماه. وما أحوج المسلمين اليوم في كل مكان إلى أمثال (معتصم) ينجدهم ممن يتجنى عليهم ويقسرهم قسراً على ترك دينهم بشتى أنواع التنكيل، والتضييق عليهم بالمعيشة حتى في حرمانهم من الاكتساب، والعمل على إبادتهم بما يختلقه من الأكاذيب، وإن الذي يقوم بنجدة المسلمين ويتبنى قضاياهم ويكون صاعقة على أعدائهم؛ سيحتل مكانه عظيمة فريدة في هذه المعمورة، وتكسب حكومته التي تقوم بذلك أعظم وأكبر ثقة، وتكون معقد آمال المسلمين بإذن الله ومهجرهم ومحط رحالهم،، ويجعل الله لها رهبة في قلوب العالم، فينصرها بالرعب الذي جعله نصرة لنبيه صلى الله عليه وسلم وللصادقين من خلفائه إلى يوم القيامة. وهذه الرابطة الإسلامية هي التي تدل عليها نصوص الوحي ومقتضياته من كتاب وسنة، وليس في ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فقط، بل في نصوص كثيرة، فقد أكثر القرآن الكريم إطلاق النفس بصيغة الجمع مريداً الأخ، تنبيهاً منه - تبارك وتعالى- على أن رابطة الإسلام تجعل المسلم أخاً للمسلم كنفسه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾[النساء: 29]،﴿ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ﴾ [البقرة: 84]، أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، فلا تقتلوا إخوانكم ولا تخرجوهم، وقوله: ﴿ وَلَا تَلْمِزُوآ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [الحجرات: 11] أي: إخوانكم. وقوله: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 12] أي: بإخوانهم، وقوله﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [البقرة: 188] أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، وقوله صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم لا يخذله و لا يسلمه التقوى هاهنا - يشير إلى صدره- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه"[3]. وقال أيضاً: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن مثل ما يحب لنفسه"[4]. كما هو نص الإسماعيلي من طريق روح ابن عبادة عن حسين المعلم، وكلاهما صحيحان متفق عليهما من رواية قتادة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلم للمسلم كالبنيان يشد بعضه بعضاً"[5]. وقوله: "ما من مؤمن نصر مؤمناً في يوم يحب فيه نصرته إلا نصره الله في يوم يحب فيه نصرته، وما من مؤمن خذل مؤمناً في يوم يحب فيه نصرته إلا خذله الله في يوم يحب فيه نصرته"[6]. والنصوص في ذلك كثيرة مشهورة، وقد قدمت طرفاً صالحاً مما يجب على عباد الله المسلمين المؤمنين نحو بعضهم البعض، وذلك من خلال الوجه الخامس والأربعين إلى ما فوق التسعين، وفي خلال تلك ذكرت أن العابد لله لا يترك أخاه المؤمن عرضة للأحداث وفريسة للظلمة، هذا يعضه وهذا يفتنه أو يفنيه، وأن العابد لله يدخل السرور في بيوت المسلمين، ويذب عنهم كل نائبة ويحمي ذمارهم - فليرجع إلى تلك الوجوه من طلب الزيادة- والحاصل: أن الرابطة الحقيقية والدعامة الصالحة الثابتة هي رابطة الدين ودعامته وأن النداء بأي رابطة غير الإسلام من الروابط القومية والمذاهب المادية ممنوع بإجماع المسلمين ولا يجوز قطعاً، بل هو إما أن يكون معصية كبيرة وإثماً عظيماً، أو يكون شركاً مخلاً بأصل العقيدة ومضاداً لها كما أوضحناه سابقاً، ونزيد هنا إيضاحاً: أما كونه معصية وإثماً عظيماً فإنه مخالفة للأمر وارتكاب للنهي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من دعا إلى عصبية"[7] وقال في حديث جابر الذي رواه البخاري وغيره: "دعوها فإنها منتنة" فقوله: "دعوها" أمر صحيح بتركها، والأمر المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق كما قرره الأصوليون؛ لأن الله يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، ولأن الله اعتبر إبليس عاصياً بمخالفة أمر واحد فأبعده من ملكوت السموات، ولعنه بالطرد من رحمته، ومن تأمل في واقع كل أمة إسلامية عتت عن أمر ربها ورسله ونادت بالقومية ونحوها من المبادئ العصبية والمادية، وجدها تتخبط في صنوف الفتنة وعذاب الشقاق والأزمات المتلاحقة نتيجة الحرمان من رحمة الله ووجد طواغيتهم الذين تبنوها سياسياً وفلسفياً قد حاق بهم الرجم الحسي والمعنوي، الذي هونصيب الشياطين المبتعدين عن أمر الله وصراطه المستقيم، وإذا كان الأمر المطلق للوجوب شرعاً وعقلاً، فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر والنهي بقوله: "فإنها منتنة"[8].وحسبك بالنتن موجباً للابتعاد التام، لدلالته على الخبث البالغ المضر في العاقبة، فدل هذا الحديث الصحيح على مخالفة النداء بالقومية ونحوها، لأمر الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وأن صاحبه متعاطٍ للنتن الخبيث، والله - جل وعلا- يقول: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ [النور: 26] ويقول تعالى في وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [الأعراف: 157] لاسيما وقد تبرأ من ذوي العصبيات، ونفى حكم الشهادة عن المقتول في سبيلها بقوله صلى الله عليه وسلم: "ومن قاتل تحت راية عمية يدعو إلى عصبية فليس مني ولست منه"[9]. وقال صلى الله عليه وسلم: "الشهيد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا"[10]. وهذا حصر لمدلول الشهادة على ذلك، ولا سيما وقد ورد جواباً على أسئلة الصحابة عن الرجل الذي يقاتل شجاعة أو حمية عصبية، فأجابهم بذلك، وورد عنه صلى الله عليه وسلم في أصح الأحاديث أنه قال: "أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئٍ مسلم بغير حق ليهريق دمه"[11].والإلحاد: هو الميل عن دين الحق بأي صورة، وسنن الجاهلية كثيرة قد تبلغ المئات، منها ما يتعلق بالأصول: كدعوى القومية والوطنية، والحب والبغض لغير الله، والمولاة والمعاداة في غير سبيله، بل في سبيل العصبيات والمنافع والمصالح، ورفض الحكم بما أنزل الله والحكم بغيره، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو عكسهما، والانصراف عن الله إلى غيره بأي حال من الأحوال، وتقديس الأشخاص والمذاهب والمبادئ، والغضب لهم دون الغضب لله. وهذا كله و أضعافه متحقق الوقوع ومجهور به في عالم القوميات كلها. ومنها ما يتعلق بالفروع، كالتبرج ونحوه، وأكل الربا والميتة، والرسول صلى الله عليه وسلم أتى بلفظ التعميم الشامل للجميع، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "أبغض الناس إلى الله" دليل قاطع على أن المتلبس بشيء من هذه الصفات هو أبغض الآدميين إلى الله، ومما يدل على التحريم الشديد للعصبيات القومية والمذهبية قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من ضرب الخدود أو شق الجيوب أو دعا بدعوى الجاهلية"[12] وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بالبراءة منه. وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: "ومن دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جُثَا جهنم، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم".[13]. وقال أيضاً - صلوات الله وسلامه عليه-: " من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا"[14]. وهذا حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد في مسنده والنسائي وابن ماجه والضياء المقدسي والطبراني في الكبير كلهم بالإسناد إلى أُبي كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال في (أضواء البيان): فانظر كيف سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك النداء: (عزاء الجاهلية) وأمر أن يقال للداعي به: (اعضض على هن أبيك) أي: فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية، فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النبي - صلى الله عليه وسلم - له. واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية أبو جهل وأبو لهب والوليد بن المغيرة ونظراؤهم من رؤساء الكفرة- إلى أن قال: واعلم أنه لا خلاف بين العلماء - كما ذكرنا آنفا- في منع النداء برابطة غير الإسلام، كالقوميات والعصبيات النسبية، لاسيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام ورفض الرابطة السماوية.. إلى آخر ما قاله في ج3/ ص445- جزاه الله خيراً. وأما كونها قد تكون شركاً مناقضة لملة إبراهيم ومصادقة لأصل التوحيد فيما قرره بعضهم أو كلهم في فلسفة قوميتهم وأصولها من أن النصراني ونحوه إذا كان عربياً أفضل وأولى