استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية
ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية الأحاديث القدسية والنبوية الصحيحة وما يتعلق بها من شرح وتفسير
روابط مفيدة مشاركات اليوم البحث
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 06-13-2026, 05:08 PM   #7

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الأربعون الفلسطينية الْحَدِيثُ الثامن – مُعْجِزَةُ إِسْرَاءِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم منْ مَكَّةَ إِلْى بَيْتِ المَقْدِسِ فِي لَيْلَـةٍ


كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الثامن:
عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَمَّا أسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى؛ أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَعَوْا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إلى صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلِة إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ؛ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: وَتُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ: أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غُدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ».
شرح الحديث:
كان مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، من أول مسجد وضع في الأرض إلى ثاني مسجد وضع فيها، فجمع له فضل البيتين وشرفهما، ورؤية القبلتين وفضلهما، وفي حادثة الإسراء ما يدل على قداسة هذين المسجدين وما يحيط بهما من أرض شهدت مبعث النبوّات والرسالات؛ لهذا سمى الله سورة في القرآن باسم سورة (الإسراء) مطلعها قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء:1) وليس هناك سورة باسم المعراج. والإسراء معجزة من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يخرج من بيته في مكة إلى بيت المقدس في فلسطين ثم إلى السماء، ويمر بالسماء واحدة تلو الأخرى، ويلتقي بإخوانه من الأنبياء، ويسلم عليهم حتى يصل إلى سدرة المنتهى ويعود محملا ببعض الأوامر والنواهي في خط الرحلة نفسه، وكل ذلك في جزء من الليل!
نعم إنها محطة تاريخية نادرة الوقوع في عالم البشر، بتفرُّدِها في الأسلوب والطريقة التي كانت كالصاعقة لمستوى إدراك الناس، لتعيد برمجة الأمة لأهمية هذا المسجد من خلال معجزة الإسراء والمعراج، بطريقة لم يعرفها العرب ولا غيرهم، وفاقت مستوى عقولهم من خلال الإسراء إليه من بيته في مكة والمعراج منه إلى السماء في ساعةٍ من ليلٍ بأسرع دابَّةٍ عرفتها البشرية.
وقد قيل كان وقت الإسراء قبل الهجرة بسنة في ربيع الأول، وهو قول الأكثرين، حتى بالغ ابن حزم فنقل الإجماع على ذلك. وفي هذا الحديث تروي لنا السيدة عائشة مشهدا من مشاهد هذا الحدث الكبير الذي كان سببا في تغير أحوال كثير من الناس.
ولك أن تعلم حجم عظم هذا الأمر وقوة إعجازه، حتى نقل البيهقي عن الشافعي رحمهما الله فقال: ما أعطى الله نبيًا إلا أعطى الله محمدًا صلى الله عليه وسلم ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى عيسى ابن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ؛ لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميت، ولو قيل، كان لموسى فلق البحر، عارضناه بفلق القمر؛ وذلك أعجب؛ لأنه آية سماوية، وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر، عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ؛ لأن خروج الماء من الحجر معتاد، وأما خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عليه السلام عارضناه بالمعراج.
قولها: لَمَّا أسْرِيَ: أُسري: مأخوذ من السرى وهو سير الليل، وبالألف لغة أهل الحجاز و السرى لا يكون إلا بالليل تأكيدًا لقولهم (سرت) أمس نهارًا والبارحة ليلًا. أُسْرِيَ إذا سار ليلًا، إشارة إلى تقليل مدة الإسراء، ومعنى «أُسرى به» أي جعل البراق ساريًا به من المسجد الحرام وهو مسجد مكة إلى المسجد الأقصى وهو مسجد بيت المقدس.
وفيه تنبيه على أنه أسري به في بعض ليلة؛ لأنه لو قال: أسرى بعبده، ولم يقل ليلًا، انصرف إلى الليل كله.
- قولها: بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى: وهو المسجد المعروف في بيت المقدس – القدس – في فلسطين، وكان لله في ذلك حكمة ومن جميل ما قاله الأنصاري في ذلك : «الحكمة في إسرائه صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس دون مكة؛ لأنه محشر الخلائق فيطؤه بقدمه؛ ليسهل على أمته يوم القيامة وقوفهم ببركة أثر قدمه، أو لأنه مجمع أرواح الأنبياء؛ فأراد الله أن يشرفهم بزيارته صلى الله عليه وسلم أو أسري به منه، ليشاهد من أحواله وصفاته، ما يخبر به كفار مكة صبيحة تلك الليلة، فيكون إخباره بذلك مطابقًا لما رأوا وشاهدًا ودليلًا على صدقه في الإسراء».
- قولها: أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من بادر الناس بالتحديث عما جرى له في جزء من ليلته تلك التي ارتحل فيها إلى فلسطين ثم إلى السماء ورجع في خط السير نفسه، كما أنه لم تنقل لنا الآثار أن أحدًا افتقد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجده في بيته أو على فراشه فيكون بذلك خرج النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يشعر به أحد؛ لذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من هذه الرحلة المعجزة يحدث الناس عنها؛ فعن مالك بن صعصعةَ: «أن نبي الله حدثهم عن ليلةِ أُسري به» الحديث، لكن بعد إخبار النبي لهم اضطرب الناس بين مصدق ومكذب أو مذهول من شدة هول الخبر على إدراكه، غير أن المؤمنين منهم كان يعلم صدق كل ما يأتي من النبي من غير أدنى شك.
- قولها: فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ: دل ذلك على أن جحود وقوع آية الإسراء وإنكارها يعد مُخرجًا عن الملة بإجماع المسلمين؛ لأنه إنكار لنص قرآني صريح في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء:1).
- قولها: وَسَعَوْا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إلى صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلِة إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِس قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ؛ لَقَدْ صَدَقَ:وهو تصديق و إقرار مطلق ومن غير أدنى شك أو ريبة منه -رضي الله عنه- بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لم يجامل هذا الجمع الذي جاءه، وهو يظن في أبي بكر أنه لن يخيب أملهم فيه، في أمر هو فوق إدراكهم وعلمهم، وفيه عند بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوز المعقول كما في ظنهم.
- قولها قَالُوا: وَتُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟:يسألون أبا بكر وهم مستنكرين متعجبين أن يأتي النبي بيت المقدس من مكة في ليلة وهم يقطعونها في شهر !
- قولها:قال: نَعَمْ، إِنِّي لأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ: أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غُدْوَةٍ: الغدوة ما بين صلاة (الغداة) وطلوع الشمس يقال أتيته (غدوة) غير مصروف لأنها معرفة مثل سحر إلا أنها من الظروف المتمكنة والجمع (غدا)، ويقال أتيتك (غداة غد) والجمع (الغدوات).
- قولها: أَوْ رَوْحَةٍ: العرب تستعمل الرواح في السير كل وقت، يقال راح القوم إذا ساروا وغدوا كذلك.
- قولها: فلذلك سمي أبوبكر، الصديق: الصديق: وهو الملازم للصدق. أي نسبوه إلى الصدق، ووسموه حينها بالصديق.
الحكمة في معراج النبي من بيت المقدس:
إن أمر الله كله حسن، ولا يصدر منه -سبحانه وتعالى- إلا لحكمة يعلمها، علَّمنا بعضها وأخفي عنا بعضها، ولما كان أمر الاسراء عظيما وحادثة غير مسبوقة في عالم البشر تناول كثير من العلماء حكما جمة من معراجه صلى الله عليه وسلم تحديدا من بيت المقدس دون أن يكون مثلا من مكة أو من غيرها ، وينقل لنا صاحب الإفصاح طرفا من هذه الحكم فيقول: «فأما الحكمة في أنه عرج به من بيت المقدس ولم يعرج به من مكة، ومكة أفضل من بيت المقدس؛ فالذي أراه في ذلك أنه لو عرج به من مكة لفاته مشاهدة بيت المقدس، ولما كان يقيم الحجة على قريش بصفة النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبتت حجته عليهم حين وصف لهم بيت المقدس والنظر إليه، فلما عرج به من بيت المقدس اجتمع له الحالان، ولتكن خطاه إلى قصد ربه سعيًا وعروجًا.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد تناول الحكمة من إسرائه ومعراجه وعلاقة كل من مكة وبيت المقدس، فقال: « فمكة مبدأ وإيليا معاد في الخلق، وكذلك في الأمر؛ فإنه أُسري بالرسول من مكة إلى إيليا، ومبعثه ومخرج دينه من مكة، وكمال دينه وظهوره وتمامه حتى يملكه المهدي بالشام، فمكة هي الأول، والشام هي الآخر في الخلق والأمر، في الكلمات الكونية والدينية».
هل أسري بالنبي بروحه فقط، أم بروحه وجسده؟
الذي دلت عليه الكثير من الأحاديث الصحيحة هو ما ذهب إليه معظم علماء السلف والخلف من أن الإسراء كان بجسده يقظة إلى بيت المقدس ثم السموات، وهو الحق والصواب الذي لا يجوز العدول عنه.
قال الحافظ: «وقد اختلف السلف بحسب اختلاف الأخبار الواردة؛ فمنهم من ذهب إلى أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه بعد المبعث، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك؛ إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل».
وبه قال ابن عباس صلى الله عليه وسلم : « الإسراء والمعراج بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يقظة، بجسده وروحه.في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} (الإسراء:60) قال: هي رؤيا عين، أُرِيها رسول الله ليلة أسري به إلى بيت المقدس، قال: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} (الإسراء:60) قال: هي شجرة الزقوم».
من فوائد الحديث:
1- أن الإسراء والمعراج بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان بروحه وجسده، في جزء من ليلة واحدة.
2- معجزة الإسراء والمعراج كانت اختباراً للمسلمين؛ فقد ارتدّ منهم نفر كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما المشركون زادوا في غيِّهم.
3- أن الإسراء والمعراج معجزة خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن لغيره من الأنبياء.
4- كانت الرحلة مرحلة فاصلة في التاريخ من انتقال القيادة الدينية من أمة بني إسرائيل نسل إسحق إلى نسل إسماعيل في أمة محمد، ومن بيت المقدس إلى مكة المكرمة.
5- هي إعلان وإعلام بانتقال ميراث الرسل جميعًا إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة الممتدة والخاتمة لهم جميعًا عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم.
6- هي إعلان وإعلام للمشركين ومن سكن بيت المقدس من النصارى حينها أنها ميراث نبوي لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، وسيأتون لاستلام مفاتيحها ولو بعد حين، وكان ذلك في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
7- لو كان الإسراء رؤيا في المنام لما كان فيه فضل ولا فضيلة.
8- وقت الإسراء ليلًا دون النهار حكمة يجب التأمل فيها.
9- إنكار حادثة الإسراء كفر باتفاق.
10- إيمان أبي بكر وثقته المُطلَقة بالنبي صلى الله عليه وسلم وثباته على المبدأ، دون أن يزعزه شيء كانت سببًا بوصفه تشريفا له بالصديق.



