استخدم محرك جوجل للبحث في الملتقى

 

الرئيسية التسجيل البحث الرسائل طلب كود التفعيل تفعيل العضوية استعادة كلمة المرور
facebook facebook twetter twetter twetter twetter

المناسبات


   
العودة   ملتقى أحبة القرآن > ۩ ملتقى العلـــم الشرعـــي ۩ > ملتقى التاريخ الإسلامي
ملتقى التاريخ الإسلامي يهتم بالتاريخ الإسلامي ، والدراسات والمخطوطات والاثار الاسلاميه .
 

   
الملاحظات
 

إضافة رد
   
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 03-06-2026, 04:10 PM   #7

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (7)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا ونحن نتأمل حال الثورات عبْر مراحل التاريخ الإسلامي نعرض المآخذ التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبين الرد عليها.

ومِن هذه المآخذ:

- أنهم قالوا: إن عثمان -رضي الله عنه- أعطى مروان بن الحكم خمس إفريقية! وهذا لم يصح، والذي صح هو إعطاؤه خمس الخمس لعبد الله بن أبي سرح جزاء جهاده المشكور، ثم عاد فاسترده منه.

جاء في حوادث سنة 27 مِن تاريخ الطبري أن عثمان -رضي الله عنه- لما أمر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بالزحف مِن مصر على تونس لفتحها قال له: "إن فتحَ الله عليك غدًا إفريقية؛ فلك مما أفاء الله على المسلمين خمس الخمس مِن الغنيمة نفلاً". فخرج بجيشه حتى قطعوا أرض مصر وأوغلوا في أرض إفريقية وفتحوها؛ سهلها وجبلها، وقسَّم عبد الله على الجند ما أفاء الله عليهم، وأخذ خمس الخمس، وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان مع وثيمة النصري. فشكا وفد ممن معه إلى عثمان ما أخذه عبد الله بن سعد، فقال لهم عثمان: أنا أمرت له بذلك، فإن سخطتم فهو رد. قالوا: إنا نسخطه. فأمر عثمان عبد الله بن سعد بأن يرده فرده. ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح إفريقية".

- قال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وقد ثبت في السُّنة تنفيل أهل الغناء والبأس في الجهاد، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في مكافأة سلمة بن الأكوع في إغارة عبد الرحمن الفزاري على سرح النبي -صلى الله عليه وسلم-" اهـ.

- وقال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وقد ذهب مالك وجماعة إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وأن إعطاءه لواحد جائز" اهـ.

إذن فهذا الأمر جائز شرعًا، وفعله مَن هو خير مِن عثمان -رضي الله عنه-؛ فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفعله أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، وفعله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وأقطعوا القطائع والأعطيات لبعض الناس، إما ترغيبًا لهم، وتأليفًا لقلوبهم، وإما جزاءً لهم على حسن البلاء، وقد ذكر أبو يوسف الكثير مِن هذه الأمثلة في كتابه "الخراج".

- وقالوا: كان عمر -رضي الله عنه- يضرب بالدرة، وضرب هو بالعصا.

والدرة: "عصا صغيرة يحملها السلطان يزع بها"، وهذه مِن المآخذ التي أخذوها على عثمان -رضي الله عنه-، وهذا الأمر ليس له أصل، ولا سند، ولا يصح فيه خبر واحد، ولو صح ذلك؛ فللإمام أن يؤدب ويعزر بما يراه مناسبًا للأحوال.

- وقالوا: إن عثمان علا على درجة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد نزل عنها أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-.

- قال القاضي ابن العربي -رحمه الله- في العواصم مِن القواصم: "لا يصح لهذه الرواية إسناد، ولو صح إسنادها فلم ينكر عليه أحدٌ مِن الصحابة هذا الأمر، ولو كانوا أنكروه فلا يحل ذلك دمه بحال مِن الأحوال".

- وقال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "كان مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضيق المساحة في عصر النبوة، وخلافة أبي بكر، وكان مِن مناقب عثمان في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما زاد عدد الصحابة أن اشترى مِن ماله مساحة مِن الأرض وسع بها المسجد النبوي، ثم وسعه أمير المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب، ثم ازداد عدد المصلين بازدياد عدد سكان المدينة وقاصديها؛ فوسعه أمير المؤمنين عثمان مرة أخرى، وجعل طوله ستين ومائة ذراع، وعرضه خمسين ومائة ذراع، وجدد بناءه. فاتساع المسجد وازدياد غاشيته وبُعد أمكنة بعضهم عن منبر الخطابة يجوز أن يكون مِن ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه" اهـ. هذا إن صحت الرواية القائلة بأنه علا على الدرجة التي كان يقف عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي لا تصح -كما ذكرنا آنفًا-.

- قالوا: ولم يحضر بدرًا، وانهزم يوم أحد، وانهزم يوم حنين، وغاب عن بيعة الرضوان.

والرد على هذه التهم هو ما أخرجه البخاري مِن حديث عثمان بن عبد الله بن موهب قال: "جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ حَجَّ البَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلاَءِ القَوْمُ؟ فَقَالُوا: هَؤُلاَءِ قُرَيْشٌ، قَالَ: فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ، إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ: ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَسَهْمَهُ) وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عُثْمَانَ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِهِ اليُمْنَى: (هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ). فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ، فَقَالَ: (هَذِهِ لِعُثْمَانَ) فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ".

- وفي تاريخ الطبري: "وقد بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- ببشرى النصر في بدر مع زيد بن حارثة إلى عثمان في المدينة، قال أسامة بن زيد: فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي كانت عند عثمان بن عفان، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خلفني عليها مع عثمان" اهـ.

والذي حدث في بيعة الرضوان أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبْل أن يبعث عثمان -رضي الله عنه- دعا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ليبعثه إلى مكة فيبلغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال عمر: يا رسول الله إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس في مكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، ولكني أدلك على رجل هو أعز مني فيها: عثمان بن عفان. فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش.

- قال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وحينئذٍ كان لعثمان الشرف المضاعف بأن يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نابت عن يده في عقد البيعة عنه؛ فبيعة الرضوان كانت انتصارًا لعثمان، وجميع الصحابة بايعوا بأيدي أنفسهم إلا عثمان -رضي الله عنه- فإن أشرف يد بالوجود نابت عن يده في إعطاء بيعته، ولو لم يكن لعثمان مِن الشرف في حياته كلها إلا هذا لكفاه" اهـ.

وأما عن يوم "حنين": فلم يبقَ إلا نفر يسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو أمر قد اشترك فيه الصحابة، وقد عفا الله عنه ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

- قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "فلا يحل ذكرُ ما أسقطه الله ورسوله والمؤمنون".