بالنصرة والمؤاخاة من مسلم غير عربي، وقد جرتهم هذه القاعدة إلى التخلي عن قضايا المسلمين في كل مكان، ولاسيما في الهند وكشمير والزنجبار ونيجيريا وقبرص وغيرها، ولم يكفهم مجرد التخلي، بل عكسوا الأمر، فساعدوا خصومهم من النصارى والمجوس والوثنيين، ووقفوا إلى جانبهم، وهذا أقوى أنواع الموالاة التي نهى الله عما هو أقل منها في القرآن، وأجرى مواليهم كمجراهم، ففي أول سورة الممتحنة سبع آيات افتتحها الله بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الممتحنة: 1] فنهى عن الإلقاء إليهم بالمودة إشعاراً منه بطريق الأولى عن مؤازرتهم، فضلاً عن مساعدتهم على المسلمين، فهذا كفر كما نصت عليه آيات سورتي المائدة والتوبة، ثم أمرنا بعد ذلك باتباع ملة إبراهيم - عليه الصلاة و السلام- والاقتداء به في منابذته للكفرة من قومه، وهذا يهدم أفكار القوميين من أساسها، ثم رخص في البر لمن لم يعادنا في الدين ويوالِ المعادين أو يظاهرهم على إخراجنا من أي بلد، ومعروف مواقف النصارى ونحوهم من مساندة الصهاينة ضدنا في فلسطين، وتشجيعهم للاحتلال في كل بقعة تكون الأغلبية لهم، وقومنا يعكسون الأمر فيستدلون بالآية الثامنة التي فيها مجرد البر للمسالم منهم على موالاتهم وتفضيلهم على المسلمين الأعاجم، ويعمون عن الآيات السبع قبلها؛ لأنها تعكس مقاصدهم وترغم أنوفهم، وقد قال - جل وعلا-: ﴿ لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ [المجادلة: 22]. فالآيات كثيرة في المنع الشديد عن حب الكافر أو موالاته ولو كان أقرب قريب. ولكن القوم يقلبون الحقائق ويلبسون على مستمعيهم باعتراف بعض الحكومات المحسوبة على الإسلام بدولة الصهاينة، وهؤلاء حكومتهم علمانية مثلهم لا مسلمة كشعوبهم، فما ذنب الشعب المسلم إذا ابتلي بحكومة علمانية أبرزها المكر والعهر السياسي المنبثق من المعسكرين؟ هذا من أظلم الظلم، ولكن الله فضحهم بمساندتهم حكومات كافرة معترفة بدولة العصابات الصهيونية على المسلمين الذين لم يعترفوا بإسرائيل كموقفهم من (نيجيريا وقبرص وباكستان) ومناصرتهم للوثنين والنصارى حتى من غير العرب، كالهند المعترفة بإسرائيل والتي جعلت بلادها مسرحاً لها، وليس هذا موضع بسط أحوالهم ومتناقضاتهم لأنه تفسير، ولكن اضطررنا لذكره استطراداً لبيان مناقضة مدلول الشهادتين، وهدم الملة الخبيثة بتفضيل الكافر وتأييده على المسلم ومن مناقضة فكرة القوميات لأصل الدين، وسعيهم الدائب على تأسيس دولة علمانية تسمح لكل مفترٍ على الله أن يجهر بفريته ويدعو لها، وتكبت المسلم عن مقاومتها بحجة الطائفية، وهذا إعلاء لكلمة الكفر بشتى أنواعها، وخفض لكلمة الله، خلافاً لمقصود الله من إرسال الرسل ومشروعية الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يخفي أن أسلافنا إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار باسم الإسلام ورابطته الدينية لا بأي رابطة قومية أو مادية مما بثه اليهود وتبناه تلاميذ الماسونية. الحادي والستون بعد المائة: الضراعة إلى الله سبحانه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ بصيغة الجمع، لا يقصد بها جمع المفرد؛ لأن الشخص الواحد لا يكون جمعاً، كما لا يقصد التعظيم بنون الجمع؛ لأن العابد ضارع إلى الله بذكر نفسه بالعجز والذلة لا بالعظمة والرفعة، بل نون الجمع هنا تعبير من المسلم عن مجموع المسلمين كما علمه الله، لذلك فهو: أولاً: كالتأكيد بأن المؤمنين إخوة تتساوى أقدامهم في عبادة الله والتحرك لها، والتوجه إلى الله وطلب المدد منه، فلو قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لكان مقتصراً على ذكر عبادة نفسه دون غيره، وهذه فرقة وأنانية مخالفة للتضامن والارتباط، والله يربي عباده على عكس ذلك، ويوجههم إلى ما يحصل به صفاء قلوبهم، واتحاد هدفهم الصحيح نحوه، ووحدة صفوفهم في حياتهم الدينية، التي هي على خلاف حياة الماديين، حتى إن بعضهم يستسقي لبعض في صلاة الاستسقاء والقنوت بدعائه، شعوراً عميقاً منهم بهذه الوحدة والاتحاد. فإذا قال المسلم الصادق: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ فقد ذكر عبادة نفسه وعبادة غيره من المسلمين في سائر بقاع الأرض على العموم، لذلك الارتباط العقائدي الذي يجعلهم عصبة واحدة متضامنين في معاملتهم مع الله، وعلاقتهم به في سائر نواحي حياتهم التي يجب أن تكون متكيفة بروح العبادة لله قلباً وقالباً، وظاهراً وباطناً، ليتحقق الوصف النبوي السالف الذكر. وثانياً: في الضراعة باسم المجموع تنبيه على حتمية الإتيان بالصلاة مع الجماعة، وقد اعتبرها بعض المحققين شرطاً لصحتها، والأحاديث الصحيحة تؤيد ذلك، لاسيما عدم سماح النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى الذي لا قائد له، ويعتذر بالبعد وكثرة الهوام بالمدينة، إذ كان جوابه له بما معناه: لا أجد لك رخصة وأنت تسمع النداء[15]. يتبع |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#11 |
![]() ![]() ![]()
|
وشيء ثالث في صيغة الجمع بهذه الضراعة وهو: إحساس العبد بنقصه في عبادته وحده وعدم استحقاقه للتقدم بذكرها وحدها، فعلمه الله أن يتقدم بعبادة جميع العابدين بلفظة واحدة، وهذا - أيضاً- تربية من الله لعبده ضد الانعزالية، وإشعار لها بالارتباط بالمجموع كما تقدم. والثاني والستون بعد المائة: في حصر الابتهال إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إشعار بالتزام عبادة الله وطاعته، وتنفيذ حكمه إلى الموت، وتأكدهما عليه كلما ازدادت معرفته بربه وعظيم آلائه، وزاد يقينه بوعده ووعيده، فإن ضراعة المؤمن إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ بعدما ما ذكرناه في القاعدة السادسة والخمسين بعد المائة من معرفته بالبداءة باسمه والثناء عليه، والاعتراف العام بربويته والرجوع إليه يوم الحساب. هذه الضراعة بعد ذلك هي عهد يجدده مع ربه في هذه السورة المباركة، التي علمه إياها على حصر العبادة له وحده، متبرئاً من عبادة الهوى بأي صورة تنوعت، وبأي نحلة ظهرت، ملازماً لذلك طيلة حياته حتى يأتيه اليقين الذي هو الموت، وأن مسئوليته في إنفاذ هذا العهد من عبادة الله بكل ناحية من نواحي الحياة تزداد كلما ازدادت معلوماته من الروافد الدينية، التي فصلناها في القاعدة المذكورة وما بعدها، ويتحتم عليه الجهاد بجميع أنواعه ومتطلباته، درءاً لكل فتنة تصده عن ذلك، وزحفاً بعقيدته الروحية ليكون مرفوع الرأس. وإنه لا يسقط عنه أي نوع من أنواع العبادة مع القدرة عليه مهما عمل أو بلغ من أنواع التصوف أو علم من المكاشفات المزعومة أبداً، وإن اليقين الوارد في قوله تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99] هو كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون رضي الله عنه إذ قال: "أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه"[16] يعني: الموت، فلا ينفك العبد من عبودية الله إلا بالموت، ومن زعم أنه يصل بشيء من أنواع التصوف إلى مقام يسقط فيه التعبد فهو زنديق كافر مناقض لما رسمه الله لعبادة في هذه السورة، ومناقض لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين لم يسقطوا عن أنفسهم من عبادة الله، ولا مثقال ذرة، بل بلغ بهم الأمر إلى بذل نفوسهم ومهجهم في سبيل الله، لم يدَّعِ أحد منهم علماً باطنياً، ولم يزعموا أن العبد هو الرب؛ لأن فيه من نواة حقيقته التي يجهلها الرسل فيما يزعم ضُلاَّل الصوفية، فإن هذا تطاول على وحي الله، وأعظم افتراء على الله وانتقاض لرسله، وأي انتقاض لرسله أفظع من زعم هؤلاء أنهم أعلم منهم وأنهم يصلون إلى درجة يسقط عنهم فيها التكليف؟ هذا كفران بسورة الفاتحة وغيرها من الوحي وكفران بمنزله ومن أنزل عليه - والعياذ بالله- وهذا من عدم تحقيق الاستعاذة بالله عن صدق من الشيطان الرجيم، من جنس الشيطان المبتعد عن الله من الجن والإنس، وكما فصلنا ذلك في باب الاستعاذة. ومن تدبر معاني هذه السورة الكريمة وأخواتها ومفسراتها من وحي الله المنزل على رسوله كتاباً وسنة، وهو صادق في استعاذته من جنس الشيطان، بابتعاده عنه ونفرته منه، استنار بأنوار التوجيه التي تهديه إلى الاستقامة على عبادة الله، والتزامها في كل ميدان من ميادين الحياة، حتى يموت على ذلك محتسباً، ولا يجعل لنفسه حرية الشهوة أو ترك العمل، دون برهان من الله بالرجوع إلى أمره وحكمه فيه، والله الموفق. الثالث والستون بعد المائة: تقديم العبادة على الاستعانة في هذه الآية الكريمة من باب تقديم الغايات على الوسائل، ذلك أن العبادة هي غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، والحكمة في ذلك التقديم هي أن المصلي وغيره من كل متلبس بالعبادة يقول: (إني شرعت في طاعتك تحقيقاً لعبادتك، فأستعين بك في إتمامها وإنجاحها على ما يرضيك) وحتى المجاهد، عليه ألا يغتر بقوة ساعده، أو قوة عتاده أو كثرة زملائه وأعوانه، بل يضرع إلى الله الذي جاهد في سبيله بهذه الآية ضراعة الصادق طالباً مدده الأعلى، الذي لا يغلبه شيء، ففي ذلك إزالة للزهو، وإفناء للحمق والكبرياء. ثم إن العبادة لما كانت له - جل وعلا- وجب تقديمها، ولما كانت الاستعانة به سبحانه وتعالى ساغ تأخيرها، قال ابن القيم رحمه الله: "والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبداً حتى يقضي العبد نحبه". وقال الشيخ ابن تيمية: "تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فهذا الدعاء بهذه الآية من حظ أهل العبادة لله، والمعرفة به حقيقة، ولذا علمه النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ فقال:يا معاذ: "إني أحبك فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللَّهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"[17]. الرابع والستون بعد المائة: ضراعة عبد الله إليه بهذه الآية الكريمة مبتدئاً بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وطالباً منه العون التام عليها بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ إشعار صريح منه بالتصميم على العمل، والعزم التام على إكماله والمثابرة عليه طيلة الحياة، فهو يطلب منه المعونة على أداء جميع ما تستوجبه عبادة الله في كافة الشئون والنواحي المتشعبة والمتجددة في الحياة، إذ لا يمكن أن يطلب الاستعانة قبل الشروع في أداء الواجب مع صدق النية والعزم على التصميم والثبات، فإن التصميم والثبات ومداومة الصدق والإخلاص يحتاج كل منها إلى معونة الله، ومدده الذي يستطيع به عبده على مجاهدة النفس، ودفع وساوس الشيطان الإبليسي ومجابهة ما تقذف به شياطين الإنس من وسائل الإغراء التي يجري في دفعها أعظم مكابدة لا يبلغ العبد الدرجة القصوى في الثبات عليها إلا بعون الله وتسديده. فكان من اللائق تقديم الضراعة من العبد إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ توسلاً منه إلى ربه بما يرضيه من العبادة، ثم يضرع إليه بطلب العون على الثبات عليها، والتكيف بها في كل شأن من شئونه، معترفاً بأنه لا معين له في الحقيقة سواه، وفي هذا تجريد التوحيد من الاستعانة بغيره، وتحقيق المتابعة لوحيه من كتابه وسنة رسوله، إذ من لم يحقق ذلك فليس عابداً لله، ومن سلك ما يخالف ذلك كان عابداً لهواه، ومتبوعه من دون الله. الخامس والستون بعد المائة: لما كان الارتقاء لا يحصل إلا بالإيمان بالله عن استيقان كامل، وحب وتعظيم له، لا يعلوه غيره، كان الحامد لله حمداً صحيحاً على نعمه وحسن تربيته للعاملين، وعظيم رحمته، وشمول ملكه وقهره، واختصاصه بالحكم بين الناس في الدار الآخرة، يتقدم إليه بهذه الضراعة العظيمة الحبيبة إليه - جل وعلا-: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تلقياً منه لها بتعليمه إياه، عازماً على تصديق ما أقر به من ذلك بالعمل المرضي لله، من القيام بما أوجبه عليه في منصوص وحيه من كتاب وسنة. وذلك لأن الإيمان به والشكر لنعمه لابد أن يتجسدا في صور عملية. إذ النطق الذي لم تصدقه الأعمال يعتبر كذباً ونفاقاً يستحق المقت، كما قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 3-2] وأيضاً فليس العمل مجرد حركات يأتي بها في حالة صورية تقليدية، بل لابد من إفراغ الإنسان روحه فيه، واستيقاظه لمقاصد الله وحكمه فيه؛حتى يؤديه على الوجه الصحيح بخشوع وإخبات وحسن نية، واستشعار عظيم لوعد الله على الإتيان به وحسن إتقانه، ولو عبد الله على ضد ذلك، ومن هنا يصدق العبد في ضراعته بهذا العهد لله، على القيام بعبادته كما يصدق في ضراعته بطلب الاستعانة منه على إكمالها وإتقانها وإخلاصها والمثابرة عليها والمصابرة فيها. فهذه القواعد التي ذكرنا غالبها - وسنذكر ما تيسر منها - أقول: بهذه القواعد فتح الله لأهل دينه القويم أبواب الأمل والعمل، لمن يبتغي الوصول إلى أسمى ما قدر له من كمال وجمال في الدنيا والآخرة، فإن دعائم الإرادة القوية ما ذكرناه وما سنذكره مما هو مرتكز على الطمع في رحمة الله، ونيل وعده والخوف منه، والابتعاد عن موجبات سخطه، وحلول وعيده، وبذلك يصل الإنسان إلى المستوى الإنساني الصحيح، الذي يرفعه عن الحيوانية بتاتاً، ويحقق إرادة الله فيه، لينخرط في سلك عباد الله الصالحين، وينال الحياة الطيبة بجميع معانيها في الدنيا، ويحظى برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بمنازلهم العالية في الدار الآخرة. أما بدون ذلك فنصيبه الشقاء بالأزمات المختلفة المتلاحقة في الدنيا، والخيبة الكاملة في الآخرة، قيل للحسن: إن قوماً يقولون: نحن نحب الله ويضيعون العمل، فقال: (هيهات هيهات، تلك أمانيهم يتأرجحون فيها، من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف شيئاً هرب منه) وسيأتي - إن شاء الله- مزيد تفصيل عند قوله - تعالى - في سورة النساء: ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ [النساء: 123]. السادس والستون بعد المائة: الصادق في استعانته بالله، للتصميم والمثابرة على عبادته في كل ناحية، يسمو بنفسه عن الماديات، ويرتفع عن شهوات نفسه، ويستكبر عن ملذات الدنيا الحيوانية؛ لأنها من أكبر الصارفات له، أو المعوقات لسيره، فيقتصر منها على حاجة نفسه، بنية صالحة،دون أن يؤثر شيئاً منها على وظيفة الله، أو ينشغل بها شغلاً يقطعه عن مهماتها. ويرى الصادق في عبادة الله أن الخير والسعادة في النزاهة والشرف مع الخالق أولاً ثم المخلوق ثانياً؛ لتتحقق له وعلى يديه جميع القيم الصالحة، ومن ثم يتجه اتجاهاً سليماً مستقيماً لخير نفسه، وجميع إخوته المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ولجميع طرق الخير والإصلاح عامة، وهذا السر في جعل شعب الإيمان بضعاً وستين أو بضعاً وسبعين شعبة على التفصيل، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، كما ورد بذلك الحديث المتفق على صحته عن المصطفى صلى الله عليه وسلم[18]. السابع والستون بعد المائة: صدق الاستعانة بالله يورث طمأنينة القلب، وسكون النفس؛ لأن ذلك من آثار صدق الإيمان وقوته، وإذا اطمأن قلب الإنسان وسكنت نفسه؛ حصل له برد الراحة، وحلاوة اليقين، وسلم قلبه مما ينتاب قلب غيره من الخطرات الفاسدة، أو المفزعة أو المخذلة، فكان يستقبل الأهوال بشجاعة وثبات، لا يبالي بالخطوب إذا اعتدت، ولا يلويه شيطان الهوى والشهوات عن الإقدام على الأهوال، أو الثبات على الخطوب، لاستمداده العون من ربه الذي صدق معه في ضراعته باستعانته، فهو يرى نفسه موصولاً من الله بالمدد الروحي والمعنوي، ويؤمن بأن الله يفتح له كل مغلق، فلا يعتوره اليأس، أو يتسرب إليه الجزع، ولا يصيبه شيء من الضعف أو الحيرة؛ لأنه في كنف الله وعزته ونوره، فهو من أهل هذه الآية ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُم ﴾ [محمد: 11] ومن أهل هذه الآية: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: 257] فهو محفوف بنصرة الله وأنوار هدايته الروحية والمعنوية، التي لا يضل صاحبها ولا يغلب. الثامن والستون بعد المائة: الصادقون في ضراعتهم لله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يهبهم الله مزايا وخصائص تؤهلهم لإقامة الحق والنهوض بأعباء نصرته، وتحمل التضحيات الجسام في سبيل الله لأجله؛ لأن حسن نيتهم لله وصدق ضراعتهم له وقوة ثقتهم به تكسبهم الثبات عليه والاعتصام به والتقيد بأهدابه، فما شرفت النفس بمثل معرفتها للحق واعتصامها به؛ لأنه هو الذي يعلي قدرها ويرفع مجدها، كما وصف الله وحيه في الآية (44) من سورة الزخرف، والعاشرة من سورة الأنبياء. فالصادقون مع الله بهذه الضراعة يكون لهم من الشجاعة ما يحملهم على الجهر والإعلان بالحق دون خشية أحد مهما كان، وعلى القيام بنشره والاندفاع بنصرته وإسناد أهله، لشعورهم الكامل أنهم منتدبون من الله لتوزيعه والذب عنه، كما قال - تعالى- في حصر سمة