اعداد: جهاد العايش






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح حديث أبي هريرة: إن الله تعالى يغار..
* عاملوا الناس بأخلاقكم
* حوار عن سورة الماعون
* عبادة الاستغفار في الأسحار
* مراقبة الله تجعل الإنسان يؤدي ما عليه من الحقوق
* النوافل والسنن الرواتب للمسافر
* الأمور التي يفعلها الإنسان إذا ولد له مولود

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-19-2026, 11:54 AM   #8

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الأربعون الفلسطينية الْحَدِيثُ التاسع- النَّبُيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَخْتَارُ الْفِطْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى


يجلي لنا النبي صلى الله عليه وسلم: في هذا الحديث مشهدا من أبرز مشاهد زيارته لبيت المقدس، وفيه استعرض لقيا بعض من أنبياء الله عيانا بأشخاصهم وأوصافهم الحقيقية
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها , صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث التاسع:
عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ليلةَ أُسريَ بي، وفي رواية : به بإيلياء «رأيتُ موسى وإِذا هو رجلٌ ضَرْبٌ رَجِلٌ كأنهُ مِن رِجالِ شنُوءَة، ورأيتُ عيسى فإذا هو رَجلٌ رَبعةٌ أحمرُ, كأنما خَرج من ديماس, وإنَّه أشبَه ولدِ إبراهيم به. وفي رواية: قال: ورأيت إبراهيم -صلوات الله عليه- وأنا أشبه ولده به, ثُمَّ أُتيتُ بإِناءيْنِ فِي أحدهما لَبَنٌ وفي الآخَر خَمْرٌ فقال: اشرب أيَّهما شئْتَ، فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتهُ، وفي رواية عن أبي هريرة: فنظر إليهما فأخذ اللبن, قال جبريل الحمد لله الذي هداك للفطرة «فَقيلَ: أخذتَ الفِطرةَ، أما إِنَّكَ لَو أخذت الْخَمْرَ غَوَتْ أمَّتكَ».
شرح الحديث:
يجلي لنا النبي صلى الله عليه وسلم: في هذا الحديث مشهدا من أبرز مشاهد زيارته لبيت المقدس، وفيه استعرض لقيا بعض من أنبياء الله عيانا بأشخاصهم وأوصافهم الحقيقية، وفيه قدمت له ضيافة كانت بين الخمر واللبن بوصفه اختباراً له فاختار اللبن بوصفه علامة وإشارة إلى الإسلام الهادي إلى الفطرة السليمة، وكل ذلك على مشهد من أنبياء الله وحضورهم هذا الترشيح التاريخي لمحمد , باختياره فطرة الإسلام في بيت المقدس، والحمد لله رب العالمين على نعمة الإسلام .
قوله : ليلةَ أُسريَ بي : أسري: السرى ، السّيْر بالليل.وقد سبق التفصيل فيها .
قوله: رأيتُ موسى وإِذا هو رجلٌ ضَرْبٌ: بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة أي نحيف. قال القاضي عياض: هو الرجل بين الرجلين في كثرة اللحم وقلته .
قوله: رَجِلٌ: مسرح شعره ومنظفه ومحسنه. «بفتح الراء وكسر الجيم أي دهين الشعر مسترسله: وقال ابن السكيت : شعر رجل أي غير جعد . أي مسرِّح الشعر مسترسله، وهو بالرفع على القطع، أي: هو رجل، وعند الأصيلي بالرفع والخفض، ووجه الخفض أن الرَّجلَ غير السَّبط المنفي عن صفة شعره صلى الله عليه وسلم, يقصد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل الخفض على الجوار على بعد , قال صاحب مرآة الزمان : الجيم ساكنة من (رجل الشعر) وحكى الجوهريُّ عن ابن السكيت لغتين غير هذه: أحدهما : بفتح الراء وكسر الجيم. والثانية: فتح الراء والجيم، إذا لم يكن شديد الجعودة و لا سَبِطًا
شعرٌ رَجَلٌ ورَجِل ورَجْلٌ بَيْنَ السُّبوطة والجعودة، وفي صفته كان شعره رَجِلًا، أَي لم يكن شديد الجعودة، ولا شديد السبوطة بل بينهما
قوله: كأنهُ مِن رِجالِ شنُوءَة : بالفتح، ثم الضم، وواو ساكنة، ثم همزة مفتوحة، وهاءٍ، أي في طوله وسمرته, وشنوءة قبيلة من قحطان . وهي مخلاف باليمن بينها وبين صنعاء اثنان وأربعون فرسخًا، تنسب إليها قبائل من الأزد وهو حيٌّ منَ اليمنِ ينسبونَ إلَى شنُوءَةَ وهوَ عبدُ اللَّهِ بنُ كعبِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مالكِ بنِ نضرِ بنِ الأَزْدِ ولُقِّبَ شَنُوءَةَ لِشَنَآنٍ كانَ بينهُ وبينَ أهلِهِ
قال: القزاز: واختلفت الرواية ، هل هو جعد أو سبط، وهل هو ضرب نحيف أو جسيم سموا بذلك من قولك رجل فيه شنوءة أي تفرق، يقال: سموا بذلك؛ لأنهم تشانؤوا وتباعدوا .
غير أن البخاري روى في موضع آخر صفة لموسى -عليه السلام- خلاف هذا الوصف: «وأما موسى فأدم جسيم سبط كأنه من رجال الزُّط»
والزُّط. قبلية من اليمن، يقال لهم: أزد شنوءة وهي لغة: التباعد عن الأدناس, لعلهم لُقِّبوا بذلك لطهارة نسبهم وحسن سيرتهم
وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم موسى مرتين مرة في بيت المقدس كما هو في حديث الباب، ومرة في طريقه إلى بيت المقدس كما جاء في حديث أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَرَرْتُ» (وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ): «أَتَيْتُ»، عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». وبذلك يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى في رحلته هذه ثلاث مرات: في قبره عند الكثيب الأحمر والثانية في المسجد الأقصى لما صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا، والثالثة: في السماء.
قوله: ورأيتُ عيسى فإذا هو رَجلٌ رَبعةٌ: رجل ربعة: بفتح الباء، وإسكانها ،ومربوع أي بين الطويل والقصير .
قوله : أحمرُ : وصف عيسى عليه السلام في هذا الحديث أنه «أحمر «وفي حديث آخر أنه (آدم), وقد وفق ابن حجر رحمه الله بين الروايتين فقال: الأحمر عند العرب الشديد البياض , والآدم الأسمر, ويمكن الجمع بين الأمرين بأنه أحمر لونه بسبب التعب, وهو في الأصل أسمر .
وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه أنكر رواية أحمر وحلف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله يعني وأنه اشتبه على الراوي فيجوز أن يتأوَّل الأحمر على الآدم، ولا يكون المراد حقيقة الأدمة والحمرة، بل ما قاربها. والله أعلم.
غير أن الشيخ ناصر الدين الألباني يرى أن: الأحمر هو الأشقر ، وآدم يعني أسمر، وهذا تناقض؛ فلعله ليس المراد حقيقة الأدمة والحمرة ، بل ما قربهما.
وللشيخ محمود عطية توفيق آخر بين الروايتين قال: «رأى رسول الله ليلة الإسراء عيسى يقظة، ورآه يطوف بالكعبة منامًا، وفي هذه الحالة, فإن وصف رسول الله لعيسى يقظة مقدم على وصفه لهم منامًا»
قلت: غير أني أفهم أن رؤيا الأنبياء حق وأن ما أشار له الشيخ عطية يفهم منه أن ما رآه النبي في المنام مشكوك فيه ملتبس عليه ، غير أن النبي لم يشر إلى هذا الالتباس أو شكَّ في الحالتين وما ذهب إليه ابن حجر قريب من المعقول، والله أعلم.
قوله : كأنما خَرج من ديماس: الديماس بفتح الدال وكسرها: الحمام بلغة الحبشة، أراد اشراقة لونه ونضارته, وقال الخطابي: الديماس: السَّرَبَ يقال دمست الرَجُلَ اذا قبرتُه، وأراد في نضرة وجهه وحسنه كأنه خرج من كِنٍّ. وقال الجوهري: لأنه قال في وصفه: كأن رأسه يقطر ماء
وذكر صاحب المطالع الأقوال الثلاثة فيه فقال: الديماس: قيل هو السرب ، وقيل الكن، وقيل الحمام، هذا ما يتعلق بالديماس. وأما الحمام فمعروف وهو مذكر باتفاق أهل اللغة. والله أعلم.
قوله: وإنَّه أشبَه ولدِ إبراهيم به، (وفي رواية: قال: ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، وأنا أشبه ولده به): قوله: (وأنا أشبه ولد إبراهيم به) أي الخليل، وزاد مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر ورأيت جبريل فإذا أقرب الناس به شبها دحية .
قوله: ثُمَّ أُتيتُ بإِناءيْنِ فِي أحدهما لَبَنٌ وفي الآخَر خَمْرٌ فقال: اشرب أيَّهما شئْتَ، فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتهُ، فَقيلَ: أخذتَ الفِطرةَ: «أخذتَ الفطرةَ»: أي التي فطر الناس عليها، وفي هذا القول له عند أخذ اللبن لطف ومناسبة، فإن اللبن لما كان في العالم الحسي ذا خلوص وبياض ، وأول ما يحصل به تربية المولود صيغ في عالم القدسي مثال الهداية والفطرة التي يتم بها تربية القوة الروحانية؛ لأن العالم القدسي قد تصاغ فيه الصور من العالم الحسي لإدراك المعاني. قال النّووي: فسّروا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة.
قوله: أما إِنَّكَ لَو أخذت الْخَمْرَ: أما: كلمة تنبيه.إنّك: بكسر الهمزة «لو أخذت الخمر» بدل اللبن. غوت: أي ضلَّت، فإنَّ الخمر لكونها ذات تلف ومفسدة صيغ منها مثال الغواية وما يفسد الروحانية».
قوله: غَوَتْ أمَّتكَ: غوت: والتغاوي هو التجمع والتعاون على الشر, وأصله من الغواية أو الغي.و(الغَيُّ) الضلال والخيبة أيضا .
وجاء في رواية أخرى من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن الذي جاء وقدم له هذه الضيافة هو جبريل -عليه السلام-: «ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، وجاء في رواية أخرى أنه عرض على النبي مرة في السماء آنية فيها لبن وعسل أو لبن وماء أو لبن وخمر, ولا أظن أن في ذلك تناقضاً، بل هو ترحيب وضيافة للنبي يستحقها حيث حلّ، كان في السّماء أم في بيت المقدس, وفيه تأكيد على استقامة الفطرة التي اختارها النبي في الأرض وفي السماء، والله أعلم .
قال الألباني: كذا وقع في هذه الطريق ذكر الإناءين هنا قبل المعراج، ووقع في الطريق المتقدمة، بعد المعراج عند سدرة المنتهى ولكل منهما شواهد ذكرها في (الفتح) (10 / 73) .
وجعل اللبن علامة لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا سائغًا للشاربين سليم العاقبة. وأما الخمر فإنها أم الخبائث، وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل. والله أعلم .
من فوائد الحديث :
1- اختيار النبي صلى الله عليه وسلمللَّبن، هو تأكيد على استقامة فطرته وسلامتها ونجاحه في هذا الاختبار.
2- وفي الحديث دليل على بشرية أنبياء الله و أن لهم أطوالاً وألواناً وأشباهاً بسائر البشر وقبائلهم .
3- جعل الخمر علامة على الفطر المنتكسة وعلى سائر الفواحش والخبائث بل أما لها.
4- كان من تشريف النبي واحترامه أن قدمت له الضيافة في المسجد الأقصى.
5- كان المسجد الأقصى منبر تدشين مشروع الإسلام للعالمين, وبحضور أنبياء الله أجمعين.