وأود أن أشير إلى خطورة نشر الأخبار الكاذبة والإشاعات المغرضة بيْن الناس، وخطورة ذلك على المجتمع؛ فنشر الأخبار الكاذبة واستقرارها في نفوس البعض وتصديقها بلا دليل ولا برهان يؤدي إلى وقوع البغضاء والكره؛ فالإعلام الذي كان في عهد أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- والذي كان يحركه السبئية وغيرهم مِن المنافقين نجح في تهييج مشاعر بعض أفراد المجتمع ضد أمير المؤمنين -رضي الله عنه- حتى وصل الأمر إلى صعوبة قبول الحق لو كان مع عثمان -رضي الله عنه-، جاء في صحيح البخاري عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ، قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، -أي ألصقه بالرغام وهو التراب وهو كناية عن الذل والإهانة- ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ، قَالَ: هُوَ ذَاكَ بَيْتُهُ، أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أي يشير بذلك إلى منزلته عند النبي -صلى الله عليه وسلم-"، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوءُكَ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ". أي: اذهب مِن عندي واعمل في حقي ما تستطيعه وتقدر عليه؛ فإني لا أبالي بعد قولي بالحق.

فهذه التهم والمظالم والمناكير التي وقعت في نفوس بعض أفراد المجتمع واستقرت؛ كان لها أثر واضح في كراهية البعض لعثمان -رضي الله عنه- والخروج عليه وقتله؛ فوجب علينا أن نحذر مِن ذلك، وأن نحذر الناس.

والله المستعان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.


- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* آيتان تكفيك يومك
* تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر عرض كتاب
* سرديات من التراث الجزائري: قراءة تأملية في النصوص المتاخمة
* السلامة من الفتن في ضوء الكتاب والسُنَّة
* مكارم الأخلاق
* ثبوت النسخ بالكتاب والسنة والإجماع
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-07-2026, 06:50 PM   #8

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (8)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا ونحن نتأمل حال الثورات عبْر مراحل التاريخ الإسلامي نعرض المآخذ التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبيِّن الرد عليها.

فمِن هذه المآخذ:

قالوا: ولم يَقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان "الذي أعطى السكين إلى أبي لؤلؤة، وحرضه على عمر حتى قتله".

فقد طٌعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على يد أبي لؤلؤة المجوسي، ثم قَتل أبو لؤلؤة نفسه بعدها، ولم يمت عمر -رضي الله عنه- في اليوم الذي طعن فيه، وقبْل موت عمر أتى عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وقال إنه رأى الهرمزان (وهو رجل فارسي)، يتناجى في السر مع أبي لؤلؤة المجوسي، فارتاب في أمرهما، فاقترب منهما، ثم هجم عليهما فجأة، فسقط منهما خنجر له رأسان، ثم ذهبوا فالتمسوا الخنجر الذي طعن به عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فوجدوه بنفس مواصفات الخنجر الذي ذكره عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فتيقن القوم أن الهرمزان مشارك لأبي لؤلؤة المجوسي في التخطيط لقتل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فسمع بذلك عبيد الله بن عمر بن الخطاب، فأمسك -أي لم يتصرف- حتى مات عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فحمل سيفه وخرج، فقتل الهرمزان، فلما تولى عثمان بن عفان الخلافة نظر في القضية.

- يقول الطبري -رحمه الله-: "جلس عثمان في جانب المسجد ودعا عبيد الله، وكان محبوسًا في دار سعد بن أبي وقاص، وهو الذي نزع السيف مِن يده. فقال عثمان لجماعةٍ مِن المهاجرين والأنصار: أشيروا عليَّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق. فقال علي بن أبي طالب: أرى أن تقتله.

فقال بعض المهاجرين: قٌتل عمر أمس، ويٌقتل ابنه اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين، إن الله أعفاك أن يكون هذا الحدث كان ولك على المسلمين سلطان، إنما كان هذا الحدث ولا سلطان لك. قال عثمان: أنا وليهم، وقد جعلتها دية، واحتملتها في مالي".

- قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وأما امتناعه عن قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان؛ فإن ذلك باطل، فإن كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في أوله، وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه، وكان قتل عبيد الله له وعثمان لم يلِ بعد، ولعل عثمان كان لا يرى على عبيد الله حقـًّا؛ لما ثبت عنده مِن حال الهرمزان وفعله، وأيضًا فإن أحدًا لم يقم بطلبه" اهـ.

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السُّنة: "فالجواب الأول: أن عبيد الله كان متأولًا أن الهرمزان أعان على قتل أبيه، فكانت هذه شبهة مانعة مِن وجوب القصاص، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَعْصُومُ الدَّمِ يَحْرُمُ قَتْلُهُ، لَكِنْ كَانَ الْقَاتِلُ مُتَأَوِّلًا يَعْتَقِدُ حِلَّ قَتْلِهِ لِشُبْهَةٍ ظَاهِرَةٍ، صَارَ ذَلِكَ شُبْهَةً تَدْرَأُ الْقَتْلَ عَنِ الْقَاتِلِ، كَمَا أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ لَمَّا قَتَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا يَعْصِمُهُ، عَزَّرَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْكَلَامِ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُتَأَوِّلًا، لَكِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ أُسَامَةُ كَانَ مُبَاحًا قَبْلَ الْقَتْلِ، فَشَكَّ فِي الْعَاصِمِ، وَإِذَا كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُتَأَوِّلًا يَعْتَقِدُ أَنَّ الْهُرْمُزَانَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ، صَارَتْ هَذِهِ شُبْهَةً يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهَا الْمُجْتَهِدُ مَانِعَةً مِنْ وُجُوبِ الْقِصَاصِ، فَإِنَّ مَسَائِلَ الْقِصَاصِ فِيهَا مَسَائِلٌ كَثِيرَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ".

وقد قال عبد الله بن عباس لما طعن عمر -وقال له عمر: كنت أنتَ وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة-: "إن شئت أن نقتلهم". فقال عمر: "كذبت، أفبعد أن تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم؟!".

- قال ابن تيمية -رحمه الله-: "فهذا ابن عباس -وهو أفقه مِن عبيد الله بن عمر وأدين وأفضل بكثير- يستأذن عمر في قتل علوج الفرس مطلقـًا الذين كانوا بالمدينة، لما اتهموهم بالفساد، اعتقد جواز مثل هذا، وإذا كان الهرمزان ممن أعان على قتل عمر كان مِن المفسدين في الأرض المحاربين فيجب قتله لذلك. ولو قُدر أن المقتول معصوم الدم يحرم قتله، لكن كان القاتل متأولاً ويعتقد حل قتله لشبهة ظاهرة؛ صار ذلك شبهة تدرأ عن القاتل -يعني عن عبيد الله بن عمر-.

وأما الجواب الثاني: فهو أن الْهُرْمُزَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَوْلِيَاءٌ يَطْلُبُونَ دَمَهُ، وَإِنَّمَا وَلِيُّهُ وَلِيُّ الْأَمْرِ، وَمِثْلُ هَذَا إِذَا قَتَلَهُ قَاتِلٌ كَانَ لِلْإِمَامِ قَتْلُ قَاتِلِهِ؛ لِأَنَّهُ وَلَيُّهُ، وَكَانَ لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ؛ لِئَلَّا تَضِيعَ حُقُوقُ الْمُسْلِمِينَ" اهـ.