الإخلاص: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39] فالجهر بالحق من أعظم صفات الكمال؛ لأنه لا يجول الباطل إلا عند غفلة أهل الحق عنه، فإذا قام به أبطال، يصدعون به ويتحمسون لله في نشره زهق الباطل وانصعق أهله، واختفوا كما يختفي الخفاش من ضوء الشمس. وقد أجرى الله سنته الكونية أن الحق لا يقوم وحده، وإنما يقوم بالأبطال المخلصين قومتهم في دينهم لله، وجعل الجهر بالحق واجباً عظيماً من واجبات الدين، وجعل أفضل الشهادة كلمة حق عند سلطان جائر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا هابت أمتي أن تقول للظالم يا ظالم فقد تودع منهم"[19] ولا يمكن للأمة نهوض ولدين الحق نصر إلا بقيام من ينصره من المخلصين، ولا ينهض الحق ويبلغ ذروة المجد والنصر إلا إذا نهض به رجال كبار النفوس ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه بهذه الضراعة ممن ارتفعت شخصيتهم وكبرت نفوسهم بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ولله در الشاعر القائل: تبينت أن الحق إن لم تتح له ![]() بواسل يخشى شرها عدََّ باطلُ ![]() لعمرك لو أغنى عن الحق أنه ![]() هو الحق ما قام النبي يقاتلُ ![]() فلا تحسبن الحق ينهض وحده ![]() إذا ملت عنه فهو لا شك مائلُ ![]() أقمه وأسنده ودعم بناءه ![]() وذد عنه ذود الليث والليث صائلُ ![]() ولا تنصرن الحق بالقول وحده ![]() فإن عماد الحق ما أنت فاعلُ ![]() من العدل ألا يطلب الحق عاجز ![]() فليس على وجه البسيطة عادلُ ![]() ولكن قومي يشرب الدم سائغاً ![]() إذا خضبت يوم الورود المناهلُ ![]() وانظروا إلى موقف أبي الحنفاء إبراهيم عليه السلام من قومه ومقارعتهم بالحجج، ومناصبتهم العداء مع خذلان أقرب قريب له، وهو أبوه، وكيف تحداهم بقوله: ﴿ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ ﴾ [الأنعام: 80] وكذلك موسى عليه السلام الذي خرج من مصر خائفاً يترقب هارباً من فرعون، ثم يأتي إلى فرعون بعد عشر سنين مستهيناً بقوته، غير مبالٍ ببطشه وجنوده، داعياً له إلى الحق الذي ندبه الله إليه، ثابتاً أمامه، متحدياً له، صامداً لموعده، كل هذا ثقة بربه واستمساكاً بما أوحى إليه منه وثباتاً عليه، وقال تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام:90]. الإخلاص في العبادة و الاستعانة: التاسع والستون بعد المائة: بتحقيق عبادة الله وصدق التوجه إليه بإخلاص وثبات يحصل تقويم الأخلاق ورفع مستواها، وذلك أن الانشغال بالعبادة وصرف جميع الأحاسيس لها ناشئ من طهارة القلب وسلامته مما سوى الله، فيتخلص من الأمراض المفسدة له والمشقية لجميع جوارح صاحبه، لأنه ملك الأعضاء المسير لها، فانشغاله التام بالعبودية الصحيحة يقيه من أمراضه الموجبة لفساد الأخلاق من الهلع والجزع والشح والمنع والحرص واللدد في الخصومة والجهل، والغرور والظلم والبغي، والجدل والمراء، والطيش والسفه المبدد لجميع الطاقات، والعجب والخيلاء والشك والأشر والبطر والريبة، والغفلة والجمود، والكبر والفجور، والادعاء الكاذب والعناد، والتمرد والطغيان من جهة، والضعف واليأس والخور من جهة أخرى، والافتتان بالدنيا، وحب المال والشهرة، والمكر والتشفي والحقد والغضب، والحسد والهمز واللمز، والانهماك في الشهوات وغير ذلك، فإن الضمير منشأ الفعل ومصدره؛ فإن كان صالحاً بمراقبة الله ومحبته وخشيته كانت الأعمال صالحة والأخلاق حسنة؛ لانتفاء هذه الأوصاف والسجايا المذمومة، وإن كان الضمير فاسداً لحلول غير الله فيه من أنواع الأنانية، وحب الذات، فسدت الأعمال والأخلاق؛ لأن الأقوال والأعمال معبرة عما في الضمير. وسلوك الإنسان تبع لتصوره حسبما في قلبه من قوة حب الله ورسوله وتعظيمهما، ومن ضعف ذلك أو فقدانه بالكلية، فإن ما في الضمير غيب لا يعلمه إلا الله، ولكن الأقوال والأعمال التي يتحرك بها اللسان والجوارح مخبرة عما في الضمير، وشاهدة عليه، فبصدورها يكون الحكم عليه، كالحكم على الحاضر المشاهد المنظور بالعين، المسموع بالأذنين، وقد قرر علماء الأخلاق - عن الخلق- أنه: حال نفسية تصدر عنها الأفعال بسهولة، فإن كانت حسنة كان الخلق حسناً، وإن كانت سيئة فهو سيئ، فإذا زهد الإنسان في الجانب الروحي، أو جهل مقوماته ورغائبه؛ اندفع وراء شهواته المادية وأغراضه الشخصية، لقلة الوازع الروحي في الضمير فحصل منه جميع ما ذكرناه من مفاسد الأخلاق أو أضعافها، واندفع إلى أنواع من الشرور يتضرر بها الناس على حسب قوة اندفاعه ومبلغ نزوته فيها. ومن هنا تكثر الجرائم ويستفحل الإثم والعدوان، وتكثر الضغائن، فتوقد نيران الحروب المهلكة والفاتكة، كما يجري في عالم الماديين، ولا تنجو الإنسانية من ذلك أو أكثره إلا بالعودة إلى الله، والصدق معه في تحقيق عبادته، والتزام حكمه فيما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وما جرى في الإسلام من قتال، فهو لتحقيق الحياة الطيبة، بتعزيز العقيدة لإعلاء كلمة الله، وحفظ النفوس من القتل الجماعي الذي تستعمله فئة ضد الفئة الأخرى في عالمنا المادي الحاضر، ولكنهم يتعامون عن عيوبهم. السبعون بعد المائة: الاتجاه الصادق من المؤمن إلى الله بهذه الضراعة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يقصر مهمته على غاية شريفة باتجاه واحد، يغرس في قلبه العفاف والطمأنينة، والترفع والابتعاد عن كل ما يخل بعبودية الله، وينجيه من الجشع والتطلع إلى ما عند غيره، فيسلم قلبه من أنواع التوجع على ما فاته من طمع أو شهوة، وينجو من أمراض القلق الذي ما زال يفتك بالماديين، الذين انسعرت أفئدتهم بجشع أطماعهم الشهوانية، وأغراضهم الأنانية، وتلهفهم على حصول المال والمكاثرة به. والذين هم دائماً في سباق رهيب للحصول على أكبر نصيب من ذلك، فقواهم البدنية والنفسية منطلقة كالآلة الدائمة الدوران لهذه الغاية المستثيرة لأعصابهم، المقلقة لأفئدتهم، إقلاقاً يهلك بعضهم بأنواع أمراض القلب والصدر، ويدفع بالبعض الآخر إما إلى ارتكاب شتى الجرائم، أو إلى تسعير حروب مهلكة بسبب التكالب على هذه المطالب المادية والأغراض النفسية، بل يدفع بهم إلى كل من ذلك كما هو المشاهد، فهم يعيشون في وحشة وتنافر وشقاق وتسابق في التسلح، وتنافس ومهارة في أنواع المكر والجرائم. أما توجيه الله لعباده المؤمنين المتقبلين لوحيه، الصادقين بضراعتهم إليه، فهو توجيه نزيه مريح، يبث السكينة في القلوب، ويستأصل منها جميع جراثيم الطمع المادي الصرف، والتوجع عليه، لانحصار قصده وغايته في خدمة عقيدته، والتوجه الصادق من الإنسان المؤمن إلى ربه، والاستئناس بوحيه والتلذذ به، والتشرف بتنفيذ وصاياه من حمل رسالته والذب عنها، والطموح الروحي إلى نيل وعده الكريم في الدنيا و الآخرة، وصدق التوكل عليه بالجد في العمل، والمثابرة بكل فرح وشغف واطمئنان، كما جرى من الرعيل الأول، ومن ذلك التوجيه ما رواه الترمذي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أصبح و الآخرة أكبر همه؛ جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن أصبح والدنيا أكبر همه؛ جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه ضيعته، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له"[20]. وزاد في رواية البيهقي: "وما أقبل عبد بقلبه على الله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة، وكان الله إليه بكل خير أسرع".[21]. وروى الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من جعل الهم همَّاً واحداً كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبته الهموم لم يبال الله به في أي أودية الدنيا هلك".