اعداد: جهاد العايش






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح حديث أبي هريرة: إن الله تعالى يغار..
* عاملوا الناس بأخلاقكم
* حوار عن سورة الماعون
* عبادة الاستغفار في الأسحار
* مراقبة الله تجعل الإنسان يؤدي ما عليه من الحقوق
* النوافل والسنن الرواتب للمسافر
* الأمور التي يفعلها الإنسان إذا ولد له مولود

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-20-2026, 12:50 PM   #9

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الأربعون الفلسطينية الْحَدِيثُ العاشر- النَّبِيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم إِمَامُ الأنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الإِسْــرَاءِ فِي الْمَسْجِـدِ الأقْصَى


لقد جذَّر الله -جلَّ في عُلاه- قُدسيَّة المسجد الأقصى في قلوب أتباع الشرائع السماويَّة، عقيدةً صافيةً سليمةً من الكفر بالله أو عِنادِه أو معصية أنبيائِه
حادثة الإسراء شاهدة على أن بيت المقدس للمسلمين، ومكانتها ثابته في قلوبهم
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب «الأحاديث الأربعون الفلسطينية» قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث العاشر:
عن أَبي هُريرةَرضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «لقد رأيتُني فِي الحِجْرِ وقُرَيشٌ تسْألُني عن مَسرَاي، فَسَأَلَتْنِي عن أشياءَ من بيتِ المقدِسِ لم أثبِتْها؛ فَكُرِبْتُ كُرْبةً مَا كُرِبْتُ مثله قطُّ. قال: فَرفعَهُ الله لِي أَنْظرُ إلَيه. ما يسْألُونِي عن شَيءٍ إلا أنْبَأتهمْ به وقَد رأَيتُني في جَمَاعَةٍ من الأنبياءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كأَنهُ مِنْ رجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليهما السلام،قَائِمٌ يُصَلِّي أقْربُ النَّاسِ به شَبَهًا عُروةُ بْنُ مَسعُود الثَّقَفيُّ، وَإِذَا إِبراهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَشبهُ النَّاسِ به صَاحبُكُمْ «يَعْنِي نَفْسَه» فَحانَت الصَّلَاة فأممتهم... الحديث. وفي رواية عن أنس: ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ..». «وفي رواية: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ فَلَما فَرَغْتُ من الصلاةِ قال قائلٌ: يَا مُحَمدُ! هذا مالكٌ صَاحبُ النارِ فسَلِّمْ عليه؛ فَالْتَفَتُّ إليه فبدَأَني بالسلامِ».
شرح الحديث:
لقد جذَّر الله -جلَّ في عُلاه- قُدسيَّة المسجد الأقصى في قلوب أتباع شرائعه السماويَّة السابقة، يحملها كلُّ خَلَفٍ عن سلَفِهِ عقيدةً صافيةً سليمةً من الكفر بالله أو عِنادِه أو معصية أنبيائِه، في سلسلةٍ من المؤمنين تَتْرًا تؤمن بقدسيَّتِه، يقودهم نبيٌّ تلو الآخر إلى الهدف ذاته، حتى استقرَّ أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببسط شريعته في المسجد الأقصى لما كان إمامًا للأنبياء في ليلة الإسراء والمعراج، خاتِمًا بها ما سبق من رسلٍ ورسالاتٍ، إقرارًا لصبغته الإسلامية ولإمامة محمد صلى الله عليه وسلم و أمته على المسجد الأقصى، ولم يجتمع الأنبياء على الأرض في غير هذا المكان، بعد أن أحيا الله الرسل والأنبياء، فازداد المسجد الأقصى مكانة وتشريفًا، في أعظم جمع ومناسبة سجلها التاريخ.
قوله: لقد رأيتُني فِي الحِجْرِ: أي نفسي وأنا في الحجر، ويسمى الحجر كذلك حطيمًا: سُمِّي لما حُطِمَ من جداره، فلم يُسوَّ ببناء البيت
قوله: وقُرَيشٌ تسْألُني عن مَسرَاي: أي جماعة من قريش تسأل عن مسيري إلى بيت المقدس.
قوله: فسألتني عن أشياءَ من بيتِ المقدِسِ لم أثبِتْها: منَ الإثباتِ أيْ لمْ أحفظْها، ولمْ أضبطْها ولم أنتبه إليها لاشتغالِي بأمورٍ أهمَّ منهَا.
قوله: فَكُرِبْتُ كُرْبةً مَا كُرِبْتُ مثله قطُّ: بضم الكافين والضمير في مثله يعود على معنى الكربة، وهو الكرب أو الغم أو الهم أو الشيء. الكُرْبة: بالضم الغم الذي يأخذ بالنفس وكذا (الكَرْب) تقول كَرَبَه الغم أي اشتد عليه».» فَكُرِبْتُ « بصيغَةِ المفعُولِ أَيْ أُحزِنتُ أي أخذني الغم الذي يأخذ بالنفس.
«كَرْبًا» مفعولٌ مطلقٌ والمعنَى حزنًا شديدًا، ويناسبُه قولُه: (مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ) أيْ: مثلَ ذلكَ الكربِ.
قوله: فرفعَهُ الله لِي أَنْظرُ إلَيه ما يسْألُونِي عن شَيءٍ إلا أنْبَأتهمْ به: «فَرَفَعَهُ اللَّهُ» أَيْ: بيتَ المقدسِ (لِي) أَيْ: لِأَجْلِي (أَنْظُرُ إِلَيْهِ)، حالٌ، رُفعَ الحجابُ بينِي وبينهُ لأنظرَ إليهِ، وأخبرَ الناسَ بمَا اطّلَعْتُ عليهِ.
قوله: وقَد رأَيتُني في جَمَاعَةٍ من الأنبياءِ: وقد اختلف بعض العلماء في حال الأنبياء عند ملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد هل أُسِري بأجسادهم إلى المسجد وأرواحهم مستقرة؛ حيث رأى كلا منهم في السماء، غير أن ابن حجر يرى أنه يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسد الأرض، فلذلك يتمكن من الصلاة وروحه مستقرة في السماء لكن وصفه صلى الله عليه وسلم لصلاتهم وهيئاتها وأجسادهم البشرية الخاصة بكل واحد منهم دليل أن الله جمعهم بأجسادهم وأرواحهم، وليس هو بالأمر البعيد أو المستحيل على الله أن يجمعهم بعد أن يُحْيِيَهم من قبورهم.
قوله: فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي: قال ابن القيم «إن اسم موسى في اللغة العبرانية موشى بالشين، وأصله الماء والشجر وبأنهم يقولون للماء: مو وشا هو الشجر، وموسى التقطه آل فرعون من بين الماء والشجر ، وأما ما هية الصلاة التي كان يصليها موسى وحقيقتها وكيفيتها، فقد قال القاضي عياض: «قد تكون الصلاة هنا بمعنى الذكر والدعاء وهي من أعمال الآخرة».
ومن جميل ما قال الحنبلي في (أنسه) عن صلاة موسى في قبره «وأما صلاته في قبره فلم تكن بحكم التكليف بل بحكم الإكرام والتشريف؛ لأن الأنبياء عليهم السلام حبب إليهم في الدنيا عبادة الله -تعالى- والصلاة؛ فكانوا يلازمون ذلك، وتوافقوا عليه؛ فشرفهم الله -تعالى- بإبقائهم على ما كانوا يصنعون ويحبون فعله في الدنيا ، فعبادتهم إلهامية كعبادة الملائكة لا تكليف فيها» والله أعلم.
قال القاضي: فإن قيل: كيف رأى موسى -عليه السلام- يصلي في قبره، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ببيت المقدس، ووجدهم على مراتبهم في السماوات وسلموا عليه ورحبوا به؟ فالجواب أنه يحتمل أن تكون رؤيته موسى في قبره عند الكثيب الأحمر كانت قبل صعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وفي طريقه إلى بيت المقدس، ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء. ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم رأى الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وصلى بهم على تلك الحال لأول ما رآهم ثم سألوه ورحبوا به، أو يكون اجتماعه بهم وصلاته ورؤيته موسى عليه السلام بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى. والله أعلم».
قوله: فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ: أي نوعٌ وسطٌ منَ الرّجالِ أو خفيفُ اللحمِ. الممشُوق المُسْتَدِقّ وهي وما يليها صفة هيئة موسى عليه السلام .
قوله: جَعْدٌ: فيهِ معنيانِ. أحدهما: جُعودَةُ الجسمِ، وهو اجتماعُه. والثاني: جعُودَةُ الشَّعرِ، والأولُ أصحُّ هاهُنا؛ لما جاءَ في رِوايةِ أبي هريرةَ: أنهُ «رَجِلُ الشَّعْرِ» كذا قالهُ صاحبُ التحرير، وقالَ النوويُّ: يجُوزُ أن يُرادَ بهِ المعنى الثاني أيضًا؛ لأنهُ يُقالُ: شعرٌ رَجِلٌ إذا لمْ يكن شدِيدَ الجُعودةِ.