- وقال محب الدين الخطيب -رحمه الله-: "وإلى هذا ذهب عثمان في اكتفائه بالدية واحتملها مِن ماله الخاص. ولو أن حادث مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -بجميع ظروفه- وقع مثله في أي بلد آخر مهما بلغ في ذروة الحضارة لما كان منهم مثل الذي كان مِن الصحابة في تسامحهم إلى حد المطالبة حتى بقتل ابن أمير المؤمنين المقتول بيد الغدر والنذالة والبغي الذميم".

وقال ابن كثير -رحمه الله-: "وأما أول حكومة حكم عثمان فيها: فَقَضِيَّةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ غَدَا عَلَى ابْنَةِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ قَاتِلِ عُمَرَ فَقَتَلَهَا، وَضَرَبَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا يُقَالُ لَهُ جُفَيْنَةُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَضَرَبَ الْهُرْمُزَانَ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ تستر فقتله، وكان قد قيل إنهما مالآ أَبَا لُؤْلُؤَةَ عَلَى قَتْلِ عُمَرَ -فَاللَّهُ أَعْلَمُ-، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَرَ بِسَجْنِهِ لِيَحْكُمَ فِيهِ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ وَجَلَسَ لِلنَّاسِ كَانَ أَوَّلَ مَا تُحُوكِمَ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا مِنَ الْعَدْلِ تَرْكُهُ، وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ: أَيُقْتَلُ أَبُوهُ بِالْأَمْسِ وَيُقْتَلُ هُوَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ بَرَّأَكَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، قَضِيَّةٌ لَمْ تَكُنْ فِي أَيَّامِكَ فَدَعْهَا عَنْكَ، فَوَدَى عُثْمَانُ -رضي الله عنه- أُولَئِكَ الْقَتْلَى مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ لَا وَارِثَ لَهُمْ إِلَّا بَيْتُ الْمَالِ، وَالْإِمَامُ يَرَى الْأَصْلَحَ فِي ذَلِكَ، وَخَلَّى سَبِيلَ عُبَيْدِ اللَّهِ" اهـ.

- وفي رواية عند الطبري عن شعيب، عن سيف، عن أبي منصور، قال: "سمعت القماذبان -هو ابن الهرمزان- يحدث عن قتل أبيه قال: فلما ولي عثمان دعاني فأمكنني منه -أي مِن عبيد الله بن عمر بن الخطاب- ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك، وأنتَ أولى به منا؛ فاذهب فاقتله. فخرجتُ به وما في الأرض أحدٌ إلا معي، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت لهم: ألي قتله؟ قالوا: نعم. وسبوا عبيد الله. فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا. وسبوه. فتركته لله ولهم. فاحتملوني. فوالله ما بلغت المنزل إلا على رءوس الرجال وأكفهم!".

وبهذا يتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- لم يَترك عبيد الله بن عمر، ولم يغفل هذه القضية، وبهذا يتبين كذب مَن ادعى هذا الادعاء على ذي النورين -رضي الله عنه-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.


- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.


- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.

التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* آيتان تكفيك يومك
* تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر عرض كتاب
* سرديات من التراث الجزائري: قراءة تأملية في النصوص المتاخمة
* السلامة من الفتن في ضوء الكتاب والسُنَّة
* مكارم الأخلاق
* ثبوت النسخ بالكتاب والسنة والإجماع
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-08-2026, 04:28 PM   #9

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (9)
الخروج على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- "الأسباب والنتائج"



كتبه/ زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا ونحن نتأمل حال الثورات عبْر مراحل التاريخ الإسلامي نعرض المآخذ التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ونبيِّن الرد عليها.

فمِن هذه المآخذ:

قالوا: وكتب مع عبده على جمله كتابًا إلى ابن أبي سرح في قتل مَن ذُكر فيه!

وهذا أيضًا مِن المناكير والأباطيل!

لقد ثار أهل الكوفة على سعيد بن العاص والي عثمان -رضي الله عنه- على الكوفة، فذهب سعيد بن العاص إلى عثمان -رضي الله عنه- وأخبره خبر القوم، فقال له عثمان: ماذا يريدون؟ هل خلعوا يدًا مِن طاعة؟ وهل خرجوا على الخليفة وأعلنوا عدم طاعتهم له؟ قال له سعيد: لا، لقد أظهروا أنهم لا يريدونني واليًا عليهم، ويريدون واليًا آخر مكاني. قال له عثمان: مَن يريدون واليًا؟ قال سعيد بن العاص: يريدون أبا موسى الأشعري. قال عثمان: قد عينا وأثبتنا أبا موسى واليًا عليهم، والله لن نجعل لأحدٍ عذرًا، ولن نترك لأحدٍ حجة، ولنصبرن عليهم كما هو مطلوب منا، حتى نعرف حقيقة ما يريدون. وكتب عثمان إلى أبي موسى بتعيينه واليًا على الكوفة.

قام أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- بتهدئة الأمور، ونهى الناس عن العصيان، وقال لهم: أيها الناس، لا تخرجوا في مثل هذه المخالفة، ولا تعودوا لمثل هذا العصيان؛ الزموا جماعتكم والطاعة، وإياكم والعجلة، اصبروا فكأنكم بأمير. فقالوا: فصلِّ بنا، قال: لا، إلا على السمع والطاعة لعثمان بن عفان، قالوا: على السمع والطاعة لعثمان.

وكتب عثمان بن عفان إلى الخارجين مِن أهل الكوفة كتابًا يبين فيه الحكمة مِن استجابته لطلبهم في عزل سعيد وتعيين أبي موسى بدله، وهي رسالة ذات دلالاتٍ هامة، وتبيِّن طريقة عثمان -رضي الله عنه- في مواجهة هذه الفتن، ومحاولته تأجيل اشتعالها ما استطاع، مع علمه اليقيني أنها قادمة، وأنه عاجز عن مواجهتها، فهذا ما علمه مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال لهم عثمان في رسالته: "أما بعد، فقد أمَّرت عليكم مَن اخترتم، وأعفيتكم مِن سعيد، والله لأفرشن لكم عرضي، ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، واسألوني كل ما أحببتم مما لا يُعصى الله فيه، فسأعطيه لكم، ولا شيئًا كرهتموه لا يُعصى الله فيه إلا استعفيتم منه، أنزل فيه عند ما أحببتم حتى لا يكون لكم عليَّ حجة"، وكتب بمثل ذلك في الأمصار -رضي الله عن أمير المؤمنين عثمان-، ما أصلحه، وأوسع صدره، وكم ظلمه السبئيون والخارجون والحاقدون، وكذبوا وافتروا عليه، ثم جاءت فرق المصريين، فقالوا لعثمان: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس بالسابعة، فقرأ حتى أتى هذه الآية: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59).

فقالوا له: قف أرأيت ما حميت مِن الحمى؟ الله أذن لكَ أم على الله تفتري؟ فقال: نزلتْ في كذا وكذا؛ فأما الحمى، فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليتُ زادت إبل الصدقة فزدت في الحمى لما زاد مِن إبل الصدقة، ثم فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول: نزلتْ في كذا فما يزيدون، فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه شرطـًا، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين، وبعد هذا الصلح وعودة أهل الأمصار جميعًا راضين تبين لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلتْ، وأن أهدافهم الدنيئة لم تتحقق؛ لذا خططوا تخطيطـًا آخر يشعل الفتنة ويحييها، وزوروا كتابًا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-.

