![]() |
![]() |
المناسبات |
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]()
|
الأربعون الفلسطينية الْحَدِيثُ الثامن – مُعْجِزَةُ إِسْرَاءِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم منْ مَكَّةَ إِلْى بَيْتِ المَقْدِسِ فِي لَيْلَـةٍ كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث الثامن: عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَمَّا أسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى؛ أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَسَعَوْا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إلى صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلِة إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ؛ لَقَدْ صَدَقَ، قَالُوا: وَتُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ: أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غُدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ».شرح الحديث: كان مسرى النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى، من أول مسجد وضع في الأرض إلى ثاني مسجد وضع فيها، فجمع له فضل البيتين وشرفهما، ورؤية القبلتين وفضلهما، وفي حادثة الإسراء ما يدل على قداسة هذين المسجدين وما يحيط بهما من أرض شهدت مبعث النبوّات والرسالات؛ لهذا سمى الله سورة في القرآن باسم سورة (الإسراء) مطلعها قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء:1) وليس هناك سورة باسم المعراج. والإسراء معجزة من معجزات النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن يخرج من بيته في مكة إلى بيت المقدس في فلسطين ثم إلى السماء، ويمر بالسماء واحدة تلو الأخرى، ويلتقي بإخوانه من الأنبياء، ويسلم عليهم حتى يصل إلى سدرة المنتهى ويعود محملا ببعض الأوامر والنواهي في خط الرحلة نفسه، وكل ذلك في جزء من الليل! نعم إنها محطة تاريخية نادرة الوقوع في عالم البشر، بتفرُّدِها في الأسلوب والطريقة التي كانت كالصاعقة لمستوى إدراك الناس، لتعيد برمجة الأمة لأهمية هذا المسجد من خلال معجزة الإسراء والمعراج، بطريقة لم يعرفها العرب ولا غيرهم، وفاقت مستوى عقولهم من خلال الإسراء إليه من بيته في مكة والمعراج منه إلى السماء في ساعةٍ من ليلٍ بأسرع دابَّةٍ عرفتها البشرية. وقد قيل كان وقت الإسراء قبل الهجرة بسنة في ربيع الأول، وهو قول الأكثرين، حتى بالغ ابن حزم فنقل الإجماع على ذلك. وفي هذا الحديث تروي لنا السيدة عائشة مشهدا من مشاهد هذا الحدث الكبير الذي كان سببا في تغير أحوال كثير من الناس. ولك أن تعلم حجم عظم هذا الأمر وقوة إعجازه، حتى نقل البيهقي عن الشافعي رحمهما الله فقال: ما أعطى الله نبيًا إلا أعطى الله محمدًا صلى الله عليه وسلم ما هو أكثر منه، فقيل له: أعطى عيسى ابن مريم إحياء الموتى، فقال الشافعي: حنين الجذع أبلغ؛ لأن حياة الخشبة أبلغ من إحياء الميت، ولو قيل، كان لموسى فلق البحر، عارضناه بفلق القمر؛ وذلك أعجب؛ لأنه آية سماوية، وإن سئلنا عن انفجار الماء من الحجر، عارضناه بانفجار الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ؛ لأن خروج الماء من الحجر معتاد، وأما خروجه من اللحم والدم فأعجب، ولو سئلنا عن تسخير الرياح لسليمان عليه السلام عارضناه بالمعراج. قولها: لَمَّا أسْرِيَ: أُسري: مأخوذ من السرى وهو سير الليل، وبالألف لغة أهل الحجاز و السرى لا يكون إلا بالليل تأكيدًا لقولهم (سرت) أمس نهارًا والبارحة ليلًا. أُسْرِيَ إذا سار ليلًا، إشارة إلى تقليل مدة الإسراء، ومعنى «أُسرى به» أي جعل البراق ساريًا به من المسجد الحرام وهو مسجد مكة إلى المسجد الأقصى وهو مسجد بيت المقدس. وفيه تنبيه على أنه أسري به في بعض ليلة؛ لأنه لو قال: أسرى بعبده، ولم يقل ليلًا، انصرف إلى الليل كله. - قولها: بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى: وهو المسجد المعروف في بيت المقدس – القدس – في فلسطين، وكان لله في ذلك حكمة ومن جميل ما قاله الأنصاري في ذلك : «الحكمة في إسرائه صلى الله عليه وسلم من بيت المقدس دون مكة؛ لأنه محشر الخلائق فيطؤه بقدمه؛ ليسهل على أمته يوم القيامة وقوفهم ببركة أثر قدمه، أو لأنه مجمع أرواح الأنبياء؛ فأراد الله أن يشرفهم بزيارته صلى الله عليه وسلم أو أسري به منه، ليشاهد من أحواله وصفاته، ما يخبر به كفار مكة صبيحة تلك الليلة، فيكون إخباره بذلك مطابقًا لما رأوا وشاهدًا ودليلًا على صدقه في الإسراء». - قولها: أَصْبَحَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِذَلِكَ: لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو من بادر الناس بالتحديث عما جرى له في جزء من ليلته تلك التي ارتحل فيها إلى فلسطين ثم إلى السماء ورجع في خط السير نفسه، كما أنه لم تنقل لنا الآثار أن أحدًا افتقد النبي صلى الله عليه وسلم فلم يجده في بيته أو على فراشه فيكون بذلك خرج النبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يشعر به أحد؛ لذا بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته من هذه الرحلة المعجزة يحدث الناس عنها؛ فعن مالك بن صعصعةَ: «أن نبي الله حدثهم عن ليلةِ أُسري به» الحديث، لكن بعد إخبار النبي لهم اضطرب الناس بين مصدق ومكذب أو مذهول من شدة هول الخبر على إدراكه، غير أن المؤمنين منهم كان يعلم صدق كل ما يأتي من النبي من غير أدنى شك. - قولها: فَارْتَدَّ نَاسٌ مِمَّنْ كَانُوا آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ: دل ذلك على أن جحود وقوع آية الإسراء وإنكارها يعد مُخرجًا عن الملة بإجماع المسلمين؛ لأنه إنكار لنص قرآني صريح في قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء:1). - قولها: وَسَعَوْا بِذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إلى صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلِة إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِس قَالَ: أَوَ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: لَئِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ؛ لَقَدْ صَدَقَ:وهو تصديق و إقرار مطلق ومن غير أدنى شك أو ريبة منه -رضي الله عنه- بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لم يجامل هذا الجمع الذي جاءه، وهو يظن في أبي بكر أنه لن يخيب أملهم فيه، في أمر هو فوق إدراكهم وعلمهم، وفيه عند بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم تجاوز المعقول كما في ظنهم. - قولها قَالُوا: وَتُصَدِّقُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟:يسألون أبا بكر وهم مستنكرين متعجبين أن يأتي النبي بيت المقدس من مكة في ليلة وهم يقطعونها في شهر ! - قولها:قال: نَعَمْ، إِنِّي لأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ: أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءِ فِي غُدْوَةٍ: الغدوة ما بين صلاة (الغداة) وطلوع الشمس يقال أتيته (غدوة) غير مصروف لأنها معرفة مثل سحر إلا أنها من الظروف المتمكنة والجمع (غدا)، ويقال أتيتك (غداة غد) والجمع (الغدوات). - قولها: أَوْ رَوْحَةٍ: العرب تستعمل الرواح في السير كل وقت، يقال راح القوم إذا ساروا وغدوا كذلك. - قولها: فلذلك سمي أبوبكر، الصديق: الصديق: وهو الملازم للصدق. أي نسبوه إلى الصدق، ووسموه حينها بالصديق. الحكمة في معراج النبي من بيت المقدس: إن أمر الله كله حسن، ولا يصدر منه -سبحانه وتعالى- إلا لحكمة يعلمها، علَّمنا بعضها وأخفي عنا بعضها، ولما كان أمر الاسراء عظيما وحادثة غير مسبوقة في عالم البشر تناول كثير من العلماء حكما جمة من معراجه صلى الله عليه وسلم تحديدا من بيت المقدس دون أن يكون مثلا من مكة أو من غيرها ، وينقل لنا صاحب الإفصاح طرفا من هذه الحكم فيقول: «فأما الحكمة في أنه عرج به من بيت المقدس ولم يعرج به من مكة، ومكة أفضل من بيت المقدس؛ فالذي أراه في ذلك أنه لو عرج به من مكة لفاته مشاهدة بيت المقدس، ولما كان يقيم الحجة على قريش بصفة النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبتت حجته عليهم حين وصف لهم بيت المقدس والنظر إليه، فلما عرج به من بيت المقدس اجتمع له الحالان، ولتكن خطاه إلى قصد ربه سعيًا وعروجًا. أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد تناول الحكمة من إسرائه ومعراجه وعلاقة كل من مكة وبيت المقدس، فقال: « فمكة مبدأ وإيليا معاد في الخلق، وكذلك في الأمر؛ فإنه أُسري بالرسول من مكة إلى إيليا، ومبعثه ومخرج دينه من مكة، وكمال دينه وظهوره وتمامه حتى يملكه المهدي بالشام، فمكة هي الأول، والشام هي الآخر في الخلق والأمر، في الكلمات الكونية والدينية». هل أسري بالنبي بروحه فقط، أم بروحه وجسده؟ الذي دلت عليه الكثير من الأحاديث الصحيحة هو ما ذهب إليه معظم علماء السلف والخلف من أن الإسراء كان بجسده يقظة إلى بيت المقدس ثم السموات، وهو الحق والصواب الذي لا يجوز العدول عنه. قال الحافظ: «وقد اختلف السلف بحسب اختلاف الأخبار الواردة؛ فمنهم من ذهب إلى أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي صلى الله عليه وسلم وروحه بعد المبعث، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك؛ إذ ليس في العقل ما يحيله حتى يحتاج إلى تأويل». وبه قال ابن عباس صلى الله عليه وسلم : « الإسراء والمعراج بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يقظة، بجسده وروحه.في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} (الإسراء:60) قال: هي رؤيا عين، أُرِيها رسول الله ليلة أسري به إلى بيت المقدس، قال: {وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ} (الإسراء:60) قال: هي شجرة الزقوم». من فوائد الحديث: 1- أن الإسراء والمعراج بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم كان بروحه وجسده، في جزء من ليلة واحدة. 2- معجزة الإسراء والمعراج كانت اختباراً للمسلمين؛ فقد ارتدّ منهم نفر كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما المشركون زادوا في غيِّهم. 3- أن الإسراء والمعراج معجزة خاصة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم تكن لغيره من الأنبياء. 4- كانت الرحلة مرحلة فاصلة في التاريخ من انتقال القيادة الدينية من أمة بني إسرائيل نسل إسحق إلى نسل إسماعيل في أمة محمد، ومن بيت المقدس إلى مكة المكرمة. 5- هي إعلان وإعلام بانتقال ميراث الرسل جميعًا إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم صاحب الرسالة الممتدة والخاتمة لهم جميعًا عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم. 6- هي إعلان وإعلام للمشركين ومن سكن بيت المقدس من النصارى حينها أنها ميراث نبوي لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، وسيأتون لاستلام مفاتيحها ولو بعد حين، وكان ذلك في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. 7- لو كان الإسراء رؤيا في المنام لما كان فيه فضل ولا فضيلة. 8- وقت الإسراء ليلًا دون النهار حكمة يجب التأمل فيها. 9- إنكار حادثة الإسراء كفر باتفاق. 10- إيمان أبي بكر وثقته المُطلَقة بالنبي صلى الله عليه وسلم وثباته على المبدأ، دون أن يزعزه شيء كانت سببًا بوصفه تشريفا له بالصديق. اعداد: جهاد العايش |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]()
|
الأربعون الفلسطينية الْحَدِيثُ التاسع- النَّبُيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم يَخْتَارُ الْفِطْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى يجلي لنا النبي صلى الله عليه وسلم: في هذا الحديث مشهدا من أبرز مشاهد زيارته لبيت المقدس، وفيه استعرض لقيا بعض من أنبياء الله عيانا بأشخاصهم وأوصافهم الحقيقية كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها ، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها , صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم, فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث التاسع: عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ليلةَ أُسريَ بي، وفي رواية : به بإيلياء «رأيتُ موسى وإِذا هو رجلٌ ضَرْبٌ رَجِلٌ كأنهُ مِن رِجالِ شنُوءَة، ورأيتُ عيسى فإذا هو رَجلٌ رَبعةٌ أحمرُ, كأنما خَرج من ديماس, وإنَّه أشبَه ولدِ إبراهيم به. وفي رواية: قال: ورأيت إبراهيم -صلوات الله عليه- وأنا أشبه ولده به, ثُمَّ أُتيتُ بإِناءيْنِ فِي أحدهما لَبَنٌ وفي الآخَر خَمْرٌ فقال: اشرب أيَّهما شئْتَ، فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتهُ، وفي رواية عن أبي هريرة: فنظر إليهما فأخذ اللبن, قال جبريل الحمد لله الذي هداك للفطرة «فَقيلَ: أخذتَ الفِطرةَ، أما إِنَّكَ لَو أخذت الْخَمْرَ غَوَتْ أمَّتكَ».شرح الحديث: يجلي لنا النبي صلى الله عليه وسلم: في هذا الحديث مشهدا من أبرز مشاهد زيارته لبيت المقدس، وفيه استعرض لقيا بعض من أنبياء الله عيانا بأشخاصهم وأوصافهم الحقيقية، وفيه قدمت له ضيافة كانت بين الخمر واللبن بوصفه اختباراً له فاختار اللبن بوصفه علامة وإشارة إلى الإسلام الهادي إلى الفطرة السليمة، وكل ذلك على مشهد من أنبياء الله وحضورهم هذا الترشيح التاريخي لمحمد , باختياره فطرة الإسلام في بيت المقدس، والحمد لله رب العالمين على نعمة الإسلام . قوله : ليلةَ أُسريَ بي : أسري: السرى ، السّيْر بالليل.