قوله: كأَنهُ مِنْ رجَالِ شَنُوءَةَ: أي في الطول، وسبق التعريف بشنوءة.
قوله: وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليهما السلام قَائِمٌ يُصَلِّي أقْربُ النَّاسِ به شَبَهًا عُروةُ بْنُ مَسعُود الثَّقَفيُّ: أي شاهد عيسى -عليه السلام- على هيئته الحقيقية وهو يصلي، وعروة صحابي جليل ينسب إلى قبيلة ثقيف أكثر الناس « شبها» بِفَتْحَتَيْنِ أي نظيرًا وشبيها بعيسى -عليه السلام-.


قوله: وَإِذَا إِبراهِيمُ -عليه السلام- قَائِمٌ يُصَلِّي أَشبهُ النَّاسِ به صَاحبُكُمْ (يَعْنِي نَفْسَهُ): وكذا إبراهيم يصلي صلاة حقيقية وشاهده على صفته الحقيقية وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن اقرب الناس شبها بإبراهيم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . وقوله (يعني نفسه) هو من كلام وتوضيح أبي هريرة رضي الله عنه، ونلحظ هنا أن الأنبياء صلوا صلاة قبل صلاتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وكأنها تحية للمسجد.
قوله: فَحانَت الصَّلَاة: أي دخل وقتها، ولعل المراد بها صلاة التحية، أو يراد بها صلاة المعراج على الخصوصية.
ويبدو -والله أعلم- أنه ليس ثمة صلاة مفروضة دخل وقتها في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه أسري وعرج به ليلًا، فقد تكون لمناسبة خاصة كالمعراج ونحوه، وإذا كانت بعد معراجه فيحتمل أن تكون هي مما فرض عليه من صلاة أدى بعضها مع الأنبياء اقرارا منهم -عليهم السلام- بما كلفه من شريعة خاصة وخاتمة جاء بها لأتباعه.
كالإقرار بشريعة محمد وصلاة الجماعة التي خُصَّت بها شريعته؛ كما جاء عند العراقي نحو ذلك»صلاة الجماعة من خصائص هذه الأمة وكانت الأمم المتقدمة يصلون منفردين».
و يبدو أن أول عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد الأقصى وقبل عروجه، وأن الصلاة التي صلاها كانت ركعتي تحية المسجد، والله أعلم.
قوله: فَأَممتُهُمْ: أي صِرتُ لهمْ إمامًا وكنتُ لهمْ إمامًا. قال عياض -رحمه الله-: وقد ثبت في حديث الإسراء: أنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء في السموات وفي بيت المقدس وصلى بهم، ولا يبعد أن الله -تعالى- أحياهم كما أحيا الشهداء.
وفي حديث ابن عباس قال: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ...، وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ..».
قال ابن كثير في (تفسيره): {إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} { الإسراء: 1}: وهو بيت المقدس الذي بإيلياء، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام ولهذا جُمِعوا له هناك كلهم، فأمَّهم في محلتهم ودارهم؛ فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا بالأنبياء قبل عروجه أو بعد عروجه من السماء؟
قال ابن حجر : والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كانت قبل العروج، والله أعلم.
قال الشيخ أن شعيب وعبدالقادر الأرنؤوط، في تعليقهما على قصة إسراء النبي صلى الله عليه وسلم في، زاد المعاد، لابن القيم (3/31): استظهر الحافظ في «الفتح « أن صلاته بهم كانت قبل العروج بينما يرى ابن كثير أن الصحيح: أنه كان بهم في بيت المقدس بعد عروجه.
«ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم رأى الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وصلى بهم على تلك الحال لأول ما رآهم ثم سألوه ورحبوا به، أو يكون اجتماعه بهم وصلاته ورؤيته موسى بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى. والله أعلم.
قال الألباني -رحمه الله-: «والمشهور في (الصحاح) أن جبريل كان يعلمه بهم أولًا، ليسلم عليهم سلام معرفة، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء -عليهم السلام- قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السماوات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيًا وهم معه، وصلى بهم في السموات، وصلى بهم فيه، ثم إنه ركب البراق، وكرَّ راجعًا الى مكة. والله أعلم».
وأن صلاته بالأنبياء كان بعد معراجه من السماء بعد أن فرضت الصلاة، والله أعلم، ولم يصلِّ صلى الله عليه وسلم في طريقه في مكان آخر كما جاء أنه صلى في بيت لحم، أو عند قبر عيسى عليه السلام أو غيرها من أماكن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والنبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج صلى في بيت المقدس ركعتين كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح ولم يصل في غيره . ‏ وأما ما يرويه بعض الناس من حديث المعراج أنه صلى في المدينة، و صلى عند قبر موسى، وصلى عند قبر الخليل، فكل هذه الأحاديث مكذوبة موضوعة‏.‏
وأما صلاته ابتداء في المسجد أي قبل العروج هي سنة دخول المسجد مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تفرض عليه صلاة بعد لكنها وعلى ما يبدو هي وهيئتها كانت شريعة ما قبلنا من أنبياء.
قوله: فَلَما فَرَغْتُ من الصلاة: فَرَغَ: من الشغل. أي فرغ وانتهى من إتمام الصلاة.
قوله: قال قائلٌ: يَا مُحَمدُ! هذا مالكٌ صَاحبُ النارِ فسَلِّمْ عليه. فَالْتَفَتُّ إليه فبدَأَني بالسلامِ: مالك: خازن النار، ولما كان مالك خازن النار كان ابتداره بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم تطمينًا له وترحيبًا به ضيفًا على السماء وأهلها، وكأنها نوع إشارة أن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظ عن النار وأهلها.
وهذا الجزء من الحديث يؤكد صحة ما ذهب إليه الألباني رحمه الله أن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت في السماء، والله أعلم.
من فوائد الحديث:
1-صلّى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم ليلة الإسراء والمعراج في صدر المسجد الأقصى، وتحديدًا في الجهة الجنوبية منه، وقد عرفنا ذلك من الروايات الكثيرة في فتح عمر بن الخطاب لبيت المقدس، فعن عبيد الله بن آدم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله، فتقدم، إلى القبلة فصلى، ثم جاء، فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس.
2-فيه ربط بين رسالات التوحيد زمانًا ومكانًا، من لدن إبراهيم إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ، وربط بين الأماكن المقدسة التي ارتادها قبله إبراهيم ومن جاء بعده متنقلًا بين الشام وجزيرة العرب.
3-صلاته في جميع الأنبياء بالمسجد الأقصى لم تكن وقت صلاة مكتوبة وليس عليهم صلاة مفروضة، إنما هي حكم تجلت في موقف مشهود وعلى العاقل أن يتأمل.
4- «فَأَمَمْتُهُمْ» فيه إشارة إلى تولي محمد وأمته زمام قيادة الأمم والبشرية وبحضرة الأنبياءجميعهم وقبولهم، والله أعلم.
5- ومنه كان معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حيث كرمه الله -تعالى- فأراه من آياته الكبرى، ورفعه سدرة المنتهى في السموات العلا؛ حيث فرضت الصلاة على المسلمين، خمس صلواتٍ في كل يوم وليلة بأجر خمسين صلاة، تخفيفًا على العباد، وكرمًا بالأجر والثواب من الكريم التواب.
6- وحادثة الإسراء شاهدة على أن بيت المقدس للمسلمين، ومكانتها ثابتة في قلوبهم، وفيها إعلان وراثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين وناسخ بشريعته سائر شرائع النبيين والمرسلين، والحمد لله رب العالمين.