[22]. ولقد صدق مدلول هذه الأحاديث على الماديين، حتى من المنتسبين للإسلام، ممن لم يصدقوا بضراعتهم مع الله بـ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾. فتراهم في نهمة وجشع، وهلع وتحسر، وتطاحن وقلق مهلك، بحيث إن الإحصائيات الطبية قررت أن عدد الوفيات بأمراض القلب والصدور وحوادث الانتحار أكثر مما أهلكته الحروب الراهنة خلال عشرين سنة في الولايات المتحدة، التي تعتبر رمز الحرية والحضارة والتقدم المالي المشوب بالفقر الروحي والعياذ بالله. والنصوص والأحاديث النبوية كثيرة في هذا المضمار الهادف للرضا والطمأنينة، وضبط عواطف البشر عن قصر النظر على المطالب المادية والكدح المجنون في معركة الحياة البهيمية الغارسة للأضغان، المثيرة للعداوة، المحرقة للصدقات والفضائل. ولا عبرة بسوء فهم بعض الناس لمعاني هذه الأحاديث، مما أفضى إلى إهمال بعضهم لها وإلى مغالاة بعضهم باستخدامها في إبطال أعمال الحياة، فهي لا تنص على ترك الأعمال وعيشة الدروشة، وإنما تنهى عن إيثار الدنيا وقصر النظر على المادة، ونسيان واجب الله من حياة العبد والتعلق بغيره، وتعطيل العمل لدينه زاهداً فيه، ورغبة في غيره من المسالك المادية بأي مذهب وأي مبدأ ينشغل به الإنسان عن عبودية الله، فيكون عبداً للهوى والشهوات، عبداً للدينار والدرهم والمتاع، منصرفاً بقلبه وحركاته إلى ذلك دون الله. فهذه معانيها السامية النافعة المطهرة الشافية للمخلصين المتبعين، الذين لا يحبون الحياة إلا من أجل الله،والعمل في مرضاته، وإعلاء كلمته،ويقصدون بجميع أعمالهم وحركاتهم هذا الهدف المحقق لجميع أنواع الفوز والسعادة في الدارين، والجالب لمدد الله في الحياة، والذين تمنحهم عبودية الله هذه المميزات، وتنعدم فيهم أسباب القلق، يسلم تفكيرهم من تأثير العواطف، وتحفهم السكينة التامة عند النوازل والملمات، فلا يغيب شي من تفكيرهم أو نظرهم إلى الحقائق، ويتلقون الأحداث بدون انزعاج أو حيرة أو تروع يعمي عليهم سبل التفكير أو ينقصها أبدا، لأنهم بقوة ثقتهم بالله وحسن نيتهم معه، وإخلاصهم له،وتفانيهم في سبيله،ينظرون بنوره، فهو سمعهم الذي يسمعون به، وبصرهم الذي يبصرون به، وقوتهم التي يندفعون بها ويبطشون، كما ورد الحديث القدسي بذلك، ولا يبتلون بالأوهام والخواطر السيئة التي تصيب غيرهم، بل هم في مأمن من جميع عوامل الهزيمة والتفكك، شعارهم في جوانحهم وجوارحهم: ﴿ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 51]. [1] أخرجه مسلم في صحيحه (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه مسلم في صحيحه برقم (2586) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه [3] أخرجه البخاري(2442)، ومسلم (2564) من طريق أبي هريرة رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري برقم (13) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. [5] أخرجه البخاري: (481)، ومسلم (2585) من حديث أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن.."الحديث. [6] أخرجه أبو داود برقم: (4884)، وأحمد (4/ 30)، والبيهقي (8/ 167) وغيرهم من طرق عن الليث بن سعد عن يحيى بن سليم عن إسماعيل بن بشر عن جابر بن عبدالله وأبي طلحة بن سهل قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الحديث. [7] أخرجه أبو داود في سننه (5121) من طريق محمد بن عبد الرحمن المكي، عن عبد الله بي أبي سليمان عن جبير بن مطعم مرفوعاً به. [8] أخرجه البخاري (4905)، ومسلم (2584) كلاهما من حديث جابر رضي الله عنه. [9] أخرجه النسائي في المجتبى (7/ 123)، وابن ماجه في سننه (3948) من طريق زياد ابن رباح عن أبي هريرة بنحوه. وأخرجه النسائي أيضاً (7/ 123) من طريق جندب بن عبدالله رضي الله عنه. وفي إسناده أبو مجلز وهو مدلس وقد عنعن، وأخرجه الطبراني في الأوسط (3946) من حديث أنس بن مالك وفي سنده قزعة بن سويد وهو ضعيف، وقد وثق كما قاله الهيثمي في مجمع الزوائد(6/ 286). وفي الأوسط أيضاً برقم (3405) من حديث سعيد بن المسيب عن ابن عباس مرفوعاً بنحوه. [10] أخرجه البخاري (2810)، ومسلم (1904) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ: "فهو سبيل الله" بدل: "فهو شهيد". [11] أ خرجه البخاري في صحيحه (6882) من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: "أبغض الناس". وقال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله فهو كقوله: " أكبر الكبائر" وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي. اهـ. [12] أخرجه البخاري (1294)، مسلم (103) كلاهما من حديث مسروق عن عبدالله ابن مسعود مرفوعاً به. [13] أخرجه النسائي في الكبرى ( 6 / 412 ) رقم ( 11349 ) من طريق أبي سلام عن الحارث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. [14] أخرجه أحمد (5 / 136 )، والنسائي في الكبرى (5/ 272)، والطبراني في الكبير (1/ 198) رقم (532)، وابن حبان في صحيحه (7/ 424) رقم (3153). والضياء المقدسي في المختارة (3/ 435) كلهم من طرق عن أبي ابن كعب به. [15] أخرجه مسلم في صحيحه (653) من حديث يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه. = قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخص له فيصلي في بيته فرخص له، فلما ولى دعاه فقال: " هل تسمع النداء بالصلاة؟" فقال: نعم، قال: "فأجب". [16] أخرجه البخاري في صحيحه (1243) من حديث أم العلاء رضي الله عنها. [17] أخرجه أبو داود (1522)، والنسائي في الكبرى (6/ 32)، والحاكم في المستدرك (1/ 407) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. [18] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (35) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [19] أخرجه أحمد (2/ 163)، والبيهقي في سننه (6/ 95)، والحاكم في المستدرك (4/ 108) من طرق عن محمد بن مسلم عن عبدالله بن عمرو به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. إلا أن البيهقي قال: محمد ابن مسلم هذا هو أبو الزبير ولم يسمع من عبدالله بن عمرو.اهـ. وانظر مسند البزار (6/ 363) رقم (2374). [20] أخرجه الترمذي (2465) من طريق الربيع بن صبيح عن يزيد بن أبان عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً به. وأخرجه أحمد (5/ 183)، وابن ماجه (4105)، والطبراني في الكبير (5/ 143) رقم (4891) من طريق أبان بن عثمان بن عفان عن زيد بن ثابت رضي الله عنه مرفوعاً به. وأخرجه الطبراني في الكبير (11/ 266) برقم (11690) من طريق عكرمة عن ابن عباس، به بنحوه. [21] أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (4/ 182) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه. [22] أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 481)، والبيهقي في الشعب (7/ 289) رقم (10340). وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#12 | |
![]() ![]() ![]()
|
تفسير سورة الفاتحة (10) الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري العبودية بإشغال جميع الجوارح: الحادي والسبعون بعد المائة: إن عبودية الله تقتضي إشغال جميع الجوارح والأحاسيس في طاعة الله وامتثال أمره، لينحصر الاتجاه إليه سبحانه وتعالى في كل ما ركبه في جسم الإنسان، كما تقتضي كفها وصيانتها عن الانشغال بما لا يرضي الله من كل محرم ومكروه، وعن الانهماك في المباحات المشغلة عن الواجب والمندوب، خوفا من تراكم الغفلة المفضية إلى سخط الله، وإنما يأخذ منها بقدر الحاجة مع شديد الحذر وحسن النية ليكتبها الله له عبادة بصلاح نيته، والله غفور شكور، فيتعبد الله بجارحة السمع بالإنصات لما يحب الإنصات له من العلم الواجب عليه معرفته من أصل الدين وفروعه مما يجب اعتقاده أو يجب فعله في سائر أركان الإسلام وشعب الإيمان، وما يجب حفظه من وحي الله لإقامة هذه الشعائر، كما يتعبد الله باستماع المندوب سماعه من القرآن والذكر وسائر العلم النافع الخالي من شوائب الإلحاد والزندقة، ويتعبد الله بترك ما يحرم استماعه من كلام أهل الكفر والبدع والإلحاد والنفاق، إلا لمصلحة الدين مما يقصد به مقارعتهم بالحجة، واستظهار شبههم والشهادة عليهم، وترك استماع لهو الحديث المتنوع الذي تقذف به اليهودية العالمية على أيدي عملائها، وهي أجهزة الإعلام من المعازف والحكايات والأقاصيص الماجنة، فلا يتعمد استماع سائر أدوات اللهو والغناء والتشبيب بالمحرم، وإذا ابتلي به فليصرف ذهنه عنه، وليشغله بذكر الله وما نزل من الحق، حتى لا يدخل مسامعه، وكذلك لا يستمع إلى حديث شخص أو أشخاص وهم له كارهون، ولا إلى صوت النساء الأجنبيات حين خشية الفتنة أو حصول التلذذ، كما يتعبد الله بترك سماع كل مكروه في الشريعة. ويتعبد الله بحفظ بصره عن النظر إلى ما حرم الله من النساء والمردان، دون حاجة مبيحة كأخذ تقرير أو شهادة أو طب أو خطبة، ويستعمله في النظر الواجب كالنظر في المصحف، وكتب العلم الواجب معرفتها، والنظر لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي يريد أكلها أو الاستمتاع بها، وأعيان الأمانات الواجب أداؤها لأربابها، والنظر في أنواع الأسلحة والأجهزة التي يريد استعمالها في الجهاد الصحيح فإن النظر