ففي أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكبًا على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم يُظهر أنه هارب منهم ، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر عبد الله بن أبي السرح، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان -رضي الله عنه- وعليه خاتمه إلى عامله، ففتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم، أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها، ونفى عثمان -رضي الله عنه- أن يكون كتب هذا الكتاب، وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين مِن المسلمين أو يمين بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبتُ ولا أمللتُ، ولا علمتُ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم، فلم يصدقوه، وقد أقسم لهم عثمان بأنه ما كتب هذا الكتاب!

- قال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "وأما تعلقهم بأن الكتاب وُجد مع راكب، أو مع غلامه -ولم يقل أحدٌ قط إنه كان غلامه- إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره بقتل حامليه، فقد قال لهم عثمان: إما أن تقيموا شاهدين على ذلك، وإلا فيميني أني ما كتبتُ ولا أمرتُ، وقد يكتب على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه".

- قال محب الدين الخطيب -رحمه الله- في مسألة الغلام: "وإنما قالوا إنه غلام الصدقة، أي أحد رعاة إبل الصدقة، وإبل الصدقة ألوف كثيرة لها مئات مِن الرعاة، وإن صح أنه مِن رعاة إبل الصدقة؛ فهؤلاء لكثرتهم وتبدلهم دائمًا بغيرهم لا يكاد يعرفهم رؤساؤهم فضلاً عن أن يعرفهم أمير المؤمنين وكبار عماله وأعوانه، ومع افتراض أنه مِن رعاة إبل الصدقة فما أيسر أن يستأجره هؤلاء البغاة لغرضٍ مِن أغراضهم، وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقد أذن له بالمجيء إلى المدينة ويعلم أنه خرج مِن مصر، وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة، ومضمون الكتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه، بل لقد ذكروا عن محمد بن أبي حذيفة ربيب عثمان الآبق مِن نعمته أنه كان في نفس ذلك الوقت موجودًا في مصر يؤلب الناس على أمير المؤمنين ويزور الكتب على لسان أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويأخذ الرواحل فيضمرها ويجعل رجالاً على ظهور البيوت في الفسطاط ووجوههم إلى وجه الشمس لتلوح وجوههم تلويح المسافر ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق الحجاز بمصر ثم يرسلوا رسلاً يخبرون عنهم الناس ليستقبلوهم، فإذا لقوهم قالوا إنهم يحملون كتبًا مِن أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الشكوى مِن حكم عثمان، وتُتلى هذه الكتب في جامع عمرو بالفسطاط على ملأ الناس وهي مكذوبة مزورة، وحملتها كانوا في مصر ولم يذهبوا إلى الحجاز!".

- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السُّنة: "كل ذي علم بحال عثمان يَعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر، ولا أمثاله، ولا عُرف منه قط أنه قتل أحدًا مِن هذا الضرب، وقد سعوا في قتله -أي في قتل أمير المؤمنين عثمان-، ودخل عليه محمد فيمن دخل، وهو لا يأمر بقتالهم دفعًا عن نفسه؛ فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم" اهـ.


هذا وقد زور المجرمون كتبًا أخرى على وعائشة وطلحة والزبير -رضي الله عنهم-، وهذا الكتاب الذي زعم هؤلاء المتمردون البغاة المنحرفون أنه مِن عثمان، وعليه خاتمه إلى عامله بمصر ابن أبي السرح، يأمر فيه بقتل هؤلاء الخارجين هو كتاب مزور مكذوب على لسان عثمان -رضي الله عنه-، وبهذا نكون قد استعرضنا التهم والمطاعن والمناكير التي ذكرها الثوار المجرمون، وكانت النهاية خروج ثورة ظالمة على ذي النورين -رضي الله عنه-.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.


- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* آيتان تكفيك يومك
* تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر عرض كتاب
* سرديات من التراث الجزائري: قراءة تأملية في النصوص المتاخمة
* السلامة من الفتن في ضوء الكتاب والسُنَّة
* مكارم الأخلاق
* ثبوت النسخ بالكتاب والسنة والإجماع
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-09-2026, 05:34 PM   #10

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (10)
أسباب اشتعال الفتنة في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-










كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نتأمل أحوال المعارضين الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وقد عرضنا جميع المآخذ والمناكير التي أخذها المجرمون الذين ثاروا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، وقد بيَّنا الرد عليها، وذكرنا أقوال العلماء في ذلك، وتبين بما لا يدع مجالاً للشك كذب مَن ادعى هذا الادعاءات على ذي النورين -رضي الله عنه-، وظهر كذلك جهلهم وعدم فهمهم للواقع فهمًا صحيحًا، وظهر كذلك حقدهم، وهذا الحقد تمثل في السبئية والمنافقين.

وإن المتأمل في تلك الثورة الفاسدة الظالمة يعلم أنها بداية الفتنة التي حدثت بيْن علي بن أبي طالب وبيْن وطلحة والزبير ومعاوية -رضي الله عنهم-، وتسببت في موقعتي الجمل وصفين، وتسببت في انتشار الفتنة كانتشار النار في الهشيم، وقُتل في تلك المعارك عشرات الآلاف مِن الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم أجمعين-، وقُتل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-؛ فهذه كانت إحدى الثورات التي سجلها التاريخ، وخرج فيها مَن يسمون بالثوار وما جنى المسلمون منها إلا الضعف والفرقة والقتل والتشريد، ثم نريد أن نلقي الضوء على بعض الأسباب الأخرى التي أدت أو ساعدت في اشتعال الفتنة ومقتل عثمان -رضي الله عنه-.

تعدد الثقافات في المجتمع وموت كثير مِن جيل كبار الصحابة الكرام:

لما توسعت الدولة الإسلامية عبْر حركة الفتوحات حدث تغير في تركيبة المجتمع؛ لأن هذه الدولة بتوسعها المكاني والبشري ورثت ما على هذه الرقعة الواسعة مِن ألوان، ولغات، وثقافات، وعادات، وأفكار، وظهرت على سطح هذا النسيج ألوان مضطربة وخروقات كثيرة، ولا شك أن الصحابة كانوا يقلون رويدًا رويدًا، فمنهم مَن يموت على فراشه، ومنهم مَن يموت في أرض الجهاد، وهناك جمع غفير جدًّا منهم قد مات في طاعون عمواس، وتستقبل الأرض بدلاً عنهم أعدادًا وفيرة مِن أبناء المناطق المفتوحة "فرس، وترك، وروم، وقبط، وكرد، وبربر"، وكان أكثرهم مِن الفرس أو مِن النصارى العرب أو غيرهم؛ فنشأ أفراد مسلمون لم يتخرجوا مِن المدرسة التي تخرج منها الصحابة -رضي الله عنهم-، ولم يتلقَ هؤلاء التعليم مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مباشرة كالصحابة -رضي الله عنهم-.