وقد سبق التفصيل فيها . قوله: رأيتُ موسى وإِذا هو رجلٌ ضَرْبٌ: بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة أي نحيف. قال القاضي عياض: هو الرجل بين الرجلين في كثرة اللحم وقلته . قوله: رَجِلٌ: مسرح شعره ومنظفه ومحسنه. «بفتح الراء وكسر الجيم أي دهين الشعر مسترسله: وقال ابن السكيت : شعر رجل أي غير جعد . أي مسرِّح الشعر مسترسله، وهو بالرفع على القطع، أي: هو رجل، وعند الأصيلي بالرفع والخفض، ووجه الخفض أن الرَّجلَ غير السَّبط المنفي عن صفة شعره صلى الله عليه وسلم, يقصد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل الخفض على الجوار على بعد , قال صاحب مرآة الزمان : الجيم ساكنة من (رجل الشعر) وحكى الجوهريُّ عن ابن السكيت لغتين غير هذه: أحدهما : بفتح الراء وكسر الجيم. والثانية: فتح الراء والجيم، إذا لم يكن شديد الجعودة و لا سَبِطًا شعرٌ رَجَلٌ ورَجِل ورَجْلٌ بَيْنَ السُّبوطة والجعودة، وفي صفته كان شعره رَجِلًا، أَي لم يكن شديد الجعودة، ولا شديد السبوطة بل بينهما قوله: كأنهُ مِن رِجالِ شنُوءَة : بالفتح، ثم الضم، وواو ساكنة، ثم همزة مفتوحة، وهاءٍ، أي في طوله وسمرته, وشنوءة قبيلة من قحطان . وهي مخلاف باليمن بينها وبين صنعاء اثنان وأربعون فرسخًا، تنسب إليها قبائل من الأزد وهو حيٌّ منَ اليمنِ ينسبونَ إلَى شنُوءَةَ وهوَ عبدُ اللَّهِ بنُ كعبِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مالكِ بنِ نضرِ بنِ الأَزْدِ ولُقِّبَ شَنُوءَةَ لِشَنَآنٍ كانَ بينهُ وبينَ أهلِهِ قال: القزاز: واختلفت الرواية ، هل هو جعد أو سبط، وهل هو ضرب نحيف أو جسيم سموا بذلك من قولك رجل فيه شنوءة أي تفرق، يقال: سموا بذلك؛ لأنهم تشانؤوا وتباعدوا . غير أن البخاري روى في موضع آخر صفة لموسى -عليه السلام- خلاف هذا الوصف: «وأما موسى فأدم جسيم سبط كأنه من رجال الزُّط» والزُّط. قبلية من اليمن، يقال لهم: أزد شنوءة وهي لغة: التباعد عن الأدناس, لعلهم لُقِّبوا بذلك لطهارة نسبهم وحسن سيرتهم وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم موسى مرتين مرة في بيت المقدس كما هو في حديث الباب، ومرة في طريقه إلى بيت المقدس كما جاء في حديث أَنَسِ بنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَرَرْتُ» (وَفِي رِوَايَةِ هَدَّابٍ): «أَتَيْتُ»، عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ». وبذلك يكون النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى في رحلته هذه ثلاث مرات: في قبره عند الكثيب الأحمر والثانية في المسجد الأقصى لما صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا، والثالثة: في السماء. قوله: ورأيتُ عيسى فإذا هو رَجلٌ رَبعةٌ: رجل ربعة: بفتح الباء، وإسكانها ،ومربوع أي بين الطويل والقصير . قوله : أحمرُ : وصف عيسى عليه السلام في هذا الحديث أنه «أحمر «وفي حديث آخر أنه (آدم), وقد وفق ابن حجر رحمه الله بين الروايتين فقال: الأحمر عند العرب الشديد البياض , والآدم الأسمر, ويمكن الجمع بين الأمرين بأنه أحمر لونه بسبب التعب, وهو في الأصل أسمر . وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه أنكر رواية أحمر وحلف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقله يعني وأنه اشتبه على الراوي فيجوز أن يتأوَّل الأحمر على الآدم، ولا يكون المراد حقيقة الأدمة والحمرة، بل ما قاربها. والله أعلم. غير أن الشيخ ناصر الدين الألباني يرى أن: الأحمر هو الأشقر ، وآدم يعني أسمر، وهذا تناقض؛ فلعله ليس المراد حقيقة الأدمة والحمرة ، بل ما قربهما. وللشيخ محمود عطية توفيق آخر بين الروايتين قال: «رأى رسول الله ليلة الإسراء عيسى يقظة، ورآه يطوف بالكعبة منامًا، وفي هذه الحالة, فإن وصف رسول الله لعيسى يقظة مقدم على وصفه لهم منامًا» قلت: غير أني أفهم أن رؤيا الأنبياء حق وأن ما أشار له الشيخ عطية يفهم منه أن ما رآه النبي في المنام مشكوك فيه ملتبس عليه ، غير أن النبي لم يشر إلى هذا الالتباس أو شكَّ في الحالتين وما ذهب إليه ابن حجر قريب من المعقول، والله أعلم. قوله : كأنما خَرج من ديماس: الديماس بفتح الدال وكسرها: الحمام بلغة الحبشة، أراد اشراقة لونه ونضارته, وقال الخطابي: الديماس: السَّرَبَ يقال دمست الرَجُلَ اذا قبرتُه، وأراد في نضرة وجهه وحسنه كأنه خرج من كِنٍّ. وقال الجوهري: لأنه قال في وصفه: كأن رأسه يقطر ماء وذكر صاحب المطالع الأقوال الثلاثة فيه فقال: الديماس: قيل هو السرب ، وقيل الكن، وقيل الحمام، هذا ما يتعلق بالديماس. وأما الحمام فمعروف وهو مذكر باتفاق أهل اللغة. والله أعلم. قوله: وإنَّه أشبَه ولدِ إبراهيم به، (وفي رواية: قال: ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، وأنا أشبه ولده به): قوله: (وأنا أشبه ولد إبراهيم به) أي الخليل، وزاد مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر ورأيت جبريل فإذا أقرب الناس به شبها دحية . قوله: ثُمَّ أُتيتُ بإِناءيْنِ فِي أحدهما لَبَنٌ وفي الآخَر خَمْرٌ فقال: اشرب أيَّهما شئْتَ، فأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتهُ، فَقيلَ: أخذتَ الفِطرةَ: «أخذتَ الفطرةَ»: أي التي فطر الناس عليها، وفي هذا القول له عند أخذ اللبن لطف ومناسبة، فإن اللبن لما كان في العالم الحسي ذا خلوص وبياض ، وأول ما يحصل به تربية المولود صيغ في عالم القدسي مثال الهداية والفطرة التي يتم بها تربية القوة الروحانية؛ لأن العالم القدسي قد تصاغ فيه الصور من العالم الحسي لإدراك المعاني. قال النّووي: فسّروا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة. قوله: أما إِنَّكَ لَو أخذت الْخَمْرَ: أما: كلمة تنبيه.إنّك: بكسر الهمزة «لو أخذت الخمر» بدل اللبن. غوت: أي ضلَّت، فإنَّ الخمر لكونها ذات تلف ومفسدة صيغ منها مثال الغواية وما يفسد الروحانية». قوله: غَوَتْ أمَّتكَ: غوت: والتغاوي هو التجمع والتعاون على الشر, وأصله من الغواية أو الغي.و(الغَيُّ) الضلال والخيبة أيضا . وجاء في رواية أخرى من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن الذي جاء وقدم له هذه الضيافة هو جبريل -عليه السلام-: «ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، وجاء في رواية أخرى أنه عرض على النبي مرة في السماء آنية فيها لبن وعسل أو لبن وماء أو لبن وخمر, ولا أظن أن في ذلك تناقضاً، بل هو ترحيب وضيافة للنبي يستحقها حيث حلّ، كان في السّماء أم في بيت المقدس, وفيه تأكيد على استقامة الفطرة التي اختارها النبي في الأرض وفي السماء، والله أعلم . قال الألباني: كذا وقع في هذه الطريق ذكر الإناءين هنا قبل المعراج، ووقع في الطريق المتقدمة، بعد المعراج عند سدرة المنتهى ولكل منهما شواهد ذكرها في (الفتح) (10 / 73) . وجعل اللبن علامة لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا سائغًا للشاربين سليم العاقبة. وأما الخمر فإنها أم الخبائث، وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل. والله أعلم . من فوائد الحديث : 1- اختيار النبي صلى الله عليه وسلمللَّبن، هو تأكيد على استقامة فطرته وسلامتها ونجاحه في هذا الاختبار. 2- وفي الحديث دليل على بشرية أنبياء الله و أن لهم أطوالاً وألواناً وأشباهاً بسائر البشر وقبائلهم . 3- جعل الخمر علامة على الفطر المنتكسة وعلى سائر الفواحش والخبائث بل أما لها. 4- كان من تشريف النبي واحترامه أن قدمت له الضيافة في المسجد الأقصى. 5- كان المسجد الأقصى منبر تدشين مشروع الإسلام للعالمين, وبحضور أنبياء الله أجمعين. اعداد: جهاد العايش |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]()
|
الأربعون الفلسطينية الْحَدِيثُ العاشر- النَّبِيُّ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم إِمَامُ الأنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الإِسْــرَاءِ فِي الْمَسْجِـدِ الأقْصَى لقد جذَّر الله -جلَّ في عُلاه- قُدسيَّة المسجد الأقصى في قلوب أتباع الشرائع السماويَّة، عقيدةً صافيةً سليمةً من الكفر بالله أو عِنادِه أو معصية أنبيائِه حادثة الإسراء شاهدة على أن بيت المقدس للمسلمين، ومكانتها ثابته في قلوبهم كتاب الأحاديث الأربعون الفلسطينية، وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب «الأحاديث الأربعون الفلسطينية» قبولا واسعا فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم، فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث العاشر: عن أَبي هُريرةَرضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «لقد رأيتُني فِي الحِجْرِ وقُرَيشٌ تسْألُني عن مَسرَاي، فَسَأَلَتْنِي عن أشياءَ من بيتِ المقدِسِ لم أثبِتْها؛ فَكُرِبْتُ كُرْبةً مَا كُرِبْتُ مثله قطُّ. قال: فَرفعَهُ الله لِي أَنْظرُ إلَيه. ما يسْألُونِي عن شَيءٍ إلا أنْبَأتهمْ به وقَد رأَيتُني في جَمَاعَةٍ من الأنبياءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كأَنهُ مِنْ رجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليهما السلام،قَائِمٌ يُصَلِّي أقْربُ النَّاسِ به شَبَهًا عُروةُ بْنُ مَسعُود الثَّقَفيُّ، وَإِذَا إِبراهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي أَشبهُ النَّاسِ به صَاحبُكُمْ «يَعْنِي نَفْسَه» فَحانَت الصَّلَاة فأممتهم... الحديث. وفي رواية عن أنس: ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ..». «وفي رواية: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ فَلَما فَرَغْتُ من الصلاةِ قال قائلٌ: يَا مُحَمدُ! هذا مالكٌ صَاحبُ النارِ فسَلِّمْ عليه؛ فَالْتَفَتُّ إليه فبدَأَني بالسلامِ».