إليها واجب للتأكد من صلاحيتها، كما يتعبد الله بالنظر المندوب، كالنظر في الكتب الدينية والأدبية الصحيحة التي تفيده علما وأدبا رفيعا، وتزيد في إيمانه وعقله، والنظر في المصحف وإلى الكعبة، وإلى آيات الله الكونية الموطدة لإيمانه ويقينه، بل قد يكون هذا من النظر الواجب. ويكف بصره عن النظر إلى ما حرمه الله من العورات التي وراء الثياب أو وراء الأبواب بلا سبب مبيح، وعما كرهه الله من فضول النظر أو المغريات التي قد تجذبه لما هو خطر، أو تجعله يزدري ما هو فيه من النعمة، وسيأتي لذلك زيادة توضيح في تفسير أواخر سورة (طه) إن شاء الله - سبحانه -. • ويتعبد الله بالتذوق الواجب، كتذوق ما يحتاج لسد رمقه وإقامة صلبه من مطعوم ومشروب حلال، أو حرام عند الاضطرار إليه، ما يعينه على تحصيله، وأكل ما يعينه على طاعة الله، ويقوي بدنه للغضب في الله والدفاع عن حدوده من المطعوم المباح، فإنه مندوب يتعبد الله به، كما يتعبد الله في ذوقه بترك ما حرم الله من مأكول أو مشروب، وما كرهه كالمتشابهات، وما زاد على الري والشبع، وطعام المرائين والمتبارين، أي: المتراهنين ونحوه، مما فيه نهمة أو إخلال بالمروءة. • ويتعبد الله بالشم، فيشم ما يجب شمه للتمييز بين الحلال والحرام والطيب والخبيث من الأعيان، للتوقي من حرمتها أو ضررها، وشم ما يترتب على شمه تقرير ملك أو حكم، ويشم ما يندب شمه مما يقوي على الطاعة ويقوي الحواس، ويشرح الصدر للعلم والعمل الشرعيين، كما يتعبد الله بترك ما يحرم شمه كالطيب المغصوب، أو طيب النساء الأجنبيات، أو الطيب في الإحرام، أو تعمد شم الروائح الخبيثة السيئة التأثير على النفس، وترك ما يكره شمه كطيب الظلمة وأصحاب الشهوات. • ويتعبد الله باللمس فيلمس ما يحتاج إليه للتمييز بين الحلال والحرام، وما يجب عليه لمسه للإعفاف والإحصان، وما يحتاجه من ثوب أو بقعة للصلاة ليستبين صلاحيته الشرعية، وما يستحب لمسه في هذا السبيل - أيضا - كما يتعبد الله بترك لمس ما حرمه الله من النساء الأجنبيات والمردان، ومن سائر الأعيان المحرمة، مما يغري لمسه على تناوله، وترك اللمس المكروه، كلمس ما حرمه الله حال الصيام أو الإحرام أو الاعتكاف ونحوه. • ويتعبد الله تعبدا صحيحا بجارحة اللسان، وذلك بإشغاله دائما بذكر الله، وما والاه من الكلم الطيب، وقراءة القران وكتب الحديث والتفسير للقرآن، والشروح للسنة المطهرة، وما استنبط من فقههما، وسائر الكتب المعولة عليهما، والمؤلفة في خدمتهما، وما يحصل به زيادة فهمهما من فنون العلم، مجتنبا كل ما يصده أو يبعده أو يشغله عنهما، أو يزهده فهمهما، مبغضا لذلك بغضا تاما، كما يكون مجتنبا ومبغضا ومنابذا ومعاديا لكل ما يناقضهما من كل فن وكتاب، فلا يقرؤه ولا يضيع فيه ثانية من دقائق عمره النفيس، إلا لحاجة الرد عليه، ودمغ شبهات أهله ممن هو قادر على ذلك، لتسلحه بوحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ويكون - أيضا - حافظا لسانه من فضول الكلام، ومبتعدا عن قول الزور، واللدد في الخصومة، واللمز والاغتياب، ونحوه مما يهوي بصاحبه في النار سبعين خريفا، أو يكبه في النار على وجهه، كما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وينشغل عن ذلك بالكلم الطيب من الذكر، والأمر بالمعروف، الحض على الخير والصدقات، والإصلاح بين الناس وتأليف قلوبهم، وجمعهم على الطاعة، ونحو ذلك مما يجعله قائما بعبودية الله بضبط لسانه غاية الإمكان، متوقيا من آفاته. ويكون بليغا جريئا حديد اللسان في مقاومة أهل الباطل ومناظرتهم ودفع باطلهم بحجة البيان، ليكون مجاهدا لله-تعالى-في هذه الجارحة، شاكرا له على إنعامه بها شكرا حقيقيا، مستعينا بها على نيل رضاه، الذي هو غاية أماني المسلمين المؤمنين، فإن بطش اللسان قد يكون أعظم أثرا وأكبر فائدة من بطش اليد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شعر حسان رضي الله عنه: (والله لشعرك عليهم أشد من وقع السهام في غلس الظلام)[1]. ثم يكون من جهة أخرى مسخراً للسانه بالدعوة إلى الله على بصيرة، وبحكمة وحسن بيان جذاب يعرض به الإسلام عرضا ملائما لكل بيئة، ليحقق شكر الله على نعمة اللسان ويكون من ورثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الداعين بدعوته، فينال حظا من رفعة الذكر، والصلوات المباركة، والوعد الحسن من الله في الدنيا والآخرة، ويكون من الصادقين مع الله، ولا يخرس لسانه عن النطق الحق. • ويتعبد الله سبحانه وتعالى بجارحتي اليدين والرجلين، فلا يبطش بيديه إلا لله وفي الله، وحسب مرضاة الله، فيعمل بيديه وفق مرضاة الله ما يعينه على حمل رسالته، والتقوي على عبادته من الكد والكدح في الحلال، واكتساب المال من طرقه المشروعة، ويكسب بهما ما يعينه على الواجبات من الإنفاق الواجب، وأداء الدين الواجب، واكتساب ما لا يحصل له أداء أركان دينه إلا به، باذلاً جهده في صيانة وجهه عن السؤال، أو التقصير في المفروض من نفقة واجبة ونحوها، كما يبطش بهما في الجهاد لإعلاء كلمة الله، وقمع المفتري عليه، وتوسيع رقعة الإسلام، وردع من حاول الصد عن سبيل الله بأي طريقة ويبطش بهما في إقامة حدود الله، وتأديب من يستحق التأديب، حسب أصول الشريعة، بحيث لا تأخذه الرأفة في التهاون بها أو إسقاطها، بل يعتبر الرحمة في إجرائها وإقامتها كما أمر الله بها، ويبطش بهما – أيضا - في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا استلزم الإنكار ذلك، ويستعملهما فيما يستحب إشغالهما به من الإحسان للمسلمين والقيام بمصالحهم أخذا وردا، وإعانة محترف، وتعليم صانع، أو إصلاح آلة فاسدة أو تحريكها، أو عمل لأخرق، أو إعانة حامل، أو رفع منه، أو إعانة على سقي، أو إمساك دابة، وغير ذلك من المعونات المستحبة أو الواجبة. وكذلك كتابة ما يحتاجه المسلمون في معاملاتهم وضبط شهاداتهم ونحو ذلك، ويكون مجتنبا كل بطش حرام، ومبغضا له كما يبغضه الله ويحرمه، فلا يقتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق، ولا يعتدي عليها أبدا لأي حظ من حظوظ نفسه، أو رغبة من رغباتها، ولا يضرب من لا يحل له ضربه، ولا يطمع بمال معصوم بأي وسيلة من وسائل الاستلاب، ولا يشغل يديه بالألعاب المحرمة من أنواع الميسر ونحوها، مما هو شبيه بالنرد والشطرنج، أو خلفا عنهما، ولا بالمكروه من الألعاب، إلا ما يصلح منها للتدريب على الجهاد، وتقوية الأعصاب، بنية صادقة لذلك. ولا يكتب بيديه ما لا تجوز كتابته من البدع والخرافات، ونظريات الملاحدة والزنادقة، والشعر المحرم المشتمل على الأوصاف المثيرة للغرائز، أو مدح الخمر والإغراء بأي محرم، كما لا يكتب باطلا أو أحكاما جائرة، أو شهادات مزورة، أو سبابا أو وشاية، أو كل ما فيه ضرر على المسلمين وخدمة لأعدائهم، سواء في السلم أو الحرب، فلا تمتد يداه إلى شيء من ذلك ولا إلى رشوة، ولو بطريق هدية، لأن الهدايا إلى العمال والمسئولين في الدولة غلول كما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة ابن اللتبية، بل يطهرها من جميع ذلك ليحقق عبودية الله بهما، ويكون شاكرا لله على إنعامه بهما باستعمالهما فيما يرضيه. • ويلاحظ التزام عبودية الله في رجليه، حاصرا مشيه بهما في طاعته ومرضاته، فيسعى بهما إلى إقامة الصلاة في الجمع والجماعات، وإلى بذل الزكاة والحج والطواف وإقامة المناسك وتعظيم شعائر الله، والتكسب للقيام بالواجب، والسعي في الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإلى البطش الواجب والمندوب، وإلى الإصلاح بين الناس، وصلة الأقارب، وبر الوالدين، وزيارة الإخوان في الله من الأحباب في الدين، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، والمشي إلى مجالس العلم والذكر، وكل ما فيه تنفيذ لأمر الله، ويسعى بهما لاكتساب المال من طرقه المشروعة، واستثمار خيرات الأرض بنية صالحة لله، لتكون جميع حركات رجليه عبادة لله، فيكون شاكرا نعمته عليه بهما، فلا يمتطي بهما أي مركوب إلا لغرض من هذه الأغراض، وبنية حسنة، ويراقب الله فيهما، فيكفيهما عن المشي أو السفر لما لا يرضيه، فضلا عما يغضبه من السعي إلى معاصيه فإن الرجل الساعية إلى المعاصي هي رجل الشيطان، وكل ما يمتطيه الرجل إلى معصية لله فهو من ركب الشيطان، كما قال الله تعالى: ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾ [الإسراء: 64]. كما أن كل مأكول أو مشروب محرم، أو تكسب لا يقصد به وجه الله، وكل