اعداد: جهاد العايش






التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح حديث أبي هريرة: إن الله تعالى يغار..
* عاملوا الناس بأخلاقكم
* حوار عن سورة الماعون
* عبادة الاستغفار في الأسحار
* مراقبة الله تجعل الإنسان يؤدي ما عليه من الحقوق
* النوافل والسنن الرواتب للمسافر
* الأمور التي يفعلها الإنسان إذا ولد له مولود

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-24-2026, 05:57 PM   #10

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الأربعون الفلسطينية الْحَدِيثُ الْحَادِي عَشْر- الْمَسْجِدُالأقْصَى يُجَلَّى لِلرَّسِولِ صلى الله عليه وسلم فِي مَكَّةَ لِيَصِفَهُ لِقُرَيْش


كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الحادي عشر:
عن جابربن عبدالله رضي الله عنه ، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَمَّا كذَّبَتني قُريشٌ» وفي رواية: «حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ»، وفي رواية: «البيت المقدَّس» قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، وفي رواية قالَ: «لقد رأيتُني في الحِجْرِ وقُرَيشٌ تسْألُني عن مَسرَاي، فسألتني عن أشياءَ من بيت ِالمقدِسِ لم أثبِتْها؛ فَكُرِبْتُ كُرْبةً مَا كُرِبْتُ مثله قطُّ»، «وفي رواية: فظعت»، وفي رواية: «وقريش تسألني عن مسراي»، وفي رواية عن أم هانئ: « قالوا له: كم للمسجد من باب؟ قال: ولم أكن عددتها، فجعلت أنظر إليه وأعدها بابًا بابًا»، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ «وفي رواية: فرفعه الله لي أنظر إليه»، وفي رواية: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر، حتى وضع دون دار عقال – أو: عَقيل – فنعتُّه وأنا أنظر إليه»، وفي رواية: «فخيل لي بيت المقدس فَطفِقْتُ أُخبِرُهُم عن آياتِهِ وأنا أنظُرُ إليهِ «وفي رواية: ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به» وفي رواية: «فقال القوم: أما النعت، فوالله لقد أصاب».
مناسبة الحديث:
جاء في حديث ابن عباس الحال والمكان والأشخاص الذين دار معهم الحوار الخاص بوصف النبي للمسجد الأقصى ورحلته إليه.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، فَظِعْتُ بِأَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ فَقَعَدَ مُعْتَزِلاً حَزِينًا، قَالَ: فَمَرَّ بِهِ عَدُوُّ اللهِ أَبُو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : نَعَمْ قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِنَّهُ أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَلَمْ يُرِ أَنَّهُ يُكَذِّبُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَجْحَدَهُ الْحَدِيثَ إِنْ دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ تُحَدِّثُهُمْ مَا حَدَّثْتَنِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : نَعَمْ. فَقَالَ: هَيَّا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ حَتَّى قَالَ: فَانْتَفَضَتْ إِلَيْهِ الْمَجَالِسُ، وَجَاؤُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ، قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَمِنْ بَيْنِ وَاضِعٍ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، مُتَعَجِّبًا لِلكَذِبِ زَعَمَ، قَالُوا: وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ وَفِي الْقَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ، وَرَأَى الْمَسْجِدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى الْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ، قَالَ: فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عِقَالٍ أَوْ عُقَيْلٍ فَنَعَتُّهُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا نَعْتٌ لَمْ أَحْفَظْهُ قَالَ: فَقَالَ الْقَوْمُ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ.
شرح الحديث:
بوَّب البخاري هذا الحديث فقال: باب حديث الإسراء وباب {أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (الإسراء:1). هذا الحديث يحكي حال النبي مع قريش لما أخبرهم برحلة الإسراء، وما لا قاه من معاناة وهمِّ إقناعهم بصدق ما جاء به من خبر، لكن الله عاجله بالنصر والتأييد، ولم يخذله بطريقة لم تخطر على بال النبي ولم يعهدها، لكنه وعد الله؛ حيث قال: {إنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} (غافر: 51)، وإليكم الحكاية على لسان النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله: لَمَّا كذَّبَتني: وفي رواية: «حِينَ أُسْرِيَ بِي إِلَى بَيْتِ المقْدِسِ» أي كذَّبتني في أنه أسري بي إلى بيت المقدس في بعض ليلة، ونسبوني إلى الكذب فيما ذكرت من قضية الإسراء، وطلبوا إليَّ علامات بيت المقدس.
قوله: قُريشٌ: ويبدو أن أول من تبادر لهم خبر إسراء النبي صلى الله عليه وسلم ، هم قريش وتحديدًا أبو جهل؛ لذلك هو أول من بادره و سأله كما جاء في سبب الحديث أعلاه، وجاء عند أبي يَعلَى أن الذي سأله عن صفة مسجد بيت المقدس، هو المطعم ابن عدي، والد جبير بن مطعم.
قوله: قمت ُفي الحِجرِ: بالكسر اسم الحائط المستدير إلىجانب الكعبة من قبل الشام. سمِّي حجرًا؛ لأنه حُجِرَ عنه بحيطانه، وجاء في بعض الروايات (بينما أنا في الحطيم)، والحطيم: قيل هو الحِجر، وسمي حطيمًا؛ لأنه حُطِّمَ جداره عن مساواة الكعبة، فلعله[ حكى لهم قصة المعراج مرات، فعبّر بالحطيم تارة، وبالحجر أخرى.
وفي رواية من حديث أبي هُريرة قالَ: «لقد رأيتُني فِي الحِجْرِ وقُرَيشٌ تسْألُني عن مَسرَاي»: «لقد رأيتني» اللام جواب قسم مقدر.
ولما كان النبي متوكلًا على الله حق توكله عالمًا بنصره وتأييده جاءه الفرج من الله، حتى جلّى له المسجد الأقصى ينظر إليه، فعبر صاحب الإفصاح بتعبير يصف فيه حال النبي محمد في معاينته معالم المسجد الأقصى فقال: « فلما رآه الله -سبحانه وتعالى- قائمًا بأمره في المعنى، قائمًا بصورته في العيان، أدركه بقوته، فجلّى له بيت المقدس، وهو في الحجر، فشاهده ورأى آياته، فأخبر بها عن معاينة طرية، فهي أبلغ مما كان قد علم صلى الله عليه وسلم حين دخله في النَّوْبَة الأولى أن قريشًا ستسأله، ويطوفه طواف مُسْتَثبت لآثاره، بل لما فوَّض إلى الله -عز وجل- أتاه مبتغاه، وقت حاجته إليه، فجلّى له بيت المقدس وقت سؤالهم إياه، فجعل يخبرهم وهم لا يشاهدون».
وفي رواية: «فسألتني عن أشياءَ من بيتِ المقدِسِ لم أثبِتْها»: لم ألاحظها، لم أنتبه إليها، لم أشاهدها على التعيين.
ومن ذلك ما جاء عن أم هانئ: «قالوا له: كم للمسجد من باب؟ قال: ولم أكن عددتها، فجعلت أنظر إليه وأعدها بابًا بابًا».
وفي رواية: فَكُرِ بْتُ كُرْبةً مَا كُرِبْتُ مثله قطُّ: فكربت: الكُرْبة: بالضم الغم الذي يأخذ بالنفس وكذا (الكَرْب) تقول كَرَبَه الغم أي اشتد عليه. أي حَزِنت حزنًا شديدًا، والكرب: الحزن يسد النفس بشدته. أخذني الغم الذي يأخذ بالنفس. وفي رواية عن ابن عباس: «فظعت»، فظعت: أي اشتد علي وتعبت. قوله: «فَجَلَّىاللهُ ليَ بَيتَ المقدِسِ»: روي بتشديد اللام وتخفيفها، وهما ظاهران، ومعناه: كشف وأظهر. أي أظهره لي من قوله تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} (الأعراف:187). جاء أن الذي اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم بيت المقدس هو المطعم بن عدي، أخرجه أبو يعلى من حديث أم هانئ.
وفي رواية: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر»: هذا القول يقتضي أن الله أزال المسجد الأقصى من مكانه.
قوله: فَطفِقْتُ أُخبِرُهُم: أخذت في الوصف. طفق: أي جعل يفعل. أي: أَخَذَ في الفِعْل وجَعَل يَفْعَل، وهي من أفعال المُقارَبةِ. أخذت وشرعت، قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: « يحتمل أن يريدأنه حُمل إلى أن وُضع بحيث يراه ثم أُعيد، وفي حديث ابن عباس المذكور فجيء بالمسجد حتى وضع عند دار عَقيل فنعته وأنا أنظرإليه» وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين لسليمان عليه السلام، وهو يقتضي أنه أُزيل من مكانه حتى أُحضر إليه، وما ذاك في قدرة الله بعزيز». قوله: «عن آياتِهِ: الآية: العلامة والجمع (آيُ) و (آيايٌ) و (آياتٌ).
أي: علاماته وأوضاعه وأحواله.
قوله: وأنا أنظُرُ إليهِ: أي، رفع الحجاب بيني وبينه حتى شاهدته». وأُخبرت الناس بما اطّلعت عليه، وإن لم يكن قد أحضره فعلًا فيمكن أنه جاء بصورة له. فقد أزال الله -عز وجل- معاذير قريش بما أوضح لهم من دلالة صدقه صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية: ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وفي رواية: «فرفعه الله لي أنظر إليه»، وفي رواية: «فجيء بالمسجد وأنا أنظر، حتى وضع دون دار عقال أو عقيل، فنعتُّه وأنا أنظر إليه» وكل ما سبق كان هو عين التأييد والنصر من الله لعبده محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
من فوائد الحديث:
1- اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم في التدليل على صدقه بالأمر الملموس والمشاهد، وذلك من خلال التعريف بأوصاف المسجد الأقصى، وهو سبيل إلى التدليل على صدق قوله صلى الله عليه وسلم لما وقع له في إسرائه ومعراجه، ويحتاج الداعية إلى ذلك أحيانًا ليخاطب به بعض العقول التي لا تؤمن إلابالملموس.
2- إن الله -تعالى- رفع له بيت المقدس، وهو بمكة، فوصفه لقريش حتى عرفه منهم من كان قد شاهده، وإنما فعل الله -سبحانه- ذلك تقوية له وتثبيتًا.
3- وفيه أيضًا أن كل محق إذا أتى بالحق، ونطق بالصدق، فكذبه مكذب، فإن عون الله -عز وجل- منه قريب، ونصره إياه سريع.
4- وفيه أن الله -سبحانه وتعالى- إذا أراد أن يجلَّي أمرًا عن امرْئٍ مؤمن صادق،كان ما بينه وبين أجرام الجبال والمفاوز والجدر عدمًا.