ولم يغتنم هؤلاء وجود الصحابة -رضي الله عنهم- بينهم، ولم يحرص هؤلاء على تلقي العلوم المختلفة مِن الصحابة -رضي الله عنهم-، ومِن ثَمَّ ساعد ذلك على ظهور بعض الانحرافات الفكرية والسلوكية كنشر الشائعات مِن جهة، وتصديقها مِن جهة أخرى.

وهذا بلا شك ساعد على وقوع الفتن المتنوعة، وهذه هي خطورة العولمة التي نحياها الآن، فالصحابة كالنجوم في السماء، وهىم يقلون رويدًا رويدًا، ومِن ثَمَّ تزداد الظُلمة في المجتمع، وليس معنى هذا أن عدم وجود الجيل الأول هو السبب الرئيسي، لا، ولكن عدم التمسك بمنهج الجيل الأول هو السبب في وقوع الضعف والفرقة والاختلاف، وهذا المنهج هو محفوظ، ولم يفنَ بعد، بل هو بيْن أيدينا، وهو يتمثل في القرآن والسُّنة بفهم السلف -رضي الله عنهم-.

عدم التعامل الحسن مِن الناس تجاه رأفة عثمان -رضي الله عنه- وحلمه:

لا شك أن هناك تباينًا ملحوظـًا بيْن أسلوبي عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان -رضي الله عنهما-، في كيفية إدارة الدولة وسياسة التعامل مع الرعية؛ فبينما كان عمر قوي الشكيمة، شديد المحاسبة لنفسه, ولمن تحت يديه، كان عثمان ألين طبعًا، وأرق في المعاملة، ولم يكن يأخذ نفسه أو يأخذ الناس بما يأخذهم به عمر -رضي الله عنه- حتى قال عثمان -رضي الله عنه- نفسه: "يرحم الله عمر، ومَن يطيق ما كان عمر يطيق!"، لكن الناس وإن رغبوا في الشوط الأول مِن خلافته؛ لأنه لان معهم -وكان عمر شديدًا عليهم- حتى أصبحت محبته مضرب المثل، فكان عثمان -رضي الله عنه- يتحلى بالرأفة والرحمة واللين مع الرعية، وللأسف قابل كثير مِن الناس هذه المعاملة الطيبة بالإساءة، وهذا اللين وهذه الرأفة مِن مميزات عثمان -رضي الله عنه-، لكن بعض الناس لم يحسنوا أن يقابلوا ذلك بالإحسان والطاعة!

وقد أدرك عثمان ذلك حين قال لأقوام سجنهم: "أتدرون ما جرأكم عليَّ؟! ما جرأكم عليَّ إلا حلمي!".

وروى يحيى عن أفلح بن حميد عن أبيه قال: لما أراد عثمان -رضي الله عنه- أن يكلِّم الناس على المنبر ويشاورهم في أمر توسعة المسجد، قال له مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي، هذا أمر خير لو فعلته ولم تذكر لهم، فقال: ويحك! إني أكره أن يروا أني أستبد عليهم بالأمور، قال مروان: فهل رأيت عمر حيث بناه وزاد فيه ذكر ذلك لهم؟ قال: اسكت، إن عمر اشتد عليهم فخافوه، حتى لو أدخلهم في جحر ضب دخلوا، وإني لنت لهم حتى أصبحت أخشاهم، قال مروان بن الحكم: فداك أبي وأمي لا يسمع هذا منك فيجترأ عليك.

وحين بدت نوايا الخارجين وقد ألزمهم عثمان الحجة في رده على المآخذ التي أخذوها عليه أمام الملأ مِن الصحابة والناس؛ أبى المسلمون إلا قتلهم، وأبى عثمان إلا تركهم لحلمه ووداعته قائلاً: بل نعفو ونقبل، ولنبصرهم بجهدها، ولا نحادّ أحدًا حتى يرتكب حدًّا أو يبدي كفرًا.

يقول محب الدين الخطيب -رحمه الله- عن هؤلاء الذين قابلوا الإحسان بالإساءة: "وفيهم مَن أصابهم مِن عثمان شيء مِن التعزير لبوادر بدرت منهم تخالِف أدب الإسلام؛ فأغضبهم التعزير الشرعي مِن عثمان -رضي الله عنه-، ولو أنهم قد نالهم مِن عمر -رضي الله عنه- أشد منه لرضوا به طائعين".

العودة إلى العصبية الجاهلية:

لقد حذر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن العصبية، وقال: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه)، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي غَزَاةٍ، فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ، وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه).

وقد ظهرت هذه العصبية عند بعض الأفراد أثناء الفتنة، وساعدت هذه العصبية على اشتعال الفتنة.

إن جوهر رسالة أمة الإسلام وحدتها واجتماعها على تعظيم الخالق وعبادته -سبحانه-، يقول الله -تعالى-: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) (المؤمنون:52)، ويقول -سبحانه-: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92).

وقد كان مِن أول أعمال النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة النبوية: تأسيس المجتمع الجديد على المؤاخاة بيْن المهاجرين والأنصار، وإرساء دعائم المحبة والإخوة والائتلاف بيْن جميع المسلمين، ونَبْذ كل ألوان العصبية الجاهلية التي تفرِّق الناس، وتثير نعرات العصبية والاختلاف؛ فآصرة الاجتماع والولاء في المجتمع الإسلامي تقوم على الإيمان بالله -تعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة:71).

وفي فتح مكة خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناس، وأعلن للناس ركيزة تأسيس هذه الأمة، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلَانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللَّهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ)، قال الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). العُبِّيَّةَ: الكبر والفخر.

فلا بد مِن إحياء عوامل الوحدة في الأمة، وجمع الصفوف على كلمة التوحيد الجامعة؛ امتثالاً لقول الحق -تبارك وتعالى-: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153)، وهذا هو اللواء الذي رفعه الإسلام لينقذ البشرية مِن العصبية للجنس، والعصبية للأرض، والعصبية للقبيلة، وكلها مِن الجاهلية، وقد حارب الإسلام هذه العصبية الجاهلية في كل صورها وأشكالها، ليقيم نظامه الإنساني العالمي في ظل راية واحدة، راية الله وحده لا سواه.

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن العصبية الجاهلية: (دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ) (متفق عليه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

- البداية والنهاية لابن كثير.

- تاريخ الرسل والملوك للطبري.

- العواصم مِن القواصم لابن العربي، مع تعليقات محب الدين الخطيب.

- منهاج السُّنة لابن تيمية.

- التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان -رضي الله عنه-، لمحمد بن يحيى المالقي الأندلسي.

- موقع قصة الإسلام، راغب السرجاني، الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه-.


التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* آيتان تكفيك يومك
* تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر عرض كتاب
* سرديات من التراث الجزائري: قراءة تأملية في النصوص المتاخمة
* السلامة من الفتن في ضوء الكتاب والسُنَّة
* مكارم الأخلاق
* ثبوت النسخ بالكتاب والسنة والإجماع
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2026, 02:19 PM   #11

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (11)
أسباب اشتعال الفتنة في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-

زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زلنا نلقي الضوء على بعض الأسباب التي ساعدت في اشتعال الفتنة ومقتل عثمان -رضي الله عنه-.