ذرية لا يوجهها ولاة أمرها إلى الله بالتربية والتعليم الشرعيين، فهو من شرك الشيطان، وكل هدف إلى ما سوى الله فهو من أماني الشيطان وغروره، كما قال – تعالى- في ختام هذه الآية: ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورا ﴾ فالراكب في معصية الله كالماشي فيها، هو من جند الشيطان، والغازي والمحارب لأغراضه وأهدافه ومبادئه الوطنية، أو مذاهبه المادية ونحوها، مما لا يقصد به وجه الله وإعلاء كلمته، يكون من جند الشيطان وحزبه، سواء كان غالبا أو مغلوبا، لأن له سوء العقبى، وشر المنقلب لاسيما إذا كان مسلما في الظاهر، لأنه بسلوكه هذا قد حرم نفسه من نصرة الله، ومدده الذي لا يغلبه غالب. وهذا هو السر في تأخر المسلمين أو المحسوبين على الإسلام، فهزائمهم المتلاحقة أمام اليهود، وأعوانهم من الوثنيين، سببها انخراطهم في جندية الشيطان بسلوك أهوائهم في الحب والبغض، والولاء والمعاداة، واتباعهم الشهوات، والسير في الأنانية المختلفة التي جعلتهم لم يخلصوا النية ولم يصلحوا العمل لله. فكان المعيار عندهم ماديا بحتا، وإذا كان كذلك فعدوهم أكثر عددا وأقوى عدة مادية، فيكون له الرجحان لانعدام القوة الروحية الغالبة بإذن الله، حيث تربوا على الأفكار الماسونية اليهودية التي جعلتهم يسيرون وفق أغراضهم لا وفق أمر الله، ويقاتلون في سبيل أهوائهم وحدود أوطانهم، لا في سبيل الله وإعلاء كلمته وإقامة حدوده، بل لم ينالوا بما انتقصه أعداء الله من أراضي المسلمين وحدود الإسلام، ولا بما أجراه أعداء الله على المسلمين في جزيرة (قبرص) والحبشة وغيرهما مما هو تحت وطأة روسيا والصين، وإنما هدفهم مقصور على ما يسمونه بالوطن العربي، وعلى الأخص المتقبّل للمذهب الماركسي الشيوعي، بل ظاهروا أعداء المسلمين، وقد قلت في منظومتي عقب كارثة صفر عام 1387هـ(حزيران1967م): فلم يتقاتل مع يهود سوى الذي تربى على أفكارها لا على الذكر ولم ينهزم منها سوى متفرنج وفرخ شيوعي ومختلط الأمر لقد خانهم أسيادهم قوم (مركس) كما نكص الشيطان عن مشركي بدر. فالذين تربوا على الذكر الحكيم لم ينهزموا أمام اليهود وأعوانهم في كل زمان، وفي الوقت الذي تربّى فيه العرب على القرآن، فحظ اليهود أمامهم الذلة، ولكن حاربهم الذين استووا في جندية الشيطان مع عدوهم، فكانت الغلبة للقوة المادية والمكر السياسي أو الحربي، ولو أخلصوا نيتهم لله، وأصلحوا أعمالهم لوجهه الكريم، وحصروا اتجاههم إليه، ووحدوا هدفهم لإعلاء كلمته، لبارك في جمعهم، وسدد خطاهم، وثبتهم، وصوب رميتهم، وأمدهم بالريح والملائكة، وبجنود لا يعلمها إلا هو، ونصرهم بما يقذفه من الرعب الشديد في قلوب أعدائهم، وإحباطه لخططهم، وشله لحركة مصنوعاتهم، أو إفساد مفعول قذائفها، كما أفسد مفعول النار المتأججة على إبراهيم إمام الحنفاء عليه السلام. فهو يمكر للمؤمنين مكرا يحبط به مكر الكافرين ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30] وما أقل من ينتبه إلى هذا السر في هزائم المحسوبين على الإسلام، ألا وهو التقاؤهم مع أعدائهم في جندية الشيطان، لأن أدمغتهم قد تخبطت وفسدت، حتى تبلورت بالغزو الفكري من أعدائهم، ذلك الغزو الثقافي الماسوني، الذي أبعدهم عن القرآن، وأزاحهم عن العقيدة الحنيفية الأصيلة، وأبعدهم عن الأخلاق والشمائل المحمدية، وجعلهم يتعشقون الأخلاق والنظم الغربية والشيوعية مما هو من أوضاع اليهود، فكيف ينتصرون عليهم؟ ولا شك أن شياطين الإنس المبتعدين عن أمر الله وإقامة حكمه وتحقيق عبوديته، إذا تصارعوا فيما بينهم صراعاً كلامياً، أو حربياً، كان النصر لمن هو أكثر تهويشاً في الكلام أو أقوى عدة مادية، وأعمق مكراً، وأكثر أنصاراً من جنس الشياطين، فجند الشيطان فيما بينهم يكون انتصار بعضهم على بعض بهذا الاعتبار، كما حصل في حرب اليهود مع خصومهم من الماديين المتشيطنين، وإن ادعوا ما ادعوا، وكما حصل فيما يشبه حربهم من قبل في كل العصور والطوائف، وما سيحصل من بعد. وأما إذا تقابل جند الشيطان مع جند الله الصادقين في أعمالهم ومقاصدهم مع الله، فحظهم الخيبة والخزي والهزيمة أمام حزب الله، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴾ ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 173-172]، ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 76].﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ﴾ [الأنفال: 18]. ومهما كثر أعوانهم من فئات الشياطين فالله خاذلهم كما قال الله تعالى: ﴿ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 19]. ومن عطل الله عن أمره وشرعه وحكمه ونصب نفسه مكان الله في التشريع لشئون الحياة، فقد حرم نفسه من هذا النصر وكان من صرعى الشياطين، وليحاذر من استعمال نعمة الرجلين في المشي إلى مجالس اللهو، أو اللعب المحرم والمكروه، وسائر ما هو من هوى النفس، حتى لا يكون من رجل الشيطان الساعية في مطلبه، ولا يخفى أن المحرك لهذه الجوارح والقوى والأحاسيس هو القلب، فهو ملكها ومسيرها حتماً، فبصلاحه تكون حركاتها إلى الخير والصلاح، وبفساده ينعكس الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"[2]. فرحى العبودية تدور على القلب وهو قطبها، ولكنه لا يسيِّرُ جوارحَ الإنسان وقواه وأحاسيسه إلى الله إلا إذا كان سليماً مما سواه؛ لأن القلب السليم هو الذي يتلقى حكم الله الشرعي الديني بالمسالمة والانقياد المحض، والتسليم بلا منازعة، فلا يعارضه بذوق أو سياسة أو قياس أبداً، بل بالإذعان والقبول، دون حلول شبهة تعارض شريعة الله، أو شهوة تعارض أمره وتحول دون تنفيذها. فهذا القلب السليم من الشهوات هو الملك المسير للإنسان تسييراً روحانياً ربانياً لا شيطانياً، وهو الذي يتكون من أفراده عباد الرحمن الذين ليس للشيطان عليهم سبيل، فلا يكسب الشيطان منهم راجلاً ولا راكباً، بل هم الذين يهزون أهل الأرض ويصعقون اليهودية العالمية في كل مكان، كما حصل ذلك من المتتلمذين على المدارس المحمدية الحنيفية، لا على المدارس المعولة على الخطط والمفاهيم الماسونية، ممن هم كسب لليهود، وقرة لعيونهم ﴿ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 117]. الثاني والسبعون بعد المائة: الصادق بضراعته إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ يعتني غاية الاعتناء بسلامة قلبه، وذلك: 1- بتصفيته مما يرد عليه من الهمسات والخواطر التي تفتنه بشبهة أو تشغله بشهوة. 2- وتصفيته مما يقذف عليه من الآراء والنظريات. 3- ومن فساد المقاصد وهي ما يكون لغير الله من كل غرض وشهوة. 4- وتصفيته من مثبطات الهمم. 5- ومن التعلق بغير الله أو إيثار شيء على مراده، ولو أقرب قريب أو أنفس نفيس في الدنيا. 6- وتصفيته من استعذاب شيء فوق استعذاب عبادة الله بأي أنواعها، أو عذوبة كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. 7- ومن التعلق بجمال شيء ينسيه جمال الله ولذة قربه، بل إذا أعجبه جمال شيء ذكر جمال الله الذي جميع ما في الأكوان من جمال فهو أثر من آثار جماله، وكلما استمتع بمحبوب أو استلذ بشهوة زادت محبته لله الذي وهبها، وزاد تعلق قلبه بعبادته وحسن مراقبته. 8- وتصفيته من إجلال غير الله، والخوف من غير الله أو رجائه، أو قصر محبته عليه أو تفضيلها على حبه. وذلك أن القلب وعاء كسائر الأوعية، وكل وعاء لا يكون فيه صلاحية لوضع شيء، حتى يفرغ من ضده ويصفي كما هي القاعدة العقلية، إن قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتخليته وتنقيته من ضده، فالإناء الذي فيه الملح لا يصلح لوضع السكر أبداً حتى يفرغ من الملح وينقى تنقية ملائمة لوضع السكر، وهكذا فالقلوب شأنها أعظم من ذلك، ولا تصلح لقرار حب الله وإجلاله وتعظيمه، والخوف منه ومحبة ما جاء عنه ونحو ذلك من مقتضيات الدين والعبودية، حتى تفرغ وتصفو من حب غير الله وتعظيم غير الله، والخوف من غير الله أو رجائه، وتصفو من محبة لهو الحديث، والتعلق بالأنانية والشهوات، وتصفو من العلوم المادية والنظريات الإلحادية، وهناك تكون فيها القابلية الصحيحة. فإن القلب إذا صفت مقاصده لله، وصفت معلوماته مما سواه، وانحشى بوحيه العزيز، وانشغل بذكر أسمائه الحسنى متدبراً معانيها ومشتقاتها، ليعامل الله بمقتضاها ولا يأنس إلا بها، صفت موارده لخلوص مقاصده، فصار سليماً وفي حصن حصين من غزو أعدائه شياطين الإنس والجن الفكري ومن همزاتهم، فيثمر له صفاء علمه ومتعلقاته حسن