اعداد: جهاد العايش





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح حديث أبي هريرة: إن الله تعالى يغار..
* عاملوا الناس بأخلاقكم
* حوار عن سورة الماعون
* عبادة الاستغفار في الأسحار
* مراقبة الله تجعل الإنسان يؤدي ما عليه من الحقوق
* النوافل والسنن الرواتب للمسافر
* الأمور التي يفعلها الإنسان إذا ولد له مولود

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-25-2026, 10:28 AM   #11

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الثَّانِي عَشْر- النَّبِيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَدْعُو نَصَارَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلإسْلإمِ


(إِيلياءَ ‏) اسم من أسماء بيت المقدس وجاء في مواضع عدة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم
كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين ، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها , صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا، فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الثاني عشر:
عَنْ‏ابْنَ عَبَّاس ٍرضي الله عنهما‏‏أَنَّ‏أَبَا سُفْيَانَ رضي الله عنه أَخْبَرَهُ: «‏أنَّ ‏‏هرَقْل َ‏أَرسلَ إليه وهم ‏‏بإِيلياءَ، ‏ثُمَّ‏‏ دعا بكتَابِ رسُول صلى الله عليه وسلم ، فلمَّا فرغ من ْقرَاءة الكتَاب كثُرَ عندَهُ ‏‏الصَّخَبُ ‏فارتَفعَت الأصوَات، وَأُخْرِجنَا فقُلتُ لأصحابِي حين أخرِجنَا: لقد‏‏أَمِرَ‏‏أَمْرُ‏‏ابن أَبِي كبْشةَ ‏‏إنَّهُ يخافهُ ملكُ ‏‏بني الأَصْفَرِ».
شرح الحديث
قادت الانتصارات التي حققها الامبراطور هرقل إلى عودة البيزنطيين مرة أخرى إلى مدينة القدس، وفي 21 مارس عام 360 ميلادية، حقق الامبراطور انتصارًا كبيرًا ودخل القدس. وشجع على القتل العشوائي لليهود، وأمر في نهاية المطاف بطردهم من المدينة. ولقيت القدس البيزنطية نهايتها بعد عقد من الزمن.
وحديث الباب يحكي لنا لقاء تاريخيًا بين رأسين في الكفر موضوعهم هو (محمد بن عبدالله عليه أفضل التسليم)، سجلت لنا السنة هذا الحوار بشيء من التفصيل وتناولته كتب التواريخ؛ فكانت قصة حرَيةً بالاهتمام والدراسة.
وقد بوَّب البخاري هذا الحديث في مواضع عدة وتبويبات عدة، باب: ( دُعَاءِ النَّبِيِ صلى الله عليه وسلم النَّاسَ إِلَى الإِسلَام وَالنُّبُوَّةِ) وباب: (قُل يَا أَهل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ)، وباب: (فَضلِ الوفَاءِ بِالعهدِ)، وباب: (تَرْجَمَةِ الحُكَّامِ، وهل يَجُوزُ تَرجُمَانٌ واحدٌ ؟ )، و باب: (من أَمَرَ بِإِنجَازِ الوَعدِ)، وباب قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} (التوبة:52)، والحرب سجال ، و باب: (هَلْ يُرشِدُ الْمُسلِم أهل الْكِتابِ، أَو يُعَلِّمهُم الْكِتاب). وباب (ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها بالعربية وغيرها ). وباب (كيف يكتب إلى أهل الكتاب) وباب: (قول النبي صلى الله عليه وسلم : نصرت بالرعب مسيرة شهر) ، وغير ذلك من تبويبات .
قوله :حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ : من فمه إلى فمي إشارة لإصغائه بحيث يتمكن من الجواب .
قَالَ أبو سفيان : انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم : والمدة هنا تعني صلح الحديبية التي كانت سنة ست للهجرة مدة عشر سنوات.
- قوله: قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ:وجاء في رواية متن حديث الأربعين الفلسطينية أن هرقل كان في إيلياء « أنَّ‏‏هرَقْلَ‏أَرسل َإليه وهم ‏‏بإِيلياءَ ‏» وهو اسم من أسماء بيت المقدس وجاء في مواضع أخرى من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم منها ما سيمر معنا في هذا الكتاب، أن النبي ذكرها حكاية وليس إقرارًا لها؛ لأن أصل التسمية روماني وثني حادث على المدينة المقدسة، بل وجاء في بعض الآثار النهي عن تسمية المدينة بهذا الاسم، فعن ثور بن يزيد، قال: بلغني أن كعبًا مرّ بابن أخيه ورجل معه فسألهما : «أين تريدان؟» قال: «نريد إيلياء» قال: كعب: «مه! لا تقولا إيلياء ، ولكن قولا: بيت الله المقدَّسُ، وصفوته من بلاده.
وكان أول ما أطلق هذا الاسم على المدينة المقدسة، لما أعلن اليهود تمردهم عام (130م – 136م) بقيادة أحد زعمائهم يدعى(بركوكبا) على الإمبراطورية الرومانية، في ثورة مسلحة انتصر فيها اليهود كما تقول مصادرهم، اجتاحهم الإمبراطور الروماني (إيليوسهدريان)فأزال معالم المدينة وما بقي من مسجدها، وحرث الأرض تدميرًا ولاحق اليهود؛ لاجتثاثهم من أورشليم، ثم أقام مكانه معبدًا و هيكلًا وثنيًا رومانيًا للمشتري –رب الآلهة عند الرومان- باسم (جوبيتار).
بعدها لم يبق لليهود أثر في الأرض المقدسة بعد أن هاموا على وجوههم في البلاد، فغير الرومان كل شيء في المدينة المقدسة حتى اسمها الذي أصبح ( إيليا كابوتلينيا ).
وإيلياء: فيه ثلاث لغات أفصحهن وأشهرهن هذه الواقعة هنا (إيلياء) بكسر الهمزة واللام وبالمد، والثانية كذلك إلا أنه مقصور، والثالثة: (إلياء) بحذف الياء وبالمد. وقد وضعه الإمبراطور الروماني (هدريان) سنة 135م وإلياء اسم جد عائلة الإمبراطور، أو اسم عائلته ، وبقي هذا الاسم شائعًا حتى الفتح الإسلامي؛ حيث جاء العهد الذي كتبه عمر بن الخطاب لأهل القدس.