ومِن هذه الأسباب:

تآمر الحاقدين ودور عبد الله بن سبأ في إشعال الفتنة:

لقد دخل في الإسلام منافقون يجمعون الحقد والدهاء والمكر في أشخاصهم، ووجدوا مَن يستمع إليهم بآذان صاغية؛ هذا بالإضافة إلى مكر اليهود والنصارى وحقدهم على الإسلام، فاستغل أولئك الحاقدون مِن يهود ونصارى وفرس، وأصحاب الجرائم الذين أٌقيم عليهم الحدود الشرعية، مجموعاتٍ مِن الناس كان معظمهم مِن الأعراب، ممن لا يفقهون هذا الدين على حقيقته؛ فتكونت لهؤلاء جميعًا طائفة وُصفت مِن جميع مَن قابلهم بأنهم أصحاب شر؛ فقد وصفوا بالغوغاء مِن أهل الأمصار، ونُزَّاع القبائل، وأنهم حثالة الناس ومتفقون على الشر(1)، وسفهاء عديمو الفقه, وأراذل مِن أوباش القبائل(2)؛ فهم أهل جفاء وهمج، ورعاع مِن غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف الأراذل، وأنهم آلة الشيطان!(3).


وكان "ابن سبأ" أول مَن أحدث القول برجعة علي -رضي الله عنه- إلى الدنيا بعد موته، وبرجعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأول مكان أظهر فيه ابن سبأ مقالته هذه "مصر"، فكان يقول: العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب برجوع محمدٍ، وقال الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (القصص:85)، فمحمد أحق بالرجوع مِن عيسى، فقُبل ذلك منه، ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها(4)، وهو أول مَن قال بوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعلي، وأنه خليفته على أمته مِن بعده بالنص، وأول مَن أظهر البراءة مِن أعداء علي -رضي الله عنه-، وادعى ابن سبأ اليهودي أن عليًّا -رضي الله عنه- هو دابة الأرض، وأنه هو الذي خلق الخلق وبسط الرزق(5)، وقد برز دور عبد الله بن سبأ في السنوات الأخيرة مِن خلافة عثمان -رضي الله عنه- حيث بدت في الأفق سمات الاضطراب في المجتمع الإسلامي(6)، وغاية ما جاء به ابن سبأ آراء ومعتقدات ادعاها واخترعها مِن قِبَل نفسه، وافتعلها مِن يهوديته الحاقدة، وجعل يروجها وينشرها في المجتمع لغاية ينشدها؛ وهو الدس في المجتمع الإسلامي؛ بغية النيل مِن وحدته، وإذكاء نار الفتنة، وغرس بذور الشقاق بيْن أفراده.

فكانت هذه الأفكار مِن أهم العوامل التي أدت إلى قتل أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، وتفرُّق الأمة شيعًا وأحزابًا، وبعد أن استقر الأمر في نفوس أتباعه انتقل إلى هدفه، وهو خروج الناس على الخليفة عثمان -رضي الله عنه-، فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم حيث قال لهم: مَن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووثب على وصيِّ رسول -صلى الله عليه وسلم-، وتناول أمر الأمة؟!

ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، وهذا وصي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر(7).

إن المشاهير مِن المؤرخين والعلماء مِن سلف الأمة وخَلَفِهَا يتفقون على أن ابن سبأ ظهر بيْن المسلمين بعقائد وأفكار، وخطط سبئية؛ ليلفت المسلمين عن دينهم وطاعة إمامهم، ويوقع بينهم الفُرْقة والخلاف، فاجتمع إليه مِن غوغاء الناس ما تكونت به بعد ذلك الطائفة السبئية المعروفة, التي كانت عاملاً مِن عوامل الفتنة في المجتمع المسلم(8).

وهنا تظهر خطورة النفاق وخطورة المنافقين في المجتمع؛ لذا كان النفاق أخطر مِن الكفر وعقوبته أشد؛ لأنه كفر بلباس الإسلام وضرره أعظم؛ ولذلك جعل الله المنافقين في أسفل النار كما قال -سبحانه-: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) (النساء:145).

أهل النفاق دائمًا في خداع ومكر؛ ظاهرهم مع المؤمنين، وباطنهم مع الكافرين: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا) (النساء:143).

والمنافقون لفساد قلوبهم أشد الناس إعراضًا عن دين الله كما أخبر الله عنهم بقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) (النساء:61).

وتصرفات المنافقين تدور مع مصالحهم؛ فإذا لقوا المؤمنين أظهروا الإيمان، وإذا لقوا سادتهم وكبراءهم قالوا نحن معكم على ما أنتم عليه مِن الشرك والكفر، كما قال -سبحانه- عنهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ . اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) (البقرة:14-15).

ومِن صفاتهم: العداوة والحسد للمؤمنين، كما قال -سبحانه-: (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ) (التوبة:50).

ومِن صفاتهم: الفساد في الأرض بالكفر والنفاق والمعاصي، قال الله -تعالى-: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ . أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) (البقرة:11-12).

ومِن صفاتهم: البهتان والكذب كما أخبر الله عنهم بقوله: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) (المائدة:56).

ومِن صفاتهم: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف والبخل بالمال كما أخبر الله عنهم بقوله: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (التوبة:67).

ومِن صفاتهم: الطمع والجشع: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) (التوبة:58).

ومِن صفاتهم: ما بيَّنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ) (متفق عليه).

وحيث إن خطر الكفار والمنافقين على الأمة الإسلامية عظيم؛ لذا أمر الله رسوله بجهادهم، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة:73). (وها هو القرآن الكريم يبيِّن لنا خطر المنافقين على المجتمع "حتى وإن كانوا قلة"؛ قال الله -تعالى-: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة:47).

أي لو خرج فيكم هؤلاء المنافقون (مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) أي: إلا فسادًا وشرًّا وضرًّا؛ لأنهم جبناء مخذولون، ولسعوا في الفتنة والشر بينكم، وفرقوا جماعتكم المجتمعين. (وَفِيكُمْ) أناس ضعفاء العقول (سَمَّاعُونَ لَهُمْ) أي: مستجيبون لدعوتهم يغترون بهم؛ ولذلك ثبَّطتُهم عن الخروج معكم.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كان عدد المنافقين كبيرًا لهذا الحد؟!

هل كان عددهم كافيًا لنشر الشر والفساد والفتن بيْن المؤمنين؟

والجواب:

ليس الأمر بكثرة العدد أو قلته؛ فلقد خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى تبوك، وخرج معه ثلاثون ألف مقاتل، وعدد المنافقين الذين تخلفوا عنه كانوا بضعة وثمانين رجلاً، فسبحان الله! هذا العدد القليل جدًّا بالنسبة لتعداد الجيش، كان سينشر الشر والفساد، ويوقع الفتن بيْن المؤمنين الخلص مع كثرة عددهم؛ ولذلك أنزل الله في صدر سورة البقرة أربع آيات في المؤمنين الخلص، وأنزل في الكفار الخلص آيتين، وأنزل بالفريق الثالث المنافقين بضع عشرة آية.