السلوك الذي يسيِّر الأعضاء والأحاسيس حسب مرضاة الله، كما أسلفنا في الوجه الذي قبل هذا. الثالث والسبعون بعد المائة: الضراعة إلى الله بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لا تكون صادقة نافذة المفعول على قائلها إلا إذا صدرت من مسلم مؤمن، قلبه منفتح نحو الله، يشهد نعم الله عليه من قبل وجوده إلى فقده تلك النعم التي لا يقوم بشكرها، ولا يقابلها أي عبادة، فيشهد نعمة الله عليه بذكره له في الملأ الأعلى قبل أن كان شيئاً مذكوراً، حيث قال للملائكة: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30] وذِكْرَه - أيضاً- إياه دون شيء من مخلوقاته، وذلك بتقدير رزقه وأجله وعمله. فهذا ذكر عظيم شكرهما وحقهما، ثم يشهد نعمة الله بتقدير خلقه في أحسن صورة، وإمداده بالسمع والبصر والفؤاد وسائر الجوارح والأحاسيس والقوى، وإسباغ نعمه العظيمة عليه، فلا يغفل عن ذكره أو ينشغل بسواه، بل يشكر كل نعمة لله شكراً عملياً باستعمالها في طاعته والسعي في مرضاته، وعدم الغفلة عنه، فكلما ذكر نعمة الإيجاد ذكر الله الموجد له والذاكر له بها ذكراً صحيحاً، ذكر المحب لحبيبه، المتفضل على حبيبه، وضرع إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ضراعة المخلص الصادق المصمم على معاملة الله بمقتضاها، والاتجاه إليه قولاً وعملاً وقصداً. ويستحضر دائماً نعمة الله عليه، في تقدير رزقه والفسحة في أجله، فيقدر ذكر الله له بها، ويذكره ذكره المحب لحبيبه، المتفضل عليه، فيصدق في تجديد ضراعته إليه بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مصمماً عزمه على معاملة الله بمقتضاها، والاتجاه إليه بمدلولها، قولاً وعملاً وقصداً، ويستحضر دائماً نعمة السمع والبصر والفؤاد، والشم والذوق والنطق، والبطش والمشي، وسائر الحركات التي ذكره الله بكل شيء منها، فأكرمه وأنعم عليه بها، فيذكر الله ذكر المحب لحبيبه، كلما استمتع بشيء منها وانتفع. ويجدد الضراعة الصادقة الخالصة له بـ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ عازماً عزماً أكيداً على تنفيذ مقتضياتها بكل قوة وتصميم، ذاكراً للنعمة الكبرى التي ذكره الله بها في الأزل، وأنعم عليه بها بعد إيجاده، وهي نعمة الإسلام التي لا تعدلها كل نعمة، ولا تقوم الدنيا كلها ثمناً لها، فيزيد حبه لله وتعظيمه له، وذكره إياه ذكراً صحيحاً نافعاً مؤثراً، ويزداد حبه لرسوله عليه الصلاة والسلام الذي جرت هذه النعمة الكبرى على يديه، وهذا الإنقاذ الحيوي على يديه. هذه النعمة التي رفعته عن مستوى البهائم الخسيسة، وأخرجته من الظلمات إلى النور، وحررته من رق العبودية، والخضوع لغير الله، هذه النعمة التي لولا إكرام الله له بها لكانت البهائم أحسن منه حالاً ومآلاً، فيقوم بشكر الله عليها شكراً عملياً يجعله يعض عليها بالنواجذ، ويكون قوي الشكيمة في حفظها، والاستمساك بها، والدفاع عنها بصولة ليث غاضب، وبذل النفس والنفيس دونها، وصدق العزيمة في تأدية أركانها وواجباتها وشُعَبها ومندوباتها، والأخذ برخصها وعزائمها، والصرامة في تنفيذ متطلباتها وأحكامها، وبغض المعرض عنها، والمصر على ترك شيء منها، والمتجاوز لحدودها، ومعاداة من ينتقضها، ومحاربة من يعاديها بكل صورة، ولو كان صاحب هذه الصفات أقرب قريب، بل يعتبر البر والرحمة في عقوبته والغلطة عليه. وشعاره في كل شيء من ذلك ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ معتقداً أن محبته لله محفوفة بمحبتين منه - جل وعلا -: محبة سابقة هيج بها قلبه إليه وشوقه، ومحبة لاحقة على حسن النية، وإصلاح العمل الذي وفقه إليه، ومعتقداً أيضاً أن ذكره لله محفوف بذكرين له منه - جل وعلا-: ذكر التوفيق له إليه أولاً، وذكر الإثابة ثانياً. والفضل كله له في البدء والمنتهي، وبذلك يسلم من العجب والكبر والإدلاء على الله بعمله، ونحو ذلك من أدواء القلب، ويحدوه الصدق في الشكر إلى حسن مراقبته، والمثابرة على عبادته، وصدق الاستعانة به في ذلك، ولا يبيح لنفسه الغفلة عن الله، أو إضاعة أدنى شيء من أوقاته بلا عمل لله، بل ينشغل بالله عما سواه، ويجود بكل شيء في سبيله ومرضاته، فيكون من خير البرية، ويكون محفوفاً بألطاف الله، منصوراً على أعدائه، مرهوب الجانب في الأرض، كما جرى للرعيل الأول. الرابع والسبعون بعد المائة: كل من تحققت فيه هذه الوجوه الثلاثة المتقدمة، وكانت عبوديته لله سائرة على ما فصلته فيها، فإنه ينكشف حجاب قلبه عن ربه فيستنير، ويكون مقبلاً على الله، متلذذاً بعبادته، يجد لها حلاوة، ويجد منها سروراً، وتفيض أنوار الهداية على جميع أحاسيسه، فلا يطمئن إلا لذكر الله وطاعته، ويكون متوحشاً مما سواه، وتكون أعماله الدنيوية مرتبطة بالله، قصداً لوجهه واتباعاً لشريعته، ولا يدخل إلى مسامعه شيء من لهو الحديث المتنوع، الذي تقذف به اليهودية العالمية على أيدي عملائها ومخدوعيها، فضلاً عن أن يستعذب شيئاً منه. هذا مستحيل؛ لأنه ليس لديه ذرة واحدة إلا بالله، ومن الله، وجميع أوقاته وطاقاته منحصرة لله، قد سلم من حجاب نفسه وأهوائه، وانقشع عنه ضباب الشهوة والأنانية، فقلبه في ربيع القرآن، وروحه في نعيم الطاعة، لخلاصه من الحجب المعوقة له والمضللة له عن طريق السير إلى الله؛ لأنه بسلوك ما فصلته في الوجوه السابقة يتخلص من الحجب التي بلغ العلماء في عدها إلى عشرة وهي: 1- تعطيل الله عن أمره وشرعه، وكون البشر يسلكون ما شاءوا دون ارتباط بالله. 2- تعطيل حقائق أسمائه وصفاته، وعدم معاملة الله بمقتضى كل اسم وصفة. 3- حجاب الشرك من سائر التعلق بغير الله، فإن الشرك ليس مقصوراً على عبادة صنم ونحوه، وإنما هو متمثل بانصراف القلب عن الله إلى غيره، في أي ناحية من شئون الحياة. 4- حجاب البدعة القولية، مما ينشأ من تلقي العلوم والمعارف من غير مشكاة النبوة، كالمنطق اليوناني، ونظريات الفلاسفة الأقدمين أو المتأخرين في الإلهيات، أو علم النفس أو الطبيعات ونحوها، مما هو قول على الله بغير علم، وصد للأمة عن سبيل الله، وإشغال لها عن وحي ربها، وصرف لها عن هدايته. 5- حجاب البدعة من كل عمل مخالف لما عليه أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم، سواء ظهر باسم تصوف أو طريقة أخرى، فإن العبرة بجنس السلوك المخالف لحال النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه لا بجنس المسمى. 6- حجاب كبائر الذنوب الباطنة كالكبر والعجب والرياء والحسد والخيلاء ونحوها. 7- حجاب كبائر الذنوب الظاهرة؛ لأن المعصية تجر غيرها إذا لم يتذكر صاحبها، ويبادر بالتوبة النصوح، ويتسلح بسلاح المراقبة. 8- حجاب صغائر الذنوب وفضول الأشياء والكلام، فإن الصغيرة تنقلب كبيرة مع الإصرار، أو شركاً وكفراً مع الاستباحة. 9- حجاب الغفلة عن الله ونسيان العبد ما خلقه الله لأجله. 10- حجاب التوسع في المباحات مما يحدث به قسوة القلب وبعده عن الله، وعدم استشعار مشاهد يوم القيامة. ومنشأ هذه الحجب أربعة عناصر: 1- النفس الأمارة بالسوء أو اللوامة. 2- الهوى، فإنه لميله بصاحبه يحجبه عن السير إلى الله وتحقيق مرضاته. 3- إيثار الدنيا والتعلق بزينتها وجعلها غاية لا وسيلة. 4- الشيطان، سواء كان من شياطين الجن أو الإنس كما فصلت ذلك في باب الاستعاذة، ولا يتغلب على هذه العناصر، ولا يسلم من تلك الحجب، إلا صاحب القلب السليم الذي مضى تفصيل حاله في الأوجه الثلاثة قبل هذا. صاحب القلب السليم الذي إذا وصل إليه أي نعمة علم أن الله قد ذكره بها، وأوصلها إليه، فيزداد حبه لله وإجلاله على ابتدائه له بالمعروف والإحسان، فيتفانى في طاعته، وبذل النفس والنفيس في نصرة دينه، ويكون محباً لأحبابه مهما كانوا، ومبغضاً لأعدائه من الكفرة والعصاة، ولو كانوا أقرب قريب، ويكون منشغلاً به عما سواه في كل ناحية، مقدماً مراده على مراد نفسه بالكلية. يتبع |
|
|
من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| تفسير سورة الفاتحة | ابو الوليد المسلم | قسم تفسير القرآن الكريم | 0 | 02-10-2026 11:44 AM |
| د.محمد راتب النابلسي - تفسير سورة الفاتحة | امانى يسرى محمد | قسم تفسير القرآن الكريم | 6 | 09-20-2025 06:53 PM |
| تفسير سورة الفاتحة لإبن عثيمين | أبو طلحة | قسم تفسير القرآن الكريم | 4 | 10-02-2023 05:56 AM |
| تفسير (الصراط المستقيم) في سورة الفاتحة. | أبو طلحة | قسم تفسير القرآن الكريم | 1 | 06-06-2022 07:16 PM |
|
|