شرح الحديث: لقد جذَّر الله -جلَّ في عُلاه- قُدسيَّة المسجد الأقصى في قلوب أتباع شرائعه السماويَّة السابقة، يحملها كلُّ خَلَفٍ عن سلَفِهِ عقيدةً صافيةً سليمةً من الكفر بالله أو عِنادِه أو معصية أنبيائِه، في سلسلةٍ من المؤمنين تَتْرًا تؤمن بقدسيَّتِه، يقودهم نبيٌّ تلو الآخر إلى الهدف ذاته، حتى استقرَّ أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببسط شريعته في المسجد الأقصى لما كان إمامًا للأنبياء في ليلة الإسراء والمعراج، خاتِمًا بها ما سبق من رسلٍ ورسالاتٍ، إقرارًا لصبغته الإسلامية ولإمامة محمد صلى الله عليه وسلم و أمته على المسجد الأقصى، ولم يجتمع الأنبياء على الأرض في غير هذا المكان، بعد أن أحيا الله الرسل والأنبياء، فازداد المسجد الأقصى مكانة وتشريفًا، في أعظم جمع ومناسبة سجلها التاريخ. قوله: لقد رأيتُني فِي الحِجْرِ: أي نفسي وأنا في الحجر، ويسمى الحجر كذلك حطيمًا: سُمِّي لما حُطِمَ من جداره، فلم يُسوَّ ببناء البيت قوله: وقُرَيشٌ تسْألُني عن مَسرَاي: أي جماعة من قريش تسأل عن مسيري إلى بيت المقدس. قوله: فسألتني عن أشياءَ من بيتِ المقدِسِ لم أثبِتْها: منَ الإثباتِ أيْ لمْ أحفظْها، ولمْ أضبطْها ولم أنتبه إليها لاشتغالِي بأمورٍ أهمَّ منهَا. قوله: فَكُرِبْتُ كُرْبةً مَا كُرِبْتُ مثله قطُّ: بضم الكافين والضمير في مثله يعود على معنى الكربة، وهو الكرب أو الغم أو الهم أو الشيء. الكُرْبة: بالضم الغم الذي يأخذ بالنفس وكذا (الكَرْب) تقول كَرَبَه الغم أي اشتد عليه».» فَكُرِبْتُ « بصيغَةِ المفعُولِ أَيْ أُحزِنتُ أي أخذني الغم الذي يأخذ بالنفس. «كَرْبًا» مفعولٌ مطلقٌ والمعنَى حزنًا شديدًا، ويناسبُه قولُه: (مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ) أيْ: مثلَ ذلكَ الكربِ. قوله: فرفعَهُ الله لِي أَنْظرُ إلَيه ما يسْألُونِي عن شَيءٍ إلا أنْبَأتهمْ به: «فَرَفَعَهُ اللَّهُ» أَيْ: بيتَ المقدسِ (لِي) أَيْ: لِأَجْلِي (أَنْظُرُ إِلَيْهِ)، حالٌ، رُفعَ الحجابُ بينِي وبينهُ لأنظرَ إليهِ، وأخبرَ الناسَ بمَا اطّلَعْتُ عليهِ. قوله: وقَد رأَيتُني في جَمَاعَةٍ من الأنبياءِ: وقد اختلف بعض العلماء في حال الأنبياء عند ملاقاة النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد هل أُسِري بأجسادهم إلى المسجد وأرواحهم مستقرة؛ حيث رأى كلا منهم في السماء، غير أن ابن حجر يرى أنه يجوز أن يكون لروحه اتصال بجسد الأرض، فلذلك يتمكن من الصلاة وروحه مستقرة في السماء لكن وصفه صلى الله عليه وسلم لصلاتهم وهيئاتها وأجسادهم البشرية الخاصة بكل واحد منهم دليل أن الله جمعهم بأجسادهم وأرواحهم، وليس هو بالأمر البعيد أو المستحيل على الله أن يجمعهم بعد أن يُحْيِيَهم من قبورهم. قوله: فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي: قال ابن القيم «إن اسم موسى في اللغة العبرانية موشى بالشين، وأصله الماء والشجر وبأنهم يقولون للماء: مو وشا هو الشجر، وموسى التقطه آل فرعون من بين الماء والشجر ، وأما ما هية الصلاة التي كان يصليها موسى وحقيقتها وكيفيتها، فقد قال القاضي عياض: «قد تكون الصلاة هنا بمعنى الذكر والدعاء وهي من أعمال الآخرة». ومن جميل ما قال الحنبلي في (أنسه) عن صلاة موسى في قبره «وأما صلاته في قبره فلم تكن بحكم التكليف بل بحكم الإكرام والتشريف؛ لأن الأنبياء عليهم السلام حبب إليهم في الدنيا عبادة الله -تعالى- والصلاة؛ فكانوا يلازمون ذلك، وتوافقوا عليه؛ فشرفهم الله -تعالى- بإبقائهم على ما كانوا يصنعون ويحبون فعله في الدنيا ، فعبادتهم إلهامية كعبادة الملائكة لا تكليف فيها» والله أعلم. قال القاضي: فإن قيل: كيف رأى موسى -عليه السلام- يصلي في قبره، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء ببيت المقدس، ووجدهم على مراتبهم في السماوات وسلموا عليه ورحبوا به؟ فالجواب أنه يحتمل أن تكون رؤيته موسى في قبره عند الكثيب الأحمر كانت قبل صعود النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء وفي طريقه إلى بيت المقدس، ثم وجد موسى قد سبقه إلى السماء. ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم رأى الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وصلى بهم على تلك الحال لأول ما رآهم ثم سألوه ورحبوا به، أو يكون اجتماعه بهم وصلاته ورؤيته موسى عليه السلام بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى. والله أعلم». قوله: فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ: أي نوعٌ وسطٌ منَ الرّجالِ أو خفيفُ اللحمِ. الممشُوق المُسْتَدِقّ وهي وما يليها صفة هيئة موسى عليه السلام . قوله: جَعْدٌ: فيهِ معنيانِ. أحدهما: جُعودَةُ الجسمِ، وهو اجتماعُه. والثاني: جعُودَةُ الشَّعرِ، والأولُ أصحُّ هاهُنا؛ لما جاءَ في رِوايةِ أبي هريرةَ: أنهُ «رَجِلُ الشَّعْرِ» كذا قالهُ صاحبُ التحرير، وقالَ النوويُّ: يجُوزُ أن يُرادَ بهِ المعنى الثاني أيضًا؛ لأنهُ يُقالُ: شعرٌ رَجِلٌ إذا لمْ يكن شدِيدَ الجُعودةِ. قوله: كأَنهُ مِنْ رجَالِ شَنُوءَةَ: أي في الطول، وسبق التعريف بشنوءة. قوله: وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عليهما السلام قَائِمٌ يُصَلِّي أقْربُ النَّاسِ به شَبَهًا عُروةُ بْنُ مَسعُود الثَّقَفيُّ: أي شاهد عيسى -عليه السلام- على هيئته الحقيقية وهو يصلي، وعروة صحابي جليل ينسب إلى قبيلة ثقيف أكثر الناس « شبها» بِفَتْحَتَيْنِ أي نظيرًا وشبيها بعيسى -عليه السلام-. قوله: وَإِذَا إِبراهِيمُ -عليه السلام- قَائِمٌ يُصَلِّي أَشبهُ النَّاسِ به صَاحبُكُمْ (يَعْنِي نَفْسَهُ): وكذا إبراهيم يصلي صلاة حقيقية وشاهده على صفته الحقيقية وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن اقرب الناس شبها بإبراهيم هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . وقوله (يعني نفسه) هو من كلام وتوضيح أبي هريرة رضي الله عنه، ونلحظ هنا أن الأنبياء صلوا صلاة قبل صلاتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وكأنها تحية للمسجد. قوله: فَحانَت الصَّلَاة: أي دخل وقتها، ولعل المراد بها صلاة التحية، أو يراد بها صلاة المعراج على الخصوصية. ويبدو -والله أعلم- أنه ليس ثمة صلاة مفروضة دخل وقتها في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه أسري وعرج به ليلًا، فقد تكون لمناسبة خاصة كالمعراج ونحوه، وإذا كانت بعد معراجه فيحتمل أن تكون هي مما فرض عليه من صلاة أدى بعضها مع الأنبياء اقرارا منهم -عليهم السلام- بما كلفه من شريعة خاصة وخاتمة جاء بها لأتباعه. كالإقرار بشريعة محمد وصلاة الجماعة التي خُصَّت بها شريعته؛ كما جاء عند العراقي نحو ذلك»صلاة الجماعة من خصائص هذه الأمة وكانت الأمم المتقدمة يصلون منفردين». و يبدو أن أول عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد الأقصى وقبل عروجه، وأن الصلاة التي صلاها كانت ركعتي تحية المسجد، والله أعلم. قوله: فَأَممتُهُمْ: أي صِرتُ لهمْ إمامًا وكنتُ لهمْ إمامًا. قال عياض -رحمه الله-: وقد ثبت في حديث الإسراء: أنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء في السموات وفي بيت المقدس وصلى بهم، ولا يبعد أن الله -تعالى- أحياهم كما أحيا الشهداء. وفي حديث ابن عباس قال: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ...، وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتُهُمْ..». قال ابن كثير في (تفسيره): {إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} { الإسراء: 1}: وهو بيت المقدس الذي بإيلياء، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام ولهذا جُمِعوا له هناك كلهم، فأمَّهم في محلتهم ودارهم؛ فدل على أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا بالأنبياء قبل عروجه أو بعد عروجه من السماء؟ قال ابن حجر : والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كانت قبل العروج، والله أعلم. قال الشيخ أن شعيب وعبدالقادر الأرنؤوط، في تعليقهما على قصة إسراء النبي صلى الله عليه وسلم في، زاد المعاد، لابن القيم (3/31): استظهر الحافظ في «الفتح « أن صلاته بهم كانت قبل العروج بينما يرى ابن كثير أن الصحيح: أنه كان بهم في بيت المقدس بعد عروجه. «ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم رأى الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وصلى بهم على تلك الحال لأول ما رآهم ثم سألوه ورحبوا به، أو يكون اجتماعه بهم وصلاته ورؤيته موسى بعد انصرافه ورجوعه عن سدرة المنتهى. والله أعلم. قال الألباني -رحمه الله-: «والمشهور في (الصحاح) أن جبريل كان يعلمه بهم أولًا، ليسلم عليهم سلام معرفة، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء -عليهم السلام- قبل دخوله المسجد الأقصى، والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السماوات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيًا وهم معه، وصلى بهم في السموات، وصلى بهم فيه، ثم إنه ركب البراق، وكرَّ راجعًا الى مكة. والله أعلم». وأن صلاته بالأنبياء كان بعد معراجه من السماء بعد أن فرضت الصلاة، والله أعلم، ولم يصلِّ صلى الله عليه وسلم في طريقه في مكان آخر كما جاء أنه صلى في بيت لحم، أو عند قبر عيسى عليه السلام أو غيرها من أماكن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والنبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج صلى في بيت المقدس ركعتين كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح ولم يصل في غيره . وأما ما يرويه بعض الناس من حديث المعراج أنه صلى في المدينة، و صلى عند قبر موسى، وصلى عند قبر الخليل، فكل هذه الأحاديث مكذوبة موضوعة. وأما صلاته ابتداء في المسجد أي قبل العروج هي سنة دخول المسجد مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تفرض عليه صلاة بعد لكنها وعلى ما يبدو هي وهيئتها كانت شريعة ما قبلنا من أنبياء. قوله: فَلَما فَرَغْتُ من الصلاة: فَرَغَ: من الشغل. أي فرغ وانتهى من إتمام الصلاة. قوله: قال قائلٌ: يَا مُحَمدُ! هذا مالكٌ صَاحبُ النارِ فسَلِّمْ عليه. فَالْتَفَتُّ إليه فبدَأَني بالسلامِ: مالك: خازن النار، ولما كان مالك خازن النار كان ابتداره بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم تطمينًا له وترحيبًا به ضيفًا على السماء وأهلها، وكأنها نوع إشارة أن النبي صلى الله عليه وسلم محفوظ عن النار وأهلها. وهذا الجزء من الحديث يؤكد صحة ما ذهب إليه الألباني رحمه الله أن صلاته صلى الله عليه وسلم كانت في السماء، والله أعلم. من فوائد الحديث: 1-صلّى النبي صلى الله عليه وسلم وسلم ليلة الإسراء والمعراج في صدر المسجد الأقصى، وتحديدًا في الجهة الجنوبية منه، وقد عرفنا ذلك من الروايات الكثيرة في فتح عمر بن الخطاب لبيت المقدس، فعن عبيد الله بن آدم، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ فقال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله، فتقدم، إلى القبلة فصلى، ثم جاء، فبسط رداءه فكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس. 2-فيه ربط بين رسالات التوحيد زمانًا ومكانًا، من لدن إبراهيم إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ، وربط بين الأماكن المقدسة التي ارتادها قبله إبراهيم ومن جاء بعده متنقلًا بين الشام وجزيرة العرب. 3-صلاته في جميع الأنبياء بالمسجد الأقصى لم تكن وقت صلاة مكتوبة وليس عليهم صلاة مفروضة، إنما هي حكم تجلت في موقف مشهود وعلى العاقل أن يتأمل. 4- «فَأَمَمْتُهُمْ» فيه إشارة إلى تولي محمد وأمته زمام قيادة الأمم والبشرية وبحضرة الأنبياءجميعهم وقبولهم، والله أعلم. 5- ومنه كان معراج النبي صلى الله عليه وسلم إلى حيث كرمه الله -تعالى- فأراه من آياته الكبرى، ورفعه سدرة المنتهى في السموات العلا؛ حيث فرضت الصلاة على المسلمين، خمس صلواتٍ في كل يوم وليلة بأجر خمسين صلاة، تخفيفًا على العباد، وكرمًا بالأجر والثواب من الكريم التواب. 6- وحادثة الإسراء شاهدة على أن بيت المقدس للمسلمين، ومكانتها ثابتة في قلوبهم، وفيها إعلان وراثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين وناسخ بشريعته سائر شرائع النبيين والمرسلين، والحمد لله رب العالمين. اعداد: جهاد العايش |
|
من مواضيعي في الملتقى
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الأربعون الوقفية الموجزة | ابو الوليد المسلم | ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية | 13 | 06-09-2026 12:09 PM |
| الأربعون في مكارم الأخلاق | ابو الوليد المسلم | ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية | 0 | 05-01-2026 03:17 PM |
| الأربعون الرمضانية (pdf) | ابو الوليد المسلم | ملتقى الأحاديث القدسية والنبوية | 0 | 04-23-2026 11:49 AM |
| صفحات مطوية من القضية الفلسطينية قبل قيام دولة إسرائيل | ابو الوليد المسلم | ملتقى التاريخ الإسلامي | 0 | 01-25-2026 07:56 PM |
| الأربعون النسائية | ام هُمام | ملتقى الأسرة المسلمة | 10 | 10-30-2016 05:22 PM |
|
|