فاللهم احفظ البلاد والعباد مِن المنافقين وشرهم، يا أرحم الراحمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن سعد، الطبقات (ج3 ص71).

(2) شذرات الذهب في أخبار مَن ذهب لابن العماد.

(3) تاريخ الرسل والملوك للطبري (ج5 ص327). (قلتُ: وقد تردد في المصادر اسم عبد الله بن سبأ الصنعاني اليهودي ضمن هؤلاء الموتورين الحاقدين، وأنه كان مِن اليهود ثم أسلم، ولم ينقب أحد عن نواياه فتنقل بيْن البلدان الإسلامية باعتباره أحد أفراد المسلمين. قال ابن تيمية -رحمه الله-: "إن مبدأ الرفض إنما كان مِن الزنديق عبد الله بن سبأ", ويقول الذهبي: "عبد الله بن سبأ مِن غلاة الزنادقة، ضال مضل، ادعى الإلهية في علي بن أبي طالب، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته".

(4) سعدي بن مهدي الهاشمي، ابن سبأ حقيقة لا خيال، الناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، طبعة عام 1400هـ - 1981م، ص 151.

(5) سعديا بن مهدي الهاشمي: ابن سبأ حقيقة لا خيال، ص156.


(6) تاريخ دمشق لابن عساكر.

(7) تاريخ الرسل والملوك للطبري (ج5 ص 347).

(8) الصَّلاَّبي "تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ص338".
التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* آيتان تكفيك يومك
* تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر عرض كتاب
* سرديات من التراث الجزائري: قراءة تأملية في النصوص المتاخمة
* السلامة من الفتن في ضوء الكتاب والسُنَّة
* مكارم الأخلاق
* ثبوت النسخ بالكتاب والسنة والإجماع
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-11-2026, 06:24 PM   #12

 
الملف الشخصي:





 


تقييم العضو:
معدل تقييم المستوى: 0

ابو الوليد المسلم غير متواجد حاليا

افتراضي

      

صفحات مِن ذاكرة التاريخ (12)
استشهاد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-


زين العابدين كامل


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ثوار الأمصار يتحركون مِن مراكزهم لمهاجمة عثمان -رضي الله عنه-:

توجَّه معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- إلى عثمان -رضي الله عنه-، وعَرَض عليه أن يَذهب معه إلى بلاد الشام، وقال له: يا أمير المؤمنين, انطلق معي إلى الشام، قبْل أن يتكالب عليك هؤلاء، ويحدث ما لا قِبَل لكَ به.


قال عثمان: أنا لا أبيع جوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشيءٍ، ولو كان فيه قطع خيط عنقي.

قال له معاوية: إذن أبعث لك جيشًا مِن أهل الشام يقيم في المدينة؛ ليدافع عنك وعن أهل المدينة.

قال عثمان: لا؛ حتى لا أٌضيِّق على جيران وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الأرزاق بجند تساكنهم في المدينة.

واتفق أهل الفتنة على مهاجمة عثمان في المدينة، وحمله على التنازل عن الخلافة؛ وإلا يُقتل، وقرروا أن يأتوا مِن مراكزهم الثلاثة: "مصر - والكوفة - والبصرة" في موسم الحج، وأن يغادروا بلادهم مع الحجاج، وأن يكونوا في صورة الحجاج؛ فإذا وصلوا المدينة، تركوا الحجاج يذهبون إلى مكة لأداء مناسك الحج، واستغلوا فراغ المدينة مِن معظم أهلها الذين ذهبوا لأداء فريضة الحج، وقاموا بمحاصرة عثمان -رضي الله عنه- تمهيدًا لخلعه أو قتله(1)، وفي شوال سنة خمس وثلاثين كان أهل الفتنة على مشارف المدينة(2), بعد أن خرجوا مِن مصر في أربع طوائف، لكل طائفة أمير، ولهؤلاء الأمراء أمير ومعهم عبد الله بن سبأ، وكان عدد الطوائف الأربعة ألف رجل.

وخرجت فرقة أخرى مِن الكوفة في ألف رجل، في أربع طوائف أيضًا، وخرجت فرقة أخرى مِن البصرة في ألف رجل، في أربع طوائف أيضًا(3)، وكان أهل الفتنة مِن مصر يريدون علي بن أبي طالب خليفة، وكان أهل الفتنة مِن الكوفة يريدون الزبير بن العوام خليفة، وكان أهل الفتنة مِن البصرة يريدون طلحة بن عبيد الله(4)، وهذا العمل منهم كان بهدف الإيقاع بيْن الصحابة -رضوان الله عليهم-.

وبلغ خبر قدومهم عثمان -رضي الله عنه- قبْل وصولهم، وكان في قرية خارج المدينة، فلما سمعوا بوجوده فيها، اتجهوا إليه فاستقبلهم فيها، وكان أول مَن وصل فريق المصريين، فقالوا لعثمان: ادع بالمصحف فدعا به، فقالوا: افتح السابعة، وكانوا يسمون سورة يونس بالسابعة، فقرأ حتى أتى هذه الآية: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ) (يونس:59)، فقالوا له: قف أرأيت ما حميت مِن الحمى؛ الله أذن لك أم على الله تفتري؟! فقال: نزلتْ في كذا وكذا؛ فأما الحمى فإن عمر حماه قبلي لإبل الصدقة، فلما وليتُ زادت إبل الصدقة؛ فزدتُ في الحمى لما زاد مِن إبل الصدقة، فجعلوا يأخذونه بالآية، فيقول نزلتْ في كذا فما يزيدون.

وتم الصلح بينهم وبين عثمان -رضي الله عنه- على شروط تم الاتفاق عليها بينهم وبينه، وكتبوا بذلك كتابًا، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفارقوا جماعة ما أقام لهم شرطهم، ثم رجعوا راضين، وقد حضر هذا الصلح علي بن أبى طالب -رضي الله عنه-(5).

وبعد هذا الصلح وعودة أهل الأمصار جميعًا راضين تبيَّن لمشعلي الفتنة أن خطتهم قد فشلتْ، وأن أهدافهم الدنيئة لم تتحقق؛ لذا خططوا تخطيطًا آخر يشعل الفتنة ويحييها، وزوروا كتابًا على أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه-، ففي أثناء طريق عودة أهل مصر، رأوا راكبًا على جمل يتعرض لهم، ويفارقهم يُظهر أنه هارب منهم، فقبضوا عليه، وقالوا له: ما لك؟ فقال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله بمصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان -رضي الله عنه- وعليه خاتمه إلى عامله، ففتحوا الكتاب فإذا فيه أمر بصلبهم أو قتلهم، أو تقطيع أيديهم وأرجلهم، فرجعوا إلى المدينة حتى وصلوها، ونفى عثمان -رضي الله عنه- أن يكون كتب هذا الكتاب(6)، وقال لهم: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين مِن المسلمين أو يمين بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبتُ ولا أمليتُ، ولا علمتُ، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم، فلم يصدقوه، وقد أقسم لهم عثمان بأنه ما كتب هذا الكتاب(7).