قوله: إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : لما وصل كتاب رسول الله إلى هرقل حاص بحثًا في الشام عمن وفد إليها من جزيرة العرب أقرب نسبًا من رسول الله، حينها كان أبو سفيان كما روى الزهري عن أبي سفيان « قال: كنا قومًا تجارًا وكانت الحرب قد حصبتنا؛ فلما كانت الهدنة خرجت تاجرًا إلى الشام مع رهط من قريش، وكان حينها موضعه من الشام في غزة.
إِلَى هِرَقْلَ: بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور، كدمشق، ويقال مع سكون الراء، ملك الروم وهو اسمٌ، وقيصر لقبه، كما يلقب ملك الفرس كسرى وعليٌ أمير المؤمنين.
قوله: قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ: دحية بكسر الدال وحكي فتحها لغتان ويقال إنه «الرئيس» بلغة أهل اليمن وهو ابن خليفة الكلبي صحابي جليل كان أحسن الناس وجهًا وعلى صورته كان يأتي جبريل النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم في محرم عام سبعة للهجرة، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم حاملًا كتابه إلى هِرَقْل، ولعل سماحة وجه دحية من الأسباب الإضافية لإرساله لهؤلاء القوم؛ ليتلطفهم في كل شيء في مبعوثه إليهم وحسن خطابه وما حواه من رقي وأدب جم.
قوله: فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ: عظيم بصرى وهو زعيمهم وكبيرهم الذي يعظمونه، بُصرى: بضم الباء وقيل : هي مدينة حوران . موضع بالشام ينسب إليه السيوف. وعظيمها هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وقيل: إن الكتاب أرسل إلى هرقل مع عدي بن حاتم فوصلا به معًا إلى هرقل .
قوله: فَقَالَ هِرَقْل: هَلْ ههُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ : أي هل من أحد في بلاد هرقل من قوم محمد صلى الله عليه وسلم .
فَقَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: والمعنى أرسل إلى أبي سفيان حال كونه في جملة الركب وذاك؛ لأنه كان كبيرهم وأقربهم نسبًا وقربًا من النبي صلى الله عليه وسلم فخصه بالسؤال و قيل إن عددهم كان ثلاثين رجلًا وقيل نحوًا من عشرين.
قوله : فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأَجْلَسَنَا بَيْنَ يَدَيْهِ: في مجلسه وبين خاصة قومه كبرائهم ومن البطارقة والقسيسين والرهبان.
قوله: فَقَالَ هرقل : أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا : أي قال الترجمان على لسان هرقل، أيكم أقرب من هذا الرجل الذي خرج بأرضكم و يزعم أنه نبي؟ فأجابه أبو سفيان أنه أقرب الرهط نسبًا به؛ لأنه من بني عبد مناف وهو الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي سفيان، ولم يكن غيره من عبد مناف في هذا الرهط، والقُرْب الذي أراده هرقل يحققّ له مطلب المعرفة الدقيقة بالنبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة ظاهر أموره وباطنها دقيقها وعظيمها .
قوله: فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي : فجعلوهم خلف ظهره لئلا يراهم إذا نقلوا عنه الكذب إلى هرقل .
قوله: ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ: التُّرجُمَان بالضَّمِّ والفتحِ: هُو الَّذي يُترجِمُ الكلامَ، أَيْ يَنْقُله مِنْ لُغَة إِلَى لُغَةٍ أُخرى. والجمعُ التَّراجِم. وهو المُفسِّر لغة بلغة، وهي سنة الملوك في اتخاذ من يترجم لهم لغة غيرهم .
قوله: فَقَالَ هرقل قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هذَا عَنْ هذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبنِي فَكَذِّبُوهُ : كذبني : بتخفيف الذال ، نقل إليَّ الكذب .
قوله: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللهِ : قسم يجوز بالهمزة وغيرها
قوله: لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ: أَنْ يُؤْثِرُوا :بِصِيغَة الجمع وصِيغَة المعلُوم، ويروى: ويؤثر، بِفَتح الثَّاء المُثَلَّثة بِصِيغَة الإِفراد على بِنَاء المَجهُول. أَي: لولا أَن يؤثروا عني الكذب ويحكوه أو يتناقلوا فيما بينهم. قوله وأيم الله: صيغة قسم.
لَوْلاَ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ: واو الجماعة في الفعل يؤثروا عائدة على الوفد المرافق له، ويعني أبو سفيان، لولا أن أُعْرفَ عندهم بالكذب؛ لأن الكذب فيهم مستقبح وتعافه أخلاقهم؛ فخاف أن يعيِّروه بهذا إذا رجعوا إلى قومهم، وحرص على إبقاء مكانته عالية عندهم وبينهم .
لكذبت على هرقل مع علمه أنهم لن ينقلوا عنه الكذب؛ لأنه سيدهم ومن مصلحتهم جميعًا إخفاء محاسن النبي صلى الله عليه وسلم لا إظهارها أمام هرقل ولو كَذَبَ أبو سفيان على هرقل لأقرّوه على ذلك لاشتراكهم جميعًا في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم .



اعداد: جهاد العايش





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح حديث أبي هريرة: إن الله تعالى يغار..
* عاملوا الناس بأخلاقكم
* حوار عن سورة الماعون
* عبادة الاستغفار في الأسحار
* مراقبة الله تجعل الإنسان يؤدي ما عليه من الحقوق
* النوافل والسنن الرواتب للمسافر
* الأمور التي يفعلها الإنسان إذا ولد له مولود

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 06-28-2026, 11:16 AM   #12

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      




الأربعون الفلسطينية الْحَديثُ الثَّانِي عَشْر (2) النَّبِيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَدْعُو نَصَارَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِلإسْلإمِ


اقتصار هرقل على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه إذا وصل إليه سالمًا لا ولايةً ولا منصبًا وإنما يطلب ما تحصل له به البركة
كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية)، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها, صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم معاً نستكمل الحلقة الثانية من شرح الحديث الثاني عشر:
عَنْ ‏ابْنَ عَبَّاس -ٍرضي الله عنهما- ‏‏أَنَّ ‏أَبَا سُفْيَانَ رضي الله عنه أَخْبَرَهُ: ‏«‏أنَّ‏‏ هرَقْلَ‏ أَرسلَ إليه وهم ‏‏بإِيلياءَ، ‏ثُمَّ‏‏ دعا بكتَابِ رسُول صلى الله عليه وسلم ،‏ فلمَّا فرغ من ْقرَاءة الكتَاب كثُرَ عندَهُ ‏‏الصَّخَبُ ‏فارتَفعَت الأصوَات، وَأُخْرِجنَا فقُلتُ لأصحابِي حين أخرِجنَا: لقد‏‏أَمِرَ‏‏أَمْرُ‏‏ابن أَبِي كبْشةَ ‏‏إنَّهُ يخافهُ ملكُ ‏‏بني الأَصْفَرِ».
قوله: ثُمَّ قَالَ هرقل لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟: وهنا بدأ الحوار المُتَرْجمْ بين هرقل وأبي سفيان، أي ما حال نسبه فيكم أهو من أشرافكم أم لا؟
قوله: قَالَ أبو سفيان: قُلْتُ هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ: والتنوين هنا في جملة «ذُو حَسَبٍ» للتعظيم؛ لأن أبا سفيان يشترك معه في هذا النسب.
قوله: قَالَ هرقل: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبائِهِ مَلِكٌ؟ قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: لا: وجاء بلفظة مَن مَلَكَ، وكلاهما بمعنى واحد.
قوله: قال هرقل: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قال أبو سفيان: قُلْتُ: لاَ:
فيه تأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم بِغيابه وعلم مسبق بعدم كذبه على الناس بعبارة دقيقة لطيفة مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ؛ لأن التهمة إذا انتفت انتفى سببها ؛ لأنها قد تكون تهمة فقط ولا يلزم صحتها، وكأنه يقرر صدق النبي صلى الله عليه وسلم سلفًا.
قوله: قَالَ هرقل: أَيَتَّبِعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟: والمراد بالأشراف هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل من عرف بالشرف.
قوله: قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: بَلْ ضعَفَاؤُهُمْ: تبعه منا الضعفاء والمساكين فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم أحد، وهو محمول على الأكثر الأغلب.
قوله: قَالَ هرقل: يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟: قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ لاَ، بَلْ يَزِيدُونَ.قَالَ هرقل: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: لاَ: سَخطةً: بفتح السين، ويروى سُخطًا بضمها. وقد اعتادت الملوك أن تكون أسئلتها غاية في الدقة، فمن ذكائه أخرج من سؤاله من ارتد مكرهًا عن الدين وأراد بسؤاله من خرج عن دين محمد رغبة بدين غيره.
قوله: قَالَ هرقل: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟، قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ نَعَمْ: أي هل أعلنتم الحرب عليه وشرعتم في قتاله؟
قوله: قَالَ هرقل: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، مِنْهُ: سجال: بكسر السين: نُوَبٌ ودُولٌ مرة على هؤلاء ومرة على هؤلاء من مساجلة المُستقين على البئر بالدلاء. وقوله: «يُصِيبُ مِنَّا وَنصِيبُ» جملة تفسيرية، وقد قالها أبو سفيان على مسمع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، يوم أحد في قوله يوم بيوم بدر والحرب سجال.
قوله: قَالَ هرقل: فَهَلْ يَغْدِرُ؟: قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: لاَ: يغدر: بدال مكسورة، أي هل ينقض العهد.
قوله: وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هذِهِ الْمُدَّةِ لاَ نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيها: المدة هي صلح الحديبية أو غيبته صلى الله عليه وسلم وانقطاع أخباره عنهم.
قوله: قَالَ: وَاللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هذِهِ: «لا ندري ما هو صانع فيها» لم يجزم بغدره وليس من كلمة في هذا اللقاء ذم بها النبي صلى الله عليه وسلم سوى هذه الكلمة.(قال) أبو سفيان: «والله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئًا» أنتقصه به (غير هذه) الكلمة.
قوله: قَالَ هرقل: فَهَلْ قَالَ هذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ:لا: أي هل ادّعى أحد من قومكم يعني قريشًا أو العرب.
قوله: ثُمَّ قَالَ هرقل لِتُرْجُمَانِهِ: قلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبائِهِ مَلِكٌ، فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ، أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ: أراد بالضعفاء هم أهل الاستكانة أتباع الرسل لا أهل الاستكبار والشقاق والعناد وأهل الحسد.
قوله: وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ علَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبَ فَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ فَزَعَمْتَ أَنْ لا. كَذلِكَ الإِيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ: قوله حين يخالط بشاشة القلوب بالنصب على المفعولية والقلوب مضاف إليه أي يخالط الإيمان انشراح الصدور والقلوب ويظهر نورًا يزداد بالصلاة والصيام والزكاة وفي ذلك قوله تعالى: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (التوبة:32).
وكذا أمر أتباع النبي صلى الله عليه وسلم يزدادون ويزداد الإيمان بهم حتى أتم الله دينه وذلك في قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (المائدة: 3).
قوله: وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ وَكَذلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالاً، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعاقِبَةُ.
قوله: وَسَأَلْتكَ: هَلْ يَغْدِرُ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لاَ يَغْدِرُ، وَكَذلِكَ الرُّسُلُ لاَ تَغْدِرُ: قوله وكذلك الرسل لا تغدر وهذا ما علمه من خلق الرسل أنها لا تغدر ؛ لأن ذلك خسة في الأخلاق؛ لأن الغدر من صفة الجبناء و من يلهث وراء الدنيا الذي لا يبالي طالبه أخذ حقه بحلال أم حرام؛ ولأن الغدر صفة جامعة لجملة من الأخلاق الذميمة.
قوله: وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ هذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ. فَزَعَمْتَ أَنْ لاَ. فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ هرقل: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟: قوله بماذا يأمركم يدل أنه يعلم أن لكل رسول شريعة جاء بها مضامينها أمر ونهي.
قوله: قَالَ أبوسفيان: قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ: قال أبو سفيان يأمرنا بالصلاة والصلة والعفاف وهذا ماجاءت به بجملته الرسل. وأنها لم تأت لطلب جاه أو سلطان لها أو لاستعباد الناس وتسخيرهم لخدمتها.
قوله: قَالَ هرقل: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ: خَلُصَ هرقل من ثمرة هذا اللقاء بعد أن حقق أمنيته به، أن صاحب الكتاب نبي حقًا، إن صدقت المعلومات التي أدلى بها أبو سفيان.
قوله: وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ وَلَمْ أَكُ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ: قال المازني هذه الأشياء التي سأل عنها هرقل ليست قاطعة على النبوة، إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات على هذا النبي بعينه؛ لأنه قال بعد ذلك قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم.
قوله: وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ: قوله لو أني أعلم: ويظهر من كلامه أنه يعلم علم اليقين أنه لو أعلن إسلامه فلن يستطيع الوصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن قومه لن يسمحوا له، وسيكون مصيره الموت قبل وصوله إلى النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله أخلص أي أصل إليه، «لأحببت لقاءه» وفي رواية البخاري «لتجشمت لقاءه»: أي: تكلفت بما فيه من مشقة. وفي مطالع الأنوار «ولتجشمت لقاءه» أوجه؛ لأن الحب للشيء لا يصُدُّ عنه؛ إذ لا يطلع عليه وإنما يصد عن العمل الذي يظهر فلا يملك في كل حين.
وقوله لغسلت عن قدميه مبالغة في العبودية له والخدمة، واقتصاره على ذكر غسل القدمين إشارة منه إلى أنه لا يطلب منه إذا وصل إليه سالمًا لا ولايةً ولا منصبًا وإنما يطلب ما تحصل له به البركة.
وقوله وليبلغن ملكه ما تحت قدمي أي بيت المقدس الذي كان لقاؤه بأبي سفيان فيها، أو بلاد الشام كلها التي كانت مملكته ومقرها حمص، وكان ما استشرفه هرقل من ملك النبيصلى الله عليه وسلم لما تحت قدميه قد وقع حقًا وذلك لما فتح عمر بن الخطاب بيت المقدس عام 15هـ.
ومما تجدر الإشارة إليه أن أسئلة هرقل كانت مركزة وذكية، وتحمل وراءها معانيَ واستدلالات كثيرة. وأنه عنده علم من كتب الأولين.
ذكر ابن إسحاق في روايته عن أبي سفيان قوله: «فوالله ما رأيت من رجل قط كان أدهى من ذلك الأقلف يعني هرقل». وقال عنه الخطابي: إذا تأملت معاني ما ستقرؤه من أوصافه تبينت قوة إدراكه، ولله دره من رجل! ما كان أعقله لو ساعد معقوله مقدوره.
قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَهُ: أي طلب الكتاب ممن أودعه عنده، فهو محفوظ عند كاتم سره، وواضح أنه ليس مع ترجمانه كذلك. وسيلاحظ أن الكتاب كتب بلغة العرب فلم ينزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى لغتهم؛ لِيُظهَر اعتزاز العرب والمسلمين بلغتهم، ولعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن هرقل وأمثاله قد اتخذ ترجمانًا وهذا فيه إدراك من النبي صلى الله عليه وسلم لعادات الملوك.



اعداد: جهاد العايش





التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر .

من مواضيعي في الملتقى

* شرح حديث أبي هريرة: إن الله تعالى يغار..
* عاملوا الناس بأخلاقكم
* حوار عن سورة الماعون
* عبادة الاستغفار في الأسحار
* مراقبة الله تجعل الإنسان يؤدي ما عليه من الحقوق
* النوافل والسنن الرواتب للمسافر
* الأمور التي يفعلها الإنسان إذا ولد له مولود

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
الأربعون, الفلسطينية
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأربعون الوقفية الموجزة ابو الوليد المسلم ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية 17 08-12-2026 10:24 AM
الأربعون في مكارم الأخلاق ابو الوليد المسلم ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية 0 05-01-2026 03:17 PM
الأربعون الرمضانية (pdf) ابو الوليد المسلم ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية 0 04-23-2026 11:49 AM
صفحات مطوية من القضية الفلسطينية قبل قيام دولة إسرائيل ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 0 01-25-2026 07:56 PM
الأربعون النسائية ام هُمام ملتقى الأسرة المسلمة 10 10-30-2016 05:22 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009