وقد زور المجرمون كتبًا أخرى على علي، وعائشة، وطلحة، والزبير -رضي الله عنهم-؛ فهذا الكتاب الذي زعم هؤلاء المتمردون البغاة المنحرفون أنه مِن عثمان، وعليه خاتمه يحمله غلامه على واحدٍ مِن إبل الصدقة إلى عامله بمصر -ابن أبي السرح-، يأمر فيه بقتل هؤلاء الخارجين - هو كتاب مزور مكذوب على لسان عثمان -رضي الله عنه-(8).

ثم تمتْ عملية الحصار لعثمان -رضي الله عنه-، وبعد أن تم الحصار، وأحاط الخارجون على عثمان -رضي الله عنه- بالدار طلبوا منه خلع نفسه أو يقتلوه؛ فرفض عثمان -رضي الله عنه- خلع نفسه، وقال: لا أخلع سربالاً سربلنيه الله(9)، يشير إلى ما أوصاه به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينما كان قلة مِن الصحابة -رضوان الله عليهم- يرون خلاف ما ذهب إليه, وأشار عليه بعضهم بأن يخلع نفسه ليعصم دمه، ومِن هؤلاء المغيرة بن الأخنس -رضي الله عنه-، لكنه رفض ذلك.

ودخل ابن عمر على عثمان -رضي الله عنهما- أثناء حصاره، فقال له عثمان -رضي الله عنه-: انظر إلى ما يقول هؤلاء، يقولون: اخلعها ولا تقتل نفسك، فقال ابن عمر -رضي الله عنهما-: إذا خلعتها: أمخلد أنت في الدنيا؟ فقال عثمان -رضي الله عنه-: لا. قال: فإن لم تخلعها: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال عثمان -رضي الله عنه- لا. قال: فهل يملكون لك جنة أو نارًا؟ قال لا. قال: فلا أرى لك أن تخلع قميصًا قمَّصكه الله؛ فتكون سُنة كلما كرِه قوم خليفتهم أو إمامهم قتلوه!(10).

وبينما كان عثمان -رضي الله عنه- في داره، والقوم أمام الدار محاصروها دخل ذات يوم مدخل الدار، فسمع توعد المحاصرين له بالقتل، فخرج مِن المدخل، ودخل على مَن معه في الدار ولونه ممتقع -ممتقع الوجه: متغيرٌ لونُه مِن حزن أو فزع-، كما في حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف، فقال: إِنَّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونَنِي بِالْقَتْلِ آنِفًا، قَالَ: قُلْنَا: يَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَلِمَ يَقْتُلُونَنِي؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٌ بَعْدَ إِسْلَامٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ)، "فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ، وَلَا فِي إِسْلَامٍ قَطُّ، وَلَا أَحْبَبْتُ أَنَّ لِي بِدِينِي بَدَلًا مُنْذُ هَدَانِي اللَّهُ، وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا، فَبِمَ يَقْتُلُونَنِي؟" (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

ثم أشرف على المحاصرين وحاول تهدئة ثورتهم عن خروجهم على إمامهم.

وللحديث بقية -إن شاء الله تعالى-.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ

(1) الصلابي، تيسير الكريم المنان في سيرة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ص 370، نقلاً عن "الخلفاء الراشدون" للخالدي، ص159.

(2) محمد الخضر بك، إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء، طبعة المكتبة التجارية الكبرى، ص183.

(3) علاء الدين مغلطاوي بن قلنج بن عبد الله البكجري الحنفي، المتوفَّى (762هـ)، مختصر تاريخ الخلفاء، الناشر دار الفجر، طبعة عام 2001م، ص 69.

(4) الطبري، تاريخ الرسل والملوك (5/357).

(5) محمد بن عبد الله بن عبد القادر غبان الصبحي، فتنة مقتل عثمان بن عفان -رضي الله عنه- (1/160).

(6) وكيف يكتب إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد أذِن له بالمجيء إلى المدينة، ويعلم أنه خرج مِن مصر، وكان المتسلط على الحكم في الفسطاط محمد بن أبي حذيفة رئيس البغاة وعميدهم في هذه الجهة، ومضمون الكِتاب المزور قد اضطرب رواة أخباره في تعيين مضمونه، انظر: محب الدين الخطيب، العواصم من القواصم ص 110.

(7) ابن كثير، البداية والنهاية (7/ 191). وانظر: محمد غبان، المرجع السابق، ص161.

(8) ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354هـ) السيرة النبوية وأخبار الخلفاء، صحّحه وعلق عليه الحافظ السيد عزيز بك، الناشر: الكتب الثقافية بيروت، الطبعة الثالثة 1417هـ - 1995م، (2/515).


(9) محمد يحيى الأندلسي، التمهيد والبيان في مقتل الشهيد عثمان، ص47.

(10) أبو القاسم التيمى: إسماعيل بن محمد بن الفضل بن على التيمي، توفي (535)، الخلفاء الأربعة أيامهم وسيرتهم، حققه: كرم حلمي فرحات أبو صيري، الناشر: مطبعة دار الكتب المصرية عام 1999، ص 171.



التوقيع:
منهجي الكتاب والسنة بفهم السلف، ولائي لله ولرسوله ﷺ، مع الدليل حيث دار، أحب السنة وأبغض البدعة والحزبية والتيارات ، حفظ الله مصر
نحن لا نأخذ هذا الدين من الفنانين ولاعبي الكرة ولكن نأخذه من العلماء ومشايخنا المعتبرين

من مواضيعي في الملتقى

* آيتان تكفيك يومك
* تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر عرض كتاب
* سرديات من التراث الجزائري: قراءة تأملية في النصوص المتاخمة
* السلامة من الفتن في ضوء الكتاب والسُنَّة
* مكارم الأخلاق
* ثبوت النسخ بالكتاب والسنة والإجماع
* مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ

ابو الوليد المسلم متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد
   
الكلمات الدلالية (Tags)
متجدد, مِن, التاريخ, ذاكرة, صفحات, _____
 

   
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
غزة في ذاكرة التاريخ ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 16 03-17-2026 06:11 PM
معركة كوسوفا – ذاكرة الصليب ابو الوليد المسلم ملتقى التاريخ الإسلامي 0 01-26-2026 06:55 PM
من ذاكرة فلسطين ام هُمام ملتقى التاريخ الإسلامي 4 12-26-2017 06:49 PM
4 مصحف توفيق النوري برواية ورش كاملة مقسم سور و اجزاء و احزاب و صفحات _____ لاول مرة الحج الحج ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 10-06-2016 05:17 PM
مصطفى بن مالك مصحف رواية ورش كاملا 114 سورة _____ لاول مرة الحج الحج ملتقى القرآن الكريم وعلومه 1 09-21-2016 05:56 PM


   
 

vBulletin® v3.8.7, Copyright ©, TranZ by Almuhajir
جميع الحقوق محفوظة لموقع العودة الإسلامي
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009